← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.

стр. 6126

للإنسان أنه كادح كل الكدح لملاقاة الله ، ومن ثم طالبت السورة من خلال عرض ما لأهل اليمين ولأهل الشمال، بالعمل الصالح، وبينت سورة الانشقاق أن الإنسان منتقل من حال إلى حال في الدنيا، وفي الآخرة، ومن ثم فهذا يقتضي منه إيمانا وعملا صالحا. وأنذرت السورة من لم يؤمن ويعمل صالحا، وهكذا دعت سورة الانشقاق من خلال تبيان كدح الإنسان وانتقاله من حال إلى حال إلى السير في طريق البر والتخلي عن طريق الفجور، فالسورتان تتكاملان لتؤديا دورا واحدا في قضية الأساس والطريق. وقد رأينا أن لكل سورة سياقها الخاص، وصلتها بمحورها، وأن كل سورة فيها جديد، ورأينا صلة نهاية السورة الأولى ببداية الثانية، وهكذا نجد أن السياق القرآني العام يذكر هذه النفس البشرية مرة ومرة ومرة، بمعنى ومعنى ومعنى، وهكذا تأخذ النفس البشرية خطها من التذكير المحيط الشامل، ومن ثم ندبت السنة إلى قراءة القرآن في الشهر مرة؛ لتأخذ النفس البشرية حظها من هذا التذكير الشامل في كل شهر، ويا حسرة على أولئك المحرومين من هذه النعمة فكيف بالمحرومين أصلا من نعمة الإيمان بهذا القرآن.

стр. 6127

المجموعة الحادية عشرة من القسم الرابع من أقسام القرآن المسمى بقسم المفصل وتشمل سور: البروج، والطارق، والأعلى، والغاشية

стр. 6128

كلمة في المجموعة الحادية عشرة من قسم المفصل تعرضت سورة المطففين في آخرها لاستهزاء المجرمين بالمؤمنين، وأبرزت هذا المعنى وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ وجاءت سورة الانشقاق لتبين عقوبة هؤلاء المجرمين المنقلبين إلى أهليهم فكهين فقالت وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً* وَيَصْلى سَعِيراً* إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً* إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ لاحظ إبراز سرور الكافر في أهله في نهاية سورة المطففين، وأوائل سورة الانشقاق مع إبراز ما للكافرين وللمؤمنين في السورتين. وتأتي سورة البروج بعد ذلك لترينا نموذجا من فعل الكافرين بالمؤمنين وفتنتهم إياهم، وما يستحقونه نتيجة لذلك. كما تحدثنا عن المؤمنين العاملين وما لهم. وتحدثنا عما يستحقه المكذبون من بطش الله. فسورة البروج تأتي لتكمل سياق ما قبلها، وتتصل بالمجموعة العاشرة بأكثر من وشيجة. وسنرى فيما بعد صلة كل سورة من سور المجموعة الحادية عشرة ببعضها. لقد رأينا أن سور: الذاريات والطور والنجم كلها مبدوءة بقسم، وآتية في مجموعة واحدة، وأنها كلها فصلت في مقدمة سورة البقرة، وفي هذه المجموعة نرى سورتين كلا منهما مبدوءة بقسم، وفي المجموعة اللاحقة نجد خمس سور في مجموعة واحدة، تبدأ كل منها بقسم، وكلها تفصل في مقدمة سورة البقرة، ومن مثل هذا نستأنس أن سورتي البروج والطارق تفصلان في مقدمة سورة البقرة. وتأتي بعد هاتين السورتين سورة الأعلى وهي مبدوءة بقوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وهذا يشير إلى أنها تفصل في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. وتأتي بعد ذلك سورة الغاشية، وهي مبدوءة بقوله تعالى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ وهي تشبه سورة الدهر مبدوءة بقوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً وهذا يجعلنا نستأنس أن محور سورة الغاشية هو نفسه محور سورة الدهر، وهي الآيات الآتية بعد مقدمة سورة البقرة وهذا كله سنراه تفصيلا أثناء عرضنا للسور الأربع- سور المجموعة الحادية عشرة- فلنبدأ عرضها.

стр. 6129

سورة البروج وهي السورة الخامسة والثمانون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الأولى من المجموعة الحادية عشرة من قسم المفصل، وهي اثنتان وعشرون آية وهي مكية

стр. 6130

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 6131

بين يدي سورة البروج: قدم الألوسي لتفسير سورة البروج بقوله: (لا خلاف في مكيتها. ولا في كونها اثنتين وعشرين آية. ووجه مناسبتها لما قبلها باشتمالها- كالتي قبل- على وعد المؤمنين ووعيد الكافرين، مع التنويه بشأن القرآن وفخامة قدره، وفي البحر أنه سبحانه لما ذكر أنه جل وعلا أعلم بما يجمعون لرسول الله ﷺ والمؤمنين من المكر والخداع، وإيذاء من أسلم بأنواع من الأذى، كالضرب والقتل والصلب والحرق بالشمس وإحماء الصخر ووضع أجساد من يريدون أن يفتنوه عليه، ذكر سبحانه أن هذه الشنشنة كانت فيمن تقدم من الأمم، فكانوا يعذبون بالنار، وأن المعذبين كان لهم من الثبات في الإيمان ما منعهم أن يرجعوا عن دينهم وأن الذين عذبوهم ملعونون، فكذلك الذين عذبوا المؤمنين من كفار قريش، فهذه السورة عظة لقريش، وتثبيت لمن يعذبونه من المؤمنين. انتهى وهو وجه وجيه). أقول: في السورة عظة للعالمين، وتثبيت للمؤمنين. وقدم صاحب الظلال لهذه السورة بقوله: (هذه السورة القصيرة تعرض حقائق العقيدة، وقواعد التصور الإيماني ... تعرض أمورا عظيمة، وتشع حولها أضواء قوية بعيدة المدى، وراء المعاني والحقائق المباشرة التي تعبر عنها نصوصها حتى لتكاد كل آية- وأحيانا كل كلمة في الآية- أن تفتح كوة على عالم مترامي الأطراف من الحقيقة .. والموضوع المباشر الذي تتحدث عنه السورة هو حادث أصحاب الأخدود .. والموضوع هو أن فئة من المؤمنين السابقين على الإسلام- قيل: إنهم من النصارى الموحدين- ابتلوا بأعداء لهم طغاة شريرين، أرادوهم على ترك عقيدتهم والارتداد عن دينهم، فأبوا وتمتعوا بعقيدتهم. فشق الطغاة لهم شقا في الأرض، وأوقدوا فيه النار، وكبوا فيه جماعة المؤمنين فماتوا حرقا، على مرأى من الجموع التي حشدها المتسلطون لتشهد مصرع الفئة المؤمنة بهذه الطريقة البشعة، ولكي يتلهى الطغاة بمشهد الحريق. حريق الآدميين المؤمنين: وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ).

стр. 6132

كلمة في سورة البروج ومحورها: محور سورة البروج- كما ذكرنا من قبل- هو مقدمة سورة البقرة، ففي مقدمة سورة البقرة كلام عن الإيمان بالغيب، وكما ذكرت سورة العنكبوت التي فصلت في مقدمة سورة البقرة أن الإيمان بالغيب يقتضي اختبارا وامتحانا من الله، ومن ثم يسلط الله على المؤمنين من يسلط وتأتي سورة البروج لتتحدث عن عقاب هؤلاء الذين يفتنون المؤمنين، وتتحدث في المقابل عن عطاء الله للمؤمنين الذين يعملون الصالحات، فهي تعرفنا على الله ، وجلاله وانتقامه من المكذبين لتخلص إلى الكلام عن القرآن الكريم، وبالتالي فهي تذكرنا بكثير من المعاني الواردة في مقدمة سورة البقرة الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وسنرى صلة السورة بمحورها أثناء عرضها .. تتألف سورة البروج من مقطعين يضمهما سياق واحد كالعادة. المقطع الأول وينتهي بالآية (١١). المقطع الثاني وينتهي بالآية (٢٢) فلنر السورة.

