← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

كثير: فيجئ الرب ﵎ لفصل القضاء كما يشاء والملائكة يجيئون بين يديه صفوفا صفوفا، وقال النسفي: أي: ينزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفا بعد صف محدقين بالجن والإنس وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ روى الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ أي: يتعظ أي: يومئذ يتذكر الإنسان عمله، وما كان أسلفه في قديم دهره وحديثه، فيتعظ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى قال ابن كثير: أي: كيف تنفعه الذكرى، وقال النسفي: أي: ومن أين له منفعة الذكرى يَقُولُ يومئذ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي هذه هي حياة الآخرة، قال النسفي: أي: يا ليتني قدمت الأعمال الصالحة في الحياة الفانية لحياتي الباقية، وقال ابن كثير: يعني: يندم على ما كان سلف منه من المعاصي إن كان عاصيا، ويود لو كان ازداد من الطاعات إن كان طائعا، كما روى الإمام أحمد .. عن محمد بن عمرة .. عن رسول الله ﷺ قال: «لو أن عبدا خر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت في طاعة الله لحقره يوم القيامة، ولود أنه رد إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب» فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ قال ابن كثير: أي: ليس أحد أشد عذابا من تعذيب الله من عصاه وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ قال ابن كثير: أي: وليس أحد أشد قبضا ووثقا من الزبانية لمن كفر بربهم . قال النسفي: قال صاحب الكشاف في الآيتين: أي: لا يعذب أحد أحدا كعذاب الله ولا يوثق أحد أحدا كوثاق الله. قال ابن كثير: وهذا في حق المجرمين من الخلائق والظالمين، فأما النفس الزكية المطمئنة وهي الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق فيقال لها: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ. قال النسفي: أي: الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن وهي النفس المؤمنة أو المطمئنة إلى الحق التي سكنها ثلج اليقين فلا يخالجها شك ... وإنما يقال لها ذلك عند الموت، أو عند البعث، أو عند دخول الجنة ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ قال ابن كثير: أي: إلى جواره وثوابه وما أعد لعباده في جنته راضِيَةً أي: في نفسها أو راضية من الله بما أوتيت مَرْضِيَّةً قال ابن كثير: أي: قد رضيت عن الله ورضي عنها وأرضاها فَادْخُلِي فِي عِبادِي أي: في جملتهم. قال النسفي: أي: في جملة عبادي الصالحين فانتظمي في سلكهم وَادْخُلِي جَنَّتِي أي: مع الصالحين. قال ابن كثير: وهذا يقال لها عند الاحتضار وفي يوم القيامة أيضا، كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره وعند قيامه من قبره فكذلك هاهنا.

стр. 6197

كلمة في السياق: ١ - بعد أن بين الله في الفقرة الأولى أنه بالمرصاد ووصف في الفقرة الثانية الطبيعة البشرية التي لم يهذبها وحي، ودعا في هذا البيان ضمنا إلى خشيته وإلى الصبر والشكر والإنفاق، وأكل الحلال، وأداء الحقوق، بين في الفقرة الثالثة ما يكون يوم القيامة من عذاب للكافرين، وإكرام للمؤمنين، وفي ذلك دعوة للإنسان كي ينأى عن الكفر وأخلاقه، وكي يقبل على الإيمان وأخلاقه. ٢ - وصف العذاب الشديد للكافر بقوله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ* وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ أي: فيوم القيامة لا يعذب أحد كعذاب الله ولا يوثق أحد كوثاق الله وفي ذلك تفصيل لقوله تعالى في مقدمة سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ فالفقرة الأخيرة فصلت- فيما فصلت- العذاب العظيم للكافرين. ٣ - في الفقرة الأخيرة بيان لمن يستحق الرضى من الله ويستحق الدخول في عباد الله الصالحين ويستحق دخول الجنة وهو صاحب النفس المطمئنة أي: التي لا ريب عندها والتي اطمأنت بالإيمان وذلك لا يكون إلا إذا اطمأنت ببرد اليقين في شأن القرآن وشأن الإيمان بالغيب وشأن الإيمان بالوحي كله وشأن الإيمان باليوم الآخر، ولذلك صلته بمحور السورة من مقدمة سورة البقرة فلنتأمل ذلك الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. فالنفس المطمئنة هي النفس التقية. والفقرة الأخيرة بينت كذلك مظهرا من مظاهر الفلاح الذي وعد الله به المتقين. وهكذا نجد أن السورة فصلت في مقدمة سورة البقرة إن في كلامها عن المتقين، أو في كلامها عن الكافرين، وكما فصلت السورة في محورها فقد كان لها سياقها الخاص كما رأينا. ٤ - دعت السورة بمجموعها إلى مراقبة الله وإلى خشيته، وإلى الصبر إذا

стр. 6198

أفقر، وإلى الشكر إذا أغنى، وإلى إكرام اليتيم، وإلى الحض على طعام المسكين، وإلى أكل الحلال، وأداء الحقوق، وإلى الاعتدال في حب المال والدنيا، وإلى الوصول إلى اليقين والاطمئنان، وكل ذلك قضايا في التقوى، كما حذرت من عكس هذه الأخلاق، ومن الطغيان والفساد، وكل ذلك من أخلاق الكفر. الفوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: وَلَيالٍ عَشْرٍ قال ابن كثير: (والليالي العشر المراد بها عشر ذي الحجة كما قاله ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف، وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس مرفوعا: «ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن من هذه الأيام» يعني: عشر ذي الحجة. قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال «ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلا خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء». وقيل المراد بذلك العشر الأول من المحرم حكاه أبو جعفر بن جرير ولم يعزه إلى أحد. وقد روي عن ابن عباس وَلَيالٍ عَشْرٍ قال: هو العشر الأول من رمضان، والصحيح القول الأول روى الإمام أحمد عن جابر عن النبي ﷺ قال: «إن العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر» ورواه النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث زيد ابن الحباب به وهذا إسناد رجاله لا بأس بهم وعندي أن المتن في رفعه نكارة، والله أعلم). ٢ - في قوله تعالى: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ أقوال كثيرة أجملناها في التفسير وهاهنا ننقل مجموع هذه الأقوال كما عرضها ابن كثير: (وقوله تعالى: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ قد تقدم في هذا الحديث أن الوتر يوم عرفة لكونه التاسع، وأن الشفع يوم النحر لكونه العاشر، وقاله ابن عباس وعكرمة والضحاك أيضا. (قول ثان) وروى ابن أبي حاتم عن واصل بن السائب قال: سألت عطاء عن قوله تعالى: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ قلت: صلاتنا وترنا هذا؟ قال: لا ولكن الشفع يوم عرفة، والوتر ليلة الأضحى. (قول ثالث) روى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد بن عوف أنه سمع عبد الله بن الزبير يخطب الناس فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن الشفع والوتر فقال: الشفع قول الله تعالى: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ والوتر قوله تعالى: وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ. وقال ابن جريج: أخبرني محمد بن المرتفع أنه سمع ابن الزبير يقول: الشفع أوسط أيام التشريق، والوتر آخر أيام التشريق. وفي الصحيحين من رواية أبي هريرة عن

стр. 6199

رسول الله ﷺ : «إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر». (قول رابع) قال الحسن البصري وزيد بن أسلم: الخلق كلهم شفع ووتر، أقسم تعالى بخلقه. وهو رواية عن مجاهد والمشهور عنه الأول، وقال العوفي عن ابن عباس وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ قال: وتر واحد، وأنتم شفع، ويقال: الشفع صلاة الغداة والوتر صلاة المغرب. (قول خامس) روى ابن أبي حاتم عن مجاهد وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ قال: الشفع الزوج، والوتر الله ، وقال أبو عبد الله عن مجاهد: الله الوتر وخلقه الشفع، الذكر والأنثى، وقال ابن نجيح عن مجاهد قوله: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ كل شئ خلقه الله شفع، السماء والأرض، والبر والبحر، والجن والإنس، والشمس والقمر، ونحو هذا، ونحا مجاهد في هذا ما ذكروه في قوله تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ أي: لتعلموا أن خالق الأزواج واحد. (قول سادس) قال قتادة عن الحسن: والشفع والوتر هو العدد منه شفع ومنه وتر. (قول سابع في الآية الكريمة) رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق ابن جريج، ثم قال ابن جرير: وروي عن النبي ﷺ خبر يؤيد القول الذي ذكرنا عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: «الشفع اليومان، والوتر اليوم الثالث»، وهكذا ورد هذا الخبر بهذا اللفظ، وهو مخالف لما تقدم من اللفظ في رواية أحمد والنسائي وابن أبي حاتم وما رواه هو أيضا، والله أعلم. قال أبو العالية والربيع بن أنس وغيرهما: هي الصلاة منها شفع كالرباعية والثنائية، ومنها وتر كالمغرب فإنها ثلاث، وهي وتر النهار، وكذلك صلاة الوتر في آخر التهجد من الليل. وقد روى عبد الرزاق عن عمران بن حصين وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ قال: هي الصلاة المكتوبة منها شفع ومنها وتر، وهذا منقطع وموقوف، ولفظه خاص بالمكتوبة، وقد روي متصلا مرفوعا إلى النبي ﷺ ولفظه عام. روى الإمام أحمد عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ سئل عن الشفع والوتر فقال: «هي الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر»). ٣ - عند قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ* إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ* الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ قال ابن كثير: (فعلى كل قول سواء كانت العماد أبنية بنوها أو أعمدة بيوتهم للبدو أو سلاحا يقاتلون به أو طول الواحد منهم فهم قبيلة وأمة من الأمم وهم المذكورون في القرآن في غير ما موضع، المقرونون بثمود كما هاهنا، والله أعلم. ومن زعم أن المراد بقوله: إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ مدينة إما دمشق- كما روي عن

