← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

صلى الله عليه وسلم: هذا القرآن تذكرة، وقد خلقت للإنسان الكثير مما يقتضي شكرا، فإذا لم يتذكر ولم يشكر، فلا عليك أن تحرص هذا الحرص على إسلام الكافرين المستغنين، بحيث تعطل حقوق المسلمين. تفسير الجزء الثاني من الفقرة الثانية: قُتِلَ الْإِنْسانُ أي: لعن الكافر ما أَكْفَرَهُ قال النسفي: استفهام توبيخ أي: أي شئ حمله على الكفر؟ أو هو تعجب، أي: ما أشد كفره. قال ابن كثير: وهذا لجنس الإنسان المكذب لكثرة تكذيبه بلا مستند، بل بمجرد الاستبعاد وعدم العلم مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ أي: من أي شئ حقير خلقه؟ وهو استفهام ومعناه التقرير، ثم بين ذلك الشئ فقال: مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ قال ابن كثير: أي: قدر أجله ورزقه وعمله، وشقي أو سعيد. أقول: قدره على الصورة والشكل والحجم وغير ذلك من خلقه ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ أي: بين له سبيل الخير والشر. قال ابن كثير: أي: بيناه له وأوضحناه وسهلنا عليه علمه. أقول: وهناك قول آخر في الآية مضمونه أنه يسر خروجه من بطن أمه، والصحيح الأول، قال ابن كثير: هو الأرجح. ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ قال النسفي: (أي: جعله ذا قبر يوارى فيه لا كالبهائم لا كرامة له) وقال الألوسي: ففي الآية إشارة إلى مشروعية دفن الإنسان ... وأما دفن غيره من الحيوانات فقيل هو مباح لا مكروه وقد يطلب لأمر مشروع يقتضيه كدفع أذى جيفته مثلا) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ أي: بعثه بعد موته كَلَّا ردع للإنسان عن الكفر لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ قال النسفي: أي: لم يفعل هذا الكافر ما أمره الله به من الإيمان، وقال الألوسي: (والمعنى على ما قال غير واحد: لم يقض من أول زمان تكليفه إلى زمان إماتته وإقباره، أو من لدن آدم ﵇ إلى هذه الغاية مع طول المدى وامتداده جميع ما أمره فلم يخرج من جميع أوامره تعالى، إذ لا يخلو أحد عن تقصير ما، ونقل هذا عن مجاهد وقتادة)، وقال ابن جرير في الآية: يقول جل ثناؤه: كلا ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر من أنه قد أدى حق الله عليه في نفسه وماله لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ يقول: لم يؤد ما فرض عليه من الفرائض لربه ، وقال مجاهد في الآية: أي: لا يقضي أحد أبدا كل ما افترض عليه، وذهب ابن كثير مذهبا انفرد به في الآية رابطا لها بما قبلها، قال: إن المعنى: ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ أي: بعثه كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ أي: لا يفعله الآن

стр. 6057

حتى تنقضي المدة، ويفرغ القدر من بني آدم ممن كتب الله أن سيوجد منهم، ويخرج إلى الدنيا، وقد أمر به تعالى كونا وقدرا، فإذا تناهى ذلك عند الله أنشر الله الخلائق وأعادهم كما بدأهم. أقول: والقول الأول أولى وقد أبعد ابن كثير فيما ذهب إليه. كلمة في السياق: ١ - بدأ هذا الجزء بقوله تعالى: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ وانتهى بقوله تعالى: كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ ففي بداية هذا الجزء سجل على الإنسان كفره، وفي نهايته سجل عليه ضعف قيامه بواجباته، وفي الوسط ذكر الله تعالى ما تقوم به الحجة على الإنسان، إذ يكفر أو يقصر، لقد ذكر الله الإنسان بأصل نشأته، وحسن تقدير الله لتركيبه، ثم هدايته له، ثم إكرامه بالقبر، ثم الحكم عليه بالنشر، وهذا كله يقتضي شكرا لا كفرا ولا تقصيرا، فإذا كان الإنسان مع هذا كله يكفر ويقصر، فالذنب ذنبه، وبالتالي فلا عليك يا رسول الله صلى الله عليك وسلم من أمره شيئا، فلا يدفعنك الحرص على إسلام الكافر إلى التقصير في حق المسلم. ٢ - ثم يأتي الجزء الثالث من الفقرة وفيه يلفت الله نظر الإنسان إلى إنعامه عليه بكل ما يحتاجه، مما يقتضي منه شكرا، وقياما بالواجب. وكأن هذا وحده كاف لتقوم الحجة، فإذا لم يهتد ولم يشكر فالذنب ذنبه، قال النسفي مقدما للكلام عن هذا الجزء: (لما عدد النعم عليه في نفسه- أي: في الجزء السابق من ابتداء حدوثه إلى آن انتهائه- أتبعه ذكر النعم فيما يحتاج إليه فقال: فَلْيَنْظُرِ ... ). تفسير الجزء الثالث من الفقرة الثانية: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ أي: الذي يأكله ويحيا به كيف دبرنا أمره أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا قال النسفي: يعني المطر من السحاب ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا قال النسفي: أي: بالنبات. قال ابن كثير في الآيتين: أي: أسكناه فيها فيدخل في جوفها ويتخلل في أجزاء الحب المودع فيها، فنبت وارتفع وظهر على وجه الأرض فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا كالبر والشعير وغيرهما مما يتغذى به وَعِنَباً وَقَضْباً قال ابن كثير: والقضب هو الفصفصة التي تأكلها الدواب رطبة، ويقال لها القت أيضا وَزَيْتُوناً قال ابن كثير: وهو معروف، وهو أدم وعصيره أدم، ويستصبح به ويدهن به وَنَخْلًا قال ابن كثير: (يؤكل بلحا بسرا ورطبا وتمرا ونيئا ومطبوخا،

стр. 6058

ويعتصر منه دبس ويصنع منه خل) وَحَدائِقَ غُلْباً أي: غلاظ الأشجار وَفاكِهَةً وَأَبًّا أما الفاكهة فكل ما يتفكه به من الثمار والأب: ما أنبتت الأرض مما تأكله الدواب، ولا يأكله الناس مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ أي: منفعة لكم ولأنعامكم. قال ابن كثير: أي: عيشة لكم ولأنعامكم في هذه الدار إلى يوم القيامة. كلمة في السياق: ١ - جاء هذا الجزء من الفقرة آمرا بالنظر إلى طعام الإنسان، وطعام دوابه كيف رتب الله أمره بعد ذكر كفر الإنسان وتقصيره في الجزء الثاني من الفقرة، وفي ذلك دلالة على أن الإنسان لو نظر هذه النظرة، وبنى عليها ما ينبغي لشكر، ولم يكفر، ولقام في الواجب، ولم يقصر، وهكذا نجد أن الفقرة الثانية في أجزائها الثلاثة أدبت المسلمين في أن يعرفوا قدر هذا القرآن، وأن يعرفوا أن الحجة قائمة به على الكافرين، وأن الكافرين بحاجة إليه، وعرفتنا على الطبيعة الإنسانية الكافرة المقصرة، وبينت لنا أن النظر في الإنسان وما أكرمه الله به كاف لإقامة الحجة، وجعل الإنسان على المحجة، أما والإنسان لم يفعل فذلك ذنبه، وبالتالي فلا ينبغي أن تضيع حقوق المسلمين بسبب الكافرين. ٢ - بمناسبة الجزء الأخير من الفقرة نحب أن نسجل هنا ملاحظة هي: إن المعاني القرآنية تكون في كثير من الأحيان تسجيلا لبداهة النظر الفطري، ولفت نظر إلى مدلولاته، وفي ذلك مظهر من مظاهر إعجاز هذا القرآن، إذ لفت نظر الإنسان إلى كل شئ حوله وما ينبغي أن يبني عليه، وكان ذلك بأعلى درجات البلاغة والبيان، إن من تأمل هذه الظاهرة وحدها من ظواهر القرآن كفاه ذلك دليلا على أن هذا القرآن من عند الله . ٣ - وبعد ما مر معنا في الفقرتين السابقتين تأتي الفقرة الأخيرة في السورة، وهي تبني على ما ورد في الفقرتين السابقتين، فالفقرة الأولى أظهرت لنا أن هناك كافرا يستغني، ومؤمنا يفتقر ويرغب، وفي الفقرة الثانية عرفنا أن هناك قرآنا يذكر، وأن هناك ناسا يتذكرون، وناسا لا يتذكرون، ومن ثم فإن الفقرة الثالثة تبين حال الطائفتين يوم القيامة، وهي في أدائها لهذا المعنى، كأنها تقول لرسول الله ﷺ : هذا حال الكافرين وحال المؤمنين يوم القيامة؛ فمن الأولى بالحرص منكما على الآخر؟ أنت الذي تدل على طريق النجاة؟ أو ذلك الكافر المفتقر إليك لتدله على طريق النجاة؟ فإذا

