فقالوا: يا محمد ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل الله عليك الم* ذلِكَ الْكِتابُ؟ فقال رسول الله ﷺ : «بلى» فقالوا: جاءك بهذا جبريل من عند الله؟
فقال: «نعم». قالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك. فقام حيي بن أخطب وأقبل على من كان معه فقال لهم: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه، وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟. ثم أقبل على رسول الله ﷺ فقال يا محمد هل مع هذا غيره؟ فقال نعم، قال ما ذاك قال المص قال هذا أثقل وأطول. الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد سبعون (١) فهذه إحدى وثلاثون ومائة سنة: هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: نعم، قال: ما ذاك؟
قال: الر. قال: هذا أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتان سنة. فهل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: «نعم» قال ماذا؟ قال: «المر» قال: هذا أثقل وأطول: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتان. لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا. ثم قال: قوموا عنه، ثم قال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ولمن معه من الأحبار: ما يدريكم لعله قد جمع هذا كله لمحمد إحدى وسبعون، وإحدى وثلاثون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع سنين؟ فقالوا: لقد تشابه علينا أمره فيزعمون أن هؤلاء الآيات أنزلت فيهم هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي وهو لا يحتج بما انفرد به، ثم كان مقتضى هذا المسلك- إن كان صحيحا- أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها، وذلك يبلغ منه جملة كثيرة، وإن حسبت مع التكرر فأطم وأعظم والله أعلم!!!.
أقول: إن حسبنا مجموع هذه الأحرف بحساب الجمل- على بعض اتجاهات أهله- فإن مجموعها يكون (٢٩٨٠) ألفان وتسعمائة وثمانين عاما. وعلى فرض صحة الحديث، فالحديث لا دليل فيه كما قال البيضاوي- معلقا على رواية أبي العالية-:
والحديث لا دليل فيه لجواز أنه ﵊ تبسم تعجبا من جهلهم ..
стр. 667
أقول: وسنرى كيف أن ابن كثير سينقل نقلا غريبا أيده الواقع عند تفسير (حم عسق) في سورة الشورى مما يجعلنا لا نغلق البحث في هذا الباب.
ولننتقل إلى ذكر المعنى العام للمقطع الأول من القسم الأول من سورة آل عمران:
المعنى العام للمقطع:
- في الآية الثانية بعد الم يخبر الله- عن وحدانيته واتصافه بالحياة، والقيومية، فهو قائم بذاته، وغيره لا يقوم إلا به- تعالى- هو لا يفتقر لغيره، وغيره مفتقر إليه، فهو وحده الإله، ومن مقتضى ألوهيته وقيوميته ما ذكره في الآية الثالثة.
- يخبر تعالى في الآيتين الثالثة والرابعة أنه أنزل القرآن على محمد ﷺ بالحق الذي لا شك فيه ولا ريب، وأن هذا الكتاب يصدق الكتب المنزلة قبله من
السماء، وكما أنزل هذا القرآن على محمد ﷺ ، أنزل التوراة على موسى، وأنزل الإنجيل على عيسى ﵉، من قبل أن ينزل هذا القرآن، من أجل هداية الناس؛ وهذا من مقتضى قيوميته أن يهدي عباده ويبين لهم الطريق، وكما أنزل التوراة والإنجيل هدى للناس من قبل، فقد أنزل هذا القرآن هاديا، فارقا بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والغي والرشاد، بما ذكر الله فيه من الحجج والبينات، والدلائل الواضحات، القاطعة، وبينه ووضحه وفسره ليهدي ويرشد وينبه، وإذا كان هذا مقتضى ألوهيته ووحدانيته وقيوميته؛ فقد وجب على الخلق أن يهتدوا ويؤمنوا ويعلموا؛ فمن لم يفعل فقد استحق العذاب. ومن ثم ذيلت الآية بتقرير استحقاق العذاب الشديد يوم القيامة للذين جحدوا بآيات الله، وأنكروها، وردوها- وما ردوها إلا بالباطل- ثم وصف الله- ذاته بالعزة، فهو منيع الجناب، عظيم السلطان، ووصف ذاته بالانتقام لمن كذب بآياته، وخالف رسله الكرام، وأنبياءه العظام.
- وفي الآية الخامسة يخبر تعالى أنه يعلم غيب السماء والأرض، لا يخفى عليه شئ من ذلك، وهذا مرتبط بموضوع الألوهية والقيومية، فالإله الحق لا بد أن يكون عليما بكل شئ، وبدون علم لا تكون القيومية.
- ويدلل تعالى- في الآية السادسة- على إحاطة علمه، بتصويرنا في أرحام أمهاتنا كما يشاء، من حسن وقبح وصفات وخصائص تحير عقل المتأمل!! فأي علم عظيم
стр. 668
علمه ﷻ ؟!! وكما دل على إحاطة علمه في الآية الخامسة بتصويرنا في الأرحام دلل في الآية السادسة على إحاطة علمه بإنزاله هذا القرآن على ما هو عليه؛ إذ أخبر في الآية السابعة أنه أنزل هذا القرآن وجعل آياته نوعين. النوع الأول: الآيات المحكمات، أي: البينات الواضحات الدلالة التي لا تلتبس على أحد. والنوع الآخر:
الآيات التي فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس- أو بعضهم- وذلك امتحان لعباده من أجل أن يردوا ما اشتبه إلى الواضح منه، ويحكموا محكمه في متشابهه.
وذلك لأنه أودع في هذا الكتاب من الكمالات، والعلوم ما لا يحيط به إلا هو، فكانت عباراته على ما ذكر. وإذن ففي الآية تدليل على إحاطة علمه.
وكما قلنا: فإن إحاطة العلم هي مقتضى الألوهية والقيومية فلنر كيف كان موقف الناس من كتابه؟:
أما المنحرفون، الضالون، الزائغون، فهؤلاء يتركون المحكم، ويتبعون المتشابه، تعمدا منهم، لأنهم يستطيعون أن يحرفوا المتشابه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه إليه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه، لأنه دافع لهم، وحجة عليهم، وإنما يفعلون ذلك من أجل تضليل الناس، ومن أجل حمل القرآن على أهوائهم، فيفسرونه بالهوى لا بالعلم. وأما المهتدون فهم الراسخون في العلم، الذين يردون المتشابه إلى المحكم، ويقرون بأن المحكم والمتشابه من عند الله، والجميع حق وصدق، وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له؛ لأن الجميع من عند الله، وليس وحي الله بمختلف ولا بمتناقض، ثم ذيل الله- الآية بتبيان أن أصحاب العقول السليمة والفهوم المستقيمة هم الذين يفهمون، ويعقلون المعاني على وجهها، ويتدبرون ويقفون عند الحدود، فهؤلاء هم الذين أعطوا الألوهية حقها، وهؤلاء كما أقروا للقرآن- بما فيه من حق- فإنهم كذلك يقولون داعين الله- بدعوتين ذكرتهما الآيتان الثامنة والتاسعة في الدعوة الأولى يطلبون من الله أن لا يميل قلوبهم عن الهدى بعد إذ أقامها عليه، فيكونوا كالذين في قلوبهم زيغ يتبعون بسببه المتشابه، كما يطلبون من الله أن يهبهم رحمة تسعهم في دنياهم وأخراهم، مثنين على الله باسمه الوهاب. وإذ طلبوا من الله- رحمة في أحوج ما يكون الخلق إلى رحمة الله يوم القيامة، فإنهم في دعوتهم الثانية لم يقولوا سوى: يا ربنا ستجمع بين خلقك يوم معادهم، وتفصل بينهم، وتحكم فيهم فيما اختلفوا فيه، وتجزي كلا بعمله، وما كان
стр. 669
عليه في الدنيا من خير وشر، أي يا ربنا نحن نعلم هذا ونقر به، لذلك استجب ما دعوناك به فى دعوتنا الأولى: أن لا تزغ قلوبنا وأن ترحمنا. فهذا حال الراسخين في العلم أصحاب العقول والأفهام، الذين يعرفون لله ألوهيته ووحدانيته وقيوميته وعزته وانتقامه وإحاطة علمه، هكذا يكون موقفهم من كتابه وهذا حالهم في الخوف منه.
إن معرفة الله مرتبطة بمعرفة هديه- المتمثل بكتابه- مع الإيمان به والتسليم له، ومن لم تجتمع له هذه المعاني لا يكون عارفا بالله، إذ كيف يؤمن بالله وألوهيته وقيوميته وعلمه، وهو يتصور أن الله لا يتدخل في شئون خلقه ولا يهديهم، وهو ينكر ما أنزل الله ويكذبه؟!! ولذلك نلاحظ أنه بعد ما ذكر الموقف الصحيح لأهل الإيمان منه- ﷻ ومن كتابه، هدد الكافرين في الآيتين العاشرة والحادية عشرة، فأخبر عن الكفار بأنهم وقود النار، وأن أموالهم وأولادهم لن تنفعهم عند الله، فتمنع عنهم عذاب الله في الدنيا والآخرة، بل يهلكون ويعذبون في الدنيا، ويعذبون يوم القيامة، كما جرى لآل فرعون، ومن قبلهم من المكذبين للرسل فيما جاءوا به؛ إذ إن من صفات الله أنه شديد العقاب، أي: شديد الأخذ، أليم العذاب، لا يمنع منه أحد، ولا يفوته شئ؛ بل هو الفعال لما يريد، الذي غلب كل شئ؛ لا إله غيره، ولا رب سواه، وإذ بين الله- أن الكافرين يستحقون عقوبته في الدنيا والآخرة، أمر رسوله ﷺ وهو أمر لنا- أن يقول للكافرين: أن عليهم الغلبة في الدنيا- وهذا بما استحقوا من عقوبة الله لهم في الدنيا- ولهم في الآخرة عذاب جهنم. وفي الآية الثالثة عشرة ذكر الله- دليلا على أن الكافرين مغلوبون بما حدث يوم بدر من آيات، كان من آثارها أن غلب المؤمنون- على قلتهم- الكافرين. وفي الآية الرابعة عشرة يخبر تعالى عما زين للناس من الملاذ من النساء والبنين، وبدأ بالنساء؛ لأن الفتنة بهن أشد، ثم ذكر ما زين للناس من الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم، والأراضي المتخذة للغراس والزراعة، ثم بين أن هذا إنما هو زهرة الحياة الدنيا، وزينتها الفانية الزائلة، وأن الله عنده حسن المرجع والثواب.
هذا مضمون الآية الرابعة عشرة؛ فما الصلة بينها وبين المقطع عامة؟. رأينا أن المقطع يدور حول موضوع معين هو وحدانية الله وقيوميته، وأن من آثار ألوهية الله وقيوميته أنه أنزل الكتب. وهذه الآية مرتبطة بهذا المعني: فمن آثار قيومية الله أن زين للناس حب الشهوات؛ حتى تقوم هذه الحياة الدنيا؛ فلولا حب النساء ما كان زواج، ولو لم يكن زواج ما كانت الحياة الدنيا، ولولا حب البنين ما ربى أحد أولاده؛ وبالتالي
стр. 670
تضيع الذرية، ولولا حب الذهب والفضة، والأنعام والحرث، ما كان عمل، ولولا العمل ما قامت الحياة، ولكن هذه الشهوات تحتاج إلى أن توضع لها حدود حتى لا تطغى عن الحد الذي تحتاجه عمارة الدنيا؛ لأنها إذا طغت فلم تخضع لقيود أدت إلى عكس ما خلقت من أجله، ومن ثم أنزل الله كتبه لتقوم هذه الشئون ضمن الحدود السليمة الصحيحة.