стр. 6133

المقطع الأول ويمتد حتى نهاية الآية (١١) وهذا هو: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [سورة البروج (٨٥): الآيات ١ الى ١١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) التفسير: وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ قال ابن كثير: يقسم ﵎ بالسماء وبروجها، وهي النجوم العظام وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ أي: يوم القيامة وَشاهِدٍ في ذلك اليوم وَمَشْهُودٍ أي: فيه، قال النسفي: والمراد بالشاهد من يشهد فيه من الخلائق كلهم، وبالمشهود فيه ما في ذلك اليوم من عجائب. قال النسفي: وجواب القسم محذوف يدل عليه قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ أي: لعن. كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء أنهم ملعونون أي: إن من فعل الأخدود ملعون، والأخدود: جمع خد وهو الشق العظيم في الأرض، قال ابن كثير: (أي: لعن أصحاب الأخدود وجمعه

стр. 6134

أخاديد وهي الحفر في الأرض، وهذا خبر عن قوم من الكفار عمدوا إلى من عندهم من المؤمنين بالله فقهروهم، وأرادوهم أن يرجعوا عن دينهم فأبوا عليهم، فحفروا لهم في الأرض أخدودا وأججوا فيه نارا، وأعدوا لها وقودا يسعرونها به، ثم أرادوهم فلم يقبلوا منهم فقذفوهم فيها). والقول الأرجح هو أن هؤلاء هم مسلمو نجران الوارد ذكرهم في حديث الغلام والساحر الذي قصه علينا رسول الله ﷺ كما سنراه في الفوائد النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ أي قتل أصحاب الأخدود. أصحاب النار ذات الوقود وفي قوله تعالى: ذاتِ الْوَقُودِ. وصف للنار بأنها عظيمة، فقد اجتمع لها الحطب الكثير وأبدان الناس إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ قال النسفي: أي: لعنوا حين أحرقوا بالنار قاعدين حولها، جلوسا على الكراسي، يتلذذون بما يفعلون بالمؤمنين وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ أي: يشهدون فعلهم الأثيم ذلك بأنفسهم، وفي ذلك تأكيد لرغبتهم الهائلة في التشفي، أو يشهد بعضهم لبعض عند سيدهم أن أحدا منهم لم يفرط فيما أمر به، كشأن أجهزة المخابرات المتعددة في بعض البلدان وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ أي: وما عابوا منهم، وما أنكروا إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ أي: ما نقموا منهم إلا حقه ألا ينقم منه، بل أن يعظم أصحابه وهو الإيمان بالله العزيز الحميد. قال النسفي: (ذكر الأوصاف التي يستحق بها أن يؤمن به وهو كونه عزيزا غالبا قادرا يخشى عقابه، حميدا منعما يجب له الحمد على نعمته ويرجى ثوابه). الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال النسفي: (فكل من فيهما تحق عليه عبادته والخشوع له تقريرا لأن من ما نقموا منهم هو الحق الذي لا ينقمه إلا مبطل وأن الناقمين أهل لانتقام الله منهم بعذاب عظيم). وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ هذا وعيد لهم يعني: إنه علم ما فعلوا وهو مجازيهم عليه. كلمة في السياق: بعد أن لعن الله أصحاب الأخدود الذين فعلوا ما فعلوا بالمؤمنين، تأتي آيتان هما بمثابة تعليق على الحادثة تتضمنان قاعدتين: الأولى في جزاء هؤلاء وأمثالهم ممن يفتن المؤمنين عن دينهم، والثانية في جزاء أهل الإيمان.

стр. 6135

القاعدة الأولى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ أي: بلوهم بالأذى ليردوهم عن دينهم ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا قال ابن كثير: (أي: لم يقلعوا عما فعلوا ويندموا على ما أسلفوا) قال الحسن البصري في هذا المقام: انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ جزاء على كفرهم وفتنهم أهل الإيمان. القاعدة الثانية: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي الذين اجتمع لهم الإيمان والعمل الصالح، ومن السياق عرفنا أنهم الصابرون على أذى الكافرين لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ بخلاف ما أعد لأعدائه من الحريق والجحيم، ولذلك قال: ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ وأي فوز أكبر من الزحزحة عن النار ودخول الجنة! كلمة في السياق: ١ - انصب السياق على لعن أصحاب الأخدود، ثم استقر في المقطع الأول على القاعدتين المذكورتين اللتين فيهما حديث عن جزاء الكافرين والمؤمنين، وصلة ذلك بالحديث عن المؤمنين والكافرين في بداية سورة البقرة لا تخفى. ٢ - وبعد المقطع الأول يأتي المقطع الثاني، ويبدأ بالكلام عن بطش الله وشدته، وفي ذلك تسلية لأهل الإيمان، وتهديد لأهل الطغيان، ثم يختم المقطع بتقرير حقيقة الكافرين، وتقرير حقية هذا القرآن. ويتألف المقطع الثاني من فقرتين.

стр. 6136

المقطع الثاني ويمتد من الآية (١٢) إلى نهاية السورة، أي إلى نهاية الآية (٢٢) وهذا هو: الفقرة الأولى [سورة البروج (٨٥): الآيات ١٣ الى ١٨] إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) الفقرة الثانية [سورة البروج (٨٥): الآيات ١٩ الى ٢٢] بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢) تفسير الفقرة الأولى من المقطع الثاني: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ قال النسفي: البطش الأخذ بالعنف فإذا وصف بالشدة فقد تضاعف وتفاقم، والمراد أخذه الظلمة والجبابرة بالعذاب والانتقام. وقال ابن كثير: أي: إن بطشه وانتقامه من أعدائه الذين كذبوا رسله. وخالفوا أمره لشديد عظيم قوي. أقول: بعد أن قرر الله شدة بطشه برهن على ذلك بقوله: إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ قال ابن كثير: أي: من قوته وقدرته التامة يبدئ الخلق ويعيده كما بدأ بلا ممانع ولا مدافع. وقال النسفي في الآية: أي: يخلقهم ابتداء ثم يعيدهم بعد أن صيرهم ترابا، دل باقتداره على الإبداء والإعادة على شدة بطشه. أقول: ولكي يعرف المسلم أن الله تجليات الجمال، كما له تجليات الجلال. أتبع ذلك بقوله وَهُوَ الْغَفُورُ قال النسفي: (أي: الساتر للعيوب المعافي عن الذنوب) الْوَدُودُ قال النسفي:

стр. 6137

(أي: المحب لأوليائه) وقال ابن كثير في الآية: (أي: يغفر ذنب من تاب إليه وخضع لديه، ولو كان الذنب من أي شئ كان، والودود قال ابن عباس وغيره هو الحبيب). ذُو الْعَرْشِ أي: صاحب العرش الْمَجِيدُ أي: ذو المجد العظيم. فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ قال ابن كثير: أي: مهما أراد فعله لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل لعظمته وقهره وحكمته وعدله. أقول: في الآيتين الأخيرتين دليل على أن بطشه شديد، وفي ذكر مغفرته ووده في سياق ذلك إيناس للمؤمن وهو يقرأ هذه المعاني التي فيها إنذار. ثم دل على بطشه بفعله بفرعون وثمود، فقال: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ أي: خبر الجموع الطاغية في الأمم الخالية فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ أي: فرعون وقومه وثمود، وما أكثرهم من جنود للكفر، لكنهم لم يعجزوا الله وبطش بهم قال ابن كثير: (أي: هل بلغك ما أحل الله بهم من البأس، وأنزل عليهم من النقمة التي لم يردها عنهم أحد؟ وهذا تقرير لقوله تعالى: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ أي: إذا أخذ الظالم أخذه أخذا أليما شديدا أخذ عزيز مقتدر). كلمة في السياق: ١ - بعد أن ذكر الله في المقطع الأول فتنة الكافرين للمؤمنين، وبين جزاء المؤمنين والكافرين يوم القيامة، ذكر ببطشه في الدنيا، وبرهن عليه إن في التذكير بأسمائه وصفاته وأفعاله، أو في فعله بالمكذبين السابقين، وفي ذلك إنذار للكافرين الذين يفتنون المؤمنين بالعذاب الدنيوي. زيادة على العذاب الأخروي، وفي السياق نفسه ذكر بمغفرته ووده ليستأنس المؤمنون، ويتوب الكافرون. ٢ - وبعد هذا كله تأتي الفقرة الأخيرة من المقطع الثاني وهي تتألف من جزءين. الفقرة الثانية من المقطع الثاني تفسير الجزء الأول: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ قال ابن كثير: أي: هم في شك وريب وكفر وعناد. وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ قال ابن كثير: أي: هو قادر عليهم، قاهر لا يفوتونه ولا يعجزونه. وقال النسفي: (أي: عالم بأحوالهم وقادر عليهم وهم

