Полный текст (6 440 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ أي في الدنيا والآخرة. في الدنيا بالنصر والظفر، وفي الآخرة بالجنات العاليات. وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ولذلك يعاقبهم في الدنيا والآخرة.
وتختم هذه الفقرة بقوله تعالى ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ أي هذا الذي قصصنا عليك يا محمد في أمر عيسى، ومبدأ ميلاده، وكيفية أمره، واصطفائه وأهله، وما أكرمه الله به من المعجزات التي لا شك فيها ولا شبهة ولا ريب، وذلك كله من الذكر الناطق بالحكمة وهو القرآن.
فائدة:
في قوله تعالى وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ بشارة للمؤمنين إذ نحن المتبعون الحقيقيون لعيسى ولغيره من الأنبياء إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا فإن أحسنا فنحن فوق العالمين جميعا. وهل في النص إشارة إلى أن الأتباع الصوريين لعيسى سيعلون على الكافرين من غير اتباعه؟ يحتمل بعضهم ذلك. وقد أكرمنا الله خلال العصور بغلبة الكافرين من كل جنس ولون. ولقد أصابنا ما أصابنا في الفترة المتأخرة لإهمالنا ديننا، فإن عدنا عاد الله علينا بالنصر، ونحن موعودون بفتح روما، والمستقبل لهذا الدين، وهذا موضوع سيأتي.
الفقرة الثالثة
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ* الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ* فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ* إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ.
المعنى العام:
يبين الله- أن خلق عيسى من غير أب في قدرة الله، كخلق آدم من غير أم ولا أب، بل من تراب. فالذي خلق آدم من غير أب ولا أم قادر على أن يخلق عيسى من غير أب بالطريق الأولى أو الأحرى. وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى لكونه مخلوقا من غير أب، فجواز ذلك في آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالاتفاق
стр. 737
أن ذلك باطل، فدعواه في عيسى أشد بطلانا، وأظهر فسادا. ولكن الرب ﷻ أراد أن يظهر قدرته لخلقه حين خلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى. ثم بين الله- أن هذا هو القول الحق في عيسى الذي لا محيد عنه، ولا صحيح سواه وماذا بعد الحق إلا الضلال.
ثم أمر الله رسوله ﷺ . أن يباهل من عاند الحق في أمر عيسى بعد ظهور البيان. أي أن يتلاعن مع من يدعي غير هذا في شأن عيسى، فيدعو كل على الكاذب في شأن عيسى أن تنزل به لعنة الله.
ثم أكد الله- أن ما قصه علينا في شأن عيسى هو الحق الذي لا معدل عنه، ولا محيد، وأن الله متصف بالوحدانية وأنه العزيز الحكيم.
ثم بين أن الذي يتولى عن هذا إلى غيره. هو المفسد، والله عليم به، وسيجزيه على ذلك شر الجزاء وهو القادر الذي لا يفوته شئ.
المعنى الحرفي:
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ أي: إن شأن عيسى وحاله الغريبة في قدرة الله، كشأن آدم ﵇ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ أي: قدره جسدا من طين ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، أي: ثم أراده بشرا فكان. شبه عيسى بآدم مع أن وجود آدم بلا أب وأم أغرب وأكثر خرقا للعادة فشبه الغريب بالأغرب؛ ليكون أقطع للخصم، وأحسم لمادة شبهته إذا نظر فيما هو أغرب مما استغربه.
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أي: هذا هو القول الحق من الله أيها السامع، أو أيها الرسول، فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ أي: من الشاكين. والنهي هنا من باب التهييج لزيادة الثبات، لأن الخطاب إن كان لرسول الله، فإنه معصوم ﵇ من الامتراء، أو أن الخطاب هنا للأمة من خلال شخصه ﵇.
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ، أي: فمن جادلك من النصارى في شأن عيسى، مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أي: من بعد ما جاءك من البينات الموجبة للعلم، فَقُلْ تَعالَوْا أي
стр. 738
احزموا أمركم وهلموا. نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ أي نتباهل بأن نقول: بهلة الله على الكاذب منا ومنكم. والبهلة: اللعنة، وأصل الابتهال هذا، ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه، وقد فسرت المباهلة في الآية:
فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ. أي: في شأن عيسى منا ومنكم.
