← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 6301–6340 · переход к 6306.

стр. 6301

حتى فقدت روحها وشكلها، فلو بعث أصحابها الأولون لم يعرفوها، وأصبحت مهود الحضارة، والثقافة، والحكم، والسياسة مسرح الفوضى والانحلال والاختلال وسوء النظام وعسف الحكام، وشغلت بنفسها، لا تحمل للعالم رسالة، ولا للأمم دعوة، وأفلست في معنوياتها، ونضب معين حياتها، لا تملك مشرعا صافيا من الدين السماوي، ولا نظاما ثابتا من الحكم البشري). أقول: وكان هذا سيستمر ولم يكن هناك من مخرج إلا مخرج واحد هو أن يبعث الله رسولا بكتاب لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ* رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً وقد أرسل الله الرسول، وأنزل الكتاب فكان بعد ذلك ما كان. ٣ - وجدنا أن المراد بقوله تعالى في السورة: وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ هو تفرقهم بعد بعثة رسول الله ﷺ ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، وهو توجيه النسفي للآية. وعلى هذا فيكون المعنى أن التفرق الحقيقي إنما كان بعد بعثة رسول الله ﷺ ، لأن فرقتهم السابقة لم تكن في شيء؛ لأنهم جميعا كفار، وقد وجه ابن كثير الآيات توجيها آخر، ونحن نرجح توجيه النسفي وهو الذي اعتمدناه. ٤ - حدد قوله تعالى: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ مضمون دعوات الأنبياء ﵈. فالاختلاف والخلاف في مثل هذه الأصول هو الذي لا يسع أحدا، أما الاختلاف في فرعيات من الصلاة والزكاة كالاختلاف بين شافعي وحنفي فذلك شئ آخر، والعجيب أن بعض الفرق التي تنتسب إلى الإسلام، وبعض الطوائف التي تزعم أنها مسلمة تعبد غير الله، ولا تصلي الصلوات الخمس، ولا تزكي الزكاة المعروفة. ومع هذا فإنها تعتبر أن مخالفتها في هذا شبيهة باختلافات الشافعية والحنفية في أمر فرع من فروع الشريعة وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ* قال ابن كثير: (جاء في الحديث المروي من طرق: «إن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى اختلفوا على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة» قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي»). ٥ - قال تعالى في السورة: حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ* رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً

стр. 6302

مُطَهَّرَةً* فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ وبعد آية قال: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ. لاحظ ورود كلمة القيمة في المقامين، فهذا الذي جعلنا نقول: إن الآية الأخيرة تتحدث عن مضمون الصحف. وجعلنا نقول إن هذه الآية حددت مضمون دعوات الرسل، ومن ذلك دعوة رسولنا ﵇، ولذلك فإن علينا أن نركز على معاني الآية الأخيرة تركيزا خاصا. - العبادة والإخلاص فيها.- الميل عن كل ما يخالف دين الله . - إقامة الصلاة، إيتاء الزكاة، هذا هو الدين الذي وصفه الله وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ يبقى أن نقول: لقد رأينا تفسير المفسرين للكلمة الأخيرة إذ قالوا في معناها: وذلك دين الملة القيمة، لكني أحتمل أن يكون المراد بالقيمة هنا القيمة التي وصفت فيها الكتب المتضمنة في الصحف المطهرة فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ فيكون المعنى: وذلك دين الكتب القيمة الموجودة في الصحف المطهرة التي يتلوها رسول الله ﷺ . ٦ - عند قوله تعالى عن المؤمنين الصالحين: أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ قال ابن كثير: (وقد استدل بهذه الآية أبو هريرة وطائفة من العلماء على تفضيل المؤمنين من البرية على الملائكة). أقول: القول الراجح أن خواص البشر- كالرسل- أفضل من خواص الملائكة- كجبريل وميكال-. وخواص الملائكة أفضل من عامة البشر بعد الرسل. والصديقون والشهداء والصالحون أفضل من عامة الملائكة. وعامة الملائكة أفضل من فسقة المسلمين. ٧ - وبمناسبة قوله تعالى عن الكافرين: أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ وعن المؤمنين: أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ قال ابن كثير: روى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أخبركم بخير البرية؟» قالوا: بلى يا رسول الله قال: «رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل الله كلما كانت هيعة استوى عليه. ألا أخبركم بخير البرية؟» قالوا: بلى يا رسول الله قال: «رجل في ثلة من غنمه يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ألا أخبركم بشر البرية؟» قالوا: بلى قال: «الذي يسأل بالله ولا يعطي به»).

стр. 6303

سورة الزلزلة وهي السورة التاسعة والتسعون بحسب الرسم القرآني وهي السورة الخامسة والأخيرة من المجموعة الثالثة عشرة من قسم المفصل، وهي ثمان آيات وهي مكية

стр. 6304

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 6305

بين يدي سورة الزلزلة: قدم ابن كثير لسورة الزلزلة بقوله: (وروى الترمذي بسنده والإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: أتى رجل إلى رسول الله ﵌ فقال: أقرئني يا رسول الله قال له: «اقرأ ثلاثا من ذوات الراء» فقال له الرجل: كبر سني واشتد قلبي وغلظ لساني، قال: «فاقرأ من ذوات حم» فقال مثل مقالته الأولى، فقال: اقرأ ثلاثا من المسبحات» فقال مثل مقالته، فقال الرجل: ولكن أقرئني يا رسول سورة جامعة فأقرأه: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها حتى إذا فرغ منها قال الرجل: والذي بعثك بالحق نبيا لا أزيد عليها أبدا ثم أدبر الرجل فقال رسول الله ﷺ : «أفلح الرويجل، أفلح الرويجل- ثم قال- علي به- فجاءه فقال له: أمرت بيوم الأضحى جعله الله عيدا لهذه الأمة» فقال الرجل: أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى فأضحي بها؟ قال: لا، ولكنك تأخذ من شعرك، وتقلم أظفارك، وتقص شاربك، وتحلق عانتك، فذاك تمام أضحيتك عند الله » وأخرجه أبو داود والنسائي من حديث أبي عبد الرحمن المقري به. وروى الترمذي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «من قرأ إذا زلزلت عدلت له بنصف القرآن» ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسن بن مسلم، وقد رواه البزار بسنده عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، وإذا زلزلت تعدل ربع القرآن» هذا لفظه. وروى الترمذي أيضا عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا زلزلت تعدل نصف القرآن، وقل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، وقل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن» ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث يمان بن المغيرة. وروى أيضا عن أنس ابن مالك أن رسول الله ﷺ قال لرجل من أصحابه: «هل تزوجت يا فلان» قال: لا والله يا رسول الله، ولا عندي ما أتزوج؟ قال: «أليس معك قل هو الله أحد؟» قال: بلى، قال: «ثلث القرآن» قال: أليس معك «إذا جاء نصر الله والفتح؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك قل يا أيها الكافرون؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك إذا زلزلت الأرض؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن، تزوج» ثم قال: هذا حديث حسن، تفرد بهن ثلاثتهن الترمذي لم يروهن غيره من أصحاب الكتب). وقال الألوسي: (وصح في حديث الترمذي والبيهقي وغيرهما عن ابن عباس

