Полный текст (6 440 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.
стр. 6231
سَعْيَكُمْ لَشَتَّى هذا جواب القسم، والمعنى: إن عملكم لمختلف. قال ابن كثير:
أي: أعمال العباد التي اكتسبوها متضادة أيضا، ومتخالفة فمن فاعل خيرا ومن فاعل شرا. قال النسفي: وبيان الاختلاف فيما فصل على أثره
فَأَمَّا مَنْ أَعْطى أي:
حقوق ماله وَاتَّقى ربه فاجتنب محارمه، وأدى ما افترض. قال ابن كثير: أي:
أعطى ما أمر بإخراجه واتقى الله في أمره
وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى قال النسفي: (أي:
بالملة الحسنى. وهي ملة الإسلام، أو بالمثوبة الحسنى وهي الجنة، أو بالكلمة الحسنى وهي لا إله إلا الله)
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى قال النسفي: (أي: فسنهيئه للملة اليسرى، وهي العمل بما يرضاه ربه). قال ابن كثير: قال بعض السلف: من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئة بعدها. ولهذا قال تعالى:
وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ بماله وَاسْتَغْنى عن ربه فلم يتقه، أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم العقبى
وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى قال ابن كثير: أي: بالجزاء في الدار الآخرة. وقال النسفي: (أي: بالإسلام أو الجنة)
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى. قال النسفي: (أي:
للخلة المؤدية إلى النار فتكون الطاعة أعز شئ عليه وأشد، أو سمى طريقة الخير باليسرى؛ لأن عاقبتها اليسر، وطريقة الشر بالعسرى، لأن عاقبتها العسر أو أراد بها طريقي الجنة والنار)
وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى أي: وما ينفعه ماله إذا هلك أو تردى في القبر أو في جهنم أي: سقط.
كلمة في السياق:
١ - عرفنا من الفقرة أن العطاء والتقوى والتصديق بالجنة جزاؤه التيسير للخير والجنة، وأن البخل والاستغناء عن الله ، والتكذيب بالجنة، جزاؤه التيسير في طريق الشر والنار، وأن هذا أو هذا هو السبب الأصيل في اختلاف أعمال العباد، وعلى هذا فبداية السير إلى الله الإنفاق والتقوى والإيمان. ولذلك صلته بمحور السورة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
كما نعلم أن بداية السير في طريق الكفر هو البخل والاستغناء عن الله والتكذيب بالجنة ولذلك صلته بمحور السورة من سورة البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى
стр. 6232
أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.
٢ - ورد في سورة الشمس قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها* وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها وقد عرفنا من الفقرة طريق التزكية والتدسية، وورد في سورة البلد السابقة على سورة الشمس: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ وقد رأينا في الفقرة ما هو سبب الهداية إلى طريق الخير، وما هو السبب في الهداية إلى طريق الشر، فسورة الليل تكمل مجموعتها وتزيد في
البيان.
٣ - ثم تأتي فقرة ثانية تكمل وتفصل وتنذر، فبعد أن بين الله سبب التيسير إلى الجنة. وذكر سبب التيسير في طريق النار، تأتي الفقرة الثانية مبدوءة بقوله تعالى: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى ... لتبين أن الله يبين، وأن الإنسان هو الذي يختار طريق الخير أو طريق الشر بسلوك أي الطريقين، فلنر الفقرة الثانية.
الفقرة الثانية
وتمتد من الآية (١٢) إلى نهاية (٢١) أي إلى نهاية السورة وهذه هي:
[سورة الليل (٩٢): الآيات ١٢ الى ٢١]
إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (١٤) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)
وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١)
стр. 6233
التفسير:
إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى قال قتادة أي: تبيين الحلال والحرام، وقال النسفي: (أي:
إن علينا الإرشاد إلى الحق بنصب الدلائل وبيان الشرائع)
وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى قال ابن كثير: أي: الجميع ملكنا وأنا المتصرف فيهما. وقال النسفي:
(فلا يضرنا ضلال من ضل، ولا ينفعنا اهتداء من اهتدى، أو أنهما لنا فمن طلبهما من غيرنا فقد أخطأ الطريق)
فَأَنْذَرْتُكُمْ أي: فخوفتكم ناراً تَلَظَّى أي: تتلهب
لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى أي: لا يدخلها للخلود فيها إلا الكافر، قال ابن كثير:
أي: لا يدخلها دخولا يحيط به من جميع جوانبه إلا الأشقى.
ثم فسره فقال: الَّذِي كَذَّبَ أي: بقلبه وَتَوَلَّى أي: عن العمل بجوارحه وأركانه
وَسَيُجَنَّبُهَا أي: وسيبعد عنها الْأَتْقَى أي: المؤمن العامل. قال ابن كثير: أي: وسيزحزح عن النار التقي النقي الأتقى،
ثم فسره بقوله: الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ أي: للفقراء يَتَزَكَّى من الزكاء أي: يطلب أن يكون عند الله زكيا لا يريد به رياء ولا سمعة.
وقال ابن كثير: (أي: يصرف ماله في طاعة ربه؛ ليزكي نفسه وماله وما وهبه الله من دين ودنيا. قال أبو عبيدة: الأشقى بمعنى الشقي، وهو الكافر، والأتقى بمعنى التقي، وهو المؤمن؛ لأنه لا يختص بالصلي أشقى الأشقياء، ولا بالنجاة أتقى الأتقياء)
ثم أكمل الله وصف الأتقى فقال: وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى أي:
ليس بذله ماله في مكافأة من أسدى إليه معروفا فهو يعطي مقابلة ذلك، وإنما دفعه لذلك
إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى قال ابن كثير: أي: طمعا في أن يحصل له رؤية في الدار الآخرة في روضات الجنات.
وَلَسَوْفَ يَرْضى هذا وعد بالثواب الذي يرضيه ويقر عينه. قال ابن كثير: أي: ولسوف يرضى من اتصف بهذه الصفات.
كلمة في السياق:
١ - في هذه الفقرة بين الله أن الله يبين والإنسان يختار. فقال: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى وصلة ذلك بقوله تعالى في محور السورة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ واضحة فهذا القرآن فيه الهدى وعلى الإنسان أن يختار.
٢ - وفي هذه الفقرة بين الله أن اختيار الهدى لا يترتب عليه ضرر، لأن الله هو مالك كل شئ وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى وصلة ذلك بقوله تعالى عن
стр. 6234
المتقين: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ واضحة.
٣ - في هذه الفقرة أنذر الله عباده ناره التي يصلاها الأشقى ويجنبها الأتقى وصلة ذلك بقوله تعالى عن المتقين وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وبقوله تعالى عن الكافرين: وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ واضحة.
٤ - وصف الله الأتقى في الفقرة بالإنفاق الخالص وصلة ذلك بقوله تعالى عن المتقين في مقدمة سورة البقرة: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ واضحة. وتخصيص هذه الصفة بالذكر؛ لأن الإنفاق في سبيل الله هو البرهان على التقوى، قال ﵊ «والصدقة برهان». فإذا اتضحت هذه المعاني كلها. عرفنا صلة السورة بمقدمة سورة البقرة، ومن قبل عرفنا صلة السورة بما قبلها، والآن فلنلخص السياق الخاص للسورة:
٥ - عرفنا في الفقرة الأولى سر اختلاف الناس في العمل، وأن مرجعه إلى موقف رئيسي هو البخل والعطاء، والتقوى والاستغناء، والتكذيب والتصديق يترتب على هذا أو ذاك تيسير إلى طريق الخير أو طريق الشر، ثم بين الله في الفقرة الثانية أن الله يبين، وعلى الإنسان أن يختار، ثم أنذر الله من يختار طريق
الضلال، وبشر من يختار طريق الهداية، ومرة ثانية ذكر أن الإنفاق في سبيل الله أصل أصيل في الطريق، وأن من يفعل ذلك فسيكافئه الله وسيرضيه، وبهذا نكون قد عرفنا السياق الخاص للسورة، وعرفنا صلة السورة بمحورها، وصلتها بما قبلها، وسنرى صلتها بما بعدها.
الفوائد:
١ - بمناسبة قوله تعالى: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى* فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى قال صاحب الظلال: (إن سعيكم لشتى .. مختلف في حقيقته، مختلف في بواعثه، مختلف في اتجاهه. مختلف في نتائجه .. والناس في هذه الأرض تختلف طبائعهم، وتختلف مشاربهم، وتختلف تصوراتهم، وتختلف اهتماماتهم، حتى لكأن كل واحد منهم عالم خاص يعيش في كوكب خاص.