стр. 6138

لا يعجزونه، والإحاطة بهم من ورائهم مثل؛ لأنهم لا يفوتونه كما لا يفوت الشئ المحيط به). كلمة في السياق: ١ - بعد أن قرر الله تعذيبه للكافرين وشدة بطشه بهم، بين أن الكافرين مستمرون على تكذيبهم، وذكر بقدرته عليهم دائما وأبدا، وفي ذلك إنذار لهم وتسلية لأهل الإيمان. ٢ - في تقرير تكذيب الكافرين مع كل ما ينذرون به، وما يرونه من انتقام الله نوع تفصيل لقوله تعالى في مقدمة السورة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. ٣ - وبعد أن ذكر الله ما ذكر مما يبعد عن الكفر، ويدفع إلى الإيمان، وذكر بعد ذلك بالطبيعة الكافرة، يأتي الجزء الثاني من الفقرة الثانية ليقرر أن هذا القرآن في الدرجة العليا من العظمة التي كان ينبغي أن ينتفي معها كل تكذيب، ولكنها الطبيعة الكافرة. تفسير الجزء الثاني: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ قال النسفي: (أي: بل هذا الذي كذبوا به قرآن مجيد، أي: شريف عالي الطبقة في الكتب، وفي نظمه وإعجازه ليس كما يزعمون أنه مفترى وأنه أساطير الأولين) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ أي: من وصول الشياطين، فإذا كان القرآن هذا شأنه في المجد والحفظ فكيف يكفر به الكافرون! أو يشك فيه الشاكون!، وبهذا انتهت السورة. كلمة في السياق: قلنا إن السورة تفصل في مقدمة سورة البقرة فلنر تفصل ذلك: أ- الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وقد عرفنا من شأن القرآن أنه بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ* فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ فهو أعلى من أن يطاله التكذيب، أو الشكوك.

стр. 6139

ب- الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وقد رأينا ما للمؤمنين الذين يعملون الصالحات، ورأينا أن الإيمان يرافقه فتنة، وفي ذلك تفصيل لقضية من لوازم الإيمان. ج- وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وقد رأينا في السورة مظاهر فلاح المؤمنين ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ. د- إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وقد رأينا في السورة بعض آثار الكفر. ورأينا نموذجا للنفسية الكافرة، وعرفنا بعض صفاتها ورأينا استحقاقها للعذاب الدنيوي والأخروي، وهكذا فالسورة فصلت في محورها تفصيلا واضحا مع أن لها سياقها الخاص الذي رأيناه أثناء عرضها، والذي مضمونه إنذار الكافرين أن يفتنوا المؤمنين، وتسلية المؤمنين الذين يتعرضون للفتنة، وأن الله سينصرهم من عدوهم بتعذيب هذا العدو في الدنيا والآخرة، ومن قبل رأينا صلة سورة البروج بما قبلها، وسنرى أثناء الكلام عن سورة الطارق صلتها بها. الفوائد: ١ - قدم ابن كثير لسورة البروج بقوله: (روى الإمام أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في العشاء الآخرة بالسماء ذات البروج والسماء والطارق. وروى أحمد عن أبي هريرة- أيضا- أن رسول الله ﷺ أمر أن يقرأ بالسماوات في العشاء تفرد به أحمد). ٢ - ذكر ابن كثير في تفسير قوله تعالى: وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ* وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ أقوالا كثيرة أقواها: (روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال في هذه الآية: وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ قال: الشاهد يعني يوم الجمعة، ويوم مشهود يوم القيامة. وروى أحمد أيضا عن أبي هريرة أنه قال في هذه الآية. وشاهد ومشهود قال: الشاهد الجمعة، والمشهود يوم عرفة، والموعود يوم القيامة، وقد روى عن أبي هريرة أنه قال: اليوم الموعود يوم القيامة، وكذلك قال الحسن وقتادة وابن زيد، ولم أرهم يختلفون في ذلك ولله الحمد).

стр. 6140

وقال صاحب الظلال في قوله تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ* وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ* وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ: (تبدأ السورة- قبل الإشارة إلى حادث الأخدود- بهذا القسم: بالسماء ذات البروج، وهي إما أن تكون أجرام النجوم الهائلة وكأنها بروج السماء الضخمة أي: قصورها المبنية، كما قال: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ .. كما قال: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها .. وإما أن تكون هي المنازل التي تنتقل فيها تلك الأجرام في أثناء دورانها، وهي مجالاتها التي لا تتعداها في جريانها في السماء. والإشارة إليها يوحي بالضخامة. وهو الظل المراد إلقاؤه في هذا الجو. وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ .. وهو يوم الفصل في أحداث الدنيا، وتصفية حساب الأرض وما كان فيها. وهو الموعود الذي وعد الله بمجيئه، ووعد بالحساب والجزاء فيه، وأمهل المتخاصمين والمتقاضين إليه. وهو اليوم العظيم الذي تتطلع إليه الخلائق، وتترقبه لترى كيف تصير الأمور. وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ .. في ذلك اليوم الذي تعرض فيه الأعمال، وتعرض فيه الخلائق، فتصبح كلها مشهودة. ويصبح الجميع شاهدين، ويعلم كل شئ، ويظهر مكشوفا لا يستره ساتر عن القلوب والعيون .. وتلتقي السماء ذات البروج، واليوم الموعود، وشاهد ومشهود .. تلتقي جميعا في إلقاء ظلال الاهتمام والاحتفال والاحتشاد والضخامة على الجو الذي يعرض فيه بعد ذلك حادث الأخدود. كما توحي بالمجال الواسع الشامل الذي يوضع فيه هذا الحادث. وتوزن فيه حقيقته ويصفي فيه حسابه .. وهو أكبر من مجال الأرض، وأبعد من مدى الحياة الدنيا وأجلها المحدود .. ). ٣ - هناك اختلاف كثير بين المفسرين حول هوية أصحاب الأخدود وأقوى الأقوال في ذلك أنهم من أهل نجران اليمن، ويحملون قصة الغلام التي وردت في السنة على ذلك قال ابن كثير: (وقد روى الإمام أحمد عن صهيب أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: «كان فيمن كان قبلكم ملك وكان له ساحر فلما كبر الساحر قال للملك: إني قد كبر سني وحضر أجلي فادفع إلي غلاما لأعلمه السحر، فدفع إليه غلاما كان يعلمه السحر، وكان بين الساحر وبين الملك راهب، فأتى الغلام على الراهب، فسمع من كلامه فأعجبه نحوه وكلامه، وكان إذا أتى الساحر ضربه وقال: ما حبسك؟ وإذا أتى أهله ضربوه وقالوا ما حبسك؟، فشكا ذلك إلى الراهب فقال: إذا أراد الساحر أن يضربك فقل حبسني أهلي، وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل: حبسني الساحر،

стр. 6141

فبينما هو ذات يوم إذ أتى على دابة فظيعة عظيمة قد حبست الناس، فلا يستطيعون أن يجوزوا، فقال: اليوم أعلم أمر الراهب أحب إلى الله أم أمر الساحر، قال: فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك وأرضى من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يجوز الناس، ورماها فقتلها، ومضى الناس فأخبر الراهب بذلك فقال: أي بني أنت أفضل مني، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي، فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء ويشفيهم، وكان للملك جليس فعمي فسمع به فأتاه بهدايا كثيرة فقال: اشفني، فقال: ما أنا أشفي أحدا إنما يشفي الله ، فإن آمنت به دعوت الله فشفاك، ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس فقال الملك يا فلان من رد عليك بصرك؟ فقال ربي، فقال: أنا؟ قال: لا، ربي وربك الله، قال: ولك رب غيري، قال: نعم، ربي وربك الله، فلم يزل حتى دل على الغلام، فبعث إليه فقال أي بني بلغ من سحرك أن تبرئ الأكمه والأبرص وهذه الأدواء؟ قال: ما أشفي أحدا إنما يشفي الله ، قال: أنا؟ قال: لا، قال: أو لك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله، فأخذه أيضا بالعذاب فلم يزل به حتى دل على الراهب، فأتى بالراهب فقال: ارجع عن دينك، فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه، وقال للأعمى: ارجع عن دينك، فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه إلى الأرض، وقال للغلام: ارجع عن دينك، فأبى فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا؟ وقال: إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه إلا فدهدهوه، فذهبوا به فلما علوا به الجبل قال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل فدهدهوا أجمعون، وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك، فقال: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالى، فبعث به مع نفر في قرقور، فقال: إذا لججتم به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه في البحر، فلججوا به البحر، فقال الغلام: اللهم اكفنيهم بما شئت، فغرقوا أجمعون، وجاء الغلام حتى دخل على الملك فقال: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله تعالى ثم قال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني، وإلا فإنك لا تستطيع قتلي، قال: وما هو؟ قال تجمع الناس في صعيد واحد ثم تصلبني على جذع وتأخذ سهما من كنانتي ثم قل: بسم الله رب الغلام، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. ففعل ووضع السهم في كبد قوسه ثم رماه وقال: بسم الله رب الغلام، فوقع السهم في صدغه، فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام. فقيل للملك: أرأيت ما كنت تحذر؟ فقد والله نزل بك، قد