وللآية صلة أخرى في السياق سنراها.
وفي الآيات الخامسة عشرة، والسادسة عشرة، والسابعة عشرة يرفع الله همتنا إلى أن نكون طلاب آخرة، بتبيان ما أعده لأهل طاعته في جناته، كما بين متى نكون أهلا لذلك. يقول تعالى في هذه الآيات: قل يا محمد للناس أأخبركم بخير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها؟ جنات تخترق بين جوانبها وأرجائها الأنهار، من أنواع الأشربة من العسل، واللبن، والخمر، والماء، وغير ذلك، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، أعدها للمتقين، وجعلها لهم ماكثين فيها أبد الآباد، لا يبغون عنها حولا، ولهم فيها أزواج مطهرة من الدنس، والخبث، والأذى، والحيض، والنفاس، وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا، ومع هذا فإن لهم أن يحل الله عليهم رضوانه، فلا يسخط عليهم بعده أبدا. ومن شأن الله- سبحانه- أنه بصير بعباده، يعطي كلا بحسب ما يستحق من العطاء، وقد بين أن هؤلاء إنما استحقوا (١) هذا كله بسبب كونهم من المتقين، ثم وصف هؤلاء المتقين، بأنهم يدعون الله طالبين غفرانه، والعتق من النار، وأنهم متصفون بالصبر، والصدق، والطاعة، والخضوع، والإنفاق في سبيل الله، والاستغفار بالأسحار.
وهذه الآيات الثلاث مرتبطة كذلك بموضوع المقطع، فكما أن عمارة الحياة الدنيا تحتاج إلى وحي من الله، فإن دخول الجنة والوصول إلى الآخرة يحتاج إلى وحي يبين للإنسان الطريق، فإذا اتضحت هذه المعاني، عرفنا الصلة بين هذا المقطع والآيات الأولى من سورة البقرة التي تصف المتقين، بأن القرآن هداهم، وأنهم يؤمنون بكل ما أنزل الله، ثم يختم الله- هذا المقطع بما بدأه به من إعلان وحدانيته وقيوميته، فيخبر الله- تعالى- في الآية الأخيرة أنه شهد، وكفى به شهيدا، وهو
стр. 671
أصدق الشاهدين وأعدلهم، وهو أصدق القائلين، بأنه المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق، وأن الجميع عبيده وخلقه، وأنهم فقراء إليه، وهو الغني عما سواه، ثم قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته- سبحانه- وهذه خصوصية عظيمة لأولي العلم في هذا المقام، أنهم يشهدون قيامه- تعالى- بالعدل في جميع الأحوال، ثم يؤكد- مرة أخرى- وحدانيته، واصفا ذاته بأنه العزيز الذي لا يرام جنابه، عظمة وكبرياء، الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. ويلاحظ تكرار صفة العزة والحكمة في هذا المقطع أكثر من مرة، فإذا ربطنا هذا بموضوع المقطع علمنا أنه لم ينزل ما أنزل- سبحانه- عن ذلة بل عن عزة وحكمة.
المعنى الحرفي للفقرة الاولى
الم* اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ: القيوم: هو القائم بذاته فلا يحتاج إلى موجد، ولا إلى محل، ولا إلى ذات أخرى، والقيوم هو الذي يفتقر إليه غيره حتى يقوم. والمعنى: أنه لا معبود بحق في الوجود إلا هو، المتصف بالحياة التي ليس كمثلها شئ، المتصف بالقيومية، فهو قائم بنفسه، وغيره قائم به مفتقر إليه.
فائدة: ورد- في الحديث- أن اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ والم* اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. أقول: سنرى نصوصا أخرى وآثارا تتحدث عن اسم الله الأعظم فتذكر غير ما ذكر هنا، وتكلم العلماء في ذلك محاولين الجمع بين النصوص، أو التحقيق، أو الربط بين حال الداعي وهو يدعو باسم بعينه، والذي ينشرح له صدري أن اسم الله الأعظم مركب من مجموع الأسماء التي وردت فيها نصوص
نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ أي هو نزل القرآن على رسوله محمد ﷺ حقا ثابتا لا شك فيه، ولا ريب ولا شبهة، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ: أي مصدقا لما قبله من الكتب المنزلة. وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ: أي وأنزل التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى من قبل القرآن هداية للناس- والناس هنا إما قوم موسى وقوم عيسى ﵉، وإما كل الناس من حيث إن ما يقوي الحق، ويؤيده، ويصدقه، ويدل عليه، ليس خاصا بالمكلفين به، بل هو لكل مستفيد منه- وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ: الفرقان هو الفارق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، وهل المراد به كل وحي أنزله الله؟ أو
стр. 672
المراد الزبور لأنه الوحيد من الكتب الذي لم يذكر في الآية؟، أو المراد به القرآن؟
وكرر ذكره بصفة خاصة تفخيما لشأنه، لأنه الفارق بين الحق والباطل بما لا مزيد عليه- أقوال أقواها الأخير- إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ: المراد بآيات الله هنا كتبه المنزلة وغيرها. والمعنى: إن الذين جحدوا بها وأنكروها وردوها لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ يوم القيامة وَاللَّهُ عَزِيزٌ أي منيع الجناب، عظيم السلطان، ذُو انْتِقامٍ أي ذو عقوبة شديدة لا يقدر على مثلها أحد، ينتقم ممن كذب بآياته، وخالف رسله، وعصى أمره.
فائدة: قال بعض العلماء: استعملت نَزَّلَ في الكلام عن القرآن، وأَنْزَلَ في الكلام عن التوراة والإنجيل، لأن القرآن نزل منجما، ونزل الكتابان جملة واحدة أقول: الأمر بالنسبة للتوراة يحتاج إلى تحقيق أوسع، فإذا كانت التوراة هي ما جاء في الألواح، فإنها تكون قد أنزلت جملة واحدة، وإلا فالأمر يحتمل مزيدا من البحث، ولنا عودة
على هذا الموضوع في (سورة الأعراف) إن شاء الله.
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ أي لا يخفى عليه شئ في هذا العالم كله والدليل على هذا
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ من الصور المختلفة:
ذكورة أو أنوثة، حسنا أو قبحا، لونا أو آخر ... !!. لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ العزيز في سلطانه، الحكيم في تدبيره.
فائدة: لما كان قطاع كبير من هذه السورة- فيما بعد- له علاقة في مناقشة النصارى، الذين يزعمون أن المسيح ابن الله، فإن بعض العلماء فهم: أن هذه الآية تخدم هذا المراد فيما بعد، إذ فيها تعريض بأن عيسى ابن مريم عبد مخلوق كما خلق الله سائر البشر، لأن الله صوره في الرحم، وخلقه كما يشاء، فكيف يكون إلها، وقد تقلب في الأحشاء وتنقل من حال إلى حال؟!.
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ أي هو الذي أنزل على رسوله ﷺ القرآن، من هذا القرآن آيات أحكمت عباراتها، بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه، فهن واضحات الدلالة على المراد لا التباس فيهن هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ أي أصله، أي هذه الآيات المحكمات هن أصل الكتاب، تحمل المتشابهات عليها، وترد إليها ويرجع إليها عند الاشتباه وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ أي متشابهات، محتملات، تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تحتمل شيئا آخر من حيث اللفظ
стр. 673
والتركيب، لا من حيث المراد فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ أي فأما الذين في قلوبهم ميل عن الحق- وهم أهل البدع والأهواء- فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ أي فيتعلقون بالمتشابه، الذي يحتمل ما يذهب إليه المبتدع مما لا يطابق المحكم، فهم يأخذونه لأنهم يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها؛ لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه، لأنه دافع لهم وحجة عليهم، ولماذا يفعلون ذلك؟! بين الله- غرضهم الفاسد فقال: ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ الفتنة هنا المراد بها: فتنة الناس عن دينهم، وإضلالهم وصدهم عن سبيل الله، والمراد بالتأويل: التفسير المنحرف الموافق للهوى، فهم إنما يتبعون المتشابه من أجل أن يضلوا المسلمين، ومن أجل أن يستشهدوا به على أهوائهم، فيفسروه بما يخالف المحكم وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ هناك كلام كثير للعلماء حول الوقف في هذا النص هل هو على لفظ الجلالة، أو هو على كلمة العلم؟
فعلى القول الأول يكون المعنى أن التفسير الحق للمتشابه لا يعلمه إلا الله، وعلى القول الثاني يكون الراسخون في العلم كذلك يعلمون تأويله الحق، والراسخون في العلم هم الثابتون فيه المتمكنون منه، وجمهور المفسرين على القول الأول، وجمهور الأصوليين على القول الثاني، وما اختلفوا في الترجيح إلا لاختلافهم في فهم المحكم والمتشابه- كما سنرى في الفوائد- يَقُولُونَ أي: الراسخون في العلم، ويختلف الإعراب والمعنى والتقدير فيما إذا كان الوقف على لفظ الجلالة أو العلم، فعلى الوقف على لفظ الجلالة: الراسخون لا يعلمون ولكنهم يسلمون فيقولون. وعلى الاتجاه الثاني:
الراسخون يعلمون ويقولون آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا أي: آمنا بالمتشابه- أو الضمير يعود على الكتاب كله- أي: آمنا بالكتاب كله، إذ كله- من المتشابه والمحكم- من عند الله الحكيم، الذي لا يتناقض كلامه وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ أي: وما يتعظ ويتذكر ويقف عند ما ينبغي الوقوف عنده- من إيمان وعمل- إلا أصحاب العقول، وفي هذا إشارة إلى أن الراسخين في العلم، هم أصحاب العقول، وهو مدح لهم باتقاد الذهن، وحسن التأمل، والقيام بالمقتضى
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا أي: إن الراسخين في العلم- أولي العقول- يقولون: ربنا لا تمل قلوبنا عن الحق المنزل بعد إذ هديتنا إليه، بأن جعلتنا نعمل بالمحكم ونسلم للمتشابه وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً أي: وهب لنا من عندك نعمة
стр. 674
بالتوفيق، والتثبيت، والرعاية، ثم النجاة، والجنة إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ أي: إنك الكثير الهبات، وهذا دعاء ثان لأن الثناء على الله دعاء له
رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ أي يا ربنا إنك ستجمع بين خلقك يوم معادهم، وتفصل بينهم، وتحكم فيهم فيما اختلفوا فيه، وتجزي كلا بعمله في يوم لا شك فيه إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ أي لا تخلف الموعد- وفي قولهم إنك لا تخلف الميعاد ثناء على الله، واعتراف له بالإلهية لأن الإلهية تنافي خلف الوعد.