стр. 6306

مرفوعا: «إذا زلزلت تعدل نصف القرآن» وجاء في حديث آخر تسميتها ربعا، ووجه ما في الأول بأن أحكام القرآن تنقسم إلى أحكام الدنيا وأحكام الآخرة، وهذه السورة تشتمل على أحكام الآخرة إجمالا، وزادت على القارعة بإخراج الأثقال، وبحديث الإخبار، وما في الآخر بأن الإيمان بالبعث الذي قررته هذه السورة ربع الإيمان في الحديث الذي رواه الترمذي: «لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، ويؤمن بالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر». وكأنه لما ذكر في السورة السابقة جزاء الفريقين المؤمنين والكافرين كان ذلك كالمحرك للسؤال عن وقته فبينه جل شأنه في هذه السورة). وقال صاحب الظلال عن هذه السورة: (إنها هزة عنيفة للقلوب الغافلة. هزة يشترك فيها الموضوع والمشهد والإيقاع اللفظي، وصيحة قوية مزلزلة للأرض ومن عليها، فما يكادون يفيقون حتى يواجههم الحساب والوزن والجزاء في بعض فقرات قصار). كلمة في سورة الزلزلة ومحورها: بعد الآيات التي شكلت محور سورة البينة من سورة البقرة، يأتي قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ لاحظ كلمة (ثم إليه ترجعون) ولاحظ أن سورة الزلزلة تتحدث عن رجوع الإنسان إلى الله، وعن يوم الرجوع ذاك إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها ... فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ. من هذا الذي ذكرناه نعرف محور سورة الزلزلة وندرك الصلة بين السورة ومحورها. وأما الصلة بين سورة الزلزلة والبينة فواضحة، حتى لتكاد تكون سورة الزلزلة استمرارا لسورة البينة، إذا إن خاتمة سورة البينة تتحدث عن جزاء الكافرين، وجزاء المؤمنين يوم القيامة، وتأتي سورة الزلزلة لتحدثنا عن ذلك اليوم، وما يكون فيه، وعن قاعدة الحساب والجزاء فيه، فلنر السورة.

стр. 6307

سورة الزلزلة وهي ثماني آيات وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الزلزلة (٩٩): الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) التفسير: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ أي: حركت الأرض زِلْزالَها أي: حركتها الشديدة التي ليس بعدها حركة. قال النسفي: أي: زلزالها الشديد الذي ليس بعده زلزال. وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها قال ابن كثير: يعني: ألقت ما فيها من الموتى، وقال النسفي: أي: كنوزها وموتاها .. جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالا لها. أقول: والحكمة في إخراج الكنوز مع الموتى إراءة الناس تفاهة ما تعبدوا له، وعملوا له، واختصموا فيه. قال ابن كثير: (وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «تلقى الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجئ القاتل فيقول: في هذا قتلت، ويجئ القاطع فيقول: في هذا قطعت رحمي، ويجئ السارق فيقول: في هذا قطعت يدي ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا»). وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها قال النسفي: (أي: ما لها زلزلت هذه الزلزلة الشديدة، ولفظت ما في بطنها، وذلك عند النفخة الثانية حين تزلزل وتلفظ موتاها أحياء فيقولون ذلك لما يبهرهم من الأمر الفظيع، كما يقولون: من بعثنا من مرقدنا، وقيل: هذا قول الكافر؛ لأنه كان لا يؤمن بالبعث، فأما المؤمن فيقول: هذا ما وعد الرحمن وصدق

стр. 6308

المرسلون). يَوْمَئِذٍ أي: يوم يكون ذلك الزلزال، وإخراج الأثقال وتساؤل الإنسان تُحَدِّثُ الأرض أَخْبارَها أي: تحدث الأرض الخلق أخبارها، قال ابن كثير: (أي: تحدث بما عمل العاملون على ظهرها. روى الإمام أحمد والترمذي وأبو عبد الرحمن النسائي- واللفظ له- عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها قال: «أتدرون ما أخبارها؟» قالوا: الله ورسوله أعلم قال: «فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، أن تقول عمل كذا وكذا يوم كذا وكذا فهذه أخبارها» ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب). بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها أي: بسبب أن ربك أذن لها أن تحدث، وأن تقول، قال النسفي: أي: تحدث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها، أي: إليها، وأمره إياها بالتحديث يَوْمَئِذٍ أي: يوم يكون ذلك يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً قال النسفي: أي: يصدرون عن مخارجهم من القبور إلى الموقف أشتاتا، بيض الوجوه آمنين، وسود الوجوه فزعين، أو يصدرون عن الموقف أشتاتا يتفرق بهم طريقا الجنة والنار) وقال ابن كثير: (أي: يرجعون عن موقف الحساب أشتاتا أي: أنواعا وأصنافا ما بين شقي وسعيد، ومأمور به إلى الجنة ومأمور به إلى النار، قال ابن جريح: يتصدعون أشتاتا فلا يجتمعون آخر ما عليهم، وقال السدي: أشتاتا فرقا). لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ أي: ليروا جزاء أعمالهم. قال ابن كثير: أي: ليعملوا ويجازوا بما عملوه في الدنيا من خير وشر، ولهذا قال: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ أي: يرى جزاءه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ أي جزاءه، والذرة هي غاية ما يضرب به المثل في الصغر، وقد رأينا في سورة يونس وغيرها أن الله ذكر ما هو أصغر من الذرة فقال: وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ .. فليس المراد في آية الزلزلة التحديد العلمي للذرة وأنها أصغر الأشياء، بل المراد أنه مهما قل العمل من خير أو شر فإن الإنسان ملاقيه، وليس كالذرة مضرب مثل في هذا؛ لأنه لا يوجد في الكون ما هو أصغر من الذرة كشئ متكامل. كلمة في السياق: واضح تسلسل السياق الخاص للسورة فلا حاجة للكلام عنه، وأما صلة السورة بمحورها فإن الله قال في المحور: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وقد ذكرت السورة متى يكون هذا الرجوع،

