← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

(روى ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: قال رسول الله ﷺ : «أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند حالتين الجنابة والغائط، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بجرم حائط أو ببعيره أو ليستره أخوه» وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار فوصله بلفظ آخر عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله ينهاكم عن التعري فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم، الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدى ثلاث حالات: الغائط والجنابة والغسل، فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه أو بجرم حائط أو ببعيره» ثم قال: حفص بن سليمان وهو من رجال السند- لين الحديث وقد روي عنه واحتمل حديثه. وروى الحافظ أبو بكر البزار عن الحسن- يعني: البصري- عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من حافظين يرفعان إلى الله ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة وفي آخرها استغفار إلا قال الله تعالى: قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة» ثم قال البزار: تفرد به تمام بن نجيح وهو صالح الحديث (قلت) وثقه ابن معين وضعفه البخاري وأبو زرعة وابن أبي حاتم والنسائي وابن عدي ورماه ابن حبان بالوضع، وقال الإمام أحمد: لا أعرف حقيقة أمره. وروى الحافظ أبو بكر البزار عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لله ملائكة يعرفون بني آدم- وأحسبه قال: ويعرفون أعمالهم- فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة الله ذكروه بينهم وسموه وقالوا أفلح الليلة فلان. نجا الليلة فلان، وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية الله ذكروه بينهم وسموه وقالوا: هلك الليلة فلان» ثم قال البزار: سلام هذا- وهو من رجال السند- أحسبه سلام المدائني وهو لين الحديث). ٦ - بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ قال ابن كثير: (وقد روى ابن عساكر عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «إنما سماهم الله الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء»). أقول: هذا جزء البر وعلامة من علاماته والرسول ﵊ كثيرا ما يعرف الكل بالجزء؛ لتبيان أهمية الجزء كما في قوله ﷺ : «الحج عرفة». كلمة أخيرة في المجموعة التاسعة من قسم المفصل: رأينا أن المجموعة التاسعة تتألف من أربع سور هي النازعات وعبس والتكوير والانفطار.

стр. 6092

سورة النازعات هيجت على الخوف من الله ، وعلى نهي النفس عن الهوى وعلى الخشية من اليوم الآخر. وجاءت سورة عبس لتعاتب رسول الله ﷺ على إقباله على كافر، وإعراضه عن مؤمن لتحدد مجال الإنذار الرئيسي، ثم جاءت سورة التكوير لتهيج المؤمنين على العمل الصالح المحدد بكتاب الله ، ولتهيج على الاستقامة عليه، ثم جاءت سورة الانفطار لتحذر من الجهل بالله الذي يؤدي بالإنسان إلى ترك العمل، وقد رأينا أن السور الأربع فصلت في الأساس والطريق ففصلت سورتا النازعات وعبس في مقدمة سورة البقرة، وفصلت سورتا التكوير والانفطار في ما بعد ذلك أي: في الطريق. وقد رأينا كيف أن كل سورة أوصلت إلى ما بعدها، وقد أوصلت السورة الأخيرة إلى ما بعدها. أي: إلى سورة المطففين. فالملاحظ أن سورة الانفطار تنتهي بفقرة إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ* وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ وأن سورة المطففين تتحدث بتفصيل أكبر عن الأبرار والفجار كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ... كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ... فلننتقل إلى سورة المطففين ومجموعتها.

стр. 6093

المجموعة العاشرة من القسم الرابع من أقسام القرآن المسمى بقسم المفصل وتشمل سورتي: المطففين، والانشقاق

стр. 6094

كلمة في المجموعة العاشرة من قسم المفصل المجموعة العاشرة تتألف من سورتين: المطففين والانشقاق، والذي دلنا على ذلك أن ما بعد سورة الانشقاق سورة مبدوءة بقسم، وتلك علامة على بداية مجموعة جديدة، ثم إن سورة الانشقاق تتحدث في بدايتها عن اليوم الآخر، وهي مبدوءة ب إِذَا وتلك علامة مطردة على نهاية مجموعة، ومن ثم تحددت سورة الانشقاق على أنها نهاية مجموعة وقبل سورة المطففين جاءت سورة الانفطار وفيها كلام عن اليوم الآخر، وهي مبدوءة ب إِذَا فتحدد بذلك أن سورتي المطففين والانشقاق مجموعة واحدة. والظاهر أن سورة المطففين تفصل في مقدمة سورة البقرة، وأن سورة الانشقاق تفصل في ما بعد المقدمة، والذي دلنا على هذا أن كل سورة تتحدث في مقدمتها عن اليوم الآخر، وهي مبدوءة ب إِذَا فإنها تفصل فيما بعد المقدمة مباشرة، فلم يبق إلا أن تكون سورة المطففين تفصل في مقدمة سورة البقرة. والملاحظ أنه لا توجد إلا سورتان في القرآن مبدوءتان بقوله تعالى وَيْلٌ الأولى سورة المطففين، والثانية سورة الهمزة، وسورة الهمزة تفصل في مقدمة سورة البقرة، ولكنها ليست بداية مجموعة، إذ هي مسبوقة بسورة (العصر) التي هي شريكتها في تفصيل مقدمة سورة البقرة وإذ لم تكن سورة المطففين مسبوقة بسورة تفصل في المقدمة، فمعنى هذا أنها بداية مجموعة، وهي التي تفصل في المقدمة من سورة البقرة. فلنر سورتي المجموعة العاشرة.

стр. 6095

سورة المطففين وهي السورة الثالثة والثمانون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الأولى من المجموعة العاشرة من قسم المفصل، وهي ست وثلاثون آية وهي مكية

стр. 6096

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 6097

بين يدي سورة التطفيف: قدم الألوسي لسورة التطفيف بقوله: (ويقال لها سورة المطففين. واختلف في كونها مكية أو مدنية، فعن ابن مسعود والضحاك أنها مكية، وعن الحسن وعكرمة إنها مدنية وعليه السدي، قال: كان بالمدينة رجل يكنى أبا جهينة له مكيالان يأخذ بالأوفى ويعطي بالأنقص فنزلت، وعن ابن عباس روايات، فأخرج ابن الضريس عنه أنه قال آخر ما نزل بمكة سورة المطففين، وأخرج ابن مردويه والبيهقي عنه أنه قال: أول ما نزل بالمدينة وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ويؤيد هذه الرواية ما أخرجه النسائي وابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح وغيرهم عنه قال: لما قدم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا، فأنزل الله تعالى وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ فأحسنوا الكيل بعد ذلك، وفي رواية عنه أيضا وعن قتادة أنها مكية إلا ثمان آيات من آخرها إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا الخ. وقيل: إنها مدنية إلا ست آيات من أولها، وبعض من يثبت الواسطة بين المكي والمدني يقول: إنها ليست أحدهما بل نزلت بين مكة والمدينة؛ ليصلح الله تعالى أمر أهل المدينة قبل ورود رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. وآياتها ست وثلاثون بلا خلاف. والمناسبة بينها وبين ما قبلها أنه سبحانه لما ذكر فيما قبل السعداء والأشقياء، ويوم الجزاء وعظم شأنه، ذكر هنا ما أعد جل وعلا لبعض العصاة، وذكره سبحانه بأخس ما يقع من المعصية وهو التطفيف الذي لا يكاد يجدي شيئا في تثمير المال وتنميته، مع اشتمال هذه السورة من شرح حال المكذبين المذكورين هناك على زيادة تفصيل كما لا يخفى، وقال الجلال السيوطي: الفصل بهذه السورة بين الانفطار والانشقاق التي هي نظيرتها من أوجه لنكتة لطيفة ألهمنيها الله تعالى، وذلك أن السور الأربع هذه والسورتان قبلها والانشقاق لما كانت في صفة حال يوم القيامة ذكرت على ترتيب ما يقع فيه، فغالب ما وقع في التكوير، وجميع ما وقع في الانفطار، يقع في صدر يوم القيامة، ثم بعد ذلك يكون الموقف الطويل، ومقاساة الأهوال، فذكره في هذه السورة بقوله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ ثم بعد ذلك تحصل الشفاعة العظمى، فتنشر الصحف، فآخذ باليمين، وآخذ بالشمال، وآخذ من وراء ظهره، ثم بعد ذلك يقع الحساب كما ورد بذلك الآثار، فناسب تأخر سورة الانشقاق التي فيها إيتاء الكتب والحساب عن السورة التي فيها ذكر الموقف، والسورة التي فيها ذكره عن السورة التي فيها ذكر مبادي أحوال

