← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.

стр. 6161

كلمة في السياق: ١ - رأينا من خلال عرض السورة صلة فقراتها ببعضها، وصلة معانيها ببعضها بعضا، ورأينا من خلال عرض السورة أنها أمرت بالتسبيح، وبينت أن الفلاح في تزكية النفس والصلاة وارتباط هذا كله بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ واضح المعالم؛ فالتزكية والصلاة مرتبطتان بالتقوى والعبادة. ٢ - بدأت السورة بالأمر بالتسبيح باسم الله الأعلى، وقد رأينا أثر هذا الأمر وما يترتب عليه في موضوع الإقراء والتيسير، وانبثاق التذكير كأثر عن ذلك، والفلاح المتمثل بالتزكية والصلاة، إنما هو أثر التذكير، ومجئ ذكر الفلاح وربطه بالتزكية والصلاة، إنما هو أثر التذكير، ومجئ ذكر الفلاح وربطه بالتزكية والصلاة في سياق الأمر بالتسبيح لا يخفى، فالتسبيح جزء من الصلاة، وهو طريق إلى تزكية النفس، فبقدر استقرار التنزيه في النفس البشرية تكون تزكيتها، وبقدر ما تسبح النفس يكون استقرار التنزيه، وصلة ذلك كله بمحور السورة واضحة. ٣ - وهاهنا نحب أن نسجل ملاحظة مستمدة من السياق، فلقد رأينا كيف أن الأمر بالعبادة الذي جاء بعد مقدمة سورة البقرة لتفصل فيه، ونلاحظ أن سورا كاملة تفصل في جانب من جوانب العبادة هو الصلاة، أو تفصل في جزء منها، فسورة الواقعة كانت حصيلتها الدعوة إلى قول (سبحان الله العظيم) الذي أمر رسول الله ﷺ أن نجعله في ركوعنا، وسورة الأعلى كانت حصيلتها الدعوة إلى قول: (سبحان ربي الأعلى) الذي أمر رسول الله ﷺ أن نجعلها في سجودنا. ورأينا سورا فصلت في المقدمة، ركزت في قضايا مرتبطة بالصلاة، ومن ثم ندرك كيف أن الصلاة هي المظهر الأعلى للعبادة. الفوائد: ١ - قدم ابن كثير لسورة الأعلى بالتدليل على أنها مكية، ثم نقل الأحاديث الواردة فيها قال: (والدليل على ذلك أي: على أنها مكية ما رواه البخاري عن البراء بن عازب قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبي ﷺ مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئاننا القرآن، ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في

стр. 6162

عشرين، ثم جاء النبي ﷺ ، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به، حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله ﷺ قد جاء فما جاء حتى قرأت سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى في سورة مثلها. وروى الإمام أحمد ... عن علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يحب هذه السورة سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى تفرد به أحمد. وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ: «هلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى» وروى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ قرأ في العيدين بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية، وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعا- هكذا وقع في مسند الإمام أحمد إسناد هذا الحديث، وقد رواه مسلم في صحيحه وأبو داود والترمذي والنسائي عن النعمان بن بشير به، قال الترمذي: وكذا رواه الثوري ومسعر عن حبيب بن سالم عن أبيه النعمان ولا يعرف لحبيب رواية عن أبيه، وقد رواه ابن ماجه بإسناده عن حبيب بن سالم عن أبيه عن النعمان به كما رواه الجماعة فالله أعلم، ولفظ مسلم وأهل السنن: كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية، وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأهما، وقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي بن كعب، وعبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن أبزى، وعائشة- أم المؤمنين- أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الوتر بسبح اسم ربك الأعلى، وقل يا أيها الكافرون، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، زادت عائشة: والمعوذتين. وهكذا روي هذا الحديث من طريق جابر وأبي أمامة صدى بن عجلان وعبد الله بن مسعود، وعمران بن حصين، وعلي بن أبي طالب ﵃. ٢ - بمناسبة قوله تعالى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن إياس بن عامر قال: سمعت عقبة بن عامر الجهني لما نزلت فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ* قال لنا رسول الله ﷺ : «اجعلوها في ركوعكم» فلما نزلت سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال: «اجعلوها في سجودكم» ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث ابن المبارك عن موسى بن أيوب به. وروى الإمام أحمد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال: «سبحان ربي الأعلى» وهكذا رواه أبو داود بسنده عن سعيد عن ابن عباس موقوفا. وقال الثوري عن السدي عن عبد خير قال: سمعت عليا قرأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فقال: «سبحان ربي الأعلى». وقال ابن جرير عن أبي إسحاق الهمداني أن ابن عباس كان

стр. 6163

إذا قرأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى يقول: سبحان ربي الأعلى، وإذا قرأ لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ فأتى على آخرها أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى يقول: سبحانك وبلى، وقال قتادة: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان إذا قرأها قال: «سبحان ربي الأعلى»). ٣ - بمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى نقل صاحب الظلال الصفحات الطوال من كتاب (العلم يدعو إلى الإيمان). عن هداية المخلوقات ثم ختم الكلام بقوله: (وهذه النماذج التي اقتطفناها من كلام ذلك العالم ليست سوى طرف صغير من الملاحظات التي سجلها البشر في عوالم النبات والحشرات والطيور والحيوان. ووراءه حشود من مثلها كثيرة .. وهذه الحشود لا تزيد على أن تشير إلى جانب صغير من مدلول قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى* وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى .. في هذا الوجود المشهود الذي لا نعرف عنه إلا أقل من القليل. ووراء عالم الغيب الذي ترد لنا عنه لمحات فيما يحدثنا الله عنه، بالقدر الذي يطيقه تكويننا البشري الضعيف). ٤ - وبمناسبة قوله تعالى وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى كتب صاحب الظلال الصفحات الطوال عن اليسرى التي يسر لها رسول الله ﷺ في سلوكه، وطبيعته، وشريعته (اليسر في يده، واليسر في لسانه، واليسر في خطوه، واليسر في عمله، واليسر في تصوره، واليسر في تفكيره، واليسر في أخذه للأمور، واليسر في علاجه للأمور، اليسر مع نفسه، واليسر مع غيره). ٥ - بمناسبة قوله تعالى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى قال ابن كثير: (أي: ذكر حيث تنفع التذكرة، ومن هاهنا يؤخذ الأدب في نشر العلم فلا يضعه عند غير أهله كما قال أمير المؤمنين علي ﵁: ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم، وقال: حدث الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله). ٦ - بمناسبة قوله تعالى: وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى* الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «أما أهل النار الذين هم أهلها لا يموتون ولا يحيون، وأما أناس يريد الله بهم الرحمة فيميتهم في النار فيدخل عليهم الشفعاء فيأخذ الرجل الضبارة فينبتهم- أو قال- ينبتون- في نهر الحيا- أو قال الحياة- أو قال الحيوان- أو قال نهر الجنة فينبتون- نبات الحبة في حميل السيل» قال: وقال النبي ﷺ : «أما ترون الشجرة تكون خضراء،

стр. 6164

ثم تكون صفراء ثم تكون خضراء؟» قال: فقال بعضهم: كأن النبي ﷺ كان بالبادية. وروى أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «أما أهل النار- الذين هم أهلها- فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن أناس- أو كما قال- تصيبهم النار بذنوبهم- أو قال بخطاياهم- فيميتهم إماتة حتى إذا صاروا فحما، أذن في الشفاعة فجئ بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة فيقال: يا أهل الجنة أفيضوا عليهم، فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل» قال: فقال رجل من القوم حينئذ: كأن رسول الله ﷺ كان بالبادية، وروى مسلم مثله ورواه أحمد أيضا عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: «إن أهل النار الذين لا يريد الله إخراجهم لا يموتون فيها ولا يحيون، وإن أهل النار الذين يريد الله إخراجهم يميتهم فيها إماتة حتى يصيروا فحما ثم يخرجون ضبائر فيلقون على أنهار الجنة فيرش عليهم من أنهار الجنة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل». وقد قال الله تعالى إخبارا عن أهل النار وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (الزخرف: ٧٧) وقال تعالى لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها (فاطر: ٣٦) إلى غير ذلك. من الآيات في هذا المعنى). ٧ - بمناسبة قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى قال ابن كثير: (وقد روى الحافظ أبو بكر البزار عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى قال: «من شهد أن لا إله إلا الله وخلع الأنداد وشهد أني رسول الله» وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى قال: «هي الصلوات الخمس والمحافظة عليها والاهتمام بها» ثم قال: لا يروى عن جابر إلا من هذا الوجه، وكذا قال ابن عباس: إن المراد بذلك الصلوات الخمس، واختاره ابن جرير. وروى ابن جرير عن أبي خلدة قال: دخلت على أبي العالية فقال لي: إذا غدوت غدا إلى العيد فمر بي، قال: فمررت به فقال: طعمت شيئا؟ قلت: نعم قال: أفضت على نفسك من الماء؟ قلت نعم قال فأخبرني ما فعلت بزكاتك! قلت قد وجهتها قال: إنما أردتك لهذا ثم قرأ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى وقال: إن أهل المدينة لا يرون صدقة أفضل منها ومن سقاية الماء (قلت) وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن العزيز أنه كان يأمر الناس بإخراج صدقة الفطر، ويتلو هذه الآية قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى وقال أبو الأحوص: إذا أتى أحدكم سائل، وهو يريد الصلاة، فليقدم بين يدي صلاته زكاة فإن الله تعالى يقول: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى

стр. 6165

وقال قتادة في هذه الآية: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى: زكى ماله وأرضى خالقه). وقال النسفي: (أي: تطهر من الشرك، أو تطهر للصلاة، أو أدى الزكاة. تفعل من الزكاة كتصدق من الصدقة وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ وكبر للافتتاح فصلى الخمس وبه يحتج على وجوب تكبيرة الافتتاح، وعلى أنها ليست من الصلاة، لأن الصلاة عطفت عليها وهو يقتضي المغايرة، وعلى أن الافتتاح جائز بكل اسم من أسمائه ، وعن ابن عباس ﵄: ذكر معاده وموقفه بين يدي ربه فصلى له، وعن الضحاك: وذكر اسم ربه في طريق المصلى فصلى صلاة العيد). ٨ - بمناسبة قوله تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا* وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : «الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له» وروى ابن جرير عن عرفجة الثقفي قال: استقرأت ابن مسعود سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فلما بلغ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا ترك القراءة، وأقبل على أصحابه وقال: آثرنا الدنيا على الآخرة، فسكت القوم فقال: آثرنا الدنيا لأنا رأينا زينتها ونساءها وطعامها وشرابها، وزويت عنا الآخرة، فاخترنا هذا العاجل وتركنا الآجل، وهذا منه على وجه التواضع والهضم، أو هو إخبار عن الجنس من حيث هو والله أعلم. وقد روى الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: «من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى» تفرد به أحمد). ٩ - بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى * صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى قال ابن كثير: (روى الحافظ أبو بكر البزار عن ابن عباس قال لما نزلت إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى * صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى قال النبي ﷺ : «كان كل هذا- أو كان هذا- في صحف إبراهيم وموسى» ثم قال: لا نعلم أسند الثقات عن عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس غير هذا، وحديثا آخر رواه مثل هذا. وروى النسائي عن عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما نزلت سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال: كلها في صحف إبراهيم وموسى، ولما نزلت وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى قال: وفي إبراهيم أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى يعني: إن هذه الآية كقوله تعالى في سورة النجم: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى * وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى*

стр. 6166

أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى * ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى * وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى الآيات إلى آخرهن. وهكذا قال عكرمة فيما رواه ابن جرير عن عكرمة في قوله تعالى: إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى * صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى يقول: الآيات التي في صبح اسم ربك الأعلى. وقال أبو العالية: قصة هذه السورة في الصحف الأولى، واختار ابن جرير أن المراد بقوله إِنَّ هذا إشارة إلى قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى* بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا* وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى ثم قال تعالى إِنَّ هذا أي: مضمون هذا الكلام لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى * صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وهذا الذي اختاره حسن قوي وقد روي عن قتادة وابن زيد نحوه والله أعلم). وقال النسفي: (هذه إشارة إلى قوله: قَدْ أَفْلَحَ إلى أَبْقى أي: إن معنى هذا الكلام وارد في تلك الصحف، أو إلى ما في السورة كلها، وهو دليل على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة لأنه جعله مذكورا في تلك مع أنه لم يكن فيها بهذا النظم وبهذه اللغة). أقول: جواز قراءة القرآن في الصلاة بغير اللغة العربية وجه في حالة العجز عن حفظ شئ من القرآن لغير العربي، ويقتصر فيه على الحد الأدنى الذي لا بد منه. ١٠ - قال النسفي: (وفي الأثر في صحف إبراهيم: «ينبغي للعاقل أن يكون حافظا للسانه عارفا بزمانه مقبلا على شأنه»). ولننتقل إلى سورة الغاشية.

стр. 6167

سورة الغاشية وهي السورة الثامنة والثمانون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الرابعة والأخيرة من المجموعة الحادية عشرة من قسم المفصل، وهي ست وعشرون آية وهي مكية

стр. 6168

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 6169

بين يدي سورة الغاشية: قدم الألوسي لسورة الغاشية بقوله: (مكية بلا خلاف. وعدة آياتها ست وعشرون كذلك. وكان صلى الله تعالى عليه وسلم كما أخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن النعمان بن بشير يقرؤها في الجمعة مع سورتها. ولما أشار سبحانه فيما قبل إلى المؤمن والكافر والجنة والنار إجمالا بسط الكلام هاهنا). وقدم صاحب الظلال لهذه السورة بقوله: (هذه السورة واحدة من الإيقاعات العميقة الهادئة. الباعثة إلى التأمل والتدبر، وإلى الرجاء والتطلع، وإلى المخافة والتوجس، وإلى عمل الحساب ليوم الحساب!. وهي تطوف بالقلب البشري في مجالين هائلين: مجال الآخرة وعالمها الواسع، ومشاهدها المؤثرة. ومجال الوجود العريض المكشوف للنظر، وآيات الله المبثوثة في خلائقه المعروضة للجميع. ثم تذكرهم بعد هاتين الجولتين الهائلتين بحساب الآخرة، وسيطرة الله، وحتمية الرجوع إليه في نهاية المطاف .. كل ذلك في أسلوب عميق الإيقاع، هادئ، ولكنه نافذ. رصين، ولكنه رهيب!). وقال ابن كثير بين يدي سورة الغاشية: (قد تقدم عن النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بسبح اسم ربك الأعلى والغاشية في صلاة العيد ويوم الجمعة. وروى الإمام مالك عن ضمرة بن سعيد عن عبيد الله بن عبد الله أن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير: بم كان رسول الله ﷺ يقرأ في الجمعة مع سورة الجمعة؟ قال: هل أتاك حديث الغاشية ورواه أبو داود والنسائي كلاهما عن مالك به، ورواه مسلم وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة). كلمة في سورة الغاشية ومحورها: رأينا أن سورة الأعلى فصلت في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ .. وسورة الغاشية الآتية بعدها تفصل في نفس المحور، ولكن بشكل جديد، فالمحور يأمر بعبادة الله خالق الإنسان والسماء والأرض، مبينا أن عبادة الله وحده هي التي توصل إلى الغاية. أما العبادة الخاطئة فإنها لا توصل إلا إلى النار، وسورة الغاشية تعرض علينا صورتين: صورة لعباد

стр. 6170

عاملين ولكنهم يشركون في عبادتهم، وصورة للعباد الموحدين، تعرض علينا السورة هؤلاء وهؤلاء، ثم تلفت النظر إلى توحيد الله ، ثم تختم بالأمر لرسول الله ﷺ بالتذكير، ومن ثم فهي تفصل في المحور، ولكن تفصيل- كالعادة- جديد. رأينا أن سورة الأعلى ورد في أواخرها قوله تعالى: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى* الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى .. والملاحظ أن سورة الغاشية تحدثنا عن شقاء أهل النار، وما هم فيه، وعن فلاح أهل الجنة وما هم فيه، فالسورة ترتبط بما قبلها برباط وثيق، والأمر بالتذكير ورد في سورة الأعلى وسورة الغاشية، ورد في سورة الأعلى في أواسط السورة، وورد في سورة الغاشية في خاتمتها وهذا يوحي بأن السورتين لهما سياق عام واحد فمحور السورتين واحد. تتألف السورة من فقرتين واضحتي المعالم والصلات. الأولى تنتهي بالآية (١٦) والثانية تنتهي بالآية (٢٦) أي: بنهاية السورة. الفقرة الأولى تتألف من مقدمة ومجموعتين، والفقرة الثانية تتألف من مجموعتين فلنبدأ عرض السورة. الفقرة الأولى وتمتد من بداية السورة حتى نهاية الآية (١٦) وهذه هي: مقدمة الفقرة الأولى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الغاشية (٨٨): آية ١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) المجموعة الأولى [سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٢ الى ٧] وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى ناراً حامِيَةً (٤) تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)

стр. 6171

المجموعة الثانية [سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٨ الى ١٦] وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) تفسير مقدمة الفقرة الأولى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ أي: قد أتاك حديث الغاشية، والغاشية هي الداهية التي تغشى الناس بشدائدها، وتلبسهم أهوالها يعني القيامة، قال ابن كثير: الغاشية من أسماء يوم القيامة .. لأنها تغشى الناس وتعمهم. كلمة في السياق: بدأت السورة بهذا السؤال الذي جوابه نعم. كما ورد في الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم .. عن عمرو بن ميمون قال: مر النبي ﷺ على امرأة تقرأ هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ فقام يستمع ويقول: «نعم، قد جاءني». وإذ كان الجواب معلوما فقد انتقلت الفقرة مباشرة لتعرض علينا حال الكافرين فيها، وحال المؤمنين. تفسير المجموعة الأولى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ أي: يوم إذ غشيت الغاشية خاشِعَةٌ أي: ذليلة لما اعترى أصحابها من الخزي والهوان. قال النسفي: وإنما خص الوجه لأن الحزن والسرور إذا استحكما في السر أثرا في الوجه عامِلَةٌ ناصِبَةٌ قال ابن كثير: (أي: قد عملت عملا كثيرا ونصبت فيه وصليت يوم القيامة نارا حامية .. وعن عكرمة والسدي: عاملة في الدنيا بالمعاصي، ناصبة في النار بالعذاب والإهلاك، والنصب: التعب. روى الحافظ