стр. 6309

وكيف يكون وماذا سيجرى فيه، فالسورة واضحة الارتباط بمحورها، فهي تفصل في جزء من المحور، وهو موضوع الرجوع إلى الله ، ولكنه تفصيل جديد فما من سورة إلا وفيها جديد. فائدة: بمناسبة قوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ قال ابن كثير: (روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر. فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال طيلها في مرج أو روضة، فما أصابت في طيلها ذلك في المرج والروضة كان له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفا أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن تسقى به كان ذلك حسنات له، وهي لذلك الرجل أجر. ورجل ربطها تغنيا وتعففا ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي له ستر، ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء فهي على ذلك وزر» فسئل رسول الله ﷺ عن الحمر فقال: «ما أنزل الله فيها شيئا إلا هذه الآية الفاذة الجامعة فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» ورواه مسلم من حديث زيد بن أسلم به. وروى الإمام أحمد عن صعصعة بن معاوية- عم الفرزدق- أنه أتى النبي ﷺ فقرأ عليه فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ قال: حسبي لا أبالي أن لا أسمع غيرها. وهكذا رواه النسائي في التفسير عن الحسن البصري قال حدثنا صعصعة عم الفرزدق فذكره. وفي صحيح البخاري عن عدي مرفوعا: «اتقوا النار ولو بشق تمرة ولو بكلمة طيبة» وله أيضا في الصحيح: «لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط» وفي الصحيح أيضا: «يا معشر نساء المؤمنات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة» يعني: ظلفها، وفي الحديث الآخر: «ردوا السائل ولو بظلف محرق» وروى الإمام أحمد عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «يا عائشة استتري من النار ولو بشق تمرة فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان» تفرد به أحمد. وروى عن عائشة أنها تصدقت بعنبة وقالت: كم فيها من مثقال ذرة. وروى الإمام أحمد عن عوف بن الحارث بن الطفيل أن عائشة أخبرته أن النبي ﷺ كان يقول: «يا عائشة إياك ومحقرات

стр. 6310

الذنوب فإن لها من الله طالبا» ورواه النسائي وابن ماجه. وروى ابن جرير عن أنس قال: كان أبو بكر يأكل مع النبي ﷺ فنزلت هذه الآية فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ فرفع أبو بكر يده وقال: يا رسول الله إني أجزى بما عملت من مثقال ذرة من شر؟ فقال: «يا أبا بكر ما رأيت في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر، ويدخر الله لك مثاقيل ذر الخير حتى توفاه يوم القيامة» ورواه ابن أبي حاتم. وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه» وأن رسول الله ﵌ ضرب لهن مثلا كمثل قوم نزلوا أرض فلاة فحضر صنيع القوم فجعل الرجل ينطلق فيجئ بالعود والرجل يجئ بالعود حتى جمعوا سوادا وأججوا نارا وأنضجوا ما قذفوا فيها.).

стр. 6311

المجموعة الرابعة عشرة من القسم الرابع من أقسام القرآن المسمى بقسم المفصل وتشمل سور: العاديات، والقيامة، والتكاثر

стр. 6312

كلمة في المجموعة الرابعة عشرة من قسم المفصل: تتألف المجموعة الرابعة عشرة من ثلاث سور، والذي دلنا على بدايتها أن السورة الأولى منها مبدوءة بقسم، وهي علامة مطردة على بداية المجموعات كما رأينا، والذي دلنا على نهايتها أن سورة العصر بعدها مبدوءة بقسم مما يشير إلى أن سورة التكاثر هي نهاية المجموعة. وقد عرفنا أن السورة المبدوءة بقسم تفصل في مقدمة سورة البقرة، وهذا يدلنا على محور سورة العاديات، وقد رأينا من قبل أن سورة الحاقة فصلت في مقدمة سورة البقرة، والملاحظ أن سورة القارعة تشبه سورة الحاقة، ففي سورة الحاقة. ورد قوله تعالى: الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ* وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ* كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ وفي سورة القارعة يأتي قوله تعالى: الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ* وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ لاحظ وجود كلمة القارعة في السورتين. وأن لفظ القارعة في سورة الحاقة تفسير للحاقة، وهذا يشير إلى أن السورتين تصبان في مصب واحد، مما يشير إلى وحدة محور السورتين. والملاحظ أن سورة الحاقة تقول: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ* فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ .. وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ ... وأن سورة القارعة تقول: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ* وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ* فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ .. وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ .. تتشابهان تشابها كبيرا مما يشير إلى وحدة محورهما. فإذا كان محور سورة الحاقة هو مقدمة سورة البقرة فكذلك سورة القارعة. وعلى هذا فإن محور سورتي العاديات والقارعة هو مقدمة سورة البقرة. وتأتي سورة التكاثر والظاهر من معانيها أنها تفصل فيما بعد مقدمة سورة البقرة، أي: في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً

стр. 6313

فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ومن ثم تجد سورة التكاثر تخاطب الناس فتقول: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ. إن ما بعد مقدمة سورة البقرة دعوة للناس جميعا إلى عبادة الله شكرا له على نعمه. ولكن كثيرين من الناس تشغلهم النعمة عن المنعم، ولذلك تأتي سورة التكاثر لتؤنب هؤلاء على اشتغالهم بالنعمة عن المنعم حتى ماتوا، وتعالج هذه الظاهرة، والملاحظ بشكل عام أن المجموعة الرابعة عشرة تعالج بشكل عام ظواهر مرضية في الطبيعة البشرية تنأى بها عن الحق وقبوله، فلنبدأ عرض المجموعة.

стр. 6314

سورة العاديات وهي السورة المائة بحسب الرسم القرآني وهي السورة الأولى من المجموعة الرابعة عشرة من قسم المفصل، وهي إحدى عشر آية وهي مكية

стр. 6315

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 6316

بين يدي سورة العاديات: قال الألوسي عن هذه السورة: (ولما ذكر سبحانه فيما قبلها الجزاء على الخير والشر أتبع ذلك فيها بتعنيف من آثر دنياه على آخرته، ولم يستعد لها بفعل الخير، ولا يخفى ما في قوله تعالى هناك: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها وقوله سبحانه هنا: إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ من المناسبة أو العلاقة على ما سمعت من أن المراد بالأثقال ما في جوفها من الأموات أو ما يعمهم، والكنوز). وقال صاحب الظلال: (يجري سياق هذه السورة في لمسات سريعة عنيفة مثيرة، ينتقل من إحداها إلى الأخرى قفزا وركضا ووثبا، في خفة وسرعة وانطلاق، حتى ينتهي إلى آخر فقرة فيها فيستقر عندها اللفظ والظل والموضوع والإيقاع! كما يصل الراكض إلى نهاية المطاف! وتبدأ بمشهد الخيل العادية الضابحة، القادحة للشرر بحوافرها، المغيرة مع الصباح، المثيرة للنقع وهو الغبار، الداخلة في وسط العدو فجأة تأخذه على غرة، وتثير في صفوفه الذعر والفرار! يليه مشهد في النفس من الكنود والجحود والأثرة والشح الشديد. ثم يعقبه مشهد لبعثرة القبور وتحصيل ما في الصدور!. وفي الختام ينتهي النقع المثار، وينتهي الكنود والشح، وتنتهي البعثرة والجمع ... إلى نهايتها جميعا. إلى الله. فتستقر هناك: إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ .. والإيقاع الموسيقي فيه خشونة ودمدمة وفرقعة، تناسب الجو الصاخب المعفر الذي تنشئه القبور المبعثرة، والصدور المحصل ما فيها بشدة وقوة، كما تناسب جو الجحود والكنود، والأثرة والشح الشديد. فلما أراد لهذا كله إطارا مناسبا، اختاره من الجو الصاخب المعفر كذلك، تثيره الخيل العادية في جريها، الصاخبة بأصواتها القادحة بحوافرها، المغيرة فجاءة مع الصباح، المثيرة للنقع والغبار، الداخلة في وسط العدو على غير انتظار .. فكان الإطار من الصورة والصورة من الإطار. يقسم الله سبحانه يخيل المعركة، ويصف حركاتها واحدة واحدة منذ أن تبدأ عدوها وجريها ضابحة بأصواتها المعروفة حين تجري، قارعة للصخر بحوافرها حتى توري الشرر