стр. 6098

اليوم، ووجه آخر وهو أنه ﷻ لما قال في الانفطار: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ* كِراماً كاتِبِينَ وذلك في الدنيا، ذكر سبحانه في هذه حال ما يكتبه الحافظون، وهو مرقوم يجعل في عليين أو سجين، وذلك أيضا في الدنيا كما تدل عليه الآثار، فهذه حالة ثانية للكتاب ذكرت في السورة الثانية، وله حالة ثالثة متأخرة عنهما وهي إيتاؤه صاحبه باليمين أو غيرها، وذلك يوم القيامة، فناسب تأخير السورة التي فيها ذلك عن السورة التي فيها الحالة الثانية، انتهى وهو وإن لم يخل عن لطافة للبحث فيه مجال، فتذكر). كلمة في سورة المطففين ومحورها: تبدأ سورة المطففين بالكلام عن التطفيف بالميزان، لتصل إلى الكلام عن الفجار لتصل إلى الكلام عن الأبرار، لتصل إلى الكلام عن المجرمين وموقفهم من المؤمنين في الدنيا، وحال هؤلاء المجرمين في الآخرة، وحال المؤمنين فيها، ومن هذا العرض الموجز للسورة ندرك أن السورة تتحدث عن المتقين، وعن الكافرين، ولكنها تبدأ بالكلام عن الكافرين، ثم تتحدث عن المتقين، ثم تتحدث عن الطرفين بآن واحد، وهو منحى اعتدناه في تفصيل مقدمة سورة البقرة، فالكلام عن المتقين يعمق تصورنا عن الكافرين، والكلام عن الكافرين يعمق تصورنا عن المتقين، وفي سورة المطففين كلام عن المتقين والكافرين بآن واحد، ولذلك نقول: إن محور سورة المطففين هو قوله تعالى من سورة البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. تبدأ السورة بذكر خلق من أخلاق الكافرين، ثم تنتهي بالحديث عن الفجار والكفار، وعن بعض أخلاق الكافرين، وعن ختم الله على قلوبهم، وعن سبب ذلك، ومن خلال ذلك تعرف بعض صفات المتقين المقابلة، ثم إن السورة تتحدث عن الأبرار والمؤمنين ببيان ما لهم عند الله ، والملاحظ أن آخر مجموعة من مجموعات القرآن، تبدأ بسورة العصر، ثم تثني بسورة الهمزة وهي مبدوءة بقوله تعالى وَيْلٌ

стр. 6099

كسورة المطففين، وسورة الهمزة- كما سنرى- تتحدث عن أخلاق الكافرين، كما بدأت سورة المطففين، ولكن سورة المطففين تؤدي دور سورتي العصر والهمزة بآن واحد، فبينما سورة العصر تتحدث عن أخلاق الناجين عند الله ، وتتحدث سورة الهمزة عن أخلاق الهالكين، فإن سورة المطففين تتحدث عن الناجين والهالكين، ومن ثم فإنها تفصل في مقدمة سورة البقرة كلها، إن النفاق كفر، فالكلام عن الكافرين يدخل فيه الكلام عن المنافقين ضمنا. تتألف سورة المطففين من أربع فقرات واضحة المعالم، مترابطة الصلات: الفقرة الأولى تستمر حتى الآية (٦). الفقرة الثانية تستمر حتى الآية (١٧). الفقرة الثالثة تستمر حتى الآية (٢٨). الفقرة الرابعة تستمر حتى نهاية السورة أي: حتى نهاية الآية (٣٦). فلنبدأ عرض السورة لنرى سياقها الخاص، ومحلها في تفصيل المحور.

стр. 6100

الفقرة الأولى وتمتد حتى نهاية الآية (٦) وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة المطففين (٨٣): الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦) التفسير: وَيْلٌ أي: خسارة وهلاك لِلْمُطَفِّفِينَ قال النسفي: (أي: للذين يبخسون حقوق الناس في الكيل والوزن) وقال ابن كثير: والمراد بالتطفيف هاهنا: البخس في المكيال والميزان، إما بالازدياد، إن اقتضى من الناس، وإما بالنقصان إن قضاهم) ولهذا فسر تعالى المطففين الذين وعدهم بالخسار والهلاك، وهو الويل بقوله تعالى: الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ أي: من الناس يَسْتَوْفُونَ أي: يأخذون حقهم بالوافي والزائد. قال النسفي: (أي إذا أخذوا بالكيل من الناس يأخذون حقوقهم وافية تامة، ولما كان اكتيالهم من الناس اكتيالا يضرهم ويتحامل فيه عليهم أبدل (على) مكان (من) للدلالة على ذلك) وَإِذا كالُوهُمْ أي: كالوا للناس أَوْ وَزَنُوهُمْ أي: وزنوا لهم يُخْسِرُونَ أي: ينقصون أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أي: الذين يفعلون ذلك أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يعني: يوم القيامة. قال النسفي: أدخل همزة الاستفهام على لا النافية توبيخا، وليست هذه للتنبيه، وقال ابن كثير: (أي: ما يخاف أولئك من البعث والقيام بين يدي من يعلم السرائر والضمائر في يوم عظيم الهول كثير الفزع جليل الخطب، من خسر فيه أدخل نارا حامية؟). قال النسفي: (وفيه إنكار وتعجيب عظيم من حالهم في الاجتراء على التطفيف كأنهم لا يخطرون ببالهم ولا يخمنون تخمينا أنهم مبعوثون ومحاسبون على مقدار الذرة، ولو ظنوا

стр. 6101

أنهم يبعثون ما نقصوا في الكيل والوزن) ثم فسر الله ذلك اليوم بقوله: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ قال النسفي: أي: لأمره وجزائه. وقال ابن كثير: أي: يقومون حفاة عراة غرلا في موقف صعب حرج. ضيق ضنك على المجرم، ويغشاهم من أمر الله تعالى ما تعجز القوى والحواس عنه. كلمة في السياق: ١ - حدثنا الله في هذه الفقرة عن خلق من أخلاق الكافرين، وهو التطفيف في الكيل والميزان، بدليل قوله تعالى: أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ مما يشير إلى أنهم لو كانوا يظنون ذلك ما فعلوه. فالتطفيف خلق من أخلاق الكافرين بشكل عام، ويدخل في التطفيف معاني أخرى ينأى عنها المسلم، وإن كانت ليست داخلة صراحة في النص، ومن ثم قال النسفي في هذا المقام. (عن عبد الملك بن مروان أن أعرابيا قال له: لقد سمعت ما قال الله في المطففين، أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن ونصب). ولئن كان التطفيف في الأصل خلقا من أخلاق الكافرين والمنافقين، فقد يواقعه المسلم، وعليه أن يتوب إلى الله، وأن يرد الحقوق إلى أصحابها إن عرفهم، وإلا فليتصدق وليدع وليستغفر. ٢ - بعد أن حدثنا الله في الفقرة الأولى عن خلق من أخلاق الكافرين، يحدثنا عن الكافرين بشكل عام في الفقرة الثانية، فكانت الفقرة الأولى مقدمة للكلام عن الفقرة الثانية.