فوائد:
١ - فائدة إنزال المتشابه الابتلاء به، والتمييز بين الثابت على الحق والمتزلزل فيه، ولقصور الكثير من الخلق عن كثير من المعاني، ولقصور كثير من العصور عن علوم لم يصلوا فيها إلى يقين؛ كان في هذا القرآن متشابه، ثم ليتعب العلماء قرائحهم في استخراج معانيه، ورده إلى المحكم، وليعلم فضل أهل الفضل، ولترتفع درجات من أراد الله أن يرفع درجاته بالعلم، وليعرف الخلق قصور أفهامهم عن الإحاطة بكتاب الله، وليبقى- دائما- في هذا القرآن ما ترتفع إليه الهمم.
٢ - قال ﵇ بعد أن تلا آية هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ ... : «إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم» رواه أحمد وفي رواية البخاري ومسلم وأبي داود: «فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم». ويدخل في هؤلاء كل الفرق الضالة- وما أكثرها- قال ﵊ «وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. قالوا: وما هم يا رسول الله؟ قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي» رواه الحاكم. ولذلك فإن علينا أن نعرف عقائد أهل السنة والجماعة. وأن نتمسك بالكتاب والسنة فهما صحيحا، وعملا مستقيما.
٣ - قال نافع بن يزيد واصفا سمت الراسخين في العلم قال: يقال: الراسخون في العلم المتواضعون لله المتذللون في مرضاته، لا يتعاظمون على من فوقهم، ولا يحقرون من دونهم. وقد ورد عن رسول الله ﷺ وصف للراسخين في العلم هو: «من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن عف بطنه وفرجه، فذلك من
الراسخين في العلم». ولنا عودة على هذا الموضوع.
стр. 675
٤ - هناك خلاف كثير، وكلام كثير حول تفسير المتشابه وأمثلته، وحول كون الراسخين في العلم يعلمونه أو لا يعلمونه، وننقل مجموعة نقول تفيد في عمق الفهم:
أ- روى ابن مردويه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه منه فآمنوا به». وروى أبو يعلى الموصلي عن أبي سلمة قال: لا أعلمه إلا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «نزل القرآن على سبعة أحرف، والمراء في القرآن كفر- قالها ثلاثا- ما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه- ﷻ ». قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح، ولكن فيه علة بسبب قول الراوي لا أعلمه إلا عن أبي هريرة.
في هذين النصين تعريف بالموقف السليم من كتاب الله، فما اتضح لك وضوح الشمس فاعمل به، وما اشتبه عليك فسلم لله فيه. روى الإمام أحمد: «سمع رسول الله ﷺ قوما يتدارءون، فقال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله ليصدق بعضه بعضا، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا به، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه».
ب- روى مجاهد عن ابن عباس وعائشة وعروة وغيرهم: «التفسير على أربعة أنحاء، فتفسير لا يعذر أحد في فهمه، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم، وتفسير لا يعلمه إلا الله» ومن العلماء من قال: التأويل يطلق ويراد في القرآن على معنيين، أحدهما التأويل بمعنى حقيقة الشئ وما يؤول أمره إليه، ومنه قوله تعالى وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ. (سورة يوسف) وقوله هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ (سورة الأعراف) أي: حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد، فإن أريد بالتأويل هذا فهذا لا يعلمه إلا الله، وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر: وهو التفسير والبيان والتعبير عن الشئ كقوله نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ (سورة يوسف) أي: بتفسيره، فهذا يعرفه الراسخون في العلم، لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علما بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، ويدل على ذلك أنه ما من شئ في كتاب الله إلا وفسره المفسرون أو قالوا فيه، كل على حسب ما أعطاه الله- من دقة الفهم وسعة العلم.
ج- من أمثلة المتشابه في القرآن: الحروف المقطعة في أوائل السور- قاله مقاتل ابن حيان- ومن أمثلة ذلك بعض آيات الصفات- قاله بعض علماء التوحيد- وللمفسرين اتجاهات كثيرة في تفسير المحكم والمتشابه، وما ذكرناه فيه كاف لإدراك الموقف الحق في هذا الموضوع.
стр. 676
٥ - رأينا أن من حال الراسخين في العلم، أنهم يدعون الله ألا يزيغ قلوبهم، وقد كان رسولنا ﵇ يكثر في دعائه من مثل ذلك. روت أم سلمة أن رسول الله ﷺ كان يقول: «يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك». وفي رواية عنها: كان يكثر من دعائه: «اللهم مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». قالت:
قلت: يا رسول الله وإن القلب ليتقلب! قال: نعم: ما خلق الله من بني آدم من بشر إلا أن قلبه بين إصبعين من أصابع الله- فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه». وروي نفس المعنى عن عائشة. وأصل الحديث في الصحيحين. وروى النسائي وابن حبان عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا استيقظ في الليل قال: «لا إله إلا أنت، سبحانك، أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمتك، اللهم زدني علما، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة؛ إنك أنت الوهاب». هذا لفظ ابن مردويه.
٦ - روى عبد الرزاق عن أبي عبد الله الصنابحي أنه صلى وراء أبي بكر الصديق ﵁ المغرب؛ فقرأ أبو بكر في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورتين من قصار المفصل وقرأ في الركعة الثالثة: قال: فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه فسمعته يقرأ بأم القرآن وهذه الآية رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ.
٧ - ولا نجد أبلغ من الناحية العملية في معرفة الآيات المحكمات والآيات المتشابهات من الواقع الذي حدث خلال التاريخ، فما من فرقة ضالة من فرق الأمة الإسلامية إلا وتمسكت بنصوص فهمتها فهما خاطئا، وأولتها تأويلا فاسدا، ومن ثم فإننا نستطيع أن نقول: إن ما تمسكت به هذه الفرق كله من هذا الباب- باب الآيات المتشابهات- ثم إن هناك كثيرا من الدوائر الكافرة أرادت من خلال بعض النصوص أن تثبت اتجاهها الفاسد، في الوقت الذي تحارب الإسلام وتريد تكفير أهله، ولكنها تستر أمرها باعتماد نصوص وإخراجها عن معناها الصحيح وإهمال المحكم!!. فكذلك أمثال هذه النصوص يمكن اعتبارها من المتشابه.
٨ - نستطيع الآن من خلال الآيات الثلاث التي بدأت بالكلام عن المتشابه أن نحدد صفات الفرقة الناجية والفرق الضالة:
أما الفرقة الناجية فهي تتبع المحكم وتعمل به، وتؤمن بالمتشابه وتسلم لله فيه مع حملها له على المحكم، وفهمها له بما لا يتعارض مع المحكم، مع وجود مواصفات الربانية
стр. 677
فيها، من إقبال على الله وإخبات له، وعبادة وافتقار له- وهم أهل السنة والجماعة- أما الفرق الضالة فأول مواصفاتها إهمال المحكم واتباع المتشابه.
ولننتقل إلى المعنى الحرفي للفقرة الثانية في المقطع الأول من القسم الأول من السورة.
المعنى الحرفي للفقرة الثانية:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي جحدوا بآيات الله وكذبوا رسله، ولم ينتفعوا بوحيه المنزل على أنبيائه لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي لن تدفع عنهم الأولاد والأموال شيئا، إن أراد الله أن يعذبهم في الدنيا أو في الآخرة وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ أي حطبها الذي تسجر به وتوقد
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا الدأب هو الصنيع والحال والشأن والأمر والعادة، والأصل أنه آت من الدأب أي الكدح في العمل ثم نقل إلى الشأن والحال، والمعنى: دأب هؤلاء الكافرين في تكذيب الحق كدأب آل فرعون ومن قبلهم، فكما أن آل فرعون لم تغن عنهم أولادهم وأموالهم، فأخذوا في الدنيا وعذبوا في الآخرة فكذلك هؤلاء فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ أي فجازاهم الله بسبب ذنوبهم فأهلكهم وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ أي شديد عقابه أليم عذابه.
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي قل لكل الكافرين، وسبب النزول وإن كان خاصا- كما سنرى- لكن اللفظ عام سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ أي ستغلبون في الدنيا وتحشرون يوم القيامة إلى جهنم وَبِئْسَ الْمِهادُ أي وبئس المستقر جهنم
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا أي قد كان للكافرين دلالة على أن الله مقر دينه، وناصر رسوله ومظهر كلمته ومعل أمره، ومغلوب أعداؤه، في طائفتين التقتا للقتال يوم بدر فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وهم المؤمنون وَأُخْرى كافِرَةٌ وهم المشركون يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ أي يرى المسلمون المشركين ضعفي عدد المسلمين، رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها، ومع ذلك فقد غلب أولياؤه أعداءه وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ كما أيد أهل بدر إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ أي إن في ذلك لعظة لمن له بصيرة، وفهم ليهتدي به إلى حكم الله وأفعاله وقدره الجاري، بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد.
стр. 678
فوائد:
١ - المشهور أن المشركين كانوا يوم بدر ما بين التسعمائة إلى الألف، وأن المسلمين كانوا ثلاث مائة وثلاثة عشر، فهم ثلاثة أمثال، بينما الآية تقول: يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ فما التوفيق بين هذا وهذا؟ وجه ابن جرير ذلك بقوله: «هذا ... كما تقول: عندي ألف وأنا محتاج إلى مثليهما، وتكون محتاجا إلى ثلاثة آلاف، ويمكن أن يكون التوفيق بما ذكره الله- : وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (سورة الأنفال) فقلل الله المشركين في أعين المسلمين من ثلاثة أضعاف إلى ضعفين!. ويؤيد هذا ما قاله ابن مسعود: «وقد نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا».
٢ - ذكر محمد بن إسحاق مما له علاقة بسبب نزول هذه الآية ما يلي: أن رسول الله ﷺ لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال: «يا معشر اليهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشا. فقالوا:
يا محمد لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرا من قريش، كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا. فأنزل الله في ذلك من قولهم: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ .... ».
ولننتقل إلى ذكر المعنى الحرفي للفقرة الثالثة في المقطع:
المعنى الحرفي للفقرة الثالثة:
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ أي زين الله للناس حب الأشياء المشتهاة مما سيذكره، وسمى الأشياء المشتهاة بأنها شهوات إشعارا بشدة اشتهائها، وأشعر. بتسميتها شهوات بأن المفروض أن يكون للإنسان منها موقف- والشهوة: توقان النفس إلى الشئ-، ثم بين هذه الأشياء المشتهاة فقال: مِنَ النِّساءِ بدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد، كما ثبت في الصحيح أنه ﵇ قال: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء». وَالْبَنِينَ جمع ابن وهم الأولاد ذكورا وإناثا، وذكر البنين يشعر بأن الذكور هم المشتهون بالطباع أولا: وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ
стр. 679
وَالْفِضَّةِ القنطار هو المال الكثير، والمقنطرة المنضدة أو المدفونة، وسمي الذهب ذهبا- في أصل اللغة- لسرعة ذهابه بالإنفاق، وسميت الفضة فضة لأنها تتفرق، والفض: التفريق. وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ سميت الخيل خيلا لأنها تختال في مشيتها، والمسومة: المعلمة المطهمة، الحسان أو المرعية. وَالْأَنْعامِ أي الأزواج الثمانية:
الإبل والبقر والغنم والماعز. وَالْحَرْثِ أي الأرض المتخذة للغراس والزراعة.
ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي هذا المذكور هو ما يتمتع به في الحياة الدنيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ أي حسن المرجع والثواب.
فائدة:
- زينت هذه الأشياء للإنسان من أجل أن تعمر الحياة الدنيا، فإذا استعملها الإنسان ضمن ما حدده الله- يكون قد حقق الحكمة من التزيين، وأرضى الله، وعمرت الحياة، ولم تفسد الأرض، وإذا تجاوز فيها ما حدده الله، فسدت الأرض، وأسخط الله. قال ﵇: «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة، إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله».
وقال ﵇: «حبب إلي من دنياكم: النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة».
دل ذلك على أن حب النساء- ضمن ما شرع الله، وبقصد الإعفاف بهن، وكثرة الأولاد منهن مطلوب مرغوب فيه، مندوب إليه.
وحب البنين إذا كان للتفاخر فهو مذموم، أما إذا كان لتكثير النسل وتكثير المسلمين فهذا محمود ممدوح، كما ثبت في الحديث: «تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة».
وحب المال إن كان للفخر والخيلاء والتكبر على الضعفاء والتجبر على الفقراء فهو مذموم، وإذا كان للإنفاق في القربات وصلة الأرحام والقرابات ووجوه الخير والطاعات فهذا محمود ممدوح شرعا.
والخيل إن أعدها الإنسان في سبيل الله فهو مأجور، أو أعدها للولادة والاستفادة فهو مستور، وإن أعدها لمحاربة الإسلام فهو مأزور. وروى الإمام أحمد عن النبي ﷺ قال: «خير مال امرئ له مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة». السكة: النخل
стр. 680
المصفف، والمأبورة: الملقحة. ذكرنا هذا ليعلم مما قدمناه: أن الحياة الدنيا لم تحرم علينا، إذا ما أخذناها ضمن ما حدده الله، واستعملناها فيما حدده الله، ولم ننس حق الله فيها، ولم ننس آخرته، ولم نطغ.
ثم رفع الله- همتنا إلى الآخرة بعد أن بين لنا ما زينه لنا من مفردات الحياة الدنيا:
قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ أي قل يا محمد أأخبركم بخير من الذي تقدم للذين اتقوا عند ربهم جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي تنخرق بين جوانبها وأرجائها أنهار العسل واللبن والخمر والماء. خالِدِينَ فِيها أي ماكثين فيها أبد الآبدين، لا يبغون عنها حولا. وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ أي من الدنس والخبث والأذى والحيض والنفاس وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا. وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أي يعطيهم رضوانه، فلا يسخط عليهم أبدا وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ أي عالم بأعمالهم يجازيهم عليها.
ثم وصف عباده المتقين، الذين أعد لهم ذلك الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا بك وبكتابك وبرسولك، فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا. أي: بإيماننا بك، وبما أنزلته. فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا في أمرنا بفضلك ورحمتك وَقِنا عَذابَ النَّارِ. أي: احمنا منه
الصَّابِرِينَ على الطاعات وترك المحرمات وعلى المصائب. وَالصَّادِقِينَ قولا بإخبار الحق، وفعلا بإحكام العمل، ونية بإمضاء العزم. وَالْقانِتِينَ. أي الطائعين الخاضعين. وَالْمُنْفِقِينَ. أي: المتصدقين من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات، وصلة الأرحام والقرابات وسد الخلات ومواساة ذوي الحاجات.
وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ أي طالبي المغفرة في وقت السحر، إما بصلاتهم لله فيه، أو بقولهم: أستغفر الله فيه. والسحر: الوقت قبيل الفجر.
فائدة:
- ثبت في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل الله ﵎ في كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: هل من سائل فأعطيه؟. هل من مستغفر فأغفر له؟» وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ ، من أوله، وأوسطه، وآخره، فانتهى
стр. 681
وتره إلى السحر». وكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل، ثم يقول: «يا نافع هل جاء السحر؟ فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح».
وروى ابن جرير عن إبراهيم بن حاطب عن أبيه قال: «سمعت رجلا في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: يا رب أمرتني فأطعتك، وهذا السحر فاغفر لي، فنظرت، فإذا هو ابن مسعود ﵁».
وروى ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: «كنا نؤمر إذا صلينا في الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرة». وقال لقمان لابنه يا بني: «لا يكن الديك أكيس منك، ينادي بالأسحار وأنت نائم». دلت الآية ودل هذا كله على فضيلة الاستغفار بالأسحار.
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، أي: قال- وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم.
وأصدق القائلين-: إنه المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق، وأن الجميع عبيده وخلقه، وفقراء إليه، وهو الغني عمن سواه. وَالْمَلائِكَةُ شهدوا بوحدانيته بما عاينوا من عظيم قدرته. وَأُولُوا الْعِلْمِ من الأنبياء والعلماء، شهدوا بما شهد الله به، بما عاينوا من آياته وآثاره. قائِماً بِالْقِسْطِ أي مقيما للعدل فيما يقسم من الأرزاق والآجال، ويثيب ويعاقب، وما يأمر به عباده من إنصاف بعضهم لبعض، والعمل على السوية فيما بينهم فيما شرعه لهم. وهذا يؤكد ما ذكرناه أن من آثار قيوميته تعالى أن لا يترك عباده دون هداية، ودون وحي، ودون كتب. لا إِلهَ إِلَّا هُوَ هذا تأكيد لوحدانيته. الْعَزِيزُ الذي لا يغالب ولا يرام جنابه. الْحَكِيمُ الذي لا يعدل عن الحق في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
فوائد:
١ - روى الإمام أحمد عن الزبير بن العوام قال: سمعت النبي ﷺ وهو بعرفة يقرأ هذه الآية شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ... وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب.» أي ويقول بعد ذكره الآية ذلك.
٢ - روى الطبراني، عن غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة، فنزلت قريبا من الأعمش، فلما كانت ليلة أردت أن أنحدر، قام فتهجد من الليل، فمر بهذه الآية:
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ... إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ.
стр. 682
ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة، إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ قالها مرارا. قلت: لقد سمع فيها شيئا! فغدوت إليه، فودعته، ثم قلت: يا أبا محمد: إني سمعتك تردد هذه الآية! قال: أو ما بلغك ما فيها؟ قلت: أنا عندك منذ شهر لم تحدثني!! قال: والله لا أحدثك بها إلى سنة! فأقمت سنة، فأقمت على بابه؛ قلت يا أبا محمد: قد مضت السنة! قال: حدثني أبو وائل عن عبد الله قال: «قال رسول الله ﷺ يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله-
: عبدي عهد إلي، وأنا أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة».
ولننتقل إلى المقطع الثاني من القسم الأول في السورة:
كلمة وسيطة بين المقطع الأول والمقطع الثاني وفوائد:
١ - ختم المقطع الأول بقوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وجاء بعدها قوله تعالى:
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ.
والهمزة في قراءة حفص من (شهد الله أنه) مفتوحة، والهمزة في (إن) من إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ مكسورة وقد ذكر البيضاوي: أن هناك قراءة تكسر همزة (إنه)، وهناك قراءة تفتح همزة (أن).
فعلى قراءة أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وعلى قراءة إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ، فإن الفعل (شهد) يعمل في آية: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ فيكون التقدير:
شَهِدَ اللَّهُ .. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ، شَهِدَ اللَّهُ .. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ.
فعلى هاتين القراءتين، فإن الله وملائكته، وأولي العلم، كما يشهدون، أن الله واحد وقائم بالقسط فإنهم يشهدون أن الدين عند الله الإسلام، وهذا يدلنا على استمرارية الكلام في المقطع الثاني.
فإذا دلنا على نهاية المقطع الأول، ذكر القيام بالقسط، فإن مما يدلنا على أن المقطع الأول والثاني يشكلان قسما واحدا هو هذه الاستمرارية التي نراها بين أول آية في
стр. 683
المقطع الثاني، وآخر آية في المقطع الأول.
واستطرادا نقول:
على قراءة فتح الهمزة في إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ، فإن هذه الجملة تعرب بدلا من جملة أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، وهي إما بدل كل من كل، إذا فسر التوحيد بالإسلام، أو بدل اشتمال إذا فسر الإسلام بالشريعة. وأما على قراءة (إنه) وكسر همزة (إن) بآن واحد. فإما أن نجعل الفعل (شهد) ينصب على إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ ويكون ما قبل ذلك جملة اعتراضية، أو نعتبر (شهد) بمعنى قال في الآية الأولى، وعلم في الآية الثانية، وكل ذلك له تأثيراته في المعني. فلو أننا تابعنا إعراب الآيتين بناء على هذه الأوجه الصحيحة، لرأينا معاني متعددة كلها صحيح.
ولم نستطرد هذا الاستطراد لنتعب القارئ، ولكن ليفهم أن علوم اللغة العربية بحيثياتها الدقيقة لا بد منها لفهم القرآن، وأن الذين ينفرون من دقائق قواعد هذه اللغة ضائعون، ويريدون أن يضيعوا هذه الأمة، وأنه من مجموع القراءات تتولد معاني كثيرة، ولولا أننا نريد الاختصار في هذا التفسير ما اقتصرنا على تفسير قراءة حفص كأصل.
كل ذلك أردنا أن نقوله من خلال هذا الاستطراد، ومن أجله استطردنا، ولننتقل إلى المقطع الثاني في القسم الأول من سورة آل عمران.
المقطع الثاني من القسم الأول
يمتد هذا المقطع من الآية (١٩) إلى نهاية الآية (٣٢) وهذا هو:
[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٩ الى ٢٠]
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠)
[سورة آل عمران (٣): الآيات ٢٩ الى ٣٢]
قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢)
كلمة في المقطع:
يتألف المقطع من ثلاث فقرات:
فقرة حول كون الدين الوحيد المقبول عند الله هو الإسلام، وأنه دين الله في كل العصور، وأن هذا الإسلام أنزله الله واضحا، وأنه لا اختلاف فيه إلا بسبب البغي، وأن هذا الإسلام الذي أنزله الله على محمد ﷺ هذا شأنه، بل هو معجزات واضحات، وأن من يكفر به فإنه باغ ظالم غير مقبول، وأن الله سيحاسبه.
فإذا كان هذا هو الشأن فكل مناقشة في الإسلام ظالمة، ومن ثم فإن على رسول الله ﷺ والمسلمين أن يعلنوا إسلامهم لله أمام أي حجاج وأن يدعوا غيرهم إلى الإسلام؛ ثم يقرر الله- أن الكافرين إن أسلموا فقد اهتدوا، وإن أعرضوا فليس على الرسول من إثمهم شئ. إذا أدى الرسالة، والله مطلع عليهم، وعلى أعمالهم وأعمال عباده كلهم وسيجازيهم.