стр. 6317

منها، مغيرة في الصباح الباكر لمفاجأة العدو، مثيرة للنقع والغبار. غبار المعركة على غير انتظار. وهي تتوسط صفوف الأعداء على غرة فتوقع بينهم الفوضى والاضطراب!. إنها خطوات المعركة على ما يألفه المخاطبون بالقرآن أول مرة .. والقسم بالخيل في هذا الإطار فيه إيحاء قوي بحب هذه الحركة والنشاط لها، بعد الشعور بقيمتها في ميزان الله). كلمة في سورة العاديات ومحورها: تتحدث سورة العاديات عن طبيعة الإنسان، وأنه جحود، وأنه محب لمصلحته ومنفعته وهي تعالج هذا المعنى عند الإنسان، بتذكيره بالبعث والحساب، ومعرفة الله ، وإذا تذكرنا مقدمة سورة البقرة فإننا نرى أنها تتحدث عن المتقين والكافرين والمنافقين، وهذه السورة تتحدث عن سبب الكفر والنفاق، وتعالج ذلك ليكون الإنسان من المتقين، وهذه هي الصلة الرئيسية لهذه السورة بمقدمة سورة البقرة. انتهت سورة الزلزلة بقوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ وسورة العاديات تتحدث عن طبيعة الإنسان وكنوده ومحبته للمال والدنيا، وتعالج ذلك. وفي ذلك حض على فعل الخير وترك الشر فالسورة كثيرة الصلات بما قبلها. سورة العاديات وهي إحدى عشرة آية وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة العاديات (١٠٠): الآيات ١ الى ١١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥) إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)

стр. 6318

التفسير: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً قال ابن كثير: يقسم تعالى بالخيل إذا أجريت في سبيله فعدت وضبحت، وهو الصوت الذي يسمع من الفرس حين تعدو. أقول: والتقدير: والخيل العاديات يضبحن ضبحا فَالْمُورِياتِ قَدْحاً قال ابن كثير: (يعني اصطكاك نعالها بالصخر فتقدح منه النار) قال النسفي: (والقدح: الصك، والإيراء: إخراج النار) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً قال ابن كثير: (يعني الإغارة وقت الصباح). قال النسفي: (فالمغيرات تغير على العدو وقت الصبح) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً قال النسفي: أي: فهيجن بذلك الوقت غبارا، وقال ابن كثير في الآية: يعني غبارا في مكان معترك الخيول فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً قال النسفي: فوسطن به أي: بذلك الوقت جمعا جموع الأعداء، ووسطه بمعنى توسطه إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ قال النسفي: أي لكفور أي: إنه لنعمة ربه خصوصا لشديد الكفران. قال ابن كثير: هذا هو المقسم عليه. بمعنى: إنه لنعم ربه لكفور جحود وَإِنَّهُ أي: وإن الإنسان عَلى ذلِكَ أي: على كنوده لَشَهِيدٌ أي: يشهد على نفسه، وعلى هذا القول محمد بن كعب القرظي. قال ابن كثير: فيكون تقديره: وإن الإنسان على كونه كنودا لشهيد أي: بلسان حاله أي ظاهر ذلك عليه في أقواله وأفعاله وَإِنَّهُ أي: الإنسان لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ قال النسفي: (أي: وإنه لأجل حب المال لبخيل ممسك، أو إنه لحب المال لقوي وهو لحب عبادة الله ضعيف) وقال ابن كثير: (أي: وإنه لحب الخير- وهو المال- لشديد، وفيه مذهبان: أحدهما أن المعنى وإنه لشديد المحبة للمال والثاني وإنه لحريص بخيل من محبة المال وكلاهما صحيح).

стр. 6319

أقول: يمكن أن يكون المراد بالخير في هذا السياق ما هو أعم من المال. من ما يدخل في كل ما يعتبره الإنسان خيرا لنفسه. قال ابن كثير: ثم قال ﵎ مزهدا في الدنيا، ومرغبا في الآخرة، ومنبها على ما هو كائن بعد هذه الحال وما يستقبله الإنسان من الأهوال أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ أي: أفلا يعلم الإنسان إذا بعث من في القبور من الموتى، وقال ابن كثير: أي: أخرج ما فيها من الأموات وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ قال النسفي: أي ميز ما فيها من الخير والشر. قال ابن عباس وغيره: يعني: أبرز وأظهر ما كانوا يسرون في نفوسهم إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ قال النسفي: أي: لعالم، فيجازيهم على أعمالهم من الخير والشر. وخص (يومئذ) بالذكر وهو عالم بهم في جميع الأزمان، لأن الجزاء يقع يومئذ، وقال ابن كثير: أي العالم بجميع ما كانوا يصنعون ومجازيهم عليه أوفر الجزاء، ولا يظلم مثقال ذرة. كلمة في السياق: انصب السياق على ذكر طبيعة الإنسان فهو كنود ويحب المال والمنافع الدنيوية، وذكرت السورة علاج هاتين الصفتين، وذلك يكون بتذكر البعث، وما يكون فيه من تحصيل ما في الأنفس، وعلم الله بها، إن هذا التذكر هو الذي يحرر الإنسان من كنوده، وحبه الشديد للمال حتى لا يلقى الله بأمراضه المخجلة تلك، فإذا علم الإنسان ذلك تحرر من الكفر، وأقبل على الإيمان والصلاة والإنفاق، واتباع كتاب الله ، فلا صارف يصرف عن هذه الأشياء مثل جحود نعم الله ومحبة الدنيا، ومن هذا الذي ذكرناه ندرك سياق السورة الخاص، وصلتها بمحورها أي: بمقدمة سورة البقرة، فالسورة تحرر الإنسان مما يمنعه من التحقق بصفات المتقين، إن الجحود لنعم الله ينتج عن الكفران الذي لا يرافقه اعتراف ولا عبودية، ومن ثم فلا إيمان ولا صلاة ولا اتباع كتاب. وإن حب المال ينتج عنه حجب الحقوق، وعدم الإنفاق وينتج عنه، قبول الفتنة في أمر الإسلام. وإن ما بين قوله تعالى في هذه السورة: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ .. وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ. وبين قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ لصلة، فمن الصوارف التي تصرف الإنسان عن قبول الإنذار شحه وحبه للدنيا.