стр. 6102

الفقرة الثانية وتمتد من الآية (٧) إلى نهاية الآية (١٧) وهذه هي: [سورة المطففين (٨٣): الآيات ٧ الى ١٧] كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (٨) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) التفسير: كَلَّا قال النسفي: ردع وتنبيه، أي: تردعهم عما كانوا عليه من التطفيف، والغفلة عن البعث والحساب، ونبههم على أنه مما يجب أن يتاب عنه ويندم عليه، ثم أتبعه وعيد الفجار على العموم. أقول: كلام النسفي يشير إلى ما ذكرناه من صلة سياق الفقرة الأولى بالثانية، فالمطففون من الفجار، بل هو خلق من أخلاقهم، ولكن قد يتسلل هذا الخلق إلى مؤمن لغفلة أو ضعف إيمان، أو مخالطة لبيئة فاسدة، أو استمرار لحال سابقة، وتخصيص هذا الخلق من أخلاق الفجار بفقرة مستقلة تربية للمسلمين، وتخليص لهم منه، ومن ثم روى النسائي وابن ماجه، في سبب نزول الفقرة الأولى عن ابن عباس قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا فأنزل الله تعالى وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ فحسنوا الكيل بعد ذلك). أقول: ولا زالوا يحسنون بل هم اليوم في علمي أحسن الناس وزنا وكيلا، وبعد أن ردع الله الناس عن التطفيف الذي هو خلق من أخلاق الفجار، قال مبينا أمر الفجار: إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ قال

стр. 6103

النسفي: أي: صحائف أعمالهم لَفِي سِجِّينٍ قال النسفي: سجين: كتاب جامع، هو ديوان الشر، دون الله فيه أعمال الشياطين والكفرة من الجن والإنس وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ؟ * كِتابٌ مَرْقُومٌ قال النسفي: (أي: مسطور بين الكتابة، أو معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه .. والمعنى: إن ما كتب من أعمال الفجار مثبت في ذلك الديوان وسمي سجينا .. من السجن وهو الحبس والتضييق؛ لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم). أقول: هناك اتجاه آخر في تفسير هذه الآيات: وهو أن الله قد قضى قضاء مبرما (أن الفجار لفي سجين) أي: لفي سجن ضيق، فسجين كسكير وشريب: بين السكر والشرب. والمراد بالسجن هنا جهنم، وأن كونهم في سجين شئ مرقوم، أي: مكتوب مفروغ منه لا يزاد فيه أحد، ولا ينقص منه أحد، وعلى هذا القول فإن قوله تعالى: وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ تفخيم وتهويل لشأن جهنم، وليس متصلا بما بعده أي: بقوله تعالى: كِتابٌ مَرْقُومٌ فيكون المعنى الحرفي على هذا القول: كلا إنه مكتوب على الفجار، أن يكونوا في سجن جهنم وأن هذا المكتوب لا يبدل ولا يغير، وما أدراك ما هذا السجن الذي قضي عليهم به، وكتب عليهم به نتيجة لسوء أعمالهم ثم قال تعالى متهددا لهم، ومبينا سبب هذا القضاء عليهم وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ وإذن فما كان قضاء الله عليهم إلا بسبب منهم، قال ابن كثير: ثم قال تعالى مفسرا للمكذبين والفجار الكفرة: الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ أي: بيوم الجزاء والحساب، قال ابن كثير: أي: لا يصدقون بوقوعه، ولا يعتقدون كونه ويستبعدون أمره. وَما يُكَذِّبُ بِهِ أي: بذلك اليوم إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أي: مجاوز للحد أَثِيمٍ أي: مكتسب للإثم، قال ابن كثير: أي: معتد في أفعاله من تعاطي الحرام والمجاوزة في تناول المباح، والأثيم في أقواله إن حدث كذب، وإن وعد أخلف، وإن خاصم فجر إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا أي: القرآن. قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي: خرافات السابقين وأباطيلهم. قال ابن كثير: أي: إذا سمع كلام الله تعالى من الرسول يكذب به ويظن به، ظن السوء. فيعتقد أنه مفتعل مجموع من كتب الأوائل. كَلَّا. قال النسفي: ردع للمعتدي الأثيم عن هذا القول بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ أي: غطاها كسبهم أي: غلب على قلوبهم حتى غمرها ما كانوا يكسبون من المعاصي. قال ابن كثير: أي: ليس الأمر كما زعموا، ولا كما قالوا: إن هذا القرآن أساطير الأولين. بل هو كلام الله ووحيه، وتنزيله على رسول الله ﷺ ، وإنما حجب قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الرين الذي قد لبس

стр. 6104

قلوبهم من كثرة الذنوب والخطايا .. والرين يعتري قلوب الكافرين، والغيم للأبرار، والغين للمقربين كَلَّا قال النسفي: ردع لهم عن الكسب الرائن على القلب إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ أي: عن رؤيته يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ قال النسفي: أي: لممنوعون ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ قال النسفي: (أي: ثم إنهم بعد كونهم محجوبين عن ربهم لداخلون النار) وقال ابن كثير: أي: ثم هم مع هذا الحرمان عن رؤية الرحمن من أهل النيران ثُمَّ يُقالُ هذَا أي: هذا العذاب الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ أي: تكذبون به في الدنيا وتنكرون وقوعه. قال ابن كثير: أي: يقال لهم ذلك على وجه التقريع والتوبيخ والتصغير والتحقير. كلمة في السياق: ١ - في سورة الانفطار تبين لنا أن علة الاغترار بالله هي الجهل، وأن علة ذلك التكذيب بيوم الدين، وفي الفقرة التي مرت معنا تبين لنا أن علة التكذيب بيوم الدين الاعتداء والإثم، والتكذيب بآيات الله، وأن هذا كله أورث رينا على القلب، وذلك مظهر من مظاهر الاتصال ما بين سورة المطففين والسورة السابقة عليها. ٢ - إن هناك صلة واضحة بين قوله تعالى عن الكافرين في محور السورة: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وبين ما ورد في السورة هاهنا: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ* كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ* ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ* ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ. وإن هناك صلة ما بين قوله تعالى في المحور: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وبين الفقرة. فالفقرة بينت لنا علة الختم على القلوب، وسبب وصول الكافرين إلى الحالة التي لا ينفع معها إنذار، من اعتداء، وإثم، وإنكار لكتاب الله، وتكذيب به، وكسب سيئ .. ٣ - عرفنا من صفات الفجار في الفقرتين السابقتين؛ أ- التطفيف في الميزان والمكيال. ب- التكذيب بيوم الدين ج- الاعتداء، د- الإثم هـ- اتهام كتاب الله بأنه أساطير الأولين. ويفهم من هذا أن الأبرار لا يطففون الميزان والمكيال، وأنهم يؤمنون باليوم الآخر. وأنهم لا يتجاوزون ما حده الله ، وأنهم لا يرتكبون الإثم، وأنهم يؤمنون بكتاب الله ؛ لاحظ صلة ذلك بمحور السورة: الم* ذلِكَ

стр. 6105

الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ... ، وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. ثم تأتي فقرة ثالثة من سورة المطففين تتحدث عما أعد الله للأبرار، وذلك مظهر فلاحهم، فهي إذن تفصيل لفلاح الأبرار، فلنر الفقرة الثالثة في السورة. الفقرة الثالثة وتمتد من الآية (١٨) حتى نهاية الآية (٢٨) وهذه هي: [سورة المطففين (٨٣): الآيات ١٨ الى ٢٨] كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨) التفسير: كَلَّا قال النسفي: ردع عن التكذيب إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ قال النسفي: (أي: ما كتب من أعمالهم) والأبرار: هم المطيعون الذين لا يطففون، ويؤمنون بالبعث، لأنه ذكر في مقابلة الفجار لَفِي عِلِّيِّينَ قال النسفي: هو علم أي: اسم علم لديوان الخير الذي دون فيه كل ما عملته الملائكة، وصلحاء الثقلين، سمي به لأنه