стр. 6059

لم يفعل فدعه وشأنه، وأقبل على الذي يحرص على طريق النجاة. الفقرة الثالثة والأخيرة في السورة وتمتد من الآية (٣٣) إلى نهاية الآية (٤٢) وهذه هي: [سورة عبس (٨٠): الآيات ٣٣ الى ٤٢] فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) التفسير: فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ قال ابن كثير: الصاخة اسم من أسماء يوم القيامة عظمه الله وحذر منه، قال ابن جرير لعله اسم النفخة في الصور، وقال البغوي: الصاخة يعني صيحة يوم القيامة سميت بذلك لأنها تصخ الأسماع أي: تبالغ في إسماعها حتى تكاد تصمها) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ قال النسفي: لتبعات بينه وبينهم أو لاشتغاله بنفسه وَصاحِبَتِهِ أي: وزوجته وَبَنِيهِ قال النسفي: بدأ بالأخ ثم بالأبوين لأنهما أقرب منه، ثم بالصاحبة والبنين لأنهم أحب، وقال ابن كثير: (أي: يراهم ويفر منهم ويبتعد منهم؛ لأن الهول عظيم والخطب جليل، قال عكرمة: يلقى الرجل زوجته فيقول لها: يا هذه أي بعل كنت لك؟ فتقول: نعم البعل كنت، وتثني بخير ما استطاعت، فيقول لها: فإني أطلب إليك اليوم حسنة واحدة تهبيها لي لعلي أنجو مما ترين، فتقول له: ما أيسر ما طلبت ولكن لا أطيق أن أعطيك

стр. 6060

شيئا أتخوف مثل الذي تخاف. قال: وإن الرجل ليلقى ابنه فيتعلق به، فيقول: يا بني أي والد كنت لك؟ فيثني عليه بخير. فيقول له: يا بني إني احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك لعلي أنجو بها مما ترى، فيقول ولده: يا أبت ما أيسر ما طلبت ولكني أتخوف مثل الذي تتخوف فلا أستطيع أن أعطيك شيئا، يقول الله تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ وفي الحديث الصحيح في أمر الشفاعة أنه إذا طلب إلى كل من أولي العزم أن يشفع عند الله في الخلائق يقول: نفسي لا أسألك إلا نفسي، حتى إن عيسى ابن مريم يقول لا أسأله اليوم إلا نفسي، لا أسأله مريم التي ولدتني ولهذا قال تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ قال قتادة الأحب فالأحب والأقرب فالأقرب من هول ذلك اليوم.) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ في نفسه يُغْنِيهِ أي: يكفيه في الاهتمام به ويشغله عن غيره وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ أي: مضيئة، قال النسفي: من قيام الليل أو من آثار الوضوء، قال ابن كثير: أي: يكون الناس هنالك فريقين وجوه مسفرة أي: مستنيرة ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ أي: مسرورة فرحة من السرور في قلوبهم، قد ظهر البشر على وجوههم، وهؤلاء هم أهل الجنة وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ أي: غبار تَرْهَقُها قَتَرَةٌ أي: يعلو الغبرة سواد كالدخان، قال النسفي: ولا ترى أوحش من اجتماع الغبرة والسواد في الوجه أُولئِكَ أي: أهل هذه الحالة هُمُ الْكَفَرَةُ في حقوق الله الْفَجَرَةُ في حقوق العباد، قال ابن كثير: أي: الكفرة في قلوبهم، الفجرة في أعمالهم. قال النسفي: ولما جمعوا الفجور إلى الكفر جمع إلى سواد وجوههم الغبرة. كلمة في السياق: ١ - في الفقرة الأخيرة تبيان لحال الناس يوم القيامة، وفي ذلك تهييج على ترك الكفر، وعلى القيام بالشكر، وتبيان لحاجة الخلق إلى الله، وافتقارهم إلى رسوله ﷺ ، وفي ذلك تتمة التذكير لرسول الله ﷺ ألا يدفعه الحرص على إسلام الكافرين إلى أن يقصر في حقوق المسلمين المقبلين عليه، وفي الفقرة كذلك بيان إلى أنه لا بد من كافر ومؤمن، وفي ذلك درس لرسول الله ﷺ من أجل أن تستقر في نفسه هذه الحقيقة فلا تحمله الشفقة بخلق الله على التفريط بحق عباد الله، حرصا على إسلام الخلق كلهم ما دام الأمر في حكمة الله وقضائه كذلك، نسأل الله أن يحيينا مؤمنين مسلمين محسنين متقين، وأن يميتنا ويحشرنا على ذلك.

стр. 6061

٢ - قلنا إن محور السورة هو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ولا شك أننا أخذنا دروسا كثيرة من السورة تعمق فهمنا لآيتي سورة البقرة. الفوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى* أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ترجم الألوسي لعبد الله بن أم مكتوم فقال: (وكان أعمى وعمي بعد نور، وقيل: ولد أعمى، ولذا قيل لأمه: أم مكتوم. أتى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وعنده صناديد قريش عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد ابن المغيرة يناجيهم ويدعوهم إلى الإسلام؛ رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم، فقال: يا رسول الله أقرئني وعلمني مما علمك الله تعالى، وكرر ذلك، ولم يعلم تشاغله بالقوم، فكره رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قطعه لكلامه، وعبس وأعرض عنه، فنزلت، فكان رسول الله ﵊ يكرمه ويقول إذا رآه: «مرحبا بمن عاتبني فيه ربي» ويقول: «هل لك من حاجة» واستخلفه صلى الله تعالى عليه وسلم على المدينة فكان يصلي بالناس ثلاث عشرة مرة، كما رواه ابن عبد البر في الاستيعاب عن أهل العلم بالسير، ثم استخلف بعده أبا لبابة وهو من المهاجرين الأولين، هاجر ابن أم مكتوم على الصحيح قبل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ووهم القرطبي في زعمه أنه مدني، وأنه لم يجتمع بالصناديد المذكورين من أهل مكة، وموته قيل: بالقادسية شهيدا يوم فتح المدائن أيام عمر رضي الله تعالى عنه، ورآه أنس يومئذ وعليه درع وله راية سوداء، وقيل: رجع منها إلى المدينة فمات بها رضي الله تعالى عنه، وضمير عبس وما بعده للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وفي التعبير عنه ﵊ بضمير الغيبة إجلال له صلى الله تعالى عليه وسلم لإيهام أن من صدر عنه ذلك غيره؛ لأنه لا يصدر عنه صلى الله تعالى عليه وسلم مثله كما أن في التعبير عنه صلى الله تعالى عليه وسلم بضمير الخطاب في قوله سبحانه: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ذلك لما فيه من الإيناس بعد الإيحاش، والإقبال بعد الإعراض، والتعبير عن ابن أم مكتوم بالأعمى للإشعار بعذره في الإقدام على قطع كلام الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم وتشاغله بالقوم). أقول: على الداعية إلى الله أن يقبل على كل المستجيبين

стр. 6062

بالرعاية الكاملة، فكم من إنسان لا تعطيه أهمية ويكون خيرا من مئات من الناس الذين يظن فيهم الخير، ثم لا يخرج منهم شئ كثير. ٢ - علق صاحب الظلال تعليقات طويلة على قوله تعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى ... ونقتطف من كلامه ما يلي: (ولقد انفعلت نفس الرسول ﷺ لهذا التوجيه، ولذلك العتاب. انفعلت بقوة وحرارة، واندفعت إلى إقرار هذه الحقيقة في حياته كلها، وفي حياة الجماعة المسلمة بوصفها هي حقيقة الإسلام الأولى. وكانت الحركة الأولى له ﷺ هي إعلان ما نزل له من التوجيه والعتاب في الحادث. وهذا الإعلان أمر عظيم رائع حقا. أمر لا يقوى عليه إلا رسول، من أي جانب نظرنا إليه في حينه. نعم لا يقوى إلا رسول على أن يعلن للناس أنه عوتب هذا العتاب الشديد، بهذه الصورة الفريدة في خطإ أتاه! وكان يكفي لأي عظيم- غير الرسول- أن يعرف هذا الخطأ وأن يتلافاه في المستقبل. ولكنها النبوة. أمر آخر. وآفاق أخرى! لا يقوى إلا رسول على أن يقذف بهذا الأمر هكذا في وجوه كبراء قريش في مثل تلك الظروف التي كانت فيها الدعوة، مع أمثال هؤلاء المستعزين بنسبهم وجاههم ومالهم وقوتهم، في بيئة لا مكان فيها لغير هذه الاعتبارات، إلى حد أن يقال فيها عن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم: «لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم!» ... وهذا نسبه فيهم، لمجرد أنه هو شخصيا لم تكن له رئاسة فيهم قبل الرسالة! ثم إنه لا يكون مثل هذا الأمر في مثل هذه البيئة إلا من وحي السماء. فما يمكن أن ينبثق هذا من الأرض ... ومن هذه الأرض بذاتها في ذلك الزمان!! وهي قوة السماء التي دفعت مثل هذا الأمر في طريقه؛ فإذا هو ينفذ من خلال نفس النبي ﷺ إلى البيئة من حوله؛ فيقرر فيها بعمق وقوة واندفاع، يطرد به أزمانا طويلة في حياة الأمة المسلمة. لقد كان ميلادا جديدا للبشرية كميلاد الإنسان في طبيعته، وأعظم منه خطرا في قيمته ... أن ينطلق الإنسان حقيقة- شعورا وواقعا- من كل القيم المتعارف عليها في الأرض، إلى قيم أخرى، تتنزل له من السماء منفصلة منعزلة عن كل ما في الأرض من