هذه معاني الفقرة الأولى بإجمال.
ولنتذكر ما ورد في الفقرة الأولى من مقدمة سورة البقرة: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ.
وهاهنا يقول : فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا
стр. 686
الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ.
فالفقرة هنا تعلمنا كيف نهتدي بالقرآن، بالتسليم له والإيمان بآياته، وبعدم الاختلاف فيه، وتعلمنا كيف ندعو إلى هذا الإسلام، وكيف نقابل المحاجة فيه.
والفقرة الثانية في هذا المقطع هي:
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ....
فالفقرة الثانية في هذا المقطع تحدثنا عن أخلاقية الكافرين الذين يكفرون بالآيات، ويقتلون الأنبياء والعلماء، وتحدثنا عن العذاب المعد لهم، وتحدثنا عن نموذج من الناس، وموقفهم الرافض من الإنذار وسبب هذا الموقف.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ .. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ ....
وتنتهي الفقرة بآية واعظة لهؤلاء:
فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ.
وهكذا نرى أنه في الفقرة الأولى والثانية في هذا المقطع نوع تفصيل لما ورد في مقدمة سورة البقرة وعلى نفس الترتيب. فالفقرة الأولى لها صلة بالمتقين، والفقرة الثانية في الكافرين، ولا نلاحظ كلاما عن المنافقين هنا، كما ورد في مقدمة سورة البقرة، لأن النفاق كفر، ولكنا نرى في الفقرة الثالثة قوله تعالى:
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ. فههنا نهي عن السير في طريق النفاق.
إن الفقرة الثالثة يتوجه فيها الخطاب لرسول الله ﷺ بكلمة (قل) أربع مرات.
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ ....
قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ ....
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ....
стр. 687
قُلْ: أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ.
فبعد التفصيل في أن الدين عند الله الإسلام، وبعد التفصيل في مواقف الكافرين، تأتي هذه الإعلانات الأربعة لتحدد لأهل الإيمان مواقفهم، ولتعلمهم صفحة من هداية الله لهم، في كتابه، يقابلون بها مواقف الكافرين، ويرتقون بها إلى مقامات المتقين.
انتهى المقطع الأول بإعلان شهادة الله على أنه قائم بالقسط؛ ليأتي هذا المقطع معلنا أن الله القائم بالقسط لا يقبل دينا إلا الإسلام. فذلك هو العدل الخالص ثم يسير المقطع ليحدثنا عن الكافرين الذين يقتلون الذين يأمرون الناس بالقسط، ثم يسير المقطع ليأمر الرسول ﷺ أن يعلن، وأن يعرف على أمور بدونها لا يكون إسلام. فالمقطع يرتبط مع المقطع السابق الذي يحدثنا عن وحدانية الله، وقيوميته، وعزته، وحكمته، بوشائج كثيرة، فهو استمرار له وتفصيل لما تقتضيه الوحدانية والقيومية والعزة والحكمة، من مظاهر العبودية له- ﷻ معرفة وتسليما ومحبة وطاعة، وكما أن المقطع الأول تحدث عن الكتاب، والاهتداء به في فقرته الأولى، ثم تحدث عن الكافرين في فقرته الثانية، ثم ذكر تزيين الحياة الدنيا وشهواتها، وهي القاطعة عن الطريق.
فإن هذا المقطع تحدث عن الاهتداء بالقرآن، وذلك بالإسلام لله في فقرته الأولى، وتحدث عن الكافرين في فقرته الثانية، وتحدث في فقرته الثالثة عن معان تزيل الغشاوات عن الأعين، فترفع الهمة نحو السير في الإسلام، فلا شئ يحول دون السير في طريق الله، كحب الجاه، والحرص على الرزق:
فتأتي الفقرة الثالثة وفيها:
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ .. وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ.
قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ....
كما أن في الفقرة تحطيما للدعاوى، وتحديدا للطريق:
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ....
قُلْ: أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ....
стр. 688
ولقد رأينا في مقدمة سورة البقرة قوله تعالى:
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ.
وواضح أنه بنهاية هذا المقطع، ينتهي القسم الأول من السورة، لأنه يأتي بعد ذلك كلام عن زكريا ويحيى وعيسى ﵈، فنحن بذلك الكلام أمام قسم جديد، وكأن القسم الأول؛ مقدمة له بل هو مقدمة للسورة كلها، بدليل ما سنراه من ارتباط أقسام السورة كلها، بهذا القسم وختم السورة بمعان مرتبطة به.
وفيما بين قوله تعالى قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ ... وقوله تعالى: قُلْ: إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ. يأتي قوله تعالى:
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وذلك لأن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين أثر عن الحرص على الحياة والرزق، فأعلن الله أن الحياة والرزق بيده، ولأن النفاق شئ قلبي، حذر الله أنه يعلم خفايا الأنفس، وهكذا جاء النهي بين تذكيرين، ومن هنا نعلم الحكمة في وجود هذا النهي في محله.
إنه لم يأت مباشرة بعد الفقرة الأولى والثانية اللتين تحدثتا عن الإسلام والكفر، إنه لم يأت بعد ذلك مباشرة، بل جاء متأخرا بعد درس من التعريف على الله، ليأخذ محله في مشاعر المسلمين وقلوبهم وضمائرهم.
قلنا من قبل: إن سورة آل عمران تفصل في مقدمة سورة البقرة، وامتدادات معاني هذه المقدمة.
فلنلاحظ الآن ما يلي: في مقدمة سورة البقرة ورد قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ.
ومن امتدادات هذا النص في سورة البقرة ما رأيناه من دعوة لبني إسرائيل فيها:
وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ. وقد رفض بنو إسرائيل الدعوة إلا من رحم الله وجاء في سورة البقرة أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا وفي ذلك السياق جاء قوله تعالى فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا .... ثم جاءت الآية اللاحقة: وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً ... كل ذلك جاء في سورة البقرة وهو امتداد لبعض ما جاء
стр. 689
في مقدمتها:
وفي هذا المقطع من سورة آل عمران، يعجب الله من هؤلاء الذين يرفضون هذه الدعوة أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ. وهاهنا يعلل بأن سر هذا الموقف ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ. فههنا تعليل مباشر لسر موقفهم من الدعوة وهو هذا الاعتقاد فبينما فهمنا في سورة البقرة من السياق بشكل غير مباشر أن سر مواقفهم هو اعتقادهم الباطل هذا فإننا هنا نفهمه بشكل مباشر.
ولقد رأينا في سورة البقرة أن من أسباب تحريف أهل الكتاب لكلام الله حبهم الدنيا، وأخذهم إياها، ومن ثم نلاحظ في هذا المقطع أنه قد جاء قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ .. تطهيرا للنفس البشرية، أن تطلب رزق الله في معصية الله، والكفر به.
ولعل في هذا القدر كله كفاية في التعريف بالمقطع ومحله في سياق السورة، ومحله في السياق القرآني العام، ثم في التعريف على تسلسل معانيه، فلنعرض فقراته:
الفقرة الأولى:
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ* فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ.
المعنى العام: في هذا النص إخبار من الله تعالى، بأن لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام. وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به، والاستسلام لله فيه قولا وعملا واعتقادا. ثم أخبر تعالى بأن الذين أوتوا الكتاب الأول، إنما اختلفوا بعد ما قامت عليهم الحجة بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم: سواء فيما بين أهل الكتاب الواحد منهم، أو بين أهل كتاب وكتاب بسبب بغي بعضهم على بعض. فاختلفوا في الحق بتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بغض البعض الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله وإن كانت حقا. ثم بين الله أن من جحد ما أنزل الله في كتابه فإن الله سيجازيه ويحاسبه على تكذيبه ويعاقبه على مخالفة كتابه، وإذ تتقرر حقيقة
стр. 690
الإسلام وحقيقة الاختلاف فيه من قبل، فإن الله- يوجه رسوله أنه في حالة محاجة أهل الكتاب له في الإسلام المنزل عليه، وهو خاتم رسل الله المرسل إلى العالمين الذي ألزم الله كل الخلق باتباعه، فإن عليه أن يعلن أنه هو وأتباعه مسلمون وجوههم لله، مخلصون لله عبادتهم. هذا هو الرد الوحيد عليهم، إعلان الإسلام لله ثم دعوتهم إليه فقد أمر الله رسوله ﵇ أن يدعو إلى طريقه ودينه والدخول في شرعه وما بعثه الله به الكتابيين والأميين من المشركين، ثم بين تعالى أنهم إن
أسلموا وتابعوا اهتدوا، وإن أصروا على ما هم عليه فليس على رسول الله ﷺ إثم في ذلك، إذ عليه البلاغ وقد قام به، وعلى الله حسابهم، وإليه مرجعهم ومآلهم، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، وهو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة. وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلوات الله عليه إلى جميع الخلق كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكما دل عليه الكتاب والسنة في غير ما آية:
وفي هذا النص بيان أن الإسلام هو الاستسلام لله فيما أنزل، وأن الاختلاف فيما ينزل سببه البغي. فكأن النص يأمر المسلمين أن يستسلموا لله في كتابه- ولرسوله في هديه- وألا يحملهم البغي فيما بينهم على الاختلاف فيه، كما يبين الموقف الأكمل من غير المسلمين إذا أصروا على الرفض واللجاج. وهكذا يكمل هذا النص أدب المسلم مع الكتاب: عمل بالمحكم، واستسلام لله في المتشابه، وعدم الاختلاف فيه بغيا.
المعنى الحرفي:
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ: إن الدين المقبول عند الله هو الإسلام في كل زمان، وفي كل مكان. وهو الاستسلام لله فيما بعث به رسله من دين هو الإسلام الذي آخر نسخة منه هو الإسلام الذي أنزله الله على محمد ﷺ وجعله ناسخا وخاتما وكلف به العالمين. وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من اليهود والنصارى فيما بينهم، وفيما بين بعضهم بعضا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ الواضح المتضح الذي لا شبهة فيه ولا غموض. بَغْياً بَيْنَهُمْ أي حسدا بينهم، وطلبا منهم للرئاسة، وحظوظ الدنيا، واستتباع كل فريق ناسا. أي ما كان اختلافهم إلا أثرا عن ظلمهم بسبب هذه الأشياء، وإلا فالحق أوضح من أن يختلف فيه. وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ أي بحججه ودلائله، فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ أي سريع المجازاة.
فَإِنْ
стр. 691
حَاجُّوكَ أي فإن جادلوك في أن دين الله الإسلام، أو جادلوك في صحة ما هم عليه، أو جادلوك ليحرفوك عما أنت عليه. فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ فقل: أنا وأتباعي أخلصنا أنفسنا وجملتنا لله لم نجعل فيها لغيره شريكا. وهذا يفيد أن ما هو عليه، ومن معه من المؤمنين هو اليقين الذي لا شك فيه. فما معنى المحاجة فيه؟! كما يفيد أن الإسلام هو هذا.
وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ من اليهود والنصارى وَالْأُمِّيِّينَ الذين لا كتاب لهم. أَأَسْلَمْتُمْ هذا استفهام يراد به الأمر، أي أسلموا، فقد جاءكم من البينات ما يقتضي حصول الإسلام منكم. فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا أي فإن دخلوا في الإسلام فقد أصابوا الرشد، حيث خرجوا من الضلال إلى الهدى. وَإِنْ تَوَلَّوْا أي وإن رفضوا وأعرضوا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ فما عليك إلا أن تبلغ الرسالة، وتنبه على طريق الهدى. وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ فيجازيهم على إسلامهم وكفرهم.
فائدة:
- من الأحاديث الدالة على عموم بعثته ﵇ لجميع الخلق، ما رواه الإمام مسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة- أي أمته أمة الدعوة، وهم جميع الخلق- يهودي ولا نصراني ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار». وقال ﵇: «بعثت إلى الأحمر والأسود» وقال: «كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة».
الفقرة الثانية ونعرضها على مراحل:
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ* أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ.
المعنى العام:
بعد أن بين الله- في المجموعة الأولى أن الدين عنده الإسلام وأن على
стр. 692
جميع الخلق الدخول فيه، وأن على أهله أن يثبتوا عليه. بين هنا ما أعده للرافضين الدخول في هذا الإسلام. الذين يقتلون الأنبياء، ويقتلون دعاة الحق. وأمر رسوله ﵇ أن يبشر هؤلاء بالعذاب الأليم، وبحبوط العمل في الدنيا والآخرة، وأنهم لا ناصر لهم. وأول ما ينطبق عليهم هذا، اليهود، فهم الذين اجتمعت لهم هذه الخصال على أقبح ما يكون، ويدخل في التهديد كل من كان كذلك. ويفهم من هذه الآيات أن الكفر بآيات الله يرافقه الجرأة على الأنبياء والعلماء ودعاة الحق.
المعنى الحرفي
إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ أي بحججه ودلائله، وما خلق، وما أنزل من البينات وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ القسط: العدل، والعدل هو حكم الله لا غير فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ أي مؤلم:
أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ أي ضاعت فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ. فاستحقوا اللعنة في الدنيا، والعذاب في الآخرة. وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ. ينصرونهم في الدنيا والآخرة من عذاب الله.
فوائد:
١ - قتل الذين يأمرون بالقسط من الناس أثر من آثار الكبر فقد عرف رسول الله ﷺ الكبر في الحديث الصحيح فقال: «الكبر بطر الحق وغمط الناس».
وهؤلاء رفضوا الحق وقتلوا أهله، وهذا منتهى الكبر و «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر».
٢ - أخرج ابن أبي حاتم عن أبي عبيدة بن الجراح قال: «قلت يا رسول الله: أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: رجل قتل نبيا، أو من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ثم قرأ رسول الله ﷺ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ... الآية ثم قال رسول الله ﷺ يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة وسبعون رجلا من بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف، ونهوهم عن المنكر، فقتلوهم جميعا من آخر النهار من ذلك اليوم فهم الذين ذكر الله ».
стр. 693
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ* ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ* فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ.
المعنى العام:
في هذا النص إنكار على اليهود والنصارى المتمسكين- فيما يزعمون- بكتابيهم اللذين بأيديهم وهما التوراة والإنجيل، وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما من اتباع محمد ﷺ ، تولوا وهم معرضون عنهما، وهذا في غاية ما يكون من ذمهم وفضحهم بذكرهم بالمخالفة والعناد.
ثم بين الله تعالى أنه إنما حملهم وجرأهم على مخالفة الحق افتراؤهم على الله فيما ادعوه لأنفسهم أنهم إنما يعذبون في النار أياما قليلة، فهذا الذي يثبتهم على دينهم الباطل، وإنما هو افتراء افتروه، واختلاق لم ينزل الله به سلطانا، خدعوا به أنفسهم.
ثم هددهم الله ، وتوعدهم بعد أن افتروا على الله، وكذبوا رسله، وقتلوا أنبياءه، وقتلوا العلماء من قومهم الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر. بأنه سائلهم عن ذلك كله، وحاكم عليهم، ومجازيهم به إذا جمعهم ليوم لا شك في وقوعه، فيه توفى كل نفس كسبها دون أن تظلم شيئا.
المعنى الحرفي:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ أي حظا من التوراة. يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ أي التوراة. لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ.
وهذا التولي والإعراض عجيب منهم إذ علموا أن الرجوع إلى كتاب الله واجب، ولكنهم قوم الإعراض حالهم وديدنهم.
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ أي ذلك التولي والإعراض بسبب تسهيلهم على أنفسهم أمر العقاب، وطمعهم في الخروج من النار بعد أيام قلائل من دخولها، أربعين يوما، أو سبعة أيام وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ أي غرهم افتراؤهم على الله. يكذبون على الله، ثم يصدقون كذبهم.
فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ أي فكيف يكون حالهم في ذلك الوقت يوم يجمعهم الله يوم القيامة وهو اليوم الذي لا شك فيه. وَوُفِّيَتْ
стр. 694
كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ أي وجوزيت كل نفس جزاء ما عملت وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ بزيادة في سيئاتهم أو نقصان في حسناتهم.
فائدة:
أنكر الله- على من إذا دعي إلى كتاب الله تولى ورفض فههنا إذن تأديب من الله لنا، أن إذا دعينا إلى كتاب الله أن نقبل ونقبل ثم بين الله- علة الرفض، وهي التصور الخاطئ لموضوع العقاب، لموضوع اليوم الآخر. إذا أدركنا هذا، أدركنا الصلة بين هذه المجموعة من الآيات، وما قبلها، إذ الجميع مرتبط بالموقف الصحيح من كتاب الله. فإذا أنكر الله على من يرفض الاحتكام إلى التوراة فكيف بمن يرفض الاحتكام إلى القرآن أعظم كتب الله.
الفقرة الثالثة ونعرضها على مراحل:
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ. لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
المعنى العام:
يقول ﵎ آمرا رسوله ﷺ أن يكون معظما لربه وشاكرا ومفوضا أمره إليه ومتوكلا عليه، ومعترفا له بأن الملك كله له يؤتيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، فهو المعطي وهو المانع والمتصرف في خلقه بما يشاء، والفعال لما يريد، بيده الخير كله، وهو القادر على كل شئ. ومن مظاهر قدرته إدخال الليل في النهار والنهار في الليل. فترى هذا يزيد، وهذا ينقص على منتهى الدقة والكمال. ومن مظاهر قدرته، رزق من شاء، كما شاء. ثم نهى ﵎ عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين، وأن يتخذوهم أولياء يسرون إليهم بالمودة، وبين ﷻ أن من يرتكب نهي الله هذا فقد برئ من الله إلا من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه وقلبه. ثم حذرنا الله نقمته في
стр. 695
مخالفته، وسطوته وعذابه لمن والى أعداءه وعادى أولياءه. ثم أن إليه المرجع والمنقلب ليجازي كل عامل بعمله.
المعنى الحرفي:
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ. أي: قل يا الله، يا مالك الملك. تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ. أي: تعطي من تشاء ما قسمت له من الملك وتنزعه ممن تشاء وَتُعِزُّ مَنْ
تَشاءُ
بإعطائه الملك والجاه وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بنزع الملك والجاه منه. بِيَدِكَ الْخَيْرُ تؤتيه من تشاء، وتمنعه عمن تشاء إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. ولا يقدر على شئ أحد غيرك إلا بإقدارك.
تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ، وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ الإيلاج: إدخال الشئ بالشئ، أي تأخذ من طول هذا فتزيده في قصر هذا فيعتدلان، ثم تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان، ثم يعتدلان، وهكذا في فصول السنة ربيعا وصيفا، وخريفا وشتاء. وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ. أي: تخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والحياة من الأرض، وتميت الأحياء. وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ. أي: تعطي من شئت من المال ما لا يعده ولا يقدر على إحصائه حتى لا يعرف عدده ومقداره. وإن كان معلوما عند الله تعالى.
لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ هذا نهي للمؤمنين، أن يوالوا الكافرين لقرابة أو صداقة، أو منفعة، أو رغبة، أو رهبة.
وأفاد قوله: مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ بأن للمؤمنين في موالاة بعضهم مندوحة عن موالاة الكافرين، فلا يؤثرون عليهم. وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ أي ومن يوال الكفرة فليس من ولاية الله في شئ، لأن موالاة الولي وموالاة عدوه متنافيان. إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً قال ابن كثير: أي إلا من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته كما قال البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: «إنا لنبش في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم» وقال البخاري، قال الحسن: التقية إلى يوم القيامة. وقال النسفي في معنى الاستثناء: «إلا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه، أي إلا أن يكون للكافر عليك سلطان فتخافه على نفسك ومالك فحينئذ يجوز لك إظهار الموالاة وإبطان العداوة» وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ أي يحذركم نقمته في مخالفته، وسطوته وعذابه لمن والى أعداءه، وعادى أولياءه. وَإِلَى
стр. 696
اللَّهِ الْمَصِيرُ. أي وإلى الله مصيركم ومرجعكم والعذاب معد لديه.
فوائد:
١ - روى الطبراني عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في هذه الآية من آل عمران: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
٢ - ما الصلة بين هذه الآيات وما قبلها وما بعدها؟
أ- بين الله- في الآيات السابقة على هذه الآيات كيف أن أهل الكتاب إذا دعوا إلى كتاب الله تولوا، وأعرضوا، وسبب التولي والإعراض عدم اعترافهم وتسليمهم لله بأنه المعز، المذل، المالك، القادر، المغني، فلو رأوا بقلوبهم لله هذا، وسلموا، لم يمنعهم حسد عن قبول الحق أنى كان. ومن ثم أمرنا نحن أن نقر لله بهذا. وكما أمرنا أن نقر لله بهذا، أمرنا ألا نوالي الكافرين الذين يستكبرون عن اتباع الحق وقبوله.
ب- في الآيات السابقة على هذه الآيات، وضعنا الله- على طريق الاتباع الكامل، والتسليم الكامل لآيات الله، والمفاصلة الكاملة لأعداء الله، والإخبات لله، وهذا كله يقتضي معرفة كاملة بالله، بأنه مالك الملك، المعطي المانع، المعز المذل، حتى لا يحرفنا ملك، أو رزق، أو عز، أو ذل لنا أو لغيرنا عن الاستقامة على أمر الله، وقد نهينا عن موالاة الكافرين بعد ذلك في هذا السياق، طلبا لجاه، أو ملك، أو عز، أو خوفا من ذل أو فقر. لأن الله هو الذي يعطي هذا كله. فعلينا أن نستقيم على أمره ونترك له- ﷻ أمر تدبير أمورنا.
قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً، وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ.
