← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

كل إنسان طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ . وخلال ذلك كان كلام عن الكفر والكافرين، ومواقفهم وأسبابها. وتم القسم بعد أن وضح أمورا كثيرة رأيناها. والآن يأتي قسم جديد، يضع الأمور في مواضعها في قضية المسيح ابن مريم وأمه، ليكون القسم الأول والثاني مقدمتين لفتح حوار شامل مع أهل الكتاب، وذلك مضمون القسم الثالث في السورة لتكون الأقسام الثلاثة في السورة بعد ذلك بمثابة مقدمة كبيرة لتوجيهات مباشرة لأهل الإيمان. إن القسم الأول فى السورة، وهو ما مر معنا كان بمثابة مقدمة للقسم الثاني كما سنرى، والقسم الأول والثاني هما بمثابة المقدمتين للقسم الثالث. والأقسام الثلاثة هي بمثابة التوطئة للقسمين الأخيرين في السورة وكل ذلك سنراه. وقد رأينا كيف أن القسم الأول فصل في مقدمة سورة البقرة وسنرى أن القسم الثاني سيفصل كذلك في مقدمة سورة البقرة. وكل الأقسام في السورة هذا شأنها. فمحور سورة آل عمران هو مقدمة سورة البقرة، وسورة آل عمران تفصل في هذه المقدمة وامتداداتها، وكما أنها تفصل في ذلك فإن لها سياقها الخاص ووحدتها الكاملة. ولنختم الكلام عن القسم الأول من سورة آل عمران ب فصول و نقول نكمل بها تفسير القسم. فصول ونقول: نقول: ١ - قال الألوسي عن وجه مناسبة سورة آل عمران لسورة البقرة: «ووجه مناسبتها لتلك السورة، أن كثيرا من مجملاتها تشرح بما في هذه السورة، وأن سورة البقرة، بمنزلة إقامة الحجة، وهذه بمنزلة إزالة الشبهة، ولهذا تكرر فيها ما يتعلق بالمقصود الذي هو بيان حقيقة الكتاب، من إنزال الكتاب وتصديقه للكتب قبله، والهدى إلى الصراط المستقيم، وتكررت آية قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ ... بكمالها ولذلك ذكر في هذه ما هو تال لما ذكر في تلك أو لازم له، فذكر هناك خلق الناس، وذكر هنا تصويرهم في الأرحام، وذكر هناك مبدأ خلق آدم، وذكر هنا مبدأ خلق

стр. 702

أولاده؛ وألطف من ذلك أنه افتتح البقرة بقصة آدم وخلقه من تراب ولا أم، وذكر في هذه نظيره في الخلق من غير أب وهو عيسى، ولذلك ضرب له المثل بآدم، واختصت البقرة بآدم لأنها أول السور وهو أول في الوجود وسابق، ولأنها الأصل وهذه كالفرع والتتمة لها فاختصت بالأغرب، ولأنها خطاب لليهود الذين قالوا في مريم ما قالوا، وأنكروا وجود ولد بلا أب، ففوتحوا بقصة آدم لتثبت في أذهانهم فلا تأتي قصة عيسى إلا وقد ذكر عندهم ما يشهد لها من جنسها، ولأن قصة عيسى قيست على قصة آدم والمقيس عليه لا بد وأن يكون معلوما لتتم الحجة بالقياس، فكانت قصة آدم- والسورة التي هي فيها- جديرة بالتقديم. وقد ذكر بعض المحققين من وجوه التلازم بين السورتين، أنه قال في البقرة في صفة النار: أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ مع افتتاحها بذكر المتقين والكافرين معا، وقال في آخر هذه: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. فكأن السورتين بمنزلة سورة واحدة، ومما يقوي التناسب والتلازم بينهما أن خاتمة هذه مناسبة لفاتحة تلك، لأن الأولى افتتحت بذكر المتقين وأنهم المفلحون، وختمت هذه بقوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وافتتحت الأولى بقوله سبحانه الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وختمت آل عمران بقوله تعالى: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ وقد ورد أن اليهود قالوا لما نزل مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ الآية: يا محمد افتقر ربك، يسأل عباده القرض فنزل: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ وهذا مما يقوي التلازم أيضا، ومثله أنه وقع في البقرة حكاية قول إبراهيم: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ الآية وهنا لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ الآية إلى غير ذلك. اهـ كلام الألوسي. ٢ - وفي أسماء سورة آل عمران: قال الألوسي: « ... وفي صحيح مسلم تسميتها والبقرة- الزهراوين- وتسمى الأمان والكنز والمغنية والمجادلة وسورة الاستغفار». ٣ - من تقديم صاحب الظلال لتفسير سورة آل عمران: «ولا يتم التعريف المجمل بهذه السورة حتى نلم بثلاثة خطوط عريضة فيها، تتناثر

стр. 703

نقطها في السورة كلها، وتتجمع وتتركز في مجموعها حتى ترسم هذه الخطوط العريضة بوضوح وتوكيد ... ». «أول هذه الخطوط بيان معنى «الدين» ومعنى «الإسلام» .. فليس الدين- كما يحدده الله- سبحانه- ويريده ويرضاه- هو اعتقاد في الله فحسب .. إنما هو صورة واحدة من صور الاعتقاد فيه- سبحانه- صورة التوحيد المطلق الناصع القاطع: توحيد الألوهية التي يتوجه إليها البشر كما تتوجه إليها سائر الخلائق في الكون بالعبودية. وتوحيد القوامة على البشر وعلى الكون كله، فلا يقوم شئ إلا بالله تعالى، ولا يقوم على الخلائق إلا الله تعالى. ومن ثم يكون الدين الذي يقبله الله من عباده هو «الإسلام» وهو في هذه الحالة: الاستسلام المطلق للقوامة الإلهية، والتلقي من هذا المصدر وحده في كل شأن من شئون الحياة، والتحاكم إلى كتاب الله المنزل من هذا المصدر، واتباع الرسل الذين نزل عليهم الكتاب. وهو في صميمه كتاب واحد، وهو في صميمه دين واحد .. الإسلام .. بهذا المعنى الواقعي في ضمائر الناس وواقعهم العملي على السواء. والذي يلتقي عليه كل المؤمنين أتباع الرسل .. كل في زمانه .. متى كان معنى إسلامه هو الاعتقاد بوحدة الألوهية والقوامة، والطاعة والاتباع في منهج الحياة كله بلا استثناء ... فأما الخط الثاني الذي يركز عليه سياق السورة فهو تصوير حال المسلمين مع ربهم واستسلامهم له، وتلقيهم لكل ما يأتيهم منه بالقبول والطاعة والاتباع الدقيق .. والخط الثالث العريض في سياق السورة هو التحذير من ولاية غير المؤمنين، والتهوين من شأن الكافرين مع هذا التحذير، وتقرير أنه لا إيمان ولا صلة بالله مع تولي الكفار الذين لا يحتكمون لكتاب الله، ولا يتبعون منهجه في الحياة ... ». اهـ. ٤ - عند قوله تعالى لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ يقول صاحب الظلال: «هكذا .. ليس من الله في شئ. لا في صلة ولا نسبة، ولا دين ولا عقيدة، ولا رابطة ولا ولاية .. فهو بعيد عن الله، منقطع الصلة تماما في كل شئ تكون فيه الصلات. ويرخص فقط بالتقية لمن خاف في بعض البلدان والأوقات .. ولكنها تقية اللسان لا

стр. 704

ولاء القلب ولا ولاء العمل. قال ابن عباس ﵄ «ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان» .. فليس من التقية المرخص فيها أن تقوم المودة بين المؤمن والكافر- والكافر هو الذي لا يرضى بتحكيم كتاب الله في الحياة على الإطلاق، كما يدل السياق هنا ضمنا وفي موضع آخر من السورة تصريحا- كما أنه ليس من التقية المرخص بها أن يعاون المؤمن الكافر بالعمل الكفري أو الآثم في صورة باسم التقية. فما يجوز هذا الخداع على الله»؟. وفي الآية نفسها يقول الألوسي: «والمراد أن لا يراعوا أمورا كانت بينهم في الجاهلية، بل ينبغي أن يراعوا ما هم عليه الآن مما يقتضيه الإسلام من بغض وحب شرعيين يصح التكليف بهما، وإنما قيدنا بذلك لما قالوا: إن المحبة لقرابة أو صداقة قديمة أو جديدة خارجة عن الاختيار معفوة ساقطة عن درجة الاعتبار، وحمل الموالاة على ما يعم الاستعانة بهم في الغزو مما ذهب إليه البعض. ومذهبنا- وعليه الجمهور- أنه يجوز ويرضخ لهم لكن إنما يستعان بهم على قتال المشركين لا البغاة على ما صرحوا به، وما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: خرج رسول الله ﷺ لبدر فتبعه رجل مشرك كان ذا جراءة ونجدة. ففرح أصحاب النبي ﷺ حين رأوه، فقال له النبي ﷺ : «ارجع فلن أستعين بمشرك» فمنسوخ بأن النبي ﷺ استعان بيهود بني قينقاع ورضخ لهم واستعان بصفوان بن أمية في هوازن، وذكر بعضهم جواز الاستعانة بشرط الحاجة والوثوق، أما بدونهما فلا تجوز. وعلى ذلك يحمل خبر عائشة، وكذا ما رواه الضحاك عن ابن عباس في سبب النزول- وبه يحصل الجمع بين أدلة المنع وأدلة الجواز- على أن بعض المحققين ذكر أن الاستعانة المنهي عنها إنما هي استعانة الذليل بالعزيز، وأما إذا كانت من باب استعانة العزيز بالذليل فقد أذن لنا بها، ومن ذلك اتخاذ الكفار عبيدا وخدما، ونكاح الكتابيات منهم وهو كلام حسن كما لا يخفى. ومن الناس من استدل بالآية على أنه لا يجوز جعلهم عمالا ولا استخدامهم في أمور الديوان وغيره، وكذا أدخلوا في الموالاة المنهي عنها السلام والتعظيم والدعاء بالكنية والتوقير بالمجالس، وفي فتاوى العلامة ابن حجر جواز القيام في المجلس لأهل الذمة وعد ذلك من باب البر والإحسان المأذون به في قوله تعالى: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. ولعل الصحيح أن كل ما عده العرف تعظيما وحسبه المسلمون موالاة