стр. 6200

سعيد بن المسيب وعكرمة- أو إسكندرية- كما روي عن الطبراني- أو غيرهما، ففيه نظر فإنه كيف يلتئم الكلام على هذا أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ* إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ إن جعل ذلك بدلا أو عطف بيان؟ فإنه لا يتسق الكلام حينئذ، ثم المراد إنما هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد وما أحل الله بهم من بأسه الذي لا يرد، لأن المراد: الإخبار عن مدينة أو إقليم. وإنما نبهت على ذلك لئلا يغتر بكثير مما ذكره جماعة من المفسرين عند هذه الآية عن ذكر مدينة يقال لها إرم ذات العماد مبنية بلبن الذهب والفضة قصورها ودورها وبساتينها وإن حصباءها لآلئ وجواهر، وترابها بنادق المسك، وأنهارها سارحة، وثمارها ساقطة، ودورها لا أنيس بها، وسورها وأبوابها تصفر ليس بها داع ولا مجيب، وإنها تنتقل فتارة تكون بأرض الشام، وتارة باليمن، وتارة بالعراق، وتارة بغير ذلك من البلاد فإن هذا كله من خرافات الإسرائيليين من وضع بعض زنادقتهم ليختبروا بذلك القول الجهلة من الناس أن تصدقهم في جميع ذلك). ٤ - بمناسبة قوله تعالى: كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ قال ابن كثير: (جاء في الحديث الذي رواه عبد الله بن المبارك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه ثم قال بأصبعه- أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا» وروى أبو داود عن سهل- يعني ابن سعيد- أن رسول الله ﷺ قال: «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة» وقرن بين أصابعه الوسطى والتي تلي الإبهام). ٥ - بمناسبة قوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا. قال ابن كثير: (يعني: لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعد ما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد صلوات الله وسلامه عليه بعد ما يسألون أولي العزم من الرسل واحدا بعد واحد فكلهم يقول: لست بصاحب ذاكم حتى تنتهي النوبة إلى محمد ﷺ فيقول: «أنا لها أنا لها» فيذهب فيشفع عند الله تعالى في أن يأتي لفصل القضاء فيشفعه الله تعالى في ذلك وهي أول الشفاعات وهي المقام المحمود كما تقدم بيانه في سورة سبحان فيجئ الرب ﵎ لفصل القضاء كما يشاء والملائكة يجيئون بين يديه صفوفا صفوفا). ٦ - عند قوله تعالى: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً* فَادْخُلِي فِي عِبادِي* وَادْخُلِي جَنَّتِي قال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً

стр. 6201

قال: نزلت وأبو بكر جالس فقال: يا رسول الله ما أحسن هذا فقال: «أما إنه سيقال لك هذا». ثم روى عن سعيد بن جبير قال: قرأت عند النبي ﷺ : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فقال أبو بكر ﵁: إن هذا لحسن، فقال له النبي ﷺ : «أما إن الملك سيقول لك هذا عند الموت» وكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن ابن يمان به، وهذا مرسل حسن. ثم روى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير- أيضا- قال: مات ابن عباس بالطائف فجاء طير لم ير على خلقته، فدخل نعشه ثم لم ير خارجا منه فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر لا يدرى من تلاها يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً* فَادْخُلِي فِي عِبادِي* وَادْخُلِي جَنَّتِي ورواه الطبراني .. وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة رواحة بنت أبي عمرو الأوزاعي عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال لرجل: «قل اللهم إني أسألك نفسا بك مطمئنة تؤمن بلقائك وترضى بقضائك وتقنع بعطائك»).

стр. 6202

سورة البلد وهي السورة التسعون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثانية من المجموعة الثانية عشرة من قسم المفصل، وهي عشرون آية وهي مكية

стр. 6203

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 6204

قال الألوسي عن سورة البلد: (وهي عشرون آية بلا خلاف. ولما ذم سبحانه فيما قبلها من أحب المال وأكل التراث أكلا لما، ولم يحض على طعام المسكين، ذكر جل وعلا فيها الخصال التي تطلب من صاحب المال من فك الرقبة، وإطعام في يوم ذي مسغبة، وكذا لما ذكر النفس المطمئنة هناك، ذكر سبحانه هاهنا بعض ما يحصل به الاطمئنان). وقال صاحب الظلال: (تضم هذه الصورة الصغيرة جناحيها على حشد من الحقائق الأساسية في حياة الكائن الإنساني ذات الإيحاءات الدافعة واللمسات الموحية. حشد يصعب أن يجتمع في هذا الحيز الصغير في غير القرآن الكريم، وأسلوبه الفريد في التوقيع على أوتار القلب البشري بمثل هذه اللمسات السريعة العميقة). كلمة في سورة البلد ومحورها: تبدأ سورة البلد بقسم وهذا يحدد أنها تفصل في مقدمة سورة البقرة، ومن ثم نجدها تتحدث عن دعوى الإنفاق، وتعالجها، وتدعو إلى الإيمان والتواصي بالصبر والتواصي بالمرحمة، كما تتحدث عن الكافرين، وهي معان لها صلة بمقدمة سورة البقرة. والملاحظ أن بين سورتي. الفجر والبلد تكاملا فسورة الفجر تقول: كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ* وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ وسورة البلد تقول: يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً ... وتقول: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ* وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ* فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ* يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ* أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ ... فسورة الفجر تنكر على من لا يفعل، وسورة البلد تدعو إلى العمل. وكما ختمت سورة الفجر بالكلام عن الكافرين والمؤمنين يوم القيامة، فكذلك ختمت سورة البلد: أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ. فالسورتان تتكاملان مع بعضهما، وسنرى أنهما تتكاملان مع مجموعتهما، ولنبدأ عرض السورة، وسنعرضها عرضا واحدا متحدثين خلال العرض عن السياق العام والخاص للسورة.

стр. 6205

سورة البلد وتتألف من عشرين آية وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة البلد (٩٠): الآيات ١ الى ٢٠] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠) التفسير: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ أي: أقسم بمكة وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ أي: أقسم بمكة وأنت حل بها غير محرم، وإنما الحل بها هو المقيم، فكأن المعنى: أقسم بمكة وأنت مقيم بها وَوالِدٍ وَما وَلَدَ أي: وآدم وولده لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ قال سعيد بن جبير: أي: في شدة وطلب معيشة، وقال الحسن البصري: أي: يكابد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة. وقال ذو النون المصري: أي: لم يزل مربوطا بحبل القضاء مدعوا إلى الائتمار والانتهاء. أقول: هذا جواب القسم، أقسم الله عزّ وجل