قال النسفي: وإنما ضم الأبناء والنساء وإن كانت المباهلة مختصة به وبمن يكاذبه، لأن ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزته، وأفلاذ كبده لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته إن تمت المباهلة. وخص الأبناء والنساء.
لأنهم أعز الأهل، وألصقهم بالقلوب. وقدمهم في الذكر على الأنفس، لينبه على قرب مكانهم، ومنزلتهم. وفيه دليل واضح على صحة نبوة النبي ﷺ ، لأنه لم يرو عن أحد من موافق أو مخالف، أنهم أجابوا لذلك.
إِنَّ هذا أي الذي قص عليك من نبأ عيسى لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ الذي لا مرية فيه. وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ هذا التعبير يفيد الاستغراق في نفي الإلهية عمن سوى الله، وهو رد على النصارى في تثليثهم.
وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ في الانتقام، الْحَكِيمُ في تدبير شئون الأنام، وإنزال الأحكام.
فَإِنْ تَوَلَّوْا أي: فإن أعرضوا عن هذا، إلى غيره ولم يقبلوه. فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ. هذا وصف لهم بالإفساد في الأرض، وتهديد لهم، ووعيد.
وأي إفساد أعظم من نسبة الولد إلى الله!! والدعوة إلى ذلك؟! وأي ذنب أفظع؟ إلا ذنب إنكار وجود الله أصلا.
فائدة:
ذكر ابن إسحاق أن سورة آل عمران إلى بضع وثمانين منها، نزل بمناسبة مجئ وفد نجران إلى رسول الله ﷺ ، ومناقشته في شأن عيسى. وذكر القصة كلها، وفيها عرض المباهلة عليهم، ورفضهم لها، وقبولهم بالجزية، وإرسال أبي عبيدة بن الجراح معهم ليحكم بينهم بناء على طلبهم رجلا أمينا من هذه الأمة. وننقل هنا مجموعة روايات لها علاقة في بعض جوانب هذا الموضوع وقد مر معنا من قبل شئ له صلة بذلك:
أ- روى البخاري عن حذيفة ﵁ قال: جاء العاقب والسيد صاحبا
стр. 739
نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل فو الله لئن كان نبيا فلا عناه، لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلا أمينا، ولا تبعث معنا إلا أمينا فقال: لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين. فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﷺ فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح، فلما قام قال رسول الله ﷺ : «هذا أمين هذه الأمة».
ب- وروى الحاكم قال: قدم على النبي ﷺ العاقب والطيب، فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه على أن يلاعناه الغداة. قال: فغدا رسول الله ﷺ فأخذ بيد علي، وفاطمة، والحسن والحسين، ثم أرسل إليهما، فأبيا أن يجيبا، وأقرا له بالخراج، قال:
فقال رسول الله ﷺ : «والذي بعثني بالحق لو قالا: لا لأمطر عليهم الوادي نارا.
قال جابر: وفيهم نزلت نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ. قال جابر: أَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ رسول الله ﷺ ، وعلي بن أبي طالب وأَبْناءَنا الحسن والحسين، وَنِساءَنا فاطمة».
ج- روى الإمام أحمد والبخاري وغيرهما عن ابن عباس قال: قال أبو جهل- قبحه الله-: إن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ عنقه قال: «فقال لو فعل لأخذته الملائكة عيانا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا».
كلمة في السياق:
مر معنا القسم الثاني بمدخله، وفقراته الثلاث، ومن قبل مر معنا القسم الأول من سورة آل عمران بمقطعيه، وقلنا إن القسم الأول والثاني هما مدخل لفتح حوار شامل مع أهل الكتاب، وذلك مضمون القسم الثالث، وقلنا: إن سورة آل عمران تفصل في مقدمة سورة البقرة، وامتدادات معانيها. والآن نسجل ملاحظة:
جاءت آية الكرسي في سورة البقرة بعد آية الإنفاق، وجاءت الآيتان بعد قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ* تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وكان للتسلسل على هذه الشاكلة في سورة البقرة حكمته.
стр. 740
وهاهنا نلاحظ أن سورة آل عمران بدأت بقوله تعالى اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وهي بداية آية الكرسي، وبنت على ما يترتب على أن الله كذلك في قسمها الأول، ثم فصلت في المعاني التي سبقت آيتي الإنفاق والكرسي. فههنا تعرض المعاني عرضا جديدا على غير ترتيب عرضها في سورة البقرة لمقتضيات الحكمة والسياق.