стр. 6172

أبو بكر البرقاني عن جعفر قال: سمعت أبا عمران الجوني يقول: مر عمر بن الخطاب ﵁ بدار راهب، قال: ناداه: يا راهب، فأشرف، قال: فجعل عمر ينظر إليه ويبكي فقيل له: يا أمير المؤمنين ما يبكيك من هذا؟ قال: ذكرت قول الله في كتابه عامِلَةٌ ناصِبَةٌ* تَصْلى ناراً حامِيَةً فذاك الذي أبكاني. وقال البخاري: قال ابن عباس عامِلَةٌ ناصِبَةٌ: النصارى) أقول: تخصيصها بالنصارى ذكر لبعض ما يدخل فيها فكل عاملة ناصبة في زعمها بعبادتها لله دون أن تكون عبادتها صحيحة منبثقة عن عقيدة صحيحة فإنها تدخل في الآية. تَصْلى ناراً حامِيَةً أي: حارة شديدة الحر. قال النسفي: (أي: تدخل نارا قد أحميت مددا طويلة. فلا حر يعدل حرها). أقول: هذا جزاؤها مع ما عملت من الصوم الدائب والتهجد الواصب، فليعرف من لم يعرف أنه لا بد من الاعتقاد الصحيح تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ أي: من عين ماء قد انتهى حرها وغليانها لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ قال سعيد بن جبير: هو الزقوم. أقول: وعلى هذا القول فمن خصائص الزقوم أنها تشبه الضريع، وهو نبت يقال له الشبرق فإذا يبس فهو ضريع وهو سم قاتل. قال عكرمة في وصف ضريع الدنيا: وهو شجرة ذات شوك لاطئة بالأرض، وعلى هذا الاتجاه يكون الزقوم والغسلين والضريع شيئا واحدا، أما إذا كان المراد بالزقوم والغسلين والضريع أشياء مختلفة فإن المسألة كما قال النسفي: (والعذاب ألوان، والمعذبون طبقات فمنهم أكلة الزقوم، ومنهم أكلة الغسلين، ومنهم أكلة الضريع، فلا تناقض بين هذه الآية وبين قوله ولا طعام إلا من غسلين) وعلى هذا فضلال العباد طعامهم الوحيد الضريع، والخاطئون طعامهم الوحيد الغسلين، والآثمون طعامهم الوحيد الزقوم- والله أعلم. قال سعيد عن قتادة في الآية: أي: ليس لهم طعام إلا من شر الطعام وأبشعه وأخبثه لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ قال النسفي: (أي: منفعتا الغذاء منتفيتان عنه، وهي إماطة الجوع، وإفادة السمن في البدن) وقال ابن كثير: يعني لا يحصل به مقصود، ولا يندفع به محذور. كلمة في السياق: وهكذا رأينا عذاب العابدين العاملين الكافرين: ذل ونار، وماء حار وضريع، فالله إذ أمر بالعبادة والتقوى إنما أمر بعبادته وحده، وتقواه وحده على شريعته

стр. 6173

ومنهجه، فمن عبده مشركا به غيره، أو عبده على غير هذه الشريعة بعد نزولها فهو في النار. بعد أن بين الله في المجموعة الأولى جزاء العاملين الناصبين الكافرين تأتي الآن المجموعة الثانية وفيها ذكر جزاء العاملين العابدين المتقين المقبولين عند الله . تفسير المجموعة الثانية: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ أي: يوم القيامة ناعِمَةٌ أي: متنعمة في لين العيش، قال ابن كثير: أي: يعرف النعيم فيها لِسَعْيِها راضِيَةٌ أي: قد رضيت عملها، قال ابن كثير: وإنما حصل لها ذلك بسعيها. وقال النسفي: أي: رضيت بعملها وطاعتها لما رأت ما أداهم إليه من الكرامة والثواب فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ عالية المقدار والبناء. قال ابن كثير: أي: رفيعة بهية في الغرفات آمنون لا تَسْمَعُ فِيها أي: لا تسمع فيها هذه الوجوه، أو لا تسمع فيها أيها المخاطب لاغِيَةً قال ابن كثير: أي: لا تسمع في الجنة التي هم فيها كلمة لغو .. وقال النسفي: لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً أي: لغوا، أو كلمة ذات لغوة، أو نفسا تلغو ولا يتكلم أهل الجنة إلا بالحكمة، وحمد الله على ما رزقهم من النعيم الدائم فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ قال ابن كثير: أي: سارحة وهذه نكرة في سياق الإثبات، وليس المراد بها عينا واحدة، وإنما هذا جنس، يعني: فيها عيون جاريات. روى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أنهار الجنة تفجر من تحت تلال- أو من تحت جبال- المسك). فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ قال النسفي: من رفعة المقام والسمك ليرى المؤمن بجلوسه عليه أي: على السرير، جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، وقال ابن كثير: أي: عالية ناعمة كثيرة الفرش، مرتفعة السمك، عليها الحور العين: قالوا: فإذا أراد ولي الله أن يجلس على تلك السرر العالية تواضعت له وَأَكْوابٌ جمع كوب وهو القدح، وقيل: آنية لا عروة لها مَوْضُوعَةٌ قال النسفي: أي: بين أيديهم ليتلذذوا بها بالنظر إليها، أو موضوعة على حافات العيون، معدة للشرب. وقال ابن كثير: يعني أواني الشرب معدة مرصدة لمن أرادها وَنَمارِقُ أي: ووسائد مَصْفُوفَةٌ. قال النسفي: أي: بعضها إلى جنب بعض مساند ومطارح أينما أراد أن يجلس جلس على واحدة، واستند إلى الأخرى وَزَرابِيُّ جمع زربية وهي البساط مَبْثُوثَةٌ قال ابن كثير: ومعنى مبثوثة:

стр. 6174

أي: هاهنا وهاهنا لمن أراد الجلوس عليها. فصار معنى الآية: وبسط عراض فاخرة مبسوطة، أو مفرقة في المجالس. كلمة في السياق: ١ - وهكذا بين الله ، ما لعباده المتقين عنده يوم القيامة من نعمة ورضى وجنات، وعيون وسرر وأكواب ووسائد وبسط في مقابل عملهم السليم الصحيح في الدنيا. ٢ - قلنا إن محور سورة الغاشية قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وقد رأينا في المجموعة الأولى جزاء العباد المنحرفين، ورأينا في المجموعة الثانية جزاء العباد المتقين، لاحظ صلة ذلك بارتباطات المحور: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ* وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ ... ٣ - بعد الفقرة السابقة تأتي المجموعة الأولى من الفقرة الثانية ، وفيها لفت نظر للإنسان إلى بعض مخلوقات الله التي تستلزم المعرفة لله ، وتستوجب العمل الصالح شكرا. فلنر الفقرة الثانية بمجموعتيها. الفقرة الثانية وتمتد من الآية (١٧) إلى نهاية الآية (٢٦) وهذه هي: المجموعة الأولى [سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١٧ الى ٢٠] أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)

стр. 6175

المجموعة الثانية [سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٢١ الى ٢٦] فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦) تفسير المجموعة الأولى: أَفَلا يَنْظُرُونَ أرجع النسفي الضمير إلى الكافرين، وأرجعه ابن كثير إلى الناس عامة إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ قال ابن كثير: (فإنها خلق عجيب، وتركيبها غريب فإنها في غاية القوة والشدة، وهي مع ذلك تلين للحمل الثقيل، وتنقاد للقائد الضعيف، وتؤكل وينتفع بوبرها ويشرب لبنها). وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ قال النسفي: رفعا بعيد المدى ثم نجومها تكثر هذه الكثرة فلا تدخل في حساب الخلق. وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ قال النسفي: نصبا ثابتا فهي راسخة .. وقال ابن كثير: أي: جعلت منصوبة فإنها ثابتة راسخة لئلا تميد الأرض بأهلها، وجعل فيها ما جعل من المنافع والمعادن وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ قال ابن كثير: (أي: كيف سطحت ومدت ومهدت). كلمة في السياق: ١ - جاءت هذه الآيات بعد ذكر جزاء العاملين الكافرين، والعاملين المؤمنين، وقبل المجموعة الآمرة بالتذكير، ومن السياق، ندرك المراد من لفت النظر إلى هذه المخلوقات أنه البعث على التوحيد والتمهيد للتذكير. قال النسفي: (ويجوز أن يكون المعنى: أفلا ينظرون إلى هذه المخلوقات الشاهدة على قدرة الخالق، حتى لا ينكروا اقتداره على البعث فيسمعوا إنذار الرسول، ويؤمنوا به، ويستعدوا للقائه). ٢ - محور السورة هو قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ

стр. 6176

مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ نلاحظ أن المحور علل لوجوب العبادة، وطالب بالتوحيد بناء على أن الله هو خالق الإنسان والأرض والسماء، ومنزل الماء، وفي المجموعة التي مرت معنا لفت الله النظر بخلق الإبل على ما هي عليه، وبرفع السماء، ونصب الجبال، وبسط الأرض للتدليل على وحدانيته، وللإنكار على من يشرك به غيره في عبادته، وفي ذلك دعوة لعباده جميعا أن يعبدوه وحده ولذلك صلاته بمحور السورة. تفسير المجموعة الثانية: فَذَكِّرْ قال ابن كثير: أي: فذكر يا محمد الناس بما أرسلت إليهم إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ قال النسفي: أي: ليس عليك إلا التبليغ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ قال ابن كثير: قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: أي: لست عليهم بجبار، أي: لست تخلق الإيمان في قلوبهم، وقال ابن زيد: لست بالذي تكرههم على الإيمان إِلَّا أي: لكن مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ. قال ابن كثير: أي: تولى عن العمل بأركانه، وكفر بالحق بجنانه ولسانه فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ وهو عذاب جهنم، والمعنى العام: لست بجبار عليهم، ولكن الله هو الذي له القهر فيعذب من تولى وكفر العذاب الأكبر، وهناك اتجاه آخر تقديره: فذكر إلا من تولى وكفر، فهذا سيعذبه الله ، وليس عليك تذكيره إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ أي: رجوعهم، وفائدة تقديم الجار والمجرور التشديد في الوعيد، وأن إيابهم ليس إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ قال ابن كثير: أي: نحن نحاسبهم على أعمالهم ونجازيهم بها إن خيرا فخير وإن شرا فشر. كلمة في السياق: ١ - بعد أن بين الله عاقبة المشركين، وعاقبة المؤمنين، وأقام الحجة على الكافرين، أمر الله رسوله بالتذكير، وبين له أن الله سيتولى الحساب والعقاب. ٢ - في قوله تعالى: إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ بيان لموقف بعض الناس من الأمر بالعبادة والتقوى إذ يتولون ويكفرون، ولذلك صلته بمحور السورة.

стр. 6177

الفوائد: ١ - في تفسير قوله تعالى: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ ذكرنا قولا واحدا إلا أن للمفسرين اتجاهات أخرى. قال النسفي: (أي: تعمل في النار عملا تتعب فيه، وهو جرها السلاسل والأغلال، وخوضها في النار، كما تخوض الإبل في الوحل وارتقاؤها دائبة في صعود من نار، وهبوطها في حدور منها، وقيل: عملت في الدنيا أعمال السوء والتذت بها وتنعمت، فهي في نصب منها في الآخرة، وقيل: هم أصحاب الصوامع ومعناه: إنها خشعت لله وعملت ونصبت في أعمالها من الصوم الدائب والتهجد الواصب). ٢ - عند قوله تعالى: وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ قال ابن كثير: ونذكر هاهنا هذا الحديث الذي رواه أبو بكر بن أبي داود عن كريب أنه سمع أسامة بن زيد يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا هل من مشمر للجنة فإن الجنة لا حصر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة وخضرة وحبرة، ونعمة، في محلة عالية بهية؟» قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها، قال «قولوا إن شاء الله» قال القوم: إن شاء الله، ورواه ابن ماجه). ٣ - عند قوله تعالى: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ قال ابن كثير: وكان شريح القاضي يقول: اخرجوا بنا حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت. أقول: وفي هذا لفتة عظيمة من القاضي الكريم أن يعطي كل خطاب قرآني مدلوله العملي كان شيخنا محمد الحامد ﵀ يتأمل الفاكهة ويقول: انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ وبمناسبة هذه الآيات قال ابن كثير: (وهكذا أقسم ضمام في سؤاله على رسول الله ﷺ كما رواه الإمام أحمد حيث روى عن أنس قال: كنا نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شئ، فكان يعجبنا أن يجئ الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد إنه أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: «صدق» قال: فمن خلق السماء؟ قال: «الله» قال: من خلق الأرض؟ قال: «الله» قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: «الله»

стр. 6178

قال: فبالذي خلق السماء والأرض، ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: «نعم» قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال: «صدق» قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: «نعم» قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، قال: «صدق» قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: «نعم» قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا قال: «صدق» قال: ثم ولى فقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهم شيئا ولا أنقص منهن شيئا، فقال النبي ﷺ : «إن صدق ليدخلن الجنة» وقد رواه مسلم). وبمناسبة هذه الآيات قال النسفي: (وتخصيص هذه الأربعة باعتبار أن هذا خطاب للعرب، وحث لهم على الاستدلال، والمرء إنما يستدل بما تكثر مشاهدته له، والعرب تكون في البوادي، ونظرهم فيها إلى السماء والأرض والجبال والإبل، فهي أعز أموالهم، وهم لها أكثر استعمالا منهم لسائر الحيوانات، ولأنها تجمع جميع المآرب المطلوبة من الحيوان: وهي النسل، والدر، والحمل، والركوب، والأكل بخلاف غيرها، ولأن خلقها أعجب من غيرها فإنه سخرها منقادة لكل من اقتادها بأزمتها لا تعارض ضعيفا ولا تمانع صغيرا، وبرأها طوال الأعناق لتنوء بالأوقار، وجعلها بحيث تبرك حتى تحمل عن قرب ويسر، ثم تنهض بما حملت وتجرها إلى البلاد الشاحطة، وصبرها على احتمال العطش حتى إن ظمأها ليرتفع إلى العشر فصاعدا، وجعلها ترعى كل نابت في البراري مما لا يرعاه سائر البهائم). قال صاحب الظلال: (وتجمع هذه الآيات الأربعة القصار، أطراف بيئة العربي المخاطب بهذا القرآن أول مرة. كما تضم أطراف الخلائق البارزة في الكون كله. حين تتضمن السماء والأرض والجبال والجمال (ممثلة لسائر الحيوان) على مزية خاصة بالإبل في خلقها بصفة عامة وفي قيمتها للعربي بصفة خاصة. إن هذه المشاهد معروضة لنظر الإنسان حيثما كان .. السماء والأرض والجبال والحيوان .. وأيا كان حظ الإنسان من العلم والحضارة فهذه المشاهد داخلة في عالمه وإدراكه. موحية له بما وراءها حين يوجه نظره وقلبه إلى دلالتها. إن المشهد الكلي يضم مشهد السماء المرفوعة والأرض المبسوطة. وفي هذا المدى المتطاول تبرز الجبال «منصوبة» السنان لا راسية ولا ملقاة، وتبرز الجمال منصوبة السنام .. خطان أفقيان وخطان رأسيان في المشهد الهائل في المساحة الشاسعة. ولكنها

стр. 6179

لوحة متناسقة الأبعاد والاتجاهات! على طريقة القرآن في عرض المشاهد، وفي التعبير بالتصوير على وجه الإجمال). ٤ - بمناسبة قوله تعالى: فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ* لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله » ثم قرأ: فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ* لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ وهكذا رواه مسلم في كتاب الإيمان، والترمذي، والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما من حديث سفيان بن سعيد الثوري به بهذه الزيادة. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من رواية أبي هريرة بدون ذكر هذه الآية). وبمناسبة هذه الآية قال صاحب الظلال: (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ .. فأنت لا تملك من أمر قلوبهم شيئا. حتى تقهرها وتقسرها على الإيمان. فالقلوب بين أصابع الرحمن، لا يقدر عليها إنسان. فأما الجهاد الذي كتب بعد ذلك فلم يكن لحمل الناس على الإيمان. إنما كان لإزالة العقبات من وجه الدعوة لتبلغ إلى الناس. فلا يمنعوا من سماعها. ولا يفتنوا عن دينهم إذا سمعوها. كان لإزالة العقبات من طريق التذكير. الدور الوحيد الذي يملكه الرسول. وهذا الإيحاء بأن ليس للرسول من أمر هذه الدعوة شئ إلا التذكير والبلاغ يتكرر في القرآن لأسباب شتى. في أولها إعفاء أعصاب الرسول من حمل هم الدعوة بعد البلاغ، وتركها لقدر الله يفعل بها ما يشاء. فإلحاح الرغبة البشرية بانتصار دعوة الخير وتناول الناس لهذا الخير، إلحاح عنيف جدا يحتاج إلى هذا الإيحاء المتكرر بإخراج الداعية لنفسه ولرغائبه هذه من مجال الدعوة، كي ينطلق إلى أدائها كائنة ما كانت الاستجابة، وكائنة ما كانت العاقبة. فلا يعني نفسه بهم من آمن وهم من كفر. ولا يشغل باله بهذا الهم الثقيل حين تسوء الأحوال من حول الدعوة، وتقل الاستجابة، ويكثر المعرضون والمخاصمون). ٥ - بمناسبة قوله تعالى: إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ* فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن علي بن خالد أن أبا أمامة الباهلي مر على خالد بن