стр. 6142

آمن الناس كلهم، فأمر بأفواه السكك فخدت فيها الأخاديد، وأضرمت فيها النيران وقال: من رجع عن دينه فدعوه وإلا فأقحموه فيها، قال: فكانوا يتعادون ويتدافعون، فجاءت امرأة بابن لها ترضعه فكأنما تقاعست أن تقع في النار فقال الصبي: اصبري يا أماه فإنك على الحق». وهكذا رواه مسلم في آخر الصحيح، ورواه النسائي واختصر أوله، وقال ابن كثير: (وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه حدث أن رجلا من أهل نجران كان في زمان عمر بن الخطاب حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجته فوجد عبد الله بن التامر تحت دفن فيها قاعدا واضعا يده على ضربة في رأسه ممسكا عليها بيده، فإذا أخذت يده عنها تنبعث دما، وإذا أرسلت يده ردت عليها فأمسكت دمها وفي يده خاتم مكتوب فيه ربي الله فكتب فيه إلى عمر بن الخطاب يخبره بأمره، فكتب عمر إليهم أن أقروه على حاله وردوا عليه الذي كان عليه ففعلوا). ٤ - عند قوله تعالى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم عن عمرو بن ميمون قال: مر النبي ﷺ على امرأة تقرأ: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فقام يستمع فقال: «قد جاءني»). أقول: في ذلك أدب عظيم في كيفية تلقي هذا القرآن والتجاوب معه. ٥ - عند قوله تعالى: فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ قال ابن كثير: (كما روينا عن أبي بكر الصديق أنه قيل له وهو في مرض الموت هل نظر إليك الطبيب؟ قال: نعم، قالوا: فما قال لك؟ قال: قال لي: إني فعال لما أريد). ولننتقل إلى سورة الطارق.

стр. 6143

سورة الطارق وهي السورة السادسة والثمانون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثانية من المجموعة الحادية عشرة من قسم المفصل، وهي سبع عشر آية وهي مكية

стр. 6144

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 6145

بين يدي سورة الطارق: قدم الألوسي لسورة الطارق بقوله: (مكية بلا خلاف. وهي سبع عشرة آية على المشهور، وفي التيسير ست عشرة ولما ذكر سبحانه فيما قبلها تكذيب الكفار للقرآن نبه تعالى شأنه هنا على حقارة الإنسان، ثم استطرد جل وعلا منه إلى وصف القرآن ثم أمر سبحانه نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم بإمهال أولئك المكذبين). كلمة في سورة الطارق ومحورها: تتألف سورة الطارق من فقرتين واضحتي المعالم كل منهما مبدوءة بقسم. الأولى مبدوءة بقوله تعالى: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ والثانية مبدوءة بقوله تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ .. في الأولى يأتي جواب القسم مقررا لوجود الملائكة المكلفين بحفظ الإنسان، وبحفظ عمله، ثم يأتي لفت نظر للإنسان إلى نشأته ليتذكر رجعته، وفي الثانية يأتي جواب القسم مقررا لجدية هذا القرآن، وكونه فاصلا بين الحق والباطل، ثم يأتي تبيان لموقف الكافرين في الكيد لهذا الدين، وإنذار لهم، وكل ذلك تفصيل لمقدمة سورة البقرة، فالسورة تفصل إما في الآيات الواردة في المتقين، أو في الآيات الواردة في الكافرين. لقد ختمت سورة البروج بقوله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ* فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ويأتي في مقدمة سورة الطارق قوله تعالى: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ* وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ* النَّجْمُ الثَّاقِبُ* إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ وبين النهاية والبداية نوع صلة، فحفظ اللوح مرتبط بحفظ السماء، وحفظ اللوح من مظاهر قدرة الله التي من مظاهرها حفظ كل نفس، أو حفظ عملها بالمكلفين من ذلك من الملائكة. وصلة قوله تعالى: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ* فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ بقوله تعالى عن القرآن في سورة الطارق: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ* وَما هُوَ بِالْهَزْلِ كذلك واضحة. ولفت نظر الإنسان إلى نشأته في سورة الطارق: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ له صلة بقوله تعالى في سورة البروج: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ... وهكذا نجد أن الصلات كثيرة بين سورة البروج وسورة الطارق، والملاحظ أن سورة الطارق تنتهي بالخطاب لرسول الله ﷺ فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ .. وتبدأ سورة الأعلى بعدها بخطابه ﷺ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فالصلة بين نهاية سورة الطارق وبداية سورة الأعلى كذلك واضحة.

стр. 6146

تمتد الفقرة الأولى في السورة حتى نهاية الآية (١٠). وتمتد الفقرة الثانية حتى نهاية الآية (١٧) أي: إلى نهاية السورة فلنبدأ عرض السورة. الفقرة الأولى وتمتد من الآية (١) حتى نهاية الآية (١٠) وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الطارق (٨٦): الآيات ١ الى ١٠] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (١٠) التفسير: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ ثم عظم أمر الطارق بقوله: وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ ثم فسر الطارق بقوله النَّجْمُ الثَّاقِبُ قال النسفي: (أي: المضئ، كأنه يثقب الظلام فينفذ فيه، ووصف بالطارق لأنه يبدو بالليل كما يقال للآتي ليلا طارق، أو لأنه يطرق الجني أي: يصكه) أقول: على هذا المعنى الأخير يكون المراد بالنجم الثاقب النيازك أو الشهب، وثقوبه يحتمل أن يكون المراد به ثقبه لجو الأرض، أما إذا أريد به مجرد النجم الذي يثقب بضوئه، فيحتمل أن يكون المراد بطروقه طروقه جو الأرض، لأنه من المعلوم أن بين وجود النجم ووصول نوره إلى جو الأرض أو إلى الجانب الآخر من الكون زمنا طويلا قد يصل إلى آلاف السنين الضوئية، فإذا وصل إلى جو من الأجواء يكون قد طرقه، وذلك بثقوب ضوئه، وجواب القسمين هو قوله تعالى:

стр. 6147

إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا أي: إلا عَلَيْها حافِظٌ قال النسفي: (أي: يحفظها من الآفات، أو يحفظ عملها ورزقها وأجلها. فإذا استوفى ذلك مات، وقيل: هو كاتب الأعمال). أقول: لم يذكر ابن كثير إلا المعنى الأول فقال: أي: كل نفس عليها من الله حافظ يحرسها من الآفات .. فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ أي: من أي شئ خلق؟ والجواب: خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ يعني: المني يخرج دفعا من الرجل. قال النسفي: والدفق صب فيه دفع يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ قال صاحب القاموس: (الصلب: عظم من لدن الكاهل إلى العجب). أقول: العجب يكون في منتهى العصعص، والترائب جمع تريبة قال صاحب القاموس: (والترائب عظام الصدر أو ماولي الترقوتين منه، أو ما بين الثديين والترقوتين، أو أربع أضلاع من يمنة الصدر، وأربع من يسرته، أو اليدان والرجلان والعينان، أو موضع القلادة) ولنا عودة على الآية في الفوائد إِنَّهُ أي: إن الخالق عَلى رَجْعِهِ أي: على رجع هذا الإنسان المخلوق من ماء دافق. أي: إعادته وبعثه إلى الدار الآخرة لَقادِرٌ لأنه من قدر على البداءة قدر على الإعادة، قال النسفي: أي: لبين القدرة لا يعجز عنه، ثم بين متى تكون هذه الإعادة فقال: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ قال النسفي: أي: ما أسر في القلوب من العقائد والنيات، وما أخفي من الأعمال. وقال ابن كثير: أي: يوم القيامة تبلى فيه السرائر، أي: تظهر وتبدو، ويبقى السر علانية والمكنون مشهورا فَما لَهُ أي: الإنسان يوم القيامة مِنْ قُوَّةٍ أي: في نفسه على دفع ما حل به. وَلا ناصِرٍ أي: يعينه ويدفع عنه، قال ابن كثير: أي: لا يقدر على أن ينقذ نفسه من عذاب الله ولا يستطيع له أحد ذلك. كلمة في السياق: ١ - أقسم الله بما أقسم به على أنه جعل على كل نفس حافظا، ثم قال فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ومجئ هذا الأمر في هذا السياق فيه دليل على أن الله جعل على كل نفس حافظا، كما أنه دليل على اليوم الآخر الذي من خصائصه أن السرائر تكشف به، وأن الإنسان لا قوة له من نفسه، ولا ناصر له من غيره، وما المراد بالإنسان هنا؟ الظاهر أن المراد بالإنسان هنا الكافر؛ لأن المؤمن ينصره الله في الدنيا والآخرة. ٢ - إن مجئ قوله تعالى عن الكافر يوم القيامة: فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ في