وإنما أشرنا هذه الإشارة لنؤكد أن لكل سورة سياقها، وأن لكل سورة محورها في سورة البقرة، وأن السورة كما تفصل في محورها من سورة البقرة، تفصل في
امتدادات معاني هذا المحور في تلك السورة. والموضوع سيتكشف لنا شيئا فشيئا من خلال العرض الشامل للقرآن الكريم. وقبل أن ننتقل إلى عرض القسم الثالث من السورة نحب أن نعقد فصولا، وننقل نقولا لها صلة بالقسم الثاني
فصول ونقول:
فصل مؤجل: كيف حدثت هذه العملية الفظيعة: أن ينتقل أتباع المسيح ﵇ من التوحيد إلى التثليث؟ موضوع سنفصل فيه إن شاء الله عند قوله تعالى في سورة براءة: يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فلنؤجل الكلام فيه.
فصل: في رفع عيسى ﵇ وهو حي:
الذي عليه أهل التحقيق، أن عيسى ﵇ رفعه الله إليه وهو حي. والوفاة المذكورة في قوله تعالى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ المراد بها النوم، أو أنه من باب المقدم والمؤخر والتقدير: إني رافعك إلى ومميتك بعد ذلك أي عند نزولك الأرض مرة ثانية، ففي ذلك بشارة له أنه سيموت موتا ولا يقتل قتلا، لا حالا ولا استقبالا.
قال ابن كثير بعد مجموعة نقول: «قال مطر الوراق: إني متوفيك من الدنيا وليس بوفاة موت، وكذا قال ابن جرير توفيه: هو رفعه، وقال الأكثرون: المراد بالوفاة هاهنا النوم كما قال تعالى وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ الآية (سورة الأنعام) وقال تعالى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها الآية: (سورة الزمر) وكان رسول الله ﷺ يقول إذا قام من النوم: «الحمد الله الذي أحيانا بعد ما أماتنا» الحديث، وقال تعالى: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً* وَقَوْلِهِمْ
стр. 741
إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ إلى قوله: وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً* وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً والضمير في قوله قبل موته عائد على عيسى ﵇ أي: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى، وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة على ما سيأتي بيانه فحينئذ يؤمن به أهل الكتاب كلهم؛ لأنه يضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أحمد بن عبد الرحمن حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه حدثنا الربيع بن أنس عن الحسن أنه قال في قوله تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ يعني وفاة المنام رفعه الله في منامه. قال الحسن: قال رسول الله ﷺ لليهود «إن عيسى لم يمت وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة».
أقول: والذي دعا أهل التحقيق للجزم بهذا، هو النصوص المتواترة في نزول المسيح ﵊ إلى الأرض قبيل قيام الساعة كما سنرى، وقد جرت سنة الله- أنه إذا أمات عبدا لا يرجعه إلى الدنيا إلا خرقا لعادة، وقد رد أبو بكر على عمر ﵄ عند ما ذهب عمر إلى أن رسول الله ﷺ سيعود إلى الحياة بعد وفاته، بأن الله- لا يجمع على رسول الله ﷺ ميتتين، وقد يستأنس بعضهم لذلك بما ذكره إنجيل برنابا- والله أعلم بصحته- على لسان المسيح ﵊ لأمه:
«صدقيني يا أماه لأني أقول لك بالحق، إني لم أمت قط لأن الله قد حفظني إلى قرب انقضاء العالم».
فصل في نبوة النساء:
لا خلاف في أن الله- لم يرسل رسولا من النساء لقوله تعالى وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا (سورة يوسف) ولكن هناك خلافا كبيرا في جواز استنباء النساء، فمنهم من ذهب إلى جوازه ووقوعه، واستدل على ذلك بتكليم الملائكة لمريم ﵍، وأعطاها صفة النبوة لذلك، ومنهم من منعه ولم يعتبر أن تكليم الملائكة دليل على النبوة، لأن هناك نصوصا مجمعا على أنها في حق غير الأنبياء جرى فيها تكليم من الملائكة للبشر، وقد وصف الله- مريم بأنها صديقة وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ (سورة المائدة) والصديقية مقام والنبوة مقام آخر، وهذا الذي رجحناه أثناء عرضنا لتفسير القسم الثاني.