стр. 705

فهو منهي عنه ولو مع أهل الذمة، لا سيما إذا أوقع شيئا في قلوب ضعفاء المؤمنين، ولا أرى القيام لأهل الذمة في المجلس إلا من الأمور المحظورة لأن دلالته على التعظيم قوية وجعله من الإحسان لا أراه من الإحسان كما لا يخفى» اهـ كلام الألوسي. أقول: هذه الأمور فيها خلاف كثير، ولا بد من التفريق بين الفتوى والورع، ولا بد من التفريق بين حال قوة المسلمين وضعفهم، ولا بد من معرفة أن هناك حدا أعلى طمح إليه الفقهاء، وأن هناك حدا أدنى من أقوال الفقهاء المعتمدين. هو الذي لا يصح الخروج عليه أو النزول عنه، وعلى ضوء ذلك ينبغي أن ننظر إلى ما نقرؤه في كتب الفقه أو في كتب التفسير أو كتب شروح السنة. والذي أراه في أحوالنا المعاصرة: أن الحركة الإسلامية في عصرنا ينبغي أن تكون دقيقة في تربيتها لعناصرها، وواسعة الأفق في موضوع الطروح السياسية، فتربي عناصرها على الوضع الأكمل والأورع وعلى ما هو الأصل في الأحكام، وتتبنى في مواقفها السياسية ما هو الأصلح والأنسب لعصرنا من مجموع أقوال العلماء أهل الفتوى البصيرة، بما يسع أوضاع عصرنا. لقد نص كثيرون ممن تكلموا في الأحكام السلطانية على أنه يجوز أن يتولى أهل الذمة وزارة التنفيذ لا التفويض. ولقد نص فقهاء الحنفية على أنه يجوز بدأ الذمي بالسلام إذا كانت لك إليه حاجة، كما نصوا على جواز القيام للذمي إذا ترتب على ترك القيام له ضرر، وأجازوا مخاطبة الناس بألقابهم الرسمية ما لم يترتب على ذلك إثم إذا كان ترك الخطاب باللقب يترتب عليه ضرر. وهكذا نجد مثل هذه التفريعات التي ألجأت إليها مسيرة التاريخ الإسلامي وأوضاع المسلمين. والذي أقوله: إن حق التربية يقتضي منا أن نربي على العزائم والورع، وحق المعركة يقتضي منا أن نختار من أقوال الأئمة ما تقتضيه ظروف معركتنا المعاصرة. والأمر دقيق وسيأتي في هذا التفسير ما يوضح مثل هذه الشئون وغيرها وأدلة ذلك. ٥ - عند قوله تعالى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ قال الألوسي:

стр. 706

وروى علي بن إبراهيم عن أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في خطبة له: «لأنسبن الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي، الإسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل، ثم قال: إن المؤمن أخذ دينه عن ربه ولم يأخذه عن رأيه. إن المؤمن من يعرف إيمانه في عمله وإن الكافر يعرف كفره بإنكاره، أيها الناس دينكم دينكم فإن السيئة فيه خير من الحسنة في غيره إن السيئة فيه تغفر وإن الحسنة في غيره لا تقبل ... » ٦ - عند قوله تعالى قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ ... قال الألوسي: «وقد أخرج ابن أبي الدنيا عن معاذ بن جبل قال «شكوت إلى النبي ﷺ دينا كان علي فقال: يا معاذ أتحب أن يقضى دينك؟ قلت: نعم قال: قل قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما تعطي منهما من تشاء اقض عني ديني فلو كان عليك ملء الأرض ذهبا أدى عنك» وفي رواية للطبراني ذكر الآيتين بتمامهما. فصل في المتشابه: لعل القارئ لاحظ أنني مررت على موضوع الآيات المتشابهات مرورا سريعا لا يتفق مع جلالة هذا الموضوع الذي كتب فيه العلماء ولا زالوا يكتبون، فكان حصيلة ما كتبوا فيه عشرات الألوف من الصحائف، حتى لو قلنا إنه لم يحتدم النقاش في موضوع كما احتدم في هذا الموضوع لكنا صادقين فلماذا مررنا عليه مرورا سريعا؟! السر في ذلك هو اعتقادنا أن هذا موضوع لا تصلح فيه الكتابة المختصرة، ولذلك فعلى مريد تتبعه أن يرجع إلى الكتب المطولة التي ألفت فيه ليستطيع أن يستخلص لنفسه ما تطمئن به نفسه، على أننا أشرنا إلى نقطة نتمنى أن يتابعها بعض أهل العلم، هذه النقطة هي أن الواقع التاريخي للمسلمين أصبح بإمكانه أن يقدم لنا ترجيحا للكثير من الأمور التي احتدم فيها النقاش حول المحكم والمتشابه. فهناك فرق دلت النصوص على انحرافها، فمن خلال ما اعتمدته وما أولته يمكن أن يترجح لدينا بعض الأمور في شأن المتشابه والمحكم. وهناك قضايا أخذت طابع البديهية عند جماهير المسلمين بحيث أصبح بالإمكان من

стр. 707

خلالها أن نرجح بعض ما اختلف فيه في موضوع المتشابه والمحكم. على أنه إذا اعتبرنا أن واقع المسلمين الحالي يفرض علينا ألا نتوسع في موضوع الكلام عن المتشابه والمحكم، فإن واقع المسلمين الحالي والمستقبلي، يفرض علينا أن نقول كلمة حول الحدود التي يسع الدولة الإسلامية أن تتدخل فيها في أمور الاختلافات فترجح أو تعاقب. الذي يبدو لي من خلال دروس التاريخ، وبسبب من المآسي التي حدثت لعلماء أجلاء، أن على الحكومة الإسلامية في المستقبل أن تعطي حرية التحقيق العلمي لجميع المسلمين، وأن تعتمد التقنين في القضايا الفقهية وتفرض ما تراه مناسبا من مجموع آراء الأئمة على ضوء الشورى، وألا تعاقب على رأي إسلامي إلا إذا أجمع المعتمدون من أهل المذاهب الأربعة والمعتمدون من أهل الحديث على استحقاق صاحبه للعقوبة. وإنما اشترطت للعقوبة إجماع المعتمدين من أهل الفتوى من المذاهب الأربعة وأهل الحديث بآن واحد، لأنني وجدت أن أهل الحديث يتسرعون لو كان بيدهم سلطة في عقوبة المخالف، وكذلك أهل المذاهب، فمثلا لو أن إنسانا أول حديث النزول الذي ذكرناه أثناء التفسير، لكان مستحقا للعقوبة عند بعض أهل الحديث، مع أن رواية النسائي التي يقول عنها القرطبي بأنه قد صححها أبو محمد عبد الحق تقول «إن الله- يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول: هل من داع يستجاب له، هل من مستغفر يغفر له، هل من سائل يعطى». إن هذه الرواية تصلح مستندا لأهل التأويل لحديث النزول فلا أقل من أن يرفع عنهم استحقاق العقوبة، وما جرى لابن تيمية لا يخفى. مما لا يصلح أن يتكرر مرة ثانية إنني أعتبر أن الوصول إلى قاعدة يتفق عليها الجميع، في شأن موقف الحكم الإسلامي من موضوع التحقيق العلمي، هو الأهم الآن بالنسبة لسير الحركة الإسلامية. وأن على القائمين على الحركة الإسلامية، أن يحتفظوا لأنفسهم بكثير من قناعاتهم العلمية لصالح معركة المسلمين مع خصومهم، وأن على جميع المسلمين أن يوفقوا بين حق المعركة، وحق الدعوة، وحق العلم، وحق التربية، وهو موضوع دقيق فصلنا فيه في غير هذا المكان. وما ذكرته في هذا الفصل لا يخرج عن كونه اقتراحا، وعلينا أن نصل في شأنه إلى

стр. 708

قاعدة يرضاها الجميع. لقد رأيت ناسا مذهبيين يستحلون دم ابن تيمية، ورأيت ناسا من أهل الحديث يستحلون دم النووي، وسيبقى أمثال هؤلاء موجودين في الأمة وسواء وجدوا أو لم يوجدوا فإنني لا أرى للحكم الإسلامي أن يتورط في دم النووي، أو في دم ابن تيمية، ولا أرى له أن يتورط في عقوبة هذا أو هذا، وليبق باب التحقيق العلمي مفتوحا، وليبق النووي يناقش ابن تيمية والعكس. وضمير الأمة الإسلامية لن يعجزه التمييز مع وجود العلم الشامل الذي يجب أن يكون جزءا من سياسة الدولة. وأكرر أن ما قلته، اقتراح له صلة بقضايا الحكم والسياسة الإسلاميين، وليس له صلة برأي شخصي حول فهم موضوع المحكم والمتشابه. فصل في الرسوخ في العلم: مما مر معنا في سورة آل عمران، عرفنا بعض خصائص الراسخين في العلم من كونهم يعملون بالمحكم، ويحملون عليه المتشابه، أو يسلمون لله تعالى فيه، ولا يعارضون النصوص ببعضها، ومن أنهم أهل لب، ومن أنهم خاشعون لله كثيرو الدعاء له. وسيأتي في آخر سورة آل عمران تعريف لأولي الألباب، الذين اجتمع لهم الذكر والتفكر، والدعاء والعمل، والهجرة حال وجوبها وتحمل ترك البلاد في سبيل الله، وتحمل الإيذاء في سبيل الله، والمشاركة في القتال إذا كان واجبا، والاستعداد للاستشهاد. كل ذلك علامات نتعرف بها على الراسخين في العلم، الذين لكلامهم وزن في موضوع المتشابه والمحكم، ولكن هذه كلها علامات، هي أثر العلم الحقيقي، فإذا اجتمعت مع العلم الحقيقي الكامل الشامل، وجد الراسخ في العلم، وإذا أردنا أن نأخذ تصورا عن العلوم التي يحتاجها الفهم لكتاب الله، فلنقرأ تصور السيوطي للعلوم التي يحتاجها المفسر لنأخذ تصورا مبدئيا عن الرسوخ في العلم، فلننقل كلامه ثم نعلق عليه قال السيوطي في كتابه الإتقان في علوم القرآن: «ومنهم من قال، يجوز تفسيره لمن كان جامعا للعلوم التي يحتاج إليها المفسر، وهي خمسة عشر علما. أحدها اللغة: لأن بها يعرف شرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها بحسب الوضع. الثاني: النحو: لأن المعنى يختلف باختلاف الإعراب.

стр. 709

الثالث: الصرف: لأن به تعرف الأبنية والصيغ. الرابع: الاشتقاق: لأن الاسم إذا كان اشتقاقه من مادتين مختلفتين، اختلف باختلافهما، كالمسيح هل هو من السياحة أو المسح. الخامس والسادس والسابع: المعاني، والبيان، والبديع: لأنه يعرف بالأول خواص تراكيب الكلام من جهة إفادة المعنى، وبالثاني: خواصها من حيث اختلافها بحسب وضوح الدلالة وخفائها، وبالثالث: وجوه تحسين الكلام. الثامن: علم القراءات، لأنه يعرف كيفية النطق بالقرآن، وبالقراءات يترجح بعض الوجوه المحتملة على بعض. التاسع: أصول الدين: بما في القرآن من الآيات الدالة بظاهرها على ما يجوز على الله تعالى، فالأصولي يؤول ذلك ويستدل على ما يستحيل، وما يجوز وما يجب. العاشر: أصول الفقه، إذ به يعرف وجه الاستدلال على الأحكام والاستنباط. الحادى عشر: أسباب النزول والقصص، إذ بسبب النزول يعرف معنى الآية المنزلة فيه بحسب ما أنزلت فيه. الثاني عشر: الناسخ والمنسوخ، ليعلم الحكم الملزم من غيره. الثالث عشر: الفقه. الرابع عشر: الأحاديث المبينة لتفسير المبهم والمجمل. الخامس عشر: علم الموهبة، وهو علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم». أقول: ما ذكره السيوطي من علوم هي بعض من كل ليصلح إنسان لتفسير كتاب الله فمثلا الثقافة الكونية، والثقافة التاريخية، هما بعض لوازم المفسر المفترض فيه أن يكون راسخا. إن الرسوخ في العلم صفة لا تعطى لأحد إلا بشروط كثيرة جدا، وخاصة في عصرنا الذي حدث خلاله هذا الانفجار العلمي. ومع أن ما ذكره السيوطي هو بعض من كل إلا أننا من خلاله نستطيع أن نستأنس لمعرفة قيمة كلام الرجال الذين تكلموا خلال العصور في الشرح والتفسير لكتاب الله.