стр. 6148

سياق قوله تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ تذكير للإنسان: بحالته الأولى إذ لا قوة له ولا ناصر، فالصلات بين الفقرة على أشدها. ٣ - في هذه الفقرة كلام عن حفظ الإنسان بالملائكة، أو حفظ أعماله بالملائكة، وفي ذلك نوع تفصيل للإيمان بالغيب، وفي الفقرة كلام عن إعادة الإنسان يوم القيامة، وبعض ما يكون في هذا اليوم، وفي ذلك نوع تفصيل لموضوع اليوم الآخر، ولذلك كله صلة بالآيات الأولى من سورة البقرة يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ .. وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ثم تأتي الفقرة الثانية ، وهي مبنية على ما ورد في الأولى فلنرها. الفقرة الثانية وتمتد من الآية (١١) حتى نهاية الآية (١٧) وهذه هي: الجزء الأول [سورة الطارق (٨٦): الآيات ١١ الى ١٤] وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) الجزء الثاني [سورة الطارق (٨٦): الآيات ١٥ الى ١٧] إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧) تفسير الجزء الأول: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ أي: ذات الإرجاع لأنها ترجع المطر إلى الأرض، وترجع الصوت إلى الأرض، كما هو معلوم في عصرنا وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ

стр. 6149

أي: ذات الانشقاق فتشقق بالنبات وتتشقق بالبراكين إِنَّهُ قال النسفي: أي: إن القرآن لَقَوْلٌ فَصْلٌ أي: فاصل بين الحق والباطل وَما هُوَ بِالْهَزْلِ أي: باللعب والباطل. قال النسفي: يعني: إنه جد كله، ومن حقه- وقد وصفه الله بذلك- أن يكون مهيبا في الصدور، معظما في القلوب، يرتفع به قارئه وسامعه أن يلم بهزل أو يتفكه بمزاح. كلمة في السياق: ١ - وجه النسفي الآيات بأن المراد بالضمير: القرآن- كما رأينا- وعلى هذا الأساس فصلة الآيات بما قبلها من حيث إن ما قبلها ذكر مضامين قرآنية، فجاءت هذه الآيات لتبين أن القرآن كله جد، وقول فصل، ومن ذلك ما ذكر في الفقرة الأولى فعلى الإنسان أن يؤمن باليوم الآخر، وأن يعمل لذلك اليوم، وأن يشكر الله على وجود الحفظ، ويتصرف بأدب مع هؤلاء الحفظة، هذا ماله علاقة بصلة الآيات بما قبلها، وأما ماله علاقة بصلة الآيات بمحور السورة فمن حيث إن محور السورة ورد فيه قوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وهذه الآيات وصفت القرآن: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ* وَما هُوَ بِالْهَزْلِ فالصلة واضحة بين الآيات ومقدمة سورة البقرة. ٢ - يمكن أن توجه الآيات التي مرت معنا بما يلي: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ* وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ* إِنَّهُ أي: إنه ما ذكر في الفقرة الأولى من معان لَقَوْلٌ فَصْلٌ* وَما هُوَ بِالْهَزْلِ وبناء عليه فإن عليك أيها الإنسان أن تعمل للآخرة بجد، فالأمر ليس هزلا. ٣ - وبعد تقرير كل ما تقدم يأتي الجزء الثاني في الفقرة وهو يتحدث عن الكافرين، فلنره ثم لنر محله في السياق. تفسير الجزء الثاني: إِنَّهُمْ أي: إن الكافرين يَكِيدُونَ كَيْداً أي: يعملون المكايد في إبطال أمر الله، وإطفاء نور الحق، أي: يمكرون بالناس في دعوتهم إلى خلاف القرآن، والصد عن سبيل الله وَأَكِيدُ كَيْداً قال النسفي: (وأجازيهم جزاء كيدهم

стр. 6150

باستدراجي لهم من حيث لا يعلمون فسمي جزاء الكيد كيدا كما سمي جزاء الاعتداء والسيئة اعتداء وسيئة، وإن لم يكن اعتداء وسيئة، ولا يجوز إطلاق هذا الوصف على الله تعالى إلا على وجه الجزاء كقوله: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ). فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ قال النسفي: أي: لا تدع بهلاكهم، ولا تستعجل به، وقال ابن كثير: أي أنظرهم ولا تستعجل لهم أَمْهِلْهُمْ قال النسفي: (أي: أنظرهم فكرر وخالف بين اللفظين لزيادة التسكين والتصبير رُوَيْداً أي: مهلا يسيرا. قال ابن كثير: (أي: قليلا أي: وسترى ماذا أحل بهم من العذاب والنكال والعقوبة والهلاك). كلمة في السياق: تأتي الآيات الأخيرة عارضة حال الكافرين الذين بدلا من أن يؤمنوا ويعملوا يكيدون، وبالتأمل في هذا المعنى ندرك صلة الآيات الأخيرة بما قبلها. إذا علمت هذا تدرك أن السورة سيقت لتصب في المعنى الأخير الذي له صلة بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. إن صلة الآيات الأخيرة بهاتين الآيتين واضحة، فالكافرون بدلا من أن يتعظوا بالإنذار يكيدون، والموقف المقابل لذلك هو إمهالهم لينتقم الله منهم. وهكذا نجد أن السورة فصلت في مقدمة سورة البقرة نوع تفصيل، مع احتفاظها بسياقها الخاص، وصلاتها بما قبلها وما بعدها، وذكرها جديدا من مثل قوله تعالى: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ ومن مثل قوله تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ .. وقد رأينا أن للطارق وللرجع معاني معاصرة تدخل فيها دون تكلف، وهذا مظهر من مظاهر الإعجاز في هذا القرآن الذي لا تنتهي عجائبه. الفوائد: ١ - قدم ابن كثير للكلام عن سورة الطارق بقوله: (روى عبد الله بن الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن خالد بن أبي جبل العدواني عن أبيه أنه أبصر رسول الله ﷺ في مشرق ثقيف وهو قائم على قوس أو عصى حين أتاهم يبتغي عندهم النصر فسمعته يقول: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ حتى ختمها، قال: فوعيتها في الجاهلية، وأنا مشرك، ثم قرأتها في الإسلام، قال: فدعتني ثقيف فقالوا: ماذا سمعت من هذا