стр. 6063

قيم وموازين وتصورات واعتبارات وملابسات عملية، وارتباطات واقعية ذات ضغط وثقل، ووشائج متلبسة باللحم والدم والأعصاب والمشاعر. ثم أن تصبح القيم الجديدة مفهومة من الجميع، مسلما بها من الجميع. وأن يستحيل الأمر العظيم الذي احتاجت نفس محمد ﷺ كي تبلغه إلى التنبيه والتوجيه، أن يستحيل هذا الأمر العظيم بديهية الضمير المسلم، وشريعة المجتمع المسلم، وحقيقة الحياة الأولى في المجتمع الإسلامي لآماد طويلة في حياة المسلمين. إننا لا نكاد ندرك حقيقة ذلك الميلاد الجديد؛ لأننا لا نتمثل في ضمائرنا حقيقة هذا الانطلاق من كل ما تنشئه أوضاع الأرض وارتباطاتها من قيم وموازين واعتبارات ساحقة الثقل إلى الحد الذي يخيل لبعض أصحاب المذاهب (التقدمية!) أن جانبا واحدا منها- هو الأوضاع الاقتصادية- هو الذي يقرر مصائر الناس وعقائدهم وفنونهم وآدابهم وقوانينهم وعرفهم وتصورهم للحياة! كما يقول أصحاب مذهب التفسير المادي للتاريخ في ضيق أفق، وفي جهالة طاغية بحقائق النفس وحقائق الحياة! إنها المعجزة. معجزة الميلاد الجديد للإنسان على يد الإسلام في ذلك الزمان). ٣ - بمناسبة قوله تعالى عن القرآن: كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ* فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ* فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ* مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ* بِأَيْدِي سَفَرَةٍ* كِرامٍ بَرَرَةٍ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه وهو عليه شاق، له أجران» أخرجه الجماعة من طريق قتادة به). ٤ - بمناسبة قوله تعالى: وَفاكِهَةً وَأَبًّا قال ابن كثير: (فأما ما رواه ابن جرير عن أنس قال: قرأ عمر بن الخطاب ﵁ عَبَسَ وَتَوَلَّى فلما أتى على هذه الآية وَفاكِهَةً وَأَبًّا قال: قد عرفنا الفاكهة فما الأب؟. فقال: لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا لهو التكلف فهو إسناد صحيح، وقد رواه غير واحد عن أنس به، وهذا محمول على أنه أراد أن يعرف شكله وجنسه وعينه، وإلا فهو وكل من قرأ هذه الآية يعلم أنه من نبات الأرض لقوله فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا وَحَدائِقَ غُلْباً وَفاكِهَةً وَأَبًّا). ٥ - بمناسبة قوله تعالى: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «تحشرون

стр. 6064

حفاة عراة مشاة غرلا» قال: فقالت زوجته: يا رسول الله ننظر- أو يرى- بعضنا عورة بعض؟ قال: «لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه- أو قال: ما أشغله عن النظر-». وقد رواه النسائي منفردا به ... عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به. وقد رواه الترمذي ... عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «تحشرون حفاة عراة غرلا» فقالت امرأة: أيبصر- أو يرى- بعضنا عورة بعض؟ قال: «يا فلانة لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه» ثم قال الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن ابن عباس ﵄. ولننتقل إلى السورة الثالثة في المجموعة التاسعة.

стр. 6065

سورة التكوير وهي السورة الحادية والثمانون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثالثة من المجموعة التاسعة من قسم المفصل، وهي تسع وعشرون آية وهي مكية

стр. 6066

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 6067

بين يدي سورة التكوير: قدم الألوسي لسورة التكوير بقوله: (ويقال: سورة كورت. وسورة إذا الشمس كورت. وهي مكية بلا خلاف. وآيها تسع وعشرون آية، وفي التيسير ثمان وعشرون. وفيها من شرح حال يوم القيامة- الذي تضمنه آخر السورة قبل- ما فيها، وقد أخرج الإمام أحمد والترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، وإذا السماء انشقت» أي: السور الثلاث وكفى بذلك مناسبة). وقال صاحب الظلال في تقديمه لهذه السورة: (هذه السورة ذات مقطعين اثنين تعالج في كل مقطع منهما تقرير حقيقة ضخمة من حقائق العقيدة: الأولى حقيقة القيامة، وما يصاحبها من انقلاب كوني هائل كامل، يشمل الشمس والنجوم والجبال والبحار، والأرض والسماء، والأنعام والوحوش، كما يشمل بني الإنسان. والثانية حقيقة الوحي، وما يتعلق بها من صفة الملك الذي يحمله، وصفة النبي الذي يتلقاه، ثم شأن القوم المخاطبين بهذا الوحي معه، ومع المشيئة الكبرى التي فطرتهم ونزلت لهم الوحي. والإيقاع العام للسورة أشبه بحركة جائحة. تنطلق من عقالها، فتقلب كل شئ، وتنثر كل شئ؛ وتهيج الساكن وتروع الآمن؛ وتذهب بكل مألوف، وتبدل كل معهود؛ وتهز النفس البشرية هزا عنيفا طويلا، يخلعها من كل ما اعتادت أن تسكن إليه، وتتشبث به، فإذا هي في عاصفة الهول المدمر الجارف ريشة لا وزن لها ولا قرار. ولا ملاذ لها ولا ملجأ إلا في حمى الواحد القهار، الذي له وحده البقاء والدوام، وعنده وحده القرار والاطمئنان ... ومن ثم فالسورة بإيقاعها العام وحده تخلع النفس من كل ما تطمئن إليه وتركن، لتلوذ بكنف الله، وتأوي إلى حماه، وتطلب عنده الأمن والطمأنينة والقرار ... وفي السورة- مع هذا- ثروة ضخمة من المشاهد الرائعة، سواء في هذا الكون الرائع الذي نراه، أو في ذلك اليوم الآخر الذي ينقلب فيه الكون بكل ما نعهده فيه من

стр. 6068

أوضاع. وثروة كذلك من التعبيرات الأنيقة! المنتقاة لتلوين المشاهد والإيقاعات. وتلتقي هذه وتلك في حيز السورة الضيق، فتضغط على الحس وتنفذ إليه في قوة وإيحاء). كلمة في سورة التكوير ومحورها: تأتي سورة التكوير بعد سورتين فصلتا في مقدمة سورة البقرة وهي مبدوءة ب (إذا) وتتحدث عن اليوم الآخر في بدايتها، فهي تشبه سورة الواقعة التي رأينا أنها فصلت فيما بعد مقدمة سورة البقرة، فمظنة محور سورة التكوير هو قوله تعالى من سورة البقرة: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... وما بعدها. والملاحظ أن سورة التكوير تتألف من مقطعين، الأول ينتهي بالآية (١٤) وفيه حديث عن يوم القيامة، وينتهي بقوله تعالى: عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ وفي ذلك تذكير للنفس البشرية بالعمل لذلك اليوم، ثم يأتي المقطع الثاني من السورة وفيه قسم جوابه قوله تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ... ثم يسير السياق حتى يأتي قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ* لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ومن المعلوم أن الاستقامة مرتبطة بموضوع العبادة والتقوى، ومن هاهنا تأتي صلة السورة بمحورها من سورة البقرة، فالسورة تهيج على العبادة والتقوى والاستقامة على ذلك، وعلى هذا فإننا نستطيع القول إن محور السورة من سورة البقرة هو قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ* وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ* وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ ... فلنر السورة.

стр. 6069

المقطع الأول ويمتد حتى نهاية الآية (١٤) وهذا هو: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة التكوير (٨١): الآيات ١ الى ١٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤) التفسير: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ قال النسفي: (أي: ذهب بضوئها) وقال العوفي عن ابن عباس: أي: ذهبت، قال ابن جرير بعد أن ذكر مجموعة أقوال: (والصواب من القول عندنا في ذلك، أن التكوير: جمع الشئ بعضه على بعض، ومنه تكوير العمامة، وجمع الثياب بعضها إلى بعض، فمعنى قوله تعالى: كُوِّرَتْ جمع بعضها إلى بعض، ثم لفت فرمي بها، وإذا فعل بها ذلك ذهب ضوؤها) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ قال النسفي: أي: تساقطت، وقال ابن كثير: أي: انتثرت ... وأصل الانكدار الانصباب وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ قال النسفي: (أي: سيرت عن وجه الأرض وأبعدت، أو سيرت في الجو تسيير السحاب)، وقال ابن كثير: أي: زالت عن أماكنها ونسفت فتركت الأرض قاعا صفصفا. وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ أي: أهملت، والعشار من الإبل خيارها والحوامل منها التي وصلت في حملها إلى الشهر العاشر، واحدتها عشراء ولا يزال ذلك اسمها حتى تضع ...