стр. 742
فصل في فضلى النساء بإطلاق:
لا خلاف في أن مريم أفضل نساء زمانها لقوله تعالى وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ولكن الخلاف، هل هي فضلى نساء العالمين في سائر العصور؟ بعضهم ذهب إلى ذلك، وبعضهم قال: بل أفضل منها: فاطمة الزهراء ﵂.
ويقول الألوسي بعد كلام طويل: «وبعد هذا كله الذي يدور في خلدي أن أفضل النساء فاطمة، ثم أمها، ثم عائشة بل لو قال قائل: إن سائر بنات النبي ﷺ أفضل من عائشة لا أرى عليه بأسا، وعندي بين مريم وفاطمة توقف، نظرا للأفضلية المطلقة، وأما بالنظر إلى الحيثية فقد علمت ما أميل إليه، وقد سئل الإمام السبكي عن هذه المسألة فقال: الذي نختاره وندين الله تعالى به أن فاطمة بنت محمد ﷺ أفضل، ثم أمها، ثم عائشة- ووافقه في ذلك البلقيني-.
فصل في ردود على أفكار خاطئة:
- ذهب بعضهم إلى أن قول أم مريم وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى بأن مقصودها:
إن الأنثى التي أعطيتني إياها خير لي من الذكر الذي رغبت فيه، وقد رد الألوسي على هؤلاء ردا طويلا فليراجع.
- كما رد الألوسي ردا مطولا على من استدل من الشيعة بالنصوص الواردة بشأن المباهلة، على أن ذلك نص في قضية الإمامة والخلافة، أما أنها تدلل على فضل آل بيت رسول الله ﷺ فذلك لا شك فيه.
نقول:
- «بمناسبة قوله تعالى يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ يقول صاحب الظلال: «وهنا تظهر عظمة هذا الدين، ويتبين مصدره عن يقين. فها هو ذا محمد ﷺ رسول الإسلام الذي يلقى من أهل الكتاب- ومنهم النصارى- ما يلقى من التكذيب، والعنت والجدل، والشبهات .. ها هو ذا يحدث عن ربه بحقيقة مريم العظيمة وتفضيلها على «نساء العالمين» بهذا الإطلاق الذي يرفعها إلى أعلى الآفاق. وهو في مناظرة مع القوم الذين يعتزون بمريم، ويتخذون من تعظيمها مبررا لعدم إيمانهم بمحمد ﷺ وبالدين الجديد!.
أي صدق؟ وأية عظمة؟ وأية دلالة على مصدر هذا الدين، وصدق صاحبه الأمين!».
стр. 743
- من كلام في تفسير الكهل نقله القرطبي: «وإنما الكهل عند أهل اللغة: من جاوز الأربعين وقال بعضهم: يقال له حدث إلى ست، ثم شاب إلى اثنتين وثلاثين، ثم يكتهل في ثلاث وثلاثين».
فصل: في مناقشة التطوريين:
من قوله تعالى إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ يتضح لنا أن آدم ﵊ قد خلقه الله خلقا مباشرا، فهذه الآية تنفي أي احتمال يمكن أن يتمسك به أي متمسك في مسايرة أوهام وظنون الداروينيين وأمثالهم.
لقد مرت فترات كانت فيها نظرية داروين وكأنها حقيقة علمية، ولقد انتهى هذا الزمن؛ لأن النظرية قد نقضتها علوم متعددة ودراسات كثيرة، ولعل كتاب أخينا الدكتور حسن زينو المختص في الجيولوجيا والتنقيب، والذي يعتبر من أجود المتتبعين وأقوى المختصين في دراسته، لعل كتابه «التطور والإنسان» قد وضع المسألة في إطارها النهائي، خاصة وقد ذكر في هذا الكتاب كل ما وصل إليه الإنسان في حفرياته وأبحاثه، وكل ما قدمته المستحسات وبرهن على أن ذلك كله لا يقوم به دليل على صحة أمثال هذه النظريات، ومن كلامه في هذا الكتاب: «أما التخيلات والأوهام التي يقول بها بعض من يدرسون الحيوانات والنباتات الحالية، ويقارنون أعضاءها ببعضها ليقولوا إنها نشأت من بعضها البعض فهي ظنون يرفضها العلم».