стр. 697
المعنى العام:
يخبر ﵎ عباده أنه يعلم السرائر والضمائر والظواهر، وأنه لا يخفى عليه منهم خافية، بل علمه محيط بهم في سائر الأحوال والأزمان والأيام واللحظات، وجميع الأوقات، وجميع ما في الأرض والسموات، لا يغيب عنه مثقال ذرة، ولا أصغر من ذلك في جميع أقطار الأرض والبحار والجبال، وقدرته نافذة في جميع ذلك. وهذا تنبيه منه لعباده على خوفه وخشيته، لئلا يرتكبوا ما نهى عنه، وما يبغضه منهم، فإنه عالم بجميع أمورهم وهو قادر على معاجلتهم بالعقوبة، وإن انظر من انظر منهم، فإنه يمهل ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر.
ثم ذكرنا الله بيوم القيامة، يوم يحضر للعبد جميع أعماله من خير أو شر فما رأى المكلف من أعماله حسنا سره ذلك، وأفرحه، وما رأى من قبيح ساءه وغصه، وود لو أنه تبرأ منه، وأن يكون بينه وبينه أمد بعيد. ثم أخبرنا تعالى مؤكدا ومهددا، ومتوعدا أنه يخوفنا عقابة وانتقامه فلنحذر. ولئلا ييأس عباده، ويقنطوا من لطفه، فإنه ذكرهم برأفته بعباده ورحمته بخلقه قال الحسن البصرى: من رأفته بهم حذرهم نفسه. وقال غيره رحيم يحب لهم أن يستقيموا على صراطه المستقيم، ودينه القويم، وأن يتبعوا رسوله الكريم.
المعنى الحرفي:
قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ .. من ولاية الكفار أو غيرها، مما لا يرضي الله أَوْ تُبْدُوهُ أي أو تظهروه يَعْلَمْهُ اللَّهُ أي لم يخف عليه، وهو وعيد بليغ.
وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لا يغيب عنه مثقال ذرة فيهما. وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. ومن ذلك عقوبتكم.
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً. أي: يوم القيامة تجد كل نفس خيرها وشرها حاضرين، تتمنى لو أن بينها وبين ذلك اليوم، وأهواله، مسافة بعيدة. وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ كرر الإنذار والتحذير، ليكون على بال منهم لا يغفلون عنه وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ فهو مع كونه محذورا لكمال قدرته، فإنه مرجو لسعة رحمته، ومن رأفته أن حذرهم نفسه حتى لا يتعرضوا لسخطه.
فائدة:
هاتان الآيتان فيهما تطهير للنفس أن يكون فيها في الظاهر أو الباطن، ما يخالف أمر
стр. 698
الله فإذا نظرنا إلى هذا المعنى على ضوء الآية الأولى في المقطع، وهي قوله تعالى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ عرفنا أن هاتين الآيتين تطلبان منا أن تكون ظواهرنا وبواطننا مسلمة لله، ثم هما قد جاءتا بعد النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء، ففيهما تطهير للنفس من أي ولاء قلبي.
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
المعنى العام:
هذه الآية الكريمة حاكمة على من ادعى محبة الله- وليس هو على الطريقة المحمدية- فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي، والدين الإسلامي في جميع أقواله، وأفعاله. ولذلك بين الله- في هذه الآية أن علامة محبة الله اتباع رسول الله ﷺ ، فمن فعل ذلك كافأه الله عليه بمحبته له، ومغفرته ذنوبه، ومن شأن الله- أن يغفر لمن يستحق المغفرة، ويرحم من يستحق الرحمة.
المعنى الحرفي:
قال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ اهـ. ومحبة العبد لله إيثار طاعته على أي شئ آخر، ومحبة الله لعبد أن يرضى عنه، ويحمد فعله. وقد جعل الله في هذه الآية علامة محبته اتباع رسوله في دينه، وأقواله، وأفعاله، وأحواله، إلا ما خص منها. فمن ادعى محبة الله ولم يكن مسلما، ومتابعا فهو كذاب، يكذبه كتاب الله. قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي فهذه علامة محبة الله، ومغفرته ..
يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. غفور لمن تابع، رحيم بمن تابع.
فائدة:
- قال ﵇: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد».
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ.
المعنى العام:
стр. 699
هذا أمر لكل أحد من خاص وعام أن يطيع الله في كتابه، وأن يطيع رسول الله بمتابعته فمن خالف وأعرض، ورفض ولم يذعن، فإنه كافر، والله لا يحبه، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب لله، ويتقرب إليه، دل هذا على أن مخالفة رسول الله ﷺ في الطريقة كفر، وأن متابعته ﵇ هي الطريق، وأنه لو كان الأنبياء، والمرسلون في زمانه ما وسعهم إلا اتباعه، والدخول في طاعته، واتباع شريعته.
المعنى الحرفي:
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ بطاعة كتابه، وَالرَّسُولَ بطاعته في حياته وطاعة سنته بعد وفاته وبمتابعته في الأقوال والأفعال والأحوال. فَإِنْ تَوَلَّوْا أي أعرضوا عن قبول الطاعة فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ أي فمن أعرض عن قبول الطاعة فإنه كافر والله لا يحبه.
فوائد حول السياق:
١ - إن الصلة ما بين هاتين الآيتين الأخيرتين، والمقطع كله، واضحة. فالله في بداية المقطع أعلن أن الدين المقبول عنده هو الإسلام، وهاهنا بين أن هذا الإسلام المقبول عنده هو المتابعة لرسوله، وطاعة كتابه، وطاعة رسوله ﵊، وما سوى ذلك كفر، وليس بإسلام، وما سوى ذلك غير مقبول عنده.
٢ - وما الصلة ما بين هذا المقطع والذي قبله؟.
رأينا أن المقطع الأول يدور حول أن من آثار ألوهية الله تعالى وقيوميته، إنزال الكتب ليقوم العدل، ويقف الناس عند الحدود، ويهتدوا. وفي هذا المقطع يطالب الخلق بالإسلام له فيما أنزل، ومتابعة رسوله الذي أرسل، فهذا المقطع استمرار للمقطع الأول. ومما يشهد على الصلة بين المقطعين، ما ذكرناه من قبل. قراءة ابن عباس لبداية المقطع الثاني بفتح همزة إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ فيكون الربط على هذه القراءة ما بين هذا المقطع والذي قبله على أشده إذ يكون التقدير: (شهد الله أنه لا إله إلا هو .. شهد الله أن الدين عند الله الإسلام).
٣ - كنا ذكرنا أن سورة آل عمران إنما هي تفصيل لما أجمل في مقدمة سورة البقرة، وكنا سجلنا ملاحظة، هي: كما أنه في مقدمة سورة البقرة عقبت صفات الكافرين صفات المتقين، فإن في سورة آل عمران في كل من المقطعين اللذين يشكلان القسم الأول من السورة قد عقب الكلام عن الكافرين الكلام عن المتقين.
стр. 700
٤ - لقد قلنا: إن هذين المقطعين من آل عمران يفصلان في مقدمة سورة البقرة، ففي هذين المقطعين أوضح الله- أن إنزال الكتب أثر عن ألوهيته وقيوميته، وأوضح بعض خصائص هذا القرآن، وكيف ينبغي أن يكون الموقف الصحيح منه، وأوضح أن على الإنسان أن يستسلم لله فيه، وأن يطيع، وأن يتابع، وعرض ما يقابل ذلك، وما يلازمه، وما يترتب عليه، والمواقف المقابلة، والمشاعر المساعدة، والأقوال التي ينبغي أن يقولها أهل الإيمان لغيرهم مما مر معنا.
وإذا كان المقطعان السابقان اللذان يشكلان القسم الأول قد فصلا على الأخص في قوله تعالى: الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وما يقابل ذلك من الكفر، فإن القسم الثاني الذي سيأتي معنا يقدم لنا صفحة من صفحات الإيمان بالغيب المذكور في مقدمة سورة البقرة الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وما يقابل ذلك من كفر الكافرين، أو ضلال الضالين، ومناقشة هؤلاء في ضلالهم. وكنا ذكرنا في تفسير مقدمة سورة البقرة أن قوله تعالى وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ إنما هو تفصيل لبعض ما أجمل في قوله تعالى الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وهاهنا نجد مصداق ذلك.
كلمة في السياق:
صحح القسم الأول مفاهيم كثيرة، وأعطى تعليمات كثيرة، ووضع الأمور في نصابها في أمور كثيرة: وعرفنا على الله- ﷻ ، وصحح في هذا أخطاء وقع فيها العقل البشري، ومن أخطر ما وقع به العقل البشري من أخطاء، تصوره أن الله- لا يتدخل في شئون خلقه سلبا أو إيجابا، وهي الفكرة التي استقرت على الصيغة التي تعبر عن نفسها بمبدإ فصل الدين عن الدولة.
إن معرفتنا بوحدانية الله وقيوميته تنسف هذه الفكرة وأمثالها من الأساس. لقد عرفنا الله أنه أنزل كتبا، وأنه هو الذي أنزل القرآن على محمد ﷺ وأنه امتحن خلقه بأن جعل القرآن محكما ومتشابها، وذلك من مظاهر عزته وحكمته، وأن النجاح في هذا الامتحان يظهر باتباع المحكم، وبالتسليم لله بالمتشابه.
وعرفنا القسم أن الله لا يقبل دينا إلا الإسلام، وأن من عقيدة المسلم أن يعرف الله أنه مالك الملك، وأنه الرزاق، وأنه العليم، وأن محبته طريقها متابعة محمد ﷺ وأن على
стр. 701
كل إنسان طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ .
وخلال ذلك كان كلام عن الكفر والكافرين، ومواقفهم وأسبابها. وتم القسم بعد أن وضح أمورا كثيرة رأيناها.
والآن يأتي قسم جديد، يضع الأمور في مواضعها في قضية المسيح ابن مريم وأمه، ليكون القسم الأول والثاني مقدمتين لفتح حوار شامل مع أهل الكتاب، وذلك مضمون القسم الثالث في السورة لتكون الأقسام الثلاثة في السورة بعد ذلك بمثابة مقدمة كبيرة لتوجيهات مباشرة لأهل الإيمان.
إن القسم الأول فى السورة، وهو ما مر معنا كان بمثابة مقدمة للقسم الثاني كما سنرى، والقسم الأول والثاني هما بمثابة المقدمتين للقسم الثالث. والأقسام الثلاثة هي بمثابة التوطئة للقسمين الأخيرين في السورة وكل ذلك سنراه.
وقد رأينا كيف أن القسم الأول فصل في مقدمة سورة البقرة وسنرى أن القسم الثاني سيفصل كذلك في مقدمة سورة البقرة. وكل الأقسام في السورة هذا شأنها.
فمحور سورة آل عمران هو مقدمة سورة البقرة، وسورة آل عمران تفصل في هذه المقدمة وامتداداتها، وكما أنها تفصل في ذلك فإن لها سياقها الخاص ووحدتها الكاملة.
ولنختم الكلام عن القسم الأول من سورة آل عمران ب فصول و نقول نكمل بها تفسير القسم.