стр. 6320

الفوائد: ١ - القول الراجح أن المراد بالقسم الوارد في السورة الخيل، وهناك خلاف. هل المراد بها خيل الغزاة أو خيل الحجيج في انطلاقها من عرفات إلى مزدلفة إلى منى. وهو خلاف لا يوقف عنده. فالحج نوع جهاد في سبيل الله، ولا شك أن في القسم بالخيل تعظيما لها. كآلة جهاد، وهذا يجعل المسلم يفكر دائما بآلات الجهاد. ٢ - مما قالوه في الكنود سوى ما ذكرناه، ما قال الحسن: الكنود هو الذي يعد المصائب وينسى نعم الله عليه، وقال ابن كثير: (وروى ابن أبي حاتم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ- قال-: الكنود الذي يأكل وحده، ويضرب عبده، ويمنع رفده» ورواه ابن أبي حاتم من طريق آخر بإسناد ضعيف، وقد رواه ابن جرير أيضا عن أبي أمامة موقوفا).

стр. 6321

سورة القارعة وهي السورة الحادية بعد المائة بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثانية من المجموعة الرابعة عشرة من قسم المفصل، وهي إحدى عشرة آية وهي مكية

стр. 6322

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 6323

بين يدي سورة القارعة: قال صاحب الظلال عن هذه السورة: (القارعة: القيامة. كالطامة، والصاخة، والحاقة، والغاشية، والقارعة توحي بالقرع واللطم، فهي تقرع القلوب بهولها. والسورة كلها عن هذه القارعة. حقيقتها. وما يقع فيها. وما تنتهي إليه .. فهي تعرض مشهدا من مشاهد القيامة. والمشهد المعروض هنا مشهد هول تتناول آثاره الناس والجبال. فيبدو الناس في ظله صغارا ضئالا على كثرتهم: فهم كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ مستطارون مستخفون في حيرة الفراش الذي يتهافت على الهلاك، وهو لا يملك لنفسه وجهة، ولا يعرف له هدفا! وتبدو الجبال التي كانت ثابتة راسخة كالصوف المنفوش تتقاذفه الرياح وتعبث به حتى الأنسام! فمن تناسق التصوير أن تسمى القيامة بالقارعة، فيتسق الظل الذي يلقيه اللفظ، والجرس الذي تشترك فيه حروفه كلها، مع آثار القارعة في الناس والجبال سواء! وتلقي إيحاءها للقلب والمشاعر، تمهيدا لما ينتهي إليه المشهد من حساب وجزاء). وقال الألوسي: (ومناسبتها لما قبلها أظهر من أن تذكر). كلمة في سورة القارعة ومحورها: تحدثت مقدمة سورة البقرة عن المتقين والكافرين والمنافقين، والمنافقون كافرون في المآل. وسورة القارعة تتحدث عن حال المتقين والكافرين يوم القيامة، وهذا أول مظهر من مظاهر صلة سورة القارعة بمقدمة سورة البقرة، ومقدمة سورة البقرة تتحدث عن المتقين بأنهم يؤمنون بالآخرة وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ وتتحدث عن الكافرين وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وسورة القارعة تتحدث عن اليوم الآخر وعما يكون فيه من فلاح لأهل العمل الصالح، ومن عذاب وخسران لأهل الكفر، ولذلك صلة بمقدمة سورة البقرة كذلك. وقد ختمت سورة العاديات بقوله تعالى: أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ* وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ* إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ وجاءت سورة القارعة لتحدثنا

стр. 6324

عن الساعة التي تبعثر فيها القبور، وتحدثنا عما يكون فيها، وهذا مظهر من مظاهر صلتها بما قبلها، ولعلنا نلاحظ أن هذه المجموعة لها خصائص معينة في كونها تعالج معاني سلبية في الإنسان وذلك مظهر من مظاهر أسباب تعدد المجموعات القرآنية، إذ تؤدي كل منها خدمة في مجال التربية والتعليم، والبيان والتفصيل، وهو مدى لا يحاط به. ومن ثم فلا يغني عن ختم القرآن وتكراره شئ. فكل سورة فيها جديد، وكل مجموعة فيها جديد، وكل قسم فيه جديد، وكل ذلك يترك آثاره الخاصة في النفس البشرية. سورة القارعة وهي إحدى عشرة آية وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة القارعة (١٠١): الآيات ١ الى ١١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩) وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١) التفسير: الْقارِعَةُ قال ابن كثير: القارعة من أسماء يوم القيامة كالحاقة والطامة والصاخة والغاشية وغير ذلك مَا الْقارِعَةُ هذا سؤال يراد به تعظيم أمرها وتفخيم شأنها: وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ قال النسفي: أي شئ أعلمك ما هي، ومن أين علمت ذلك؟ أقول: وفي السؤال الثاني كذلك تفخيم آخر لشأنها. قال ابن كثير: ثم فسر ذلك بقوله: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ قال النسفي: (شبههم بالفراش في الكثرة والانتشار والضعف والذلة والتطاير إلى الداعي من كل جانب، كما يتطاير

стр. 6325

الفراش إلى النار وقال ابن كثير في الآية: (أي في انتشارهم وتفرقهم وذهابهم ومجيئهم من حيرتهم مما هم فيه كأنهم فراش مبثوث) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ قال النسفي: شبه الجبال بالعهن: وهو الصوف المصبغ ألوانا لأنها ألوان وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وبالمنفوش منه لتفرق أجزائها. قال ابن كثير: ثم أخبر تعالى عما يؤول إليه كل العاملين، وما يصيرون إليه من الكرامة والإهانة بحسب أعمالهم. فقال: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ قال النسفي: أي باتباعهم الحق وهي جمع موزون وهو العمل الذي له وزن وحظ عند الله أو جمع ميزان وثقلها رجحانها، وقال ابن كثير: أي رجحت حسناته على سيئاته فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ أي: ذات رضا أو مرضية. قال ابن كثير: يعني في الجنة وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ قال النسفي: أي باتباعه الباطل. قال ابن كثير: أي رجحت سيئاته على حسناته فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ قال النسفي: أي فمسكنه ومأواه النار، وقيل للمأوى أم على التشبيه لأن الأم مأوى الولد ومفزعه. وقال ابن كثير: قيل معناه فهو ساقط في الهاوية، وهي اسم من أسماء النار وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ قال النسفي: الضمير يعود إلى هاوية والهاء للسكت، ثم فسرها الله فقال: نارٌ حامِيَةٌ قال النسفي: أي بلغت النهاية في الحرارة. كلمة في السياق: بينت السورة عاقبة المتقين الذين ثقلت حسناتهم، وعاقبة الكافرين الذين لا يقبل الله منهم عملا، وفي ذلك دعوة للإيمان والتقوى والعمل الصالح، كما أن فيها دعوة للتحرر من الكفر والفجور، وصلة ذلك بمقدمة سورة البقرة لا تخفى. فائدة: بمناسبة قوله تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ* فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ* وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ* نارٌ حامِيَةٌ قال ابن كثير: (روى ابن جرير عن الأشعث بن عبد الله الأعمى قال: إذا مات المؤمن ذهب بروحه إلى أرواح المؤمنين فيقولون: روحوا أخاكم فإنه كان في غم الدنيا قال: ويسألونه ما فعل فلان؟ فيقول: مات أو ما جاءكم؟ فيقولون: ذهب به إلى أمه الهاوية، وقد رواه ابن مردويه من طريق أنس بن مالك مرفوعا بأبسط من هذا وقد أوردناه في كتاب صفة النار- أجارنا الله تعالى منها بمنه وكرمه- وقوله تعالى: نارٌ