стр. 6206

بمكة، أم القرى في حال كون ساكنها رسول الله ﷺ حلالا فيها؛ لينبه على قيمتها العظمى حال وجود الرسول فيها، وأقسم بآدم- أبي البشر- وولده على أنه خلق الإنسان في مكابدة، وفي ذلك تذكير للإنسان أنه لم يخلق عبثا، ولم يخلق للراحة بل خلق في التعب والمكابدة ليعلم أن له مهمة، وأنه مكلف. كلمة في السياق: ١ - في الأقسام التي مرت معنا وجوابها تذكير بمجموعة أمور، بعظمة هذا البيت، وبعظمة رسول الله ﷺ الذي يزداد بوجوده هذا البيت عظمة، وبعظمة آدم ﵇، وكرامة ذريته، وتذكير بحال الإنسان في عيشه المكابد؛ ليستدل به على أصل مهمته في الحياة، ولذلك صلته بموضوع الإيمان بالغيب، وموضوع لزوم التقوى، وضرورة الاهتداء بكتاب الله، والعمل فيه أي: بالآيات الأولى من سورة البقرة. ٢ - بعد القسم على أن الإنسان خلق في كبد يأتي قوله تعالى: أَيَحْسَبُ أي: الإنسان أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ أي: أيظن الإنسان مع أنه خلق في مكابدة مما يدل على أنه محاط به، أنه لن يستطيع أحد أن يقهره، وأن يغلبه، وأن يفعل به ما يشاء، ومن ثم فلا يقوم بتكليف، ولا يحسب حسابا ليوم آخر مع أن حاله وغرقه في التعب طوال حياته، كان ينبغي أن يدله على أنه مقدور عليه محاط به من الله . كلمة في السياق: ١ - عرفنا من الآية الأخيرة: أن من تصورات الإنسان الفاسدة شعوره وحسبانه أن أحدا ما لا يستطيع عليه، ومن هاهنا ندرك سببا من أسباب الفرار من التكليف، الفرار الذي تنقضه شواهد حال الإنسان في المكابدة. ٢ - وبعد أن بين الله لنا هذا التصور الفاسد عند الإنسان يبين لنا أن الإنسان يجمع مع هذا الحسبان الدعاوى الباطلة. يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً قال ابن كثير: أي: يقول ابن آدم: أنفقت مالا لبدا أي كثيرا: وقال النسفي: جمع لبدة وهو ما لبد أي: كثر واجتمع. قال تعالى رادا على

стр. 6207

هذا الإنسان دعواه ومبينا أن دعواه عليها رقيب بصير فقال: أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قال مجاهد: أيحسب أن لم يره الله . أقول: أي: أيحسب هذا المدعي أن الله غير موجود حتى يدعي هذه الدعاوى الكاذبة. كلمة في السياق: ١ - وهكذا عرفنا أن الإنسان له تصورات فاسدة، ودعاوى كبيرة، وأن دعاواه الكبيرة أثر عن جهله بأن الله قريب. وأن تصوراته الفاسدة أثر عن عدم ملاحظة حاله، ولو أن الإنسان تذكر حاله وتذكر رقابة الله عليه لا نتفت عنده هذه التصورات وهذه الدعاوى. وهكذا عرفنا أن دواء هذه التصورات، وهذه الدعاوى هو ما ذكرته الآيات من تذكر الإنسان حاله في المكابدة، ومن تذكر الإنسان رقابة الله عليه. ٢ - ثم تأتي فقرة تذكر الإنسان بما يعرف به أن الله قادر عليه، وأن الله يراه، وتذكر الإنسان بما يعرف به أنه مكلف. أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ أي: للإنسان عَيْنَيْنِ أي: يبصر بهما المرئيات وَلِساناً أي: ينطق به فيعبر به عما في ضميره وَشَفَتَيْنِ قال ابن كثير: يستعين بهما على الكلام وأكل الطعام، وجمالا لوجهه وفمه، وقال النسفي: يستر بهما ثغره، ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ أي: طريقي الخير والشر المفضيين إلى الجنة والنار. كلمة في السياق: جاءت الفقرة السابقة كدليل على ما قبلها، وكمقدمة لما بعدها فهي دليل على أن الله يرى، ودليل على أنه قادر على الإنسان، وهي مقدمة لمطالبة الإنسان بعمل الخير الذي تطالب به الفقرة اللاحقة، فالفقرة اللاحقة تطالب الإنسان بعتق الرقاب والإطعام والإيمان والتواصي بناء على ما جاء في هذه الفقرة، فالفقرة ذكرت عطاء الله العظيم للإنسان، وهذا يقتضي من الإنسان أن يقابل ذلك بشكر. فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ الاقتحام هو الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة، جعل الأعمال الصالحة عقبة وعملها اقتحاما لها لما في ذلك من معاناة في مجاهدة النفس وَما

стр. 6208

أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ هذا تعظيم لشأن العقبة التي ينبغي أن تقتحم، ثم فسرها بثلاثة أشياء: ١ - فَكُّ رَقَبَةٍ أي: إعتاق رقبة أو المساعدة على إعتاقها. ٢ - أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ أي: ذي مجاعة يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ أي: ذا قرابة أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ أي: ذا افتقار فهو من فقره لصق في التراب، وأصبح التراب مأواه. ٣ - ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أي: كان من المؤمنين العاملين. والمتواصين بالصبر على أذى الناس، وبالرحمة بهم، أو تواصوا بالصبر عن المعاصي وعلى الطاعات، والمحن التي يبتلى بها المؤمن وتواصوا بالتراحم فيما بينهم أُولئِكَ أي: الموصوفون بهذه الصفات أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ أي: أصحاب اليمين. كلمة في السياق: بعد أن ذكر الله الإنسان بأمهات من نعمه عليه. طالبه أن يشكر هذه الأيادي بالأعمال الصالحة من فك الرقاب، وإطعام اليتامى والمساكين ثم بالإيمان الذي هو أصل كل طاعة، وأساس كل خير، وبالصبر الذي بدونه لا يكون إيمان، وبالرحمة التي هي من أعظم ثمرات الإيمان، وبالتواصي الذي به يستمر السير، وإذ بين الله هذا وعرفنا أن المتصفين بهذه الصفات هم أصحاب اليمين يعرفنا الآن على أصحاب الشمال. وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا أي: بالقرآن أو بدلائلنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ أي: أصحاب الشمال عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ أي: مطبقة، أي: مغلقة الأبواب، قال ابن كثير: أي: مطبقة عليهم فلا محيد لهم عنها ولا خروج لهم منها. كلمة في السياق: ١ - عرفنا من السورة أن هناك أصحاب يمين وأصحاب شمال، وأن أصحاب

стр. 6209

الشمال هم الكافرون بآيات الله، وأن أصحاب اليمين هم المؤمنون المتواصون بالصبر والمرحمة، المعتقون للرقاب. المطعمون لليتامى والمساكين، شكرا لله على ما أعطاهم من نعم، وصلة ذلك بمقدمة سورة البقرة واضحة، فمقدمة سورة البقرة تحدثت عن المتقين والكافرين، والسورة فصلت في ذلك. ٢ - عرفتنا السورة أن الإنسان الذي لم يهذبه وحي يتصور أنه لا تكليف ولا أحد يقدر عليه. وأنه يدعي الإنفاق ولا ينفق، وأنه يكفر بآيات الله، وأنه لا يساعد في فك الرقاب، ولا يطعم ولا يؤمن، ولا يوصي بصبر ولا رحمة، مع أن نشأته وحاله ونعم الله عليه؛ كل ذلك يدعوه إلى غير ذلك. ٣ - عرفتنا السورة أن الطريق إلى أن يعرف الإنسان قدرة الله عليه هو أن يرى كيف أنه خلق في مكابدة، وأن الطريق إلى ترك الدعوى، أن يعرف رؤية الله له. وأن الطريق إلى فعل الخيرات والإيمان، والتواصي بالصبر والرحمة هو تذكر الإنسان لما أعطاه الله له من العينين واللسان والشفتين، وهدايته إياه إلى طريق الخير والشر. وهكذا أرتنا السورة أن الإنسان مكلف، وأرتنا جوانب من التكليف، وأرتنا طبيعة الإنسان الذي يرفض التكليف، وقد رأينا صلة السورة بعضها ببعض، فلنر ما فصلته السورة من مقدمة سورة البقرة تفصيلا: - الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. رأينا في السورة عقوبة الذي يكفر بآيات الله ، ورأينا في السورة ضرورة شعور الإنسان بأنه مكلف وأنه مقدور عليه. - الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ. رأينا في السورة أن من صفات أصحاب اليمين الإيمان، والتواصي بالصبر والمرحمة اللذين هما أثران من آثار الإيمان. - وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. رأينا في السورة حضها على أنواع من الإنفاق فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ .. فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. - وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ.

