← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

(والثاني) طور سينين، وهو طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى بن عمران (والثالث) مكة وهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمنا، وهو الذي أرسل فيه محمد ﵌، قالوا: وفي آخر التوراة ذكر هذه الأماكن الثلاثة: جاء الله من طور سيناء- يعني: الذي كلم الله عليه موسى بن عمران- وأشرق من ساعير- يعني: جبل بيت المقدس الذي بعث الله منه عيسى- واستعلن من جبال فاران يعني: جبال مكة التي أرسل الله منها محمدا ﷺ فذكرهم مخبرا عنهم على الترتيب الوجودي بحسب ترتبهم في الزمان ولهذا أقسم بالأشرف ثم الأشرف منه ثم بالأشرف منهم). لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ قال ابن كثير: هذا هو المقسم عليه. (وهو أنه تعالى خلق الإنسان في أحسن صورة وشكل، منتصب القامة سوي الأعضاء حسنها) وقال النسفي: أي: في أحسن تعديل لشكله وصورته وتسوية أعضائه ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ قال ابن كثير: أي: إلى النار ... أي: ثم بعد هذا الحسن والنضارة مصيره إلى النار، إن لم يطع الله ويتبع الرسل، وقال النسفي: (أي: ثم كان عاقبة أمره حين لم يشكر نعمة تلك الخلقة الحسنة القويمة السوية أن رددناه أسفل من سفل، خلقا وتركيبا يعني: أقبح من قبح صورة وهم أصحاب النار، أو أسفل من سفل من أهل الدركات، أو ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل في حسن الصورة والشكل حيث نكسناه في خلقه فقوس ظهره بعد اعتداله، وابيض شعره بعد سواده، وتشثن جلده، وكل سمعه وبصره، وتغير كل شئ منه، فمشيه دلف، وصوته خفات، وقوته ضعف، وشهامته خرف). أقول: وقد رد ابن كثير هذا القول الأخير، ولو اختاره ابن جرير، فقال: (ولو كان هذا هو المراد لما حسن استثناء المؤمنين من ذلك، لأن الهرم قد يصيب بعضهم، وإنما المراد ما ذكرناه كقوله تعالى: وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فهؤلاء لا يردون إلى أسفل سافلين بل فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ أي: غير مقطوع). أقول: وهذا يؤكد كلام ابن كثير بأن المراد رده أسفل سافلين في الآخرة، بدليل أن المستثنين ذكر مآلهم في الآخرة، فما ذهب إليه ابن جرير وجه ضعيف. فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أي: بالجزاء في المعاد. قال النسفي: (الخطاب للإنسان على طريقة الالتفات، أي: فما سبب تكذيبك- بعد هذا البيان القاطع والبرهان الساطع- بالجزاء؟ أو المعنى: إن خلق الإنسان من نطفة، وتقويمه

стр. 6267

بشرا سويا، وتدريجه في مراتب الزيادة إلى أن يكمل ويستوي، ثم تنكيسه إلى أن يبلغ أرذل العمر، لا ترى دليلا أوضح منه على قدرة الخالق، وأن من قدر على خلق الإنسان وعلى هذا كله لم يعجز عن إعادته، فما سبب تكذيبك بالجزاء، أو الخطاب لرسول الله ﷺ أي: فمن ينسبك إلى الكذب بعد هذا الدليل؟ فما بمعنى: من). أقول: إن ابن كثير لم يذكر إلا الاتجاه الأول مع ملاحظة أنه لا يفسر أَسْفَلَ سافِلِينَ بما ذكره النسفي. قال ابن كثير: (فما يكذبك- أي: يا ابن آدم- بعد بالدين أي: بالجزاء في المعاد، ولقد علمت البداءة، وعرفت أن من قدر على البداءة فهو قادر على الرجعة بطريق الأولى: فأي شئ يحملك على التكذيب بالمعاد، وقد عرفت هذا؟ روى ابن أبي حاتم عن منصور قال: قلت لمجاهد: فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ عنى به النبي ﷺ ؟ قال: معاذ الله، عنى به الإنسان، وهكذا قال عكرمة وغيره). أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ قال ابن كثير: (أي: أما هو أحكم الحاكمين لا يجور، ولا يظلم أحدا؟ ومن عدله أن يقيم القيامة، فينتصف المظلوم في الدنيا ممن ظلمه) وقال النسفي: هذا وعيد للكفار، وأنه يحكم عليهم بما هم أهله، وهو من الحكم والقضاء) والله أعلم. كلمة في السياق: ١ - دللت السورة على اليوم الآخر بكمال خلق الإنسان، وبكمال عدل الله ، فكمال خلق الإنسان يقتضي تكليفا، وهذا يقتضي مجازاة للمحسن بإحسانه، وللمسيئ بإساءته، وهذا يقتضي يوما آخر، وكمال عدل الله يقتضي محاسبة، وفصل قضاء بين المحسنين والمسيئين، وهذا يقتضي يوما آخر، وأمام هذا وهذا فقد عجبت السورة من أن يوجد أحد يكذب باليوم الآخر. ٢ - بينت السورة أن الناجين هم المؤمنون العاملون، وأن الهلكى في ذلك اليوم هم من ليسوا كذلك. وفي ذلك دعوة إلى الإيمان والعمل الصالح. ٣ - إن القسم بالطور ومكة في سورة يتحدث بها عن اليوم الآخر واضح المناسبة فعدا عن كون كمال خلق الإنسان يدل على اليوم الآخر، فإن رسالات الله في الطور ومكة ومنابت التين والزيتون تؤكد ذلك.

стр. 6268

٤ - في الجمع في القسم بين التين والزيتون، وبين الطور ومكة، تذكير للإنسان بنوعين من النعم: نعمة الفاكهة والأدم، ونعمة الرسالة، وكان ذلك بين يدي التذكير بنعمة حسن تركيبه، ومن هذا النموذج على التناسب بين القسم والمقسم عليه، وسياق السورة، يستطيع القارئ أن يعرف حكمة مجئ الأقسام في سورها. ٥ - عرفنا مما مر السياق الخاص للسورة، فلنر صلة السورة بمحورها من سورة البقرة، أي: بمقدمة سورة البقرة: في مقدمة كتابنا (الرسول ﷺ تحدثنا عن كون الإنسان مخلوقا متفردا، ومن جملة تفرده تفرده في خلقته، واستدللنا على ذلك بقوله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ وفصلنا في ذلك، وقلنا في النهاية: إن القاعدة الكلية: على قدر ما تعطي تطالب ومن ثم فأنت مكلف أيها الإنسان، وفي كتابنا (جند الله ثقافة وأخلاقا) برهنا على أن ما يطالب به كل إنسان هو التقوى، وتقوى كل إنسان بحسب مسئوليته، إذا أدركنا هذه المعاني ندرك صلة سورة (والتين) بمقدمة سورة البقرة التي تتحدث عن الكافرين والمتقين، فأنت أيها الإنسان خلقت في أحسن تقويم، هذا يقتضي تكليفا وحسابا، التكليف هو التقوى التي مدارها على الإيمان والعمل الصالح، والحساب سيأتي يوم القيامة. فإذا كفرت لك النار، وإذا اتقيت فلك الأجر الدائم أي: الخلود في الجنة. دعنا الآن نتذكر مقدمة سورة البقرة وخاصة ما ورد فيها في شأن المتقين والكافرين. الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. في هذه الآيات يمكن أن نرجع أمر التقوى إلى الإيمان والعمل الصالح. وأن نرجع الكفر الذي يرافقه رفض الإنذار إلى إنكار اليوم الآخر، وقد فصلت سورة التين في ذلك فحضت على الإيمان والعمل الصالح، وأقامت الحجة على منكري اليوم الآخر، وهذا يأتي في سياق تذكير الإنسان بأنه مكلف. وهكذا نجد أن سورة التين فصلت في مقدمة سورة البقرة، فأعطتنا جديدا، إذ ذكرت سبب التكليف، وأقامت الحجة على أن اليوم الآخر آت، وأقامت الحجة على الكافرين، وحضت على التقوى، وبهذا كله

стр. 6269

يتضح لدينا كيف أن للسورة سياقها الخاص، وصلتها بمحورها، ومن قبل ذكرنا صلتها بما قبلها، وسنرى فيما بعد صلتها بما بعدها. وقد رأينا أن فيها جديدا كثيرا ككل سورة في القرآن. الفوائد: ١ - قدم ابن كثير لسورة التين بقوله: (قال مالك وشعبة عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب: كان النبي ﷺ يقرأ في سفره في إحدى الركعتين بالتين والزيتون فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه، أخرجه الجماعة في كتبهم). ٢ - يستدل القائلون بالتناسخ على هذا التناسخ المزعوم المشئوم الملعون بقوله تعالى: ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ولا ندري كيف يستدل بهذه الآية على ذلك، مع العلم أن القول بالتناسخ إلغاء لموضوع الإيمان باليوم الآخر، بينما السورة تصب في التدليل على اليوم الآخر، والقرآن كله يصب في التدليل على اليوم الآخر، فكيف يستدل بآية على ما ينقض سورتها، وعلى ما ينقض القرآن كله، والقرآن لا يتناقض. والقرآن يفسر بعضه بعضا، والقول بأن الآية تفيد التناسخ نقض للقرآن كله. فضلا عن أنه يجعل القرآن متناقضا، إن أئمة الإسلام مجمعون على أن هذه الآية ليس لها إلا تفسيران، فإما أنها في الآخرة، أو في الدنيا، فرده إلى أسفل سافلين إن كان في الدنيا، فذلك ما يحدث للإنسان من هرم وعجز وشيخوخة، وعلى هذا فالاستثناء في الآية التي تأتي بعد ذلك استثناء منقطع. ويكون المعنى كما قال النسفي: (أي: ولكن الذين كانوا صالحين من الهرمى والزمنى فلهم ثواب غير منقطع على طاعتهم وصبرهم على الابتلاء بالشيخوخة والهرم وعلى مقاساة المشاق والقيام بالعبادة). هذا إذا فسرت الآية على أن المراد بها الدنيا، وإن كان المراد بها الآخرة فواضح، ولو أن إنسانا تأمل أدنى تأمل للسورة لرآها تنقض كلام الملحدين هؤلاء من وجوه كثيرة ويكفي أن نذكر ما يلي: قال تعالى: ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ. فإذا كانت المسألة تناسخا فإن الأجر يكون ممنونا أي: مقطوعا: لأن الإنسان في دورة التناسخ سيموت، ولكنني أستدرك بعد هذا فأقول: إنما يفلح الخطاب مع أناس يعقلون وهؤلاء- والله- لا يعقلون. ٣ - بمناسبة قوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ قال ابن كثير: (وقد

стр. 6270

قدمنا في حديث أبي هريرة مرفوعا «فإذا قرأ أحدكم وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فأتى آخرها أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ فليقل: وأنا على ذلك من الشاهدين»). ولننتقل إلى تفسير سورة العلق.

стр. 6271

سورة العلق وهي السورة السادسة والتسعون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثانية من المجموعة الثالثة عشرة من قسم المفصل، وهي تسع عشرة آية وهي مكية

стр. 6272

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 6273

كلمة في سورة العلق ومحورها: بعد مقدمة سورة البقرة يأتي قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. وبعد سورة التين تأتي سورة العلق مبدوءة بقوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ لاحظ قوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ وصلته بقوله تعالى: الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وصلة: اقْرَأْ بقوله: اعْبُدُوا فالقراءة عبادة عند ما تكون تحقيقا لأمر الله ، ونجد في السورة قوله تعالى: أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى وصلة ذلك بكلمة التقوى الواردة في آية المحور واضحة، ثم إن السورة تختم بقوله تعالى: كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ذلك واضح الصلة بقوله تعالى: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ وسنرى صلة السورة بمحورها بالتفصيل أثناء عرضها. رأينا أن سورة التين تنتهي بقوله تعالى: فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ورأينا أن أحد الاتجاهين في تفسيرها أن الخطاب لرسول الله ﷺ وتقديره: فمن يكذبك بعد هذا البيان يا محمد في أمر اليوم الآخر والجزاء والحساب؟ وأن الاتجاه الآخر في الآية: فما يحملك أيها الإنسان على التكذيب بالحساب؟ وتأتي سورة العلق بعد ذلك لتخاطب رسول الله ﷺ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ فإن القراءة المأمور بها هي الدليل على أن يوم الدين آت فللسورة صلتها الواضحة بما قبلها. وسورة التين فصلت في مقدمة سورة البقرة. وكما أن الآية التي جاءت بعد مقدمة سورة البقرة فصلت في الطريق للتحقق بالتقوى، والتحرر من الكفر والنفاق، فإن سورة العلق تأتي لتحقق بما دعت إليه سورة التين، ولتحرر مما أنذرت منه سورة التين، ومن المعلوم أن سورة العلق- وخاصة بدايتها- كانت أول ما نزل من القرآن، فإن نراها في محلها تتفق مع ترتيب هذا القرآن، وبما ينسجم مع نظامه، فذلك دليل على أن القرآن ترتيبه توقيفي، وعلى أن هذا القرآن من عند الله ليس للصنعة البشرية فيه نصيب.

стр. 6274

لقد رأينا في سورة التين كلاما عن الإنسان وعن خلقه في أحسن تقويم، وعن الصوارف التي تصرفه عن القيام بالتكليف، ونلاحظ أن سورة العلق تكمل الحديث كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى. وهكذا تتكامل سور المجموعة الثالثة عشرة مع بعضها. فلنبدأ عرض السورة . السورة وتتألف من تسع عشرة آية وهذه هي: الفقرة الأولى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة العلق (٩٦): الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) الفقرة الثانية [سورة العلق (٩٦): الآيات ٦ الى ١٩] كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤) كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)

стр. 6275

تفسير الفقرة الأولى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ أي: خلق كل شئ، ثم خصص من بين المخلوقات في الذكر الإنسان فقال: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ أي: من علقة، أي: من حيوان منوي، أو المراد بذلك المرحلة الأولى للجنين بعد التقاء الحيوان المنوي بالبويضة، والسؤال: ماذا يقرأ؟ فالرسول ﷺ الذي وجه له الخطاب أول مرة لا يقرأ. أقول: يفهم من السياق، أن المراد بالقراءة قراءة المخلوقات بالتفكر والتأمل فيكون المعنى- والله أعلم-: اقرأ هذا الكون وهذا الإنسان باسم الله ، ملاحظا أنه الخالق، وهو معنى أخذه بعضهم وأعطاه مضمونا عمليا، وجعله أساسا في السير إلى الله ، ونقطة انطلاق اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ أي: الذي له الكمال في زيادة كرمه على كل كريم، أقول: هذا وعد من الله لمن قرأ الكون والمخلوقات باسمه تعالى أن يكرمه بالإكرام العظيم، حيث يفتح عليه من العلوم ما لم يفتحه على غيره، فما من إنسان يقرأ الكون باسم الله ، إلا ويعطيه الله من العلوم دقيقها وجليلها الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ أي: علم الكتابة بالقلم، أو علم العلوم الكثيرة المتولد بعضها من بعض بواسطة القلم عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ. قال ابن كثير: وأن من كرمه تعالى أن علم الإنسان ما لم يعلم فشرفه وكرمه بالعلم، وهو القدر الذي امتاز به أبو البرية آدم على الملائكة. أقول: لعل معنى الآية أن الله هو الذي علم الإنسان العلوم الكثيرة التي ما كان للإنسان أن يعلمها لولا توفيق الله وعطاؤه، فصار المعنى العام للآيات الثلاث: اقرأ الكون والإنسان باسم الله ، فإنك إن قرأت فإن الله الذي علم الإنسان بالقلم، الذي علم الإنسان ما لم يعلم، سيتكرم عليك بالعلوم الكثيرة العظيمة، وهكذا أكدت هذه الآيات ما ورد في الآيتين الأوليين من الأمر بالقراءة، ووعدت القارئ بالإكرام، وهذا معنى فطن له بعضهم، وأعطوه حقه، فأكرم الله صالحيهم بإكرامات خاصة؛ ولأن هذه الآيات الخمس هي أول ما نزل من القرآن فلنقف عندها.

стр. 6276

الفوائد: ١ - عند قوله تعالى: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ قال النسفي: (وكأنه ليس وراء التكرم بإفادة الفوائد العلمية تكرم .. فدل على كمال كرمه بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل علم الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة، وما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هي لما استقامت أمور الدين والدنيا، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله دليل إلا أمر القلم والخط لكفى). ٢ - قال ابن كثير في الآيات الخمس: (روى الإمام أحمد عن عائشة قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان يأتي حراء فيتحنث فيه- وهو التعبد- الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى فجأه الوحي وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه، فقال: اقرأ، قال رسول الله ﷺ : «فقلت ما أنا بقارئ- قال- فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ حتى بلغ ما لَمْ يَعْلَمْ قال: فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال: «زملوني زملوني» فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال: يا خديجة «ما لي؟» وأخبرها الخبر وقال: «قد خشيت على نفسي» فقالت له: كلا أبشر فو الله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العربي، وكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت خديجة: أي ابن عم، اسمع من ابن أخيك؟ فقال ورقة: ابن أخي، ما ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ بما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : «أو مخرجي هم؟» فقال ورقة: نعم لم

стр. 6277

يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله ﷺ فيما بلغنا- حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل؛ لكي يلقي نفسه منه تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقا، فيسكن بذلك جأشه، وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة الجبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين. فأول شئ نزل من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات، وهن أول رحمة رحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من كرمه تعالى أن علم الإنسان ما لم يعلم، فشرفه وكرمه بالعلم وهو القدر الذي امتاز به أبو البرية- آدم- على الملائكة، والعلم تارة يكون في الأذهان، وتارة يكون في اللسان، وتارة يكون في الكتابة بالبنان، ذهني ولفظي ورسمي. والرسمي يستلزمهما من غير عكس فلهذا قال: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ وفي الأثر: «قيدوا العلم بالكتابة» وفيه أيضا: «من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يكن يعلم»). قال صاحب الظلال معلقا على حادثة ابتداء الوحي: (وقفت هنا أمام هذا الحادث الذي طالما قرأناه في كتب السيرة وفي كتب التفسير، ثم مررنا به وتركناه، أو تلبثنا عنده قليلا ثم جاوزناه!. إنه حادث ضخم. ضخم جدا. ضخم إلى غير حد. ومهما حاولنا اليوم أن نحيط بضخامته، فإن جوانب كثيرة منه ستظل خارج تصورنا. إنه حادث ضخم بحقيقته، وضخم بدلالته. وضخم بآثاره في حياة البشرية جميعا. وهذه اللحظة التي تم فيها هذا الحادث تعد- بغير مبالغة- هي أعظم لحظة مرت بهذه الأرض في تاريخها الطويل. ما حقيقة هذا الحادث الذي تم في هذه اللحظة؟. حقيقته أن الله ﷻ ، العظيم الجبار القهار المتكبر، مالك الملك كله، قد تكرم- في عليائه- فالتفت إلى هذه الخليقة المسماة بالإنسان، القابعة في ركن من أركان الكون لا يكاد يرى اسمه: الأرض. وكرم هذه الخليقة باختيار واحد منها ليكون ملتقى نوره الإلهي، ومستودع حكمته، ومهبط كلماته، وممثل قدره الذي يريده- سبحانه- بهذه الخليقة.

стр. 6278

وهذه حقيقة كبيرة. كبيرة إلى غير حد. تتكشف جوانب من عظمتها حين يتصور الإنسان- قدر طاقته- عظمة الألوهية المطلقة الأزلية الباقية. ويتصور في ظلها حقيقة العبودية المحدودة الحادثة الفانية. ثم يستشعر وقع هذه العناية الربانية بهذا المخلوق الإنساني؛ ويتذوق حلاوة هذا الشعور؛ ويتلقاه بالخشوع والشكر والفرح والابتهال .. وهو يتصور كلمات الله، تتجاوب بها جنبات الوجود كله، منزلة لهذا الإنسان في ذلك الركن المنزوي من أركان الوجود الضئيلة. وما دلالة هذا الحادث؟ دلالته- في جانب الله سبحانه- أنه ذو الفضل الواسع، والرحمة السابغة، الكريم الودود المنان. يفيض من عطائه ورحمته بلا سبب ولا علة، سوى أن الفيض والعطاء بعض صفاته الذاتية الكريمة. ودلالته- في جانب الإنسان- أن الله- سبحانه- قد أكرمه كرامة لا يكاد يتصورها، ولا يملك أن يشكرها. وأن هذه وحدها لا ينهض لها شكره ولو قضى عمره راكعا ساجدا .. هذه .. أن يذكره الله، ويلتفت إليه، ويصله به، ويختار من جنسه رسولا يوحي إليه بكلماته. وأن تصبح الأرض .. مسكنه .. مهبطا لهذه الكلمات التي تتجاوب بها جنبات الوجود في خشوع وابتهال. فأما آثار هذا الحادث الهائل في حياة البشرية كلها فقد بدأت منذ اللحظة الأولى. بدأت في تحويل خط التاريخ، منذ أن بدأت في تحويل خط الضمير الإنساني .. منذ أن تحددت الجهة التي يتطلع إليها الإنسان ويتلقى عنها تصوراته وقيمه وموازينه .. إنها ليست الأرض وليس الهوى .. إنما هي السماء والوحي الإلهي. ومنذ هذه اللحظة عاش أهل الأرض الذين استقرت في أرواحهم هذه الحقيقة. في كنف الله ورعايته المباشرة الظاهرة. عاشوا يتطلعون إلى الله مباشرة في كل أمرهم. كبيره وصغيره. يحسون ويتحركون تحت عين الله. ويتوقعون أن تمتد يده- سبحانه- فتنقل خطاهم في الطريق خطوة خطوة. تردهم عن الخطأ وتقودهم إلى الصواب .. وفي كل ليلة كانوا يبيتون في ارتقاب أن يتنزل عليهم من الله وحي يحدثهم بما في نفوسهم، ويفصل في مشكلاتهم، ويقول لهم: خذوا هذا ودعوا ذاك! إنه الحادث الفذ في تلك اللحظة الفريدة. الحادث الكوني الذي ابتدأ به عهد في هذه

стр. 6279

الأرض وانتهى عهد. والذي كان فرقانا في تاريخ البشر لا في تاريخ أمة ولا جيل. والذي سجلته جنبات الوجود كله وهي تتجاوب به. وسجله الضمير الإنساني. وبقي أن يتلفت هذا الضمير اليوم على تلك الذكرى العظيمة ولا ينساها. وأن يذكر دائما أنه ميلاد جديد للإنسانية لم يشهده إلا مرة واحدة في الزمان .. ). كلمة في السياق: ١ - قال تعالى في محور السورة: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ، فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. وقد جاءت الآيات الخمس لتأمر بقراءة الكون والإنسان باسم الله ، ووعدت على هذه القراءة بالإكرام بالعلم من الله الذي علم الإنسان بواسطة وبغير واسطة، ومن صلة الفقرة بمحورها نعلم أن قراءة الكون والحياة باسم الله عبادة من العبادات الموصلة للتقوى. ٢ - ذكر محور السورة خلق الإنسان، وجعل الأرض فراشا، والسماء بناء، وإنزال المطر من السماء، وإخراج الثمرات به، وكل ذلك مما ينبغي أن يقرأه الإنسان باسم الله ، ولا شك أن هذه القراءة تفضي إلى الشكر والتوحيد والتقوى والعبادة. وفي الآيات الخمس التي مرت معنا في سورة العلق ذكرنا الله أنه الخالق، وأنه الذي خلق الإنسان من علق، وأنه الأكرم، وأنه الذي علم بالقلم، وأنه الذي علم الإنسان ما لم يعلم، وهي معان تقتضي عبودية واعترافا لله بالفضل وقياما بالشكر، والتزاما بالتقوى، ولكن الإنسان بدلا من أن يقابل النعم الخاصة والعامة بالعبادة والتقوى، أي: بالشكر، فإنه يزداد طغيانا كلما زاد غنى. وهذا الذي سجلته الفقرة الثانية. تفسير الفقرة الثانية: كَلَّا كلمة يراد بها الردع، وهي في هذا السياق تفيد أن ناسا لا يقرءون

стр. 6280

الكون والحياة باسم الله ، ولا يرتبون على ذلك ما ينبغي أن يترتب، وأن هناك ناسا لا يشكرون نعمة الله في التعليم والخلق والعطاء، ومن ثم قال تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ أي: أن رأى نفسه اسْتَغْنى بمال أو علم أو جاه، فبدلا من أن ينسب ذلك إلى الله لا ينسبه، وبدلا من أن يشكر الله بالعبادة والتقوى يكفره. قال ابن كثير: (يخبر تعالى عن الإنسان أنه ذو فرح وأشر وبطر وطغيان، إذا رأى نفسه واستغنى وكثر ماله) ثم تهدده وتوعده ووعظه فقال: إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى أي: إلى الله المصير والمرجع وسيحاسبك على مالك من أين جمعته وفيم أنفقته؟. وقال النسفي: (هذا تهديد للإنسان من عاقبة الطغيان على طريقة الالتفات .. أي: إن رجوعك إلى ربك، فيجازيك على طغيانك). ذكرت الآيات الثلاث طبيعة الإنسان الكافر، وأنذرته ووصفت هذه الطبيعة بالطغيان كلما رأى نفسه مستغنيا، ثم يعرض الله علينا نموذجا لطغيان الإنسان. أ- أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى هذا أول مظهر من مظاهر الطغيان، أن ينهى إنسان إنسانا عن الصلاة عبادة لله ، والخطاب في الآية الأولى لرسول الله ﷺ لافتا نظره إلى طغيان هذا الإنسان، وأنه نموذج على الطغيان كأثر عن رؤية الاستغناء. ب- أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى والخطاب هنا على رأي النسفي للرسول ﷺ ، وهو الذي نرجحه، والذي يراه ابن كثير أن الخطاب لهذا الناهي قال: أي: فما ظنك إن كان هذا الذي تنهاه على الطريقة المستقيمة في فعله، أو أمر بالتقوى بقوله، وأنت تزجره وتتوعده على صلاته. أقول: الذي أرجحه أن الخطاب للرسول ﷺ : ألا ترى أن هذا الإنسان لو كان على الهدى أو أمر بالتقوى أليس ذلك أجود له وأحسن بدلا من أن ينهى عن الهدى وعن التقوى بنهيه عن الصلاة، فدلت الآيتان على أن من مظاهر الطغيان عدم الاهتداء، وعدم الأمر بالتقوى. ج- أَرَأَيْتَ يا محمد إِنْ كَذَّبَ هذا الناهي عن الصلاة وَتَوَلَّى أي: أعرض أي: كذب بالحق وأعرض عنه أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى قال النسفي: أي: ويطلع على أحواله من هداه وضلاله، فيجازيه على حسب حاله، وهذا وعيد.

стр. 6281

وقال ابن كثير: (أي: أما علم هذا الناهي لهذا المهتدي أن الله يراه، ويسمع كلامه، وسيجازيه على فعله أتم الجزاء!!). كلمة في السياق: ١ - رأينا أن من مظاهر الطغيان النهي عن الصلاة، وترك الهدى، وترك الأمر بالتقوى والتكذيب والإعراض عن دعوة الله ، وهذا هو الذي يقابل به أكثر الخلق نعم الله ، وقد ذكر الله هؤلاء برؤية الله إياهم ليكفوا وينزجروا، والنموذج الأرذل لهؤلاء هو أبو جهل، وهو الذي نزلت فيه الآيات، قال ابن كثير: نزلت في أبي جهل- لعنه الله- توعد النبي ﷺ على الصلاة عند البيت. ٢ - دعا الله في محور السورة الناس جميعا للعبادة والتقوى، وفي هذا الجزء من الفقرة الثانية رأينا أن هناك ناسا يقابلون نعم الله بالطغيان، فبدلا من أن يصلوا ويعبدوا ينهون عن الصلاة، وبدلا من أن يهتدوا ويأمروا بالتقوى يفعلون العكس، وبدلا من أن يصدقوا ويعملوا يكذبون ويعرضون. ومن هذا الملحظ ندرك صلة ما مر معنا من الفقرة الثانية بمحور السورة. ٣ - من قوله تعالى تعقيبا على مواقف هذا الطاغي الناهي: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى ندرك أن سبب الطغيان والنهي عن الصلاة، وسبب عدم الهدى والتقوى، وسبب التكذيب والتولي، هو الجهل بالله والغفلة عنه، ولذلك فإن تربية النفس البشرية على مراقبة الله ، والسير بها إلى ذلك هو السر الأعظم في تطهير النفس البشرية من كل أمراضها، وهذا كذلك مما فطن له صالحو الصوفية. فركزوا عليه فوصلوا في علم التربية الإسلامية إلى ما لم يصل إليه غيرهم. ٤ - بعد أن عرض الله نموذجا على طغيان الطغاة ومن ذلك عرفنا أن الطاغي ينهى عن الصلاة، فإن جزءا جديدا من الفقرة الثانية يأتي مهددا هذا الإنسان مبينا له عقوبته.

стр. 6282

كَلَّا ردع لهذا الطاغي الناهي لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ قال النسفي: عما هو فيه. وقال ابن كثير: أي: لئن لم يرجع عما هو فيه من الشقاق والعناد لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ الناصية: مقدم الرأس قال النسفي: (أي: لنأخذن بناصيته ولنسحبنه بها إلى النار، والسفع: القبض على الشئ وجذبه بشدة) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ أي: كاذب صاحبها في مقاله، خاطئ في أفعاله. فَلْيَدْعُ يومئذ نادِيَهُ النادي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم، والمراد أهل النادي. قال ابن كثير: أي: قومه وعشيرته، أي: ليدعهم يستنصر بهم سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ قال ابن كثير: وهم ملائكة العذاب حتى يعلم من يغلب أحزبنا أو حزبه. قال النسفي: (والزبانية لغة: الشرط، الواحد زبينة من الزبن وهو الدفع، والمراد ملائكة العذاب). وبعد أن ذكر الله هذا الطاغي الناهي عن الخير ووعظه وأنذره، تأتي الآية الأخيرة في السورة تنهى رسول الله ﷺ عن طاعة هذا الإنسان وتأمره بالسجود والتقرب إلى الله، وهو خطاب للأمة كلها قال تعالى: كَلَّا لا تُطِعْهُ قال النسفي: أي: اثبت على ما أنت عليه من عصيانه وَاسْجُدْ أي: ودم على سجودك، يريد الصلاة وَاقْتَرِبْ قال النسفي: أي: وتقرب إلى ربك بالسجود فإن أقرب ما يكون العبد إلى ربه إذا سجد. وقال ابن كثير: يعني يا محمد لا تطعه فيما ينهاك عنه. عن المداومة على العبادة وكثرتها، وصل حيث شئت ولا تباله، فإن الله حافظك وناصرك، وهو يعصمك من الناس، واسجد واقترب. كلمة في السياق: ١ - أمر محور السورة من سورة البقرة الناس جميعا بعبادة الله، وترك الشرك شكرا له ، ومن سورة العلق تعلم أن الناس أمام هذا الأمر قسمان: عباد متقون، وطغاة كافرون، وذلك من مظاهر صلة السورة بمحورها. ٢ - فصلت السورة في محورها فأرتنا بعض مظاهر من العبادة، وأمرت بمعان تقابل مواقف الذين لا يستجيبون لأمر الله ، والخلاصة العملية للسورة أنها تأمر

стр. 6283

بقراءة الكون والحياة باسم الله ، وتنهى عن طاعة الكافرين، وتأمر بالسجود والتقرب إلى الله . ٣ - وقد رأينا أثناء عرضنا للسورة سياقها الخاص، وصلتها بمحورها وصلتها بما قبلها، وسنرى صلتها بما بعدها فيما بعد وقد رأينا أن فيها الجديد الكثير. الفوائد: ١ - في وجه المناسبة بين سورتي التين والعلق قال الألوسي: (ولما ذكر سبحانه في سورة التين خلق الإنسان في أحسن تقويم بين هنا أنه تعالى خلق الإنسان من علق، فكان ما تقدم كالبيان للعلة الصورية، وهذا كالبيان للعلة المادية، وذكر سبحانه هنا أيضا من أحوال الإنسان في الآخرة ما هو أبسط مما ذكره هناك). ٢ - عند قوله تعالى: فَلْيَدْعُ نادِيَهُ* سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ قال ابن كثير: (روى البخاري عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه فبلغ النبي ﷺ فقال: «لئن فعل لأخذته الملائكة». وكذا رواه الترمذي والنسائي في تفسيريهما، وهكذا رواه ابن جرير بإسناده. وروى أحمد والترمذي والنسائي وابن جرير وهذا لفظه عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يصلي عند المقام فمر به أبو جهل بن هشام فقال: يا محمد ألم أنهك عن هذا؟ وتوعده فأغلظ له رسول الله ﷺ وانتهره فقال: يا محمد بأي شئ تهددني؟ أما والله إني لأكثر هذا الوادي ناديا فأنزل الله فَلْيَدْعُ نادِيَهُ* سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ وقال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته. وقال الترمذي: حسن صحيح). ٣ - بمناسبة قوله تعالى: كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ قال ابن كثير: (كما ثبت في الصحيح عند مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء» وتقدم أيضا أن رسول الله ﷺ كان يسجد في إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ واقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ). ٤ - من الأمراض التي ظهرت في القرنين الأخيرين- كأثر عن التقدم العلمي- شعور الإنسان باستغنائه عن الله ، ولذلك كانت الدعوة إلى ترك العبادة في هذين القرنين على أشدها، وقد تأثر في ذلك الكثيرون من أبناء المسلمين، فتركوا الصلاة، واستهانوا بأمر دينهم، ومن مثل هذا ندرك سر مجئ قوله تعالى: كَلَّا

стр. 6284

لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ في سياق السورة التي جاء فيها: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى إن في السورة الدواء الناجع لمواجهة دعوات الطغيان في كل العصور، وإن من أهم ما نداوي به دعوات عصرنا المادية ما ذكرته السورة في بدايتها وفي نهايتها: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ولذلك كان من المهم جدا أن يكون لكل منا حظه الكبير من قراءة الكون باسم الله، ومن السجود الكثير لله، أعرف بعض الناس أصابتهم شكوك وهواجس فدلوا على أن يعطوا لأنفسهم فرص تأمل كثيرة في أجزاء هذا الكون سفليه وعلويه، وكلما استذكروا جزءا منه ذكروا اسم الله، وتذكروا أنه الخالق، وكان لذلك أثره في شفاء قلوبهم وزيادة إيمانهم ويقينهم.

стр. 6285

سورة القدر وهي السورة السابعة والتسعون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثالثة من المجموعة الثالثة عشرة من قسم المفصل، وهي خمس آيات وهي مكية

стр. 6286

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 6287

بين يدي سورة القدر: قدم صاحب الظلال لسورة القدر بقوله: (الحديث في هذه السورة عن تلك الليلة الموعودة المشهودة التي سجلها الوجود كله في فرح وغبطة وابتهال. ليلة الاتصال المطلق بين الأرض والملأ الأعلى. ليلة بدء نزول هذا القرآن على قلب محمد ﷺ . ليلة ذلك الحدث العظيم الذي لم تشهد الأرض مثله في عظمته، وفي دلالته، وفي آثاره في حياة البشرية جميعا، العظمة التي لا يحيط بها الإدراك البشري: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ* لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. والنصوص القرآنية التي تذكر هذا الحديث تكاد ترف وتنير. بل هي تفيض بالنور الهادئ الساري الرائق الودود. نور الله المشرق في قرآنه: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ونور الملائكة والروح وهم في غدوهم ورواحهم طوال الليلة بين الأرض والملأ الأعلى: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ .. ونور الفجر الذي تعرضه النصوص متناسقا مع نور الوحي ونور الملائكة، وروح السلام المرفرف على الوجود وعلى الأرواح السارية في هذا الوجود: سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ. والليلة التي تتحدث عنها السورة وهي الليلة التي جاء ذكرها في سورة الدخان: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ* فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ* أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ* رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. والمعروف أنها ليلة من ليالي رمضان، كما ورد في سورة البقرة: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ* هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ .. أي: التي بدأ فيها نزول القرآن على قلب الرسول ﷺ ليبلغه إلى الناس. وفي رواية ابن إسحاق أن أول الوحي بمطلع سورة العلق كان في شهر رمضان، ورسول الله ﷺ يتحنث في غار حراء). كلمة في سورة القدر ومحورها: بعد الآيتين اللتين شكلتا محور سورة العلق من سورة البقرة يأتي قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ

стр. 6288

أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ لاحظ قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا ثم لاحظ بداية سورة القدر: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فالصلة واضحة بين السورة والمحور وسنرى ذلك بالتفصيل. بدأت سورة العلق بقوله تعالى: اقْرَأْ وانتهت بقوله تعالى: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ فالخطاب متوجه إلى رسول الله ﷺ في بداية السورة، ونهايتها وسورة القدر تتحدث عن القرآن المنزل على محمد ﷺ ، وهذا أول مظهر من مظاهر الصلة بين سورتي القدر والعلق، إلا أن الصلة العظمى تظهر في كون سورة العلق أول ما نزل من القرآن، وتأتي سورة القدر لتبين أن هذا القرآن الذي ابتدئ بسورة العلق، أنزله الله في ليلة القدر. فالصلات بين سورة القدر والسورة قبلها متعددة. تلك أمرت بقراءة الكون باسم الله، وأمرت بالسجود والاقتراب، وهذه ذكرت ليلة، العمل فيها يعدل ألف مرة ثواب العمل فيما سواها. سورة القدر وتتألف من خمس آيات وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة القدر (٩٧): الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥) التفسير: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ قال النسفي: عظم القرآن حيث أسند إنزاله إليه دون

стр. 6289

غيره، وجاء بضميره دون اسمه الظاهر للاستغناء بالتنبيه عليه، ورفع مقدار الوقت الذي أنزل فيه .. ومعنى ليلة القدر: ليلة تقدير الأمور، وقضائها، والقدر بمعنى: التقدير أو سميت بذلك لشرفها على سائر الليالي .. قال ابن كثير: (يخبر تعالى أنه أنزل القرآن في ليلة القدر وهي الليلة المباركة التي قال الله : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ وهي ليلة القدر، وهي من شهر رمضان كما قال تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ قال ابن عباس وغيره: أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله ﷺ ، ثم قال تعالى معظما لشأن ليلة القدر التي اختصها بإنزال القرآن العظيم فيها). فقال: وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ قال النسفي: أي: لم تبلغ درايتك غاية فضلها، ثم بين ذلك أي: فضلها بقوله: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ليس فيها ليلة القدر. قال النسفي: وسبب ارتفاع فضلها إلى هذه الغاية ما يوجد فيها من تنزل الملائكة والروح، وفعل كل أمر حكيم، تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ أي: إلى السماء الدنيا أو إلى الأرض وَالرُّوحُ قال النسفي: أي: جبريل أو خلق غير الملائكة لا تراهم الملائكة إلا تلك الليلة أو الرحمة فِيها أي: في هذه الليلة. قال ابن كثير: (أي: يكثر تنزل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها، والملائكة يتنزلون مع تنزل البركة والرحمة، كما يتنزلون عند تلاوة القرآن، ويحيطون بحلق الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدق تعظيما له، وأما الروح فقيل: المراد به هاهنا جبريل ﵇، فيكون من باب عطف الخاص على العام، وقيل: هم ضرب من الملائكة). والله أعلم .. بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ قال النسفي: أي: تنزل من أجل كل أمر قضاه الله لتلك السنة إلى قابل سَلامٌ هِيَ قال النسفي: أي: ما هي إلا سلامة .. أي: لا يقدر الله فيها إلا السلامة والخير، ويقضي في غيرها بلاء وسلامة، أو ما هي إلا سلام لكثرة ما يسلمون على المؤمنين، قيل: لا يلقون مؤمنا ولا مؤمنة إلا سلموا عليه في تلك الليلة، وقد حرم من السلام الذين كفروا حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ أي إلى وقت طلوع الفجر فهي تمتد من غياب الشمس إلى طلوع الفجر. كلمة في السياق: ١ - عرفنا الله على فضل ليلة القدر في هذه السورة؛ لنعرف بذلك فضيلة

стр. 6290

هذا القرآن الذي أنزله في تلك الليلة، إن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا أو من السماء إلى الأرض في ابتداء إنزاله على محمد ﷺ . ٢ - ومن إشعارنا بعظمة هذا القرآن من خلال تعظيم ليلة نزوله نعرف أن هذا القرآن من العظمة بحيث إنه فوق الشكوك والريب، فالسورة دعوة إلى الإيمان بهذا القرآن، ومن ثم ندرك صلة السورة بمحورها من سورة البقرة وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا ومن هذا القرآن الذي أنزلناه في ليلة القدر. فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ. الفوائد: ١ - بمناسبة ذكر ليلة القدر. قال النسفي: (وهي ليلة السابع والعشرين من رمضان. كذا روى أبو حنيفة ﵀ عن عاصم عن ذر أن أبي بن كعب كان يحلف على ليلة القدر أنها ليلة السابع والعشرين من رمضان، وعليه الجمهور، ولعل الداعي إلى إخفائها أن يحيي من يريدها الليالي الكثيرة طلبا لموافقتها، وهذا كإخفاء الصلاة الوسطى، واسمه الأعظم، وساعة الإجابة في الجمعة، ورضاه في الطاعات، وغضبه في المعاصي وفي الحديث: «من أدركها يقول: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني»). ٢ - بمناسبة قوله تعالى: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ قال ابن كثير: (وقال سفيان الثوري: بلغني عن مجاهد: ليلة القدر خير من ألف شهر، قال: عملها وصيامها وقيامها خير من ألف شهر، رواه ابن جرير. وروى ابن أبي حاتم عن مجاهد: ليلة القدر خير من ألف شهر، ليس في تلك الشهور ليلة القدر، وهكذا قال قتادة بن دعامة والشافعي وغير واحد، وقال عمرو بن قيس الملائي: عمل فيها خير من عمل ألف شهر، وهذا القول بأنها أفضل من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، هو اختيار ابن جرير، وهو الصواب لا ما عداه، وهو كقوله ﷺ : «رباط ليلة في سبيل الله خير من ألف ليلة فيما سواه من المنازل» رواه أحمد وكما جاء في قاصد الجمعة بهيئة حسنة، ونية صالحة أنه يكتب له عمل سنة أجر صيامها وقيامها إلى غير ذلك من المعاني المشابهة لذلك. وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: لما حضر رمضان قال رسول

стр. 6291

الله ﷺ : «قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم» ورواه النسائي من حديث أيوب به، ولما كانت ليلة القدر تعدل عبادتها عبادة ألف شهر ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»). ٣ - بمناسبة قوله تعالى: سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ قال ابن كثير: (روى أبو داود الطيالسي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال في ليلة القدر: «ليلة سمحة طلقة لا حارة ولا باردة وتصبح شمس صبيحتها ضعيفة حمراء» وروى ابن أبي عاصم النبيل بإسناده عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «إني رأيت ليلة القدر فأنسيتها وهي في العشر الأواخر من لياليها، وهي طلقة بلجة، لا حارة ولا باردة، كأن فيها قمرا، لا يخرج شيطانها حتى يضئ فجرها»). أقول: لعل هذه العلامات الكونية تكون كذلك في منطقة من الأرض، أو في سنة بعينها في عصره ﵊. ٤ - عقد ابن كثير فصولا متعددة في نهاية الكلام عن سورة القدر ونحن نختار هاهنا نبذا من كلامه: (اختلف العلماء هل كانت ليلة القدر في الأمم السالفة أو هي من خصائص هذه الأمة؟ على قولين. قال أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري: حدثنا مالك أنه بلغه أن رسول الله ﷺ رأى أعمار الناس قبله، أو ما شاء الله من ذلك فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خيرا من ألف شهر. وقد أسند من وجه آخر، وهذا الذي قاله مالك يقتضي تخصيص هذه الأمة بليلة القدر، وقد نقله صاحب العدة- أحد أئمة الشافعية- عن جمهور العلماء، فالله أعلم. وحكى الخطابي عليه بالإجماع ونقله الراضي جازما به عن المذهب، والذي دل عليه الحديث أنها كانت في الأمم الماضين كما هي في أمتنا. روى الإمام أحمد بن حنبل عن مرثد قال: سألت أبا ذر قلت: كيف سألت رسول الله ﷺ عن ليلة القدر؟ قال: أنا كنت أسأل الناس عنها، قلت: يا رسول الله أخبرني عن ليلة القدر أفي رمضان هي أو في غيره؟ قال: «بل هي في رمضان» قلت: تكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا قبضوا رفعت أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: «بل هي إلى يوم القيامة» قلت في أي رمضان هي؟ قال: «التمسوها في العشر الأول والعشر الأخر» ثم

стр. 6292

حدث رسول الله ﷺ وحدث، ثم اهتبلت غفلته قلت: في أي العشرين هي؟ قال: «ابتغوها في العشر الأواخر، لا تسألني عن شئ بعدها» ثم حدث رسول الله ﷺ ثم اهتبلت غفلته فقلت: يا رسول الله أقسمت عليك بحقي عليك لما أخبرتني في أي العشر هي؟ فغضب علي غضبا لم يغضب مثله منذ صحبته وقال: «التمسوها في السبع الأواخر، لا تسألني عن شئ بعدها» ورواه النسائي بإسناده، ففيه دلالة على ما ذكرناه، وفيه أنها تكون باقية إلى يوم القيامة في كل سنة بعد النبي ﷺ .. وإنما اقتضت الحكمة إبهامها لتعم العبادة جميع الشهر في ابتغائها ويكون الاجتهاد في العشر الأخير أكثر، ولهذا كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ، ثم اعتكف أزواجه من بعده. أخرجاه من حديث عائشة، ولهما عن ابن عمر: كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر. أخرجاه، ولمسلم عنها: كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيره، وهذا معنى قولها وشد المئزر، وقيل: المراد بذلك اعتزال النساء، ويحتمل أن يكون كناية عن الأمرين لما رواه الإمام أحمد عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا بقي عشر من رمضان شد مئزره واعتزل نساءه. انفرد به أحمد. وقد حكي عن مالك ﵀ أن في جميع ليالي العشر تطلب ليلة القدر على السواء لا يترجح منها ليلة على أخرى: رأيته في شرح الرافعي ﵀، والمستحب الإكثار من الدعاء في جميع الأوقات وفي شهر رمضان أكثر، وفي العشر الأخير منه، ثم في أوتاره أكثر، والمستحب أن يكثر من هذا الدعاء: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني، ولما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن بريدة أن عائشة قالت: يا رسول الله إن وافقت ليلة القدر فما أدعو؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» وقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه عن عبد الله بن بريدة عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني» وهذا لفظ الترمذي ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه الحاكم في مستدركه، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ورواه النسائي أيضا من طريق سفيان الثوري عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: «قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني»).

стр. 6293

سورة البينة وهي السورة الثامنة والتسعون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الرابعة من المجموعة الثالثة عشرة من قسم المفصل، وهي ثماني آيات وهي مدنية

стр. 6294

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 6295

كلمة في سورة البينة ومحورها: رأينا في آخر الآيتين- اللتين كان جزء منهما محور سورة القدر- قوله تعالى: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ثم يأتي قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ* إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ. ففي هذه الآيات حديث عن الكافرين والمؤمنين، وفي سورة البينة حديث عن الكافرين واستمرارهم على عنادهم، وبشارة للمؤمنين، فسورة البينة تفصل في هذه الآيات المذكورة كما سنرى، فهذه محورها. رأينا أن سورة القدر بدأت بقوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ .. فهي حديث عن القرآن، والملاحظ أن سورة البينة تبدأ بقوله تعالى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ* رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً* فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ فسورة البينة تبدأ بالكلام عن عدم انفكاك أهل الكتاب والشرك عما هم فيه إلا ببعثة الرسول المنزل عليه القرآن، كما تتحدث عن موقف هؤلاء من الرسول والقرآن بعد ما بعث الرسول، وأنزل عليه القرآن. فالصلة واضحة بين سورة القدر وسورة البينة. قال الألوسي: (ووجه مناسبتها لما قبلها أن قوله تعالى فيها لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ الخ كالتعليل لإنزال القرآن، كأنه قيل: إنا أنزلناه لأنه لم يكن الذين كفروا منفكين عن كفرهم حتى يأتيهم رسول يتلو صحفا مطهرة وهي ذلك المنزل فلا تغفل).

стр. 6296

سورة البينة وتتألف من ثماني آيات وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة البينة (٩٨): الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨) التفسير: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ هم اليهود والنصارى وَالْمُشْرِكِينَ قال ابن كثير: والمشركون عبدة الأوثان والنيران من العرب ومن العجم. أقول: كل من ليس من أهل الكتاب وليس مسلما فهو مشرك. وقد دل النص على أن أهل الكتاب والمشركين كلهم كافرون مُنْفَكِّينَ قال النسفي: (أي: منفصلين عن الكفر)

стр. 6297

حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ قال النسفي: (أي: الحجة الواضحة والمراد محمد ﷺ ، يقول: لم يتركوا كفرهم حتى يبعث محمد ﷺ ، فلما بعث أسلم بعض، وثبت على الكفر بعض) قال ابن كثير: ثم فسر البينة بقوله: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ أي: محمد ﷺ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً أي: يقرأ عليهم هذا الرسول صحفا مطهرة من الباطل فِيها أي: في هذه الصحف كُتُبٌ قَيِّمَةٌ أي: مكتوبات مستقيمة، ناطقة بالحق والعدل. قال ابن جرير في الآية: أي: في الصحف المطهرة كتب من الله قيمة عادلة مستقيمة ليس فيها خطأ؛ لأنها من عند الله وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ هذه الآية تبين أن أهل الكتاب تفرقوا في أمر رسول الله ﷺ بعد ما جاءتهم البينة، أي: بعد ما بعث الرسول ﷺ ، قال النسفي: فمنهم من أنكر نبوته بغيا وحسدا، ومنهم من آمن، وإنما أفرد أهل الكتاب بعد ما جمع أولا بينهم وبين المشركين، لأنهم كانوا على علم به لوجوده في كتبهم، فلذا وصفوا بالتفرق عنه وَما أُمِرُوا بهذا الدين وهذا القرآن إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي: من غير شرك ونفاق حُنَفاءَ أي: مؤمنين بجميع الرسل مائلين عن الأديان الباطلة وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وهي أشرف عبادات البدن وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وهي الإحسان إلى الفقراء والمحاويج وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ أي: دين الملة القيمة، قال ابن كثير: (أي: الملة القائمة العادلة، أو الأمة المستقيمة المعتدلة، وقد استدل كثير من الأئمة كالزهري والشافعي بهذه الآية الكريمة على أن الأعمال داخلة في الإيمان) فإذا كان هذا ما يأمر به هذا الدين وهذا الرسول، فقد كان المفروض أن يستجيب أهل الكتاب لدعوة الرسول ﷺ . هذا التوجيه الذي وجهنا فيه الآيات لم نره بمجموعه لمفسر واحد، ولكنه بمجموعه لا يخرج عن أقوال المفسرين، ومنه نفهم السياق الخاص للسورة بشكل واضح، وبعد أن بين الله موقف أهل الكتاب والمشركين من الدعوة الجديدة، وهو أنهم تفرقوا فمنهم من آمن، ومنهم من كفر، فإن الله في الفقرة اللاحقة يحدثنا عن هؤلاء وهؤلاء، وحال هؤلاء وحال هؤلاء، وما أعده لهؤلاء، وما أعده لهؤلاء قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ بعد ما بعث محمد ﷺ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ قال ابن كثير: أي: شر الخليقة التي برأها الله وذرأها. أقول: يفسر هذه الآية قوله ﵇ في الحديث

стр. 6298

الصحيح الذي رواه مسلم: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار» وبعد أن بين الله عاقبة الكافرين بمحمد ﷺ من أهل الكتاب والمشركين وحكم عليهم أنهم شر الخلق، يحدثنا عن المؤمنين العاملين فيقول: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ أي: خير الخليقة. وفي هذه الآية والتي قبلها تقرير لميزان الخيرية والشرية، فما أجهل من يحكم لكافر بالخيرية، والله جعله شر البرية، وما أجهل من يحكم على مؤمن بالشرية وقد جعله الله خير البرية، ثم إن الله بين جزاء المؤمنين العاملين فقال: جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي: يوم القيامة جَنَّاتُ عَدْنٍ قال النسفي: أي: إقامة تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قال ابن كثير: أي: بلا انفصال ولا انقضاء ولا فراغ ﵃ بقبول أعمالهم. وقال ابن كثير ومقام رضاه عنهم أعلى مما أدركوه من النعيم المقيم وَرَضُوا عَنْهُ قال ابن كثير: بما منحهم من الفضل العميم ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ قال ابن كثير: أي: هذا الجزاء حاصل لمن خشي الله واتقاه حق تقواه، وعبده كأنه يراه. وعلم أنه إن لم يره فإنه يراه. أقول: دلت الكلمة الأخيرة على أن خشية الله هي ذروة الأمر، وعلى أن بينها وبين الإيمان والعمل الصالح كمال اتصال، فمن خشي الله كان مؤمنا وعمل صالحا فالإيمان والعمل الصالح متلازمان مع خشية الله . كلمة في السياق: ١ - بينت السورة أن الكافرين بأصنافهم كانوا سيستمرون على كفرهم أبدا، إلا إذا بعث الله رسولا، فبإرسال الرسول ﷺ يمكن أن تنقطع استمرارية الكفر. كفر أهل الكتاب، أو كفر المشركين، بشرط أن يكون رسولا ذا كتاب، وقد كان ذلك، وبعث الله الرسول وبدلا من أن يؤمن الجميع- وخاصة أهل الكتاب- لما في رسالة رسول الله ﷺ من الطهارة والاستقامة، فإنهم تفرقوا بعد بعثته ﵊، فمنهم من آمن ومنهم من كفر. مع أن مضمون الرسالة الجديدة لا يمكن أن يعترض عليه أحد؛ إذ هو دعوة إلى الإخلاص في العبادة، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وذلك دين الملة المستقيمة التي تعلو عن أن تكون محل شك، وإذ اختار قسم كبير من أهل الكتاب والمشركين لأنفسهم طريق الكفر مع هذا كله، فقد بين الله أن جزاء هؤلاء

стр. 6299

النار، وأنهم شر خلق الله ، وفي المقابل فقد بين الله ما للمؤمنين العاملين من جزاء، جنات، ورضى؛ بسبب خشيتهم لله . هذا هو السياق الخاص للسورة. ٢ - لنر صلة السورة بمحورها من سورة البقرة: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ وقد رأينا في السورة أن الكافرين قسمان: أهل كتاب ومشركون. ورأينا استحقاقهم النار، ورأينا أن الحجة قائمة عليهم، ورأينا أنهم شر البرية. وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ وقد رأينا في السورة تفصيلا وبشارة للمؤمنين الذين يعملون الصالحات، ورأينا أنهم خير البرية. إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وقد رأينا كيف أنه مع هذا القرآن الطاهر المطهر القيم الآمر بالإخلاص وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ضل الكافرون من أهل الكتاب والمشركين، وما ذلك إلا بسبب شريتهم فإنهم شر البرية، بينما اهتدى به المؤمنون لأنهم خير البرية. وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ. وقد رأينا أن من ضل وتفرق عن هذا القرآن هم شر البرية، فهم الفاسقون وهم الخاسرون، فالسورة فصلت في آيات المحور، إن في تبيان فضيلة هذا القرآن، أو في ضلال من ضل عنه، أو في هداية من اهتدى به، كما أنها أنذرت وبشرت، وصلة ذلك بآيات المحور لا تخفى. ٣ - وصف الله الرسول ﷺ في السورة بالبينة أي: بالحجة الواضحة. وعلل لكونه كذلك بكونه تاليا لصحف مطهرة من الباطل، فيها رسائل غاية في العلم والاستقامة، وضرب مثالا على مضمونها أنها تأمرنا بما لا ينبغي أن يختلف فيه اثنان من

стр. 6300

إخلاص العبادة لله ، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وفي ذلك كله تنزيه لرسول الله ﷺ ، وتقرير لارتقاء هذا القرآن عن الشك والريب، وتقرير لوجوب التسليم لهذا القرآن، ولرسول الله ﷺ . وكلها معان مرتبطة بهذا الجزء من سورة البقرة الذي يبدأ بقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ .. إلى آخر ما ذكرناه، من هذا وغيره تتضح لنا صلة السورة بمحورها من سورة البقرة، وقد اتضح لنا سياقها الخاص وصلتها بما قبلها، وسنرى صلتها بما بعدها، فلنر بعض الفوائد . الفوائد: ١ - قدم ابن كثير لسورة البينة بذكر روايات كثيرة وهذه إحدى رواياته: روى الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بن كعب: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ» قال وسماني لك؟ قال: «نعم» فبكى ورواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من حديث شعبة به). ٢ - بمناسبة قوله تعالى: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ مما نقل صاحب الظلال عن كتاب (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) هذا النقل: (كان القرن السادس والسابع لميلاد المسيح من أحط أدوار التاريخ بلا خلاف. فكانت الإنسانية متدلية منحدرة منذ قرون. وما على وجه الأرض قوة تمسك بيدها وتمنعها من التردي. وقد زادتها الأيام سرعة في هبوطها وشدة في إسفافها. وكان الإنسان في هذا القرن قد نسي خالقه، فنسي نفسه ومصيره، وفقد رشده، وقوة التمييز بين الخير والشر، والحسن والقبيح. وقد خفتت دعوة الأنبياء من زمن، والمصابيح التي أوقدوها قد انطفأت من العواصف التي هبت بعدهم، أو بقيت ونورها ضعيف ضئيل لا ينير إلا بعض القلوب، فضلا عن البيوت، فضلا عن البلاد. وقد انسحب رجال الدين من ميدان الحياة، ولاذوا بالأديرة والكنائس والخلوات فرارا بدينهم من الفتن، وضنا بأنفسهم، أو رغبة إلى الدعة والسكون، وفرارا من تكاليف الحياة وجدها، أو فشلا في كفاح الدين والسياسة، والروح والمادة، ومن بقي منهم في تيار الحياة اصطلح مع الملوك وأهل الدنيا وعاونهم على إثمهم وعدوانهم، وأكل أموال الناس بالباطل ... أصبحت الديانات العظيمة فريسة العابثين والمتلاعبين، ولعبة المجرمين والمنافقين،

стр. 6301

حتى فقدت روحها وشكلها، فلو بعث أصحابها الأولون لم يعرفوها، وأصبحت مهود الحضارة، والثقافة، والحكم، والسياسة مسرح الفوضى والانحلال والاختلال وسوء النظام وعسف الحكام، وشغلت بنفسها، لا تحمل للعالم رسالة، ولا للأمم دعوة، وأفلست في معنوياتها، ونضب معين حياتها، لا تملك مشرعا صافيا من الدين السماوي، ولا نظاما ثابتا من الحكم البشري). أقول: وكان هذا سيستمر ولم يكن هناك من مخرج إلا مخرج واحد هو أن يبعث الله رسولا بكتاب لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ* رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً وقد أرسل الله الرسول، وأنزل الكتاب فكان بعد ذلك ما كان. ٣ - وجدنا أن المراد بقوله تعالى في السورة: وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ هو تفرقهم بعد بعثة رسول الله ﷺ ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، وهو توجيه النسفي للآية. وعلى هذا فيكون المعنى أن التفرق الحقيقي إنما كان بعد بعثة رسول الله ﷺ ، لأن فرقتهم السابقة لم تكن في شيء؛ لأنهم جميعا كفار، وقد وجه ابن كثير الآيات توجيها آخر، ونحن نرجح توجيه النسفي وهو الذي اعتمدناه. ٤ - حدد قوله تعالى: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ مضمون دعوات الأنبياء ﵈. فالاختلاف والخلاف في مثل هذه الأصول هو الذي لا يسع أحدا، أما الاختلاف في فرعيات من الصلاة والزكاة كالاختلاف بين شافعي وحنفي فذلك شئ آخر، والعجيب أن بعض الفرق التي تنتسب إلى الإسلام، وبعض الطوائف التي تزعم أنها مسلمة تعبد غير الله، ولا تصلي الصلوات الخمس، ولا تزكي الزكاة المعروفة. ومع هذا فإنها تعتبر أن مخالفتها في هذا شبيهة باختلافات الشافعية والحنفية في أمر فرع من فروع الشريعة وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ* قال ابن كثير: (جاء في الحديث المروي من طرق: «إن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى اختلفوا على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة» قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي»). ٥ - قال تعالى في السورة: حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ* رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً

стр. 6302

مُطَهَّرَةً* فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ وبعد آية قال: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ. لاحظ ورود كلمة القيمة في المقامين، فهذا الذي جعلنا نقول: إن الآية الأخيرة تتحدث عن مضمون الصحف. وجعلنا نقول إن هذه الآية حددت مضمون دعوات الرسل، ومن ذلك دعوة رسولنا ﵇، ولذلك فإن علينا أن نركز على معاني الآية الأخيرة تركيزا خاصا. - العبادة والإخلاص فيها.- الميل عن كل ما يخالف دين الله . - إقامة الصلاة، إيتاء الزكاة، هذا هو الدين الذي وصفه الله وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ يبقى أن نقول: لقد رأينا تفسير المفسرين للكلمة الأخيرة إذ قالوا في معناها: وذلك دين الملة القيمة، لكني أحتمل أن يكون المراد بالقيمة هنا القيمة التي وصفت فيها الكتب المتضمنة في الصحف المطهرة فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ فيكون المعنى: وذلك دين الكتب القيمة الموجودة في الصحف المطهرة التي يتلوها رسول الله ﷺ . ٦ - عند قوله تعالى عن المؤمنين الصالحين: أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ قال ابن كثير: (وقد استدل بهذه الآية أبو هريرة وطائفة من العلماء على تفضيل المؤمنين من البرية على الملائكة). أقول: القول الراجح أن خواص البشر- كالرسل- أفضل من خواص الملائكة- كجبريل وميكال-. وخواص الملائكة أفضل من عامة البشر بعد الرسل. والصديقون والشهداء والصالحون أفضل من عامة الملائكة. وعامة الملائكة أفضل من فسقة المسلمين. ٧ - وبمناسبة قوله تعالى عن الكافرين: أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ وعن المؤمنين: أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ قال ابن كثير: روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بخير البرية؟» قالوا: بلى يا رسول الله قال: «رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله كلما كانت هيعة استوى عليه. ألا أخبركم بخير البرية؟» قالوا: بلى يا رسول الله قال: «رجل في ثلة من غنمه يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ألا أخبركم بشر البرية؟» قالوا: بلى قال: «الذي يسأل بالله ولا يعطي به»).

стр. 6303

سورة الزلزلة وهي السورة التاسعة والتسعون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الخامسة والأخيرة من المجموعة الثالثة عشرة من قسم المفصل، وهي ثمان آيات وهي مكية

стр. 6304

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 6305

بين يدي سورة الزلزلة: قدم ابن كثير لسورة الزلزلة بقوله: (وروى الترمذي بسنده والإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: أتى رجل إلى رسول الله ﵌ فقال: أقرئني يا رسول الله قال له: «اقرأ ثلاثا من ذوات الراء» فقال له الرجل: كبر سني واشتد قلبي وغلظ لساني، قال: «فاقرأ من ذوات حم» فقال مثل مقالته الأولى، فقال: اقرأ ثلاثا من المسبحات» فقال مثل مقالته، فقال الرجل: ولكن أقرئني يا رسول سورة جامعة فأقرأه: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها حتى إذا فرغ منها قال الرجل: والذي بعثك بالحق نبيا لا أزيد عليها أبدا ثم أدبر الرجل فقال رسول الله ﷺ : «أفلح الرويجل، أفلح الرويجل- ثم قال- علي به- فجاءه فقال له: أمرت بيوم الأضحى جعله الله عيدا لهذه الأمة» فقال الرجل: أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى فأضحي بها؟ قال: لا، ولكنك تأخذ من شعرك، وتقلم أظفارك، وتقص شاربك، وتحلق عانتك، فذاك تمام أضحيتك عند الله » وأخرجه أبو داود والنسائي من حديث أبي عبد الرحمن المقري به. وروى الترمذي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «من قرأ إذا زلزلت عدلت له بنصف القرآن» ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسن بن مسلم، وقد رواه البزار بسنده عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، وإذا زلزلت تعدل ربع القرآن» هذا لفظه. وروى الترمذي أيضا عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا زلزلت تعدل نصف القرآن، وقل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، وقل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن» ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث يمان بن المغيرة. وروى أيضا عن أنس ابن مالك أن رسول الله ﷺ قال لرجل من أصحابه: «هل تزوجت يا فلان» قال: لا والله يا رسول الله، ولا عندي ما أتزوج؟ قال: «أليس معك قل هو الله أحد؟» قال: بلى، قال: «ثلث القرآن» قال: أليس معك «إذا جاء نصر الله والفتح؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك قل يا أيها الكافرون؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك إذا زلزلت الأرض؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن، تزوج» ثم قال: هذا حديث حسن، تفرد بهن ثلاثتهن الترمذي لم يروهن غيره من أصحاب الكتب). وقال الألوسي: (وصح في حديث الترمذي والبيهقي وغيرهما عن ابن عباس
следующие страницы →