стр. 6326

حامِيَةٌ أي: حارة شديدة الحر قوية اللهب والسعير. قال أبو مصعب عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم» قالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية؟ فقال: «إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا» ورواه البخاري، وفي بعض ألفاظه: «إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلهن مثل حرها» وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: «نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم» فقال رجل: إن كانت لكافية؟ فقال: «لقد فضلت عليها بتسعة وستين جزءا حرا فجرا» تفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط مسلم .. وروى الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة» وقد روي هذا من حديث أنس وعمر بن الخطاب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان يغلي منهما دماغه» وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون في الشتاء من بردها، وأشد ما تجدون في الصيف من حرها» وفي الصحيحين: «إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم»).

стр. 6327

سورة التكاثر وهي السورة الثانية بعد المائة بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثالثة والأخيرة من المجموعة الرابعة عشرة من قسم المفصل، وهي ثمان آيات وهي مكية

стр. 6328

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 6329

بين يدي سورة التكاثر: قال الألوسي عن سورة التكاثر: (وآيها ثمان بالاتفاق. وهي تعدل ألف آية من القرآن. أخرج الحاكم والبيهقي في الشعب عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا يستطيع أحدكم أن يقرأ ألف آية في كل يوم؟ قالوا: ومن يستطيع أن يقرأ ألف آية؟ قال: أما يستطيع أحدكم أن يقرأ ألهاكم التكاثر» وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق والديلمي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «من قرأ في ليلة ألف آية لقي الله تعالى وهو ضاحك في وجهه» فقيل: يا رسول الله من يقوى على ألف آية؟ فقرأ سورة ألهاكم التكاثر إلى آخرها ثم قال ﵊: «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ألف آية» وذكر ناصر الدين ابن الميلق في سر ذلك أن القرآن ستة آلاف ومائتا آية وكسر، فإذا تركنا الكسر كان الألف سدس القرآن وهذه السورة تشمل على سدس من مقاصد القرآن فإنها على ما ذكره الغزالي ستة، ثلاثة مهمة: وهي تعريف المدعو إليه، وتعريف الصراط المستقيم، وتعريف الحال عند الرجوع إليه ، وثلاثة متمة، وهي تعريف أحوال المطيعين، وحكاية أقوال الجاحدين، وتعريف منازل الطريق، وأحدها معرفة الآخرة المشار إليه بتعريف الحال عند الرجوع إليه تعالى المشتمل عليه السورة، والتعبير على هذا المعنى بألف آية أفخم وأجل من التعبير بالسدس. انتهى. والأمر- والله تعالى أعلم- وراء ذلك ومناسبتها لما قبلها ظاهرة). وقال صاحب الظلال عن هذه السورة: (هذه السورة ذات إيقاع جليل رهيب عميق وكأنما هي صوت نذير، قائم على شرف عال. يمد بصوته ويدوي بنبرته. يصيح بنوم غافلين مخمورين سادرين، أشرفوا على الهاوية وعيونهم مغمضة، وحسهم مسحور. فهو يمد بصوته إلى أعلى وأبعد ما يبلغ. إنها سورة تعبر بذاتها عن ذاتها. وتلقي في الحس ما تلقي بمعناها وإيقاعها. وتدع القلب مثقلا مشغولا بهم الآخرة عن سفساف الحياة الدنيا وصغائر اهتماماتها التي يهش لها الفارغون! إنها تصور الحياة الدنيا كالومضة الخاطفة في الشريط الطويل .. أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ

стр. 6330

حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ .. وتنتهي ومضة الحياة الدنيا وتنطوي صفحتها الصغيرة .. ثم يمتد الزمن بعد ذلك وتمتد الأثقال؛ ويقوم الأداء التعبيري ذاته بهذا الإيحاء. فتتسق الحقيقة مع النسق التعبيري الفريد .. وما يقرأ الإنسان هذه السورة الجليلة الرهيبة العميقة، بإيقاعاتها الصاعدة الذاهبة في الفضاء إلى بعيد في مطلعها، الرصينة الذاهبة إلى القرار العميق في نهايتها .. حتى يشعر بثقل ما على عاتقه من أعقاب هذه الحياة الوامضة التي يحياها على الأرض، ثم يحمل ما يحمل منها ويمضي به مثقلا في الطريق! ثم ينشئ يحاسب نفسه على الصغير والزهيد!). كلمة في سورة التكاثر ومحورها: بعد مقدمة سورة البقرة يأتي قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. فالآيتان أمرتا بعبادة الله معللتان لذلك بأنه الخالق المنعم، ولكن كم من الناس يستجيبون لهذا الأمر؟ لا شك أن القليل هم المستجيبون، بدليل قوله تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ وحتى هذا القليل تلهيه الدنيا عن القيام بالشكر حق الشكر، وقد جاءت سورة التكاثر لتحدثنا عن انشغال الكثير من الخلق بالدنيا، ولم تحدد السورة هذا الانشغال عن ماذا. بل حددت بماذا. والسياق يعرفنا عن ماذا كان الانشغال ومحور السورة يحدده كذلك، وهو الانشغال عن عبادة الله وتقواه، وهذا أول مظهر من مظاهر صلة سورة التكاثر بمحورها. وتنتهي سورة التكاثر بقوله تعالى: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ وقد رأينا أن آيتي المحور حدثتنا عن نعم الله علينا وطالبتنا بناء على ذلك بالعبادة والتقوى والتوحيد، ولكن كثيرين لا يفعلون ذلك فهم يتنعمون ولا يشكرون، ومن ثم أنذرت سورة التكاثر بأن السؤال عن النعيم كائن، وهذا كذلك من مظاهر صلة سورة التكاثر بمحورها من سورة البقرة. وكما أن للسورة صلتها الواضحة بمحورها فلها صلتها الواضحة بما قبلها، فسورة

стр. 6331

القارعة انتهت بقوله تعالى: وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ* نارٌ حامِيَةٌ و سورة التكاثر بدأت بقوله تعالى: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ .. فلو قدرنا أن التكاثر ألهانا عن العمل المنجي من النار. لرأينا أن الصلة كاملة بين السورتين، ومن تأمل السورة. وتأمل سورة القارعة فإنه يجد أكثر من وشيجة تربط بين السورتين. سورة التكاثر وهي ثماني آيات وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) التفسير: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ* حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ قال ابن كثير: يقول تعالى: أشغلكم حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها. وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر وصرتم من أهلها. روى ابن أبي حاتم الحديث الذي قاله رسول الله ﷺ : «أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ عن الطاعة حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ حتى يأتيكم الموت». أقول: في هذا الحديث دليل على ما ذهبنا إليه في تفسير عن أي شئ يكون الانشغال. فالانشغال بالتكاثر إنما هو انشغال عن العبادة والتقوى، ويدخل في التكاثر. التكاثر في الأموال والأولاد وغير ذلك مما يتكاثر في الدنيا كَلَّا قال النسفي: ردع وتنبيه على أنه لا ينبغي للناظر لنفسه أن تكون الدنيا جميع همه ولا يهتم بدينه سَوْفَ

стр. 6332

تَعْلَمُونَ قال النسفي: أي: عند النزع سوء عاقبة ما كنتم عليه ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ قال النسفي: أي في القبور. وقال الحسن البصري في الآيتين: هذا وعيد بعد وعيد. أقول: هذان الوعيدان حملهما النسفي على ما رأينا، وسنرى أن ابن كثير يحملهما على الوعيد في شأن جهنم يوم القيامة كَلَّا قال النسفي: تكرير الردع للإنذار والتخويف لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ قال ابن كثير: أي لو علمتم حق العلم لما ألهاكم التكاثر عن طلب الدار الآخرة حتى صرتم إلى المقابر. وقال النسفي: جواب لو محذوف أي: لو تعلمون ما بين أيديكم علم اليقين لفعلتم ما لا يوصف ولكنكم ضلال جهلة لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ هذا جواب قسم محذوف كما نص النسفي وغيره. ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ قال النسفي: أي لترونها الرؤية التي هي نفس اليقين وخالصه، وقال: كرره معطوفا بثم تغليظا في التهديد وزيادة في التهويل، قال ابن كثير: هذا تفسير الوعيد المتقدم وهو قوله كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ* ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ توعدهم بهذا الحال وهو رؤية النار التي إذا زفرت زفرة واحدة خر كل ملك مقرب ونبي مرسل على ركبته من المهابة والعظمة. ومعاينة الأهوال على ما جاء به الأثر المروي في ذلك ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قال ابن كثير: أي ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم الله به عليكم من الصحة والأمن، والرزق وغير ذلك، ما إذا قابلتم به نعمه من شكره وعبادته. كلمة في السياق: ١ - عالجت السورة موضوع انشغال الإنسان عن العبادة والتقوى وبينت أن علاج ذلك هو العلم اليقيني بما يكون أمام الإنسان، وبتذكر الجحيم، وتذكر السؤال، وقد فهمنا أن علاج ذلك هو هذا من سياق السورة. ٢ - في السورة إنكار على من ينشغل بالتكاثر عن طاعة الله وإنذار له، وتهديد ووعيد، وذلك كله تأديب للإنسان أن ينشغل عن حقوق الله بشيء. ٣ - ومن السورة نعرف أن الانشغال بالنعمة عن المنعم خلق من أخلاق الكافرين، فالنعمة تقتضي شكرا، والشكر عبادة وتقوى. قال تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ومن هاهنا ندرك الصلة القوية بين السورة ومحورها من سورة البقرة كما ذكرنا من قبل.

стр. 6333

الفوائد: ١ - بمناسبة قوله تعالى: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ* حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ قال ابن كثير: (روى ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «ألهاكم التكاثر- عن الطاعة- حتى زرتم المقابر- حتى يأتيكم الموت» وقال الحسن البصري: ألهاكم التكاثر في الأموال والأولاد: وروى الإمام أحمد عن مطرف- يعني ابن عبد الله بن الشخير- عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يقول: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ «يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت؟» ورواه مسلم والترمذي والنسائي من طريق شعبة به. وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول العبد: مالي مالي، وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدق فأمضى، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس» تفرد به مسلم. وروى البخاري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله» وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث سفيان بن عيينة به. وروى الإمام أحمد عن أنس أن النبي ﷺ قال: «يهرم ابن آدم ويبقى منه اثنتان الحرص والأمل» أخرجاه في الصحيحين). ٢ - جاء في السورة قوله تعالى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ* لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ وكثيرون من الناس يظنون أن لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ جواب (لو) وهو خلاف ما عليه جمهرة المفسرين إذ يعتبرون أن الكلام انتهى عند قوله تعالى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ويعتبرون جواب لو محذوفا، ويعتبرون أن لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ جواب قسم محذوف، إلا أن النسفي مع ذكره لهذا القول يذكر قولا آخر مضمونه أن لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ جواب للآية قبلها وأنها تشير لرؤية الجحيم بالعقول والقلوب في الدنيا، ثم لترونها بأبصاركم يوم القيامة رؤية هي نفس اليقين، وخالصته وهو اتجاه لا غبار عليه. ٣ - بمناسبة قوله تعالى: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قال ابن كثير: (وقال ابن جرير عن أبي هريرة ﵁ قال: بينا أبو بكر وعمر جالسان إذ جاءهم النبي ﷺ فقال «ما أجلسكما هاهنا؟» قالا: والذي بعثك بالحق ما أخرجنا من بيوتنا إلا

стр. 6334

الجوع قال: «والذي بعثني بالحق ما أخرجني غيره» فانطلقوا حتى أتوا بيت رجل من الأنصار فاستقبلتهم المرأة فقال لها النبي ﷺ : «أين فلان؟» فقالت: ذهب يستعذب لنا ماء فجاء صاحبهم يحمل قربته فقال: مرحبا ما زار العباد شئ أفضل من نبي زارني اليوم، فعلق قربته بقرب نخلة وانطلق فجاءهم بعذق فقال النبي ﷺ : «ألا كنت اجتنيت» فقال: أحببت أن تكونوا الذين تختارون على أعينكم ثم أخذ الشفرة فقال له النبي ﷺ : «إياك والحلوب» فذبح لهم يومئذ فأكلوا فقال النبي ﷺ : «لتسألن عن هذا يوم القيامة أخرجكم من بيوتكم الجوع فلم ترجعوا حتى أصبتم هذا فهذا من النعيم» ورواه مسلم من حديث يزيد بن كيسان به ورواه أبو يعلى وابن ماجه عن أبي هريرة عن أبي بكر الصديق به، وقد رواه أهل السنن الأربعة من حديث عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ بنحو من هذا السياق وهذه القصة .. وثبت في صحيح البخاري وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» ومعنى هذا أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين، لا يقومون بواجبهما، ومن لا يقوم بحق ما وجب عليه فهو مغبون. وروى الحافظ أبو بكر البزار عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «ما فوق الإزار وظل الحائط وخبز، يحاسب به العبد يوم القيامة أو يسأل عنه» ثم قال لا نعرفه إلا بهذا الإسناد، وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «يقول الله قال عفان- وهو من رجال سند الحديث-: يوم القيامة: «يا ابن آدم حملتك على الخيل والإبل وزوجتك النساء وجعلتك تربع وترأس فأين شكر ذلك» تفرد به من هذه الوجه).