فصول ونقول:
نقول:
١ - قال الألوسي عن وجه مناسبة سورة آل عمران لسورة البقرة: «ووجه مناسبتها لتلك السورة، أن كثيرا من مجملاتها تشرح بما في هذه السورة، وأن سورة البقرة، بمنزلة إقامة الحجة، وهذه بمنزلة إزالة الشبهة، ولهذا تكرر فيها ما يتعلق بالمقصود الذي هو بيان حقيقة الكتاب، من إنزال الكتاب وتصديقه للكتب قبله، والهدى إلى الصراط المستقيم، وتكررت آية قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ ... بكمالها ولذلك ذكر في هذه ما هو تال لما ذكر في تلك أو لازم له، فذكر هناك خلق الناس، وذكر هنا تصويرهم في الأرحام، وذكر هناك مبدأ خلق آدم، وذكر هنا مبدأ خلق
стр. 702
أولاده؛ وألطف من ذلك أنه افتتح البقرة بقصة آدم وخلقه من تراب ولا أم، وذكر في هذه نظيره في الخلق من غير أب وهو عيسى، ولذلك ضرب له المثل بآدم، واختصت البقرة بآدم لأنها أول السور وهو أول في الوجود وسابق، ولأنها الأصل وهذه كالفرع والتتمة لها فاختصت بالأغرب، ولأنها خطاب لليهود الذين قالوا في مريم ما قالوا، وأنكروا وجود ولد بلا أب، ففوتحوا بقصة آدم لتثبت في أذهانهم فلا تأتي قصة عيسى إلا وقد ذكر عندهم ما يشهد لها من جنسها، ولأن قصة عيسى قيست على قصة آدم والمقيس عليه لا بد وأن يكون معلوما لتتم الحجة بالقياس، فكانت قصة آدم- والسورة التي هي فيها- جديرة بالتقديم.
وقد ذكر بعض المحققين من وجوه التلازم بين السورتين، أنه قال في البقرة في صفة النار: أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ مع افتتاحها بذكر المتقين والكافرين معا، وقال في آخر هذه: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. فكأن السورتين بمنزلة سورة واحدة، ومما يقوي التناسب والتلازم بينهما أن خاتمة هذه مناسبة لفاتحة تلك، لأن الأولى افتتحت بذكر المتقين وأنهم المفلحون، وختمت هذه بقوله تعالى:
وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وافتتحت الأولى بقوله سبحانه الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وختمت آل عمران بقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ
وقد ورد أن اليهود قالوا لما نزل مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ الآية: يا محمد افتقر ربك، يسأل عباده القرض فنزل: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ وهذا مما يقوي التلازم أيضا، ومثله أنه وقع في البقرة حكاية قول إبراهيم: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ الآية وهنا لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ الآية إلى غير ذلك. اهـ كلام الألوسي.
٢ - وفي أسماء سورة آل عمران: قال الألوسي:
« ... وفي صحيح مسلم تسميتها والبقرة- الزهراوين- وتسمى الأمان والكنز والمغنية والمجادلة وسورة الاستغفار».
٣ - من تقديم صاحب الظلال لتفسير سورة آل عمران:
«ولا يتم التعريف المجمل بهذه السورة حتى نلم بثلاثة خطوط عريضة فيها، تتناثر
стр. 703
نقطها في السورة كلها، وتتجمع وتتركز في مجموعها حتى ترسم هذه الخطوط العريضة بوضوح وتوكيد ... ».
«أول هذه الخطوط بيان معنى «الدين» ومعنى «الإسلام» .. فليس الدين- كما يحدده الله- سبحانه- ويريده ويرضاه- هو اعتقاد في الله فحسب .. إنما هو صورة واحدة من صور الاعتقاد فيه- سبحانه- صورة التوحيد المطلق الناصع القاطع: توحيد الألوهية التي يتوجه إليها البشر كما تتوجه إليها سائر الخلائق في الكون بالعبودية. وتوحيد القوامة على البشر وعلى الكون كله، فلا يقوم شئ إلا بالله تعالى، ولا يقوم على الخلائق إلا الله تعالى. ومن ثم يكون الدين الذي يقبله الله من عباده هو «الإسلام» وهو في هذه الحالة: الاستسلام المطلق للقوامة الإلهية، والتلقي من هذا المصدر وحده في كل شأن من شئون الحياة، والتحاكم إلى كتاب الله المنزل من هذا المصدر، واتباع الرسل الذين نزل عليهم الكتاب. وهو في صميمه كتاب واحد، وهو في صميمه دين واحد .. الإسلام .. بهذا المعنى الواقعي في ضمائر الناس وواقعهم العملي على السواء.
والذي يلتقي عليه كل المؤمنين أتباع الرسل .. كل في زمانه .. متى كان معنى إسلامه هو الاعتقاد بوحدة الألوهية والقوامة، والطاعة والاتباع في منهج الحياة كله بلا استثناء ...
فأما الخط الثاني الذي يركز عليه سياق السورة فهو تصوير حال المسلمين مع ربهم واستسلامهم له، وتلقيهم لكل ما يأتيهم منه بالقبول والطاعة والاتباع الدقيق ..
والخط الثالث العريض في سياق السورة هو التحذير من ولاية غير المؤمنين، والتهوين من شأن الكافرين مع هذا التحذير، وتقرير أنه لا إيمان ولا صلة بالله مع تولي الكفار الذين لا يحتكمون لكتاب الله، ولا يتبعون منهجه في الحياة ... ». اهـ.
٤ - عند قوله تعالى لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ يقول صاحب الظلال:
«هكذا .. ليس من الله في شئ. لا في صلة ولا نسبة، ولا دين ولا عقيدة، ولا رابطة ولا ولاية .. فهو بعيد عن الله، منقطع الصلة تماما في كل شئ تكون فيه الصلات.
ويرخص فقط بالتقية لمن خاف في بعض البلدان والأوقات .. ولكنها تقية اللسان لا
стр. 704
ولاء القلب ولا ولاء العمل. قال ابن عباس ﵄ «ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان» .. فليس من التقية المرخص فيها أن تقوم المودة بين المؤمن والكافر- والكافر هو الذي لا يرضى بتحكيم كتاب الله في الحياة على الإطلاق، كما يدل السياق هنا ضمنا وفي موضع آخر من السورة تصريحا- كما أنه ليس من التقية المرخص بها أن يعاون المؤمن الكافر بالعمل الكفري أو الآثم في صورة باسم التقية. فما يجوز هذا الخداع على الله»؟. وفي الآية نفسها يقول الألوسي:
«والمراد أن لا يراعوا أمورا كانت بينهم في الجاهلية، بل ينبغي أن يراعوا ما هم عليه الآن مما يقتضيه الإسلام من بغض وحب شرعيين يصح التكليف بهما، وإنما قيدنا بذلك لما قالوا: إن المحبة لقرابة أو صداقة قديمة أو جديدة خارجة عن الاختيار معفوة ساقطة عن درجة الاعتبار، وحمل الموالاة على ما يعم الاستعانة بهم في الغزو مما ذهب إليه البعض. ومذهبنا- وعليه الجمهور- أنه يجوز ويرضخ لهم لكن إنما يستعان بهم على قتال المشركين لا البغاة على ما صرحوا به، وما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: خرج رسول الله ﷺ لبدر فتبعه رجل مشرك كان ذا جراءة ونجدة. ففرح أصحاب النبي ﷺ حين رأوه، فقال له النبي ﷺ : «ارجع فلن أستعين بمشرك» فمنسوخ بأن النبي ﷺ استعان بيهود بني قينقاع ورضخ لهم واستعان بصفوان بن أمية في هوازن، وذكر بعضهم جواز الاستعانة بشرط الحاجة والوثوق، أما بدونهما فلا تجوز. وعلى ذلك يحمل خبر عائشة، وكذا ما رواه الضحاك عن ابن عباس في سبب النزول- وبه يحصل الجمع بين أدلة المنع وأدلة الجواز- على أن بعض المحققين ذكر أن الاستعانة المنهي عنها إنما هي استعانة الذليل بالعزيز، وأما إذا كانت من باب استعانة العزيز بالذليل فقد أذن لنا بها، ومن ذلك اتخاذ الكفار عبيدا وخدما، ونكاح الكتابيات منهم وهو كلام حسن كما لا يخفى.
ومن الناس من استدل بالآية على أنه لا يجوز جعلهم عمالا ولا استخدامهم في أمور الديوان وغيره، وكذا أدخلوا في الموالاة المنهي عنها السلام والتعظيم والدعاء بالكنية والتوقير بالمجالس، وفي فتاوى العلامة ابن حجر جواز القيام في المجلس لأهل الذمة وعد ذلك من باب البر والإحسان المأذون به في قوله تعالى: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. ولعل الصحيح أن كل ما عده العرف تعظيما وحسبه المسلمون موالاة
стр. 705
فهو منهي عنه ولو مع أهل الذمة، لا سيما إذا أوقع شيئا في قلوب ضعفاء المؤمنين، ولا أرى القيام لأهل الذمة في المجلس إلا من الأمور المحظورة لأن دلالته على التعظيم
قوية وجعله من الإحسان لا أراه من الإحسان كما لا يخفى» اهـ كلام الألوسي.
أقول: هذه الأمور فيها خلاف كثير، ولا بد من التفريق بين الفتوى والورع، ولا بد من التفريق بين حال قوة المسلمين وضعفهم، ولا بد من معرفة أن هناك حدا أعلى طمح إليه الفقهاء، وأن هناك حدا أدنى من أقوال الفقهاء المعتمدين. هو الذي لا يصح الخروج عليه أو النزول عنه، وعلى ضوء ذلك ينبغي أن ننظر إلى ما نقرؤه في كتب الفقه أو في كتب التفسير أو كتب شروح السنة.
والذي أراه في أحوالنا المعاصرة: أن الحركة الإسلامية في عصرنا ينبغي أن تكون دقيقة في تربيتها لعناصرها، وواسعة الأفق في موضوع الطروح السياسية، فتربي عناصرها على الوضع الأكمل والأورع وعلى ما هو الأصل في الأحكام، وتتبنى في مواقفها السياسية ما هو الأصلح والأنسب لعصرنا من مجموع أقوال العلماء أهل الفتوى البصيرة، بما يسع أوضاع عصرنا.
لقد نص كثيرون ممن تكلموا في الأحكام السلطانية على أنه يجوز أن يتولى أهل الذمة وزارة التنفيذ لا التفويض.
ولقد نص فقهاء الحنفية على أنه يجوز بدأ الذمي بالسلام إذا كانت لك إليه حاجة، كما نصوا على جواز القيام للذمي إذا ترتب على ترك القيام له ضرر، وأجازوا مخاطبة الناس بألقابهم الرسمية ما لم يترتب على ذلك إثم إذا كان ترك الخطاب باللقب يترتب عليه ضرر.
وهكذا نجد مثل هذه التفريعات التي ألجأت إليها مسيرة التاريخ الإسلامي وأوضاع المسلمين.
والذي أقوله: إن حق التربية يقتضي منا أن نربي على العزائم والورع، وحق المعركة يقتضي منا أن نختار من أقوال الأئمة ما تقتضيه ظروف معركتنا المعاصرة.
والأمر دقيق وسيأتي في هذا التفسير ما يوضح مثل هذه الشئون وغيرها وأدلة ذلك.
٥ - عند قوله تعالى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ قال الألوسي: