Полный текст (6 440 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.
стр. 6336
كلمة في المجموعة الخامسة عشرة من قسم المفصل
تتألف المجموعة الخامسة عشرة من المفصل من اثنتي عشرة سورة فهي أكثر مجموعات القرآن عدد سور، وقد دلنا على بدايتها أن السورة الأولى فيها- وهي سورة العصر- مبدوءة بقسم، وقد رأينا أن ذلك علامة مطردة على أن مجموعة جديدة قد أتت، وعند ما نتأمل بدايات السور الأخرى، ومواضيعها ومعانيها، فإننا نصل إلى أنها جميعا أسرة في مجموعة واحدة، وسنرى أدلة ذلك تفصيلا.
والملاحظ أن سور هذه المجموعة تغطي من سورة البقرة إلى نهاية قصة آدم، فالسور الخمس الأولى منها تغطي مقدمة سورة البقرة، حتى إن السورة الخامسة فيها كلام عن المنافقين، كما أن مقدمة سورة البقرة فيها كلام عن المنافقين، فالسور الخمس تتحدث عن المتقين والكافرين والمنافقين كما سنرى، ثم تأتي السور الأربع التالية: الكوثر، والكافرون، والنصر، والمسد، لتفصل في الآيات السبع التالية لمقدمة سورة البقرة، ومن ثم نجد فيها فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ونجد فيها قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ* لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ونجد فيها فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ونجد فيها تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وكلها معان ترتبط بمعاني الآيات السبع الآتية بعد مقدمة سورة البقرة بدقة عجيبة كما سنرى، ثم تأتي سورة الإخلاص لتفصل في الآيتين الآتيتين بعد الآيات السبع هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ونجد سورة الإخلاص مبدوءة بقوله تعالى قُلْ هُوَ ... وتأتي بعد ذلك في سورة البقرة قصة آدم ﵇، وفيها حسد إبليس ووسوسته، وتأتي سورة الفلق وفيها وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ وتأتي سورة الناس وفيها قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ .. مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ ....
فسور المجموعة مترابطة الصلات مع محاورها من سورة البقرة بشكل واضح، وسنرى هذا تفصيلا عند الحديث عن كل سورة على حدة. ومع أن سور المجموعة منها المكي ومنها المدني، ومع ذلك فإنها في ترتيبها تسير على نسق واحد- هو ترتيب المعاني الموجود في سياق سورة البقرة- مما يدلك قطعا على أن ترتيب القرآن رباني، ومما يدلك قطعا على أن هذا القرآن يستحيل أن يكون بشري المصدر.
стр. 6337
سورة العصر
وهي السورة الثالثة بعد المائة بحسب الرسم القرآني وهي السورة الأولى من المجموعة الخامسة عشرة من قسم المفصل، وهي ثلاث آيات وهي مكية
стр. 6338
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 6339
بين يدي سورة العصر:
قال الألوسي في سورة العصر: (وهي على قصرها جمعت من العلوم ما جمعت، فقد روي عن الشافعي عليه الرحمة أنه قال: لو لم ينزل غير هذه السورة لكفت الناس؛ لأنها شملت جميع علوم القرآن. وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في الشعب عن أبي حذيفة- وكانت له صحبة- قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة والعصر، ثم يسلم أحدهما على الآخر، وفيها إشارة إلى حال من لم يلهه التكاثر، ولذا وضعت بعد سورته).
وقال صاحب الظلال:
(في هذه السورة القصيرة ذات الآيات الثلاث يتمثل منهج كامل للحياة البشرية كما يريدها الإسلام. وتبرز معالم التصور الإيماني بحقيقته الكبيرة الشاملة في أوضح وأدق صورة. إنها تضع الدستور الإسلامي كله في كلمات قصار. وتصف الأمة المسلمة:
حقيقتها ووظيفتها. في آية واحدة وهي الآية الثالثة من السورة .. وهذا هو الإعجاز الذي لا يقدر عليه إلا الله.
والحقيقة الضخمة التي تقررها هذه السورة بمجموعها هي هذه:
إنه على امتداد الزمان في جميع الأعصار. وامتداد الإنسان في جميع الأدهار، ليس هنالك إلا منهج واحد رابح، وطريق واحد ناجح. هو ذلك المنهج الذي ترسم السورة حدوده، وهو هذا الطريق الذي تصف السورة معالمه. وكل ما وراء ذلك ضياع وخسار. وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ.
إنه الإيمان. والعمل الصالح. والتواصي بالحق. والتواصي بالصبر .. ).
كلمة في سورة العصر ومحورها:
تبدأ سورة البقرة بقوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ* وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ
стр. 6340
إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ* أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
لاحظ قوله تعالى وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ثم لاحظ أن سورة العصر تبدأ بقوله تعالى وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ....
فالآيات الأولى من سورة البقرة تتحدث عن المفلحين، وسورة العصر تتحدث عن المفلحين ولكن بتفصيل جديد؛ إذ تبدأ بالقسم على أن جنس الإنسان في خسر إلا من اتصف بصفات أربع: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، فهي تفصيل للتقوى ولأخلاق المتقين الذي وصفهم الله بالفلاح في أول سورة البقرة، لقد وصفت آيات سورة البقرة المتقين بالإيمان والصلاة والإنفاق، وكل ذلك داخل في الإيمان والعمل الصالح، وأما التواصي بالحق والتواصي بالصبر فهما يدخلان في قوله تعالى: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ فالقرآن حق يجب التواصي به، والقرآن أمر بالصبر، فسورة العصر أبرزت أن مما يدخل في الاهتداء بكتاب الله التواصي بالحق والتواصي بالصبر، فهي تفصيل للآيات الخمس الأولى من مقدمة سورة البقرة، لكنه تفصيل جديد فيه تحديد وفيه بيان.
رأينا أن سورة التكاثر بدأت بقوله تعالى أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ وانتهت بقوله تعالى ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ وسورة العصر تتحدث عن جنس الإنسان أنه في خسران إلا من اتصف بصفات أربع، فكأن سورة العصر تحدثنا عن طريق النجاة بعد أن ذكرت سورة التكاثر انشغال الإنسان، واستغراقه بالنعمة عن المنعم، فالصلة بين سورة العصر وما قبلها واضحة وسنرى أن صلتها بما بعدها قائمة.
سورة العصر
وتتألف من ثلاث آيات وهذه هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة العصر (١٠٣): الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)
стр. 6341
التفسير:
وَالْعَصْرِ قال النسفي: أقسم بصلاة العصر لفضلها .. ولأن التكليف في أدائها أشق لتهافت الناس في تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار، واشتغالهم بمعايشهم، أو أقسم بالعشي، كما أقسم بالضحى لما فيها من دلائل القدرة، أو أقسم بالزمان لما في مروره من أصناف العجائب، والذي رجحه ابن كثير: هو القول الأخير ففسر العصر بأنه الزمان الذي تقع فيه حركات بني آدم من خير وشر ..
فأقسم تعالى بذلك على أن الإنسان لفي خسر إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ قال النسفي: أي جنس الإنسان لفي خسران من تجاراتهم (أي: الأخروية) وقال ابن كثير: أي في خسارة وهلاك
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا أي: بقلوبهم وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بجوارحهم وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ قال النسفي: أي بالأمر الثابت الذي لا يسوغ إنكاره، وهو الخير كله، من توحيد الله، وطاعته واتباع كتبه ورسله، وفسر ابن كثير الحق بأنه أداء الطاعات وترك المحرمات. أقول: قال تعالى وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ فالحق: القرآن والسنة، فالمفلحون الناجحون يتواصون بالكتاب والسنة فهما وعملا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ قال النسفي: (أي عن المعاصي، وعلى الطاعات، وعلى ما يبلو به الله عباده) وقال ابن كثير: أي على المصائب والأقدار، وأذى من يؤذي ممن يأمرونه بالمعروف، وينهونه عن المنكر، وهكذا حددت سورة العصر طريق الفلاح والنجاة بأربعة أشياء، وقد أهمل كثير من المسلمين في عصرنا الشيئين الأخيرين، وقصروا في الأولين.
كلمة في السياق:
رأينا كيف أن سورة العصر تفصل في الآيات الخمس الأولى من مقدمة سورة البقرة، فكما أن هذه الآيات الخمس رسمت طريق الفلاح فكذلك سورة العصر.
стр. 6342
الفوائد:
١ - قدم ابن كثير لسورة العصر بقوله:
(ذكروا أن عمرو بن العاص وفد على مسيلمة الكذاب وذلك بعد ما بعث رسول الله ﷺ ، وقبل أن يسلم عمرو فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم في هذه المدة؟ فقال: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة فقال: وما هي؟ فقال وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ففكر مسيلمة هنيهة ثم قال: وقد أنزل علي مثلها، فقال له عمرو وما هو؟
فقال: يا وبر يا وبر، إنما أنت أذنان وصدر، وسترك حفر نفر، ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب. وقد رأيت أبا بكر الخرائطي أسند في كتابه المعروف (بمساوي الأخلاق) - في الجزء الثاني منه- شيئا من هذا أو قريبا منه. والوبر دويبة تشبه الهر أعظم شئ فيه أذناه، وصدره وباقيه دميم، فأراد مسيلمة أن يركب من هذا الهذيان ما يعارض به القرآن، فلم يرج ذلك على عابد الأوثان في ذلك الزمان. وذكر الطبراني من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن عبيد الله ابن حصن قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقيا لم يفترقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر إلى آخرها، ثم يسلم أحدهما على الآخر. وقال الشافعي ﵀: لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم).
٢ - قال صاحب الظلال: (أما التواصي بالحق والتواصي بالصبر فتبرز من خلالهما صورة الأمة المسلمة- أو الجماعة المسلمة- ذات الكيان الخاص، والرابطة المميزة، والوجهة الموحدة. الجماعة التي تشعر بكيانها كما تشعر بواجبها. والتي تعرف حقيقة ما هي مقدمة عليه من الإيمان والعمل الصالح، الذي يشمل فبما يشمل قيادة البشرية
في طريق الإيمان والعمل الصالح، فتتواصى فيما بينها بما يعينها على النهوض بالأمانة الكبرى. فمن خلال لفظ التواصي ومعناه وطبيعته وحقيقته تبرز صورة الأمة- أو الجماعة- المتضامة المتضامنة. الأمة الخيرة. الواعية. القيمة في الأرض على الحق والعدل والخير .. وهي أعلى وأنصع صورة للأمة المختارة .. وهكذا يريد الإسلام أمة الإسلام .. هكذا يريدها أمة خيرة قوية واعية قائمة على حراسة الحق والخير، متواصية بالحق والصبر في مودة وتعاون وتآخ تنضح بها كلمة التواصي في القرآن ..
стр. 6343
والتواصي بالحق ضرورة. فالنهوض بالحق عسير. والمعوقات عن الحق كثيرة: هوى النفس، ومنطق المصلحة، وتصورات البيئة، وطغيان الطغاة وظلم الظلمة، وجور الجائرين .. والتواصي تذكير وتشجيع وإشعار بالقربى في الهدف والغاية، والأخوة في العبء، والأمانة. فهو مضاعفة لمجموع الاتجاهات الفردية، إذ تتفاعل معا فتتضاعف.
تتضاعف بإحساس كل حارس للحق أن معه غيره يوصيه ويشجعه ويقف معه ويحبه ولا يخذله .. وهذا الدين- وهو الحق- لا يقوم إلا في حراسة جماعة متعاونة متواصية متكافلة متضامة متضامنة على هذا المثال.
والتواصي بالصبر كذلك ضرورة. فالقيام على الإيمان والعمل الصالح، وحراسة الحق والعدل، من أعسر ما يواجه الفرد والجماعة. ولا بد من الصبر. لا بد من الصبر على جهاد النفس، وجهاد الغير. والصبر على الأذى والمشقة. والصبر على تبجح الباطل وتنفج الشر. والصبر على طول الطريق وبطء المراحل، وانطماس المعالم، وبعد النهاية!.
والتواصي بالصبر يضاعف المقدرة، بما يبعثه من إحساس بوحدة الهدف، ووحدة المتجه، وتساند الجميع، وتزودهم بالحب والعزم والإصرار .. إلى آخر ما يثيره من معاني الجماعة التي لا تعيش حقيقة الإسلام إلا في جوها، ولا تبرز إلا من خلالها .. وإلا فهو الخسران والضياع) ..
стр. 6344
سورة الهمزة
وهي السورة الرابعة بعد المائة بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثانية من المجموعة الخامسة عشرة من قسم المفصل- وهي تسع آيات وهي مكية
стр. 6345
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 6346
كلمة في سورة الهمزة ومحورها:
بعد الآيات الخمس الأولى من سورة البقرة والتي فصلت فيها سورة العصر يأتي قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ والملاحظ أن سورة الهمزة تتحدث عن الكافرين وعذابهم العظيم، وتذكر بعض صفات الكافرين الرئيسية، فتعرفنا على الأسباب التي استحقوا بها أن يختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، وأن يجعل على أبصارهم غشاوة، فالسورة واضحة الصلة بالمحور الذي ذكرناه من مقدمة سورة البقرة.
رأينا أن سورة العصر ذكرت أن جنس الإنسان في خسر إلا من اتصف بصفات معينة، وتأتي سورة الهمزة لتحدد صفات الخاسرين ومظهر خسارهم، فللسورة صلتها بما قبلها، وهكذا نجد أن للسورة سياقها الخاص وصلتها بمحورها وصلتها بما قبلها.
قال الألوسي: (ولما ذكر سبحانه فيما قبلها أن الإنسان- سوى من استثنى- في خسر، بين فيها أحوال بعض الخاسرين).
سورة الهمزة
وتتألف من تسع آيات وهذه هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الهمزة (١٠٤): الآيات ١ الى ٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤)
وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)
стр. 6347
التفسير:
وَيْلٌ أي: خسار وهلاك وعذاب لِكُلِّ هُمَزَةٍ قال النسفي: أي الذي يعيب الناس من خلفهم لُمَزَةٍ قال النسفي: أي من يعيبهم مواجهة، وقال ابن كثير: الهماز بالقول، واللماز بالفعل، يعني: يزدري الناس وينتقص منهم
الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ قال النسفي: أي جعله عدة لحوادث الدهر، وقال ابن كثير: أي جمعه بعضه على بعض وأحصى عدده ... وقال محمد بن كعب: أي ألهاه ماله بالنهار هذا إلى هذا، فإذا كان الليل نام كأنه جيفة منتنة
يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ قال ابن كثير: أي يظن أن جمعه المال يخلده في هذه الدار
كَلَّا قال النسفي: ردع له عن حسبانه. وقال ابن كثير: أي ليس الأمر كما زعم ولا كما حسب لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ أي: في النار التي من شأنها أن تحطم كل ما يلقى فيها، أي ليلقين هذا الإنسان في النار
وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ قال النسفي: هذا تعجيب وتعظيم.
أقول: ثم فسر الله الحطمة بقوله نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ أي: هي أي الحطمة نار الله المشعلة
ثم وصفها الله بقوله: الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ قال النسفي: (هي أنها تدخل في أجوافهم حتى تصل إلى صدورهم وتطلع على أفئدتهم، وهي أوساط القلوب ولا شئ في بدن الإنسان ألطف من الفؤاد، ولا أشد تألما منه بأدنى أذى يمسه، فكيف إذا اطلعت عليه نار جهنم واستولت عليه، وقيل خص الأفئدة لأنها مواطن الكفر والعقائد الفاسدة، ومعنى اطلاع النار عليها أنها تشتمل عليها).
وقال ابن كثير: (قال ثابت البناني: تحرقهم إلى الأفئدة، وهم أحياء، ثم يقول: لقد بلغ منهم العذاب ثم يبكي، وقال محمد بن كعب: تأكل كل شئ من جسده حتى إذا بلغت فؤاده حذو حلقه ترجع على جسده).
إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ أي: مغلقة مطبقة
فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ قال النسفي: أي تؤصد عليهم الأبواب وتمدد على الأبواب العمد استيثاقا في استيثاق. قال ابن كثير: وقال قتادة: كنا نحدث أنهم يعذبون بعمد في
стр. 6348
النار، واختاره ابن جرير، وقال أبو صالح فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ يعني: القيود الثقال.
كلمة في السياق:
١ - ذكرت السورة أن من صفات الكافرين الهمز واللمز وجمع المال، ولتصورهم أن في المال كل شئ، ومن ذلك الخلود، وهي تصورات وأعمال تنبثق عن الكفر بدليل ما ورد في السورة في ذكر تعذيب هذا النوع من الناس، وإذا وقع مسلم في هذه الأخلاق فإنه يكون قد سرت إليه أخلاق الكافرين ولم يتهذب بأخلاق الإيمان.
٢ - فصلت السورة في العذاب العظيم الذي يستأهله الكافرون إذ بدأت بقوله وَيْلٌ ثم ذكرت لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ* وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ* نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ* الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ* إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ* فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ وذلك كله تفصيل للعذاب العظيم المعد للكافرين، وذلك في مظاهر صلة السورة بمحورها من سورة البقرة.
٣ - في محور السورة من سورة البقرة رأينا قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وفي هذه السورة بيان لأخلاق كافرة عنها ينبثق الجحود والإنكار ورفض الإنذار، فمن كان همه عيب الآخرين وانتقاصهم واحتقارهم لا يقبل إنذارا من أحد لنظرته السيئة إلى الخلق، ومن كان همه جمع المال لا يكون عنده محل للإنذار، ومن يتصور أن في المال الخلود فهذا ليس له إلى الآخرة تطلعات، ولذلك لا يقبل إنذارا، وبهذا ننهي الكلام عن سورة الهمزة.
стр. 6349
سورة الفيل
وهي السورة الخامسة بعد المائة بحسب الرسم القرآني وهي السورة الثالثة من المجموعة الخامسة عشرة من قسم المفصل- وهي خمس آيات وهي مكية
стр. 6350
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 6351
بين يدي سورة الفيل:
قال الألوسي عن سورة الفيل: (مكية وآيها خمس بلا خلاف فيهما، وكأنه لما تضمن الهمز واللمز من الكفرة نوع كيد له- ﵊ عقب ذلك ب قصة أصحاب الفيل ، للإشارة إلى أن عقبى كيدهم في الدنيا تدميرهم، فإن عناية الله برسوله- صلى الله تعالى عليه وسلم- أقوى وأتم من عنايته سبحانه بالبيت، فالسورة مشيرة إلى مآلهم في الدنيا إثر بيان مآلهم في الأخرى، ويجوز أن تكون كالاستدلال على ما أشير إليه فيما قبلها من أن المال لا يغني من الله تعالى شيئا، أو على قدرته على إنفاذ ما توعد به أولئك الكفرة في قوله سبحانه لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ الخ).
كلمة في سورة الفيل ومحورها:
تأتي سورة الفيل وكأنها امتداد لسورة الهمزة، إذ إنها تلفت النظر إلى حادثة مشهورة معروفة عذب الله بها قوما في الدنيا، وذلك يأتي كالدليل على قدرته أن يعذب الكافرين يوم القيامة، ومحور سورة الفيل هو محور سورة الهمزة نفسه وهو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. إنك لو وضعت بعد هاتين الآيتين قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ .. لوجدت المعنى منسجما، فالدليل على أن الله سيعذب الكافرين عذابا عظيما ما فعله بهؤلاء الكافرين الذين أرادوا أن يكيدوا لبيت الله، هذا عذابهم في الدنيا فكيف بعذابهم يوم القيامة.
ولنقدم للكلام عن سورة الفيل بذكر القصة كما ذكرها ابن كثير، ثم بنقل تعليق على الحادثة لصاحب الظلال:
قصة أصحاب الفيل
قال ابن كثير: (وهذه قصة أصحاب الفيل على وجه الإيجاز والاختصار والتقريب قد تقدم في قصة أصحاب الأخدود أن ذا نواس وكان آخر ملوك حمير وكان مشركا وهو الذي قتل أصحاب الأخدود وكانوا نصارى، وكانوا قريبا من عشرين ألفا فلم
стр. 6352
يفلت منهم إلا دوس ذو ثعلبان، فذهب فاستغاث بقيصر ملك الشام وكان نصرانيا، فكتب له إلى النجاشي ملك الحبشة لكونه أقرب إليهم، فبعث معه أميرين أرياط وأبرهة ابن الصباح أبا يكسوم في جيش كثيف، فدخلوا اليمن فجاسوا خلال الديار، واستلبوا الملك من حمير، وهلك ذو نواس غريقا في البحر، واستقل الحبشة بملك اليمن، وعليهم هذان الأميران أرياط وأبرهة، فاختلفا في أمرهما وتصاولا وتقاتلا وتصافا فقال أحدهما للآخر: إنه لا حاجة بنا إلى اصطلام الجيشين بيننا، ولكن أبرز إلي وأبرز إليك، فأينا قتل الآخر استقل بعده بالملك، فأجابه إلى ذلك، فتبارزا وخلف كل واحد منهما قناة فحمل أرياط على أبرهة فضربه بالسيف فشرم أنفه وفمه وشق وجهه، وحمل عتودة مولى أبرهة على أرياط فقتله ورجع أبرهة جريحا فداوى جرحه فبرأ، واستقل بتدبير جيش الحبشة باليمن، فكتب إليه النجاشي يلومه على ما كان منه ويتوعده، ويحلف ليطأن بلاده ويحزن ناصيته، فأرسل إليه أبرهة يترقق له ويصانعه، وبعث مع رسوله بهدايا وتحف، وبجراب فيه من تراب اليمن، وجز ناصيته، فأرسلها معه ويقول في كتابه: ليطأ الملك على هذا الجراب فيبر قسمه، وهذه ناصيتي قد بعثت بها إليك، فلما وصل ذلك إليه أعجبه منه ورضي عنه وأقره على عمله، وأرسل أبرهة يقول للنجاشي: إني سأبني لك كنيسة بأرض اليمن لم يبن قبلها مثلها، فشرع في بناء كنيسة هائلة بصنعاء رفيعة البناء، عالية الفناء، مزخرفة الأرجاء، سمتها العرب القليس لارتفاعها، لأن الناظر إليها تكاد تسقط قلنسوته عن رأسه من ارتفاع بنائها، وعزم أبرهة الأشرم على أن يصرف حج العرب إليها كما يحج إلى الكعبة بمكة ونادى بذلك في مملكته، فكرهت العرب- العدنانية والقحطانية- ذلك، وغضبت قريش لذلك غضبا شديدا حتى قصدها بعضهم، وتوصل إلى أن دخلها ليلا وأحدث فيها وكر راجعا، فلما رأى السدنة ذلك الحدث رفعوا أمره إلى ملكهم أبرهة وقالوا له: إنما صنع هذا بعض قريش غضبا لبيتهم الذي ضاهيت هذا به، فأقسم أبرهة ليسيرن إلى بيت مكة وليخربنه حجرا حجرا. وذكر مقاتل بن سليمان أن فتية من قريش دخلوها فأججوا فيها نارا، وكان يوما فيه هواء شديد فاحترقت وسقطت إلى الأرض، فتأهب أبرهة لذلك، وصار في جيش كثيف عرمرم لئلا يصده أحد عنه، واستصحب معه فيلا عظيما كبير الجثة لم ير مثله، يقال له محمود، وكان قد بعثه إليه النجاشي ملك الحبشة لذلك، ويقال كان معه أيضا ثمانية أفيال، وقيل اثنا عشر فيلا غيره، فالله أعلم، يعني ليهدم به الكعبة بأن يجعل السلاسل في الأركان وتوضع في عنق الفيل ثم يزجر ليلقي الحائط جملة واحدة، فلما سمعت
стр. 6353
العرب بمسيره أعظموا ذلك جدا ورأوا أن حقا عليهم المحاجبة دون البيت، ورد من أراده بكيد، فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم يقال له ذو نفر فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة وجهاده عن بيت الله وما يريده من هدمه وخرابه فأجابوه، وقاتلوا أبرهة فهزمهم لما يريده الله من كرامة البيت وتعظيمه، وأسر ذو نفر فاستصحبه معه ثم مضى لوجهه حتى إذا كان بأرض خثعم اعترض له نفيل بن حبيب الخثعمي في قومه شهران، وناهس، فقاتلوه فهزمهم أبرهة وأسر نفيل بن حبيب فأراد قتله ثم عفا عنه واستصحبه معه ليدله في بلاد الحجاز، فلما اقترب من أرض الطائف خرج إليه أهلها ثقيف وصانعوه خيفة على بيتهم الذي عندهم الذي يسمونه اللات، فأكرمهم وبعثوا معه أبا رغال دليلا، فلما انتهى أبرهة إلى المغمس- وهو قريب من مكة- نزل به وأغار جيشه على سرح أهل مكة من الإبل وغيرها فأخذوه، وكان في السرح مائتا بعير لعبد المطلب، وكان الذي أغار على السرح بأمر أبرهة أمير المقدمة، وكان يقال له الأسود بن مقصود فهجاه بعض العرب فيما ذكره ابن إسحاق، وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة وأمره أن يأتيه بأشرف قريش، وأن يخبره أن الملك لم يجئ لقتالكم إلا أن تصدوه عن البيت، فجاء حناطة فدل على عبد المطلب بن هاشم وبلغه عن أبرهة ما قال، فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن يخلي بينه وبينه فو الله ما عندنا دفع عنه، فقال له حناطة: فاذهب معي إليه فذهب معه، فلما رآه أبرهة أجله. وكان عبد المطلب رجلا جسيما حسن المنظر، ونزل أبرهة عن سريره وجلس معه على البساط، وقال لترجمانه: قل له ما حاجتك؟ فقال للترجمان: إن حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي: فقال أبرهة لترجمانه: قل له لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني. أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟ فقال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل وإن للبيت ربا سيمنعه.
قال ما كان ليمتنع مني، قال: أنت وذاك، ويقال إنه ذهب مع عبد المطلب جماعة من أشراف العرب فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عن البيت فأبى عليهم، ورد أبرهة على عبد المطلب إبله، ورجع عبد المطلب إلى قريش فأمرهم بالخروج من مكة والتحصن في رءوس الجبال تخوفا عليهم من معرة الجيش، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرون على أبرهة وجنده فقال
стр. 6354
عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:
لا هم إن المرء يم ... نع رحله فامنع رحالك
لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم أبدا محالك
قال ابن إسحاق: ثم أرسل عبد المطلب حلقة الباب ثم خرجوا إلى رءوس الجبال.
وذكر عن ابن سليمان أنهم تركوا عند البيت مائة بدنة مقلدة لعل بعض الجيش ينال منها شيئا بغير حق فينتقم الله منهم، فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة، وهيأ فيله
وكان اسمه محمودا، وعبأ جيشه فلما وجهوا الفيل نحو مكة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنبه ثم أخذ بأذنه وقال: ابرك محمود وارجع راشدا من حيث جئت، فإنك فى بلد الله الحرام، ثم أرسل أذنه فبرك الفيل وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى صعد في الجبل وضربوا الفيل ليقوم فأبى، فضربوا فى رأسه بالطبرزين، وأدخلوا محاجن لهم في مراقه فنزعوه بها ليقوم فأبى، فوجهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك، فأرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها:
حجر في منقاره، وحجران في رجليه، أمثال الحمص والعدس، لا يصيب منهم أحدا إلا هلك، وليس كلهم أصابت وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق، ويسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق، هذا ونفيل على رأس الجبل مع قريش، وعرب الحجاز ينظرون ماذا أنزل الله بأصحاب الفيل من النقمة، وجعل نفيل يقول:
أين المفر والإله الطالب ... والأشرم المغلوب ليس الغالب
قال ابن إسحاق: وقال نفيل في ذلك أيضا:
ألا حييت عنا يا ودينا ... نعمناكم مع الإصباح عينا
ودينة لو رأيت ولا تريه ... لدى جنب المحصب ما رأينا
إذا لعذرتني وحمدت أمري ... ولم تأسى على ما فات بينا
حمدت الله إذ أبصرت طيرا ... وخفت حجارة تلقى علينا
فكل القوم تسأل عن نفيل ... كأن علي للحبشان دينا
وذكر الواقدي بإسناده: أنهم لما تعبأوا لدخول الحرم، وهيئوا الفيل، جعلوا لا يصرفونه إلى جهة من سائر الجهات إلا ذهب فيها، فإذا وجهوه إلى الحرم ربض
стр. 6355
وصاح، وجعل أبرهة يحمل على سائس الفيل، وينهره ويضربه؛ ليقهر الفيل على دخول الحرم، وطال الفصل في ذلك، هذا وعبد المطلب وجماعة من أشراف مكة فيهم المطعم ابن عدي وعمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم ومسعود بن عمرو الثقفي على حراء ينظرون ما الحبشة يصنعون؟ وماذا يلقون من أمر الفيل؟ وهو العجب العجاب، فبينما هم كذلك إذ بعث الله عليهم طيرا أبابيل أي قطعا قطعا صفرا دون الحمام وأرجلها حمر، ومع كل طائر ثلاثة أحجار، وجاءت فحلقت عليهم فهلكوا. وقال محمد بن إسحاق جاءوا بفيلين فأما محمود فربض، وأما الآخر فشجع فحصب. وقال وهب بن منبه: كان معهم فيلة فأما محمود وهو فيل الملك فربض ليقتدي به بقية الفيلة، وكان فيها فيل تشجع فحصب، فهربت بقية الفيلة وقال عطاء بن ياسر وغيره: ليس كلهم أصابه العذاب في الساعة الراهنة، بل منهم من هلك سريعا، ومنهم من جعل يتساقط عضوا عضوا وهم هاربون، وكان أبرهة ممن تساقط عضوا عضوا حتى مات ببلاد خثعم.
وقال ابن إسحاق: فخرجوا يتساقطون بكل طريق ويهلكون على كل منهل وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون. وذكر مقاتل بن سليمان أن قريشا أصابوا مالا جزيلا من أسلابهم، وما كان معهم، وأن عبد المطلب أصاب يومئذ من الذهب ما ملأ حفرة. قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة أنه حدث أن أول ما رأيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام، وأنه أول ما رؤي به مرائر الشجر الحرمل والحنظل والعثر ذلك العام، وهكذا روي عن عكرمة من طريق جيد.
قال ابن إسحاق: فلما بعث الله محمدا ﷺ كان فيما يعد به على قريش من نعمته عليهم وفضله ما رد عنهم من أمر الحبشة لبقاء أمرهم ومدتهم فقال: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ* أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ* وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ* تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ* فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ لِإِيلافِ قُرَيْشٍ* إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ* فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ أي لئلا يغير شيئا من حالهم التي كانوا عليها لما أراد الله بهم من الخير لو قبلوه.
قال ابن هشام: الأبابيل الجماعات ولم تتكلم العرب بواحدة. قال: وأما السجيل فأخبرني يونس النحوي وأبو عبيدة أنه عند العرب الشديد الصلب).
وقد علق صاحب الظلال تعليقات مطولة على بعض الاتجاهات الخاطئة في تفسير سورة الفيل ومن كلامه:
стр. 6356
(إن سنة الله ليست فقط هي ما عهده البشر وما عرفوه. وما يعرف البشر من سنة الله إلا طرفا يسيرا يكشفه الله لهم بمقدار ما يطيقون، وبمقدار ما يتهيئون له بتجاربهم ومداركهم في الزمن الطويل، فهذه الخوارق- كما يسمونها- هي من سنة الله ولكنها خوارق بالقياس إلى ما عهدوه وما عرفوه!