стр. 710

فإذا اجتمع هذا مع ما ذكرته النصوص فعندئذ يوجد الراسخ في العلم. ولعلنا بذلك نكون قد حددنا سمات من نستطيع أن نقبل كلامه في موضوع المحكم والمتشابه، فإذا ما اجتمع لنا مع ذلك معرفة تاريخية في أنواع من المتشابه، ضلت به الفرق المنشقة عن جسم الأمة الإسلامية، أو يستعمله المنحرفون المعاصرون، فإن ذلك كله يساعد على توضيح قضية المحكم والمتشابه. فصل في التقية: بمناسبة قوله تعالى لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً يتحدث عادة عن موضوع «التقية» الذي اشتهر عن الشيعة، والذي يشاركهم في بعض مضامينه أهل السنة، ويخالفونهم في مضامين أخرى كثيرة. وقد ذكرنا أثناء التفسير ما يوضح بعض النقاط. ولزيادة الإيضاح فإننا ننقل بعض كلام الألوسي في هذا المقام: يقول الألوسي: «وفي الآية دليل» على مشروعية التقية، وعرفوها بحفظ النفس. أو العرض. أو المال من شر الأعداء، والعدو قسمان: الأول من كانت عداوته مبنية على اختلاف الدين كالكافر والمسلم [المبتدع]، والثاني من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية كالمال والمتاع والملك والإمارة، ومن هنا صارت التقية قسمين: أما القسم الأول: فالحكم الشرعي فيه أن كل مؤمن وقع في محل لا يمكن له أن يظهر دينه لتعرض المخالفين، وجب عليه الهجرة إلى محل يقدر فيه على إظهار دينه، ولا يجوز له أصلا أن يبقى هناك ويخفي دينه ويتشبث بعذر الاستضعاف، فإن أرض الله تعالى واسعة، ثم إن كان ممن لهم عذر شرعي في ترك الهجرة كالصبيان والنساء والعميان والمحبوسين والذين يخوفهم المخالفون بالقتل. أو قتل الأولاد. أو الآباء. أو الأمهات تخويفا يظن معه إيقاع ما خوفوا به غالبا سواء كان هذا القتل بضرب العنق. أو بحبس القوت. أو بنحو ذلك فإنه يجوز له المكث مع المخالف، والموافقة بقدر الضرورة ويجب عليه أن يسعى في الحيلة للخروج والفرار بدينه. ولو كان التخويف بفوات المنفعة، أو بلحوق المشقة التي يمكنه تحملها كالحبس مع القوت، والضرب القليل غير المهلك لا يجوز له موافقتهم، وفي صورة الجواز أيضا موافقتهم رخصة وإظهار مذهبه عزيمة فلو تلفت نفسه لذلك فإنه شهيد

стр. 711

قطعا؛ ومما يدل على أنها رخصة- ما روي عن الحسن أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم فقال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم ثم دعا بالآخر فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم فقال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: إني أصم قالها ثلاثا، وفي كل يجيبه بأني أصم فضرب عنقه فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «أما هذا المقتول فقد مضى على صدقه ويقينه وأخذ بفضله فهنيئا له. وأما الآخر فقد رخصه الله تعالى فلا تبعة عليه» وأما القسم الثاني: فقد اختلف العلماء في وجوب الهجرة وعدمه فيه فقال بعضهم: تجب، لقوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (سورة البقرة) وبدليل النهي عن إضاعة المال، وقال قوم لا تجب إذ الهجرة عن ذلك المقام مصلحة من المصالح الدنيوية، ولا يعود على من تركها نقصان في الدين لاتحاد الملة، وعدوه المؤمن لا يتعرض له بالسوء من حيث هو مؤمن، وقال بعضهم: الحق إن الهجرة هنا قد تجب أيضا إذا خاف هلاك نفسه أو أقاربه، أو هتك حرمته بالإفراط، ولكن ليست عبادة وقربى حتى يترتب عليها الثواب، فإن وجوبها لمحض مصلحة دنيوية. لا كذلك المهاجر لإصلاح الدين ليترتب عليه الثواب، وليس كل واجب يثاب عليه، لأن التحقيق أن كل واجب لا يكون عبادة. بل كثير من الواجبات لا يترتب عليه ثواب كالأكل عند شدة المجاعة، والاحتراز عن المضرات المعلومة أو المظنونة في المرض، وعن تناول السموم في حالة الصحة وغير ذلك، وهذه الهجرة أيضا من هذا القبيل وليست هي كالهجرة إلى الله تعالى ورسوله ﷺ ، لتكون مستوجبة بفضل الله تعالى لثواب الآخرة، وعد قوم من باب التقية مداراة الكفار والفسقة والظلمة، وإلانة الكلام لهم، والتبسم في وجوههم، والانبساط معهم، وإعطاؤهم لكف أذاهم، وقطع لسانهم، وصيانة العرض منهم، ولا يعد ذلك من باب الموالاة المنهي عنها بل هي سنة وأمر مشروع. فقد روى الديلمي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض» وفي رواية «بعثت بالمداراة» وفي الجامع «سيأتيكم ركب مبغضون فإذا جاءوكم فرحبوا بهم» وروى ابن أبي الدنيا «رأس العقل بعد الإيمان بالله تعالى مداراة الناس» وفي رواية البيهقي «رأس العقل المداراة» وأخرج الطبراني «مداراة الناس صدقة» وفي رواية له «ما وقى به المؤمن عرضه فهو صدقة» وأخرج ابن عدي. وابن عساكر «من عاش مداريا مات شهيدا. قوا بأموالكم

стр. 712

أعراضكم، وليصانع أحدكم بلسانه عن دينه» وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: استأذن رجل على رسول الله ﷺ وأنا عنده فقال رسول الله ﷺ : «بئس ابن العشيرة- أو أخو العشيرة- ثم أذن فألان له القول، فلما خرج قلت: يا رسول الله قلت ما قلت ثم ألنت له القول؟ فقال يا عائشة إن من أشر الناس من يتركه الناس أو يدعه الناس اتقاء فحشه» وفي البخاري عن أبي الدرداء «إنا لنبش في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم» وفي رواية الكشميهني «وإن قلوبنا لتقليهم» وفي رواية ابن أبي الدنيا. وإبراهيم الحرمي بزيادة «ونضحك إليهم» إلى غير ذلك من الأحاديث لكن لا تنبغي المداراة إلى حيث يخدش الدين ويرتكب المنكر. ووراء هذا التحقيق قولان لفئتين متباينتين من الناس. وهم الخوارج والشيعة: أما الخوارج فذهبوا إلى أنه لا تجوز التقية بحال ولا يراعى المال وحفظ النفس والعرض في مقابلة الدين أصلا، ولهم تشديدات في هذا الباب عجيبة. منها أن أحدا لو كان يصلي وجاء سارق أو غاصب ليسرق أو يغصب ماله لا يقطع الصلاة بل يحرم عليه قطعها وطعنوا على بريدة الأسلمي من صحابة رسول الله ﷺ بسبب أنه كان يحافظ على فرسه في صلاته كيلا يهرب، ولا يخفى أن هذا المذهب من التفريط بمكان، وأما الشيعة فكلامهم مضطرب في هذا المقام فقال بعضهم: إنها جائزة في الأقوال كلها عند الضرورة، وربما وجبت فيها لضرب من اللطف والاستصلاح ولا تجوز في الأفعال كقتل المؤمن ولا فيما يعلم أو يغلب على الظن أنه إفساد في الدين؛ وقال المفيد: إنها قد تجب أحيانا وقد يكون فعلها في وقت أفضل من تركها وقد يكون تركها أفضل من فعلها، وقال أبو جعفر الطوسي: إن ظاهر الروايات يدل على أنها واجبة عند الخوف على النفس، وقال غيره: إنها واجبة عند الخوف على المال أيضا ومستحبة لصيانة العرض، حتى يسن لمن اجتمع مع أهل السنة، أن يوافقهم في صلاتهم وصيامهم وسائر ما يدينون به، ورووا عن بعض أئمة أهل البيت من صلى وراء سني تقية فكأنما صلى وراء نبي. وفي وجوب قضاء تلك الصلاة عندهم خلاف، وكذا في وجوب قضاء الصوم على من أفطر تقية حيث لا يحل الإفطار قولان أيضا، وفي أفضلية التقية من سني واحد صيانة لمذهب الشيعة عن الطعن خلاف أيضا، وأفتى كثير منهم بالأفضلية. ومنهم من ذهب إلى جواز- بل وجوب- إظهار الكفر لأدنى مخافة أو طمع، ولا يخفى أنه من الإفراط بمكان، وحملوا أكثر أفعال الأئمة مما يوافق مذهب أهل السنة ويقوم به الدليل على رد مذهب الشيعة على التقية وجعلوا هذا أصلا عندهم وأسسوا عليه دينهم- وهو الشائع

стр. 713

الآن فيما بينهم- حتى نسبوا ذلك للأنبياء ﵈؛ وجل غرضهم من ذلك إبطال خلافة الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم ويأبى الله تعالى ذلك» اهـ. ما أردنا نقله من كلام الألوسي: أقول: إن الألوسي لا يعتبر السجن مع القوت ومع الضرب القليل مجيزا للتقية كما رأينا. والذي نص عليه فقهاء الحنفية أن سجن الظلمة كالإكراه الملجئ أي كالقتل وإتلاف العضو وعلى هذا فكلام الألوسي- فيما يبدو- في سجن تحتمله النفس زمنا ومكانا وآلاما، أما إذا كان السجن أو الاعتقال آلامه كثيرة أو الزمن فيه مديد فإن الرخصة للمبتلى بذلك قائمة. فصل في أسباب النزول: في كلام المفسرين وأصحاب السير، اضطراب كثير في أسباب النزول لأجزاء كثيرة من أوائل سورة آل عمران فبينما نجد في كلام بعضهم ما يشير إلى أن بضعا وثمانين آية من صدر سورة آل عمران نزل بعد مناقشة مع وفد نجران، الذي جاء في السنة التاسعة للهجرة، نجد في كلام بعضهم أن آية: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ قد نزلت بعد غزوة بدر كما نجد أن آيات كثيرة يذكر لها سبب نزول خاص كما سنرى. كما نجد أن آية قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ .. قد ذكرها رسول الله ﷺ في رسالته إلى هرقل والتي كانت سنة سبع للهجرة. كل ذلك يجعلنا نرجح أن رواية ابن إسحاق والزهري من أن صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية نزل في وفد نجران غير راجح وهو أحد الاتجاهات التي ذكرها ابن كثير. نعم هناك بضع آيات نزلت بمناسبة مجئ وفد نجران منها آية المباهلة كما سنرى ولكن ليست كل هذه الآيات. إلا إذا قلنا: إن بعض هذه الآيات نزلت من قبل ثم نزلت مع بقية الآيات مرة ثانية لأن معانيها متكاملة وهو اتجاه يحتمل مثله ابن كثير. وهناك رواية يذكرها البيهقي تذكر أن من قوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ

стр. 714

اللَّهِ ... إلى نهاية آية المباهلة. نزلت بسبب الحوار مع وفد نجران. وهو اتجاه أميل إليه فيكون بعض صدر سورة آل عمران نزل بسبب وفد نجران وليس كلها. وعلى هذا فإننا نرجح أنه إن كان سبب نزول قوله تعالى هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ حوارا قد جرى بين بعض أهل الكتاب ورسولنا ﵊، كما يذكر بعضهم، فإن هذا الحوار كان متقدما على الحوار مع وفد نجران بل كان متقدما جدا. فإذا اتضح هذا فإننا سننقل بعض ما ذكره العلماء من أسباب نزول لبعض الآيات الواردة في القسم الذي مضى معنا من السورة وكما سنرى فإن هذه النقول تدل على أسباب نزول متفرقه غير ما ذكره ابن إسحاق والزهري، إلا أن يقال- كما ذكرنا- إن بعض الآيات نزلت مرتين. ولا يفوتنا أن نشير إلى أن هناك اتجاها يقول: إن وفد نجران جاء قبل صلح الحديبية، لكن يعكر على هذا الاتجاه أشياء كثيرة فلم يبق إلا اتجاهان: القول بتعدد النزول، أو القول بأن حديث ابن إسحاق غير محفوظ. وهذه بعض الروايات في أسباب النزول لبعض الآيات التي مرت معنا في القسم الأول: أ- يذكر الطبري رواية عن محمد بن جعفر بن الزبير تقول: إن آية المتشابه نزلت بسبب الحوار مع وفد نجران، إذ احتجوا بقوله تعالى وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ على ما يزعمون من أن عيسى ابن الله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، وهي جزء من الرواية التي فهمها بعضهم على أنها نزلت في عام الوفود سنة تسع للهجرة، وقد رأينا بعض ما يمكن أن يقال فيها. ب- رأينا أثناء التفسير ما ذكره ابن كثير عن ابن إسحاق عن عاصم من أن قوله تعالى قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ أنها نزلت بعد بدر إذ جمع رسول الله ﷺ اليهود في سوق بني قينقاع وقال لهم ما قال وردوا عليه ما ردوا فأنزل الله الآيتين. وبهذه المناسبة نقول: إن النص مع أنه عام، لكن سبب النزول يذكرنا بخصوص معين، هو أن النص موجه لليهود الذين كانوا في المدينة بشكل مباشر وفي ذلك معجزة قرآنية إذ إن الله عزّ وجل صدق وعده فغلبت يهود في الدنيا، فقهرت قينقاع وبنو النضير ويهود خيبر،

стр. 715

وقتلت قريظة فيما بعد، وسيحشرون إلى جهنم وبئس المهاد. ج- في سبب نزول قوله تعالى قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ ... ينقل ابن كثير عن ابن جرير بسنده إلى أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد قال: قال عمر بن الخطاب لما نزلت زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ قلت: الآن يا رب حين زينتها لنا فنزلت قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ... الآية. د- في سبب نزول قوله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ ... قال الألوسي: «وقد أخرج ابن إسحاق وجماعة .. قال: «دخل رسول الله ﷺ بيت المدراس على جماعة من يهود فدعاهم إلى الله تعالى فقال النعمان بن عمرو. والحرث بن زيد: على أي دين أنت يا محمد؟ قال: على ملة إبراهيم ودينه. قالا: فإن إبراهيم كان يهوديا فقال لهما رسول الله ﷺ : فهلما إلى التوراة فهي بيننا وبينكم فأبيا عليه فأنزل الله تعالى الآية. (وفي البحر) زنى رجل من اليهود بامرأة، ولم يكن بعد في ديننا الرجم، فتحاكموا إلى رسول الله ﷺ تخفيفا على الزانيين لشرفهما، فقال رسول الله ﷺ : إنما أحكم بكتابكم، فأنكروا الرجم، فجئ بالتوراة، فوضع حبرهم ابن صوريا يده على آية الرجم، فقال عبد الله بن سلام: جاوزها يا رسول الله، فأظهرها، فرجما، فغضبت اليهود فنزلت» .. هـ- وفي سبب نزول قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ .... قال الألوسي: روى الواحدي عن ابن عباس، وأنس بن مالك، أنه لما افتتح رسول الله ﷺ مكة، وعد أمته ملك فارس والروم. قال المنافقون واليهود: هيهات هيهات، من أين لمحمد ملك فارس والروم، هم أعز وأمنع من ذلك ألم يكف محمدا مكة والمدينة حتى يطمع في ملك فارس والروم؟!! فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروى أبو الحسن الثعالبي عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف قال: حدثني أبي عن أبيه قال: خط رسول الله ﷺ الخندق عام الأحزاب، ثم قطع لكل عشرة أربعين ذراعا، قال عمرو بن عوف: كنت أنا وسلمان الفارسي وحذيفة والنعمان بن مقرن المزني وستة من الأنصار في أربعين ذراعا، فحفرنا فأخرج الله تعالى من بطن الخندق

стр. 716

صخرة مدورة كسرت حديدنا وشقت علينا، فقلنا: يا سلمان ارق إلى رسول الله ﷺ وأخبره خبر هذه الصخرة فإما أن نعدل عنها، أو يأمرنا فيها بأمره، فإنا لا نحب أن نجاوز خطه قال: فرقى سلمان إلى رسول الله ﷺ وهو ضارب عليه قبة تركية، فقال: يا رسول الله خرجت صخرة بيضاء مدورة من بطن الخندق، وكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يحتك فيها قليل ولا كثير، فمرنا فيها بأمر فإنا لا نحب أن نجاوز خطك. فهبط رسول الله ﷺ مع سلمان الخندق، والتسعة على شفير الخندق فأخذ رسول الله ﷺ المعول من سلمان، فضربها ضربة صدعها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم. وكبر رسول الله ﷺ تكبير فتح، فكبر المسلمون، ثم ضربها ﷺ الثانية فبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، وكبر ﷺ تكبير فتح وكبر المسلمون، ثم ضربها ﵊ الثالثة فكسرها وبرق منها برق كذلك، فكبر ﷺ تكبير فتح، وكبر المسلمون وأخذ بيد سلمان ورقى فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئا ما رأيت مثله قط. فالتفت رسول الله ﷺ إلى القوم فقال: رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: ضربت ضربتي الأولى فبرق لي الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها. ثم ضربت الثانية فبرق لي الذي رأيتم أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها. ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق لي الذي رأيتم أضاءت منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا. فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعد صدق وعدنا النصر بعد الحفر، فقال المنافقون: ألا تعجبون! يعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا للقتال! فأنزل الله تعالى وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً (سورة الأحزاب) وأنزل هذه الآية قُلِ اللَّهُمَّ الخ. و- وفي سبب نزول قوله تعالى لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قال الألوسي: قال ابن عباس: كان الحجاج بن عمرو. وكهمس بن أبي الحقيق. وقيس بن زيد- والكل من اليهود- يباطنون نفرا من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة

стр. 717

ابن المنذر، وعبد الله بن جبير، وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر: اجتنبوا هؤلاء اليهود واحذروا لزومهم ومباطنتهم، لا يفتنوكم عن دينكم، فأبى أولئك النفر إلا مباطنتهم وملازمتهم، فأنزل الله هذه الآية، وقال الكلبي: نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه كانوا يتولون اليهود والمشركين، ويأتونهم بالأخبار، ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى الآية ونهى المؤمنين عن فعلهم. وروى الضحاك عن ابن عباس أنها نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري، وكان بدريا نقيبا، وكان له حلفاء من اليهود، فلما خرج رسول الله ﷺ يوم الأحزاب، قال عبادة: يا نبي الله إن معي خمسمائة من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي فاستظهر بهم على العدو، فأنزل الله تعالى لا يَتَّخِذِ الخ. ز- وفي سبب نزول قوله تعالى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ... قال الألوسي: واختلف في سبب نزولها. فقال الحسن وابن جريج: «زعم أقوام على عهد رسول الله ﷺ ، أنهم يحبون الله تعالى. فقالوا يا محمد: إنا نحب ربنا. فأنزل الله تعالى هذه الآية» وروى الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: «وقف النبي ﷺ على قريش في المسجد الحرام، وقد نصبوا أصنامهم، وعلقوا عليه بيض النعام، وجعلوا في آذانها الشنوف وهم يسجدون لها، فقال: يا معشر قريش لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم وإسماعيل، ولقد كانا على الإسلام فقالت قريش: يا محمد إنما نعبد هذه حبا لله تعالى لتقربنا إلى الله سبحانه زلفى فأنزل الله تعالى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الخ» وفي رواية أبي صالح «إن اليهود لما قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. أنزل هذه الآية، فلما نزلت عرضها رسول الله ﷺ على اليهود فأبوا أن يقبلوها». وروى محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: «نزلت في نصارى نجران؛ وذلك أنهم قالوا: إنما نعظم المسيح ونعبده حبا لله تعالى، وتعظيما له، فأنزل الله هذه الآية ردا عليهم» ويروى أنها لما نزلت قال عبد الله بن أبي: إن محمدا يجعل طاعته كطاعة الله تعالى، ويأمرنا أن نحبه كما أحب النصارى عيسى فنزل قوله تعالى: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ. ح- ونختم هذه النقول في أسباب النزول بالرواية التي تذكر أن صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية نزلت في وفد نجران. ورأينا كيف يكون التوفيق بينها وبين الروايات الأخرى في حال صحتها.