стр. 6151

الرجل؟ فقرأتها عليهم فقال من معهم من قريش: نحن أعلم بصاحبنا، لو كنا نعلم ما يقول حقا لا تبعناه. وروى النسائي عن جابر قال: صلى معاذ المغرب فقرأ البقرة والنساء فقال النبي ﷺ : «أفتان أنت يا معاذ! ما كان يكفيك أن تقرأ بالسماء والطارق والشمس وضحاها ونحوها؟»). ٢ - بمناسبة قوله تعالى: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ قال صاحب الظلال: (هذا القسم يتضمن مشهدا كونيا وحقيقة إيمانية. وهو يبدأ بذكر السماء والطارق ويثني بالاستفهام المعهود في التعبير القرآني: وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ .. وكأنه أمر وراء الإدراك والعلم. ثم يحدده ويبينه بشكله وصورته: النَّجْمُ الثَّاقِبُ الذي يثقب الظلام بشعاعه النافذ. وهذا الوصف ينطبق على جنس النجم. ولا سبيل إلى تحديد نجم بذاته من هذا النص، ولا ضرورة لهذا التحديد. بل إن الإطلاق أولى؛ ليكون المعنى: والسماء ونجومها الثاقبة للظلام، النافذة من هذا الحجاب الذي يستر الأشياء. ويكون لهذه الإشارة إيحاؤها حول حقائق السورة وحول مشاهدها الأخرى .. ). ٣ - هناك معارك علمية قديما وحديثا تدور حول قوله تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ* خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ* يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ والأمر لا يحتاج إلى كل هذا، فالصلب في القاموس ينتهي بنهاية العصعص، والترائب تطلق على أشياء كثيرة منها عظام الرجلين. قال ابن كثير: وعن الضحاك: (الترائب بين الثديين والرجلين والعينين) ولا أستبعد أن يكون المراد بالترائب في الآية عظام الحوض والفخذين، فمزج المني معروف، ومركز تجمع المني بعد خروجه من الخصيتين في هذه المنطقة، وقد ذكر الله مركز تجمع المني بأنه بين الصلب والترائب، فهو في المنطقة بين العصعص وعظام المنطقة السفلى من الوسط، بين العصعص وعظم العانة، والذي دعا إلى الغلط في هذا الموضوع تصورات خاطئة منها أن الصلب يطلق على منطقة الظهر، وأن كلمة الترائب خاصة بالمرأة، وكل ذلك ليس صحيحا، وبناء على هذه التصورات الخاطئة حاول بعضهم أن يرجع بالإنسان إلى مرحلة ما، عند ما كان جنينا، فكانت خصيتاه- في مرحلة ما- في ظهره، وهذا كما قلنا سببه التصور الخاطئ عن الصلب. إن خصية الرجل بين الصلب والترائب، ومبيض المرأة بين الصلب والترائب والمني يخرج متدفقا، وبويضة المرأة تخرج مع ماء يتدفق يقول الدكتور محمد علي البار في مقال نشره في العدد (٥٤) من مجلة الأمان: (تقترب هذه الحويصلة المليئة بالماء الأصفر من حافة المبيض،

стр. 6152

فتتفجر عند تمام نموها وكماله، فتندلق المياه على أقتاب البطن، ويتلقف البوق، وهو نهاية قناة الرحم (وتدعى أيضا قناة فالوب) البويضة فيدفعها دفعا دقيقا حتى تلتقي بالحيوان المنوي ... هذا الماء يحمل البويضة كما يحمل ماء الرجل الحيوانات المنوية) فلا إشكال في كل الأحوال والله أعلم. ولننتقل إلى تفسير سورة الأعلى.

стр. 6153

سورة الأعلى وهي السورة السابعة والثمانون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثالثة من المجموعة الحادية عشرة من قسم المفصل، وهي تسع عشرة آية وهي مكية

стр. 6154

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 6155

كلمة في سورة الأعلى ومحورها: بعد مقدمة سورة البقرة يأتي قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. وتبدأ سورة الأعلى بقوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى* الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى .. والصلة واضحة بين بداية السورة ومحورها، فالسورة تبدأ بالأمر بعمل من أعلى أنواع العبادة، ثم تسير في طريقها الخاص وسياقها الخاص فيما يخدم هذا الأمر في الدرجة الأولى، وسنرى بالتفصيل صلة السورة كلها بمحورها. تتألف السورة من ثلاث فقرات: الفقرة الأولى: وتستمر حتى نهاية الآية (٥). الفقرة الثانية: وتستمر حتى نهاية الآية (١٣). الفقرة الثالثة: وتستمر حتى نهاية الآية (١٩). بعد أن أكد الألوسي مكية سورة الأعلى قال: (وهي تسع عشرة آية بلا خلاف. ووجه مناسبتها لما قبلها أنه ذكر في سورة الطارق خلق الإنسان، وأشير إلى خلق النبات بقوله تعالى: وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ وذكر هاهنا في قوله تعالى: خَلَقَ فَسَوَّى وقوله سبحانه: أَخْرَجَ الْمَرْعى فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى وقصة النبات هنا أوضح وأبسط، كما أن قصة خلق الإنسان هناك كذلك، نعم إن ما في السورة أعم من جهة شموله للإنسان وسائر المخلوقات). أقول: سنرى في الفوائد النصوص الواردة في سورة الأعلى وهي كثيرة فلنر السورة.

стр. 6156

الفقرة الأولى وتمتد من الآية (١) حتى نهاية الآية (٥) وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥) التفسير: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى أي: قل سبحان ربي الأعلى، ومن ثم قال رسول الله ﷺ لما نزلت: اجعلوها في سجودكم. والمعنى: نزه ربك الأعلى عما لا يليق به، والاسم في هذه الحالة صلة الَّذِي خَلَقَ كل شئ فَسَوَّى قال ابن كثير: أي: خلق الخليقة وسوى كل مخلوق في أحسن الهيئات. وقال النسفي: (أي: خلق كل شئ فسوى خلقه تسوية ولم يأت به متفاوتا غير ملتئم، ولكن على إحكام واتساق، ودلالة على أنه صادر عن عالم حكيم أو سواه على ما فيه منفعة ومصلحة). وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى قال النسفي: أي: قدر لكل حيوان ما يصلحه فهداه إليه، وعرفه وجه الانتفاع به، وقال مجاهد: هدى الإنسان للشقاوة والسعادة، وهدى الأنعام لمراتعها وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى أي: أنبت ما ترعاه الدواب، قال ابن كثير: أي: من جميع صنوف النباتات والزروع فَجَعَلَهُ غُثاءً أي: يابسا هشيما. أَحْوى أي: أخضر إلى السواد. كلمة في السياق: ١ - أمرت الفقرة بتسبيح اسم الله الأعلى، وعرفت على الله بمظاهر من خلقه، من خلق وتسوية وتقدير وهداية وإخراج للمرعى وتصييره إلى ما يؤول إليه، وفي ذلك تعليل لاستحقاق التسبيح، وتدليل على أنه الأعلى.

стр. 6157

٢ - رأينا أن محور السورة هو قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. وقد رأينا أن الفقرة أمرت بنوع من العبادة هو التسبيح، وعللت لهذا الأمر، وذكرت الخلق والتسوية والتقدير، وإخراج المرعى، وكل ذلك معان لها صلة بمحور السورة. ثم تأتي الفقرة الثانية . الفقرة الثانية وتمتد من الآية (٦) إلى نهاية الآية (١٣) وهذه هي: الجزء الأول [سورة الأعلى (٨٧): الآيات ٦ الى ٨] سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨) الجزء الثاني [سورة الأعلى (٨٧): الآيات ٩ الى ١٣] فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (١٢) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (١٣) تفسير الجزء الأول: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى قال ابن كثير: وهذا إخبار من الله تعالى ووعد منه له بأنه سيقرئه قراءة لا ينساها، وقال النسفي: أي: سنعلمك القرآن حتى لا تنساه. إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ أن ينسخه. وقال النسفي: وهذا بشارة من الله لنبيه أن يحفظ عليه الوحي حتى لا ينفلت منه شئ إلا ما شاء الله أن ينسخه فيذهب به عن حفظه برفع

стр. 6158

حكمه وتلاوته إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى قال ابن كثير: أي: يعلم ما يجهر به العباد وما يخفونه من أقوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه من ذلك شئ. وقال النسفي: (أي: إنك تجهر بالقراءة مع قراءة جبريل مخافة التفلت، والله يعلم جهرك معه، وما في نفسك مما يدعوك إلى الجهر، أو ما تقرأ في نفسك مخافة النسيان، أو يعلم ما أسررتم وما أعلنتم من أقوالكم وأفعالكم، وما ظهر وما بطن من أحوالكم). أقول: أي: ومن كان يعلم الجهر وما يخفى قادر على الإقراء وعدم الإنساء وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى أي: ونوفقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل، أي: للشريعة السمحة التي هي أيسر الشرائع، بأن نوفقك لعمل الجنة، وقال ابن كثير: أي: نسهل عليك أفعال الخير وأقواله، ونشرع لك شرعا سهلا سمحا مستقيما عدلا لا اعوجاج فيه ولا حرج ولا عسر. كلمة في السياق: ١ - في هذا الجزء من الفقرة وعدان من الله لرسوله ﷺ : عدم الإنساء، والتيسير، وقد جاء هذان الوعدان بعد الفقرة الآمرة بالتسبيح. سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وفي ذلك إشارة إلى أن بين التسبيح وبين عدم الإنساء والتيسير صلة، وفي ذلك درس لأفراد هذه الأمة، وخاصة لطلبة العلم أن يكثروا من التسبيح لينالوا حظهم من تثبيت العلم والتيسير. ٢ - وإذا عرفنا الصلة بين التسبيح، والإقراء بلا نسيان، والتيسير، يأتي الجزء الثاني من الفقرة الثانية وهي تأمر رسول الله ﷺ بالتذكير حيث تنفع الذكرى. فلنر الجزء الثاني من الفقرة الثانية. تفسير الجزء الثاني: فَذَكِّرْ قال النسفي: أي: عظ بالقرآن إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى أي: ذكر حيث تنفع التذكرة، ومن هاهنا يؤخذ الأدب في نشر العلم، فلا يضعه صاحبه عند غير أهله. سَيَذَّكَّرُ أي: سيتعظ ويقبل التذكرة مَنْ يَخْشى الله سوء العاقبة، قال ابن كثير: أي: سيتعظ بما تبلغه يا محمد من قلبه يخشى الله، ويعلم أنه ملاقيه وَيَتَجَنَّبُهَا أي: ويتباعد عن الذكرى فلا يقبلها الْأَشْقَى الكافر أو الذي هو

стр. 6159

أشقى الكفرة لتوغله في العداوة الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى أي: يدخل نار جهنم، والصغرى هي نار الدنيا ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها فيستريح من العذاب وَلا يَحْيى أي: حياة يتلذذ بها. قال ابن كثير: أي: لا يموت فيستريح، ولا يحيا حياة تنفعه، بل هي مضرة عليه، لأن بسببها يشعر بما يعاقب به من أليم العذاب وأنواع النكال. كلمة في السياق: ١ - أمرت الفقرة الأولى بالتسبيح، وجاء الجزء الأول من الفقرة الثانية واعدا رسول الله ﷺ بالإقراء بلا نسيان، وبالتيسير، وبعد ذلك جاء الأمر بالتذكير حيث يتوقع نفع التذكير، وقد بين هذا الجزء من الفقرة أن الذي ينتفع بالذكرى هو من يخشى الله وعذابه، وأن الأشقى هو وحده الذي لا يتذكر، ولا يضر إلا نفسه، فالجزء الأخير أمر بالتذكر ودل على محله المناسب له وهناك صلة بين التسبيح باسم الله الأعلى، وبين الإقراء بلا نسيان والتيسير، وبين ذلك كله والتذكير، فالتسبيح أساس، وثبات العلم والتيسير أثر. ويأتي بعد ذلك التذكير الناجح. ٢ - رأينا أن الجزء الأخير من الفقرة الثانية حدد من يقبل التذكرة، ومن لا يقبلها، وعاقبة من لم يقبلها ثم تأتي الفقرة الثالثة والأخيرة لتبين عاقبة من قبل الذكرى وعمل بمقتضاها، والسبب الحقيقي لرفض الذكرى. فلنر الفقرة الثالثة. الفقرة الثالثة وتمتد من الآية (١٤) إلى نهاية الآية (١٩) وهذه هي: [سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١٤ الى ١٩] قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩)

стр. 6160

التفسير: قَدْ أَفْلَحَ أي: نال الفوز مَنْ تَزَكَّى قال النسفي: أي: تطهر من الشرك أو تطهر للصلاة، أو أدى الزكاة. قال ابن كثير: أي: طهر نفسه من الأخلاق الرذيلة، وتابع ما أنزل الله على الرسول ﷺ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ قال النسفي: وكبر للافتتاح فَصَلَّى الصلوات الخمس، وقال ابن كثير: أي: أقام الصلاة في أوقاتها ابتغاء رضوان الله وطاعة لأمر الله، وامتثالا لشرع الله، وهناك اتجاهات أخرى في النص فيها أن التزكي محدد بالشهادتين، والمراد بذكر الله والصلاة، الصلوات الخمس، ومنها أن المراد بذكر الله ذكر الله في الطريق إلى المصلى يوم العيد، والمراد بالصلاة صلاة يوم العيد خاصة، وكلها معان يكمل بعضها بعضا، والآيتان تحتملها كلها، ومن مجيئها بعد الجزء الثاني من الفقرة الثانية ندرك أن المظهر الأول للانتفاع بالتذكير هو التزكي وإقامة الصلاة، وبعد هذا كله يذكر الله العلة الرئيسية لرفض التذكير والتزكية والصلاة، وهي إيثار الحياة الدنيا بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا قال النسفي: (أي: على الآخرة فلا تفعلون ما به تفلحون. والمخاطب به الكافرون، دليله قراءة أبي عمر يُؤْثِرُونَ بالياء) وقال ابن كثير: أي: تقدمونها على أمر الآخرة وتبدونها على ما فيه نفعكم وصلاحكم في معاشكم ومعادكم وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى قال النسفي: (أي: أفضل في نفسها وأدوم) قال ابن كثير: أي: ثواب الله في الدار الآخرة خير من الدنيا وأبقى فإن الدنيا دانية فانية، والآخرة شريفة باقية، فكيف يؤثر عاقل ما يفنى على ما يبقى، ويهتم بما يزول عنه قريبا، ويترك الاهتمام بدار البقاء والخلد إِنَّ هذا أي: هذا المعنى الوارد في الفقرة الأخيرة من قوله تعالى قَدْ أَفْلَحَ .. قال ابن كثير: أي: مضمون هذا الكلام لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى * صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى فهو معنى سجله الله فيما أوحاه إلى رسله عليهم الصلاة والسلام، فالنفس البشرية هي النفس البشرية في كل العصور.

стр. 6161

كلمة في السياق: ١ - رأينا من خلال عرض السورة صلة فقراتها ببعضها، وصلة معانيها ببعضها بعضا، ورأينا من خلال عرض السورة أنها أمرت بالتسبيح، وبينت أن الفلاح في تزكية النفس والصلاة وارتباط هذا كله بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ واضح المعالم؛ فالتزكية والصلاة مرتبطتان بالتقوى والعبادة. ٢ - بدأت السورة بالأمر بالتسبيح باسم الله الأعلى، وقد رأينا أثر هذا الأمر وما يترتب عليه في موضوع الإقراء والتيسير، وانبثاق التذكير كأثر عن ذلك، والفلاح المتمثل بالتزكية والصلاة، إنما هو أثر التذكير، ومجئ ذكر الفلاح وربطه بالتزكية والصلاة، إنما هو أثر التذكير، ومجئ ذكر الفلاح وربطه بالتزكية والصلاة في سياق الأمر بالتسبيح لا يخفى، فالتسبيح جزء من الصلاة، وهو طريق إلى تزكية النفس، فبقدر استقرار التنزيه في النفس البشرية تكون تزكيتها، وبقدر ما تسبح النفس يكون استقرار التنزيه، وصلة ذلك كله بمحور السورة واضحة. ٣ - وهاهنا نحب أن نسجل ملاحظة مستمدة من السياق، فلقد رأينا كيف أن الأمر بالعبادة الذي جاء بعد مقدمة سورة البقرة لتفصل فيه، ونلاحظ أن سورا كاملة تفصل في جانب من جوانب العبادة هو الصلاة، أو تفصل في جزء منها، فسورة الواقعة كانت حصيلتها الدعوة إلى قول (سبحان الله العظيم) الذي أمر رسول الله ﷺ أن نجعله في ركوعنا، وسورة الأعلى كانت حصيلتها الدعوة إلى قول: (سبحان ربي الأعلى) الذي أمر رسول الله ﷺ أن نجعلها في سجودنا. ورأينا سورا فصلت في المقدمة، ركزت في قضايا مرتبطة بالصلاة، ومن ثم ندرك كيف أن الصلاة هي المظهر الأعلى للعبادة. الفوائد: ١ - قدم ابن كثير لسورة الأعلى بالتدليل على أنها مكية، ثم نقل الأحاديث الواردة فيها قال: (والدليل على ذلك أي: على أنها مكية ما رواه البخاري عن البراء بن عازب قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبي ﷺ مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئاننا القرآن، ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في

стр. 6162

عشرين، ثم جاء النبي ﷺ ، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به، حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله ﷺ قد جاء فما جاء حتى قرأت سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى في سورة مثلها. وروى الإمام أحمد ... عن علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يحب هذه السورة سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى تفرد به أحمد. وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ: «هلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى» وروى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ قرأ في العيدين بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية، وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعا- هكذا وقع في مسند الإمام أحمد إسناد هذا الحديث، وقد رواه مسلم في صحيحه وأبو داود والترمذي والنسائي عن النعمان بن بشير به، قال الترمذي: وكذا رواه الثوري ومسعر عن حبيب بن سالم عن أبيه النعمان ولا يعرف لحبيب رواية عن أبيه، وقد رواه ابن ماجه بإسناده عن حبيب بن سالم عن أبيه عن النعمان به كما رواه الجماعة فالله أعلم، ولفظ مسلم وأهل السنن: كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية، وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأهما، وقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي بن كعب، وعبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن أبزى، وعائشة- أم المؤمنين- أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الوتر بسبح اسم ربك الأعلى، وقل يا أيها الكافرون، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، زادت عائشة: والمعوذتين. وهكذا روي هذا الحديث من طريق جابر وأبي أمامة صدى بن عجلان وعبد الله بن مسعود، وعمران بن حصين، وعلي بن أبي طالب ﵃. ٢ - بمناسبة قوله تعالى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن إياس بن عامر قال: سمعت عقبة بن عامر الجهني لما نزلت فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ* قال لنا رسول الله ﷺ : «اجعلوها في ركوعكم» فلما نزلت سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال: «اجعلوها في سجودكم» ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث ابن المبارك عن موسى بن أيوب به. وروى الإمام أحمد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال: «سبحان ربي الأعلى» وهكذا رواه أبو داود بسنده عن سعيد عن ابن عباس موقوفا. وقال الثوري عن السدي عن عبد خير قال: سمعت عليا قرأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فقال: «سبحان ربي الأعلى». وقال ابن جرير عن أبي إسحاق الهمداني أن ابن عباس كان

стр. 6163

إذا قرأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى يقول: سبحان ربي الأعلى، وإذا قرأ لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ فأتى على آخرها أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى يقول: سبحانك وبلى، وقال قتادة: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان إذا قرأها قال: «سبحان ربي الأعلى»). ٣ - بمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى نقل صاحب الظلال الصفحات الطوال من كتاب (العلم يدعو إلى الإيمان). عن هداية المخلوقات ثم ختم الكلام بقوله: (وهذه النماذج التي اقتطفناها من كلام ذلك العالم ليست سوى طرف صغير من الملاحظات التي سجلها البشر في عوالم النبات والحشرات والطيور والحيوان. ووراءه حشود من مثلها كثيرة .. وهذه الحشود لا تزيد على أن تشير إلى جانب صغير من مدلول قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى* وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى .. في هذا الوجود المشهود الذي لا نعرف عنه إلا أقل من القليل. ووراء عالم الغيب الذي ترد لنا عنه لمحات فيما يحدثنا الله عنه، بالقدر الذي يطيقه تكويننا البشري الضعيف). ٤ - وبمناسبة قوله تعالى وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى كتب صاحب الظلال الصفحات الطوال عن اليسرى التي يسر لها رسول الله ﷺ في سلوكه، وطبيعته، وشريعته (اليسر في يده، واليسر في لسانه، واليسر في خطوه، واليسر في عمله، واليسر في تصوره، واليسر في تفكيره، واليسر في أخذه للأمور، واليسر في علاجه للأمور، اليسر مع نفسه، واليسر مع غيره). ٥ - بمناسبة قوله تعالى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى قال ابن كثير: (أي: ذكر حيث تنفع التذكرة، ومن هاهنا يؤخذ الأدب في نشر العلم فلا يضعه عند غير أهله كما قال أمير المؤمنين علي ﵁: ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم، وقال: حدث الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله). ٦ - بمناسبة قوله تعالى: وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى* الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «أما أهل النار الذين هم أهلها لا يموتون ولا يحيون، وأما أناس يريد الله بهم الرحمة فيميتهم في النار فيدخل عليهم الشفعاء فيأخذ الرجل الضبارة فينبتهم- أو قال- ينبتون- في نهر الحيا- أو قال الحياة- أو قال الحيوان- أو قال نهر الجنة فينبتون- نبات الحبة في حميل السيل» قال: وقال النبي ﷺ : «أما ترون الشجرة تكون خضراء،

стр. 6164

ثم تكون صفراء ثم تكون خضراء؟» قال: فقال بعضهم: كأن النبي ﷺ كان بالبادية. وروى أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «أما أهل النار- الذين هم أهلها- فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن أناس- أو كما قال- تصيبهم النار بذنوبهم- أو قال بخطاياهم- فيميتهم إماتة حتى إذا صاروا فحما، أذن في الشفاعة فجئ بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة فيقال: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل» قال: فقال رجل من القوم حينئذ: كأن رسول الله ﷺ كان بالبادية، وروى مسلم مثله ورواه أحمد أيضا عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «إن أهل النار الذين لا يريد الله إخراجهم لا يموتون فيها ولا يحيون، وإن أهل النار الذين يريد الله إخراجهم يميتهم فيها إماتة حتى يصيروا فحما ثم يخرجون ضبائر فيلقون على أنهار الجنة فيرش عليهم من أنهار الجنة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل». وقد قال الله تعالى إخبارا عن أهل النار وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (الزخرف: ٧٧) وقال تعالى لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها (فاطر: ٣٦) إلى غير ذلك. من الآيات في هذا المعنى). ٧ - بمناسبة قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى قال ابن كثير: (وقد روى الحافظ أبو بكر البزار عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى قال: «من شهد أن لا إله إلا الله وخلع الأنداد وشهد أني رسول الله» وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى قال: «هي الصلوات الخمس والمحافظة عليها والاهتمام بها» ثم قال: لا يروى عن جابر إلا من هذا الوجه، وكذا قال ابن عباس: إن المراد بذلك الصلوات الخمس، واختاره ابن جرير. وروى ابن جرير عن أبي خلدة قال: دخلت على أبي العالية فقال لي: إذا غدوت غدا إلى العيد فمر بي، قال: فمررت به فقال: طعمت شيئا؟ قلت: نعم قال: أفضت على نفسك من الماء؟ قلت نعم قال فأخبرني ما فعلت بزكاتك! قلت قد وجهتها قال: إنما أردتك لهذا ثم قرأ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى وقال: إن أهل المدينة لا يرون صدقة أفضل منها ومن سقاية الماء (قلت) وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن العزيز أنه كان يأمر الناس بإخراج صدقة الفطر، ويتلو هذه الآية قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى وقال أبو الأحوص: إذا أتى أحدكم سائل، وهو يريد الصلاة، فليقدم بين يدي صلاته زكاة فإن الله تعالى يقول: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى

стр. 6165

وقال قتادة في هذه الآية: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى: زكى ماله وأرضى خالقه). وقال النسفي: (أي: تطهر من الشرك، أو تطهر للصلاة، أو أدى الزكاة. تفعل من الزكاة كتصدق من الصدقة وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ وكبر للافتتاح فصلى الخمس وبه يحتج على وجوب تكبيرة الافتتاح، وعلى أنها ليست من الصلاة، لأن الصلاة عطفت عليها وهو يقتضي المغايرة، وعلى أن الافتتاح جائز بكل اسم من أسمائه ، وعن ابن عباس ﵄: ذكر معاده وموقفه بين يدي ربه فصلى له، وعن الضحاك: وذكر اسم ربه في طريق المصلى فصلى صلاة العيد). ٨ - بمناسبة قوله تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا* وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له» وروى ابن جرير عن عرفجة الثقفي قال: استقرأت ابن مسعود سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فلما بلغ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ترك القراءة، وأقبل على أصحابه وقال: آثرنا الدنيا على الآخرة، فسكت القوم فقال: آثرنا الدنيا لأنا رأينا زينتها ونساءها وطعامها وشرابها، وزويت عنا الآخرة، فاخترنا هذا العاجل وتركنا الآجل، وهذا منه على وجه التواضع والهضم، أو هو إخبار عن الجنس من حيث هو والله أعلم. وقد روى الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: «من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى» تفرد به أحمد). ٩ - بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى * صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى قال ابن كثير: (روى الحافظ أبو بكر البزار عن ابن عباس قال لما نزلت إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى * صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى قال النبي ﷺ : «كان كل هذا- أو كان هذا- في صحف إبراهيم وموسى» ثم قال: لا نعلم أسند الثقات عن عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس غير هذا، وحديثا آخر رواه مثل هذا. وروى النسائي عن عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال: كلها في صحف إبراهيم وموسى، ولما نزلت وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى قال: وفي إبراهيم أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى يعني: إن هذه الآية كقوله تعالى في سورة النجم: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى * وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى*
следующие страницы →