стр. 6335

المجموعة الخامسة عشرة من القسم الرابع من أقسام القرآن المسمى بقسم المفصل وتشمل سور: العصر، والهمزة، والفيل، وقريش، والماعون، والكوثر، والكافرون، والنصر، والمسد، والإخلاص، والفلق، والناس

стр. 6336

كلمة في المجموعة الخامسة عشرة من قسم المفصل تتألف المجموعة الخامسة عشرة من المفصل من اثنتي عشرة سورة فهي أكثر مجموعات القرآن عدد سور، وقد دلنا على بدايتها أن السورة الأولى فيها- وهي سورة العصر- مبدوءة بقسم، وقد رأينا أن ذلك علامة مطردة على أن مجموعة جديدة قد أتت، وعند ما نتأمل بدايات السور الأخرى، ومواضيعها ومعانيها، فإننا نصل إلى أنها جميعا أسرة في مجموعة واحدة، وسنرى أدلة ذلك تفصيلا. والملاحظ أن سور هذه المجموعة تغطي من سورة البقرة إلى نهاية قصة آدم، فالسور الخمس الأولى منها تغطي مقدمة سورة البقرة، حتى إن السورة الخامسة فيها كلام عن المنافقين، كما أن مقدمة سورة البقرة فيها كلام عن المنافقين، فالسور الخمس تتحدث عن المتقين والكافرين والمنافقين كما سنرى، ثم تأتي السور الأربع التالية: الكوثر، والكافرون، والنصر، والمسد، لتفصل في الآيات السبع التالية لمقدمة سورة البقرة، ومن ثم نجد فيها فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ونجد فيها قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ* لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ونجد فيها فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ونجد فيها تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وكلها معان ترتبط بمعاني الآيات السبع الآتية بعد مقدمة سورة البقرة بدقة عجيبة كما سنرى، ثم تأتي سورة الإخلاص لتفصل في الآيتين الآتيتين بعد الآيات السبع هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ونجد سورة الإخلاص مبدوءة بقوله تعالى قُلْ هُوَ ... وتأتي بعد ذلك في سورة البقرة قصة آدم ﵇، وفيها حسد إبليس ووسوسته، وتأتي سورة الفلق وفيها وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ وتأتي سورة الناس وفيها قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ .. مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ .... فسور المجموعة مترابطة الصلات مع محاورها من سورة البقرة بشكل واضح، وسنرى هذا تفصيلا عند الحديث عن كل سورة على حدة. ومع أن سور المجموعة منها المكي ومنها المدني، ومع ذلك فإنها في ترتيبها تسير على نسق واحد- هو ترتيب المعاني الموجود في سياق سورة البقرة- مما يدلك قطعا على أن ترتيب القرآن رباني، ومما يدلك قطعا على أن هذا القرآن يستحيل أن يكون بشري المصدر.

стр. 6337

سورة العصر وهي السورة الثالثة بعد المائة بحسب الرسم القرآني وهي السورة الأولى من المجموعة الخامسة عشرة من قسم المفصل، وهي ثلاث آيات وهي مكية

стр. 6338

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم

стр. 6339

بين يدي سورة العصر: قال الألوسي في سورة العصر: (وهي على قصرها جمعت من العلوم ما جمعت، فقد روي عن الشافعي عليه الرحمة أنه قال: لو لم ينزل غير هذه السورة لكفت الناس؛ لأنها شملت جميع علوم القرآن. وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب عن أبي حذيفة- وكانت له صحبة- قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة والعصر، ثم يسلم أحدهما على الآخر، وفيها إشارة إلى حال من لم يلهه التكاثر، ولذا وضعت بعد سورته). وقال صاحب الظلال: (في هذه السورة القصيرة ذات الآيات الثلاث يتمثل منهج كامل للحياة البشرية كما يريدها الإسلام. وتبرز معالم التصور الإيماني بحقيقته الكبيرة الشاملة في أوضح وأدق صورة. إنها تضع الدستور الإسلامي كله في كلمات قصار. وتصف الأمة المسلمة: حقيقتها ووظيفتها. في آية واحدة وهي الآية الثالثة من السورة .. وهذا هو الإعجاز الذي لا يقدر عليه إلا الله. والحقيقة الضخمة التي تقررها هذه السورة بمجموعها هي هذه: إنه على امتداد الزمان في جميع الأعصار. وامتداد الإنسان في جميع الأدهار، ليس هنالك إلا منهج واحد رابح، وطريق واحد ناجح. هو ذلك المنهج الذي ترسم السورة حدوده، وهو هذا الطريق الذي تصف السورة معالمه. وكل ما وراء ذلك ضياع وخسار. وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ. إنه الإيمان. والعمل الصالح. والتواصي بالحق. والتواصي بالصبر .. ). كلمة في سورة العصر ومحورها: تبدأ سورة البقرة بقوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ

стр. 6340

إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. لاحظ قوله تعالى وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ثم لاحظ أن سورة العصر تبدأ بقوله تعالى وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ .... فالآيات الأولى من سورة البقرة تتحدث عن المفلحين، وسورة العصر تتحدث عن المفلحين ولكن بتفصيل جديد؛ إذ تبدأ بالقسم على أن جنس الإنسان في خسر إلا من اتصف بصفات أربع: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، فهي تفصيل للتقوى ولأخلاق المتقين الذي وصفهم الله بالفلاح في أول سورة البقرة، لقد وصفت آيات سورة البقرة المتقين بالإيمان والصلاة والإنفاق، وكل ذلك داخل في الإيمان والعمل الصالح، وأما التواصي بالحق والتواصي بالصبر فهما يدخلان في قوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ فالقرآن حق يجب التواصي به، والقرآن أمر بالصبر، فسورة العصر أبرزت أن مما يدخل في الاهتداء بكتاب الله التواصي بالحق والتواصي بالصبر، فهي تفصيل للآيات الخمس الأولى من مقدمة سورة البقرة، لكنه تفصيل جديد فيه تحديد وفيه بيان. رأينا أن سورة التكاثر بدأت بقوله تعالى أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ وانتهت بقوله تعالى ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ وسورة العصر تتحدث عن جنس الإنسان أنه في خسران إلا من اتصف بصفات أربع، فكأن سورة العصر تحدثنا عن طريق النجاة بعد أن ذكرت سورة التكاثر انشغال الإنسان، واستغراقه بالنعمة عن المنعم، فالصلة بين سورة العصر وما قبلها واضحة وسنرى أن صلتها بما بعدها قائمة. سورة العصر وتتألف من ثلاث آيات وهذه هي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة العصر (١٠٣): الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)
следующие страницы →