стр. 718

قال الألوسي: «أخرج ابن إسحاق. وابن جرير. وابن عبد المنذر عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: «قدم على النبي ﷺ وفد نجران، وكانوا ستين راكبا، فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، فكلم رسول الله ﷺ منهم أبو حارثة بن علقمة، والعاقب. عبد المسيح. والسيد الأيهم وهم من النصرانية على دين الملك، مع اختلاف أمرهم، يقولون: هو الله تعالى، ويقولون: هو ولد الله تعالى، ويقولون: هو ثالث ثلاثة- تعالى الله- كذلك قول النصرانية، فهم يحتجون في قولهم: هو الله تعالى بأنه كان يحيي الموتى، ويبرئ الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا، ويحتجون في قولهم بأنه ولد الله تعالى: يقولون: لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم في المهد، وصنع ما لم يصنعه أحد غيره من ولد آدم قبله، ويحتجون في قولهم بأنه ثالث ثلاثة: إن الله تعالى يقول فعلنا، وأمرنا، وخلقنا، وقضينا يقولون: فلو كان واحدا ما قال إلا فعلت، وأمرت، وخلقت، وقضيت، ولكنه هو، وعيسى، ومريم ففي كل ذلك من قولهم نزل القرآن وذكر الله تعالى لنبيه ﷺ فيه قولهم فلما كلمه الحبران وهما- العاقب، والسيد- كما في رواية الكلبي والربيع عن أنس قال لهما رسول الله ﷺ : أسلما قالا: قد أسلمنا قبلك. قال: كذبتما يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله تعالى ولدا، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير، قالا: فمن أبوه يا محمد؟ وصمت فلم يجب شيئا، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم، واختلاف أمرهم كله، صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها. فافتتح السورة بتنزيه نفسه عما قالوا، وتوحيده إياه بالخلق والأمر لا شريك له فيه، ورد عليهم ما ابتدعوا من الكفر، وجعلوا معه الأنداد، واحتج عليهم بقولهم في صاحبهم ليعرفهم بذلك ضلالتهم فقال: الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ أي: ليس معه غيره شريك في أمره الحي الذي لا يموت، وقد مات عيسى ﵇ في قولهم؛ (القيوم) القائم على سلطانه لا يزول وقد زال عيسى، وفي رواية جرير عن الربيع قال: «إن النصارى أتوا رسول الله ﷺ فخاصموه في عيسى ابن مريم وقالوا له: من أبوه؟ وقالوا على الله تعالى الكذب والبهتان، فقال لهم النبي ﷺ : ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟ قالوا بلى. قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شئ يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟ قالوا: بلى. قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أن

стр. 719

الله تعالى لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء؟ قالوا: بلى. قال: فهل يعلم عيسى من ذلك شيئا إلا ما علم؟ قالوا: لا. قال ألستم تعلمون أن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء، وأن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب ولا يحدث الحدث؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها ثم غذي كما يغذى الصبي، ثم كان يأكل الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟ قالوا: بلى. قال فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ فعرفوا ثم أبوا إلا جحودا فأنزل الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. كلمة أخيرة في القسم الأول: نلاحظ بشكل واضح، أن موضوعا جديدا سيأتي معنا في القسم الثاني من السورة، يتحدث عن زكريا، ومريم وعيسى، ﵈، وكنا قلنا من قبل: إن القسم الأول في سورة آل عمران، هو بمثابة المقدمة للقسم الثاني، والقسم الأول والثاني بمثابة المقدمة للقسم الثالث، والأقسام الأولى بمثابة المقدمات للقسمين الأخيرين من السورة: إن القسم الأول من السورة تحدث عن وحدانية الله، وقيوميته، وعزته، وحكمته، ومظاهر ذلك من إنزال الكتب، وإلزام الناس بها، وعدم قبوله- ﷻ إلا الإسلام دينا، وكيف أن الإسلام يتمثل بالمتابعة والطاعة. ويأتي الآن القسم الثاني وفيه تصحيح لمفاهيم أهل الكتاب عن عيسى ﵇، إذ هتك النصارى بمفاهيمهم المنحرفة عن عيسى ﵇، كل مقامات الألوهية ومقتضياتها، فجاء القسم الثاني ليصحح ذلك كله، وليعطينا تصورا عن هذا الموضوع، ينسجم مع المعاني التي قدمها لنا القسم الأول، ليكون القسمان بمثابة مقدمتين لفتح حوار شامل مع أهل الكتاب، ثم ليكون ذلك بمثابة الأساس الذي يبنى عليه القسمان الأخيران فى التوجيهات المباشرة للأمة الإسلامية. فلننتقل إذن إلى القسم الثاني في السورة بعد أن عرفنا محله في سياقها.

стр. 720

القسم الثاني من سورة آل عمران يمتد هذا القسم من الآية (٣٣) إلى نهاية الآية (٦٣) وهذا هو: [سورة آل عمران (٣): الآيات ٣٣ الى ٤١] إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧) هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (٤٠) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤١)

стр. 721

[سورة آل عمران (٣): الآيات ٤٢ الى ٥٤] وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢) يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤)

стр. 722

[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥٥ الى ٥٨] إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) *** [سورة آل عمران (٣): الآيات ٥٩ الى ٦٣] إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣) كلمة في هذا القسم: نلاحظ أن بداية هذا القسم قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ونهايته: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. فَإِنْ

стр. 723

تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ. والذي دلنا على أنه قسم كامل: المعاني من جهة، والخاتمة التي تشبه خاتمة القسم الأول من جهة أخرى. فخاتمة القسم الأول كما ذكرنا هي: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ وهاهنا: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ والقسم هذا يقص علينا قصة زكريا، وقصة مريم، وقصة المسيح ﵈. فيعرض الله علينا في قصة زكريا كيف رزقه الله على الكبر يحيى، وكانت زوجته عاقرا، وذلك كمقدمة للكلام عن خلق عيسى بلا أب. فالقدرة الصالحة لذلك صالحة لهذا، ومن ثم تأتي قصة مريم وحملها بعيسى ﵈ جميعا، ثم ما كان من شأن عيسى، ثم إقامة الحجة على أن ما قصه الله- علينا في شأنه هو الحق الخالص. وكما قلنا من قبل، فإن القسم الأول، والقسم الثاني يوطئان للقسم الثالث الذي يفتح الحوار الشامل مع أهل الكتاب. تحدث القسم الأول عن مظاهر وحدانية الله، وقيوميته، وعزته وحكمته بإنزاله الكتب، ومنها القرآن، وأنه لا يقبل إلا الإسلام دينا، وإيجابه متابعة رسوله ﷺ محمدا وإيجابه طاعته، وطاعة رسوله ﷺ ، ويأتي بعد ذلك هذا القسم، فيتحدث في البداية، عن اصطفاء الله آدم ونوحا وآل إبراهيم- ومحمد ﷺ من آل إبراهيم- كما يتحدث عن اصطفائه آل عمران، ثم يحدثنا عما تظهر به حكمة الاصطفاء. والاصطفاء أصلا من مظاهر عزته وحكمته- ﷻ ومن ثم جاء في أواخر القسم قوله تعالى: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فالكلام في القسم الثاني استمرار للكلام عن الوحدانية والقيومية والعزة والحكمة، خاصة وقد حدث خلل في شأن التوحيد من خلال نظرة الكثيرين إلى عيسى ﵇. كان في القسم الأول حديث مع أهل الكتاب وعنهم. وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ. فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ.

стр. 724

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فمن أهم ما وقع فيه الخلاف بين أهل الكتاب موضوع عيسى ﵊، فاليهود كذبوه، والنصارى اختلفوا في شأنه ثم استقر الأمر عندهم على تأليهه. وجاء هذا القسم ليبين هذه الأمور. قلنا إن سورة آل عمران تفصيل لمحورها من سورة البقرة، ومحورها هو مقدمة سورة البقرة. وفي مقدمة سورة البقرة جاء قوله تعالى: الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وفي هذا القسم نرى قوله تعالى: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ. فالقسم يقص علينا صفحة من صفحات الغيب الذي يجب أن نؤمن به. فصلة هذا القسم في تفصيل مقدمة سورة البقرة واضحة، ففي مقدمة سورة البقرة كلام عن الكافرين، وما أعد الله لهم من عذاب عظيم. وفي هذا القسم نرى: فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ .... وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا ... فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فالقسم يفصل في قضية الإيمان بالغيب، ويفصل في قضية الكفر، وفي كل تفصيل لمقدمة سورة البقرة. قد يقول قائل: إن القرآن كله تفصيل لهاتين القضيتين فلماذا نربط ما ورد فيه من ألفاظ بعينها بمكان بعينه كربطنا هذا القسم بمقدمة سورة البقرة؟ ونقول: نحن الآن نسجل ملاحظات، فإذا اجتمع لنا من الملاحظات ما هو كاف لتأكيد وجهة نظرنا من أول القرآن إلى آخره، فلا لوم علينا. وحيثما رأى أحد أننا تكلفنا في هذه الملاحظات فعليه واجب الرد، وعلينا واجب التراجع. قلنا من قبل: إن سورة آل عمران تفصل في مقدمة سورة البقرة، وفيما هو امتداد لمعاني مقدمة سورة البقرة في سورة البقرة نفسها، ومما جاء في سورة البقرة. وهو امتداد لمعاني مقدمتها- قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ* تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ

стр. 725

دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ. لاحظ أنه في هذا القسم جاءت هذه الآية: ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ* إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ .. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ... لاحظ التشابه بين آيتي سورة البقرة، وهذه الآيات فالقسم كله تفصيل لبعض ذلك المقام في سورة البقرة. يتألف القسم من آيتين هما بمثابة المدخل للكلام عن القسم، ثم ثلاث فقرات: الفقرة الأولى تبدأ بقوله تعالى إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ .... الفقرة الثانية تبدأ بقوله تعالى وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ. الفقرة الثالثة تبدأ بقوله تعالى إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ. والفقرات الثلاث تقص الحق وهي تصحح. ولنبدأ عرض القسم. الآيتان اللتان هما بمثابة «المدخل» إلى القسم الثاني إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ* ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. المعنى العام: يخبر الله تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض. فاصطفى آدم ﵇: خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شئ. وأسكنه الجنة، ثم أهبطه منها لما له في ذلك من الحكمة. واصطفى نوحا ﵇، وأرسله إلى قومه لما عبدوا الأوثان، وأشركوا بالله، وانتقم له لما طالت مدته بين ظهراني قومه يدعوهم إلى الله ليلا ونهارا، سرا وجهارا، فلم يزدهم ذلك إلا فرارا، فدعا عليهم، فأغرقهم الله عن آخرهم، ولم ينج منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه الله ليدعو إليه. واصطفى آل إبراهيم: إسماعيل وإسحاق وذرياتهما، ومنهم سيد البشر خاتم الأنبياء على الإطلاق محمد ﷺ ، واصطفى آل عمران، والمراد بعمران هنا والد مريم بنت عمران أم عيسى، اصطفاهم على الناس أجمعين. وآل عمران وآل إبراهيم ذرية واحدة، متسلسل بعضها من بعض، ولم يصطفها الله عبثا بل اصطفاها بعلمه فيها، وسمعه لأقوالها، وما في أنفسها.