стр. 6210

رأينا في السورة جزاء الكافرين بآيات الله . - أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. رأينا في السورة مظهرا من مظاهر فلاح المتقين فهم أصحاب اليمين. - إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. رأينا في السورة مظهرا من مظاهر العذاب العظيم للكافرين عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ. وهكذا نجد أن السورة هذبت الإنسان على معان، وأبعدته عن معان، وكان في ذلك نوع تفصيل لمقدمة سورة البقرة، هذا مع أن للسورة سياقها الخاص، وصلتها بما قبلها، كما رأينا، وبما بعدها كما سنرى. فلننقل الآن بعض الفوائد . الفوائد: ١ - فهم بعضهم من قوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ* وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ أن في ذلك وعدا لرسول الله ﷺ بأنه سيفتح مكة، وتكون له حلالا، قال النسفي: (وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ أي: وأنت حل به في المستقبل تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر، ذلك أن الله تعالى فتح عليه مكة، وأحلها له وما فتحت على أحد قبله، ولا أحلت له، فأحل ما شاء وحرم ما شاء، قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، ومقيس بن صبابة وغيرهما وحرم دار أبي سفيان، ونظير قوله: وأنت حل في الاستقبال، قوله: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وكفاك دليلا على أنه للاستقبال أن السورة مكية بالاتفاق وأين الهجرة من وقت نزولها فما بال الفتح). أقول: على هذا القول؛ فإن في الآية بشارة وإخبارا بغيب، والله أعلم. ٢ - بمناسبة قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ قال صاحب الظلال: (في مكابدة ومشقة، وجهد وكد، وكفاح وكدح .. كما قال في السورة الأخرى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ .. الخلية الأولى لا تستقر في الرحم حتى تبدأ في الكبد والكدح والنصب لتوفر لنفسها

стр. 6211

الظروف الملائمة للحياة والغذاء- بإذن ربها- وما تزال كذلك حتى تنتهي إلى المخرج، فتذوق من المخاض- إلى جانب ما تذوقه الوالدة- ما تذوق. وما يكاد الجنين يرى النور حتى يكون قد ضغط ودفع حتى كاد يختنق في مخرجه من الرحم!. ومنذ هذه اللحظة يبدأ الجهد الأشق والكبد الأمر. يبدأ الجنين ليتنفس هذا الهواء الذي لا عهد له به، ويفتح فمه ورئتيه لأول مرة ليشهق ويزفر في صراخ يشي بمشقة البداية! وتبدأ دورته الهضمية ودورته الدموية في العمل على غير عادة! ويعاني في إخراج الفضلات حتى يروض أمعاءه على هذا العمل الجديد! وكل خطوة بعد ذلك كبد، وكل حركة بعد ذلك كبد. والذي يلاحظ الوليد عند ما يهم بالحبو وعند ما يهم بالمشي يدرك كم يبذل من الجهد العنيف للقيام بهذه الحركة الساذجة. وعند بروز الأسنان كبد. وعند انتصاب القامة كبد. وعند الخطو الثابت كبد. وعند التعلم كبد. وعند التفكر كبد. وفي كل تجربة جديدة كبد كتجربة الحبو والمشي سواء!. ثم تفترق الطرق، وتتنوع المشاق، هذا يكدح بعضلاته. وهذا يكدح بفكره. وهذا يكدح بروحه. وهذا يكدح للقمة العيش وخرقة الكساء. وهذا يكدح ليجعل الألف ألفين وعشرة آلاف ... وهذا يكدح لملك أو جاه، وهذا يكدح في سبيل الله. وهذا يكدح لشهوة ونزوة. وهذا يكدح لعقيدة ودعوة. وهذا يكدح إلى النار. وهذا يكدح إلى الجنة .. والكل يحمل حمله ويصعد الطريق كادحا إلى ربه فيلقاه! وهناك يكون الكبد الأكبر للأشقياء. وتكون الراحة الكبرى للسعداء). ٣ - بمناسبة قوله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ* وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ* وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ قال ابن كثير: (وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي الربيع الدمشقي عن مكحول قال: قال النبي ﷺ : «يقول الله تعالى: يا ابن آدم قد أنعمت عليك نعما عظاما لا تحصي عددها، ولا تطيق شكرها، وإن مما أنعمت عليك أن جعلت لك عينين تنظر بهما، وجعلت لهما غطاء فانظر بعينيك إلى ما أحللت لك، وإن رأيت ما حرمت عليك فأطبق عينيك غطاءهما، وجعلت لك لسانا، وجعلت له غلافا فانطق بما أمرتك وأحللت لك فإن عرض عليك ما حرمت عليك فأغلق عليك لسانك. وجعلت لك فرجا وجعلت لك سترا فأصب بفرجك ما أحللت لك فإن عرض عليك

стр. 6212

ما حرمت عليك فأرخ عليك سترك، ابن آدم إنك لا تحمل سخطي ولا تطيق انتقامي»). ٤ - بمناسبة قوله تعالى: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ. قال ابن كثير: (وروى ابن جرير عن أبي رجاء قال: سمعت الحسن يقول: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ قال: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: «يا أيها الناس إنهما النجدان: نجد الخير، ونجد الشر، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير» وكذا رواه حبيب بن الشهيد، وأبو معمر، ويونس بن عبيد، وأبو وهب عن الحسن مرسلا وهكذا أرسله قتادة). وبمناسبة هذه الآية قال صاحب الظلال: (أودع نفسه خصائص القدرة على إدراك الخير والشر، والهدى والضلال، والحق والباطل: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ .. ليختار أيهما شاء، ففي طبيعته هذا الاستعداد المزدوج لسلوك أي النجدين. والنجد: الطريق المرتفع. وقد اقتضت مشيئة الله أن تمنحه القدرة على سلوك أيهما شاء، وأن تخلقه بهذا الازدواج طبقا لحكمة الله في الخلق، وإعطاء كل شئ خلقه، وتيسيره لوظيفته في هذا الوجود. وهذه الآية تكشف عن حقيقة الطبيعة الإنسانية، كما أنها تمثل قاعدة (النظرية النفسية الإسلامية) هي والآيات الأخرى في سورة الشمس: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها* فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها* قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها* وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها). ٥ - بمناسبة قوله تعالى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ* وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ* فَكُّ رَقَبَةٍ قال ابن كثير: روى أحمد عن أبي أمامة عن عمرو بن عبسة قال: قلت له حدثنا حديثا سمعته من رسول الله ﷺ ليس فيه انتقاص ولا وهم قال: سمعته يقول: «من ولد له ثلاثة أولاد في الإسلام فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم، ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورا يوم القيامة، ومن رمى بسهم في سبيل الله بلغ به العدو أصاب أو أخطأ كان له عتق رقبة، ومن أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار، ومن أنفق زوجين في سبيل الله فإن للجنة ثمانية أبواب يدخله الله من أي باب شاء منها»). روى الإمام أحمد عن البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله علمني عملا يدخلني الجنة فقال: «لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت

стр. 6213

المسألة، أعتق النسمة وفك الرقبة» فقال: يا رسول الله أو ليستا بواحدة؟ قال: «لا إن عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها، والمنحة الوكوف، والفئ على ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع، واسق الظمآن، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من الخير». ٦ - بمناسبة قوله تعالى: أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ* يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ* أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ قال ابن كثير: (كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن سلمان بن عامر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان، صدقة وصلة» وقد رواه الترمذي والنسائي وهذا إسناد صحيح). ٧ - بمناسبة قوله تعالى: وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ قال ابن كثير: (كما جاء في الحديث: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» وفي الحديث الآخر: «لا يرحم الله من لا يرحم الناس». وروى أبو داود عن عبد الله بن عمرو يرويه قال: «من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا»). وبمناسبة هذه الآية قال صاحب الظلال: (والصبر هو العنصر الضروري للإيمان بصفة عامة، ولاقتحام العقبة بصفة خاصة. والتواصي به يقرر درجة وراء درجة الصبر ذاته درجة تماسك الجماعة المؤمنة. وتواصيها على معنى الصبر، وتعاونها على تكاليف الإيمان. فهي أعضاء متجاوبة الحس تشعر جميعا شعورا واحدا بمشقة الجهاد لتحقيق الإيمان في الأرض وحمل تكاليفه، فيوصي بعضها بعضا بالصبر على العبء المشترك، ويثبت بعضها بعضا فلا تتخاذل، ويقوي بعضها بعضا فلا تنهزم. وهذا أمر غير الصبر الفردي. وإن يكن قائما على الصبر الفردي. وهو إيحاء بواجب المؤمن في الجماعة المؤمنة. وهو ألا يكون عنصر تخذيل بل عنصر تثبيت، ولا يكون داعية هزيمة بل داعية اقتحام، ولا يكون مثار جزع بل مهبط طمأنينة. وكذلك التواصي بالمرحمة. فهو أمر زائد على المرحمة. إنه إشاعة الشعور بواجب التراحم في صفوف الجماعة عن طريق التواصي به، والتحاض عليه، واتخاذه واجبا جماعيا فرديا في الوقت ذاته، يتعارف عليه الجميع، ويتعاون عليه الجميع. فمعنى الجماعة قائم في هذا التوجيه. وهو المعنى الذي يبرزه القرآن كما تبرزه

стр. 6214

أحاديث رسول الله ﷺ ؛ لأهميته في تحقيق حقيقة هذا الدين. فهو دين جماعة، ومنهج أمة، مع وضوح التبعة الفردية والحساب الفردي فيه وضوحا كاملا .. ). ٨ - بمناسبة قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ* عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ كما قال ابن كثير: (وقال قتادة: (مؤصدة) مطبقة فلا ضوء فيها ولا فرج ولا خروج منها آخر الأبد، وقال أبو عمران الجوني: إذا كان يوم القيامة أمر الله بكل جبار وكل شيطان وكل من كان يخاف الناس في الدنيا شره فأوثقوه بالحديد، ثم أمر بهم إلى جهنم، ثم أوصدوها عليهم أي: أطبقوها قال: فلا والله لا تستقر أقدامهم على قرار أبدا، ولا والله لا ينظرون فيها إلى أديم سماء أبدا ولا والله لا تلتقي جفون أعينهم على غمض نوم أبدا، ولا والله لا يذوقون فيها بارد شراب أبدا. رواه ابن أبي حاتم. ولننتقل إلى سورة والشمس وضحاها.

стр. 6215

سورة الشمس وهي السورة الحادية والتسعون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثالثة من المجموعة الثانية عشرة من قسم المفصل، وهي خمس عشرة آية وهي مكية

стр. 6216

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 6217

بين يدي سورة الشمس: قدم ابن كثير لسورة الشمس وضحاها بقوله: (نقدم حديث جابر الذي في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ: «هلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى؟). وقال الألوسي في تقديمه لهذه السورة: (ولما ختم سبحانه السورة المتقدمة بذكر أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة، أعاد جل شأنه في هذه السورة الفريقين على سبيل الفذلكة بقوله سبحانه: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها* وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها وفي هذه فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها وهو كالبيان لقوله تعالى في الأولى: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ على أول التفسيرين، وختم سبحانه الأولى بشيء من أحوال الكفرة في الآخرة وختم جل وعلا هذه بشيء من أحوالهم في الدنيا). وقال صاحب الظلال: (هذه السورة القصيرة ذات القافية الواحدة، والإيقاع الموسيقي الموحد، تتضمن عدة لمسات وجدانية تنبثق من مشاهد الكون وظواهره التي تبدأ السورة والتي تظهر كأنها إطار للحقيقة الكبيرة التي تتضمنها السورة. حقيقة النفس الإنسانية، واستعداداتها الفطرية، ودور الإنسان في شأن نفسه، وتبعته في مصيرها .. هذه الحقيقة التي يربطها سياق السورة بحقائق الكون ومشاهده الثابتة. كذلك تتضمن قصة ثمود، وتكذيبها بإنذار رسولها، وعقرها للناقة، ومصرعها بعد ذلك وزوالها. وهي نموذج من الخيبة التي تصيب من لا يزكي نفسه، فيدعها للفجور، ولا يلزمها تقواها: كما جاء في الفقرة الأولى في السورة: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها* وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها .. ). كلمة في سورة الشمس: في مقدمة سورة البقرة يختتم الكلام عن المتقين بقوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وفي سورة الشمس تأتي أقسام جوابها: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها* وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها فتحدد سورة الشمس طريق الفلاح، وطريق الخسران، فبالتقوى يكون الفلاح، وبتزكية النفس يكون الفلاح، فالمقامان واحد، ثم تحدثنا سورة الشمس عن أمة كذبت فعوقبت في الدنيا، ولذلك صلته كذلك بمحور

стр. 6218

السورة من سورة البقرة، ومن هذا ندرك أن سورة الشمس المبدوءة بقسم تفصل في مقدمة سورة البقرة. ككل سورة مبدوءة بقسم، وهو معنى سنبرزه بالتفصيل أثناء عرض السورة. في سورة البلد ورد قوله تعالى: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ وفي سورة الشمس يأتي قوله تعالى: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها* فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها وفي سورة البلد دعوة إلى اقتحام العقبة، وهي عقبة نفسية ينبغي أن تقتحم بالعمل الصالح، وفي سورة الشمس دعوة لتزكية النفس: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها* وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها فالمقامان متكاملان. وفي سورة الفجر يرد قوله تعالى: وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ* وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ* الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ* فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ وفي سورة الشمس يأتي قوله تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها* إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها* .. فهنا تشرح سورة الشمس مظهرا من مظاهر طغيان ثمود وإفسادها. فالسورة إذن تكمل المعاني الواردة في مجموعتها. فسورة الفجر تهيّئ لسلوك الطريق، وسورة البلد تحدد معالم في الطريق، وسورة الشمس تبين صلة الطريق بتزكية النفس، وأن الفلاح معلق على ذلك، وهكذا نجد سور المجموعة كل منها تكمل الأخرى، وكل منها لها سياقها الخاص. وسيتضح لنا هذا بشكل أوسع كلما خطونا خطوة في العرض، وسنعرض سورة الشمس على مرحلتين، كل مرحلة نعرض فيها فقرة منها؛ لأنها تتألف من فقرتين واضحتي المعالم مترابطتين، الفقرة الأولى تنتهي بنهاية الآية (١٠). والفقرة الثانية تنتهي بنهاية الآية (١٥) أي: بنهاية السورة.

стр. 6219

الفقرة الأولى وتمتد من بداية السورة حتى نهاية الآية (١٠) وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الشمس (٩١): الآيات ١ الى ١٠] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلاَّها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (١٠) التفسير: وَالشَّمْسِ وَضُحاها للشمس دائما ضحى. ففي أي لحظة من اللحظات يكون على وجه الأرض ضحى للشمس، وقد أقسم الله في هذه الآية بالشمس وضحاها الدائم، وفي ذلك معجزة من معجزات هذا القرآن وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها أي: إذا جاء بعد الشمس مباشرة، وذلك يكون عند ما يكون القمر بدرا فإنه يأتي بعد الشمس مباشرة وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها أي: إذا جلا الشمس. قال النسفي: أي: جلا الشمس وأظهرها للرائين. أقول: وفي ذلك معجزة كونية أخرى، إذ الطاهر. أن الشمس هي التي تجلي النهار، وذلك يكون لو كانت الأرض ثابتة، أما والأرض تدور حول محورها فإن النهار هو الذي يجلي الشمس ويظهرها، فدورة الأرض هي التي تخفي الشمس أو تبديها: ولغياب هذا المعنى عن المفسرين قديما اضطرب كلامهم في تفسير الآية. فتأول بعضهم الآية وصرف بعضهم الضمير عن الشمس. قال النسفي: وقيل الضمير للظلمة أو للدنيا أو للأرض وإن لم يجر لها ذكر. أقول: وما قاله النسفي في عود الضمير إلى الظلمة قريب. وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها قال ابن كثير: يعني: إذا يغشى الشمس حين تغيب فتظلم الآفاق، وقال النسفي: أي: يستر الشمس فتظلم الآفاق.

стр. 6220

أقول: فالليل إذن هو الذي يستر الشمس ويحجبها، وليست هي التي تحتجب، وذلك مرتبط بموضوع دوران الأرض؛ فالآية تكمل المعنى السابق؛ ففيها معجزة كونية مع الإعجاز وَالسَّماءِ وَما بَناها قال ابن كثير: يحتمل أن تكون (ما) هاهنا مصدرية بمعنى: والسماء وبنائها. وهو قول قتادة، ويحتمل أن تكون بمعنى (من) يعني: والسماء وبانيها وهو قول مجاهد وَالْأَرْضِ وَما طَحاها قال مجاهد: طحاها أي: دحاها. أقول: والدحو فيه معنى الكروية وعامة المفسرين فسر الطحو والدحو بالبسط فقط وهو غفلة عن مجموع ما تستعمل له هاتان الكلمتان في اللغة العربية، فالأدحية والأدحوة مبيض النعام في الرمال، ومبيض النعام في الرمال فيه معنى الكروية، وتقدير الكلام: والأرض وطحوها أو والأرض وطاحيها وهو الله . وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها قال ابن كثير: أي: سوية مستقيمة على الفطرة القويمة فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها قال النسفي: أي: فأعلمها طاعتها ومعصيتها، أفهمها أن أحدهما حسن والآخر قبيح، وقال ابن كثير: أي: فأرشدها إلى فجورها وتقواها أي: بين ذلك لها وهداها إلى ما قدر لها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها* وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها هذا جواب القسم، ومعنى: زكاها طهرها وأصلحها وجعلها زاكية، ومعنى دساها نقصها وأخفاها بالفجور، قال ابن كثير في قوله تعالى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها: يحتمل أن يكون المعنى: قد أفلح من زكى نفسه أي: بطاعة الله كما قال قتادة وطهرها من الأخلاق الدنيئة والرذائل، ويروى نحوه عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن حبير. أقول: وهو المعنى الذي لا يحتمل غيره وقال ابن كثير في قوله تعالى وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها: أي: دسسها أي: أخملها ووضع منها بخذلانه إياها عن الهدى حتى ركب المعاصي، وترك طاعة الله . أقول: إن ربط الفلاح بالتزكية، والخسران بالتدسية قضية أخروية دنيوية فلا فلاح في دنيا وأخرى إلا بتزكية النفس، ولا خسران في الدنيا والأخرى أفظع من تدسيتها، واستعمال لفظ التزكية والتدسية يشير إلى أن التزكية تنمية للنفس، بينما التدسية إخفاء لها وكبت فلا تنمو النفس البشرية إلا بالإسلام، ومتى ترك الإنسان الإسلام فإنه يخسر نفسه ويخنقها في أطر من الحيوانية الرخيصة. كلمة في السياق: ١ - علقت الفقرة السابقة الفلاح بتزكية النفس والخسران بتدسيتها ولكنها لم تفصل في كيفية التزكية والتدسية، وبالربط بين السورة ومحورها نعرف طريقة التزكية

стр. 6221

والتدسية فمحور السورة يقول: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. فهذا هو طريق التزكية، والتحقق بهذه المعاني هو التزكية، ومحور السورة يقول: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. فهذا طريق التدسية: رفض الإنذار، وعدم الاستفادة منه. ٢ - وكما عرفنا ماهية التزكية من خلال الربط بمحور السورة فإننا نعرفه مما قبلها، ومما بعدها، ففي سورة البلد ورد قوله تعالى: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ* فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ* وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ* فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ* يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ* أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ* ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ فهكذا نجد الخير وهو نفسه التقوى، وفيه زكاة النفس، وسنرى في سورة الليل: الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى مما يشير إلى أن سورة الليل تفصل في موضوع التزكية وهو شئ بديهي، فما دامت سورة الشمس وسورة الليل تفصلان في محور واحد فلا بد أن يكون التكامل بين المعاني قائما. ٣ - مما ذكرنا تتضح صلة السورة بما قبلها وما بعدها من سور مجموعتها، كما تتضح صلة السورة بمحورها من سورة البقرة. لاحظ قوله تعالى في السورة: فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها وصلته بالكلام عن المتقين والكافرين في أول سورة البقرة. ولاحظ قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها* وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها وصلته بالكلام الوارد عن الكافرين والمتقين هناك. ٤ - من قوله تعالى: فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها* قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها* وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها نعلم أن التدسية فجور، وأن التزكية تقوى، وهناك صلة بين الفجور ورفض الإنذار، وبين التزكية والاهتداء بكتاب الله والصلاة والزكاة والإيمان، وهي المعاني التي تعرضت لها مقدمة سورة البقرة. ٥ - بعد أن قرر الله أن الفلاح بتزكية النفس، وأن الخسران بتدسيتها.

стр. 6222

تأتي الفقرة الثانية في السورة لترينا نموذجا على التدسية والفجور، ونتائجهما من الخسران فهي نموذج على الخسران الذي يصيب أهل التدسية والفجور، فلنر الفقرة الثانية. الفقرة الثانية وتمتد من الآية (١١) إلى نهاية السورة، أي إلى نهاية الآية (١٥) وهذه هي: [سورة الشمس (٩١): الآيات ١١ الى ١٥] كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (١٢) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (١٤) وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥) التفسير: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها قال النسفي: أي: بطغيانها إذ الحامل لهم على التكذيب طغيانهم. وقال ابن كثير: يخبر تعالى عن ثمود أنهم كذبوا رسولهم بسبب ما كانوا عليه من الطغيان والبغي. أقول: دلت الآية على أنه مما ينبثق عن الطغيان تكذيب الرسل عليهم الصلاة والسلام، وعرفنا من السياق أن الطغيان فجور، وتدسية للنفس، وأن التكذيب للرسل فجور وتدسية للنفس إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها أي: أشقى القبيلة قام بأمر ذبح الناقة الذي يمثل ذروة الطغيان والتكذيب أي: التدسية والفجور فالتعبير بالانبعاث لهذا القصد اللعين فيه إشارة إلى التصميم الخبيث المنبثق عن طغيان شديدة بواعثه فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ أي: صالح ﵇ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها قال ابن كثير: أي: احذروا ناقة الله أن تمسوها بسوء وَسُقْياها أي: لا تعتدوا عليها في

стр. 6223

سقياها فإن لها شرب يوم ولكم شرب يوم معلوم فَكَذَّبُوهُ أي: فيما حذرهم منه من نزول العذاب إن فعلوا فَعَقَرُوها أي: فعقروا الناقة، والعاقر واحد ولكن لرضاهم به اعتبروا جميعا عاقرين، وكذلك الأمر في كل من يرضى عن معصية؛ فإنه يكون شريكا فيها وإن لم يمارسها. قال ابن كثير في الآية: أي: كذبوه فيما جاءهم به فأعقبهم ذلك أن عقروا الناقة التي أخرجها الله من الصخرة آية لهم وحجة عليهم. فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ أي: فغضب عليهم فأهلكهم هلاك استئصال بِذَنْبِهِمْ أي: بسبب ذنبهم وهو تكذيبهم الرسول وعقرهم الناقة فَسَوَّاها. قال النسفي: أي: فسوى الدمدمة عليهم، لم يفلت منها صغيرهم ولا كبيرهم، وقال ابن كثير: أي: فجعل العقوبة نازلة عليهم على السواء وَلا يَخافُ عُقْباها قال النسفي: أي: ولا يخاف الله عاقبة هذه الفعلة أي: فعل ذلك غير خائف أن تلحقه تبعة من أحد، كما يخاف من يعاقب من الملوك. وقال ابن كثير: قال ابن عباس: لا يخاف الله من أحد تبعة. كلمة في السياق: ١ - رأينا في هذه الفقرة نموذجا على الفجور وعلى تدسية النفس وعلى خسران أصحاب ذلك ولذلك صلته بسياق السورة الخاص. ٢ - عرفنا من الفقرة أن التكذيب أثر الطغيان، وأن التكذيب ينبثق عنه من الشرور والآثام والفظائع الكبير والكثير فعلة المشكلات طغيان النفس. ٣ - في مقدمة سورة البقرة يأتي قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. ومن الفقرة الأخيرة عرفنا أن الختم على القلوب هو عقوبة على فعل العبد، فهؤلاء ثمود وهم نموذج على الكفر الخالص الذي لا ينفع معه إنذار. هؤلاء طغيانهم جرهم إلى التكذيب وتكذيبهم جرهم إلى الاعتداء على ناقة الله ومن ثم ندرك سببا من أسباب ختم الله على قلوب الكافرين. مما مر عرفنا سياق السورة الخاص، وصلتها بمحورها وصلتها بما قبلها وما بعدها.

стр. 6224

الفوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها قال ابن كثير: (وقال بقية بن الوليد عن صفوان حدثني يزيد بن حماد قال: إذا جاء الليل قال الرب ﷻ : غشي عبادي خلقي العظيم، فالليل يهاب والذي خلقه أحق أن يهاب. رواه ابن أبي حاتم). ٢ - بمناسبة قوله تعالى: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها* فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها قال ابن كثير: (أي: خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة كما قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ وقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟» أخرجاه من رواية أبي هريرة وفي صحيح مسلم من رواية عياض بن حمار المجاشعي عن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله : إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم». وبمناسبة قوله تعالى: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها* فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها* قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها* وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها قال صاحب الظلال: (وهذه الآيات الأربع، بالإضافة إلى آية سورة البلد السابقة: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ .. وآية سورة الإنسان: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً. تمثل قاعدة النظرية النفسية للإسلام .. وهي مرتبطة ومكملة للآيات التي تشير إلى ازدواج طبيعة الإنسان كقوله تعالى في سورة (ص): إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ* فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ .. كما أنها مرتبطة ومكملة للآيات التي تقرر التبعة الفردية: كقوله تعالى في سورة المدثر: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ .. والآيات التي تقرر أن فعل الله بإنسان له صلة بواقع هذا الإنسان، كقوله تعالى في سورة الرعد: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ. ومن خلال هذه الآيات وأمثالها تبرز لنا نظرة الإسلام إلى الإنسان بكل معالمها .. إن هذا الكائن مخلوق مزدوج الطبيعة، مزدوج الاستعداد، مزدوج الاتجاه ونعني بكلمة مزدوج على وجه التحديد أنه بطبيعة تكوينه (من طين الأرض ومن نفخة الله فيه من روحه) مزود باستعدادات متساوية للخير والشر، والهدى والضلال. فهو قادر