ومن ثم فنحن لا نقف أمام الخارقة مترددين ولا مؤولين لها- متى صحت الرواية- أو كان في النصوص وفي ملابسات الحادث ما يوحي بأنها جرت خارقة، ولم تجر على مألوف الناس ومعهودهم. وفي الوقت ذاته لا نرى أن جريان الأمر على السنة المألوفة أقل وقعا ولا دلالة من جريانه على السنة الخارقة للمألوف. فالسنة المألوفة هي في حقيقتها خارقة بالقياس إلى قدرة البشر .. إن طلوع الشمس وغروبها خارقة- وهي معهودة كل يوم- وإن ولادة كل طفل خارقة- وهي تقع كل لحظة-، وإلا فليجرب من شاء أن يجرب! وإن تسليط طير- كائنا ما كان- يحمل حجارة مسحوقة ملوثة بميكروبات الجدري والحصبة وإلقاءها في هذه الأرض، في هذا الأوان، وإحداث هذا الوباء في الجيش، في اللحظة التي يهم فيها باقتحام البيت .. إن جريان قدر الله على هذا النحو خارقة بل عدة خوارق كاملة الدلالة على القدرة وعلى التقدير. وليست بأقل دلالة ولا عظمة من أن يرسل الله طيرا خاصا يحمل حجارة خاصة تفعل بالأجسام فعلا خاصا في اللحظة المقررة. هذه من تلك، هذه خارقة وتلك خارقة على
السواء ..
فأما في هذا الحادث بالذات، فنحن أميل إلى اعتبار أن الأمر قد جرى على أساس الخارقة غير المعهودة، وأن الله أرسل طيرا أبابيل غير معهودة، تحمل حجارة غير معهودة، تفعل بالأجسام فعلا غير معهود ..
نحن أميل إلى هذا الاعتبار. لا لأنه أعظم دلالة ولا أكبر حقيقة، ولكن لأن جو السورة وملابسات الحادث تجعل هذا الاعتبار هو الأقرب. فقد كان الله- سبحانه- يريد بهذا البيت أمرا. كان يريد أن يحفظه ليكون مثابة للناس وأمنا؛ وليكون نقطة تجمع للعقيدة الجديدة تزحف منه حرة طليقة، في أرض حرة طليقة، لا يهيمن عليها أحد من خارجها، ولا تسيطر عليها حكومة قاهرة تحاصر الدعوة في محضنها. ويجعل هذا الحادث عبرة ظاهرة مكشوفة لجميع الأنظار في جميع الأجيال، حتى ليمتن بها على قريش بعد البعثة في هذه السورة، ويضربها مثلا لرعاية الله لحرماته وغيرته عليها .. فمما يتناسق مع جو هذه الملابسات كلها أن يجيء الحادث غير مألوف ولا معهود، بكل
стр. 6357
مقوماته وبكل أجزائه ولا داعي للمحاولة في تغليب صورة المألوف من الأمر في حادث هو في ذاته وملابساته مفرد فذ .. ).
سورة الفيل
وهي خمس آيات وهذه هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الفيل (١٠٥): الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤)
فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)
التفسير:
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ قال النسفي: يعجب الله نبيه من كفر العرب، وقد شاهدت هذه العظمة في آيات الله، والمعنى: أنك رأيت آثار صنع الله بالحبشة، وسمعت الأخبار به متواترة، فقامت لك مقام المشاهدة
أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ قال النسفي: (أي في تضييع وإبطال ... ) يعني أنهم كادوا البيت أولا ببناء القليس ليصرفوا وجوه الحاج إليه، فضلل كيدهم بإيقاع الحريق فيه. وكادوه ثانيا بإرادة هدمه فضلل كيدهم بإرسال الطير عليهم)
وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ قال الزجاج: جماعات من هاهنا وجماعات من هاهنا
تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ أي:
من آجر
فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ قال النسفي: (أي كزرع أكله الدود)
فوائد
١ - كتب ابن كثير كلاما طويلا عن تفسير بعض مفردات السورة هذا هو:
(قال ابن هشام: الأبابيل الجماعات، ولم تتكلم العرب بواحدة قال: وأما السجيل فأخبرني يونس النحوي وأبو عبيدة أنه عند العرب الشديد الصلب. قال: وذكر بعض
стр. 6358
المفسرين أنهما كلمتان بالفارسية جعلتهما العرب كلمة واحدة، وإنما هو سنج وجل يعني بالسنج الحجر، والجل الطين، يقول: الحجارة من هذين الجنسين الحجر والطين، قال:
والعصف ورق الزرع الذي لم يقضب، واحدته عصفة، انتهى ما ذكره. وقد قال حماد ابن سلمة عن عامر عن زر عن عبد الله وأبو سلمة بن عبد الرحمن: طَيْراً أَبابِيلَ قال: الفرق، وقال ابن عباس والضحاك: أبابيل يتبع بعضها بعضا، وقال الحسن البصري وقتادة: الأبابيل الكثيرة، وقال مجاهد: أبابيل شتى متتابعة مجتمعة، وقال ابن زيد: الأبابيل المختلفة تأتي من هاهنا ومن هاهنا، أتتهم من كل مكان، وقال الكسائي: سمعت بعض النحويين يقول: واحد الأبابيل إبيل، وروى ابن جرير عن إسحاق بن عبد الله ابن الحارث بن نوفل أنه قال في قوله تعالى: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ هي الأقاطيع كالإبل المؤبلة وروى عن ابن عباس: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ قال: لها خراطيم كخراطيم الطير، وأكف كأكف الكلاب، وروى عن عكرمة في قوله تعالى:
طَيْراً أَبابِيلَ قال: كانت طيرا خضرا خرجت من البحر لها رءوس كرءوس السباع، وروى عن عبيد بن عمير طَيْراً أَبابِيلَ قال: هي طيور سود بحرية في مناقيرها وأظافيرها الحجارة وهذه أسانيد صحيحة؛ وقال سعيد بن جبير: كانت طيرا خضرا لها مناقير صفر، تختلف عليهم، وعن ابن عباس ومجاهد وعطاء: كانت الطير الأبابيل مثل التي يقال لها عنقاء مغرب، ورواه عنهم ابن أبي حاتم. وروى ابن أبي حاتم عن عبيد بن عمير قال: لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل بعث عليهم طيرا
أنشئت من البحر أمثال الخطاطيف، كل طير منها يحمل ثلاثة أحجار مجزعة حجرين في رجليه وحجرا في منقاره قال: فجاءت حتى صفت على رءوسهم ثم صاحت، وألقت ما في أرجلها ومناقيرها، فما يقع حجر على رأس رجل إلا خرج من دبره، ولا يقع على شئ من جسده إلا خرج من الجانب الآخر، وبعث الله ريحا شديدة فضربت الحجارة فزادتها شدة فأهلكوا جميعا، وقال السدي عن عكرمة عن ابن عباس: بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ قال: طين في حجارة سنك وكل. وقد قدمنا بيان ذلك بما أغنى عن إعادته هاهنا).
٢ - عند قوله تعالى فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ قال ابن كثير (والمعنى أن الله- أهلكهم ودمرهم وردهم بكيدهم وغيظهم لم ينالوا خيرا، وأهلك عامتهم، ولم يرجع منهم مخبر إلا وهو جريح، كما جرى لملكهم أبرهة، فإنه
стр. 6359
انصدع صدره عن قلبه حين وصل إلى بلده صنعاء، وأخبرهم بما جرى لهم، ثم مات فملك بعده ابنه يكسوم، ثم من بعده أخوه مسروق بن أبرهة. ثم خرج سيف بن ذي يزن الحميري إلى كسرى فاستعانه على الحبشة فأنفذ معه من جيوشه فقاتلوا معه فرد الله إليهم ملكهم وما كان في آبائهم من الملك، وجاءته وفود العرب بالتهنئة. وقد قال محمد ابن إسحاق عن عائشة قالت: لقد رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان. ورواه الواقدي عن عائشة مثله، ورواه عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت:
كانا مقعدين يستطعمان الناس عند إساف ونائلة حيث يذبح المشركون ذبائحهم (قلت) كان اسم قائد الفيل أنيسا).
٣ - وبمناسبة سورة الفيل قال ابن كثير:
(وقد قدمنا في تفسير سورة الفتح أن رسول الله ﷺ لما أطل يوم الحديبية على الثنية التي تهبط به على قريش بركت ناقته فزجروها فألحت فقالوا: خلأت القصواء أي حرنت، فقال رسول الله ﷺ : «ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني اليوم خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أجبتهم إليها» ثم زجرها فقامت. والحديث من أفراد البخاري، وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: «إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ألا فيبلغ الشاهد الغائب»).
стр. 6360
سورة قريش
وهي السورة السادسة بعد المائة بحسب الرسم القرآني وهي السورة الرابعة من المجموعة الخامسة عشرة من قسم المفصل، وهي أربع آيات وهي مكية
стр. 6361
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 6362
كلمة في سورة قريش ومحورها:
تكاد سورة قريش أن تكون امتدادا لسورة الفيل، حتى لتكادا أن تكونا سورة واحدة، قال النسفي: (وهما في مصحف أبي سورة واحدة بلا فصل، ويروى عن الكسائي ترك التسمية بينهما)، وإذ كان الأمر كذلك فمحور سورة قريش هو نفسه محور سورة الفيل، فالسور الثلاث: الهمزة والفيل وقريش محورها واحد وهو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.
سورة قريش
وهي أربع آيات وهذه هي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة قريش (١٠٦): الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)
التفسير
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ قال ابن كثير: أي: لإيلافهم واجتماعهم في بلدهم آمنين، وقيل: المراد بذلك ما كانوا يألفونه في الرحلة في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام في المتاجر وغير ذلك، ثم يرجعون إلى بلدهم آمنين في أسفارهم لعظمتهم عند الناس، لكونهم سكان حرم الله فمن عرفهم احترمهم بل من صرف إليهم وسار معهم أمن بهم
إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ قال النسفي: أطلق الإيلاف ثم أبدل عنه المقيد بالرحلتين تفخيما لأمر الإيلاف، وتذكيرا لعظيم النعمة فيه؛
قال ابن كثير: ثم أرشدهم إلى شكر هذه النعمة العظيمة فقال: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ قال ابن كثير: أي فليوحدوه بالعبادة كما جعل لهم حرما آمنا وبيتا محرما
الَّذِي أَطْعَمَهُمْ قال النسفى: بالرحلتين مِنْ جُوعٍ شديد وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ عظيم. قال ابن
стр. 6363
كثير: أي هو رب البيت، وهو الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، أي تفضل عليهم بالأمن والرخص فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، ولا يعبدوا من دونه صنما ولا ندا ولا وثنا، فمن استجاب لهذا الأمر جمع الله له بين أمن الدنيا وأمن الآخرة، ومن عصاه سلبهما منه.
كلمة في السياق:
هناك ثلاث اتجاهات في تعليق قوله تعالى لِإِيلافِ قُرَيْشٍ فمنهم من علقها بما قبلها أي بسورة الفيل، ومنهم من علقها بفعل محذوف تقديره أعجبوا، ومنهم من علقها بما بعدها في قوله تعالى فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ قال ابن كثير في عرض الاتجاه الأول: (هذه السورة مفصولة عن التي قبلها في المصحف الإمام، كتبوا بينهما سطربسم الله الرحمن الرحيم. وإن كانت متعلقة بما قبلها كما صرح بذلك محمد بن إسحاق، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم لأن المعنى عندهما: حبسنا عن مكة الفيل، وأهلكنا أهله لإيلاف قريش. وعرض النسفي هذا القول بقوله: (يعني أن ذلك الإتلاف المذكور في سورة الفيل لهذا الإيلاف) وقال النسفي عارضا القول الثاني:
(أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلتين) أي إن نعم الله عليهم لا تحصى، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة. وقال ابن جرير عارضا القول الثالث: (الصواب أن اللام لام التعجب كأنه يقول: أعجبوا لإيلاف قريش ونعمتي عليهم في ذلك). وقال: لإجماع المسلمين على أنهما سورتان منفصلتان مستقلتان.
أقول: وعلى ضوء هذه الأقوال الثلاثة فلنر محل السورة في السياق القرآني العام.
قلنا إن محور سورة الهمزة هو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. ورأينا أن سورة الهمزة فصلت في أخلاق الكافرين، وفي العذاب العظيم، وتأتي سورتا الفيل وقريش لتدللا على قدرة الله على التعذيب بما حدث لأصحاب الفيل، وما رتب عليها من آثار لصالح قريش، وهذه تقتضي شكرا منهم لا كفرا، وتقتضي منهم أن يكونوا متقين لا كافرين، هذا على المعنى الأول الذي يقول إن السورتين متصلتان معنى.
стр. 6364
ومن خلال ما ذكرناه يتضح لنا صلة السورتين ببعضهما البعض، وصلتهما بمحورهما من سورة البقرة.
وعلي المعنيين الثاني والثالث تبقى الصلة بين سورتي النيل وقريش قائمة. فما الصلة بين سورة قريش وبين محورها من سورة البقرة؟ بعد الجزم بأن محور سورة قريش هو نفسه محور سورتي الفيل والهمزة بدليل أن سورة الماعون ستفصل في الكلام عن المنافقين، أي ستفصل في الفقرة الثالثة من مقدمة سورة البقرة، فلم يبق إلا أن تكون سورة قريش تفصل في الفقرة الثانية من مقدمة سورة البقرة. أقول: هناك صلة بين سورة قريش ومحورها من سورة البقرة من حيثية دقيقة جدا: محور السورة هو قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ هاتان الآيتان تذكران أن هناك كافرين لا ينفع معهم الإنذار، وهذه سورة قريش تنادي قريشا للإيمان، فكأن هذا يشير إلى أن قريشا مظنة خير، وأن كفارها عامة لم يصلوا إلى الحد الذي لم يعد ينفع معهم إنذار، ولذلك نودوا وخوطبوا وطولبوا، وجاءت الأحداث بعد ذلك، وإذا بقريش تصبح كلها مسلمة تقريبا. من هذا الربط بين سورة قريش ومحورها تدرك مظهرا من مظاهر الإعجاز في هذا القرآن حيث إن معانيه تتكامل ولا تتناقض وتأتي الأحداث فتصدقها.
ونرجو أن نكون بهذا والذي قبله قد ربطنا بين سورة قريش ومحورها على كل الأقوال في تفسيرها.
فوائد:
١ - قدم ابن كثير لسورة قريش بقوله: (ذكر حديث غريب في فضلها) روى البيهقي في كتاب الخلافيات عن أم هانئ بنت أبي طالب أن رسول الله ﷺ قال: «فضل الله قريشا بسبع خلال: إني منهم، وإن النبوة فيهم، والحجابة والسقاية فيهم، وأن الله نصرهم على الفيل، وإنهم عبدوا الله عشر سنين لا يعبده غيرهم، وإن الله أنزل فيهم سورة من القرآن- ثم تلا رسول الله ﷺ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لِإِيلافِ قُرَيْشٍ* إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ* فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ
стр. 6365
٢ - وبمناسبة ذكر قريش في السورة قال النسفي: (وقريش ولد النضر بن كنانة سموه بتصغير القرش وهو دابة عظيمة في البحر تعبث بالسفن ولا تطاق إلا بالنار.
والتصغير للتعظيم فسموهم بذلك لشدتهم، ومنعتهم تشبيها بها، وقيل من القرش وهو الجمع والكسب، لأنهم كانوا كسابين بتجاراتهم وضربهم في البلاد).
٣ - وبمناسبة قوله تعالى: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ أقول: لقد كان من حجج قريش الرئيسية في استمرارهم على الكفر قولهم الذي عرضته سورة القصص وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ وقد جاءت سورتا الفيل وقريش فأكملت الحجة على قريش، فالله فعل بأصحاب الفيل ما فعل، وفعل لقريش ما فعل، وهم كفار أيتخلى عنهم إذا أسلموا؟ لقد أسلمت قريش فيما بعد فكيف كان واقع الحال؟ هل ازدادت مكة بعد الإسلام خوفا أو فقرا، أم ازدادت أمنا وغنى، وفي ذلك درس لكفار عصرنا الذين يرفضون الإسلام خوفا من عدو، أو خشية من فقر.
стр. 6366
سورة الماعون
وهي السورة السابعة بعد المائة بحسب الرسم القرآني وهي السورة الخامسة من المجموعة الخامسة عشرة من قسم المفصل، وهي سبع آيات وهي مكية
стр. 6367
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم
стр. 6368
بين يدي سورة الماعون:
قال الألوسي عن سورة الماعون: (ولما ذكر سبحانه في سورة قريش أطعمهم من جوع، ذم هنا من لم يحض على طعام المسكين، ولما قال تعالى هناك فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ ذم سبحانه هنا من سها عن صلاته، أو لما عدد نعمه تعالى على قريش وكانوا لا يؤمنون بالبعث والجزاء، أتبع سبحانه امتنانه عليهم بتهديدهم بالجزاء وتخويفهم من عذابه).
وقال صاحب الظلال: (إن هذه السورة الصغيرة ذات الآيات السبع القصيرة تعالج حقيقة ضخمة تكاد تبدل المفهوم السائد للإيمان والكفر تبديلا كاملا. فوق ما تطلع به على النفس من حقيقة باهرة لطبيعة هذه العقيدة، وللخير الهائل العظيم المكنون فيها لهذه البشرية، وللرحمة السابغة التي أرادها الله للبشر وهو يبعث إليهم بهذه الرسالة الأخيرة ..
إن هذا الدين ليس دين مظاهر وطقوس، ولا تغني فيه مظاهر العبادات والشعائر، ما لم تكن صادرة عن إخلاص لله وتجرد، مؤدية بسبب هذا الإخلاص إلى آثار في القلب تدفع إلى العمل الصالح، وتتمثل في سلوك تصلح به حياة الناس في هذه الأرض وترقى.
كذلك ليس هذا الدين أجزاء وتفاريق موزعة منفصلة، يؤدي منها الإنسان ما يشاء، ويدع منها ما يشاء .. إنما هو منهج متكامل، تتعاون عباداته وشعائره، وتكاليفه الفردية والاجتماعية، حيث تنتهي كلها إلى غاية تعود كلها على البشر .. غاية تتطهر معها القلوب، وتصلح الحياة، ويتعاون الناس ويتكافلون في الخير والصلاح والنماء .. وتتمثل فيها رحمة الله السابغة بالعباد.
ولقد يقول الإنسان بلسانه: إنه مسلم وإنه مصدق بهذا الدين وقضاياه، وقد يصلي، وقد يؤدي شعائر أخرى غير الصلاة، ولكن حقيقة الإيمان وحقيقة التصديق بالدين تظل بعيدة عنه، ويظل بعيدا عنها، لأن لهذه الحقيقة علامات تدل على وجودها وتحققها. وما لم توجد هذه العلامات فلا إيمان ولا تصديق مهما قال اللسان، ومهما تعبد الإنسان!
إن حقيقة الإيمان حين تستقر في القلب تتحرك من فورها لكي تحقق ذاتها في عمل صالح).
стр. 6369
كلمة في سورة الماعون ومحورها:
بعد الكلام عن المتقين وعن الكافرين في مقدمة سورة البقرة يأتي الكلام عن المنافقين، ونقطة البداية في الكلام عن المنافقين كفرهم بالله وباليوم الآخر وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ* يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ* فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ هذه قراءة حفص وقرأ غيره بِما كانُوا يَكْذِبُونَ أي: يكذبون بالله واليوم الآخر، ذلك لأنهم يدعون الإيمان بالله واليوم الآخر وما هم بمؤمنين، ومن ثم كانوا مكذبين بهما، وتأتي سورة الماعون مبدوءة بقوله تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ثم تتحدث عن آثار التكذيب في سلوك الإنسان فتقول:
فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ* وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ولما كان التكذيب باليوم الآخر خلقا مشتركا بين المنافقين والكافرين، وآثاره واحدة عندهما لم يكن في بداية السورة ما يشير إلى أن الأمر خاص بالمنافقين، ولكن خاتمة السورة تقول: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ* الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ ففي هذا الجزء من السورة انصب الحديث عن المنافقين فالسورة تفصيل إذن لقضية ترتبط بالنفاق، وإذا كان النفاق حصيلته كفرا، فقد كان جزء من حديثها ينصب على الكفر والنفاق بآن واحد.
رأينا أن سورتي الفيل وقريش تخدمان سياق سورة الهمزة، ورأينا أن سورة الهمزة تتحدث عن عذاب الكافرين كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ* وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ* نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ* الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ* إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ* فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ وتأتي سورتا الفيل وقريش لتخدما قضية التدليل على اليوم الآخر، وبعد ذلك تأتي سورة الماعون لتحدثنا عن آثار التكذيب باليوم الآخر في السلوك البشري، من جفاء اليتم وعدم العطف على المسكين، ومن تهاون في الصلاة ومراءاة فيها ومن منع للماعون، ولا ينبغي أن يغرنا أننا نرى كثيرا من الملحدين يتظاهرون بالعمل للفقراء، فذلك موقف سياسي يمليه الحقد، وعلامة ذلك أنك تجد هؤلاء إذا دعوتهم لخير يحجمون ويحتجون لموقفهم في ترك الإحسان بأن عمليات الإحسان تؤخر ثورة الفقراء.
стр. 6370
مما أشرنا إليه نرى الصلة الوثيقة بين السورة وبين ما قبلها، وبين السورة وبين محورها. فلنر السورة.
سورة الماعون
وهي سبع آيات وهذه هي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ [سورة الماعون (١٠٧): الآيات ١ الى ٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤)
الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧)
التفسير
أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ أي: بالمعاد والجزاء والثواب إن كنت لا تعرفه فإن علاماته هي ما يأتي. قال النسفي: أي هل رأيت الذي يكذب بالجزاء فمن هو؟ إن لم تعرفه
فَذلِكَ أي الذي يكذب بالجزاء هو الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ قال النسفي: أي يدفعه دفعا عنيفا بجفوة وأذى، ويرده ردا قبيحا بزجر وخشونة. وقال ابن كثير: أي هو الذي يقهر اليتيم ويظلمه حقه، ولا يطعمه ولا يحسن إليه
وَلا يَحُضُّ أي: ولا يأمر ويبعث ويهيج عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ أي على بذل الطعام للمسكين وهو الفقير الذي لا شئ له يقوم بأوده وكفايته. قال النسفي: جعل علم التكذيب بالجزاء منع المعروف، والإقدام على إيذاء الضعيف. فلو آمن بالجزاء، وأيقن بالوعيد لخشي الله وعقابه، ولم يقدم على ذلك، فحين أقدم عليه دل أنه مكذب بالجزاء.
فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ قال ابن عباس وغيره: يعني المنافقين الذين يصلون في العلانية ولا يصلون في السر. قال ابن كثير في تفصيل سهو المنافقين عن الصلاة: (ثم هم عنها ساهون إما عن
стр. 6371
فعلها بالكلية كما قاله ابن عباس، وإما عن فعلها في الوقت المقدر لها شرعا فيخرجها عن وقتها بالكلية كما قال مسروق وأبو الضحى، وإما عن وقتها الأول فيؤخرونها إلى آخره دائما أو غالبا، وإما عن أدائها بأركانها وشروطها على الوجه المأمور به، وإما عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها، فاللفظ يشمل ذلك كله، ولكن من اتصف بشيء من ذلك له قسطه من هذه الآية، ومن اتصف بجميع ذلك فقد تم له نصيبه منها .. ).
الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ فهم فضلا عن سهوهم عنها مراءون فيما يصلونه منها قال النسفي:
(والمراءاة مفاعلة من الإراءة لأن المرائي يري الناس عمله وهم يرونه الثناء عليه والإعجاب به، ولا يكون الرجل مرائيا بإظهار الفرائض، فمن حقها الإعلان بها)
وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ قال ابن كثير: (أي لا أحسنوا عبادة ربهم، ولا أحسنوا إلى خلقه حتى ولا بإعارة ما ينتفع به ويستعان به مع بقاء عينه ورجوعه إليهم، فهؤلاء لمنع الزكاة وأنواع القربات أولى وأولى). أقول: وقد أحسن ابن كثير فيما قاله، فالماعون في الأصل هو ما يتعاوره الناس من قدر وفأس وقلم وأمثال ذلك، فإن كان مانعا لهذا مع أنه سيعود له فمنعه لغيره أولى وأولى. لقد فسر بعضهم الماعون بالزكاة وهو معنى بعيد، إلا أنه داخل بالأولى في الآية فهؤلاء منعوا إعارة الماعون، وتلك زكاته فمنعهم لبقية أنواع الزكاة الأولى، فإذا اتضح هذا، فلنر ما قاله النسفي في الآيات الثلاث: (يعنى بهذا المنافقين لا يصلونها سرا لأنهم لا يعتقدون وجوبها، ويصلونها علانية رياء، وقيل فويل للمنافقين الذين يدخلون أنفسهم في جملة المصلين صورة، وهم غافلون عن صلاتهم، وأنهم لا يريدون بها قربة إلى ربهم، ولا تأدية للفرض، فهم ينخفضون ويرتفعون ولا يدرون ماذا يفعلون، ويظهرون للناس أنهم يؤدون الفرائض ويمنعون الزكاة وما فيه منفعة).
كلمة في السياق .
١ - من سياق السورة عرفنا أن التكذيب بالدين ينبثق عنه سلوك من مواصفاته دفع اليتيم دفعا شديدا، وعدم الحض على طعام المسكين، وينبثق عنه سلوك عند المنافق من مظاهره أن يسهو عن صلاته، وإذا صلاها فإنه يكون مرائيا فيها، ومن مظاهره أن يمنع أصحابه الماعون، فالمنافقون كما وصفهم الله في سورة أخرى وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ.
٢ - في مقدمة سورة البقرة وصف الله المتقين بأنهم يؤمنون بالغيب، ووصف
стр. 6372
المنافقين بأنهم يدعون الإيمان ولا يؤمنون، وفي هذه السورة وصف الله الكافرين والمنافقين بأنهم يكذبون بالدين، وفي مقدمة سورة البقرة وصف الله المتقين بالإنفاق، وفي هذه السورة وصف الله الكافرين والمنافقين بأنهم لا ينفقون ولا يحضون على الإنفاق، بل يؤذون اليتيم، ويمنعون الماعون، وفي مقدمة سورة البقرة وصف الله المتقين بإقام الصلاة، وفي هذه السورة وصف الله المنافقين بأنهم ساهون عن صلاتهم وإذا صلوا فهم مراءون، من هذا نعلم أن سورة الماعون أتمت بيان الصورة العامة للمتقين والكافرين والمنافقين التي رسمتها مقدمة سورة البقرة، وأعطتنا تفصيلا أوسع لقضية النفاق، فارتباطها بمحورها واضح، ومعانيها تتكامل مع معاني مجموعتها، فسورة العصر ركزت على خصائص المتقين، وسورة الهمزة، والفيل، وقريش لها صلة بالكلام عن الكافرين، وسورة الماعون لها صلة بالكلام عن المنافقين، ولذلك كله صلاته بمقدمة سورة البقرة التي تحدثت عن المتقين والكافرين والمنافقين.
الفوائد:
١ - رأينا أن ابن كثير ذكر كل ما يمكن أن يدخل في قوله تعالى الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ونضيف هنا أنه بعد أن ذكر ذلك قال: (ولكل من اتصف بشيء من ذلك قسط من هذه الآية، ومن اتصف بجميع ذلك فقد تم له نصيبه منها وكمل له النفاق العملي، كما ثبت في الصحيحين أن الرسول ﷺ قال: «تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا» فهذا أخر صلاة العصر التي هي الوسطى كما ثبت به النص، إلى آخر وقتها وهو وقت كراهة، ثم قام إليها فنقرها نقر الغراب لم يطمئن ولا خشع فيها أيضا، ولهذا «لا يذكر الله بها إلا قليلا» ولعله إنما حمله على القيام إليها مراءاة الناس لا ابتغاء وجه الله، فهو كما إذا لم يصل بالكلية. قال الله تعالى إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ
قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
وقال تعالى هاهنا الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ).
وقال ابن كثير: (وروى ابن جرير عن سعد بن أبي وقاص قال: سألت رسول الله ﷺ عن الذين هم عن صلاتهم ساهون قال: «هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها» (قلت) وتأخير الصلاة عن وقتها يحتمل تركها بالكلية، ويحتمل صلاتها بعد وقتها،
стр. 6373
وتأخيرها عن أول الوقت وكذا رواه الحافظ أبو يعلى بسنده. ثم رواه عن أبي الربيع عن عاصم عن مصعب عن أبيه موقوفا «لهوا عنها حتى ضاع الوقت» وهذا أصح إسنادا وقد ضعف البيهقي رفعه وصحح وقفه وكذلك الحاكم).
وقال ابن كثير: (قال عطاء بن دينار: الحمد لله الذي قال: عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ولم يقل في صلاتهم ساهون). قال النسفي: تعليقا على ذلك: لأن معنى (عن) أنهم ساهون عنها سهو ترك لها، وقلة التفات إليها، وذلك فعل المنافقين، ومعنى (في) أن السهو يعتريهم فيها بوسوسة شيطان أو حديث نفس وذلك لا يخلو عنه مسلم، وكان رسول الله ﷺ يقع له السهو في صلاته فضلا عن غيره. أقول: ومن مثل هذه الدقة في التعبير القرآني نرى مظهرا من مظاهر الإعجاز في القرآن.
٢ - بمناسبة قوله تعالى الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ قال النسفي: (ولا يكون الرجل مرائيا بإظهار الفرائض فمن حقها الإعلان بها لقوله ﷺ : «لا غمة في فرائض الله» أي لا تخفي ولا تستر، والإخفاء في التطوع أولى فإن أظهره قاصدا للاقتداء به كان جميلا). وقال ابن كثير بمناسبة الآية: (وروى الطبراني عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال «إن في جهنم لواديا تستعيذ جهنم من ذلك الوادي في كل يوم أربعمائة مرة، أعد ذلك الوادي للمرائين من أمة محمد، لحامل كتاب الله، وللمصدق في غير ذات الله، وللحاج إلى بيت الله، وللخارج في سبيل الله» (أي: إذا كانوا مراءين) وروى الإمام أحمد عن عمرو بن مرة قال: كنا جلوسا عند أبي عبيدة فذكروا الرياء فقال رجل يكنى بأبي يزيد: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله ﵌: «من سمع الناس بعمله سمع الله به سامع خلقه وحقره وصغره»).
٣ - وبمناسبة قوله تعالى وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ قال ابن كثير: «وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله قال: الماعون العواري: القدر والميزان والدلو، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ يعني متاع البيت، وكذا قال مجاهد وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وأبو مالك وغير واحد أنها العارية للأمتعة، وقال ابن أبي سليم ومجاهد عن ابن عباس وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ قال: لم يجئ أهلها بعد، وقال العوفي عن ابن عباس وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ قال: اختلف الناس في ذلك فمنهم من قال يمنعون الزكاة، ومنهم من قال يمنعون الطاعة، ومنهم من قال يمنعون العارية، رواه ابن
стр. 6374
جرير. ثم روي عن الحارث عن علي: الماعون منع الناس الفأس والقدر والدلو، وقال عكرمة: رأس الماعون زكاة المال، وأدناه المنخل والدلو والإبرة. رواه ابن أبي حاتم.
وهذا الذي قاله عكرمة حسن فإنه يشمل الأقوال كلها، وترجع كلها إلى شئ واحد وهو ترك المعاونة بمال أو منفعة، ولهذا قال محمد بن كعب وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ قال المعروف، ولهذا جاء في الحديث «كل معروف صدقة». وروى ابن أبي حاتم عن الزهري وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ قال: بلسان قريش المال).
стр. 6375
سورة الكوثر
وهي السورة الثامنة بعد المائة بحسب الرسم القرآني وهي السورة السادسة من المجموعة الخامسة عشرة من قسم المفصل، وهي ثلاث آيات (قال النسفي: مكية، وقال ابن كثير: مدنية، وقيل مكية)
следующие страницы →