стр. 6070

قال ابن كثير: قيل: يكون ذلك يوم القيامة يراها أصحابها كذلك لا سبيل لهم إليها. أقول: وهذا الذي نرجحه، وهو دليل على أن الإبل تبعث. وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ أي: جمعت من كل ناحية، قال ابن كثير: يحشر كل شئ حتى الذباب، رواه ابن أبي حاتم، قال النسفي: قال قتادة: يحشر كل شئ حتى الذباب للقصاص فإذا قضي بينها ردت ترابا فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم كالطاوس ونحوه، أقول: لا يدخل في اسم الوحوش الذباب وغيره من الحشرات والجراثيم، وقد رجحنا في سورة الأعراف أن ما يحشر هو ما كان من غير أصناف الحشرات والجراثيم وهاهنا ذكرت الوحوش، وذكرت العشار، ونؤثر أن نبقى عند النص. وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ قال النسفي: أي: ملئت وفجر بعضها إلى بعض حتى تعود بحرا واحدا. أقول: لا يبعد أن يكون المراد أنها ملئت كأثر من تفجر الأرض وزلزالها بمادة البراكين المتفجرة من باطن الأرض وهذا في هذا المقام أليق بالمعنى. وقد ذهب إليه بعضهم كما ذكر الألوسي. وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ أي: جمع كل شكل إلى نظيره، وقد سئل عمر عن قوله تعالى: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ قال: يقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار، فذلك تزويج الأنفس. وقال أكثر من إمام في التفسير: إن المراد بتزويج الأنفس تزويجها بأبدانها يوم القيامة وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ والموءودة هي التي كان أهل الجاهلية يدسونها في التراب كراهية البنات. قال ابن كثير: فيوم القيامة تسأل الموءودة على أي ذنب قتلت؟ ليكون ذلك تهديدا لقاتلها، فإنه إن سئل المظلوم فما ظن الظالم إذن. بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ قال النسفي: وفيه دليل على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وعلى أن التعذيب لا يكون بلا ذنب. وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ أي: فتحت. قال ابن كثير: (قال الضحاك: أعطي كل إنسان صحيفته بيمينه أو بشماله، وقال قتادة: يا ابن آدم تملي فيها ثم تطوى ثم تنشر عليك يوم القيامة، فلينظر رجل ماذا يملي في صحيفته). وقال النسفي: (والمراد صحف الأعمال تطوى صحيفة الإنسان عند موته، ثم تنشر إذا حوسب، ويجوز أن يراد نشرت بين أصحابها أي: فرقت بينهم). وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ قال السدي: أي: كشفت. وقال الألوسي: قلعت وأزيلت. وقال الضحاك: تكشط فتذهب. وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ أي: أوقدت إيقادا شديدا. وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ أي: أدنيت من المتقين، أي: قربت إلى أهلها عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ أي: علمت كل نفس ما أحضرت من خير وشر. قال ابن كثير: هذا هو الجواب أي: إذا وقعت هذه الأمور حينئذ تعلم كل نفس

стр. 6071

ما عملت وأحضر ذلك لها .. وقال ابن أبي حاتم ... لما نزلت إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ. قال عمر لما بلغ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ قال: لهذا أجري الحديث. كلمة في السياق: ١ - ذكر الله في المقطع السابق مشاهد من يوم القيامة، وعظم ما يجري فيه ليصل السياق إلى قوله تعالى: عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ وهي التي صب عليها السياق، وفي ذلك تحذير للنفس البشرية أن تحضر شرا، وتهييج لها من أجل أن تحضر خيرا ولذلك صلته بالمحور: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ من حيث إن سياق سورة التكوير يهيج على الطاعة والعمل فكأن السياق العام بقوله: يا أيها الناس إنما أمرتم بالعبادة والتقوى لأنه إذا قامت القيامة وكان كذا وكذا عندئذ تجد كل نفس ما أحضرت فأحضروا العبادة والتقوى. ٢ - ورد في المحور قوله تعالى: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ* وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ وقد جاء في سورة التكوير قوله تعالى: وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ* وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ* عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ ولهذا صلاته بالمحور. ٣ - وبعد المقطع الأول من سورة التكوير يأتي المقطع الثاني، ويبدأ بقسم ويأتي بعد ذلك جوابه إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ أي: القرآن، ثم يسير السياق حتى يصب على قوله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ* لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ... فالمقطع الثاني يذكرنا بالقرآن ويذكرنا بالاستقامة، وفي ذلك تحديد لمنهاج العمل، وأنه ينبغي أن يكون مستقيما على ضوء كتاب الله، ولذلك صلاته بالمحور: فهناك ارتباط بين الاستقامة وبين العبادة والتقوى، وفي المقطع تأكيد لكون القرآن من عند الله: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فلنر المقطع الثاني.

стр. 6072

المقطع الثاني ويمتد من الآية (١٥) إلى نهاية الآية (٢٩) وهذا هو: [سورة التكوير (٨١): الآيات ١٥ الى ٢٩] فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩) التفسير: فَلا أُقْسِمُ أي: فأقسم بِالْخُنَّسِ أي: الرواجع الْجَوارِ أي: السيارة، الْكُنَّسِ أي: الغيب، والراجح أن المراد بذلك الكواكب السيارة قال الألوسي: (وأخرج ابن أبي حاتم عن علي أنه قال: هي خمسة أنجم: زحل، وعطارد، والمشتري، وبهرام يعني: المريخ، والزهرة. أقول: هذه كانت معروفة عندهم، ورجوعها وكناسها إما بالنسبة للإنسان في ليله ونهاره، أو أن المراد بذلك رجوعها في سيرها ومسارها بشكل دائب، والمراد بكناسها غيابها. وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ أي: أقبل بظلامه، وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ أي: إذا أضاء. إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ هذا جواب القسم. أي: إن القرآن لقول رسول كريم. أي: جبريل ﵇. قال النسفي: وإنما أضيف القرآن إليه لأنه هو الذي نزل به، قال ابن كثير: يعني إن هذا القرآن لتبليغ رسول كريم أي: ملك شريف، حسن الخلق، بهي المنظر، وهو جبريل ﵊ ذِي قُوَّةٍ أي: قدرة على ما يكلف

стр. 6073

لا يعجز عنه ولا يضعف، وقال ابن كثير: أي: شديد الخلق، شديد البطش والفعل عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ أي: عند الله ، مَكِينٍ قال ابن كثير: أي: له مكانة عند الله ، ومنزلة رفيعة، مُطاعٍ ثَمَّ أي: هناك. أي: في السموات يطيعه من فيها من الملأ الأعلى، قال ابن كثير: أي: في السموات يعني: ليس هو من أفراد الملائكة، بل هو من السادة والأشراف معتنى به، انتخب لهذه الرسالة العظيمة أَمِينٍ أي: على الوحي أو متصف بصفة الأمانة بشكل مطلق، قال ابن كثير: وهذا عظيم جدا أن الرب يزكي عبده ورسوله الملكي جبريل. وَما صاحِبُكُمْ أي: محمد ﷺ بِمَجْنُونٍ كما يزعم الكفرة وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ أي: البين. قال ابن كثير: يعني ولقد رأى محمد جبريل- الذي يأتيه بالرسالة عن الله على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح بالأفق المبين أي: البين وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء .. وفسر النسفي الأفق المبين بمطلع الشمس وَما هُوَ أي: محمد ﷺ عَلَى الْغَيْبِ أي: على الوحي بِضَنِينٍ أي: يبخل على الوحي، بل يبذله لكل أحد، ولا يقتصر في التبليغ والتعليم ومنح كل ما هو مستعد له من العلوم وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ أي: طريد، أي: ليس هو بقول بعض المسترقة للسمع مما يوحونه إلى أوليائهم من الكهنة فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ قال ابن كثير: أي: فأين تذهب عقولكم في تكذيبكم بهذا القرآن مع ظهوره ووضوحه، وبيان كونه حقا من عند الله ... وقال قتادة: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ أي: عن كتاب الله وعن طاعته إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ قال النسفي: أي: ما القرآن إلا عظة للخلق. وقال ابن كثير: أي: هذا القرآن ذكر لجميع الناس، يتذكرون به ويتعظون لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ. قال النسفي: أي: القرآن تذكرة لمن شاء الاستقامة، يعني أن الذين شاءوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر فكأنه لم يوعظ به غيرهم وإن كانوا موعوظين جميعا. وقال ابن كثير: أي: لمن أراد الهداية فعليه بهذا القرآن وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ أي: وما تشاءون الاستقامة إلا أن يشاء الله مالك الخلق. وقال ابن كثير: (أي: ليست المشيئة موكولة إليكم فمن شاء اهتدى ومن شاء ضل، بل ذلك كله تابع لمشيئة الله رب العالمين. قال سفيان الثوري عن سليمان بن موسى: لما نزلت هذه الآية لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ قال أبو جهل: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم فأنزل الله تعالى وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ). أقول: ومن سبب