стр. 6225

على التمييز بين ما هو خير وما هو شر، كما أنه قادر على توجيه نفسه إلى الخير وإلى الشر سواء. وأن هذه القدرة كامنة في كيانه، يعبر عنها القرآن بالإلهام تارة: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها* فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها. ويعبر عنها بالهداية تارة. وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ .. فهي كامنة في صميمه في صورة استعداد .. والرسالات والتوجيهات والعوامل الخارجية إنما توقظ هذه الاستعدادات وتشحذها وتوجهها هنا أو هناك. ولكنها لا تخلقها خلقا. لأنها مخلوقة فطرة وكائنة طبعا، وكامنة إلهاما. وهناك إلى جانب هذه الاستعدادات الفطرية الكامنة قوة واعية مدركة موجهة في ذات الإنسان. هي التي تناط بها التبعة. فمن استخدم هذه القوة في تزكية نفسه وتطهيرها وتنمية استعداد الخير فيها. وتغليبه على استعداد الشر .. فقد أفلح. ومن أظلم هذه القوة وخبأها وأضعفها فقد خاب: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها* وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها .. وهنالك إذن تبعة مترتبة على منح الإنسان هذه القوة الواعية القادرة على الاختيار والتوجيه. توجيه الاستعدادات الفطرية القابلة للنمو في حقل الخير وفي حقل الشر سواء. فهي حرية تقابلها تبعة، وقدرة يقابلها تكليف، ومنحة يقابلها واجب. ورحمة من الله بالإنسان لم يدعه لاستعداد فطرته الإلهامي، ولا للقوة الواعية المالكة للتصرف. فأعانه بالرسالات التي تضع له الموازين الثابتة الدقيقة، وتكشف له عن موجبات الإيمان. ودلائل الهدى في نفسه وفي الآفاق من حوله، وتجلو عنه غواشي الهوى فيبصر الحق في صورته الصحيحة .. وبذلك يتضح له الطريق وضوحا كاشفا لا غبش فيه ولا شبهة فتتصرف القوة الواعية حينئذ عن بصيرة وإدراك لحقيقة الاتجاه الذي تختاره وتسير فيه. وهذه في جملتها هي مشيئة الله بالإنسان. وكل ما يتم في دائرتها فهو محقق لمشيئة الله وقدره العام). وبمناسبة قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها* وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها قال ابن كثير: (وروى الطبراني عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا مر بهذه الآية وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها* فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها وقف ثم قال: «اللهم آت نفسي تقواها، أنت وليها ومولاها، وخير من زكاها». وروى الإمام أحمد عن زيد بن أرقم: قال كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والهرم والجبن والبخل وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها،

стр. 6226

أنت وليها ومولاها، اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، وعلم لا ينفع، ودعوة لا يستجاب لها» قال زيد: كان رسول الله ﷺ يعلمناهن ونحن نعلمكموهن. رواه مسلم بسنده عن زيد بن أرقم). ٣ - بمناسبة قوله تعالى: إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها قال ابن كثير: (أي: أشقى القبيلة وهو قدار بن سالف عاقر الناقة، وهو أحيمر ثمود وهو الذي قال الله تعالى: فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ الآية، وكان هذا الرجل عزيزا فيهم شريفا في قومه نسيبا رئيسا مطاعا. كما روى الإمام أحمد عن عبد الله بن زمعة قال: خطب رسول الله ﷺ فذكر الناقة وذكر الذي عقرها فقال: «إذ انبعث أشقاها، انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه مثل أبي زمعة» ورواه البخاري في التفسير، ومسلم في صفة النار، والترمذي، والنسائي في التفسير من سننيهما وكذا ابن جرير وابن أبي حاتم عن طوق عن هشام بن عروة به. وروى ابن أبي حاتم عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: «ألا أحدثك بأشقى الناس» قال: بلى قال: «رجلان: أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذا- يعني قرنه- حتى تبتل منه هذه» يعني: لحيته). ولننتقل إلى سورة الليل.

стр. 6227

سورة الليل وهي السورة الثانية والتسعون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الرابعة من المجموعة الثانية عشرة من قسم المفصل، وهي إحدى عشرة آية وهي مكية

стр. 6228

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 6229

بين يدي سورة الليل: قدم ابن كثير لسورة الليل بقوله: (تقدم قوله ﵊ لمعاذ «فهلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى». وقال الألوسي في تقديمه لهذه السورة: (ولما ذكر سبحانه فيما قبلها قَدْ أَفْلَحَ .. الخ، ذكر سبحانه فيها من الأوصاف ما يحصل به الفلاح وما يحصل به الخيبة، ففيها نوع تفصيل لذلك، لا سيما وقد عقب جل وعلا ذلك بشيء من أنواع الفلاح وأنواع الخيبة والعياذ بالله تعالى). وقال صاحب الظلال: (في إطار من مشاهد الكون وطبيعة الإنسان تقرر السورة حقيقة العمل والجزاء. ولما كانت هذه الحقيقة منوعة المظاهر: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى* فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى .. وكانت العاقبة كذلك في الآخرة مختلفة وفق العمل والوجهة: فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى* لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى* الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى* وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى* الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى ... لما كانت مظاهر هذه الحقيقة ذات لونين، وذات اتجاهين .. كذلك كان الإطار المختار لها في مطلع السورة ذا لونين في الكون وفي النفس سواء: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى * وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى .. وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى .. وهذا من بدائع التناسق في التعبير القرآني). كلمة في سورة الليل ومحورها: تبدأ سورة الليل بقسم وَاللَّيْلِ وذلك كما رأينا علامة على أنها تفصل في مقدمة سورة البقرة أي: في شأن المتقين والكافرين في قضية التقوى والكفر، ومن ثم نجد فيها قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى ونجد فيها: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ونجد فيها: فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى* لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى مما يشير إلى ما ذكرناه. والسورة تتصل بمجموعتها بكثير من الروابط، ففي سورة البلد: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ وفي سورة الشمس: فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ونجد في سورة الليل: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى* فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ

стр. 6230

لِلْيُسْرى .. وفي سورة الشمس ورد قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وفي سورة الليل نجد قوله تعالى وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى* الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى فسورة الليل تكمل المعاني الواردة في سورة مجموعتها وهو شئ عادي ما دامت تفصل في نفس المحور. تتألف السورة من فقرتين: الفقرة الأولى تستمر حتى نهاية الآية (١١) والفقرة الثانية تستمر حتى نهاية السورة أي: إلى نهاية الآية (٢١)، ولنبدأ عرض السورة. الفقرة الأولى وتمتد من بداية السورة حتى نهاية الآية (١١) وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الليل (٩٢): الآيات ١ الى ١١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١) التفسير: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى قال ابن كثير: أي: إذا غشى الخليقة بظلامه، أي: إذا غطاها وواراها بظلامه وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى أي: ظهر بزوال ظلمة الليل. قال ابن كثير: أي: بضيائه وإشراقه وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى قال النسفي: أي: والقادر العظيم القدرة الذي قدر على خلق الذكر والأنثى من ماء واحد، قال ابن كثير: ولما كان القسم بهذه الأشياء المتضادة كان المقسم عليه أيضا متضادا، ولهذا قال تعالى: إِنَ

стр. 6231

سَعْيَكُمْ لَشَتَّى هذا جواب القسم، والمعنى: إن عملكم لمختلف. قال ابن كثير: أي: أعمال العباد التي اكتسبوها متضادة أيضا، ومتخالفة فمن فاعل خيرا ومن فاعل شرا. قال النسفي: وبيان الاختلاف فيما فصل على أثره فَأَمَّا مَنْ أَعْطى أي: حقوق ماله وَاتَّقى ربه فاجتنب محارمه، وأدى ما افترض. قال ابن كثير: أي: أعطى ما أمر بإخراجه واتقى الله في أمره وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى قال النسفي: (أي: بالملة الحسنى. وهي ملة الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى وهي الجنة، أو بالكلمة الحسنى وهي لا إله إلا الله) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى قال النسفي: (أي: فسنهيئه للملة اليسرى، وهي العمل بما يرضاه ربه). قال ابن كثير: قال بعض السلف: من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئة بعدها. ولهذا قال تعالى: وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ بماله وَاسْتَغْنى عن ربه فلم يتقه، أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم العقبى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى قال ابن كثير: أي: بالجزاء في الدار الآخرة. وقال النسفي: (أي: بالإسلام أو الجنة) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى. قال النسفي: (أي: للخلة المؤدية إلى النار فتكون الطاعة أعز شئ عليه وأشد، أو سمى طريقة الخير باليسرى؛ لأن عاقبتها اليسر، وطريقة الشر بالعسرى، لأن عاقبتها العسر أو أراد بها طريقي الجنة والنار) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى أي: وما ينفعه ماله إذا هلك أو تردى في القبر أو في جهنم أي: سقط. كلمة في السياق: ١ - عرفنا من الفقرة أن العطاء والتقوى والتصديق بالجنة جزاؤه التيسير للخير والجنة، وأن البخل والاستغناء عن الله ، والتكذيب بالجنة، جزاؤه التيسير في طريق الشر والنار، وأن هذا أو هذا هو السبب الأصيل في اختلاف أعمال العباد، وعلى هذا فبداية السير إلى الله الإنفاق والتقوى والإيمان. ولذلك صلته بمحور السورة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. كما نعلم أن بداية السير في طريق الكفر هو البخل والاستغناء عن الله والتكذيب بالجنة ولذلك صلته بمحور السورة من سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى

стр. 6232

أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. ٢ - ورد في سورة الشمس قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها* وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها وقد عرفنا من الفقرة طريق التزكية والتدسية، وورد في سورة البلد السابقة على سورة الشمس: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ وقد رأينا في الفقرة ما هو سبب الهداية إلى طريق الخير، وما هو السبب في الهداية إلى طريق الشر، فسورة الليل تكمل مجموعتها وتزيد في البيان. ٣ - ثم تأتي فقرة ثانية تكمل وتفصل وتنذر، فبعد أن بين الله سبب التيسير إلى الجنة. وذكر سبب التيسير في طريق النار، تأتي الفقرة الثانية مبدوءة بقوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى ... لتبين أن الله يبين، وأن الإنسان هو الذي يختار طريق الخير أو طريق الشر بسلوك أي الطريقين، فلنر الفقرة الثانية. الفقرة الثانية وتمتد من الآية (١٢) إلى نهاية (٢١) أي إلى نهاية السورة وهذه هي: [سورة الليل (٩٢): الآيات ١٢ الى ٢١] إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (١٤) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١)

стр. 6233

التفسير: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى قال قتادة أي: تبيين الحلال والحرام، وقال النسفي: (أي: إن علينا الإرشاد إلى الحق بنصب الدلائل وبيان الشرائع) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى قال ابن كثير: أي: الجميع ملكنا وأنا المتصرف فيهما. وقال النسفي: (فلا يضرنا ضلال من ضل، ولا ينفعنا اهتداء من اهتدى، أو أنهما لنا فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ الطريق) فَأَنْذَرْتُكُمْ أي: فخوفتكم ناراً تَلَظَّى أي: تتلهب لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى أي: لا يدخلها للخلود فيها إلا الكافر، قال ابن كثير: أي: لا يدخلها دخولا يحيط به من جميع جوانبه إلا الأشقى. ثم فسره فقال: الَّذِي كَذَّبَ أي: بقلبه وَتَوَلَّى أي: عن العمل بجوارحه وأركانه وَسَيُجَنَّبُهَا أي: وسيبعد عنها الْأَتْقَى أي: المؤمن العامل. قال ابن كثير: أي: وسيزحزح عن النار التقي النقي الأتقى، ثم فسره بقوله: الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ أي: للفقراء يَتَزَكَّى من الزكاء أي: يطلب أن يكون عند الله زكيا لا يريد به رياء ولا سمعة. وقال ابن كثير: (أي: يصرف ماله في طاعة ربه؛ ليزكي نفسه وماله وما وهبه الله من دين ودنيا. قال أبو عبيدة: الأشقى بمعنى الشقي، وهو الكافر، والأتقى بمعنى التقي، وهو المؤمن؛ لأنه لا يختص بالصلي أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء) ثم أكمل الله وصف الأتقى فقال: وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى أي: ليس بذله ماله في مكافأة من أسدى إليه معروفا فهو يعطي مقابلة ذلك، وإنما دفعه لذلك إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى قال ابن كثير: أي: طمعا في أن يحصل له رؤية في الدار الآخرة في روضات الجنات. وَلَسَوْفَ يَرْضى هذا وعد بالثواب الذي يرضيه ويقر عينه. قال ابن كثير: أي: ولسوف يرضى من اتصف بهذه الصفات. كلمة في السياق: ١ - في هذه الفقرة بين الله أن الله يبين والإنسان يختار. فقال: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى وصلة ذلك بقوله تعالى في محور السورة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ واضحة فهذا القرآن فيه الهدى وعلى الإنسان أن يختار. ٢ - وفي هذه الفقرة بين الله أن اختيار الهدى لا يترتب عليه ضرر، لأن الله هو مالك كل شئ وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى وصلة ذلك بقوله تعالى عن

стр. 6234

المتقين: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ واضحة. ٣ - في هذه الفقرة أنذر الله عباده ناره التي يصلاها الأشقى ويجنبها الأتقى وصلة ذلك بقوله تعالى عن المتقين وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وبقوله تعالى عن الكافرين: وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ واضحة. ٤ - وصف الله الأتقى في الفقرة بالإنفاق الخالص وصلة ذلك بقوله تعالى عن المتقين في مقدمة سورة البقرة: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ واضحة. وتخصيص هذه الصفة بالذكر؛ لأن الإنفاق في سبيل الله هو البرهان على التقوى، قال ﵊ «والصدقة برهان». فإذا اتضحت هذه المعاني كلها. عرفنا صلة السورة بمقدمة سورة البقرة، ومن قبل عرفنا صلة السورة بما قبلها، والآن فلنلخص السياق الخاص للسورة: ٥ - عرفنا في الفقرة الأولى سر اختلاف الناس في العمل، وأن مرجعه إلى موقف رئيسي هو البخل والعطاء، والتقوى والاستغناء، والتكذيب والتصديق يترتب على هذا أو ذاك تيسير إلى طريق الخير أو طريق الشر، ثم بين الله في الفقرة الثانية أن الله يبين، وعلى الإنسان أن يختار، ثم أنذر الله من يختار طريق الضلال، وبشر من يختار طريق الهداية، ومرة ثانية ذكر أن الإنفاق في سبيل الله أصل أصيل في الطريق، وأن من يفعل ذلك فسيكافئه الله وسيرضيه، وبهذا نكون قد عرفنا السياق الخاص للسورة، وعرفنا صلة السورة بمحورها، وصلتها بما قبلها، وسنرى صلتها بما بعدها. الفوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى* فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى قال صاحب الظلال: (إن سعيكم لشتى .. مختلف في حقيقته، مختلف في بواعثه، مختلف في اتجاهه. مختلف في نتائجه .. والناس في هذه الأرض تختلف طبائعهم، وتختلف مشاربهم، وتختلف تصوراتهم، وتختلف اهتماماتهم، حتى لكأن كل واحد منهم عالم خاص يعيش في كوكب خاص. هذه حقيقة. ولكن هناك حقيقة أخرى. حقيقة إجمالية تضم أشتات البشر جميعا،

стр. 6235

وتضم هذه العوالم المتباينة كلها. تضمها في حزمتين اثنتين، وفي صفين متقابلين، تحت رايتين عامتين. مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى .. ومَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى .. من أعطى نفسه وماله. واتقى غضب الله وعذابه. وصدق بهذه العقيدة التي إذا قيل (الحسنى) كانت اسما لها وعلما عليها. ومن بخل بنفسه وماله. واستغنى عن الله وهداه. وكذب بهذه الحسنى .. هذان هما الصفان اللذان يلتقي فيهما شتات النفوس، وشتات السعي، وشتات المناهج، وشتات الغايات. ولكل منهما في هذه الحياة طريق .. ولكل منهما في طريقه توفيق!). ٢ - عند قوله تعالى: وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى قال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب قال: سألت رسول الله ﷺ عن الحسنى قال: «الحسنى الجنة»). ٣ - بمناسبة قوله تعالى: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى في المؤمن وفَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى في الكافر. قال ابن كثير: (والآيات في هذا المعنى كثيرة دالة على أن الله يجازي من قصد الخير بالتوفيق له، ومن قصد الشر بالخذلان، وكل ذلك بقدر مقدر، والأحاديث الدالة على هذا المعنى كثيرة. (رواية أبي بكر الصديق ﵁ روى الإمام أحمد عن طلحة بن عبيد الله ابن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن أبيه قال: سمعت أبي يذكر أن أباه سمع أبا بكر وهو يقول: قلت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله أنعمل على ما فرغ منه أو على أمر مؤتنف؟ قال: «بل على أمر قد فرغ منه» قال ففيم العمل يا رسول الله؟ قال: «كل ميسر لما خلق له». (رواية علي ﵁ روى البخاري عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في بقيع الغرقد في جنازة فقال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار» فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل؟ فقال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» ثم قرأ فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى إلى قوله لِلْعُسْرى. (حديث آخر) روى ابن جرير عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من يوم غربت فيه شمسه إلا وبجنبتيها ملكان يناديان بنداء يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين:
следующие страницы →