стр. 726

المعنى الحرفي: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى: أي اختار آدَمَ أبا البشر وَنُوحاً شيخ المرسلين وَآلَ إِبْراهِيمَ إسماعيل وإسحاق والصالحين من ذريتهما وَآلَ عِمْرانَ أم يحيى، وأم عيسى، ويحيى وعيسى وزكريا عَلَى الْعالَمِينَ على عالمي زمانهم. ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ أي إن الآلين آل إبراهيم، وآل عمران ذرية واحدة متسلسلة، بعضها متشعب من بعض نسبا ودينا. وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يسمع افتقار الحال والمقال فيصطفي؛ ويعلم من يصلح للاصطفاء. فائدة حول السياق: بعد إذ قرر الله بهاتين الآيتين اصطفاءه لمن ذكر، وأن هذا الاصطفاء قائم على علم، تأتي الآن فقرتان معطوفتان على بعضهما، الأولى مبدوءة ب (إذ) والثانية ب (وإذ)، وفي كل منهما يبين الله- ما يشعر بحكمة الاصطفاء، فإذا اصطفى اصطفى بعلم. تفسير الفقرة الأولى: إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ هي أم مريم، وجدة عيسى، وجدة يحيى رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً، المحرر: هو المعتق المفرغ الخالص للعبادة، وخدمة الله بخدمة بيت المقدس هنا، نذرت ألا يكون لأحد يد عليه، ولا يستخدم لغرض خاص، وهذا النوع من النذر كان مشروعا عندهم. والمعنى: إنى أوجبت لك أن يكون ما في بطني خالصا لعبادتك، وخدمة بيتك فَتَقَبَّلْ مِنِّي التقبل: أخذ الشئ على الرضا به، أي فتقبل مني نذري. إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ أي: السميع لدعائي، العليم بنيتي فَلَمَّا وَضَعَتْها أي: فلما وضعت النسمة التي في بطنها فتبين لها أنها أنثى قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى قالت: هذا على وجه التحزن والتحسر، قال الله: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ أي: والله أعلم بالشئ الذي وضعت، وما علق به من عزائم الأمور، وأتمت أم مريم قولها بالاعتذار والتحزن وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى في القوة والجلد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى. وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ قال النسفي: وإنما ذكرت حنة- أي أم مريم- تسميتها مريم لربها لأن مريم في لغتهم العابدة، فأرادت بذلك التقرب والطلب إليه أن يعصمها حتى

стр. 727

يكون فعلها مطابقا لاسمها، وأن يصدق فيها ظنها بها وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ الرجيم: الملعون. أي وإنني أجيرها بك وأولادها من الشيطان الملعون. فوائد: ١ - من هذا السياق نعلم لماذا استحق آل عمران الاصطفاء من الله: حرصهم على الخير، وعلى العبادة، وعلى الخدمة لله فيهم، وفي ذريتهم، وخوفهم من الله والتجائهم إليه أن لا يسيروا في طريق الشيطان، وغير ذلك مما تراه خلال السياق. ٢ - في قوله تعالى على لسان أم مريم وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى قاعدة عظيمة: فالأنثى ليست كالذكر في تركيبها الجسمي، ولا في تركيبها النفسي، ومن ثم فلا بد أن تكون وظيفتها الحياتية تختلف عن وظيفة الذكر، ولا بد أن يترتب على ذلك اختلاف في المسئوليات، واختلاف في الحقوق والواجبات، ومن أراد المساواة المطلقة بين الرجال والنساء، فليسو بينهما في التركيب الجسمي والنفسى أولا ثم فليطالب. ٣ - لقد أعاذت أم مريم بنتها وذريتها من الشيطان الرجيم، وقد استجاب الله لها ذلك وقد قال ﵇ في الحديث الصحيح: «ما من مولود إلا مسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخا من مسه إياه، إلا مريم وابنها». ٤ - عند قوله تعالى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ قال ابن كثير: فيه دليل على جواز التسمية بعد الولادة كما هو الظاهر من السياق، لأنه شرع من قبلنا. وقد حكي مقررا وبذلك ثبتت السنة عن رسول الله ﷺ حيث قال: «ولد لي الليلة ولد سميته باسم أبي إبراهيم» أخرجاه. وكذلك فيها أن أنس بن مالك ذهب بأخيه حين ولدته أمه إلى رسول الله ﷺ فحنكه، وسماه عبد الله. وفي صحيح البخاري «أن رجلا قال: يا رسول الله، ولد لي الليلة ولد فما أسميه؟ قال: سم ابنك عبد الرحمن». وثبت في الصحيح أيضا أنه لما جاءه أبو أسيد بابنه ليحنكه، فذهل عنه، فأمر به أبوه، فرد إلى منزلهم، فلما ذكر رسول الله ﷺ في المجلس سماه المنذر. فأما حديث قتادة عن الحسن البصري عن سمرة بن جندب أن رسول الله ﷺ قال: «كل غلام مرتهن بعقيقته، يذبح عنه يوم السابع ويسمى، ويحلق رأسه». فقد رواه أحمد، وأهل السنن، وصححه الترمذي، وروي (ويدمى) وهو أثبت وأحفظ،

стр. 728

والله أعلم» أقول: لكن نص الإمام مالك في موطئه على أنه لا يسن أن يدمى الطفل من دم العقيقة وعلى هذا فالسنة في يوم التسمية أوسع من أن تقيد باليوم الأول فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ أي: فتقبل الله مريم من أمها، ورضي بها في النذر مكان الذكر، وهذا هو القبول الحسن: وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً. أي: جعلها شكلا مليحا، ومنظرا بهيجا، ويسر لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم العلم والخير والدين. وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا أي: جعله كافلا لها، وضامنا لمصالحها. وإنما قدر الله كون زكريا كافلا لها لتقتبس منه علما جما نافعا، وعملا صالحا. وإنما كان زوج أختها كما ورد في الصحيح «فإذا بيحيى وعيسى وهما ابنا الخالة»، وقيل زوج خالتها. كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً. المحراب هو أشرف المجالس لكونه مخصصا للعبادة، فيه يحارب الشيطان. أي كلما دخل عليها زكريا مكان عبادتها، وكان لا يدخل عليها إلا هو وحده وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً طعاما. كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف. قال ابن كثير: وفيه دلالة على كرامات الأولياء وفي السنة لهذا نظائر قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا أي: من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا وهو آت في غير حينه قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وفى ذلك دليل على أنه خارق للعادة، فهو من باب الكرامات إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ أي لا يحصيه العباد لكثرته، أو تفضلا منه بغير محاسبة ومجازاة على عمل، ويحتمل أن يكون هذا جزءا من كلامها، أو هو كلام مستأنف. فلما رأى زكريا حال مريم، وكرامتها على الله، ورأى فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، طمع في الولد الصالح، وإن كان في غير أوانه لكبر سنه، ولكون زوجه عاقرا، ولذلك دعا الله تعالى هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ أي: في ذلك المكان حيث هو قاعد عند مريم في المحراب، أو في ذلك الوقت دعا ربه قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً أي: ولدا صالحا، والذرية تطلق على المفرد والجمع إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ أي مجيبه. فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ. أي: خاطبته الملائكة شفاها خطابا أسمعته وهو قائم يصلي في محراب عبادته، ومحل خلوته، ومجلس مناجاته أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى وفيه دليل على أن المرادات تطلب بالصلوات- وفيها إجابة الدعوات- وقضاء الحاجات، قال ابن عطاء: ما فتح الله على عبد حالة سنية إلا باتباع الأوامر، وإخلاص الطاعات، ولزوم المحاريب مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ كلمة الله تحتمل هنا عيسى، لأن تكونه كان بكلمة: «كن» بلا أب. وتحتمل

стр. 729

كتاب الله. فالنص هنا يفيد إما أن يحيى يكون مؤمنا بعيسى، أو أنه مؤمن بكتاب ربه وكلماته. وَسَيِّداً السيادة: هي التفوق في الشرف، وسببها في الإسلام الحلم والعبادة، والعلم والتقوى، والخلق والدين. وقد اجتمع ليحيى هذا كله. وَحَصُوراً الحصور: هو الذي لا يقرب النساء، إما بحصره نفسه، أي بمنعه لها من الشهوات، أو بخلق الله إياه بلا شهوة. قال القاضي عياض في كتابه الشفاء: اعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى أنه كان حصورا ليس كما قاله بعضهم: أنه كان هيوبا، أو لا ذكر له، بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين، ونقاد العلماء، وقالوا: هذه نقيصة وعيب، ولا يليق بالأنبياء ﵈، وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب، أي لا يأتيها، كأنه حصور عنها، وقيل مانعا نفسه من الشهوات. وقيل ليست له شهوة في النساء. وقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص، وإنما الفضل في كونها موجودة ثم يمنعها، إما بمجاهدة كعيسى، وإما بكفاية من الله- كيحيى. ثم هي في حق من قدر عليها، وقام بالواجب فيها، ولم تشغله عن ربه، درجة عليا وهي درجة نبينا ﷺ الذي لم يشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة بتحصينهن، وقيامه عليهن، وإكسابه لهن، وهدايته إياهن ... وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ هذه بشارة بالنبوة، بعد البشارة بالولادة، وهي أعلى من الأولى، والمعنى: ونبيا ناشئا من الصالحين، لأنه من أصلاب الأنبياء، أو كائنا من جملة الصالحين. فلما تحقق زكريا ﵇ هذه البشارة أخذ يتعجب من وجود الولد منه بعد الكبر، وهو تعجب من حيث العادة، واستعظام للقدرة. قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ أي: أدركتني السن العالية وأضعفتني وَامْرَأَتِي عاقِرٌ لم تلد. قالَ أي الملك كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ من الأفعال العجيبة. أي هكذا أمر الله، عظيم لا يعجزه شئ، ولا يتعاظمه أمر. قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً أي علامة أعرف بها الحبل؛ لأتلقى النعمة بالشكر إذا جاءت. قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً أي: علامة ذلك ألا تقدر على تكليم الناس إلا إشارة بيد، أو رأس، أو عين، أو حاجب، مع أنك سوي صحيح. وإنما خص تكليم الناس ليعلم أنه يحبس لسانه عن القدرة على تكليمهم خاصة. مع إبقاء قدرته على التكلم بذكر الله، ولهذا قال وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ. العشي في اللغة: من حين الزوال إلى الغروب، والمراد بها هنا أوسع من ذلك والله أعلم، والإبكار: من طلوع الفجر إلى وقت الضحى. أمره بالذكر والتسبيح في أيام عجزه عن تكليم الناس، ليخلص المدة

стр. 730

لذكر الله. فلا يشغل لسانه بغيره. تفسير الفقرة الثانية: وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ هذا معطوف على بداية الفقرة الأولى إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ ... وهذا يؤكد أن الفقرة هذه قد جاءت في سياق التبيان لحكمة الله في الاصطفاء؛ بدليل العطف هنا، وذكر الاصطفاء صراحة. وفي الآية إخبار عما خاطبت به الملائكة مريم ﵍ عن أمر الله لهم بذلك، أن الله قد اختارها لكثرة عبادتها وزهادتها وشرفها وَطَهَّرَكِ مما يستقذر من الأفعال والأحوال والأقوال، والأكدار، والهواجس، والوساوس وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ بما سيكرمها الله- به من رزقها عيسى من غير أب، ولم يكن ذلك لأحد من النساء. ثم إن الملائكة أمروها بكثرة العبادة، والخشوع والركوع والسجود، والدأب في العمل؛ لما يريد الله بها من الأمر الذي قدره لها وقضاه، مما فيه محنة لها، ورفعة في الدارين؛ بما أظهره الله فيها من قدرته العظيمة حيث خلق منها ولدا من غير أب يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ القنوت: هو الطاعة في خشوع وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ أي: كوني منهم بفعل فعلهم. ذلِكَ إشارة إلى ما سبق من قصة أم مريم، ومريم، وزكريا وزوجته مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ أي: من أخبار الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي، وذلك دليل على ما ذكرنا أن هذه الفقرات إنما هي صفحات من الغيوب التي يجب الإيمان بها، فهي تفصيل لما أجمل في مقدمة سورة البقرة، في قوله تعالى الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ. وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ. نفهم من ذلك ما أجمل من قبل، فنعلم أن مريم لم تدخل في كفالة زكريا إلا بعد قرعة وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ. نفهم من ذلك أنه كان هناك نزاع حول كفالة مريم، والأقلام: هي الأقداح التي تمت فيها القرعة. فوائد: ١ - نلاحظ أن هذه الفقرة مترابطة مع ما قبلها بأكثر من رباط، ومن جملة ما نلاحظه، أن الفقرة الأولى أسست لهذه الفقرة، إذ إن هذه الفقرة ستقص علينا قصة الحمل بعيسى من غير أب، فمهدت الفقرة السابقة لذلك بقصها علينا قصة حمل أم

стр. 731

يحيى بيحيى، وهي عاقر، مع ذكرها قصة ولادة مريم، وابتهال أمها، ثم قصة صلاحها وطهارتها، وما أكرمها الله به. وكل ذلك يجعل الاستعداد كاملا لتلقي نبأ الحمل بعيسى من غير أب. فالأولى من الفقرات تقص علينا قصة حمل عاقر، والثانية تقص علينا قصة حمل من غير أب، والفقرة الثالثة تذكرنا بخلق بلا أب ولا أم، وتأتي قصة عيسى في الوسط. ٢ - لاحظنا في هذه الفقرة خطاب الملائكة لمريم، ومريم- بنص القرآن- صديقة، فهي ليست نبية، ولا تكون النبوة إلا في الرجال كما سنرى، فدل ذلك على أنه يمكن لغير الأنبياء أن يخاطبوا من قبل الملائكة، أو يكشف لهم شئ من عالم الغيب من باب الكرامات، ويشهد لهذا كثير من النصوص الصحيحة، مما نتعرض له إذا جاءت مناسبته. وفي هذا النص دليل أيما دليل على صحة هذا. ومن أقبل على الله بالسنة، فتح الله عليه إن شاء. وقد قال ﵊ لأبي بكر وحنظلة في الحديث الذى رواه مسلم: «لو تدومون على ما أنتم عليه عندي وفي الذكر؛ لصافحتكم الملائكة». ٣ - في الصحيحين عن علي بن أبي طالب قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد» المعنى: خير نساء بني إسرائيل مريم، وخير نساء هذه الأمة خديجة. وروى الترمذي وصححه عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون» وأخرج الجماعة إلا أبا داود، عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون». أي: من الأمم السابقة والله أعلم. ولفظ البخاري: «ويكمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام». ٤ - في قوله تعالى ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ أي نقصه عليك وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ أي: ما كنت عندهم يا محمد، فتخبرهم عن معاينة عما جرى، بل أطلعك الله على ذلك؛ كأنك حاضر وشاهد لما كان من أمرهم حين اقترعوا

стр. 732

في شأن مريم، أيهم يكفلها، وذلك لرغبتهم في الأجر. في هذا الموضوع مظهر من مظاهر الإعجاز في القرآن، إذ حدثنا القرآن عن كثير من الأمور الماضية، مما لا يعرفها العرب إطلاقا، وعلى غاية من الدقة، بما لا يمكن أن يكون لو لم يكن هذا القرآن من عند الله المحيط علما بكل شئ. إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ مبشرة مريم يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ أي بولد يكون وجوده بكلمة من الله، أي يقول له: كن فيكون اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ هذا اسمه الذي يعرفه به المؤمنون. وفي قوله ابن مريم إعلام لها بإنه يولد من غير أب، فلا ينسب إلا إلى أمه، وفي ذلك شرف لها وبشارة. واختلفوا لماذا سمي المسيح؟ فقيل: لأنه إذا مسح ذا عاهة برأ، وقيل: لكثرة سياحته فلا يستوطن مكانا، وقيل: معناه في العبرانية المبارك وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أي: ذا جاه وقدر في الدنيا بالنبوة والطاعة، وفي الآخرة بعلو الدرجة والشفاعة. وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ عند الله. وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا أي: يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له. في حال صغره معجزة وآية، وفي حال كهولته حين يوحي الله إليه، فهو يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة التي يكمل فيها العقل، وينبأ فيها الأنبياء وَمِنَ الصَّالِحِينَ أي: في قوله وعمله، له علم صحيح، وعمل صحيح. فلما سمعت بشارة الملائكة لها بذلك عن الله قالَتْ مناجية ربها: رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ تقول متعجبة متهيبة: كيف يوجد هذا الولد مني وأنا لست بذات زوج، ولا من عزمي أن أتزوج، ولست بغيا؟؟ فقال لها الملك عن الله- في جواب ذلك السؤال قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ أي: هكذا أمر الله عظيم لا يعجزه شئ، وصرح هاهنا بقوله يَخْلُقُ ما يَشاءُ وفي قصة زكريا يَفْعَلُ ما يَشاءُ صرح بلفظ الخلق لئلا يبقى لمبطل شبهة، وأكد ذلك بقوله إِذا قَضى أَمْراً أي إذا قدره فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أي: فلا يتأخر شئ أراد خلقه. والتعبير بلفظة كن، إخبار عن سرعة تكون الأشياء بتكوينه، ثم أخبر عن تمام بشارة الملائكة لمريم بابنها عيسى ﵉ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ يحتمل هنا الكتابة، أو كتب الله أو ما افترضه الله من المكتوبات على الخلق وَالْحِكْمَةَ أي: وضع الأمور في مواضعها على ضوء الحلال والحرام وَالتَّوْراةَ التي

стр. 733

أنزلت على موسى ﵇ وَالْإِنْجِيلَ الذي سينزله الله عليه وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أي: ونجعله رسولا إلى بني إسرائيل فهو مرسل إليهم خاصة قائلا لهم: أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أي: بعلامة خارقة، ودلالة تدل على صدقي فيما أدعيه من النبوة وهي: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وكذلك يفعل، يصور من الطين شكل طير ثم ينفخ فيه فيطير عيانا بإذن الله- الذي جعل هذا معجزة له تدل على أنه أرسله. وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ أي: الذي ولد أعمى، يجعله بصيرا وَالْأَبْرَصَ أي: ويبرئ الأبرص وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ كررت الكلمة بإذن الله على لسان عيسى لتعلم عبوديته، ولدفع أي توهم بربوبيته وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ أي: وأخبركم بما أكل أحدكم الآن وما ادخر في بيته لغده. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ أي: على صدقي فيما جئتكم به إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بالله وأفعاله وآياته وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ أي مقررا لها ومثبتا. أي قد جئتكم بآية، وجئتكم مصدقا للتوراة وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ في شريعة موسى، وفيه دلالة على أن عيسى ﵇ نسخ بعض شريعة التوراة. وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أي: بحجة ودلالة على صدقي فيما أقوله لكم، وكرر للتأكيد. فَاتَّقُوا اللَّهَ في تكذيبي وخلافي وَأَطِيعُونِ في أمري. إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أي: أنا وأنتم سواء في العبودية لله، والخضوع والاستكانة إليه. وهذا إعلان للعبودية، ونفي للربوبية عن نفسه، بخلاف ما يزعم النصارى. هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ أي: إعلان العبودية لله، وإعطاؤه الربوبية، وحسن عبادته، هذا هو الصراط المستقيم الذي يؤدي بصاحبه إلى النعيم المقيم. جاء هذا كله في معرض البشارة لمريم بعيسى، ثم نقلنا الله- إلى موقف قوم عيسى منه، وموقفه بسبب ذلك. فكأنه قال: هذا الذي بشرت به مريم، في شأن ابنها كان، فماذا حدث إذ كان؟ حدث أن قابل اليهود هذا كله بالكفر. فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ فلما علم من اليهود كفرا، علما لا شبهة فيه، كعلم ما يدرك بالحواس، أو فلما استشعر منهم التصميم على الكفر، والاستمرار على الضلال، قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ الأنصار جمع نصير وناصر، أي من ينصرني في الدعوة إلى الله؟ قالَ الْحَوارِيُّونَ: نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ الحواري هو صفوة الرجل وخاصته، أي قال له صفوة أصحابه: نحن أعوان دين الله آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ أي: صدقنا بالله ونطلب شهادتك على إسلامنا، وإنما طلبوا

стр. 734

شهادته بإسلامهم تأكيدا لإيمانهم؛ لأن الرسل يشهدون يوم القيامة لقومهم، وعليهم. والملاحظ أنهم أعلنوا الإيمان، وطلبوا الشهادة على الإسلام، فدل على أن الإيمان الكامل، والإسلام الكامل شئ واحد. وبعد أن قالوا هذا لعيسى، قالوا لله مقرين وداعين رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ أي بالإنجيل وما قبله وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ أي عيسى فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ أي: مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم، أو مع الذين يشهدون لك بالوحدانية، أو مع أمة محمد ﷺ الذي بشر به عيسى فعرفوا منه أنهم (أي أمة محمد) شهداء الله على الناس، فطلبوا أن يشاركوهم في هذا الشرف. والتفسير الأخير مروي بسند جيد عن ابن عباس. وَمَكَرُوا أي: كفار بني إسرائيل الذين أحس عيسى منهم الكفر حتى أرادوا قتله وصلبه وَمَكَرَ اللَّهُ أي: جازاهم على مكرهم؛ بأن رفع عيسى إلى السماء، وألقى شبهه على من أراد اغتياله حتى قتل. ولا يجوز إضافة المكر إلى الله تعالى إلا على معنى الجزاء، لأنه مذموم عند الخلق، وعلى هذا الخداع والاستهزاء وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ أي: أقوى المجازين، وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب.

стр. 735

فوائد: ١ - قال كثير من العلماء: بعث الله كل نبي بمعجزة تناسب أهل زمانه، وتقوم عليهم الحجة بها من خلال اهتماماتهم، وما يبرعون فيه. ومن ثم كانت معجزة عيسى إبراء الأكمه والأبرص ... وإحياء الموتى، لأن علم الطب، والطبيعة كانا مثار اهتمام في البلاد التي تسيطر عليها الدولة الرومانية، فجاءهم بما يسلم به الجميع من أن هذا رسول الله. ٢ - في قوله تعالى: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ دليل على أن النسخ قد وقع في شريعة عيسى لشئ من شريعة موسى. والنصارى في عصورنا المتأخرة أنكروا النسخ سواء كان نسخ شريعة نبي لنبي آخر، أو النسخ ضمن شريعة النبي الواحد من أجل أن يبطلوا شريعتنا، وقد رد عليهم أبلغ رد من كتبهم، وأقوال علمائهم: رحمة الله بن خليل الهندي في كتابه (إظهار الحق) إذ أثبت من خلال كتبهم: أن نسخ شريعة نبي لشريعة نبي آخر، قائم، والنسخ ضمن الشريعة الواحدة قائم. فليراجع الكتاب. وبعد ما مر يبين الله- كيف فوت على الماكرين بعيسى مكرهم: إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ الأكثرون من المفسرين على أن المراد بالوفاة هنا النوم، أي منيمك، ومنهم من قال: إني قابضك إلي. ومنهم من قال: المعنى: إني متوفيك وفاة وعاصمك من أن يقتلك الكفار، وهذه بشارة له بعدم القتل، وسيكون موته بعد نزوله من السماء وَرافِعُكَ إِلَيَّ، أي: إلى سمائي، ومقر ملائكتي؛ بدليل رؤيته من رسولنا ﵊ يوم المعراج في السماء. وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي: من سوء جوارهم، وخبث صحبتهم؛ برفعي إياك إلى السماء وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ أي: المسلمين لأنهم متبعوه في أصل الإسلام وإن اختلفت الشرائع دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود والنصارى. فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ فوقهم بالحجة والبيان، وبالسيف في كثير من الأحوال. ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ في الآخرة فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ثم بين الله- ما هو الحكم الذي سيحكمه فقال: فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ في الدنيا بالقتل والسبي وأخذ الأموال، وإزالة الأيدي عن الممالك، وفي الدار الآخرة عذابهم أشد وأشق. وَأَمَّا

стр. 736

الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ أي في الدنيا والآخرة. في الدنيا بالنصر والظفر، وفي الآخرة بالجنات العاليات. وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ولذلك يعاقبهم في الدنيا والآخرة. وتختم هذه الفقرة بقوله تعالى ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ أي هذا الذي قصصنا عليك يا محمد في أمر عيسى، ومبدأ ميلاده، وكيفية أمره، واصطفائه وأهله، وما أكرمه الله به من المعجزات التي لا شك فيها ولا شبهة ولا ريب، وذلك كله من الذكر الناطق بالحكمة وهو القرآن. فائدة: في قوله تعالى وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ بشارة للمؤمنين إذ نحن المتبعون الحقيقيون لعيسى ولغيره من الأنبياء إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا فإن أحسنا فنحن فوق العالمين جميعا. وهل في النص إشارة إلى أن الأتباع الصوريين لعيسى سيعلون على الكافرين من غير اتباعه؟ يحتمل بعضهم ذلك. وقد أكرمنا الله خلال العصور بغلبة الكافرين من كل جنس ولون. ولقد أصابنا ما أصابنا في الفترة المتأخرة لإهمالنا ديننا، فإن عدنا عاد الله علينا بالنصر، ونحن موعودون بفتح روما، والمستقبل لهذا الدين، وهذا موضوع سيأتي. الفقرة الثالثة إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ* الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ* فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ* إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ. المعنى العام: يبين الله- أن خلق عيسى من غير أب في قدرة الله، كخلق آدم من غير أم ولا أب، بل من تراب. فالذي خلق آدم من غير أب ولا أم قادر على أن يخلق عيسى من غير أب بالطريق الأولى أو الأحرى. وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى لكونه مخلوقا من غير أب، فجواز ذلك في آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالاتفاق

стр. 737

أن ذلك باطل، فدعواه في عيسى أشد بطلانا، وأظهر فسادا. ولكن الرب ﷻ أراد أن يظهر قدرته لخلقه حين خلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى. ثم بين الله- أن هذا هو القول الحق في عيسى الذي لا محيد عنه، ولا صحيح سواه وماذا بعد الحق إلا الضلال. ثم أمر الله رسوله ﷺ . أن يباهل من عاند الحق في أمر عيسى بعد ظهور البيان. أي أن يتلاعن مع من يدعي غير هذا في شأن عيسى، فيدعو كل على الكاذب في شأن عيسى أن تنزل به لعنة الله. ثم أكد الله- أن ما قصه علينا في شأن عيسى هو الحق الذي لا معدل عنه، ولا محيد، وأن الله متصف بالوحدانية وأنه العزيز الحكيم. ثم بين أن الذي يتولى عن هذا إلى غيره. هو المفسد، والله عليم به، وسيجزيه على ذلك شر الجزاء وهو القادر الذي لا يفوته شئ. المعنى الحرفي: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ أي: إن شأن عيسى وحاله الغريبة في قدرة الله، كشأن آدم ﵇ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ أي: قدره جسدا من طين ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، أي: ثم أراده بشرا فكان. شبه عيسى بآدم مع أن وجود آدم بلا أب وأم أغرب وأكثر خرقا للعادة فشبه الغريب بالأغرب؛ ليكون أقطع للخصم، وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أي: هذا هو القول الحق من الله أيها السامع، أو أيها الرسول، فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ أي: من الشاكين. والنهي هنا من باب التهييج لزيادة الثبات، لأن الخطاب إن كان لرسول الله، فإنه معصوم ﵇ من الامتراء، أو أن الخطاب هنا للأمة من خلال شخصه ﵇. فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ، أي: فمن جادلك من النصارى في شأن عيسى، مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أي: من بعد ما جاءك من البينات الموجبة للعلم، فَقُلْ تَعالَوْا أي

стр. 738

احزموا أمركم وهلموا. نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ أي نتباهل بأن نقول: بهلة الله على الكاذب منا ومنكم. والبهلة: اللعنة، وأصل الابتهال هذا، ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه، وقد فسرت المباهلة في الآية: فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ. أي: في شأن عيسى منا ومنكم. قال النسفي: وإنما ضم الأبناء والنساء وإن كانت المباهلة مختصة به وبمن يكاذبه، لأن ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزته، وأفلاذ كبده لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته إن تمت المباهلة. وخص الأبناء والنساء. لأنهم أعز الأهل، وألصقهم بالقلوب. وقدمهم في الذكر على الأنفس، لينبه على قرب مكانهم، ومنزلتهم. وفيه دليل واضح على صحة نبوة النبي ﷺ ، لأنه لم يرو عن أحد من موافق أو مخالف، أنهم أجابوا لذلك. إِنَّ هذا أي الذي قص عليك من نبأ عيسى لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ الذي لا مرية فيه. وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ هذا التعبير يفيد الاستغراق في نفي الإلهية عمن سوى الله، وهو رد على النصارى في تثليثهم. وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ في الانتقام، الْحَكِيمُ في تدبير شئون الأنام، وإنزال الأحكام. فَإِنْ تَوَلَّوْا أي: فإن أعرضوا عن هذا، إلى غيره ولم يقبلوه. فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ. هذا وصف لهم بالإفساد في الأرض، وتهديد لهم، ووعيد. وأي إفساد أعظم من نسبة الولد إلى الله!! والدعوة إلى ذلك؟! وأي ذنب أفظع؟ إلا ذنب إنكار وجود الله أصلا. فائدة: ذكر ابن إسحاق أن سورة آل عمران إلى بضع وثمانين منها، نزل بمناسبة مجئ وفد نجران إلى رسول الله ﷺ ، ومناقشته في شأن عيسى. وذكر القصة كلها، وفيها عرض المباهلة عليهم، ورفضهم لها، وقبولهم بالجزية، وإرسال أبي عبيدة بن الجراح معهم ليحكم بينهم بناء على طلبهم رجلا أمينا من هذه الأمة. وننقل هنا مجموعة روايات لها علاقة في بعض جوانب هذا الموضوع وقد مر معنا من قبل شئ له صلة بذلك: أ- روى البخاري عن حذيفة ﵁ قال: جاء العاقب والسيد صاحبا

стр. 739

نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل فو الله لئن كان نبيا فلا عناه، لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا أمينا، ولا تبعث معنا إلا أمينا فقال: لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين. فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﷺ فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح، فلما قام قال رسول الله ﷺ : «هذا أمين هذه الأمة». ب- وروى الحاكم قال: قدم على النبي ﷺ العاقب والطيب، فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه على أن يلاعناه الغداة. قال: فغدا رسول الله ﷺ فأخذ بيد علي، وفاطمة، والحسن والحسين، ثم أرسل إليهما، فأبيا أن يجيبا، وأقرا له بالخراج، قال: فقال رسول الله ﷺ : «والذي بعثني بالحق لو قالا: لا لأمطر عليهم الوادي نارا. قال جابر: وفيهم نزلت نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ. قال جابر: أَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ رسول الله ﷺ ، وعلي بن أبي طالب وأَبْناءَنا الحسن والحسين، وَنِساءَنا فاطمة». ج- روى الإمام أحمد والبخاري وغيرهما عن ابن عباس قال: قال أبو جهل- قبحه الله-: إن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ عنقه قال: «فقال لو فعل لأخذته الملائكة عيانا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا». كلمة في السياق: مر معنا القسم الثاني بمدخله، وفقراته الثلاث، ومن قبل مر معنا القسم الأول من سورة آل عمران بمقطعيه، وقلنا إن القسم الأول والثاني هما مدخل لفتح حوار شامل مع أهل الكتاب، وذلك مضمون القسم الثالث، وقلنا: إن سورة آل عمران تفصل في مقدمة سورة البقرة، وامتدادات معانيها. والآن نسجل ملاحظة: جاءت آية الكرسي في سورة البقرة بعد آية الإنفاق، وجاءت الآيتان بعد قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ* تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وكان للتسلسل على هذه الشاكلة في سورة البقرة حكمته.

стр. 740

وهاهنا نلاحظ أن سورة آل عمران بدأت بقوله تعالى اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وهي بداية آية الكرسي، وبنت على ما يترتب على أن الله كذلك في قسمها الأول، ثم فصلت في المعاني التي سبقت آيتي الإنفاق والكرسي. فههنا تعرض المعاني عرضا جديدا على غير ترتيب عرضها في سورة البقرة لمقتضيات الحكمة والسياق. وإنما أشرنا هذه الإشارة لنؤكد أن لكل سورة سياقها، وأن لكل سورة محورها في سورة البقرة، وأن السورة كما تفصل في محورها من سورة البقرة، تفصل في امتدادات معاني هذا المحور في تلك السورة. والموضوع سيتكشف لنا شيئا فشيئا من خلال العرض الشامل للقرآن الكريم. وقبل أن ننتقل إلى عرض القسم الثالث من السورة نحب أن نعقد فصولا، وننقل نقولا لها صلة بالقسم الثاني فصول ونقول: فصل مؤجل: كيف حدثت هذه العملية الفظيعة: أن ينتقل أتباع المسيح ﵇ من التوحيد إلى التثليث؟ موضوع سنفصل فيه إن شاء الله عند قوله تعالى في سورة براءة: يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فلنؤجل الكلام فيه. فصل: في رفع عيسى ﵇ وهو حي: الذي عليه أهل التحقيق، أن عيسى ﵇ رفعه الله إليه وهو حي. والوفاة المذكورة في قوله تعالى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ المراد بها النوم، أو أنه من باب المقدم والمؤخر والتقدير: إني رافعك إلى ومميتك بعد ذلك أي عند نزولك الأرض مرة ثانية، ففي ذلك بشارة له أنه سيموت موتا ولا يقتل قتلا، لا حالا ولا استقبالا. قال ابن كثير بعد مجموعة نقول: «قال مطر الوراق: إني متوفيك من الدنيا وليس بوفاة موت، وكذا قال ابن جرير توفيه: هو رفعه، وقال الأكثرون: المراد بالوفاة هاهنا النوم كما قال تعالى وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ الآية (سورة الأنعام) وقال تعالى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها الآية: (سورة الزمر) وكان رسول الله ﷺ يقول إذا قام من النوم: «الحمد الله الذي أحيانا بعد ما أماتنا» الحديث، وقال تعالى: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً* وَقَوْلِهِمْ
следующие страницы →