стр. 6180

يزيد بن معاوية فسأله عن ألين كلمة سمعها من رسول الله ﷺ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا كلكم يدخل الجنة إلا من شرد على الله شراد البعير على أهله» تفرد بإخراجه الإمام أحمد). ٦ - ونختتم هذه الفوائد بالتذكير بأن قوله تعالى: وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ لا ينفي كروية الأرض إذ إن كروية الأرض مقررة في أكثر من مكان في كتاب الله فتسطيح الأرض لا ينفي كرويتها فهي ممدودة مبسوطة، وهي فراش للإنسان وهي كروية مع هذا كله. كلمة أخيرة في سورة الغاشية ومجموعتها الحادية عشرة: سورة الغاشية حذرت من العبادة الخاطئة مع الكفر، وهيجت على العبادة الصالحة مع الإيمان، ولفتت النظر إلى ما يستوجب الإيمان، وأمرت رسول الله ﷺ بالتذكير مع الاعتقاد بأن الله سيتولى تعذيب الكافرين، وتأتي سورة الغاشية بعد سورة الأعلى التي أمرت بنوع من العبادة المؤدية إلى تزكية النفس، وجاءت سورة الأعلى بعد سورتين تحدثتا عن قضية الإيمان والعمل الصالح، وما يستتبع ذلك من مواقف إيمانية أو مواقف كافرة، ومن هذا العرض السريع ندرك تكامل المجموعة مع بعضها .. فسورة البروج بينت أن الإيمان والعمل الصالح يرافقهما ابتلاء يصل إلى حد القتل والتحريق، وسورة الطارق بينت جدية الكلمة القرآنية، وجاءت سورة الأعلى تأمر بالتسبيح، والتذكير وتزكية النفس، وكلها معان تساعد على تحمل المحنة وتحمل ثقل الوحي، وجاءت سورة الغاشية لتبين أن العمل غير المقيد بقيود الوحي وغير المنبثق عن الإيمان الصحيح لا ينجي صاحبه، فلا بد من إيمان صحيح وعمل صحيح للنجاة، وهذا كله يرينا تكامل المجموعة مع بعضها، كما يرينا كيف أن المجموعة تضيف صرحا جديدا في بناء التصورات الإسلامية الصحيحة، وفي بناء التقوى، وفي التحرير من الكفر وأخلاقه. والملاحظ أن سورتي الأعلى والغاشية كلاهما تذكر في الطريق، وكل منهما أمرت رسول الله ﷺ بالتذكير الذي فيه دلالة على الطريق فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ فكونك تذكر بالطريق فكأنك أخذت باليد إلى الإسلام كله، وذلك من مظاهر التكامل في المجموعة. فلو أنك تأملت الأمر بالتذكير في كل من

стр. 6181

السورتين الأخيرتين لرأيت أن كلا من الأمرين يكمل الآخر. هذا وقد رأينا أن في كل سورة جديدا، وأن ما بين كل سورة وما قبلها وما بعدها صلات، وأن لكل سورة سياقها الخاص، وأن لكل سورة صلة بمحورها ضمن السياق القرآني العام. ولننتقل إلى المجموعة الثانية عشرة.

стр. 6182

المجموعة الثانية عشرة من القسم الرابع من أقسام القرآن المسمى بقسم المفصل وتشمل سور: الفجر، والبلد، والشمس، والليل، والضحى، والشرح

стр. 6183

كلمة في المجموعة الثانية عشرة من قسم المفصل تتألف المجموعة الثانية عشرة من ست سور خمس منها مبدوءة بقسم، والأخيرة مبدوءة بقوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ ويأتي بعدها سورة مبدوءة بقسم، وهذا الذي دلنا على البداية والنهاية. تتصل بداية السورة الأولى من المجموعة الثانية عشرة بنهاية السورة التي قبلها بصلة واضحة، فنهاية سورة الغاشية: فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ* لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ* إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ* إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ ... وبداية سورة الفجر: وَالْفَجْرِ* وَلَيالٍ عَشْرٍ* وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ* وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ* هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ* أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ* إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ* الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ* وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ* وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ* الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ* فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ* فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ* إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ لاحظ انتهاء سورة الغاشية بخطاب رسول الله ﷺ وابتداء سورة الفجر بخطاب رسول الله ﷺ ، ولاحظ قوله تعالى في سورة الغاشية: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ* إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ وقوله تعالى في سورة الفجر: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ. مرت معنا من قبل مجموعة الذاريات، وقد رأينا أن فيها ثلاث سور متواليات كلها مبدوءة بقسم، وهذه المجموعة التي بين أيدينا مجموعة الفجر فيها خمس سور متواليات كلها مبدوءة بقسم، وهذا يجعلنا نستأنس بأن محور السور الخمس هو مقدمة سورة البقرة، كما كانت المقدمة هي محور السور الثلاث من مجموعة الذاريات ومحور كل سورة مبدوءة بقسم .. وإذا كانت السور الخمس المبدوءة بقسم تفصل في مقدمة سورة البقرة فإن سورة أَلَمْ نَشْرَحْ تفصل فيما بعد المقدمة مباشرة أي: في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ .. ومن ثم نجد فيها فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ* وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ. فالسور الخمس حددت معالم في الخير وسورة أَلَمْ نَشْرَحْ ذكرت الطريق للتحقق فيها. ولنبدأ عرض المجموعة ..

стр. 6184

سورة الفجر وهي السورة التاسعة والثمانون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الأولى من المجموعة الثانية عشرة من قسم المفصل، وهي ثلاثون آية وهي مكية

стр. 6185

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 6186

بين يدي سورة الفجر: قال ابن كثير عن سورة الفجر: هي مكية ثم قال: (روى النسائي عن جابر قال: صلى معاذ صلاة، فجاء رجل فصلى معه فطول، فصلى في ناحية المسجد ثم انصرف، فبلغ ذلك معاذا فقال: منافق، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فسأل الفتى، فقال: يا رسول الله جئت أصلي معه فطول علي فانصرفت وصليت في ناحية المسجد، فعلفت ناقتي، فقال رسول الله ﷺ : «أفتان يا معاذ؟ أين أنت من سبح اسم ربك الأعلى- والشمس وضحاها- والفجر- والليل إذا يغشى»). وقال الألوسي في تقديمه لسورة الفجر: (ولما ذكر سبحانه فيما قبلها وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ أتبعه تعالى بذكره لطوائف المكذبين من المتجبرين الذين وجوههم خاشعة، وأشار جل شأنه إلى الصنف الآخر الذين وجوههم ناعمة بقوله سبحانه فيها: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ وأيضا فيها مما يتعلق بأمر الغاشية ما فيها، وقال الجلال السيوطي: لم يظهر لي في وجه ارتباطها سوى أن أولها كالأقسام على صحة ما ختم به السورة التي قبلها، أو على ما تضمنته من الوعد والوعيد، هذا مع أن جملة أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ مشابهة لجملة أَفَلا يَنْظُرُونَ وهما كما ترى). وقال صاحب الظلال في تقديمه لهذه السورة: (هذه السورة في عمومها حلقة في الهتاف بالقلب البشري إلى الإيمان والتقوى واليقظة والتدبر .. ولكنها تتضمن ألوانا شتى من الجولات والإيقاعات والظلال، ألوانا متنوعة تؤلف من تفرقها وتناسقها لحنا واحدا متعدد النغمات موحد الإيقاع! في بعض مشاهدها جمال هادئ رفيق ندي النسمات والإيقاعات، كهذا المطلع الندي بمشاهده الكونية الرقيقة، وبظل العبادة والصلاة في ثنايا تلك المشاهد .. وَالْفَجْرِ* وَلَيالٍ عَشْرٍ* وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ* وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ .... وفي بعض مشاهدها شد وقصف. سواء مناظرها أو موسيقاها كهذا المشهد العنيف المخيف: كَلَّا. إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا* وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا* وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ* يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى * يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي* فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ* وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ. وفي بعض مشاهدها نداوة ورقة ورضى وطمأنينة. تتناسق فيها المناظر والأنغام، كهذا الختام: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً* فَادْخُلِي فِي

стр. 6187

الأساس فى التفسير، ج ١١، ص: ٦٥١٠ عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي. وفيها إشارات سريعة لمصارع الغابرين المتجبرين، وإيقاعها بين بين. بين إيقاع القصص الرخي وإيقاع المصرع القوي: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ* إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ* الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ* وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ* وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ* الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ* فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ* فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ* إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ. وفيها بيان لتصورات الإنسان غير الإيمانية، وقيمه غير الإيمانية. وهي ذات لون خاص في السورة تعبيرا وإيقاعا: فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ: رَبِّي أَكْرَمَنِ* وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ: رَبِّي أَهانَنِ ... ثم الرد على هذه التصورات ببيان حقيقة حالهم التي تنبع منها هذه التصورات. وهي تشمل لونين من ألوان العبارة والتنغيم: كَلَّا. بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ* وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ* وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا* وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا .. ويلاحظ أن هذا اللون الأخير هو قنطرة بين تقرير حالهم وما ينتظرهم في مآلهم. فقد جاء بعده: كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا .. الخ .. فهو وسط في شدة التنغيم بين التقرير الأول والتهديد الأخير! ومن هذا الاستعراض السريع تبدو الألوان المتعددة في مشاهد السورة. وإيقاعاتها في تعبيرها وفي تنغيمها .. كما يبدو تعدد نظام الفواصل وتغير حروف القوافي. بحسب تنوع المعاني والمشاهد. فالسورة من هذا الجانب نموذج واف لهذا الأفق من التناسق الجمالي في التعبير القرآني. فوق ما فيها عموما من جمال ملحوظ مأنوس!). كلمة في سورة الفجر ومحورها: تعظ السورة في ابتدائها وتنذر، ثم تتحدث عن بعض طبائع الإنسان، منكرة على هذه الطبائع، ثم تذكر الإنسان بيوم القيامة، وتذكر النوعية المرشحة للإكرام في هذا اليوم. والسورة تحذر من بأس الله وعذابه، وتحذر من الفهم الخاطئ لأفعال الله ، وتنكر على عدم إكرام اليتيم، وعلى عدم الحض على طعام المسكين، وتنكر على أكل المال إلا حلالا خالصا، وتنكر على الحب الكثير للمال، وتذكر بوجوب التقديم

стр. 6188

لليوم الآخر، وتتحدث عن النفس المطمئنة، فالسورة ضمن سياقها الخاص. تربي على التقوى، وتحرر مما ينافيها، ومن ههنا تأتي صلتها بمقدمة سورة البقرة التي تتحدث عن المتقين، وعن الكافرين، وعن المنافقين، إذ السورة تفصل في أخلاق كافرة لتدعو- من خلال ذلك- إلى أخلاق المتقين، وكل ذلك ضمن وحدتها الخاصة بها. تتألف السورة من ثلاث فقرات. الفقرة الأولى تنتهي بنهاية الآية (١٤). الفقرة الثانية تنتهي بنهاية الآية (٢٠). الفقرة الثالثة تنتهي بنهاية الآية (٣٠).

стр. 6189

الفقرة الأولى وتبدأ من الآية (١) وتنتهي بنهاية الآية (١٤) وهذه هي: المجموعة الأولى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الفجر (٨٩): الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) المجموعة الثانية [سورة الفجر (٨٩): الآيات ٩ الى ١٤] وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤) تفسير المجموعة الأولى من الفقرة الأولى: وَالْفَجْرِ الفجر هو الصبح، وهل المراد بالقسم وقت الفجر، أو صلاته، أو فجر يوم النحر خاصة من بين الأيام؟ أو المراد به جميع النهار؛ لأنه جزء منه؟ أقوال للعلماء أقواها الأول وَلَيالٍ عَشْرٍ قال ابن كثير: والليالي العشر المراد بها عشر ذي الحجة وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ قال النسفي: شفع كل الأشياء ووترها، أو شفع هذه الليالي ووترها، أو شفع الصلاة ووترها، أو يوم النحر لأنه اليوم العاشر ويوم عرفة لأنه اليوم التاسع، أو الخلق والخالق. وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ أي: يجري أي: يمضي. أقول: في إسناد السرى إلى الليل إشارة إلى دوران الأرض هَلْ فِي ذلِكَ أي:

стр. 6190

المقسم به في الأشياء المذكورة سابقا قَسَمٌ أي: مقسم به لِذِي حِجْرٍ أي: لذي عقل. قال ابن كثير: وإنما سمي العقل حجرا لأنه يمنع الإنسان من تعاطي مالا يليق به من الأفعال والأقوال .. ، وهذا القسم هو بأوقات العبادة، أو بنفس العبادة من حج وصلاة وغير ذلك من أنواع القرب التي يتقرب بها إليه عباده المتقون المطيعون له، الخائفون منه، المتواضعون لديه الخاشعون لوجهه الكريم. وقال النسفي في قوله تعالى: هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (أي: هل تحقق عنده أن تعظيم هذه الأشياء بالإقسام بها، أو هل في إقسامي بها إقسام لذي حجر، أي: هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه، أو هل في القسم بهذه الأشياء قسم مقنع لذي عقل ولب، والمقسم عليه محذوف وهو قوله: ليعذبن، يدل عليه قوله: أَلَمْ تَرَ إلى قوله: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ). كلمة في السياق: ١ - رأينا في هذه الآيات أقساما وتعظيما لهذه الأقسام، ولا نرى جوابا، ورأينا أن النسفي قدر الجواب أخذا من الآيات التالية ففهم أن الجواب (لتعذبن) ورأينا من كلام ابن كثير أنه لا يقدر جوابا، وإنما يعتبر أن مجرد عرض الأقسام، وتعظيم ما يكون فيها، هو المراد، ومن ثم فإن ذكر هذه الأقسام، وتعظيم مضمونها، هو الذي يريد أن يؤديه السياق لنا، والذي أراه أن جواب القسم يفهم من الآيات التالية من قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ والذي يدلنا على ذلك أن الفقرة الثانية تبدأ بقوله تعالى: فَأَمَّا الْإِنْسانُ .. مما يشير إلى أن السياق في الفقرة الأولى كان يصب في التعريف على الله ، وجلاله وعلى هذا يمكن أن نقدر الجواب: إن ربك لمحاسب ومعاقب. ٢ - في ذكر مواسم العبادة، وبعض أوقاتها، وفي جواب القسم المقدر، ذكر لبعض جوانب الغيب الذي يجب الإيمان به، ولذلك صلته بقوله تعالى في مقدمة سورة البقرة. الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وهذا أول مظهر من مظاهر صلة السورة بمقدمة سورة البقرة، فلنر المجموعة الثانية في الفقرة الأولى.

стр. 6191

تفسير المجموعة الثانية من الفقرة الأولى: أَلَمْ تَرَ قال النسفي: أي: ألم تعلم يا محمد علما يوازي العيان في الإيقان؟ وهو استفهام تقرير كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ أي: قوم هود ﵇ ثم فسرها بقوله تعالى: إِرَمَ قال النسفي: تسمية لهم باسم جدهم ذاتِ الْعِمادِ أي: قبيلة إرم ذات العماد فالمعنى أنهم كانوا بدوا أهل عمد، قال ابن كثير تعليلا لوصفهم هذا: لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشعر التي ترفع بالأعمدة الشداد، وقد كانوا أشد الناس في زمانهم خلقة وأقواهم بطشا الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ قال ابن كثير: أي: القبيلة التي لم يخلق مثلها في بلادهم لقوتهم وشدتهم وعظم تركيبهم. أقول: هذا ما ذهب إليه ابن كثير واختاره ابن جرير. وهو قول قتادة في تفسير هذه الآية. وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا أي: قطعوا أو خرقوا أو نحتوا أو حفروا الصَّخْرَ بِالْوادِ قال النسفي: أي: بوادي القرى أي: قطعوا صخر الجبال واتخذوا فيها بيوتا. أقول: وآثارهم لا زالت موجودة معروفة في منطقة العلا الحالية من الجزيرة العربية شمالي المدينة المنورة وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ قال النسفي: أي: ذي الجنود الكثيرة، قال ابن كثير: قال العوفي عن ابن عباس: الأوتاد: الجنود الذين يشدون له أمره، أقول: وذهب مجاهد إلى أنه وصف كذلك؛ لأنه كان يوتد الأناس بالأوتاد تعذيبا لهم. أقول: اللفظ يحتمل الإشارة إلى تمكنه أو الإشارة إلى ظلمه، وعلى الأول يجري كلام ابن عباس، وإلى الثاني ذهب مجاهد. الَّذِينَ أي: عاد وثمود وفرعون طَغَوْا أي: تجاوزوا الحد فِي الْبِلادِ التي كانت تحت سلطان كل منهم فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ أي: بالكفر والقتل والظلم، قال ابن كثير: أي: تمردوا وعتوا وعاثوا في الأرض بالإفساد والأذية للناس فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ قال النسفي: (هذا مجاز إيقاع العذاب بهم على أبلغ الوجوه إذ الصب يشعر بالدوام والسوط بزيادة الإيلام، أي: عذبوا عذابا مؤلما دائما) وقال ابن كثير: أي: أنزل عليهم رجزا من السماء، وأحل بهم عقوبة لا يردها عن القوم المجرمين إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ قال النسفي: (المرصاد هو المكان الذي يترقب فيه الرصد مفعال من رصده، وهذا مثل لإرصاده العباد وأنهم لا يفوتونه، وأنه عالم بما يصدر منهم وحافظه، فيجازيهم عليه إن خيرا فخير، وإن شرا فشر). وقال ابن كثير: (قال ابن عباس يسمع ويرى يعني: يرصد خلقه فيما يعملون، ويجازي كلا بسعيه في الدنيا والأخرى وسيعرض الخلائق

стр. 6192

كلهم عليه فيحكم فيهم بعدله، ويقابل كلا بما يستحقه وهو المنزه عن الظلم والجور). كلمة في السياق: ١ - واضح أن الفقرة بمجموعتيها تريد أن تعرفنا على الله وعلى جلاله من خلال الأقسام، ومن خلال فعله في الأمم المكذبة، والدليل على ذلك ما جاء بعد الأقسام وما جاء في بداية المجموعة الثانية أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ. وفي التعريف على جلال الله من خلال الأقسام وتعظيمها، ومن خلال فعله تعالى بالطاغين دعوة إلى الخوف منه وإلى خشيته، ودعوة إلى تعظيم ما به أقسم بالقيام بحقه، ودعوة إلى ترك الطغيان والفساد، وذلك كله دعوة ضمنية إلى التقوى وصلة ذلك بقوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ... في مقدمة سورة البقرة واضحة، فلا خلاص من الطغيان والفساد إلا بالتقوى التي من أركانها الالتزام بكتاب الله ، والاهتداء بهديه، وذلك لا يكون بلا إيمان وصلاة وإنفاق. ٢ - بعد أن عرفنا الله على جلاله في الفقرة الأولى، وعرفنا على فعله بالطاغين المفسدين، يعرفنا الله على الطبيعة البشرية التي لم تهذبها خشية ولا مغفرة ولا تقوى، وفي ذلك دعوة لتطهير النفس البشرية من هذه المعاني، ودعوة لها للتحقق بما يقابل ذلك فلنر الفقرة الثانية . الفقرة الثانية وتمتد من الآية (١٥) إلى نهاية الآية (٢٠) وهذه هي: [سورة الفجر (٨٩): الآيات ١٥ الى ٢٠] فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)

стр. 6193

التفسير: فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ أي: إذا اختبره رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ أي: فضلني بما أعطاني، يرى الإكرام في كثرة الحظ في الدنيا وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ أي: ضيقه عليه وجعله بمقدار بلغته وكفايته فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ أي: إذا امتحنه بالفقر فقدر عليه رزقه ليصبر قال: ربي أهانن، فيرى الهوان في قلة الحظ من الدنيا لأنه لا تهمه إلا العاجلة، وما يلذه وينعمه فيها. قال ابن كثير: يقول تعالى منكرا على الإنسان في اعتقاده إذا وسع الله تعالى عليه في الرزق ليختبره في ذلك فيعتقد أن ذلك من الله إكرام له، وليس كذلك، بل هو ابتلاء وامتحان .. وكذلك في الجانب الآخر إذا ابتلاه وامتحنه، وضيق عليه في الرزق، يعتقد أن ذلك من الله إهانة له. قال النسفي: فرد عليه زعمه بقوله كَلَّا قال ابن كثير: أي: ليس الأمر كما زعم لا في هذا ولا في هذا، فإن الله تعالى يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ويضيق على من يحب ومن لا يحب. وإنما المدار في ذلك على طاعة الله في كل من الحالتين. إذا كان غنيا بأن يشكر الله على ذلك، وإذا كان فقيرا بأن يصبر، وقال النسفي: أي ليس الإكرام والإهانة في كثرة المال وقلته، بل الإكرام في التوفيق إلى الطاعة، والإهانة في الخذلان. بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ قال النسفي: أي: بل هناك شر من هذا القول، وهو أن الله يكرمهم بالغنى، فلا يؤدون ما يلزمهم فيه من إكرام اليتيم وحض أهله على طعام المسكين. وقال ابن كثير: فيه أمر بالإكرام له وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ قال ابن كثير: يعني: لا يأمرون بالإحسان إلى الفقراء والمساكين، ويحث بعضهم بعضا في ذلك وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا قال النسفي: أي: وتأكلون الميراث أكلا ذا لم وهو الجمع بين الحلال والحرام، وكانوا لا يورثون النساء ولا الصبيان، ويأكلون تراثهم مع تراثهم، وقال ابن كثير: أي: من أي جهة حصل لهم من حلال أو حرام. وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا أي: كثيرا شديدا مع الحرص، ومنع الحقوق.

стр. 6194

كلمة في السياق: ١ - يربط النسفي بين هذه الفقرة والتي قبلها، أي: بين قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ وبين: فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ .. بقوله: أي: الواجب لمن ربه بالمرصاد أن يسعى للعاقبة، ولا تهمه العاجلة، وهو، أي: الإنسان قد عكس. ٢ - بعد أن حدثنا الله في الفقرة الأولى عن ذاته وجلاله، وأفعاله وانتقامه حدثنا في الفقرة الثانية عن الإنسان وفهمه الخاطئ لأفعال الله ، وأنه أي: الإنسان زيادة على فهومه الخاطئة فإن له أعمالا خاطئة كذلك، عدم إكرام اليتيم، وترك الحض على طعام المسكين، وهو مع هذا يأكل ما هب ودب، ويحب المال حبا كثيرا، الإنسان لا يؤدي الواجب، ولا يفهم عن الله والله بالمرصاد، ومما ذكرناه في هذه الفقرة والفقرة السابقة ندرك سياق السورة الخاص. ٣ - عرفتنا الفقرة الأخيرة على الطبيعة البشرية التي لم يهذبها وحي، كيف أنها لا تفهم عن الله ولا تعمل الخير، وتفرط في الواجبات، وفي ذلك تفهيم لنا أن الوحي لا بد منه للإنسان كي يعرف أفعال الله ويدرك حكمها، وكي يعمل الخير ويضبط رغباته على ميزان الشرع وصلة ذلك بقوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ واضحة. ٤ - دعت الفقرة الإنسان إلى اعتبار الفقر والغنى امتحانا يقابل بالشكر والصبر. وللصلاة دورها في الإعانة على الصبر، وهي المظهر الأكمل للشكر وصلة ذلك بقوله تعالى في محور السورة: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ قائمة. ٥ - دعت الفقرة بمفهومها إلى إكرام اليتيم، والحض على طعام المسكين، وصلة ذلك بمحور السورة وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ في مقدمة سورة البقرة واضحة. ٦ - أنكرت الفقرة على من يأكل الميراث بالباطل، وعلى من يحب المال حبا كثيرا يدفعه إلى منع الحقوق، وأكل الحرام، وصلة ذلك بالتقوى واضحة، ومما مر ندرك صلة ما مر معنا في السورة بموضوع التقوى والتربية عليها ملكة وسلوكا، فلا تقوى إلا بمراقبة الله وخشيته، ولا تقوى إلا بإيمان، وعمل صالح وفهم صحيح لأفعال الله ، وكل ذلك له صلة بالآيات الأولى من مقدمة سورة البقرة، وعلينا أن نلاحظ أن موضوع الإيمان بالغيب أخذ كثيرا في الفقرتين الأولى والثانية إذ التعريف على الله عزّ

стр. 6195

وجل، وعلى أفعاله تفصيل لأهم ركن من أركان الإيمان بالغيب، فلنتذكر بداية سورة البقرة لنتذكر صلتها بما مر معنا الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. فلننتقل إلى الفقرة الثالثة . الفقرة الثالثة وتمتد من الآية (٢١) إلى نهاية السورة، أي نهاية الآية (٣٠) وهذه هي: [سورة الفجر (٨٩): الآيات ٢١ الى ٣٠] كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) التفسير: كَلَّا قال النسفي: (ردع لهم عن ذلك. أي: عن ترك إكرام اليتيم، وترك الحض على طعام المسكين، وعن أكلهم التراث بالباطل، وحبهم المال الشديد وإنكار لفعلهم) ثم أتى بالوعيد، وذكر تحسرهم على ما فرطوا فيه حين لا تنفع الحسرة، فقال إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا أي: دكا بعد دك أي: كرر عليها الدك، أي: الزلزال حتى عادت جبالها هباء منبثا، ووطئت الأرض ومهدت وسويت الأرض والجبال، وقام الخلائق من قبورهم لربهم وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا قال ابن

стр. 6196

كثير: فيجئ الرب ﵎ لفصل القضاء كما يشاء والملائكة يجيئون بين يديه صفوفا صفوفا، وقال النسفي: أي: ينزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفا بعد صف محدقين بالجن والإنس وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ روى الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ أي: يتعظ أي: يومئذ يتذكر الإنسان عمله، وما كان أسلفه في قديم دهره وحديثه، فيتعظ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى قال ابن كثير: أي: كيف تنفعه الذكرى، وقال النسفي: أي: ومن أين له منفعة الذكرى يَقُولُ يومئذ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي هذه هي حياة الآخرة، قال النسفي: أي: يا ليتني قدمت الأعمال الصالحة في الحياة الفانية لحياتي الباقية، وقال ابن كثير: يعني: يندم على ما كان سلف منه من المعاصي إن كان عاصيا، ويود لو كان ازداد من الطاعات إن كان طائعا، كما روى الإمام أحمد .. عن محمد بن عمرة .. عن رسول الله ﷺ قال: «لو أن عبدا خر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت في طاعة الله لحقره يوم القيامة، ولود أنه رد إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب» فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ قال ابن كثير: أي: ليس أحد أشد عذابا من تعذيب الله من عصاه وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ قال ابن كثير: أي: وليس أحد أشد قبضا ووثقا من الزبانية لمن كفر بربهم . قال النسفي: قال صاحب الكشاف في الآيتين: أي: لا يعذب أحد أحدا كعذاب الله ولا يوثق أحد أحدا كوثاق الله. قال ابن كثير: وهذا في حق المجرمين من الخلائق والظالمين، فأما النفس الزكية المطمئنة وهي الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق فيقال لها: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ. قال النسفي: أي: الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن وهي النفس المؤمنة أو المطمئنة إلى الحق التي سكنها ثلج اليقين فلا يخالجها شك ... وإنما يقال لها ذلك عند الموت، أو عند البعث، أو عند دخول الجنة ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ قال ابن كثير: أي: إلى جواره وثوابه وما أعد لعباده في جنته راضِيَةً أي: في نفسها أو راضية من الله بما أوتيت مَرْضِيَّةً قال ابن كثير: أي: قد رضيت عن الله ورضي عنها وأرضاها فَادْخُلِي فِي عِبادِي أي: في جملتهم. قال النسفي: أي: في جملة عبادي الصالحين فانتظمي في سلكهم وَادْخُلِي جَنَّتِي أي: مع الصالحين. قال ابن كثير: وهذا يقال لها عند الاحتضار وفي يوم القيامة أيضا، كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره وعند قيامه من قبره فكذلك هاهنا.

стр. 6197

كلمة في السياق: ١ - بعد أن بين الله في الفقرة الأولى أنه بالمرصاد ووصف في الفقرة الثانية الطبيعة البشرية التي لم يهذبها وحي، ودعا في هذا البيان ضمنا إلى خشيته وإلى الصبر والشكر والإنفاق، وأكل الحلال، وأداء الحقوق، بين في الفقرة الثالثة ما يكون يوم القيامة من عذاب للكافرين، وإكرام للمؤمنين، وفي ذلك دعوة للإنسان كي ينأى عن الكفر وأخلاقه، وكي يقبل على الإيمان وأخلاقه. ٢ - وصف العذاب الشديد للكافر بقوله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ* وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ أي: فيوم القيامة لا يعذب أحد كعذاب الله ولا يوثق أحد كوثاق الله وفي ذلك تفصيل لقوله تعالى في مقدمة سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ فالفقرة الأخيرة فصلت- فيما فصلت- العذاب العظيم للكافرين. ٣ - في الفقرة الأخيرة بيان لمن يستحق الرضى من الله ويستحق الدخول في عباد الله الصالحين ويستحق دخول الجنة وهو صاحب النفس المطمئنة أي: التي لا ريب عندها والتي اطمأنت بالإيمان وذلك لا يكون إلا إذا اطمأنت ببرد اليقين في شأن القرآن وشأن الإيمان بالغيب وشأن الإيمان بالوحي كله وشأن الإيمان باليوم الآخر، ولذلك صلته بمحور السورة من مقدمة سورة البقرة فلنتأمل ذلك الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. فالنفس المطمئنة هي النفس التقية. والفقرة الأخيرة بينت كذلك مظهرا من مظاهر الفلاح الذي وعد الله به المتقين. وهكذا نجد أن السورة فصلت في مقدمة سورة البقرة إن في كلامها عن المتقين، أو في كلامها عن الكافرين، وكما فصلت السورة في محورها فقد كان لها سياقها الخاص كما رأينا. ٤ - دعت السورة بمجموعها إلى مراقبة الله وإلى خشيته، وإلى الصبر إذا

стр. 6198

أفقر، وإلى الشكر إذا أغنى، وإلى إكرام اليتيم، وإلى الحض على طعام المسكين، وإلى أكل الحلال، وأداء الحقوق، وإلى الاعتدال في حب المال والدنيا، وإلى الوصول إلى اليقين والاطمئنان، وكل ذلك قضايا في التقوى، كما حذرت من عكس هذه الأخلاق، ومن الطغيان والفساد، وكل ذلك من أخلاق الكفر. الفوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: وَلَيالٍ عَشْرٍ قال ابن كثير: (والليالي العشر المراد بها عشر ذي الحجة كما قاله ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف، وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس مرفوعا: «ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن من هذه الأيام» يعني: عشر ذي الحجة. قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال «ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلا خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء». وقيل المراد بذلك العشر الأول من المحرم حكاه أبو جعفر بن جرير ولم يعزه إلى أحد. وقد روي عن ابن عباس وَلَيالٍ عَشْرٍ قال: هو العشر الأول من رمضان، والصحيح القول الأول روى الإمام أحمد عن جابر عن النبي ﷺ قال: «إن العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر» ورواه النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث زيد ابن الحباب به وهذا إسناد رجاله لا بأس بهم وعندي أن المتن في رفعه نكارة، والله أعلم). ٢ - في قوله تعالى: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ أقوال كثيرة أجملناها في التفسير وهاهنا ننقل مجموع هذه الأقوال كما عرضها ابن كثير: (وقوله تعالى: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ قد تقدم في هذا الحديث أن الوتر يوم عرفة لكونه التاسع، وأن الشفع يوم النحر لكونه العاشر، وقاله ابن عباس وعكرمة والضحاك أيضا. (قول ثان) وروى ابن أبي حاتم عن واصل بن السائب قال: سألت عطاء عن قوله تعالى: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ قلت: صلاتنا وترنا هذا؟ قال: لا ولكن الشفع يوم عرفة، والوتر ليلة الأضحى. (قول ثالث) روى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد بن عوف أنه سمع عبد الله بن الزبير يخطب الناس فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن الشفع والوتر فقال: الشفع قول الله تعالى: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ والوتر قوله تعالى: وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ. وقال ابن جريج: أخبرني محمد بن المرتفع أنه سمع ابن الزبير يقول: الشفع أوسط أيام التشريق، والوتر آخر أيام التشريق. وفي الصحيحين من رواية أبي هريرة عن

стр. 6199

رسول الله ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر». (قول رابع) قال الحسن البصري وزيد بن أسلم: الخلق كلهم شفع ووتر، أقسم تعالى بخلقه. وهو رواية عن مجاهد والمشهور عنه الأول، وقال العوفي عن ابن عباس وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ قال: وتر واحد، وأنتم شفع، ويقال: الشفع صلاة الغداة والوتر صلاة المغرب. (قول خامس) روى ابن أبي حاتم عن مجاهد وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ قال: الشفع الزوج، والوتر الله ، وقال أبو عبد الله عن مجاهد: الله الوتر وخلقه الشفع، الذكر والأنثى، وقال ابن نجيح عن مجاهد قوله: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ كل شئ خلقه الله شفع، السماء والأرض، والبر والبحر، والجن والإنس، والشمس والقمر، ونحو هذا، ونحا مجاهد في هذا ما ذكروه في قوله تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي: لتعلموا أن خالق الأزواج واحد. (قول سادس) قال قتادة عن الحسن: والشفع والوتر هو العدد منه شفع ومنه وتر. (قول سابع في الآية الكريمة) رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق ابن جريج، ثم قال ابن جرير: وروي عن النبي ﷺ خبر يؤيد القول الذي ذكرنا عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: «الشفع اليومان، والوتر اليوم الثالث»، وهكذا ورد هذا الخبر بهذا اللفظ، وهو مخالف لما تقدم من اللفظ في رواية أحمد والنسائي وابن أبي حاتم وما رواه هو أيضا، والله أعلم. قال أبو العالية والربيع بن أنس وغيرهما: هي الصلاة منها شفع كالرباعية والثنائية، ومنها وتر كالمغرب فإنها ثلاث، وهي وتر النهار، وكذلك صلاة الوتر في آخر التهجد من الليل. وقد روى عبد الرزاق عن عمران بن حصين وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ قال: هي الصلاة المكتوبة منها شفع ومنها وتر، وهذا منقطع وموقوف، ولفظه خاص بالمكتوبة، وقد روي متصلا مرفوعا إلى النبي ﷺ ولفظه عام. روى الإمام أحمد عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ سئل عن الشفع والوتر فقال: «هي الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر»). ٣ - عند قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ* إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ* الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ قال ابن كثير: (فعلى كل قول سواء كانت العماد أبنية بنوها أو أعمدة بيوتهم للبدو أو سلاحا يقاتلون به أو طول الواحد منهم فهم قبيلة وأمة من الأمم وهم المذكورون في القرآن في غير ما موضع، المقرونون بثمود كما هاهنا، والله أعلم. ومن زعم أن المراد بقوله: إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ مدينة إما دمشق- كما روي عن

стр. 6200

سعيد بن المسيب وعكرمة- أو إسكندرية- كما روي عن الطبراني- أو غيرهما، ففيه نظر فإنه كيف يلتئم الكلام على هذا أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ* إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ إن جعل ذلك بدلا أو عطف بيان؟ فإنه لا يتسق الكلام حينئذ، ثم المراد إنما هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد وما أحل الله بهم من بأسه الذي لا يرد، لأن المراد: الإخبار عن مدينة أو إقليم. وإنما نبهت على ذلك لئلا يغتر بكثير مما ذكره جماعة من المفسرين عند هذه الآية عن ذكر مدينة يقال لها إرم ذات العماد مبنية بلبن الذهب والفضة قصورها ودورها وبساتينها وإن حصباءها لآلئ وجواهر، وترابها بنادق المسك، وأنهارها سارحة، وثمارها ساقطة، ودورها لا أنيس بها، وسورها وأبوابها تصفر ليس بها داع ولا مجيب، وإنها تنتقل فتارة تكون بأرض الشام، وتارة باليمن، وتارة بالعراق، وتارة بغير ذلك من البلاد فإن هذا كله من خرافات الإسرائيليين من وضع بعض زنادقتهم ليختبروا بذلك القول الجهلة من الناس أن تصدقهم في جميع ذلك). ٤ - بمناسبة قوله تعالى: كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ قال ابن كثير: (جاء في الحديث الذي رواه عبد الله بن المبارك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه ثم قال بأصبعه- أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا» وروى أبو داود عن سهل- يعني ابن سعيد- أن رسول الله ﷺ قال: «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة» وقرن بين أصابعه الوسطى والتي تلي الإبهام). ٥ - بمناسبة قوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا. قال ابن كثير: (يعني: لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعد ما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد صلوات الله وسلامه عليه بعد ما يسألون أولي العزم من الرسل واحدا بعد واحد فكلهم يقول: لست بصاحب ذاكم حتى تنتهي النوبة إلى محمد ﷺ فيقول: «أنا لها أنا لها» فيذهب فيشفع عند الله تعالى في أن يأتي لفصل القضاء فيشفعه الله تعالى في ذلك وهي أول الشفاعات وهي المقام المحمود كما تقدم بيانه في سورة سبحان فيجئ الرب ﵎ لفصل القضاء كما يشاء والملائكة يجيئون بين يديه صفوفا صفوفا). ٦ - عند قوله تعالى: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً* فَادْخُلِي فِي عِبادِي* وَادْخُلِي جَنَّتِي قال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً
следующие страницы →