стр. 6106

سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة، أو لأنه مرفوع في السماء السابعة حيث يسكن الكروبيون تكريما له، وقال ابن كثير في تفسير الآية: (يقول تعالى حقا إن كتاب الأبرار وهم بخلاف الفجار لَفِي عِلِّيِّينَ أي: مصيرهم إلى عليين، وهو بخلاف سجين) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ قال النسفي: (أي: ما الذي أعلمك يا محمد ما عليون أي شئ هو) كِتابٌ مَرْقُومٌ أي: مسطور أو معلم يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ قال النسفي: أي: تحضره الملائكة. قيل: يشهد عمل الأبرار مقربو كل سماء إذا رفع إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ أي: لفي تنعم في الجنان، قال ابن كثير: أي يوم القيامة هم في نعيم مقيم، وجنات فضل عميم عَلَى الْأَرائِكِ متكئين يَنْظُرُونَ قال النسفي: أي: إلى كرامة الله ونعمه، وإلى أعدائهم كيف يعذبون. قال ابن كثير: (وقيل معناه: عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ إلى الله ، وهذا مقابل لما وصف به أولئك الفجار: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ فذكر عن هؤلاء أنهم يباحون النظر إلى الله وهم على سررهم وفرشهم كما تقدم في حديث ابن عمر «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه، وإن أعلاهم لمن ينظر إلى الله في اليوم مرتين») تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ أي: بهجة التنعم وطراوته. قال ابن كثير: (أي: تعرف إذا نظرت إليهم في وجوههم نضرة النعيم أي: صفة الترافه والحشمة والسرور والدعة والرئاسة مما هم فيه من النعيم العظيم.). يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ أي شراب خالص لا غش فيه مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ قال النسفي: (أي: تختم أوانيه بمسك بدل الطين الذين يختم به الشراب في الدنيا .. أو مقطعه رائحة مسك أي: توجد رائحة المسك عند خاتمة شربه. أقول: أي: نكهته التي تبقى في الفم مسك، قال ابن مسعود: أي: خلطه مسك، وقال الحسن: أي: عاقبته مسك، وَفِي ذلِكَ أي: وفي الرحيق أو النعيم فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ قال النسفي: أي: فليرغب الراغبون، وذلك إنما يكون بالمسارعة إلى الخيرات، والانتهاء عن السيئات. وقال ابن كثير: أي: وفي مثل هذا الحال فليتفاخر المتفاخرون، وليتباه ويكاثر ويستبق إلى مثله المستبقون وَمِزاجُهُ أي: ومزاج الرحيق مِنْ تَسْنِيمٍ قال النسفي: (هو علم لعين بعينها سميت بالتسنيم الذي هو مصدر سنمه إذا رفعه، لأنها أرفع شراب في الجنة أو لأنها تأتيهم من فوق وتنصب في أوانيهم). وقال ابن كثير، أي: ومزاج هذا الرحيق الموصوف من تسنيم، أي: من شراب يقال له تسنيم وهو أشرف شراب أهل الجنة وأعلاه .. ولهذا قال عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا أي: منها

стр. 6107

الْمُقَرَّبُونَ قال النسفي: يشربها المقربون صرفا وتمزج لأصحاب اليمين، وقال ابن كثير: أي: يشربها المقربون صرفا، وتمزج لأصحاب اليمن مزجا. كلمة في السياق: ١ - وهكذا حدثنا الله عن الفجار والأبرار، ما لهؤلاء من عذاب، وما لهؤلاء من نعيم، وعرفنا خصائص هؤلاء وصفات أولئك ثم تأتي فقرة تحدثنا عن سبب استحقاق الأبرار لما استحقوه، وعن سبب استحقاق الفجار لما استحقوه. ٢ - فصلت لنا الفقرة الثالثة مظهرا من مظاهر فلاح المتقين، بعد أن أرتنا الفقرة الثانية مظهرا من مظاهر خسار الكافرين، ثم تأتي الفقرة الرابعة لتحدثنا عن موقف الكافرين من المتقين في الدنيا، وما يعاقب به الكافرون في مقابل ذلك في الآخرة، وما يجزاه المتقون في مقابل صبرهم على ذلك، فلنر الفقرة الرابعة والأخيرة في السورة بعد أن عرفنا محلها في السياق الخاص والسياق العام.

стр. 6108

الفقرة الرابعة وتمتد من الآية (٢٩) إلى نهاية الآية السورة، أي إلى نهاية الآية (٣٦) وهذه هي: [سورة المطففين (٨٣): الآيات ٢٩ الى ٣٦] إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) التفسير: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا أي: كفروا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ أي: في الدنيا استهزاء بهم وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ أي: يشير بعضهم إلى بعض بالغين طعنا فيهم وعيبا لهم. قال ابن كثير: (يخبر تعالى عن المجرمين أنهم كانوا في الدار الدنيا يضحكون من المؤمنين أي: يستهزءون بهم، ويحتقرونهم، وإذا مروا بالمؤمنين يتغامزون عليهم أي: محتقرين لهم). وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ أي: إذا رجع الكفار إلى منازلهم انْقَلَبُوا فَكِهِينَ أي: متلذذين بذكرهم والسخرية منهم قال ابن كثير: (وإذا انقلب أي: رجع المجرمون إلى منازلهم انقلبوا إليها فاكهين أي: مهما طلبوا وجدوا، ومع هذا ما شكروا نعمة الله عليهم، بل اشتغلوا بالقوم المؤمنين يحقرونهم ويحسدونهم) وَإِذا رَأَوْهُمْ أي: وإذا رأى الكافرون المؤمنين. قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ قال ابن كثير: أي: لكونهم على غير دينهم، وقال النسفي: (قالوا: خدع محمد هؤلاء فضلوا وتركوا اللذات لما يرجونه في الآخرة من الكرامات، فقد تركوا الحقيقة بالخيال، وهذا هو عين الضلال) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ قال

стр. 6109

النسفي: (أي: وما أرسل الكفار على المؤمنين حافظين يحفظون عليهم أحوالهم، ويرقبون أعمالهم، بل أمروا بإصلاح أنفسهم فاشتغالهم بذلك، أولى بهم من تتبع غيرهم وتسفيه أحلامهم). وقال ابن كثير: (أي: وما بعث هؤلاء المجرمون حافظين على هؤلاء المؤمنين ما يصدر منهم من أعمالهم وأقوالهم ولا كلفوا بهم؟ فلم اشتغلوا بهم وجعلوهم نصب أعينهم) فَالْيَوْمَ أي: يوم القيامة الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ كما ضحكوا منهم هنا مجازاة عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ قال ابن كثير: أي: إلى الله في مقابلة من زعم فيهم أنهم ضالون، ليسوا بضالين، بل هم من أولياء الله المقربين، ينظرون إلى ربهم في دار كرامته هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ قال النسفي: هل جوزوا بسخريتهم بالمؤمنين في الدنيا إذ فعل بهم ما ذكر، وقال ابن كثير: أي: هل جوزي الكفار على ما كانوا يقابلون به المؤمنين من الاستهزاء والتنقيص أم لا؟ يعني: قد جوزوا أوفر الجزاء وأتمه وأكمله. كلمة في السياق: في مقدمة سورة البقرة كلام عن المتقين والكافرين، وفي الفقرة الأخيرة من السورة بيان لموقف الكافرين من المتقين، وما يعاقب الله به الكافرين يوم القيامة مجازاة لهم على هذا الموقف، وعرفنا من صفات الفجار في الفقرة الأخيرة ضحكهم من المؤمنين، وتغامزهم منهم، وبصرهم ورؤيتهم أن أهل الإيمان على ضلال، وفي مقابل ذلك عرفنا من خصائص الأبرار الإيمان، وهكذا أعطتنا سورة المطففين مزيد بيان إن في صفات الفجار أو في صفات المتقين. ولذلك صلاته بمحور السورة. الفوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ قال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم عن هلال بن طلق قال: بينما أنا أسير مع ابن عمر فقلت: من أحسن الناس هيئة وأوفاهم كيلا أهل مكة وأهل المدينة، قال: حق لهم، أما سمعت الله تعالى يقول: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ). أقول: وهذا دليل على أن أهل الإيمان بمجرد أن يذكروا يتذكرون، ولا زال أهل المدينة وأهل مكة حتى الآن من أكرم خلق الله ميزانا وأجودهم كيلا.

стр. 6110

وبمناسبة هذه الآية قال الألوسي: (وصح من رواية الحاكم والطبراني وغيرهما عن ابن عباس وغيره مرفوعا: «خمس بخمس» قيل يا رسول الله وما خمس بخمس؟ قال: «ما نقض قوم العهد إلا سلط الله تعالى عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله تعالى إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر»). ٢ - بمناسبة قوله تعالى: أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ* لِيَوْمٍ عَظِيمٍ* يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ قال ابن كثير: (روى الإمام مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «يوم يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» رواه البخاري من حديث مالك وعبد الله بن عون كلاهما عن نافع به، ورواه مسلم من الطريقين أيضا، ولفظ الإمام أحمد عن نافع عن ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يوم يقوم الناس لرب العالمين لعظمة الرحمن يوم القيامة حتى إن العرق ليلجم الرجال إلى أنصاف آذانهم». (حديث آخر) روى الإمام أحمد عن المقداد- يعني ابن الأسود الكندي- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حتى تكون قدر ميل أو ميلين- قال: فتصهرهم الشمس فيكونون في العرق كقدر أعمالهم، ومنهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجاما» رواه مسلم. (حديث آخر) روى الإمام أحمد عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: «تدنو الشمس يوم القيامة على قدر ميل ويزاد في حرها كذا وكذا، تغلي منها الهوام كما تغلي القدور، يعرقون فيها على قدر خطاياهم، منهم من يبلغ إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى ساقيه، ومنهم من يبلغ إلى وسطه، ومنهم من يلجمه العرق» انفرد به أحمد .. ). أقول: إن الله ذكر أن الشمس والقمر يجمعان، وذكر أن الشمس تكور، وذلك يكون قبل الحشر والموقف فإذا عرفنا هذا فالشمس التي تدنو من الخلائق في الحساب ينبغي أن تكون غير هذه الشمس، ومن ثم فلا يستغرب دنوها من رءوس العباد هذا الدنو، وعلى كل فلليوم الآخر قوانين تختلف عن قوانين هذا العالم. ٣ - بمناسبة قوله تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ قال ابن كثير: (وقد روى ابن جرير والترمذي والنسائي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن العبد إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب منها صقل قلبه، وإن زاد

стр. 6111

زادت» فذلك قول الله تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ وقال الترمذي حسن صحيح. ولفظ النسائي: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب، صقل قلبه، فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، فهو الران الذي قال الله تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ»). ٤ - بمناسبة قوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ قال النسفي: (أي: عن رؤية ربهم لممنوعون، والحجب: المنع، قال الزجاج: في الآية دليل على أن المؤمنين يرون ربهم، وإلا لا يكون التخصيص مفيدا، وقال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في العقبى عن رؤيته، وقال مالك بن أنس ﵀: لما حجب أعداءه فلم يروه تجلى لأوليائه حتى رأوه، وقيل: عن كرامة ربهم؛ لأنهم في الدنيا لم يشكروا نعمه فيئسوا في الآخرة عن كرامته مجازاة، والأول أصح؛ لأن الرؤية أقوى الكرامات، فالحجب عنها دليل الحجب عن غيرها). وقال ابن كثير: أي: لهم يوم القيامة منزل ونزل سجين، ثم هم يوم القيامة مع ذلك محجوبون عن رؤية ربهم وخالقهم، قال الإمام أبو عبد الله الشافعي: وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه يومئذ، وهذا الذي قاله الإمام الشافعي ﵀ في غاية الحسن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية. كما دل عليه منطوق قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ* إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ وكما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربهم في الدار الآخرة رؤية بالأبصار في عرصات القيامة وفي روضات الجنان الفاخرة). ٥ - بمناسبة قوله تعالى: يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري- أراه قد رفعه إلى النبي ﷺ . قال: «أيما مؤمن سقى مؤمنا شربة ماء على ظمأ سقاه الله تعالى يوم القيامة من الرحيق المختوم، وأيما مؤمن أطعم مؤمنا على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، أيما مؤمن كسا مؤمنا ثوبا على عري كساه الله من خضر الجنة»). ٦ - وبمناسبة الفقرة الأخيرة في السورة: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ .. يقول صاحب الظلال: (ونقف لحظة أمام هذا المشهد الذي يطيل القرآن عرض مناظره وحركاته- مشهد سخرية الذين أجرموا من الذين آمنوا في الدنيا- كما أطال من قبل في عرض مشهد نعيم الأبرار وعرض مناظره ومناعمه. فنجد

стр. 6112

أن هذه الإطالة من الناحية التأثيرية فن عال في الأداء التعبيري، كما أنه فن عال في العلاج الشعوري. فقد كانت القلة المسلمة في مكة تلاقي من عنت المشركين وأذاهم ما يفعل في النفس البشرية بعنف وعمق، وكان ربهم لا يتركهم بلا عون، من تثبيته وتسريته وتأسيته. وهذا التصور المفصل لمواجعهم من أذى المشركين، فيه بلسم لقلوبهم. فربهم هو الذي يصف هذه المواجع. فهو يراها، وهو لا يهملها- وإن أمهل الكافرين حينا- وهذا وحده يكفي قلب المؤمن ويمسح على آلامه وجراحه. إن الله يرى كيف يسخر منهم الساخرون. وكيف يؤذيهم المجرمون. وكيف يتفكه بآلامهم ومواجعهم المتفكهون. وكيف لا يتلوم هؤلاء السفلة ولا يندمون! إن ربهم يرى هذا كله، ويصفه في تنزيله. فهو إذن شئ في ميزانه .. وهذا يكفي! نعم هذا يكفي حين تستشعره القلوب المؤمنة مهما كانت مجروحة موجوعة). ولننتقل إلى سورة الانشقاق.

стр. 6113

سورة الانشقاق وهي السورة الرابعة والثمانون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثانية والأخيرة من المجموعة العاشرة من قسم المفصل، وهي خمس وعشرون آية وهي مكية

стр. 6114

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 6115

بين يدي سورة الانشقاق: قدم الألوسي لسورة الانشقاق بقوله: (ويقال: سورة انشقت. وهي مكية بلا خلاف. وآيها ثلاث وعشرون آية في البصري والشامي، وخمس وعشرون في غيرهما. ووجه مناسبتها لما قبلها يعلم مما نقلناه عن الجلال السيوطي فيما قبل، وأوجز بعضهم في بيان وجه ترتيب هذه السور الثلاث فقال: إن في انفطرت التعريف بالحفظة الكاتبين، وفي المطففين مقر كتبهم، وفي هذه عرضها في القيامة). كلمة في سورة الانشقاق ومحورها: سورة الانشقاق نهاية المجموعة العاشرة، بدليل ما ذكرناه من قبل من كونها مبدوءة ب إِذَا وتتحدث في بدايتها عن اليوم الآخر، وتأتي بعدها سورة البروج المبدوءة بقسم، وتلك علامة بداية مجموعة جديدة. وتأتي سورة الانشقاق لتفصل فيما بعد مقدمة سورة البقرة، أي: في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وما بعدها حتى نهاية قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ .. وسنرى كيف أنها تفصل في هذا المحور أثناء عرض السورة. تنقسم السورة إلى مقطعين واضحين: المقطع الأول ينتهي بالآية (١٥) والمقطع الثاني ينتهي بنهاية السورة. والمقطع الأول يتألف من فقرتين كما سنرى، وفي السورة كالعادة معان جديدة لم تتعرض لها سورة أخرى، فالسورة لها سياقها الخاص، وصلتها بمحورها ومعانيها الخاصة بها. والملاحظ أن سورة المطففين تتكلم في نهايتها عن استهزاء المجرمين بالمؤمنين، وعاقبة المجرمين والمؤمنين. وأن سورة الانشقاق في مقطعها الأول تتحدث عمن يأخذ كتابه بيمينه، وعمن يأخذ كتابه بشماله، فالصلة واضحة بين نهاية سورة المطففين، وبداية سورة الانشقاق. ولنبدأ عرض السورة.

стр. 6116

المقطع الأول ويمتد من الآية (١) إلى نهاية الآية (١٥) وهذا هو: الفقرة الأولى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥) الفقرة الثانية [سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ٦ الى ١٥] يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (١١) وَيَصْلى سَعِيراً (١٢) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً (١٥) تفسير الفقرة الأولى: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ وذلك يوم القيامة قال الألوسي: (وأخرج ابن أبي حاتم عن علي كرم الله وجهه أنها تنشق من جهة المجرة) قال النسفي: أي: تصدعت وتشققت وَأَذِنَتْ لِرَبِّها قال ابن كثير: أي: استمعت لربها وأطاعت أمره فيما أمرها به من الانشقاق، وقال النسفي: (أي: سمعت وأطاعت وأجابت ربها إلى الانشقاق، ولم تأب ولم تمتنع وَحُقَّتْ أي: وحق لها أن تسمع وتطيع لأمر الله إذ هي مصنوعة مربوبة لله ، وقال ابن كثير: أي وحق لها أن تطيع أمره، لأنه