هذه حقيقة. ولكن هناك حقيقة أخرى. حقيقة إجمالية تضم أشتات البشر جميعا،
стр. 6235
وتضم هذه العوالم المتباينة كلها. تضمها في حزمتين اثنتين، وفي صفين متقابلين، تحت رايتين عامتين. مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى .. ومَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى .. من أعطى نفسه وماله. واتقى غضب الله وعذابه. وصدق بهذه العقيدة التي إذا قيل (الحسنى) كانت اسما لها وعلما عليها.
ومن بخل بنفسه وماله. واستغنى عن الله وهداه. وكذب بهذه الحسنى ..
هذان هما الصفان اللذان يلتقي فيهما شتات النفوس، وشتات السعي، وشتات المناهج، وشتات الغايات. ولكل منهما في هذه الحياة طريق .. ولكل منهما في طريقه توفيق!).
٢ - عند قوله تعالى: وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى قال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب قال: سألت رسول الله ﷺ عن الحسنى قال: «الحسنى الجنة»).
٣ - بمناسبة قوله تعالى: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى في المؤمن وفَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى في الكافر. قال ابن كثير: (والآيات في هذا المعنى كثيرة دالة على أن الله يجازي من قصد الخير بالتوفيق له، ومن قصد الشر بالخذلان، وكل ذلك بقدر مقدر، والأحاديث الدالة على هذا المعنى كثيرة.
(رواية أبي بكر الصديق ﵁ روى الإمام أحمد عن طلحة بن عبيد الله ابن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن أبيه قال: سمعت أبي يذكر أن أباه سمع أبا بكر وهو يقول: قلت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله أنعمل على ما فرغ منه أو على أمر مؤتنف؟ قال: «بل على أمر قد فرغ منه» قال ففيم العمل يا رسول الله؟ قال: «كل ميسر لما خلق له».
(رواية علي ﵁ روى البخاري عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في بقيع الغرقد في جنازة فقال: «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار» فقالوا: يا رسول الله أفلا نتكل؟ فقال:
«اعملوا فكل ميسر لما خلق له» ثم قرأ فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى إلى قوله لِلْعُسْرى.
(حديث آخر) روى ابن جرير عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من يوم غربت فيه شمسه إلا وبجنبتيها ملكان يناديان بنداء يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين:
стр. 6236
اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا» وأنزل الله في ذلك القرآن: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى ورواه ابن أبي حاتم ..
روى ابن جرير- ذاكرا أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر ﵁ يعتق على الإسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني أراك تعتق أناسا ضعفاء فلو أنك تعتق رجالا جلداء يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟ فقال: أي أبت إنما أريد- أظنه قال- ما عند الله. قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية أنزلت فيه فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى .. ).
٤ - بمناسبة قوله تعالى: فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى روى ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن سماك بن حرب قال: سمعت النعمان بن بشير يخطب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يخطب يقول: «أنذرتكم النار» حتى لو أن رجلا كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا، قال: حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه. وروى الإمام أحمد عن أبي إسحاق قال: سمعت النعمان بن بشير يخطب ويقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة رجل توضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه» رواه البخاري. وروى مسلم عن أبي إسحاق عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا وإنه لأهونهم عذابا»).
٥ - بمناسبة قوله تعالى: لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى قال ابن كثير: (روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل النار إلا شقي» قيل:
ومن الشقي؟ قال: «الذي لا يعمل بطاعة ولا يترك لله معصية» وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «كل أمتي تدخل الجنة يوم القيامة إلا من أبى» قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى» ورواه البخاري.
٦ - بمناسبة قوله تعالى: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى* الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى ... قال ابن كثير: (وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق رضي
الله عنه حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك، ولا شك أنه
стр. 6237
داخل فيها وأولى الأمة بعمومها؛ فإن لفظها لفظ العموم، وهو قوله تعالى:
وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى* الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى* وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة، فإنه كان صديقا تقيا كريما جوادا بذالا لأمواله في طاعة مولاه، ونصرة رسول الله ﷺ فكم من دراهم ودنانير بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم، ولم يكن لأحد من الناس عنده منة يحتاج إلى أن يكافئه بها، ولكن كان فضله وإحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل، ولهذا قال له عروة بن مسعود- وهو سيد ثقيف يوم صلح الحديبية-: أما والله لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، وكان الصديق قد أغلظ له في المقالة، فإذا كان هذا حاله مع سادات العرب ورؤساء القبائل فكيف بمن عداهم، ولهذا قال تعالى:
وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى * إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى وَلَسَوْفَ يَرْضى.
وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله دعته خزنة الجنة يا عبد الله هذا خير» فقال أبو بكر يا رسول الله ما على من يدعى منها ضرورة، فهل يدعى منها كلها أحد؟ قال: «نعم وأرجو أن تكون منهم»).
стр. 6238
سورة الضحى
وهي السورة الثالثة والتسعون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الخامسة من المجموعة الثانية عشرة من قسم المفصل، وهي إحدى عشرة آية وهي مكية
стр. 6239
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 6240
بين يدي سورة الضحي:
قدم ابن كثير لسورة الضحى بقوله: (روينا من طريق أبي الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي بزة المقري قال: قرأت على عكرمة بن سليمان وأخبرني أنه قرأ على إسماعيل بن قسطنطين وشبل بن عباد فلما بلغت والضحى قالا لي: كبر حتى تختم مع خاتمة كل سورة، فإنا قرأنا على ابن كثير فأمرنا بذلك، وأخبرنا أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك، وأخبره مجاهد أنه قرأ على ابن عباس فأمره بذلك، وأخبره ابن عباس أنه قرأ على أبي بن كعب فأمره بذلك، وأخبره أبي أنه قرأ على رسول الله ﷺ فأمره بذلك، فهذه سنة تفرد بها أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله البزي من ولد القاسم بن أبي بزة، وكان إماما في القراءات. فأما في الحديث فقد ضعفه أبو حاتم الرازي وقال: لا أحدث عنه، وكذلك أبو جعفر العقيلي قال: هو منكر الحديث، لكن حكى الشيخ شهاب الدين أبو شامة في شرح الشاطبية عن الشافعي أنه سمع رجلا يكبر هذا التكبير في الصلاة فقال: أحسنت وأصبت السنة، وهذا يقتضي صحة هذا الحديث. ثم اختلف القراء في موضع هذا التكبير وكيفيته فقال بعضهم: يكبر من آخر وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وقال آخرون: من آخر وَالضُّحى وكيفية التكبير عند بعضهم أن يقول: الله أكبر، ويقتصر، ومنهم من يقول: الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر. وذكر القراء في مناسبة التكبير من أول سورة الضحى أنه لما تأخر الوحي عن رسول الله ﷺ وفتر تلك المدة ثم جاء الملك فأوحى إليه وَالضُّحى * وَاللَّيْلِ إِذا سَجى السورة بتمامها كبر فرحا وسرورا، ولم يرو بإسناد ذلك يحكم عليه بصحة، ولا ضعف، فالله أعلم).
وفي أسباب نزول هذه السورة قال ابن كثير: (وروى الإمام أحمد عن الأسود بن قيس قال: سمعت جندبا يقول: اشتكى النبي ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين فأتت امرأة فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك فأنزل الله : وَالضُّحى * وَاللَّيْلِ إِذا سَجى * ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. وقد ذكر بعض السلف- منهم ابن إسحاق- أن هذه السورة هي التي أوحاها جبريل إلى رسول الله ﷺ حين تبدى له في صورته التي خلقه الله عليها، ودنا إليه وتدلى منهبطا عليه وهو بالأبطح فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى قال: قال له هذه: وَالضُّحى * وَاللَّيْلِ إِذا سَجى قال العوفي عن ابن عباس: لما نزل على رسول الله ﷺ القرآن أبطأ عنه جبريل أياما فتغير بذلك، فقال المشركون: ودعه ربه وقلاه فأنزل الله: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى).
стр. 6241
وقدم الألوسي لهذه السورة بقوله: (مكية. وآيها إحدى عشرة آية بلا خلاف.
ولما ذكر سبحانه فيما قبلها وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى وكان سيد الأتقين رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، عقب سبحانه ذلك بذكر نعمه عليه صلى الله تعالى عليه وسلم، وقال الإمام: لما كانت الأولى سورة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وهذه سورة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، عقب جل وعلا بها، ولم يجعل بينهما واسطة، ليعلم أن لا واسطة بين رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم والصديق رضي الله تعالى عنه، وتقديم سورة الصديق على سورته ﵊ لا يدل على أفضليته منه صلى الله تعالى عليه وسلم، ألا ترى أنه تعالى أقسم أولا بشيء من مخلوقاته سبحانه، ثم أقسم بنفسه في عدة مواضع منها السورة السابقة على ما علمت، والخدم قد تتقدم بين يدي السادة، وكثير من السنن أمر بتقديمه على فروض العبادة، ولا يضر النور تأخره عن أغصانه، ولا السنان كونه في أطراف مرانه، ثم إن ما ذكره زهرة ربيع لا تتحمل الفرك كما لا يخفي).
وقال صاحب الظلال في تقديمه لهذه السورة: (هذه السورة بموضوعها، وتعبيرها، ومشاهدها، وظلالها وإيقاعها، لمسة من حنان. ونسمة من رحمة. وطائف من ود.
ويد حانية تمسح على الآلام والمواجع، وتتسم بالروح والرضى والأمل. وتسكب البرد والطمأنينة واليقين.
إنها كلها خالصة للنبي ﷺ كلها نجاء له من ربه، وتسرية وتسلية وترويح وتطمين. كلها أنسام من الرحمة وأنداد من الود، وألطاف من القربى، وهدهدة للروح المتعب، والخاطر المقلق، والقلب الموجوع).
كلمة في سورة الضحى ومحورها:
تنتهي سورة الليل بقوله تعالى: وَلَسَوْفَ يَرْضى ويأتي في سورة الضحى قوله تعالى لرسوله ﷺ : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ومر معنا في سورة الليل قوله تعالى: وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى ويأتي في سورة الضحى قوله تعالى: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ومر معنا في سورة الليل قوله تعالى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى .. ، الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى ويأتي في سورة الضحى قوله تعالى:
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ* وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ .. ومن هذا ندرك صلة سورة الضحى بسورة الليل قبلها.
стр. 6242
ومن قبل في سورة الفجر التي هي بداية المجموعة الثانية عشرة مر معنا قوله تعالى:
كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ* وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ثم مر معنا في سورة البلد قوله تعالى: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ* وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ* فَكُّ رَقَبَةٍ* أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ* يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ* أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ .. وهاهنا نجد فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ* وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ .. ومن هاهنا ندرك أن الصلة بين سورة الضحى ومجموعتها واضحة.
في سورة البلد مر معنا قوله تعالى: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ وفي سورة الشمس مر معنا قوله تعالى: فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها وفي سورة الليل مر قوله تعالى: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى وفي سورة الضحى يأتي قوله تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى وفي ذلك تكامل في المعاني ما بين سور المجموعة الواحدة.
تبدأ سورة الضحى بقسم وهو علامة على أن السورة تفصل في مقدمة سورة البقرة وذلك شئ رأيناه مطردا في السياق القرآني العام، وعند التأمل في السورة نجدها خطابا لرسول الله ﷺ ، وعند ما نتأمل مقدمة سورة البقرة نجد فيها أكثر من خطاب لرسول الله ﷺ : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ فسورة الضحى تخاطب الرسول ﷺ الذي أنزل عليه القرآن ليكون القدوة العليا في التقوى وفي الشكر.
في السور السابقة على سورة الضحى كان هناك حض على معان، وفي سورة الضحى خطاب بمعان لرسول الله ﷺ القدوة العليا للمتقين، لتكون الأسوة موجودة فيها، وليعلم الناس أن أحدا ما لا يخرج عن الخطاب بهذه المعاني بل يطالب بها أكرم الخلق على الله . فيا ويل الذين يرون أنفسهم خارجين عن خطاب الشرع، ولعنة الله عليهم وعلى أئمتهم الذين أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال فتابعوهم، فجعلوا أنفسهم أربابا وتابعهم الأتباع فأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا. ومن السورة التي يتوجه فيها الخطاب لرسول الله ﷺ ندرك أن النعمة تقتضي شكرا يتمثل بعمل لا يستثنى من ذلك أحد، حتى رسول الله ﷺ يطالب بذلك أكثر من غيره، ولذلك كان رسول الله ﷺ يقول: «إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا».
إن السورة بمجموعها تربي سيد الخلق الأسوة العليا ولذلك فهي من جانب خطاب
стр. 6243
لكل إنسان، فيما ليس من خصوصياته ﵊، فلنر السورة ولنعرضها عرضا واحدا.
سورة الضحى
وهي إحدى عشرة آية وهذه هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الضحى (٩٣): الآيات ١ الى ١١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤)
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩)
وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)
التفسير:
وَالضُّحى قال ابن كثير: وهذا قسم منه تعالى بالضحى، وما جعل فيه من الضياء، وقال النسفي: المراد به وقت الضحى، وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس
وَاللَّيْلِ إِذا سَجى أي: سكن فأظلم وادلهم. قال ابن كثير: وذلك دليل ظاهر على قدرة خالق هذا وهذا.
قال النسفي: وجواب القسم ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ أي:
ما تركك وَما قَلى أي: وما أبغضك. قال النسفي: أي: ما تركك منذ اختارك، وما أبغضك منذ أحبك، والتوديع مبالغة في الودع، لأن من ودعك مفارقا فقد بالغ في تركك
وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى قال النسفي: (أي: ما أعد الله لك في الآخرة من المقام المحمود، والحوض المورود، والخير الموعود، خير مما أعجبك في الدنيا، وقيل: وجه اتصاله بما قبله أنه لما كان في ضمن التوديع والقلى أن الله مواصلك
стр. 6244
بالوحي إليك، وأنك حبيب الله، ولا ترى كرامة أعظم من ذلك، أخبره أن حاله في الآخرة أعظم من ذلك لتقدمه على الأنبياء، وشهادة أمته على الأمم، وغير ذلك
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ في الآخرة من الثواب ومقام الشفاعة وغير ذلك).
فَتَرْضى فما أعظمها من بشارة له ولأمته ﷺ
ثم قال تعالى- يعدد نعمه على عبده ورسوله محمد ﷺ فقال: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى قال النسفي: (والمعنى: ألم تكن يتيما حين مات أبواك فآواك إلى عمك أبي طالب، وضمك إليه حتى كفلك ورباك)
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى قال النسفي: (أي: وجدك غير عالم، ولا واقف على معالم النبوة، وأحكام الشريعة وما طريقه السمع فَهَدى أي: فعرفك الشرائع والقرآن .. ولا يجوز أن يفهم به عدول عن حق ووقوع في غي، فقد كان ﵊ من أول حاله إلى نزول الوحي عليه معصوما من عبادة الأوثان. وقاذورات أهل الفسق والعصيان)
وَوَجَدَكَ عائِلًا أي فقيرا فَأَغْنى قال ابن كثير:
أي: كنت فقيرا ذا عيال فأغناك الله عمن سواه، فجمع له بين مقامي الفقير الصابر والغني الشاكر.
كلمة في السياق:
ما صلة قوله تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى * وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى بما قبلها أي بقوله تعالى: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى؟ قال النسفي: (عدد عليه نعمه من أول حاله ليقيس المرتقب من فضل الله على ما سلف منه، لئلا يتوقع إلا الحسنى وزيادة الخير، ولا يضيق صدره ولا يقل صبره) أقول: وسنرى صلة تعداد النعم عليه ﷺ بما بعدها من خلال ما سننقله من كلام ابن كثير، ولنعد إلى التفسير.
قال قتادة في قوله تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى * وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى: كانت هذه منازل رسول الله ﷺ قبل أن يبعثه الله .
стр. 6245
قال تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ قال النسفي: أي: فلا تغلبه على ماله وحقه لضعفه، وقال ابن كثير: أي: كما كنت يتيما فآواك الله فلا تقهر اليتيم، أي: لا تذله وتنهره وتهنه، ولكن أحسن إليه، وتلطف به، وقال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم.
وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ قال النسفي: أي: فلا تزجره، فابذل قليلا أو رد جميلا، وعن السدي: المراد طالب العلم إذا جاءك فلا تنهره). أقول: عدم نهر السائل عن العلم يدخل في الآية وليس وحده مرادا بها. قال ابن كثير: (أي: وكما كنت ضالا فهداك الله فلا تنهر السائل في العلم المسترشد). أقول: ويحتمل أن يكون المعنى كما كنت فقيرا فأغنيناك فلا تنهر الفقير إذا جاءك سائلا، وقال ابن إسحاق في الآية: فلا تكن جبارا ولا متكبرا، ولا فحاشا ولا فظا على الضعفاء من عباد الله، وقال قتادة:
يعني: رد المسكين برحمة ولين. أقول: لو قال قتادة بدل (رد) خاطب لكان ذلك أجود
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ قال النسفي: أي: حدث بالنبوة التي آتاك الله، وهي أجل النعم، والصحيح أنها تعم جميع نعم الله عليه، ويدخل تحته تعليم القرآن والشرائع. وقال ابن كثير: أي: وكما كنت عائلا فقيرا فأغناك الله فحدث بنعمة الله عليك. أقول: الأمر بالتحديث بنعم الله أعم من أن يكون المراد به نعمة دنيوية أو دينية. إن الحديث عن النعم كلها ظاهرة وباطنة أدب النبوة، وأدب المسلم، كما سنرى في الفوائد، وبهذا انتهت السورة.
كلمة في السياق:
١ - إن السورة تذكر رسول الله ﷺ باليتم والفقر والغفلة، وتأمره بناء على ذلك الأوامر المذكورة، وهي بذلك تذكر المسلم من طرف خفي بأن رسول الله ﷺ كان يتيما فارحموا اليتامى، وأكرموهم، وأن رسول الله ﷺ كان فقيرا، فارحموا الفقراء وأكرموهم، وتواصوا في شأنهم خيرا، وأن رسول الله ﷺ كان غافلا قبل النبوة فاعطفوا على الغافلين وعلموهم، وصلة ذلك بالمعاني التي وردت في السور السابقة لا تخفي.
٢ - إن الأمر لرسول الله ﷺ أمر لأمته ما لم ينص على خصوصيته ﷺ بهذا الأمر، ومن ثم فهذه الأوامر ينبغي أن تأخذ مداها في التطبيق.
٣ - رأينا من السورة أن النعمة تقتضي شكرا، فهذا رسول الله ﷺ يمن الله عليه
стр. 6246
بالنعمة، ويطالبه بشكرها عملا. وتلك سنة الله اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً.
٤ - إن خطاب رسول الله ﷺ بقوله تعالى: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ..
وبقوله تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى .. تذكير للمسلمين بأن هذا هو رسولكم يا مسلمون، منعم عليه من الله ، ومأمور من الله ﷻ وهو قدوتكم في الصبر، وفي الشكر، وفي كل خير- فتابعوه، وآمنوا به، وآمنوا بما أنزل عليه من وحي وهدى واقتدوا به في شأنه كله، وصلة ذلك بمقدمة سورة البقرة وهي: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ
يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
. إن صلة ذلك بهذه الآيات واضحة، عدا عن كون السورة فصلت في قضايا إيمانية، وقضايا مرتبطة بالإنفاق، وقضايا مرتبطة باتباع الكتاب، وقضايا مرتبطة بالإيمان باليوم الآخر، وقضايا مرتبطة بالفلاح في اليوم الآخر، ولعله بهذا كله اتضح لدينا صلة السورة بالسور قبلها، كما اتضح لنا سياقها الخاص، وصلتها بمحورها وسنرى صلتها بما بعدها فيما بعد.
الفوائد:
١ - بمناسبة قوله تعالى: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (قال ابن كثير:
وللدار الآخرة خير لك من هذه الدار، ولهذا كان رسول الله ﷺ أزهد الناس في الدنيا وأعظمهم لها إطراحا كما هو معلوم بالضرورة من سيرته، ولما خير ﵇ في آخر عمره بين الخلد في الدنيا إلى آخرها ثم الجنة، وبين الصيرورة إلى الله اختار ما عند الله على هذه الدنيا الدنية. روى الإمام أحمد عن عبد الله- هو ابن مسعود- قال: اضطجع رسول الله ﵌ على حصير فأثر في جنبه فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه وقلت: يا رسول الله ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئا فقال رسول الله ﵌: «ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظل تحت شجرة ثم راح وتركها» ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث المسعودي وقال الترمذي: حسن صحيح).
стр. 6247
٢ - بمناسبة قوله تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى قال ابن كثير:
(أي: في الدار الآخرة يعطيه حتى يرضيه في أمته وفيما أعد له من الكرامة ومن جملته نهر الكوثر الذي حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف وطينه مسك أذفر كما سيأتي. وروى الإمام أبو عمرو الأوزاعي عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه قال: عرض على رسول الله ﷺ ما هو مفتوح على أمته من بعده كنزا كنزا فسر بذلك فأنزل الله وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى فأعطاه في الجنة ألف ألف قصر في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من طريقه، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ومثل هذا ما يقال إلا عن توقيف، وقال السدي عن ابن عباس: من رضاء محمد ﷺ أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وقال الحسن:
يعني بذلك الشفاعة، وهكذا قال أبو جعفر الباقر، وروى أبو بكر ابن أبي شيبة عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، ولسوف يعطيك ربك فترضى»).
٣ - بمناسبة قوله تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى قال ابن كثير: (وذلك أن أباه توفي وهو حمل في بطن أمه، وقيل: بعد أن ولد ﵇، ثم توفيت أمه آمنة بنت وهب وله من العمر ست سنين، ثم كان في كفالة جده عبد المطلب إلى أن توفي وله من العمر ثمان سنين، فكفله عمه أبو طالب، ثم لم يزل يحوطه وينصره، ويرفع من قدره ويوقره، ويكف عنه أذى قومه بعد أن ابتعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره، هذا وأبو طالب على دين قومه من عبادة الأوثان، وكل ذلك بقدر الله وحسن تدبيره إلى أن توفي أبو طالب قبل الهجرة بقليل، فأقدم عليه سفهاء قريش وجهالهم، فاختار الله له الهجرة من بين أظهرهم إلى بلد الأنصار من الأوس والخزرج، كما أجرى الله سنته على الوجه الأتم الأكمل، فلما وصل إليهم آووه ونصروه وحاطوه، وقاتلوا بين يديه ﵃ أجمعين، وكل هذا من حفظ الله له وكلاءته وعنايته به).
٤ - بمناسبة قوله تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى قال ابن كثير: (وقوله تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى كقوله: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا الآية ومنهم من قال: إن المراد بهذا أن النبي ﷺ ضل في شعاب مكة، وهو صغير ثم رجع، وقيل: إنه ضل وهو مع عمه في طريق الشام، وكان راكبا ناقة في
стр. 6248
الليل، فجاء إبليس فعدل بها عن الطريق، فجاء جبريل فنفخ إبليس نفخة ذهب منها إلى الحبشة، ثم عدل بالراحلة إلى الطريق، حكاهما البغوي).
أقول: القول الأول هو الذي عليه المعول.
٥ - عند قوله تعالى: وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى قال النسفي: ووجدك فقيرا فأغناك بمال خديجة، أو بما أفاء عليك من الغنائم. أقول: إن ذكر الغنائم في هذا المقام بعيد جدا، فالسورة مكية، وتتحدث عن شئ حدث، والغنائم كانت في المدينة، وغناه ﵇ بمال خديجة من حيث إنه كان يعمل فيه، فالرسول ﷺ كان يعمل من كسب يده، وإنما رأس المال من خديجة قبل النبوة وبعدها، إلا أن ظروف الدعوة بعد النبوة، وصدق أمنا خديجة ﵂، وتفانيها في خدمة دعوة الله ، وخدمة رسول الله ﷺ أفنيا الكثير من مالها. وبمناسبة الآية المذكورة، أشار ابن كثير إلى معنى آخر للغنى، قال ابن كثير: (وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس» وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : «قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه». أقول: هذا جزء من غنى رسول الله ﷺ والمراد بالآية أعم من ذلك.
٦ - بمناسبة قوله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ قال ابن كثير: (كما جاء في الدعاء المأثور النبوي: «واجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها عليك قابليها وأتمها علينا» وروى ابن جرير عن أبي نضرة قال: كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها.
وروى عبد الله بن الإمام أحمد عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ على المنبر: «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب» وإسناده ضعيف. وفي الصحيحين عن أنس أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله
ذهب الأنصار بالأجر كله! قال: «لا ما دعوتم الله لهم، وأثنيتم عليهم» وروى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» ورواه الترمذي وقال:
صحيح. وروى أبو داود عن جابر عن النبي ﷺ قال: «من أبلي بلاء فذكره فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره» تفرد به أبو داود. وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله
стр. 6249
قال: قال رسول الله ﷺ : «من أعطي عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره» تفرد به أبو داود، وقال مجاهد: يعني النبوة التي أعطا ربك وفي رواية عنه: القرآن. وقال ليث: عن رجل عن الحسن بن علي وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ قال: ما عملت من خير فحدث إخوانك، وقال محمد ابن إسحاق: ما جاءك من الله من نعمة وكرامة من النبوة فحدث بها، واذكرها، وادع إليها، قال: فجعل رسول الله ﷺ يذكر ما أنعم الله به عليه من النبوة سرا إلى من يطمئن إليه من أهله وافترضت عليه الصلاة فصلى).
стр. 6250
سورة الشرح
وهي السورة الرابعة والتسعون بحسب الرسم القرآني وهي السورة السادسة والأخيرة من المجموعة الثانية عشرة من قسم المفصل، وهي ثماني آيات وهي مكية
стр. 6251
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 6252
قال الألوسي في سورة الشرح: وآيها ثمان بالاتفاق. وهي شديدة الاتصال بسورة الضحى، حتى إنه روي عن طاوس وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يقولان: هما سورة واحدة .. والحق أن مدار مثل ذلك، الرواية لا الدراية، والمتواتر: كونهما، سورتين والفصل بينهما بالبسملة. نعم هما متصلتان معنى جدا).
وقال صاحب الظلال: (نزلت هذه السورة بعد سورة الضحى، وكأنها تكملة لها، فيها ظل العطف الندي. وفيها روح مناجاة الحبيب للحبيب، وفيها استحضار مظاهر العناية، واستعراض مواقع الرعاية، وفيها البشرى باليسر والفرج، وفيها التوجيه إلى سر اليسر وحبل الاتصال الوثيق .. ).
كلمة في سورة ألم نشرح ومحورها:
تنتهي سورة الضحى بقوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ ... وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ وتبدأ سورة الشرح بقوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ .. فالأوامر الثلاثة التي وردت في سورة الضحى تتوسط بين تذكير بالنعم أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى .. أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ... فصلة السورتين ببعضهما لا تخفى ..
وسورة الضحى من أولها إلى آخرها خطاب لرسول الله ﷺ ، وكذلك سورة الشرح، كلها خطاب لرسول الله ﷺ وهذا مظهر آخر من مظاهر الصلة بين السورتين.
رأينا أن سورة الضحى والسور الأربع قبلها فصلت في مقدمة سورة البقرة، وكانت كلها مبدوءة بقسم، وسورة الشرح لا تبدأ بقسم، بينما تأتي بعدها سورة وَالتِّينِ وهي مبدوءة بقسم، مما يشير إلى أن سورة أَلَمْ نَشْرَحْ هي نهاية مجموعتها، وبالتأمل في معانيها نجد أنها تفصل فيما بعد مقدمة سورة البقرة، أي: في قوله تعالى:: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ بدليل أن السورة تنتهي بقوله تعالى فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ* وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ وكما أن الآية التي جاءت بعد مقدمة سورة البقرة دلت على أن الطريق إلى التقوى هو العبادة، فإن سورة الشرح تدل على الطريق الذي به يتحقق رسول الله ﷺ ، ومن يتأسى به بكل المعاني العليا التي حضت عليها السور الخمس السابقة على سورة أَلَمْ نَشْرَحْ إن التحقق بالخصائص العليا من إكرام اليتيم، والحض على طعام
стр. 6253
المسكين، وأكل الحلال، والزهد في المال، ومعرفة الله ، واقتحام عقبات النفوس بالإعتاق، والإطعام، والإيمان، والتواصي بالصبر والمرحمة، والعطاء عامة، والتقوى، والتصديق بالحسنى، وترك البخل، وعدم الإعراض والتكذيب بالجنة، والخطاب الحسن للسائلين، والرفق باليتامى، والتحديث عن نعم الله، إن هذه المعاني العليا إنما يتحقق بها من إذا فرغ من شأن الدنيا تعب في العبادة ورغب إلى الله في الدعاء.
فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ* وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ ومن ثم فإن سورة (ألم نشرح) تشرح الطريق لرسول الله ﷺ وهو القدوة العليا لكل مسلم ليتأس بذلك المسلمون، وعلى قدر أخذ المسلم من هذا المقام يتحقق بالمعاني العليا التي ذكرتها السور السابقة.
إن للسورة- ككل سورة- سياقها الخاص، وصلتها بمحورها وصلتها بما قبلها وما بعدها، فلنر ذلك كله في عرضنا للسورة.
سورة الشرح
وهي ثمان آيات وهذه هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الشرح (٩٤): الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦) فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)
التفسير:
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ قال النسفي: استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار، فأفاد إثبات الشرح، فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك ... أو فسحناه بما
стр. 6254
أودعناه العلوم والحكمة حتى وسع هموم النبوة ودعوة الثقلين. فأزلنا عنه الضيق والحرج الذي يكون مع العمى والجهل. وقال ابن كثير: يعني إنا شرحنا لك صدرك، أي:
نورناه وجعلناه فسيحا رحيبا واسعا. كقوله: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وكما شرح الله صدره كذلك جعل شرعه فسيحا واسعا سمحا سهلا لا حرج فيه ولا إصرار ولا ضيق
وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ أي: حملك الثقيل، قال ابن كثير: بمعنى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وقال النسفي: أي:
وخففنا عنك أعباء النبوة والقيام بأمرها، وقيل: ترك الأفضل مع إتيان الفاضل والأنبياء يعاتبون بمثلها.
الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ. قال ابن كثير: أي: أثقلك حمله. وقال النسفي: أي: أثقله حتى سمع نقيضه وهو صوت الانتقاض
وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ قال النسفي: (ورفع ذكره أن قرن بذكر الله في كلمة الشهادة والأذان والإقامة والخطب والتشهد وفي غير موضع من القرآن: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ* وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ* وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ وفي تسميته رسول الله ونبي الله ومنه ذكره في كتب الأولين).
وبعد أن عدد الله بعض نعمه على رسوله ﷺ ومنها تخفيف الحمل، تأتي فقرة تبين أن سنته المطردة أن يجعل مع العسر يسرا، ولذلك قال تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً قال ابن كثير: أخبر تعالى أن مع العسر يوجد اليسر،
ثم أكد هذا الخبر إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً. قال النسفي: (كأنه قال: خولناك ما خولناك فلا تيأس من فضل الله فإن مع العسر الذي أنتم فيه يسرا، أي: إن مع الشدة يسرا) قال النسفي:
وجئ بلفظ (مع) لغاية مقاربة اليسر العسر زيادة في التسلية ولتقوية القلوب. وقال سعيد بن جبير عن قتادة: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ بشر أصحابه بهذه الآية، فقال:
«لن يغلب عسر يسرين». قال ابن كثير: ومعنى هذا أن العسر معرف في الحالتين فهو مفرد، واليسر منكر. فتعدد ولهذا قال: «لن يغلب عسر يسرين» يعني قوله: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً فالعسر الأول عين الثاني واليسر تعدد.
عددت الفقرة الأولى بعض نعم الله على رسوله ﷺ ثم ذكرت الفقرة الثانية سنة مطردة لله في مرافقة اليسر للعسر حتى يزيله، وفي ذلك نعمة
стр. 6255
أخرى، وعدة من الله فإذا فهم هذا كله فإن الفقرة الأخيرة تأتي آمرة رسول الله ﷺ بالعبادة شكرا لله على نعمه، وكطريق يساعد على تحمل العسر حتى يتلاشى.
قال تعالى: فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ قال النسفي: أي: إذا فرغت من دعوة الخلق فاجتهد في عبادة الرب
وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ قال النسفي: أي: واجعل رغبتك إليه خصوصا، ولا تسأل إلا فضله متوكلا عليه. وقال ابن كثير في الآيتين:
(أي: إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها وقطعت علائقها فانصب إلى العبادة، وقم إليها نشيطا فارغ البال، وأخلص لربك النية والرغبة). أقول: وفي الآيتين أقوال أخرى سنراها في الفوائد . والذي أرجحه أنه أمر لرسول الله ﷺ بالتعب في العبادة بعد الفراغ من أشغال الدنيا والدعوة. وأن يقبل على الله بالدعاء، فإن العبادة والدعاء زاد الطريق لتجاوز المحنة، ومظهر العبودية الخالصة لله شكرا له، وواضح أن المراد بالتعب التعب في الصلاة، فالصلاة هي ذروة العبادة.