стр. 6074

نزول هذه الآية ندرك نقطة رئيسية في القضية التي حيرت الكثير، وهي ارتباط المشيئة البشرية بالمشيئة الإلهية. والخلاصة في هذا الموضوع: إن كل شئ بمشيئة الله ، وهذا لا يتنافى مع اختيار الإنسان، كما رأينا في أكثر من مكان، فإذا أضل الله أضل عدلا، وإذا هدى يهدي فضلا، ولولا أن كل شئ بمشيئة الله لكان الله مقهورا بالمعصية، وهذا لا يكون، ومن ثم كان كل شئ بمشيئته، وهذا لا يعني الإجبار، فقد علم وأراد، وأبرز بقدرته، والعلم كاشف لا مجبر، علم ماذا سيفعل فلان فأراده فأبرزه بقدرته. كلمة في السياق: ١ - هناك صلة بين العبادة ومعرفة أن التوفيق بيد الله : ولذلك نقول في كل صلاة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ وهناك صلة بين العمل والاستقامة وفي الحديث: «قل آمنت بالله ثم استقم» فهناك صلة إذن بين قوله تعالى في المقطع: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ* وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ .. وبين قوله تعالى في المحور: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. ٢ - جاءت في المقطع ثلاثة أقسام (جمع قسم) على قوله تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ فالأقسام مؤكدة، والآية فيها تأكيدان (إن) (واللام) فخمسة مؤكدات تنصب على أن هذا القرآن من عند الله، وذلك- في العادة- يكون إذا كان المخاطب عنده شك، ومن هنا ندرك العلاقة بين هذه الآيات وآيات المحور: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فالآيات تؤكد أن هذا القرآن من عند الله، وتلاحق الريب: وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ* وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ* وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ وهناك قراءة بالظاء وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ أي: بمتهم، فالمقطع بين أن الثقة بهذا القرآن ينبغي ألا يكون لها حدود، فجبريل الأمين هو الذي نقله عن الله لمحمد الأمين، غير المتهم على الوحي، وغير البخيل به. فالسورة بمجموعها هيجت على العبادة والتقوى والاستقامة، ومعرفة الله ، والعمل الصالح، وذكرت الشيئين الأساسيين اللذين ينبثق عنهما هذا كله: مجئ يوم القيامة، والثقة بهذا القرآن.

стр. 6075

الفوائد: ١ - ذكر المقطع الأول من سورة التكوير اثني عشر مشهدا من مشاهد يوم القيامة، فزعم بعضهم أن ستة من هذه المشاهد تكون في الدنيا قبيل يوم القيامة، وستة تكون بعد يوم القيامة، ونسبوا هذا القول إلى بعض الأئمة، وهو قول متهافت، فكيف يصح أن يكون تكوير الشمس وانكدار النجوم متقدما على يوم القيامة؟ فإما أن السند غير صحيح إلى راويه، وإما أن يكون عند راويه فهم خاطئ. ٢ - بمناسبة قوله تعالى: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ قال ابن كثير: (روى البخاري: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «الشمس والقمر يكوران يوم القيامة» انفرد به البخاري، وهذا لفظه، وإنما أخرجه في كتاب بدء الخلق). وقال صاحب الظلال: (إن تكوير الشمس قد يعني برودتها، وانطفاء شعلتها، وانكماش ألسنتها الملتهبة التي تمتد من جوانبها كلها الآن إلى ألوف الأميال حولها في الفضاء. كما يتبدى هذا من المراصد في وقت الكسوف. واستحالتها من الغازية المنطلقة بتأثير الحرارة الشديدة التي تبلغ ١٢٠٠٠ درجة، والتي تحول جميع المواد التي تتكون منها الشمس إلى غازات منطلقة ملتهبة ... استحالتها من هذه الحالة إلى حالة تجمد كقشرة الأرض، وتكور لا ألسنة له ولا امتداد!. قد يكون هذا، وقد يكون غيره .. أما كيف يقع، والعوامل التي تسبب وقوعه، فعلم ذلك عند الله.) أقول: سيكون هذا يوم ينفخ في الصور، ويجمع الشمس والقمر. ٣ - بمناسبة قوله تعالى وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ قال صاحب الظلال: (وانكدار النجوم قد يكون معناه انتثارها من هذا النظام الذي يربطها، وانطفاء شعلتها وإظلام ضوئها .. والله أعلم ما هي النجوم التي يصيبها هذا الحادث. وهل هي طائفة من النجوم القريبة منا .. مجموعتنا الشمسية مثلا. أو مجرتنا هذه التي تبلغ مئات الملايين من النجوم .. أم هي النجوم جميعها والتي لا يعلم عددها ومواضعها إلا الله؟. فوراء ما نرى منها بمراصدنا مجرات وفضاءات لها، لا نعرف لها عددا ولا نهاية، فهناك نجوم سيصيبها الانكدار كما يقرر هذا الخبر الصادق الذي لا يعلم حقيقته إلا الله .. )

стр. 6076

أقول: النجوم هاهنا جنسها، فالنجوم كلها في مجرات هذا الكون تنكدر يوم القيامة فيجمع بعضها إلى بعضه كما قال تعالى يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ فكما كان الكون كله نقطة واحدة ثم تمدد فإنه يعود كذلك والله أعلم. ٤ - وبمناسبة قوله تعالى وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ قال صاحب الظلال: (وأما تسجير البحار فقد يكون ملؤها بالمياه .. وإما أن يكون معناه التهابها وانفجارها كما قال تعالى في موضع آخر: وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ فتفجير عناصرها، وانفصال الإيدروجين عن الأكسوجين فيها، أو تفجير ذراتها على نحو ما يقع في تفجير الذرة،- وهو أشد هولا- أو على أي نحو آخر. وحين يقع هذا فإن نيرانا هائلة لا يتصور مداها، تنطلق من البحار. فإن تفجير قدر محدود من الذرات في القنبلة الذرية أو الإيدروجينية يحدث هذا الهول الذي عرفته الدنيا؛ فإذا انفجرت ذرات البحار على هذا النحو أو نحو آخر، فإن الإدراك البشري يعجز عن تصور هذا الهول!). أقول: الاتجاهات كثيرة في تفسير قوله تعالى وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ، وهل التسجير هنا هو التفجير الوارد في سورة الانفطار؟ والذي أذهب إليه أن التفجير يسبق التسجير، فالبحار ينفتح ماؤها على بعضه في مرحلة ثم يحدث شئ آخر هو التسجير الذي هو الملء والله أعلم. ٥ - فسر بعضهم وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ بأن البحر هو الذي يكون جهنم، وهذا في رأيي خطأ، لأن الأحاديث تذكر أن الناس وهم في الموقف يؤتى بنار جهنم لها سبعون ألف زمام يجرها .. مما يشير إلى أن النار هذا السجن الضخم الهائل موجود حاليا في مكان ما، ويؤتى بها إلى المحشر، فالذي نرجحه أن تسجير البحار يكون واحدا مما يحدث حتى تكون الأرض كلها كقرصة النقي ليس فيها معلم لأحد كما ورد في الحديث، وذلك كأن تمتلئ بلابة باطن الأرض. ٦ - بمناسبة قوله تعالى وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ ذكر الألوسي تحقيقا طويلا حول مآل الأطفال يوم القيامة، وختم كلامه بقوله: (والذي أختاره: القول بأن الأطفال مطلقا، وكذا فرخ الزنا، ومن جن قبل البلوغ في الجنة، فهو الأخلق بكرم الله تعالى وواسع رحمته ، والأوفق للحكمة بحسب الظاهر، والأكثر تأييدا بالآيات، ولا بعد في ترجح الأخبار الدالة على ذلك بما ذكر على الأخبار الدالة على

стр. 6077

خلافه، والقول بأن ما تضمنته هاتيك الأخبار كان منه ﵊ قبل علمه صلى الله تعالى عليه وسلم بأن الأطفال في الجنة- بعيد عندي، نعم جوز أن يكون قد أخبر صلى الله تعالى عليه وسلم بأنهم من أهل النار، بناء على إخبار الوحي به، كإخباره بالوعيدات التي يعفو الله تعالى عنها من حيث إنه مقيد بشرط، كأن لم يشملهم الفضل مثلا لكنه لم يذكر معه كما لم يذكر معها لحكمة، ثم أخبر ﵊ بأنهم من أهل الجنة؛ بناء على إخبار الوحي به أيضا، ويكون متضمنا للإخبار بأن شرط كونهم من أهل النار لا يتحقق، فضلا من الله تعالى وكرما، ويكون ذلك كالعفو عما يقتضيه الوعيد، ومثل ذلك إخباره بما ذكر بناء على مشاهدة كونهم في الجنة عند إبراهيم ﵇ فتأمل). ٧ - هناك قراءتان في قوله تعالى: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ القراءة الأولى بالضاد والثانية بالظاء أي: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ أي: بمتهم وقد فرق عامة المفسرين بين كلمتي (الضنين) و (الظنين) كما رأينا، وقال سفيان بن عيينة: ظنين وضنين سواء، وعلى هذا القول فهناك صلة بين البخل والتهمة، فلا محمد ﷺ متهما في أمر البلاغ، ولا بخيلا به. ٨ - بمناسبة قوله تعالى: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ قال ابن كثير: (كما قال الصديق ﵁ لوفد بني حنيفة حين قدموا مسلمين وأمرهم فتلوا عليه شيئا من قرآن مسيلمة الكذاب- الذي هو في غاية الهذيان والركاكة- فقال: ويحكم أين تذهب عقولكم؟ والله إن هذا الكلام لم يخرج من إل أي: من إله). ٩ - بمناسبة قوله تعالى: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ* وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ قال صاحب الظلال: (وذلك كيلا يفهموا أن مشيئتهم منفصلة عن المشيئة الكبرى، التي يرجع إليها كل أمر. فإعطاؤهم حرية الاختيار، ويسر الاهتداء، إنما يرجع إلى تلك المشيئة. المحيطة بكل شئ كان أو يكون. وهذه النصوص التي يعقب بها القرآن الكريم عند ذكر مشيئة الخلائق، يراد بها تصحيح التصور الإيماني وشموله للحقيقة الكبيرة: حقيقة أن كل شئ في هذا الوجود مرده إلى مشيئة الله. وأن ما يأذن به للناس من قدرة على الاختيار هو طرف من مشيئته ككل تقدير آخر وتدبير. شأنه شأن ما يأذن به للملائكة من الطاعة المطلقة لما يؤمرون، والقدرة الكاملة على أداء ما يؤمرون. فهو طرف من مشيئته كإعطاء الناس

стр. 6078

القدرة على اختيار أحد الطريقين بعد التعليم والبيان .. ولا بد من إقرار هذه الحقيقة في تصور المؤمنين، ليدركوا ما هو الحق لذاته. وليلتجئوا إلى المشيئة الكبرى، يطلبون عندها العون والتوفيق، ويرتبطون بها في كل ما يأخذون وما يدعون في الطريق!). كلمة أخيرة في سورة التكوير: انتهت سورة عبس بقوله تعالى فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ .. وبدأت سورة التكوير بقوله تعالى إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ... فالصلة واضحة بين نهاية سورة عبس، وبداية سورة التكوير، ونلاحظ أن سورة التكوير انتهت بقوله تعالى: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ... وأن في بداية سورة الانفطار: ... يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ... والصلة بين التهييج على الاستقامة والمعاتبة على ترك الاستقامة واضحة، فكل سورة تصل بسبب إلى ما بعدها فلننتقل إلى سورة الانفطار.

стр. 6079

سورة الانفطار وهي السورة الثانية والثمانون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الرابعة والأخيرة من المجموعة التاسعة من قسم المفصل، وهي تسع عشرة آية وهي مكية

стр. 6080

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 6081

بين يدي سورة الانفطار: قدم الألوسي لسورة الانفطار بقوله: (وتسمى سورة انفطرت، وسورة المنفطرة. ولا خلاف في أنها مكية. ولا في أنها تسع عشرة آية. ومناسبتها لما قبلها معلومة). وقدم صاحب الظلال لهذه السورة بقوله: (تتحدث هذه السورة القصيرة عن الانقلاب الكوني الذي تتحدث عنه سورة التكوير، ولكنها تتخذ لها شخصية أخرى، وسمتا خاصا بها، وتتجه إلى مجالات خاصة بها تطوف بالقلب البشري فيها؛ وإلى لمسات وإيقاعات من لون جديد. هادئ عميق. لمسات كأنها عتاب. وإن كان في طياته وعيد!. ومن ثم فإنها تختصر في مشاهد الانقلاب، فلا تكون هي طابع السورة الغالب- كما هو الشأن في سورة التكوير- لأن جو العتاب أهدأ، وإيقاع العتاب أبطأ. وكذلك إيقاع السورة الموسيقي. فهو يحمل هذا الطابع. فيتم التناسق في شخصية السورة والتوافق! إنها تتحدث في المقطع الأول منها عن انفطار السماء وانتشار الكواكب، وتفجير البحار وبعثرة القبور كحالات مصاحبة لعلم كل نفس بما قدمت وأخرت، في ذلك اليوم الخطير .. وفي المقطع الثاني تبدأ لمسة العتاب المبطنة بالوعيد، لهذا الإنسان الذي يتلقى من ربه فيوض النعمة في ذاته وخلقه، ولكنه لا يعرف للنعمة حقها. ولا يعرف لربه قدره، ولا يشكر على الفضل والنعمة والكرامة: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ* الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ. وفى المقطع الثالث يقرر علة هذا الجحود والإنكار. فهي التكذيب بالدين- أي: بالحساب- وعن هذا التكذيب ينشأ كل سوء وكل جحود. ومن ثم يؤكد هذا الحساب توكيدا، ويؤكد عاقبته وجزاءه المحتوم: كَلَّا. بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ* وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ* كِراماً كاتِبِينَ* يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ* إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ* وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ* يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ* وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ .. فأما المقطع الأخير، فيصور ضخامة يوم الحساب وهوله، وتجرد النفوس من كل

стр. 6082

حول فيه، وتفرد الله سبحانه بأمره الجليل: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ؟ * ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ؟ * يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً* وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ .. كلمة في سورة الانفطار ومحورها: سورة الانفطار تفصل في نفس محور سورة التكوير أي: في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً ... ومن ثم تصب مقدمتها في قوله تعالى: عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ فبدايتها تشبه بداية سورة التكوير، وتصب في معنى شبيه بالمعنى الذي صب فيه المقطع الأول من سورة التكوير، ففي سورة التكوير أجري الحديث ل عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ كما قال عمر ﵁، وهاهنا أجرى الحديث في مقدمة السورة ل. عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ وكما رأينا صلة ذلك في سورة التكوير بمحور السورة فالأمر هاهنا كذلك، بعد ذلك يأتي في سورة الانفطار قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ* الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ... وصلة ذلك بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ... واضحة. وتختتم السورة بفقرة مبدوءة بقوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ .. ومن المعلوم من سورة البقرة أن التقوى والبر شئ واحد، يعلم ذلك من آية البر في سورة البقرة لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ فالكلام عن الأبرار والفجار في نهاية السورة مرتبط نوع ارتباط بمحور السورة الذي ذكرناه فإذ يقرر الله ما أعد للأبرار والفجار ففي ذلك دعوة إلى البر الذي هو التقوى. وإلى العبادة التي هي طريق التقوى، ولذلك صلاته بالمحور فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ* وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ .... وقد سجلنا في نهاية الكلام عن سورة التكوير ملاحظة حول صلة نهاية سورة التكوير ببداية سورة الانفطار، وذكرنا في مقدمة الكلام عن سورة التكوير الحديث

стр. 6083

الذي يجمع ما بين سور التكوير والانفطار والانشقاق على أنها تصور يوم القيامة وكأنه رأي عين، فالصلات بين سورتي التكوير والانفطار كثيرة. وكما أن سورة الواقعة المبدوءة بالكلام عن القيامة، والمبدوءة بقوله تعالى: إِذا كانت نهاية مجموعة فإن سورة الانفطار، وهي مبدوءة بالكلام عن يوم القيامة وب إِذَا نهاية مجموعة كما ذكرنا من قبل. تتألف السورة من أربع فقرات واضحة المعالم ومترابطة: الفقرة الأولى حتى نهاية الآية (٥). الفقرة الثانية حتى نهاية الآية (٨). الفقرة الثالثة حتى نهاية الآية (١٢). الفقرة الرابعة حتى نهاية السورة أي حتى نهاية الآية (١٩) ولنبدأ عرض السورة.

стр. 6084

الفقرة الأولى وتمتد حتى نهاية الآية (٥) وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) التفسير: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ أي: انشقت. وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ أي: تساقطت، وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ قال النسفي: أي: فتح بعضها إلى بعض، وصارت البحار بحرا واحدا. قال ابن كثير: وقال الحسن: فجر الله بعضها في بعض فذهب ماؤها. أقول: على قول الحسن فإن هذا يفيد أن تفجير البحار عملية تتم من أعماق الأرض، يترتب عليها ذهاب البحار، وامتلاء مكانها بمادة أخرى. والله أعلم. وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ قال النسفي: أي: بعثت وأخرج موتاها عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ أي علمت كل نفس برة وفاجرة، ما عملت من طاعة وأخرت، أي: وتركت فلم تعمل، وهذا هو جواب: إذا السماء ... قال النسفي: إذا كان هذا حصل هذا. كلمة في السياق: ١ - رأينا أن الفقرة الأولى أوصلت إلى قوله تعالى: عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ وهذا يفيد أن الفقرة تهيج النفس البشرية على أن تقدم خيرا، وتؤخر شرا، وخير ما تقدم العبادة والتقوى، قال تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ فصلة الفقرة الأولى بمحور السورة واضحة، فمحور السورة يقول: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ والفقرة الأولى تقول للنفس البشرية:

стр. 6085

إنه إذا جاء يوم القيامة فستعلمين ما قدمت وما أخرت فقدمي واعملي. ٢ - بعد أن بين الله ما يكون يوم القيامة من علم كل نفس ما قدمته وما أخرته، يذكر الله ما يخاطب به الإنسان يوم القيامة يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ .. والدليل على أن هذا الخطاب يكون للإنسان يوم القيامة ما ذكره ابن كثير إذ قال: كما جاء في الحديث: يقول الله تعالى يوم القيامة: «يا ابن آدام ما غرك بي، يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين» فلنر الفقرة الثانية . الفقرة الثانية وتمتد من الآية (٦) حتى نهاية الآية (٨) وهذه هي: [سورة الانفطار (٨٢): الآيات ٦ الى ٨] يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨) التفسير: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ. قال النسفي: قيل: الخطاب لمنكري البعث. أقول: هذا خطاب لكل كافر بدليل ما يأتي ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ قال ابن كثير: هذا تهديد وقال النسفي: (أي شئ خدعك حتى ضيعت ما وجب عليك مع كرم ربك، حيث أنعم عليك بالخلق والتسوية والتعديل؟) وقال ابن كثير: المعنى في هذه الآية: ما غرك يا ابن آدم بربك الكريم أي: العظيم، حتى أقدمت على معصيته وقابلته بما لا يليق الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ قال النسفي: (أي: فجعلك مستوي الخلق سالم الأعضاء) فَعَدَلَكَ قال النسفي: أي: عدل بعض أعضائك ببعض، حتى اعتدلت، فكنت معتدل الخلق، متناسقا، وقال ابن كثير في الآية: أي: جعلك سويا مستقيما معتدل القامة، منتصبها في أحسن الهيئات والأشكال فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ

стр. 6086

رَكَّبَكَ أي: في صورة اقتضتها مشيئته من الصور المختلفة في الحسن والقبح، والطول والقصر. أي: عدلك في أي صورة من الصور ركبك فيها. روى ابن أبي حاتم: أن عمر سمع رجلا يقرأ يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ فقال عمر: الجهل. وروى أيضا عن يحيى البكاء قال: سمعت ابن عمر يقرأ هذه الآية يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ويقول: غره والله جهله). كلمة في السياق: ١ - رأينا في الفقرة السابقة هذا الخطاب الشديد للإنسان يوم القيامة، والذي يفيد أن الإنسان الكافر قد غره شئ ما حتى ترك العمل مع كل ما فعله الله له. ورأينا كلمة عمر ﵁ التي تفيد أن الجهل هو السبب في ذلك، وصلة ذلك بمحور السورة على الشكل التالي: أمر الله عباده في محور السورة بالعبادة والتقوى، وعلل للأمر بعبادته بخلقه لهذا الإنسان، وإنعامه عليه، ولكن كثيرين لا يعبدون الله ولا يتقونه جهلا منهم، هؤلاء يقرعهم الله على ذلك هذا التقريع. ٢ - في الفقرة الأولى من السورة هيجت السورة على أن تقدم كل نفس لنفسها، والفقرة الثانية بينت أن ما يقتضيه إنعام الله على الإنسان بهذا الخلق السوي المستقيم المعتدل. شيئا آخر غير الكفران، وهو معرفة الله وتقواه، لاحظ صلة قوله تعالى هاهنا الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ بقوله تعالى في المحور الَّذِي خَلَقَكُمْ. ٣ - وبعد أن هيجت الفقرتان الأولى والثانية على العمل الصالح والشكر الذي هو عبادة وتقوى، من خلال عرض مشهدين من مشاهد يوم القيامة، تأتي الفقرة الثالثة لتبين العلة الحقيقية في الاغترار بالله ، هذه العلة هي التكذيب بيوم الدين، فلنر الفقرة الثالثة. الفقرة الثالثة وتمتد من الآية (٩) إلى نهاية الآية (١٢) وهذه هي: [سورة الانفطار (٨٢): الآيات ٩ الى ١٢] كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢)

стр. 6087

التفسير: كَلَّا ردع عن العمل السيئ والتقصير في الواجبات والاغترار بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ قال ابن كثير أي: إنما يحملكم على مواجهة الكريم ومقابلته بالمعاصي تكذيب في قلوبكم بالمعاد والجزاء وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ يحفظون أعمالكم وأقوالكم من الملائكة كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ فلا يكتبون إلا بعلم، وهم يعلمون يقينا كل أفعالكم، وهم كرام، فقابلوهم بما يستحقون من الإكرام. قال ابن كثير: يعني: وإن عليكم لملائكة حفظة كراما، فلا تقابلوهم بالقبائح، فإنهم يكتبون جميع أعمالكم، قال النسفي في الفقرة كلها: (يعني: إنكم تكذبون بالجزاء، والكاتبون يكتبون عليكم أعمالكم لتجازوا بها يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ لا يخفى عليهم شئ من أعمالكم، وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم لأمر الجزاء، وأنه عند الله من جلائل الأمور، وفيه إنذار وتهويل للمجرمين، ولطف للمتقين، وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها قال: ما أشدها من آية على الغافلين). كلمة في السياق: ١ - بينت هذه الفقرة علة العمل السيئ، وعلة الكفران والاغترار بأنها التكذيب باليوم الآخر، وأن هذا التكذيب الذي ينبع عنه العمل السيئ والكفران قائم مع وجود الحفظة الكاتبين الذين يسجلون كل شئ على الإنسان، فما أكثر جهل الكافر واغتراره وغفلته. ٢ - في ذكر الملائكة الكاتبين، ووصفهم بالكرام، تهييج على الإيمان والعمل الصالح، وبعث للنفس على العبادة والتقوى، أي: على التقديم لليوم الآخر، والشكر وترك العمل السيئ، والكفران، كما أن فيه تحذيرا بآن واحد. وصلة ذلك بمحور السورة لا تخفى. فكأن السياق العام يقول: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ فإن عليكم حافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون. ٣ - ثم تأتي الفقرة الرابعة والأخيرة. وهي تبني على كل ما قبلها من فقرات إذ

стр. 6088

تتحدث عن حال الأبرار والفجار يوم القيامة .... الأبرار الذين قدموا الخير، والفجار الذين قدموا الشر. الأبرار الذين أخروا الشر، والفجار الذين أخروا الخير. الأبرار الذين لم يغتروا فشكروا وعبدوا واتقوا، والفجار الذين اغتروا فكفروا ولم يشكروا، فلم يعبدوا، ولم يتقوا، ولم يبروا. الأبرار الذين لا يكذبون بيوم الدين، والفجار الذين يكذبون. الأبرار الذين علموا أن الملائكة يسجلون فأكرموهم، ولم يؤذوهم وعلموا بما يليق بصحبة هؤلاء الملائكة، والكفار الذين آذوا هؤلاء الملائكة، ولم يقابلوهم بما يليق من إيمان وحسن صحبة. هؤلاء الفجار ما لهم يوم القيامة عند ما تتفطر السماء، وتنتثر الكواكب وتتفجر البحار، وتتبعثر القبور؟ والأبرار وما لهم في ذلك اليوم؟ هذا الذي نرى عليه الجواب في الفقرة الرابعة . الفقرة الرابعة وتمتد من الآية (١٣) حتى نهاية الآية (١٩) أي نهاية السورة وهذه هي: [سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١٣ الى ١٩] إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩) التفسير: إِنَّ الْأَبْرارَ أي: المتقين. لَفِي نَعِيمٍ أي: في الجنة. قال ابن كثير: يخبر الله تعالى عما يصير الأبرار إليه من النعيم، وهم الذين أطاعوا الله ، ولم يقابلوه بالمعاصي .. ثم ذكر ما يصير إليه الفجار من الجحيم والعذاب المقيم. وَإِنَّ الْفُجَّارَ أي: الكفار لَفِي جَحِيمٍ أي: في النار يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ أي: يدخلونها

стр. 6089

يوم الجزاء، وهو اليوم الذي كانوا يكذبون فيه وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ قال ابن كثير: أي: لا يغيبون عن العذاب ساعة واحدة، ولا يخفف عنهم من عذابها، ولا يجابون إلى ما يسألون من الموت أو الراحة، ولو يوما واحدا. وقال النسفي: أي: لا يخرجون منها .. ثم عظم شأن يوم القيامة فقال: وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ* ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ كرره للتأكيد والتعظيم ثم فسره بقوله: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً قال ابن كثير: (أي: لا يقدر أحد على نفع أحد ولا خلاصه مما هو فيه، إلا أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ونذكر هاهنا حديث «يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، لا أملك لكم من الله شيئا») وقال النسفي: (أي: لا تستطيع دفعا عنها ولا نفعا لها بوجه، وإنما تملك الشفاعة بالإذن وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ قال النسفي: أي: لا أمر إلا لله تعالى وحده، فهو القاضي فيه دون غيره، وقال ابن كثير: (وقال قتادة: والأمر- والله- اليوم لله، لكنه لا ينازعه فيه يومئذ أحد). كلمة في السياق: إن الأبرار هم المتقون بدليل آية البر في سورة البقرة، والفجار هم الذين يقابلون المتقين، ومن السياق عرفنا بعض خصائص المتقين، وبعض خصائص الفجار، فالفقرة الأخيرة صبت فيها السورة كلها، ومن ثم نلاحظ أنه جاء في الفقرة الأولى قوله تعالى عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ وجاء في الفقرة الأخيرة: يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً. وجاء في الفقرة الثالثة: بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وجاء في الفقرة الأخيرة، يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ .. وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ... وكما أن الفقرة الأخيرة كانت مصبا للسورة كلها، فإنها فصلت في المحور. لقد جاء في المحور قوله تعالى: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ* وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ وهاهنا جاء قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ* وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ فللسورة سياقها وهي مرتبطة بمحورها في السياق القرآني العام. الفوائد: ١ - بدأ ابن كثير الكلام عن السورة بقوله: (روى النسائي عن جابر قال: قام معاذ فصلى العشاء الآخرة فطول فقال النبي ﷺ : «أفتان أنت يا معاذ؟ أين كنت عن

стр. 6090

سبح اسم ربك الأعلى، والضحى، وإذا السماء انفطرت!» وأصل الحديث مخرج في الصحيحين ولكن ذكر (إذا السماء انفطرت) في أفراد النسائي. وقد تقدم من رواية عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال: «من سره أن ينظر إلى القيامة رأي عين فليقرأ إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت، وإذا السماء انشقت»). ٢ - يقع بعض الناس في خطأ عند قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ وقد سجل ابن كثير الخطأ والصواب في فهم هذه الآية فقال: (هذا تهديد لا كما يتوهمه بعض الناس من أنه إرشاد إلى الجواب حيث قال: (الكريم) حتى يقول قائلهم: غره كرمه، بل المعنى في هذه الآية ما غرك يا ابن آدام بربك الكريم أي: العظيم حتى أقدمت على معصيته، وقابلته بما لا يليق؟ كما جاء في الحديث يقول الله تعالى يوم القيامة «يا ابن آدم ما غرك بي؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟». وقال بعض أهل الإشارة إنما قال: بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ دون سائر أسمائه وصفاته كأنه لقنه الإجابة، وهذا الذي تخيله هذا القائل ليس بطائل؛ لأنه إنما أتى باسمه الكريم لينبه على أنه لا ينبغي أن يقابل الكريم بالأفعال القبيحة، وأعمال الفجور. وقد حكى البغوي عن الكلبي ومقاتل أنهما قالا: نزلت هذه الآية في الأسود بن شريك ضرب النبي ﷺ ولم يعاقب في الحالة الراهنة فأنزل الله تعالى: ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ؟). ٣ - بمناسبة قوله تعالى الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن بشر بن جحاش القرشي أن رسول الله ﷺ بصق يوما في كفه فوضع عليها إصبعه ثم قال: قال الله «يا ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه؟ حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي قلت: أتصدق، وأنى أوان الصدقة؟». ٤ - في قوله تعالى: فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ اتجاهان: اتجاه يقول ما ذكرناه أي: في أي صورة من الحسن والقبح وغير ذلك يركبك مع كمال الاعتدال، واتجاه آخر يقول: أي: كان قادرا على أن يركبك في صورة قرد أو غيره، فكان ينبغي أن تقابل ذلك منه بالشكر، ولكنك لم تفعل. ٥ - بمناسبة قوله تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ* كِراماً كاتِبِينَ قال ابن كثير:

стр. 6091

(روى ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: قال رسول الله ﷺ : «أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند حالتين الجنابة والغائط، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بجرم حائط أو ببعيره أو ليستره أخوه» وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار فوصله بلفظ آخر عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ينهاكم عن التعري فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم، الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حالات: الغائط والجنابة والغسل، فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه أو بجرم حائط أو ببعيره» ثم قال: حفص بن سليمان وهو من رجال السند- لين الحديث وقد روي عنه واحتمل حديثه. وروى الحافظ أبو بكر البزار عن الحسن- يعني: البصري- عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من حافظين يرفعان إلى الله ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة وفي آخرها استغفار إلا قال الله تعالى: قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة» ثم قال البزار: تفرد به تمام بن نجيح وهو صالح الحديث (قلت) وثقه ابن معين وضعفه البخاري وأبو زرعة وابن أبي حاتم والنسائي وابن عدي ورماه ابن حبان بالوضع، وقال الإمام أحمد: لا أعرف حقيقة أمره. وروى الحافظ أبو بكر البزار عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لله ملائكة يعرفون بني آدم- وأحسبه قال: ويعرفون أعمالهم- فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة الله ذكروه بينهم وسموه وقالوا أفلح الليلة فلان. نجا الليلة فلان، وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية الله ذكروه بينهم وسموه وقالوا: هلك الليلة فلان» ثم قال البزار: سلام هذا- وهو من رجال السند- أحسبه سلام المدائني وهو لين الحديث). ٦ - بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ قال ابن كثير: (وقد روى ابن عساكر عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «إنما سماهم الله الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء»). أقول: هذا جزء البر وعلامة من علاماته والرسول ﵊ كثيرا ما يعرف الكل بالجزء؛ لتبيان أهمية الجزء كما في قوله ﷺ : «الحج عرفة». كلمة أخيرة في المجموعة التاسعة من قسم المفصل: رأينا أن المجموعة التاسعة تتألف من أربع سور هي النازعات وعبس والتكوير والانفطار.

стр. 6092

سورة النازعات هيجت على الخوف من الله ، وعلى نهي النفس عن الهوى وعلى الخشية من اليوم الآخر. وجاءت سورة عبس لتعاتب رسول الله ﷺ على إقباله على كافر، وإعراضه عن مؤمن لتحدد مجال الإنذار الرئيسي، ثم جاءت سورة التكوير لتهيج المؤمنين على العمل الصالح المحدد بكتاب الله ، ولتهيج على الاستقامة عليه، ثم جاءت سورة الانفطار لتحذر من الجهل بالله الذي يؤدي بالإنسان إلى ترك العمل، وقد رأينا أن السور الأربع فصلت في الأساس والطريق ففصلت سورتا النازعات وعبس في مقدمة سورة البقرة، وفصلت سورتا التكوير والانفطار في ما بعد ذلك أي: في الطريق. وقد رأينا كيف أن كل سورة أوصلت إلى ما بعدها، وقد أوصلت السورة الأخيرة إلى ما بعدها. أي: إلى سورة المطففين. فالملاحظ أن سورة الانفطار تنتهي بفقرة إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ* وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ وأن سورة المطففين تتحدث بتفصيل أكبر عن الأبرار والفجار كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ... كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ... فلننتقل إلى سورة المطففين ومجموعتها.

стр. 6093

المجموعة العاشرة من القسم الرابع من أقسام القرآن المسمى بقسم المفصل وتشمل سورتي: المطففين، والانشقاق

стр. 6094

كلمة في المجموعة العاشرة من قسم المفصل المجموعة العاشرة تتألف من سورتين: المطففين والانشقاق، والذي دلنا على ذلك أن ما بعد سورة الانشقاق سورة مبدوءة بقسم، وتلك علامة على بداية مجموعة جديدة، ثم إن سورة الانشقاق تتحدث في بدايتها عن اليوم الآخر، وهي مبدوءة ب إِذَا وتلك علامة مطردة على نهاية مجموعة، ومن ثم تحددت سورة الانشقاق على أنها نهاية مجموعة وقبل سورة المطففين جاءت سورة الانفطار وفيها كلام عن اليوم الآخر، وهي مبدوءة ب إِذَا فتحدد بذلك أن سورتي المطففين والانشقاق مجموعة واحدة. والظاهر أن سورة المطففين تفصل في مقدمة سورة البقرة، وأن سورة الانشقاق تفصل في ما بعد المقدمة، والذي دلنا على هذا أن كل سورة تتحدث في مقدمتها عن اليوم الآخر، وهي مبدوءة ب إِذَا فإنها تفصل فيما بعد المقدمة مباشرة، فلم يبق إلا أن تكون سورة المطففين تفصل في مقدمة سورة البقرة. والملاحظ أنه لا توجد إلا سورتان في القرآن مبدوءتان بقوله تعالى وَيْلٌ الأولى سورة المطففين، والثانية سورة الهمزة، وسورة الهمزة تفصل في مقدمة سورة البقرة، ولكنها ليست بداية مجموعة، إذ هي مسبوقة بسورة (العصر) التي هي شريكتها في تفصيل مقدمة سورة البقرة وإذ لم تكن سورة المطففين مسبوقة بسورة تفصل في المقدمة، فمعنى هذا أنها بداية مجموعة، وهي التي تفصل في المقدمة من سورة البقرة. فلنر سورتي المجموعة العاشرة.

стр. 6095

سورة المطففين وهي السورة الثالثة والثمانون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الأولى من المجموعة العاشرة من قسم المفصل، وهي ست وثلاثون آية وهي مكية
следующие страницы →