стр. 6117

العظيم الذي لا يمانع ولا يغالب، بل قد قهر كل شئ وذل له كل شئ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ قال النسفي: أي: بسطت وسويت باندكاك جبالها وكل أمت فيها. أقول: وهل تبقى على كرويتها أم لا؟ فإذا كانت تبقى على كرويتها يكون المراد بأنها تصبح كلها على سوية واحدة لا ارتفاع فيها ولا انخفاض، وإذا كانت لا تبقى على كرويتها فالمراد- والله أعلم- جعلها كلها كأنها بساط واحد فتسع في ذلك ما لا تسع وهي كروية وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ أي: ورمت ما في جوفها وخلت غاية الخلو. قال ابن كثير: أي: ألقت ما في بطنها من الأموات وتخلت منهم وَأَذِنَتْ لِرَبِّها أي: سمعت له وأطاعت وَحُقَّتْ أي: حق لها أن تسمع وتطيع. فإذا كان ذلك فماذا يكون؟ لم تذكر الفقرة الجواب. قال النسفي في تعليل ذلك: وحذف جواب إذا؛ ليذهب المقدر كل مذهب أو اكتفاء بما علم بمثلها من سورتي التكوير والانفطار، أو جوابه، وما دل عليه فَمُلاقِيهِ الآتي بعد ذلك، أي: إذا انشقت لاقى الإنسان كدحه. أقول: يحتمل أن يكون جواب إذا: فماذا أنت مقدم أيها الإنسان لذلك اليوم، أو فكيف يكون حالك أيها الإنسان ذلك اليوم فاعمل إذن لذلك، وقدم العبادة والتقوى. كلمة في السياق: ١ - تحدثت الفقرة عن يوم القيامة، وبعض ما يكون فيه، وذكرت طاعة السماء والأرض لله، وفي ذلك تهييج للإنسان على أن يطيع الله ، وصلة ذلك بمحور السورة: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ واضحة. ٢ - بعد الآية التي نقلناها من محور السورة في سورة البقرة يأتي قوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً .. والملاحظ أن الفقرة التي مرت معنا من سورة الانشقاق تتحدث عما يحدث للأرض والسماء ذلك اليوم. ٣ - تحدثت الفقرة الأولى عما يكون يوم القيامة، فكان ذلك مقدمة واعظة توصل إلى الفقرة الثانية التي تخاطب الإنسان خطابا مباشرا، واعظة له وداعية له أن يكون من أهل اليمين، وألا يكون من أهل الشمال فلنر الفقرة الثانية.

стр. 6118

تفسير الفقرة الثانية من المقطع الأول: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ الخطاب عام لكل إنسان إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً قال ابن كثير: أي: إنك ساع إلى ربك سعيا، وعامل عملا، وقال النسفي: أي: (إنك جاهد إلى لقاء ربك وهو الموت وما بعده من الحال المتمثلة باللقاء فَمُلاقِيهِ أي: فملاق عملك وكدحك. أو فملاق ربك فيجازيك بعملك ويكافئك على سعيك فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً قال النسفي: أي: سهلا هينا وهو أن يجازى على الحسنات ويتجاوز عن السيئات وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً أي: فرحا، قال النسفي: أي: وينقلب إلى عشيرته إن كانوا مؤمنين، أو إلى فريق المؤمنين أو إلى أهله في الجنة من الحور العين مسرورا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ قال ابن كثير: أي: بشماله من وراء ظهره تثنى يده إلى ورائه ويعطى كتابه بها كذلك، وقال النسفي: قيل: تغل يمناه إلى عنقه، وتجعل شماله وراء ظهره، فيؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً أي: خسارا وهلاكا، أي: يقول يا ثبوراه أي: يا هلاكاه، ولا يأتيه الهلاك وَيَصْلى سَعِيراً أي: ويدخل جهنم إِنَّهُ كانَ في الدنيا فِي أَهْلِهِ أي: معهم مَسْرُوراً قال النسفي: أي: بالكفر يضحك ممن آمن بالبعث. قيل: أي: في تفسيرها: كان لنفسه متابعا، وفي مراتع هواه راتعا، وقال ابن كثير: أي: مزحا لا يفكر في العواقب، ولا يخاف مما أمامه، فأعقبه ذلك الفرح اليسير الحزن الطويل إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ أي: يرجع إلى ربه تكذيبا بالبعث. أقول: وهذا سر سروره في أهله، سرورا جعله لا يبالي بقيد ولا عمل. بَلى أي: ليرجعن إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً فسيجازيه على كل عمل وتصرف واعتقاد. قال ابن كثير. يعني: بلى سيعيده كما بدأه، ويجازيه على أعماله خيرها وشرها بأنه كان له بصيرا أي: عليما خبيرا. كلمة في السياق: ١ - بعد أن ذكر الله في الفقرة الأولى ما يكون من أمر السماء والأرض يوم القيامة، خاطب الإنسان في الفقرة الثانية مبينا أنه كادح للوصول إلى ذلك اليوم، ويومذاك إما أن يكون من أصحاب اليمين، وإما أن يكون من أصحاب الشمال، وفي ذلك دعوة للإنسان كي يكدح من أجل أن يكون من أصحاب اليمين، وذلك لا يكون إلا بالعبادة والتقوى، وهذا مظهر من مظاهر صلة الفقرة بمحور السورة.

стр. 6119

٢ - رأينا أن محور السورة يبدأ بقوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ ورأينا أن الفقرة الثانية. تبدأ بقوله تعالى يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ والصلة واضحة بين الخطابين، ومن هذه الصلة ندرك معنى جديدا ومضمونه: إنك أيها الإنسان كادح في كل حال للوصول إلى الله ، فليكن كدحك في عبادة مولاك وتقواه لتنال مرضاته، ولو كان هذا على حساب سرورك الدنيوي في أهلك من أجل أن تنال السرور الأبدي مع أهلك في الآخرة، ولا يكن كدحك فيما يخالف العبادة والتقوى، فإنه وإن أدى هذا إلى سرورك في أهلك في الدنيا فإن عاقبة ذلك الحزن الطويل في الآخرة، ومن ثم قال قتادة في الآية: إن كدحك يا ابن آدام لضعيف، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل. ٣ - رأينا صلة المقطع الأول ببعضه بعضا، ورأينا صلة المقطع بمحور السورة، ثم يأتي المقطع الثاني وهو يخاطب الناس جميعا، وفي ذلك مظهر من مظاهر اتصال السورة بالمحور المبدوء بقوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ ... وسنرى الصلة الوثيقة بين المقطعين الأول والثاني، فبعد أن بين الله ماذا ينتظر الإنسان، خاطب الناس مؤكدا لهم أنهم واصلون إلى ما ذكره، وأنبهم على عدم سلوك الطريق فلننتقل إلى المقطع الثاني والأخير من السورة. المقطع الثاني ويمتد من الآية (١٦) إلى نهاية الآية (٢٥) وهذا هو: [سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١٦ الى ٢٥] فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)

стр. 6120

التفسير: فَلا أُقْسِمُ أي: فأقسم بِالشَّفَقِ الشفق: الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، قال عكرمة: الشفق الذي يكون بين المغرب والعشاء وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ أي: جمع وضم وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ قال النسفي: أي: اجتمع وتم بدرا لَتَرْكَبُنَّ قال النسفي: أيها الناس طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ قال النسفي: أي حالا بعد حال كل واحدة مطابقة لأختها في الشدة والهول. أقول: وقد قال بعض الملاحدة في هذه الآية: إنها تدل على تناسخ في الأرواح، وهو فهم عجيب مبتور لا يصدر عمن له أدنى بصر، أو إدراك أو تأمل في هذا القرآن، ولنا عودة على هذه الآية، وعلى ما قالوه في الفوائد. فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ والأمر كذلك. قال ابن كثير: أي: فماذا يمنعهم من الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ قال النسفي: أي: لا يخضعون. قال ابن كثير: وما لهم إذا قرئت عليهم آيات الله وكلامه- وهو هذا القرآن- لا يسجدون إعظاما وإكراما واحتراما. أقول: وهاهنا سجدة كما سنرى في الفوائد. والمعنى العام: إذا كان الأمر كذلك من كون الإنسان سيركب طبقا بعد طبق أي: حالا بعد حال؛ حتى يصل إلى الكبير المتعال، فمال هؤلاء الكافرين لا يؤمنون، وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون؟ أي إن الأمر ما دام كذلك فإن هذا يقتضي منهم إيمانا وخضوعا للقرآن، ولكنهم بدلا من أن يفعلوا ذلك يكذبون بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ قال النسفي: أي: بالبعث والقرآن، وقال ابن كثير: أي: من سجيتهم التكذيب والعناد والمخالفة للحق وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ فلا يخفى على الله أمرهم، ومعنى الآية: والله أعلم بما يكتمون في صدورهم، قال تعالى آمرا رسوله ﷺ : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ قال ابن كثير: أي: فأخبرهم يا محمد بأن الله قد أعد لهم عذابا أليما إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي: لكن الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم لَهُمْ أَجْرٌ في الآخرة. غَيْرُ مَمْنُونٍ قال النسفي: أي: غير مقطوع، أو غير منقوص، وقد ختم صاحب الظلال الكلام عن هذه السورة بقوله: (وكل هذه الجولات والمشاهد والإيحاءات واللمسات في سورة قصيرة لا تتجاوز عدة أسطر. وهو ما لا يعهد إلا في الكتاب العجيب! فإن هذه الأغراض يتعذر الوفاء بها في الحيز الكبير ولا تؤدى بهذه القوة، وبهذا التأثير .. ولكنه القرآن ميسر للذكر؛ يخاطب القلوب

стр. 6121

مباشرة من منافذها القريبة .. تنزيل العليم الخبير). كلمة في السياق: ١ - وضح أثناء عرض الآيات صلة آيات المقطع الثاني بالمقطع الأول، وكما هيج المقطع الأول على الكدح في طريق الخير للوصول إلى رضوان الله ، فإن المقطع الثاني هيج على الإيمان والسجود لقراءة القرآن، والإيمان والعمل الصالح، وصلة ذلك بالعبادة والتقوى من محور السورة واضحة. ٢ - في محور السورة من سورة البقرة يأتي قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ* وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ. والمقطع الثاني من السورة بين أن الإنسان سينتقل من حال إلى حال، وهذا يقتضي منه إيمانا وخضوعا لهذا القرآن، ولكن الكافرين لا يفعلون، ولذلك أمر الله رسوله ﷺ أن يبشرهم بالعذاب، ثم بشر الله المؤمنين الذين يعملون الصالحات بمالهم عنده من الثواب المستمر، ولو تأملت لوجدت صلة بين هذه المعاني والآيات الثلاث المذكورة من المحور وهكذا ذكرت السورة بما يفصل في معاني المحور من سورة البقرة. ولكن بأسلوب جديد، وأداء جديد، وزيادات تتفرد بها السورة عن كل سورة، فالسورة الوحيدة في القرآن التي يذكر فيها أن أخذ أصحاب الشمال صحائفهم يكون من وراء ظهورهم هي هذه السورة، وفيها معان أخرى أبرزت فيها إبرازا جديدا، وهكذا نجد سياق السورة الخاص سائرا في إطار السياق العام للقرآن، مع تأدية السورة لمعان جديدة، وهكذا دأب سور القرآن كلها فما أكثر ما في هذا القرآن من إعجاز ودلالات، تدل على أنه من عند الله فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ. الفوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ قال ابن كثير: (روى ابن جرير عن علي بن الحسين أن النبي ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة مد الله الأرض مد الأديم

стр. 6122

حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدميه فأكون أول من يدعى، وجبريل عن يمين الرحمن، والله ما رآه قبلها، فأقول: يا رب إن هذا أخبرني أنك أرسلته إلي فيقول الله : صدق، ثم أشفع فأقول: يا رب عبادك عبدوك في أطراف الأرض قال: وهو المقام المحمود»). ٢ - وبمناسبة قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ قال ابن كثير: (أي: إنك ساع إلى ربك سعيا وعامل عملا فَمُلاقِيهِ ثم إنك ستلقى ما عملت من خير أو شر. ويشهد لذلك ما رواه أبو داود الطيالسي عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «قال جبريل: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه» ومن الناس من يعيد الضمير على قوله ربك أي: فملاق ربك ومعناه: فيجازيك بعملك ويكافئك على سعيك، وعلى هذا فكلا القولين متلازم). وقال صاحب الظلال بمناسبة هذه الآية: (يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ .. الذي خلقه ربه بإحسان، والذي ميزه بهذه (الإنسانية) التي تفرده في هذا الكون بخصائص كان من شأنها أن يكون أعرف بربه، وأطوع لأمره من الأرض والسماء. وقد نفخ فيه من روحه، وأودعه القدرة على الاتصال به، وتلقي قبس من نوره، والفرح باستقبال فيوضاته، والتطهر بها، أو الارتفاع إلى غير حد، حتى يبلغ الكمال المقدر لجنسه، وآفاق هذا الكمال عالية بعيدة! يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ .. يا أيها الإنسان إنك تقطع رحلة حياتك على الأرض كدحا، تحمل عبئك، وتجهد جهدك، وتشق طريقك .. لتصل في النهاية إلى ربك. فإليه المرجع وإليه المآب. بعد الكد والكدح والجهاد .. يا أيها الإنسان .. إنك كادح حتى في متاعك .. فأنت لا تبلغه في هذه الأرض إلا بجهد وكد. إن لم يكن جهد بدن وكد عمل، فهو جهد تفكير وكد مشاعر. الواجد والمحروم سواء. إنما يختلف نوع الكدح ولون العناء. وحقيقة الكدح هي المستقرة في حياة الإنسان .. ثم النهاية في آخر المطاف إلى الله سواء. يا أيها الإنسان .. إنك لا تجد الراحة في الأرض أبدا. إنما الراحة هناك. لمن يقدم لها

стр. 6123

الطاعة والاستسلام .. التعب واحد في الأرض والكدح واحد- وإن اختلف لونه وطعمه- أما العاقبة مختلفة عند ما تصل إلى ربك .. فواحد إلى عناء دونه عناء الأرض .. وواحد إلى نعيم يمسح على آلام الأرض كأنه لم يكن كدح ولا كد .. يا أيها الإنسان .. الذي امتاز بخصائص الْإِنْسانُ. ألا فاختر لنفسك ما يليق بهذا الامتياز الذي خصك به الله، اختر لنفسك الراحة من الكدح عند ما تلقاه. ولهذه اللمسة الكامنة في هذا النداء، فإنه يصل بها مصائر الكادحين عند ما يصلون إلى نهاية الطريق، ويلقون ربهم بعد الكدح والعناء: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً* وَيَصْلى سَعِيراً* إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً* إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ* بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً .. ). ٣ - بمناسبة قوله تعالى فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ* فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً قال ابن كثير: (أي: سهلا بلا تعسير أي: لا يحقق عليه جميع دقائق أعماله فإن من حوسب كذلك هلك لا محالة. وروى الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من نوقش الحساب عذب» قالت: فقلت: أفليس قال الله تعالى: فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً قال: «ليس ذاك بالحساب ولكن ذلك العرض من نوقش الحساب يوم القيامة عذب» وهكذا رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير من حديث أيوب السختياني به. وروى أحمد عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في بعض صلاته: «اللهم حاسبني حسابا يسيرا» فلما انصرف، قلت: يا رسول الله ما الحساب اليسير؟ قال: «أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه إنه من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك» صحيح على شرط مسلم). ٤ - يستدل بعض طوائف الملاحدة القائلين بالتناسخ، على هذا التناسخ الملعون بقوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ وهو استدلال أحمق؛ لأن القول بالتناسخ يلغي ما تذكره السورة أصلا من حشر الإنسان وحسابه، وهذه طريقة الملاحدة يأتون إلى نص يحتمل معاني فيعطونه معنى لا يحتمله، ويلغون به القرآن كله، ويقولون هذا هو حكم القرآن، وإنما ينطلي خداعهم على جاهل أحمق، إن هذا التناسخ الملعون عقيدة هندوسية تسربت إلى طوائف من ملاحدة المسلمين على تناقضها وتهافتها. إن القول بأن الروح تنتقل من مخلوق إلى مخلوق آخر بحسب عمل المخلوق الأول

стр. 6124

مردود لمئات الوجوه منها. أ- إن هذا القول لا يعطي تفسيرا ولا تعليلا لتكاثر البشر إذ القائلون بهذه العقيدة على فرض أنها حق، هم وحدهم إذا أحسنوا العمل يستحقون أن يكونوا بشرا لكنا نرى البشر يتكاثرون وهم بالنسبة لمجموع البشر لا يعدلون إلا رقما صغيرا من عدد كبير. ب- إن القول بالتناسخ يقتضي أن يكون للمخلوقات كلها درجة من الوعي والفهم والإدراك واحدة، وهذا لا يقوله عاقل. ج- إن القول بالتناسخ يقتضي أن يكون عدد الأحياء واحدا في كل عصر، ولكنا نجد أن الأحياء تتكاثر كلها أو تتناقص، فلا تحافظ على عدد محدود. د- إن القول بالتناسخ يلغي موضوع اليوم الآخر، وموضوع محاسبة كل إنسان عن عمله فيه، ويعطل النصوص التي تتحدث عن ذهاب كل روح إلى عالمها في البرزخ، هذا وقد نقلنا نقاش الأستاذ المودودي لهذه العقيدة الفاسدة في كتابنا الإسلام الجزء الرابع فليراجع. وقال ابن كثير في قوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ .. (روى البخاري عن مجاهد قال: قال ابن عباس لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ: حالا بعد حال قال هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم، هكذا رواه البخاري بهذا اللفظ، وقال السدي لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ أعمال من قبلكم منزلا بعد منزل (قلت:) كأنه أراد معنى الحديث الصحيح: «لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» قالوا: يا رسول الله: اليهود والنصارى قال: «فمن؟» وهذا محتمل). ٥ - هناك قراءتان أخريان في قوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ قراءة بضم تاء (لتركبن) وقراءة بفتحها وبفتح الباء، فعلى القراءة الأولى يكون الخطاب في الكلمة لمجموع البشرية، وعلى القراءة الثانية يكون الخطاب لرسول الله ﷺ ، وقد فسر بعضهم الطبق في القراءة التي تخاطب رسول الله بأنه السماء قال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم عن الشعبي لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ قال: لتركبن يا محمد سماء بعد سماء، وهكذا روي عن ابن مسعود ومسروق وأبي العالية طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ سماء بعد سماء. قلت: يعنون ليلة الإسراء؟). أقول: ليس هناك من مانع أن يفسر الطبق بالسماء على القراءة التي نقرؤها في قراءة

стр. 6125

حفص، وعندئذ تكون في الآية معجزة غيبية، يدركها أبناء عصرنا الذين انتقلوا من حال إلى حال في تدرجهم في مسالك السماء بالمعنى اللغوي، وعلى هذا يكون السياق على الشكل التالي: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ* وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ* وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ لَتَرْكَبُنَّ يا معشر البشر طَبَقاً أي: سماء عَنْ طَبَقٍ أي: عن سماء، فكل موقع يوصلكم إلى ما بعده فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ والقرآن يخبرهم عن مثل هذا وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ والقرآن يخاطبهم بمثل هذا. ٦ - بمناسبة قوله تعالى: فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ أقول: هذه إحدى مواطن سجدات القرآن الأربعة عشر التي يجب بسببها عند الحنفية السجود لله إذا تليت أو سمعت، والسجود عندهم واجب على التراخي: «روى مالك عن أبي سلمة أن أبا هريرة قرأ بهم: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله ﷺ سجد فيها» رواه مسلم والنسائي من طريق مالك به. وروى البخاري عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ فسجد فقلت: له، فقال: سجدت خلف أبي القاسم ﷺ فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، وزاد النسائي وسفيان الثوري عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ في إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ واقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ). ٧ - عند قوله تعالى إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ قال ابن كثير: (قال ابن عباس: غير منقوص، وقال مجاهد والضحاك: غير محسوب، وحاصل قولهما أنه غير مقطوع كما قال تعالى عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ وقال السدي قال بعضهم: غير ممنون غير منقوص.، وقال بعضهم: غير ممنون عليهم، وهذا القول الأخير عن بعضهم قد أنكره غير واحد؛ فإن الله له المنة على أهل الجنة في كل حال وآن ولحظة، وإنما دخلوها بفضله ورحمته لا بأعمالهم، فله عليهم المنة دائما سرمدا، والحمد لله وحده أبدا ولهذا يلهمون تسبيحه وتحميده كما يلهمون النفس، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين). كلمة أخيرة في المجموعة العاشرة من قسم المفصل: سورة المطففين تحدثت عن الفجار والأبرار، وجاءت سورة الانشقاق، فبينت

стр. 6126

للإنسان أنه كادح كل الكدح لملاقاة الله ، ومن ثم طالبت السورة من خلال عرض ما لأهل اليمين ولأهل الشمال، بالعمل الصالح، وبينت سورة الانشقاق أن الإنسان منتقل من حال إلى حال في الدنيا، وفي الآخرة، ومن ثم فهذا يقتضي منه إيمانا وعملا صالحا. وأنذرت السورة من لم يؤمن ويعمل صالحا، وهكذا دعت سورة الانشقاق من خلال تبيان كدح الإنسان وانتقاله من حال إلى حال إلى السير في طريق البر والتخلي عن طريق الفجور، فالسورتان تتكاملان لتؤديا دورا واحدا في قضية الأساس والطريق. وقد رأينا أن لكل سورة سياقها الخاص، وصلتها بمحورها، وأن كل سورة فيها جديد، ورأينا صلة نهاية السورة الأولى ببداية الثانية، وهكذا نجد أن السياق القرآني العام يذكر هذه النفس البشرية مرة ومرة ومرة، بمعنى ومعنى ومعنى، وهكذا تأخذ النفس البشرية خطها من التذكير المحيط الشامل، ومن ثم ندبت السنة إلى قراءة القرآن في الشهر مرة؛ لتأخذ النفس البشرية حظها من هذا التذكير الشامل في كل شهر، ويا حسرة على أولئك المحرومين من هذه النعمة فكيف بالمحرومين أصلا من نعمة الإيمان بهذا القرآن.

стр. 6127

المجموعة الحادية عشرة من القسم الرابع من أقسام القرآن المسمى بقسم المفصل وتشمل سور: البروج، والطارق، والأعلى، والغاشية

стр. 6128

كلمة في المجموعة الحادية عشرة من قسم المفصل تعرضت سورة المطففين في آخرها لاستهزاء المجرمين بالمؤمنين، وأبرزت هذا المعنى وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ وجاءت سورة الانشقاق لتبين عقوبة هؤلاء المجرمين المنقلبين إلى أهليهم فكهين فقالت وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً* وَيَصْلى سَعِيراً* إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً* إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ لاحظ إبراز سرور الكافر في أهله في نهاية سورة المطففين، وأوائل سورة الانشقاق مع إبراز ما للكافرين وللمؤمنين في السورتين. وتأتي سورة البروج بعد ذلك لترينا نموذجا من فعل الكافرين بالمؤمنين وفتنتهم إياهم، وما يستحقونه نتيجة لذلك. كما تحدثنا عن المؤمنين العاملين وما لهم. وتحدثنا عما يستحقه المكذبون من بطش الله. فسورة البروج تأتي لتكمل سياق ما قبلها، وتتصل بالمجموعة العاشرة بأكثر من وشيجة. وسنرى فيما بعد صلة كل سورة من سور المجموعة الحادية عشرة ببعضها. لقد رأينا أن سور: الذاريات والطور والنجم كلها مبدوءة بقسم، وآتية في مجموعة واحدة، وأنها كلها فصلت في مقدمة سورة البقرة، وفي هذه المجموعة نرى سورتين كلا منهما مبدوءة بقسم، وفي المجموعة اللاحقة نجد خمس سور في مجموعة واحدة، تبدأ كل منها بقسم، وكلها تفصل في مقدمة سورة البقرة، ومن مثل هذا نستأنس أن سورتي البروج والطارق تفصلان في مقدمة سورة البقرة. وتأتي بعد هاتين السورتين سورة الأعلى وهي مبدوءة بقوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وهذا يشير إلى أنها تفصل في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. وتأتي بعد ذلك سورة الغاشية، وهي مبدوءة بقوله تعالى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ وهي تشبه سورة الدهر مبدوءة بقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً وهذا يجعلنا نستأنس أن محور سورة الغاشية هو نفسه محور سورة الدهر، وهي الآيات الآتية بعد مقدمة سورة البقرة وهذا كله سنراه تفصيلا أثناء عرضنا للسور الأربع- سور المجموعة الحادية عشرة- فلنبدأ عرضها.

стр. 6129

سورة البروج وهي السورة الخامسة والثمانون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الأولى من المجموعة الحادية عشرة من قسم المفصل، وهي اثنتان وعشرون آية وهي مكية

стр. 6130

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
следующие страницы →