كلمة في السياق:
وضح لنا من خلال عرض السورة سياقها الخاص، ورأينا أنها تأمر بالصلاة والدعاء، وذلك يعرفنا على أن الصلاة والدعاء داخلان في العبادة، فهي تفصيل لقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ومن صلة السورة بالمحور نعلم أن هذا طريق للتقوى التي فصلت فيها السور الخمس السابقة على سورة أَلَمْ نَشْرَحْ من مجموعتها.
الفوائد:
١ - ذهب بعضهم ذهابا بعيدا إلى أن المراد بالشرح في الآية حادثة شق الصدر، وهو معنى بعيد. ومع هذا فقد ذكره ابن كثير ونحن ننقله للفائدة. قال ابن كثير:
(وقيل: المراد بقوله: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ شرح صدره ليلة الإسراء كما تقدم من رواية مالك بن صعصعة وقد أورده الترمذي هاهنا، وهذا وإن كان واقعا ليلة
الإسراء، كما رواه مالك بن صعصعة، ولكن لا منافاة، فإن من جملة شرح صدره الذي فعل بصدره ليلة الإسراء، وما نشأ عنه من الشرح المعنوي أيضا، فالله أعلم.
стр. 6256
روى عبد الله بن الإمام أحمد عن أبي بن كعب أن أبا هريرة كان جريئا على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء لا يسأله عنها غيره، فقال: يا رسول الله ما أول ما رأيت من أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله ﷺ جالسا وقال: «لقد سألت يا أبا هريرة، إني في الصحراء ابن عشر سنين وأشهر، وإذا بكلام فوق رأسي، وإذا رجل يقول لرجل: أهو هو؟ فاستقبلاني بوجوه لم أرها قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلا إلي يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي لا أجد لأحدهما مسا، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه، فأضجعاني بلا قصر ولا هصر، فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فهوى أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له: أخرج الغل والحسد، فأخرج شيئا كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها، فقال له:
أدخل الرأفة والرحمة فإذا مثل الذي أخرج شبه الفضة ثم هز إبهام رجلي اليمني فقال: أعد واسلم، فرجعت بها أعدو رقة على الصغير، ورحمة للكبير».
لاحظ أن ابن كثير قدم لهذا القول بكلمة (وقيل) التي تفيد التضعيف فحادثة شق الصدر واقعة تكررت في حياة رسول الله ﷺ ولكن سورة الشرح لا تتحدث عنها بل تتحدث عن شرح الصدر بالإسلام أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ.
٢ - عند قوله تعالى: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ قال ابن كثير: (قال مجاهد:
لا أذكر إلا ذكرت معي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وقال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وروى ابن جرير عن أبي سعيد عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أتاني جبريل فقال: إن ربي وربك يقول: كيف رفعت ذكرك: قال: الله أعلم، قال: إذا ذكرت ذكرت معي» وكذا رواه ابن أبي حاتم بإسناده. وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «سألت ربي مسألة وددت أني لم أسأله قلت: قد كان قبلي أنبياء منهم من سخرت له الريح ومنهم من يحيي الموتى، قال: يا محمد ألم أجدك يتيما فآويتك؟ قلت: بلى يا رب، قال: ألم أجدك ضالا فهديتك؟ قلت: بلى يا رب، قال: ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ قلت: بلى يا رب، قال: ألم أشرح لك صدرك؟ ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت بلى يا رب». وروى أبو نعيم في دلائل النبوة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «لما فرغت مما أمرني به من أمر
стр. 6257
السموات والأرض قلت: يا رب إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد كرمته، جعلت إبراهيم خليلا، وموسى كليما، وسخرت لداود الجبال، ولسليمان الريح والشياطين، وأحييت لعيسى الموتى، فما جعلت لي؟ قال: أو ليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله أني لا أذكر إلا ذكرت معي؟ وجعلت صدور أمتك أناجيل يقرءون القرآن ظاهرا ولم أعطها أمة؟ وأعطيتك كنزا من كنوز عرشي لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» وحكى البغوي عن ابن عباس ومجاهد أن المراد بذلك الأذان يعني: ذكره فيه).
٣ - عند قوله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ جالسا وحياله جحر فقال: «لو جاء العسر فدخل هذا الجحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه» فأنزل الله : فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ورواه أبو بكر البزار.
في مسنده ولفظه: «لو جاء العسر حتى يدخل هذا الجحر لجاء اليسر حتى يخرجه» ثم قال: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ثم قال البزار: لا نعلم رواه عن أنس إلا عائذ بن شريح (قلت) وقد قال فيه أبو حاتم الرازي: في حديثه ضعف، ولكن رواه شعبة عن معاوية بن قرة عن رجل عن عبد الله بن مسعود موقوفا. وروى ابن أبي حاتم عن الحسن قال: كانوا يقولون: لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين. وروى ابن جرير عن الحسن قال: خرج النبي ﷺ يوما مسرورا فرحا وهو يضحك وهو يقول:
«لن يغلب عسر يسرين، لن يغلب عسر يسرين، فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا» وكذا رواه عن الحسن مرسلا وقال سعيد عن قتادة: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ بشر أصحابه بهذه الآية فقال: «لن يغلب عسر يسرين» ومعنى هذا أن العسر معرف في الحالين فهو مفرد، واليسر منكر فتعدد، ولهذا قال: «لن يغلب عسر يسرين» يعني قوله: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً فالعسر الأول عين الثاني واليسر تعدد. وروى الحسن بن سفيان عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «نزل المعونة من السماء على قدر المئونة، ونزل الصبر على قدر المصيبة»).
٤ - بمناسبة قوله تعالى: فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ* وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ. قال النسفي: (أي: فإذا فرغت من دعوة الخلق فاجتهد في عبادة الرب، وعن ابن عباس ﵄: فإذا فرغت من صلاتك فاجتهد في الدعاء، واختلف أنه قبل السلام أو بعده، ووجه الاتصال بما قبله أنه لما عدد عليه نعمه السالفة، ومواعيده الآتية بعثه على
стр. 6258
الشكر والاجتهاد في العبادة والنصب فيها، وأن يواصل بين بعضها وبعض، ولا يخلي وقتا من أوقاته منها فإذا فرغ من عبادة أتبعها بأخرى). وقال ابن كثير: (أي: إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها وقطعت علائقها فانصب إلى العبادة، وقم إليها نشيطا فارغ البال، وأخلص لربك النية والرغبة، ومن هذا القبيل قوله ﷺ في الحديث المتفق على صحته: «لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان» وقوله ﷺ : «إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدءوا بالعشاء» قال مجاهد في هذه الآية: إذا فرغت من أمر الدنيا فقمت إلى الصلاة فانصب لربك وفي رواية عنه: إذا قمت إلى الصلاة فانصب في حاجتك. وعن ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل، وابن عباس نحوه، وفي رواية عن ابن مسعود فَانْصَبْ* وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ بعد فراغك من الصلاة وأنت جالس، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: فإذا فرغت فانصب يعني في الدعاء. وقال زيد ابن أسلم والضحاك فَإِذا فَرَغْتَ أي: من الجهاد فَانْصَبْ أي: في العبادة. وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ قال الثوري:
اجعل نيتك ورغبتك إلى الله .
كلمة أخيرة في المجموعة الثانية عشرة من قسم المفصل:
رأينا أن المجموعة الثانية عشرة قد فصلت في الأساس والطريق، فأقامت صرحا جديدا في موضوع إقامة التقوى، وتحرير الإنسان من الكفر. ففصلت في التقوى.
وما يدخل فيها، وفصلت في الكفر وما يدخل فيه، وفصلت في الطريق إلى التقوى، وحررت من الكفر وأخلاقه، فأضافت إلى المجموعات السابقة عليها معاني جديدة، وأكدت معاني مذكورة من قبل.
وقد رأينا أن كل سورة من سور القرآن فيها جديد، وهذا معنى أحببنا تركيزه ولفت النظر إليه في المجموعات الأخيرة حتى لا يفهم فاهم أن شيئا من القرآن يغني عن بقية القرآن، نعم إن كل جزء من أجزاء القرآن، وكل مجموعة من مجموعاته، تذكر بالمعاني القرآنية، كلها، فمن هذه الحيثية فكل جزء من القرآن بل السورة الواحدة منه كافية للتذكير لمن أراد أن يتذكر، ولكن القرآن بمجموعه هو الذي به كمل الدين، وهو الذي به تم تفصيل كل شئ، وبيان كل شئ، فلا يحيط الإنسان بمجموع ما يلزمه من المعاني القرآنية إلا بمجموع القرآن.
стр. 6259
وقد رأينا في المجموعة الثانية عشرة ما اعتدنا أن نراه في كل مجموعة من تكامل وصلات، كما رأينا أن لكل سورة منها سياقها الخاص، وصلتها بما قبلها وما بعدها، ولننتقل إلى مجموعة جديدة هي المجموعة الثالثة عشرة.
стр. 6260
المجموعة الثالثة عشرة من القسم الرابع من أقسام القرآن المسمى بقسم المفصل
وتشمل سور:
التين، والعلق، والقدر، والبينة، والزلزلة
стр. 6261
كلمة في المجموعة الثالثة عشرة من قسم المفصل
تتألف المجموعة الثالثة عشرة من خمس سور، وقد دلنا على بدايتها ونهايتها أكثر من شئ، فأول سورة فيها مبدوءة بقسم، وتلك علامة على مجموعة جديدة، كما أنه بعد سورة الزلزلة تأتي سورة العاديات، وهي مبدوءة بقسم مما يشير إلى أن سورة الزلزلة نهاية مجموعتها. والملاحظ أن سورة الزلزلة تتحدث عن الساعة، وهي مبدوءة فَإِذا وقد رأينا من قبل أن كل سورة بدأت بإذا كانت نهاية مجموعة، وهذا يجعلنا نستأنس أن سورة الزلزلة هي نهاية مجموعتها.
وعلى هذا فإن المجموعة الثالثة عشرة بدايتها سورة التين، ونهايتها سورة الزلزلة، فهي تفصل- ككل مجموعة- في مقدمة سورة البقرة إلى حيث يقف تفصيلها الذي تقودنا إليه المعاني، وواضح من المجموعة أن سورة التين تفصل في مقدمة سورة البقرة، وأن سورة العلق تفصل في ما بعد المقدمة مباشرة، أي: في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وتأتي سورة القدر لتفصل في قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا وتأتي سورة البينة لتفصل في الآيتين السادسة والعشرين والسابعة والعشرين من سورة البقرة، وتأتي سورة الزلزلة لتفصل في الآية بعد ذلك: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. وكل ذلك سنراه بالتفصيل، فلنبدأ عرض المجموعة سورة سورة.
стр. 6262
سورة التين
وهي السورة الخامسة والتسعون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الأولى من المجموعة الثالثة عشرة من قسم المفصل، وهي ثماني آيات وهي مكية
стр. 6263
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 6264
كلمة في سورة التين ومحورها:
سورة التين تفصل في مقدمة سورة البقرة. وهي تتحدث عن الإنسان وكمال خلقته ورده إلى أسفل سافلين، إلا إذا كان مؤمنا عاملا للصالحات، كما تقيم الحجة على الكافرين بالبعث. ولذلك كله صلته بالكلام عن المتقين والكافرين في مقدمة سورة البقرة كما سنرى ذلك تفصيلا.
سورة أَلَمْ نَشْرَحْ انتهت بقوله تعالى: فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ* وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ وسورة التين يأتي فيها قوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ* ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ فالصلة واضحة بين نهاية سورة أَلَمْ نَشْرَحْ وبداية سورة التين فسورة أَلَمْ نَشْرَحْ تأمر بالعمل الصالح، وسورة التين تبين أنه لا خلاص من السقوط إلا بالإيمان والعمل الصالح.
وقال الألوسي عن سورة التين: (وآيها ثمان آيات في قولهم جميعا. ولما ذكر سبحانه في السورة السابقة حال أكمل النوع الإنساني بالاتفاق، بل أكمل خلق الله على الإطلاق صلى الله تعالى عليه وسلم، ذكر في هذه السورة حال النوع، وما ينتهي إليه أمره، وما أعد سبحانه لمن آمن منه بذلك الفرد الأكمل، وفخر
هذا النوع المفضل صلى الله تعالى عليه وسلم، وشرف وعظم وكرم).
فلنر السورة.
стр. 6265
سورة التين
وهي ثمان آيات وهذه هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة التين (٩٥): الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨)
التفسير:
وَالتِّينِ قال مجاهد: هو تينكم هذا وَالزَّيْتُونِ. قال مجاهد وعكرمة:
هو هذا الزيتون الذي تعصرون. قال النسفي: أقسم بهما لأنهما عجيبان من بين الأشجار المثمرة
وَطُورِ سِينِينَ أي: وجبل سيناء وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى ﵇
وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ قال ابن كثير: يعني: مكة .. ولا خلاف في ذلك. قال النسفي: (ومعنى القسم بهذه الأشياء: الإبانة عن شرف البقاع المباركة، وما ظهر فيها من الخير والبركة بسكنى الأنبياء والأولياء، فمنبت التين والزيتون مهاجر إبراهيم ومولد عيسى ومنشؤه، والطور: المكان الذي نودي منه موسى، ومكة مكان البيت الذي هو هدى للعالمين، ومولد نبينا ومبعثه صلوات الله عليهم أجمعين، أو الأولان قسم بمهبط الوحي على عيسى، والثالث على موسى، والرابع على محمد ﵈.
وقال ابن كثير: (وقال بعض الأئمة- أي: في الأقسام الأربعة-: هذه محال ثلاثة بعث الله في كل واحد منها نبيا مرسلا من أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار (فالأولى) محلة التين والزيتون وهي بيت المقدس التي بعث الله فيها عيسى ابن مريم عليه السلام
стр. 6266
(والثاني) طور سينين، وهو طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى بن عمران (والثالث) مكة وهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمنا، وهو الذي أرسل فيه محمد ﵌، قالوا: وفي آخر التوراة ذكر هذه الأماكن الثلاثة: جاء الله من طور سيناء- يعني: الذي كلم الله عليه موسى بن عمران- وأشرق من ساعير- يعني:
جبل بيت المقدس الذي بعث الله منه عيسى- واستعلن من جبال فاران يعني: جبال مكة التي أرسل الله منها محمدا ﷺ فذكرهم مخبرا عنهم على الترتيب الوجودي بحسب ترتبهم في الزمان ولهذا أقسم بالأشرف ثم الأشرف منه ثم بالأشرف منهم).
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ قال ابن كثير: هذا هو المقسم عليه.
(وهو أنه تعالى خلق الإنسان في أحسن صورة وشكل، منتصب القامة سوي الأعضاء حسنها) وقال النسفي: أي: في أحسن تعديل لشكله وصورته وتسوية أعضائه
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ قال ابن كثير: أي: إلى النار ... أي: ثم بعد هذا الحسن والنضارة مصيره إلى النار، إن لم يطع الله ويتبع الرسل، وقال النسفي: (أي: ثم كان عاقبة أمره حين لم يشكر نعمة تلك الخلقة الحسنة القويمة السوية أن رددناه أسفل من سفل، خلقا وتركيبا يعني: أقبح من قبح صورة وهم أصحاب النار، أو أسفل من سفل من أهل الدركات، أو ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل في حسن الصورة والشكل حيث نكسناه في خلقه فقوس ظهره بعد اعتداله، وابيض شعره بعد سواده، وتشثن جلده، وكل سمعه وبصره، وتغير كل شئ منه، فمشيه دلف، وصوته خفات، وقوته ضعف، وشهامته خرف).
أقول: وقد رد ابن كثير هذا القول الأخير، ولو اختاره ابن جرير، فقال: (ولو كان هذا هو المراد لما حسن استثناء المؤمنين من ذلك، لأن الهرم قد يصيب بعضهم، وإنما المراد ما ذكرناه كقوله تعالى: وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فهؤلاء لا يردون إلى أسفل سافلين بل فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ أي: غير مقطوع). أقول: وهذا يؤكد كلام ابن كثير بأن المراد رده أسفل سافلين في الآخرة، بدليل أن المستثنين ذكر مآلهم في الآخرة، فما ذهب إليه ابن جرير وجه ضعيف.
فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أي: بالجزاء في المعاد. قال النسفي:
(الخطاب للإنسان على طريقة الالتفات، أي: فما سبب تكذيبك- بعد هذا البيان القاطع والبرهان الساطع- بالجزاء؟ أو المعنى: إن خلق الإنسان من نطفة، وتقويمه
стр. 6267
بشرا سويا، وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي، ثم تنكيسه إلى أن يبلغ أرذل العمر، لا ترى دليلا أوضح منه على قدرة الخالق، وأن من قدر على خلق الإنسان وعلى هذا كله لم يعجز عن إعادته، فما سبب تكذيبك بالجزاء، أو الخطاب لرسول الله ﷺ أي: فمن ينسبك إلى الكذب بعد هذا الدليل؟ فما بمعنى: من).
أقول: إن ابن كثير لم يذكر إلا الاتجاه الأول مع ملاحظة أنه لا يفسر أَسْفَلَ سافِلِينَ بما ذكره النسفي. قال ابن كثير: (فما يكذبك- أي: يا ابن آدم- بعد بالدين أي: بالجزاء
في المعاد، ولقد علمت البداءة، وعرفت أن من قدر على البداءة فهو قادر على الرجعة بطريق الأولى: فأي شئ يحملك على التكذيب بالمعاد، وقد عرفت هذا؟ روى ابن أبي حاتم عن منصور قال: قلت لمجاهد: فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ عنى به النبي ﷺ ؟ قال: معاذ الله، عنى به الإنسان، وهكذا قال عكرمة وغيره).
أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ قال ابن كثير: (أي: أما هو أحكم الحاكمين لا يجور، ولا يظلم أحدا؟ ومن عدله أن يقيم القيامة، فينتصف المظلوم في الدنيا ممن ظلمه) وقال النسفي: هذا وعيد للكفار، وأنه يحكم عليهم بما هم أهله، وهو من الحكم والقضاء) والله أعلم.
كلمة في السياق:
١ - دللت السورة على اليوم الآخر بكمال خلق الإنسان، وبكمال عدل الله ، فكمال خلق الإنسان يقتضي تكليفا، وهذا يقتضي مجازاة للمحسن بإحسانه، وللمسيئ بإساءته، وهذا يقتضي يوما آخر، وكمال عدل الله يقتضي محاسبة، وفصل قضاء بين المحسنين والمسيئين، وهذا يقتضي يوما آخر، وأمام هذا وهذا فقد عجبت السورة من أن يوجد أحد يكذب باليوم الآخر.
٢ - بينت السورة أن الناجين هم المؤمنون العاملون، وأن الهلكى في ذلك اليوم هم من ليسوا كذلك. وفي ذلك دعوة إلى الإيمان والعمل الصالح.
٣ - إن القسم بالطور ومكة في سورة يتحدث بها عن اليوم الآخر واضح المناسبة فعدا عن كون كمال خلق الإنسان يدل على اليوم الآخر، فإن رسالات الله في الطور ومكة ومنابت التين والزيتون تؤكد ذلك.
стр. 6268
٤ - في الجمع في القسم بين التين والزيتون، وبين الطور ومكة، تذكير للإنسان بنوعين من النعم: نعمة الفاكهة والأدم، ونعمة الرسالة، وكان ذلك بين يدي التذكير بنعمة حسن تركيبه، ومن هذا النموذج على التناسب بين القسم والمقسم عليه، وسياق السورة، يستطيع القارئ أن يعرف حكمة مجئ الأقسام في سورها.
٥ - عرفنا مما مر السياق الخاص للسورة، فلنر صلة السورة بمحورها من سورة البقرة، أي: بمقدمة سورة البقرة:
في مقدمة كتابنا (الرسول ﷺ تحدثنا عن كون الإنسان مخلوقا متفردا، ومن جملة تفرده تفرده في خلقته، واستدللنا على ذلك بقوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ وفصلنا في ذلك، وقلنا في النهاية: إن القاعدة الكلية: على قدر ما تعطي تطالب ومن ثم فأنت مكلف أيها الإنسان، وفي كتابنا (جند الله ثقافة وأخلاقا) برهنا على أن ما يطالب به كل إنسان هو التقوى، وتقوى كل إنسان بحسب مسئوليته، إذا أدركنا هذه المعاني ندرك صلة سورة (والتين) بمقدمة سورة البقرة التي تتحدث عن الكافرين والمتقين، فأنت أيها الإنسان خلقت في أحسن تقويم، هذا يقتضي تكليفا وحسابا، التكليف هو التقوى التي مدارها على الإيمان والعمل الصالح، والحساب سيأتي يوم القيامة. فإذا كفرت لك النار، وإذا اتقيت فلك الأجر الدائم أي: الخلود في الجنة. دعنا الآن نتذكر مقدمة سورة البقرة وخاصة ما ورد فيها في شأن المتقين والكافرين. الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.
في هذه الآيات يمكن أن نرجع أمر التقوى إلى الإيمان والعمل الصالح. وأن نرجع الكفر الذي يرافقه رفض الإنذار إلى إنكار اليوم الآخر، وقد فصلت سورة التين في ذلك فحضت على الإيمان والعمل الصالح، وأقامت الحجة على منكري اليوم الآخر، وهذا يأتي في سياق تذكير الإنسان بأنه مكلف. وهكذا نجد أن سورة التين فصلت في مقدمة سورة البقرة، فأعطتنا جديدا، إذ ذكرت سبب التكليف، وأقامت الحجة على أن اليوم الآخر آت، وأقامت الحجة على الكافرين، وحضت على التقوى، وبهذا كله
стр. 6269
يتضح لدينا كيف أن للسورة سياقها الخاص، وصلتها بمحورها، ومن قبل ذكرنا صلتها بما قبلها، وسنرى فيما بعد صلتها بما بعدها. وقد رأينا أن فيها جديدا كثيرا ككل سورة في القرآن.
الفوائد:
١ - قدم ابن كثير لسورة التين بقوله: (قال مالك وشعبة عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب: كان النبي ﷺ يقرأ في سفره في إحدى الركعتين بالتين والزيتون فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه، أخرجه الجماعة في كتبهم).
٢ - يستدل القائلون بالتناسخ على هذا التناسخ المزعوم المشئوم الملعون بقوله تعالى: ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ولا ندري كيف يستدل بهذه الآية على ذلك، مع العلم أن القول بالتناسخ إلغاء لموضوع الإيمان باليوم الآخر، بينما السورة تصب في التدليل على اليوم الآخر، والقرآن كله يصب في التدليل على اليوم الآخر، فكيف يستدل بآية على ما ينقض سورتها، وعلى ما ينقض القرآن كله، والقرآن لا يتناقض.
والقرآن يفسر بعضه بعضا، والقول بأن الآية تفيد التناسخ نقض للقرآن كله. فضلا عن أنه يجعل القرآن متناقضا، إن أئمة الإسلام مجمعون على أن هذه الآية ليس لها إلا تفسيران، فإما أنها في الآخرة، أو في الدنيا، فرده إلى أسفل سافلين إن كان في الدنيا، فذلك ما يحدث للإنسان من هرم وعجز وشيخوخة، وعلى هذا فالاستثناء في الآية التي تأتي بعد ذلك استثناء منقطع. ويكون المعنى كما قال النسفي: (أي: ولكن الذين كانوا صالحين من الهرمى والزمنى فلهم ثواب غير منقطع على طاعتهم وصبرهم على الابتلاء بالشيخوخة والهرم وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة).
هذا إذا فسرت الآية على أن المراد بها الدنيا، وإن كان المراد بها الآخرة فواضح، ولو أن إنسانا تأمل أدنى تأمل للسورة لرآها تنقض كلام الملحدين هؤلاء من وجوه كثيرة ويكفي أن نذكر ما يلي: قال تعالى: ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ. فإذا كانت المسألة تناسخا فإن الأجر يكون
ممنونا أي: مقطوعا: لأن الإنسان في دورة التناسخ سيموت، ولكنني أستدرك بعد هذا فأقول: إنما يفلح الخطاب مع أناس يعقلون وهؤلاء- والله- لا يعقلون.
٣ - بمناسبة قوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ قال ابن كثير: (وقد
стр. 6270
قدمنا في حديث أبي هريرة مرفوعا «فإذا قرأ أحدكم وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فأتى آخرها أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ فليقل: وأنا على ذلك من الشاهدين»).
ولننتقل إلى تفسير سورة العلق.
следующие страницы →