«وبالاختصار فكل من يدعي أن شكلا من الأحياء، نشأ من شكل آخر، ينبغي أن يثبت ذلك بالأدلة المستحسة طبقة فطبقة وشكلا فشكلا، أو في بعض الأحيان النادرة كما في مثال الذباب، بطريقة علم الوراثة بإجراء تجارب موضوعية يقينية. ومن ثم يرفض العلم كل تخرصات الملحدين الذين تدور مقالاتهم كلها حول إثبات أصل الإنسان من أحياء منحطة صغيرة، وهدفهم من ذلك نفي وجود آدم ﵇، ومن ثم إنكار الديانات السماوية، وإنكار الخالق . فالمسألة التي يدور حولها الحوار والنزاع هي في النهاية وفي البداية أيضا مسألة العقيدة والإيمان بالله، بخالق الكون والأحياء فيه. ولهذا لاقت قضية التطور والنشوء مجالا رحبا واسعا تخطى آفاق العلم اليقيني التجريبي إلى متاهات الشكوك والترهات والخرافات التي تزعمها الملحدون من جهة، والكهنوت من جهة أخرى».
يقول الدكتور هذا الكلام ويثبته بدقائق وحقائق كثيرة فلا يبقي تكأة يتكئ عليها
стр. 744
الماديون إلا وبرهن أنها تخيلات وظنون. ولنا عودة على هذا الموضوع.
فصل: في مسائل فقهية وعملية:
١ - عند قوله تعالى هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ... يذكر القرطبي مجموعة مسائل ننقل منها الثالثة والرابعة قال:
الثالثة- دلت هذه الآية على طلب الولد، وهي سنة المرسلين والصديقين قال الله تعالى وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً .. (سورة الرعد) وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: أراد عثمان أن يتبتل فنهاه رسول الله ﷺ ، ولو أجاز له ذلك لاختصينا. وأخرج ابن ماجه عن عائشة قالت:
قال رسول الله ﷺ : «النكاح من سنتي فمن لم يعمل بسنتي فليس مني، وتزوجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ومن كان ذا طول فلينكح، ومن لم يجد فعليه بالصوم فإنه له وجاء» وفي هذا رد على بعض جهال المتصوفة حيث قال: الذي يطلب الولد أحمق، وما عرف أنه هو الغبي الأخرق، قال الله تعالى مخبرا عن إبراهيم الخليل: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ. وقال: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ (سورة الفرقان).
وقد ترجم البخاري على هذا «باب طلب الولد». وقال ﷺ لأبي طلحة حين مات ابنه: «وأ عرستم الليلة»؟ قال نعم. قال: «بارك الله لكما في غابر ليلتكما».
قال: فحملت. وفي البخاري: قال سفيان: فقال رجل من الأنصار: فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرءوا القرآن. وترجم أيضا «باب الدعاء بكثرة الولد مع البركة» وساق حديث أنس بن مالك قال قالت أم سليم: يا رسول الله، خادمك أنس ادع الله له فقال: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته». وقال ﷺ : «اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين». أخرجه البخاري ومسلم. وقال ﷺ : «تزوجوا الولود الودود؛ فإني مكاثر بكم الأمم».
أخرجه أبو داود. والأخبار في هذا المعنى كثيرة تحث على طلب الولد وتندب إليه، لما يرجوه الإنسان من نفعه في حياته وبعد موته. قال ﷺ : «إذا مات أحدكم انقطع عمله إلا من ثلاث» فذكر «أو ولد صالح يدعو له». ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكان فيه كفاية.
стр. 745
الرابعة:- فإذا ثبت هذا فالواجب على الإنسان أن يتضرع إلى خالقه في هداية ولده وزوجه ويدعو بالتوفيق لهما والهداية والصلاح والعفاف والرعاية، وأن يكونا معينين له على دينه ودنياه حتى تعظم منفعته بهما في أولاه وأخراه، ألا ترى قول زكريا وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (سورة مريم) وقال: ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً وقال: هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ. ودعا رسول الله ﷺ لأنس فقال: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته» أخرجه البخاري ومسلم وحسبك.
٢ - عند قوله تعالى وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ.
قال القرطبي:
«استدل بعض علمائنا بهذه الآية على إثبات القرعة، وهي أصل في شرعنا لكل من أراد العدل في القسمة، وهي سنة عند جمهور الفقهاء في المستويين في الحجة، ليعدل بينهم، وتطمئن قلوبهم، وترتفع الظنة عمن يتولى قسمتهم، ولا يفضل أحد منهم على صاحبه إذا كان المقسوم من جنس واحد اتباعا للكتاب والسنة. ورد العمل بالقرعة أبو حنيفة وأصحابه، وردوا الأحاديث الواردة فيها، وزعموا أنها لا معنى لها وأنها تشبه الأزلام التي نهى الله عنها. وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة أنه جوزها وقال: القرعة في القياس لا تستقيم، ولكنا تركنا القياس في ذلك وأخذنا بالآثار والسنة. وقال أبو عبيد: وقد عمل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء: يونس وزكريا ونبينا محمد ﷺ . قال ابن المنذر: واستعمال القرعة كالإجماع من أهل العلم فيما يقسم بين الشركاء، فلا معنى لقول من ردها. وقد ترجم البخاري فى آخر كتاب «الشهادات» (باب القرعة في المشكلات وقول الله- «إذ يلقون أقلامهم») وساق حديث النعمان بن بشير: «مثل القائم على حدود الله والمدهن فيها مثل قوم استهموا على سفينة» ...
الحديث. وسيأتي في «الأنفال» إن شاء الله تعالى، وفي سورة «الزخرف» أيضا بحول الله ، حديث أم العلاء، وأن عثمان بن مظعون طار لهم سهمه في السكنى حين اقترعت الأنصار سكنى المهاجرين، الحديث. وحديث عائشة قالت:
كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها، وذكر الحديث. وقد اختلفت الرواية عن مالك في ذلك؛ فقال مرة: يقرع للحديث.
وقال مرة: يسافر بأوفقهن له في السفر. وحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه
стр. 746
لاستهموا». والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وكيفية القرعة مذكورة في كتب الفقه والخلاف. واحتج أبو حنيفة بأن قال: إن القرعة في شأن زكريا وأزواج النبي ﷺ كانت مما لو تراضوا عليه دون قرعة لجاز. قال ابن العربي: «وهذا ضعيف، لأن القرعة إنما فائدتها استخراج الحكم الخفي عند التشاح؛ فأما ما يخرجه التراضي [فيه] فباب آخر، ولا يصح لأحد أن يقول: إن القرعة تجري مع موضع التراضي، فإنها لا تكون أبدا مع التراضي وإنما تكون فيما يتشاح الناس فيه ويضن به. وصفة القرعة عند الشافعي ومن قال بها: أن تقطع رقاع صغار مستوية، فيكتب في كل رقعة اسم ذي السهم، ثم تجعل في بنادق طين مستوية لا تفاوت فيها، ثم تجفف قليلا، ثم تلقى في ثوب رجل لم يحضر ذلك، ويغطى عليها ثوبه، ثم يدخل يده ويخرج، فإذا أخرج اسم رجل أعطي الجزء الذي أقرع عليه.
٣ - هناك اتجاهان في موضوع المباهلة، هل هي جائزة لإظهار الحق أبدا، أو أنها خاصة برسول الله ﷺ ؟ والثاني هو الأقوى. قال الألوسي: «ومن ذهب إلى جواز المباهلة اليوم على طرز ما صنع رسول الله ﷺ استدل بما أخرجه عبد بن حميد عن قيس ابن سعد أن ابن عباس ﵁ كان بينه وبين آخر شئ فدعاه إلى المباهلة».
فصل في ذكر بعض ما حدث عقيب نزول آية المباهلة:
يقول الألوسي: أخرج البخاري ومسلم «أن العاقب والسيد أتيا رسول الله ﷺ فأراد أن يلاعنهما فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه فو الله لئن كان نبيا فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا فقالا له: نعطيك ما سألت فابعث معنا رجلا أمينا فقال: قم يا أبا عبيدة فلما قام قال هذا أمين هذه الأمة». وأخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق عطاء، والضحاك عن ابن عباس «أن ثمانية من أساقفة أهل نجران قدموا على رسول الله ﷺ منهم العاقب والسيد فأنزل الله تعالى فَقُلْ تَعالَوْا الآية فقالوا: أخرنا ثلاثة أيام، فذهبوا إلى بني قريظة والنضير وبني قينقاع؛ فاستشاروهم فأشاروا عليهم أن يصالحوه ولا يلاعنوه، وقالوا: هو النبي الذي نجده في التوراة فصالحوا النبي ﷺ على ألف حلة في صفر، وألف في رجب ودراهم». وروى أنهم صالحوه على أن يعطوه في كل عام ألفي حلة، وثلاثا وثلاثين درعا، وثلاثة وثلاثين بعيرا، وأربعا وثلاثين فرسا».
стр. 747
وأخرج في الدلائل أيضا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس «أن وفد نجران من النصارى قدموا على رسول الله ﷺ وهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم منهم السيد- وهو الكبير- والعاقب- وهو الذي يكون بعده وصاحب رأيهم- فقال رسول الله ﷺ : أسلما، قالا: أسلمنا قال: ما أسلمتها. قالا: بلى قد أسلمنا قبلك.
قال: كذبتما يمنعكما من الإسلام ثلاث فيكما: عبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير، وزعمكما أن لله ولدا، ونزل إِنَّ مَثَلَ عِيسى الآية. فلما قرأها عليهم قالوا: ما نعرف ما تقول: ونزل فَمَنْ حَاجَّكَ الآية فقال لهم رسول الله ﷺ :
«إن الله تعالى قد أمرني إن لم تقبلوا هذا أن أباهلكم». فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك، فخلا بعضهم ببعض وتصادقوا فيما بينهم. قال السيد
للعاقب: قد والله علمتم أن الرجل نبي مرسل ولئن لا عنتموه إنه لاستئصالكم، وما لا عن قوم نبيا قط فبقى كبيرهم ولا نبت صغيرهم، فإن أنتم لن تتبعوه وأبيتم إلا إلف دينكم فوادعوه وارجعوا إلى بلادكم، وقد كان رسول الله ﷺ خرج ومعه علي والحسن والحسين وفاطمة، فقال رسول الله ﷺ : «إن أنا دعوت فأمنوا أنتم، فأبوا أن يلاعنوه وصالحوه على الجزية».
وعن الشعبي فقال رسول الله ﷺ : «لقد أتاني البشير بهلكة أهل نجران حتى الطير على الشجر لو أتموا الملاعنة» وعن جابر أنه ﷺ قال: «والذي بعثني بالحق لو فعلا لأمطر الوادي عليهما نارا». وروي أن أسقف نجران «لما رأى رسول الله ﷺ مقبلا ومعه علي وفاطمة والحسنان ﵃ قال: يا معشر النصارى! إني لأرى وجوها لو سألوا الله تعالى أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله فلا تباهلوا تهلكوا».
هذا وإنما ضم رسول الله ﷺ إلى النفس، الأبناء والنساء مع أن القصد من المباهلة تبين الصادق من الكاذب، وهو يختص به وبمن يباهله، لأن ذلك أتم في الدلالة على ثقته بحاله، واستيقانه بصدقه، وأكمل نكاية بالعدو، وأوفر إضرارا به لو تمت المباهلة، وفي هذه القصة أوضح دليل على نبوته ﷺ وإلا لما امتنعوا عن مباهلته، ودلالتها على فضل آل رسول الله ورسوله ﷺ مما لا يمتري فيها مؤمن» اهـ.
أقول: نقلنا هذا النقل عن الألوسي مع أننا كنا نقلنا بعض رواياته من قبل لما في ذلك من استيعاب مفيد.
стр. 748
فصل في ذكر بعض أسباب النزول
رأينا أن بعضهم يعتبر أن صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية نزل بمناسبة الحوار مع وفد نجران، إلا أنه رأينا من يذكر أسباب نزول خاصة لبعض آيات صدر سورة آل عمران، وقلنا في تعليل ذلك: إما أن الرواية التي تذكر سبب نزول واحد لكل هذه الآيات ليست محفوظة، أو أن بعض الآيات نزلت مرتين، نزلت متفرقة ثم نزلت مجتمعة مع أخواتها في صدر سورة آل عمران. ومما ذكره الألوسي في أسباب نزول قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ما يلي: «روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن اليهود قالوا: نحن أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم الصلاة والسلام، ونحن على دينهم فنزلت، وقيل: إن نصارى نجران لما غلوا في عيسى ﵊ وجعلوه ابن الله- سبحانه- واتخذوه إلها، نزلت ردا عليهم، وإعلاما لهم بأنه من ذرية البشر، المنتقلين في الأطوار المستحيلة على الإله، وهذا وجه مناسبة الآية لما قبلها».
كلمة أخيرة في الصلة بين أقسام السورة:
سنرى أن القسم الثالث من أقسام سورة آل عمران فيه حوار شامل مع أهل الكتاب، وقد كان ذلك بعد هذا القسم الذي وضع الأمور في مواضعها في شأن عيسى ﵇، وبعد القسم الأول الذي وضع الأمور في مواضعها بالنسبة للقرآن والإسلام ورسالة محمد ﷺ ووجوب طاعته، فالأقسام الثلاثة تكمل بعضها لتكون كلها مدخلا للقسمين الأخيرين اللذين يوجهان الأمة المسلمة بشكل مباشر في شأن العلاقة مع أهل الكتاب ومع أهل الكفر.
وفي وجه المناسبة بين القسم الأول والقسم الثاني والقسم الثالث وهو القسم الذي سيأتي معنا من سورة آل عمران- يقول الألوسي:
«وقال شيخ الإسلام- رحمه الله تعالى- في وجه المناسبة: إنه سبحانه لما بين إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وأن اختلاف أهل الكتابين فيه؛ إنما هو للبغي والحسد، وأن الفوز برضوانه ومغفرته ورحمته منوط باتباع الرسول ﷺ ، شرع في تحقيق رسالته، وأنه من أهل بيت النبوة القديمة، فبدأ ببيان جلالة أقدار الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأتبعه ذكر مبدأ عيسى وأمه، وكيفية دعوته الناس إلى الإيمان؛
стр. 749
تحقيقا للحق وإبطالا لما عليه أهل الكتابين من الإفراط والتفريط في شأنهما، ثم بين محاجتهم في إبراهيم وادعاءهم الانتماء إلى ملته، ونزه ساحته العلية عما هم عليه من اليهودية والنصرانية، ثم نص على أن جميع الرسل دعاة إلى عبادة الله تعالى وتوحيده، وأن أممهم قاطبة مأمورون بالإيمان بمن جاءهم من رسول مصدق لما معهم؛ تحقيقا لوجوب الإيمان بالرسول ﷺ وتحتم الطاعة له حسبما يأتي تفصيله- انتهى- وهو وجه وجيه». أقول: بعد أن تقرر في القسم الأول معاني التوحيد والقيومية، والعزة والحكمة، ومظاهر ذلك وآثاره، من إنزال الكتب وإرسال الرسل، ووجوب الإسلام، وبعد أن تقرر في القسم الثاني بيان حقيقة عيسى ﵊، يأتي القسم الثالث وفيه حوار شامل مع أهل الكتاب، ليدخلوا في الإسلام وليتحققوا بما دعت إليه السورة في قسميها السابقين.
стр. 750
القسم الثالث من أقسام سورة آل عمران
يمتد هذا القسم من الآية (٦٤) إلى الآية (٩٩) وهذا هو
[سورة آل عمران (٣): الآيات ٦٤ الى ٧١]
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٦٦) ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)
وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٦٩) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ
تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)
стр. 751
[سورة آل عمران (٣): الآيات ٧٢ الى ٧٤]
وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)
*** [سورة آل عمران (٣): الآيات ٧٥ الى ٧٨]
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)
***
стр. 752
[سورة آل عمران (٣): الآيات ٧٩ الى ٨٣]
ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)
*** [سورة آل عمران (٣): الآيات ٨٤ الى ٨٨]
قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨)
стр. 753
[سورة آل عمران (٣): الآيات ٨٩ الى ٩٩]
إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٩١) لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢) كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣)
فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (٩٨)
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)
***
стр. 754
كلمة في القسم:
يبدأ هذا القسم بقوله تعالى قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ وينتهي بقوله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ. نلاحظ أن نداء قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ* قد بدئ به القسم، وختم به القسم. وهذا واحد مما دلنا على بداية القسم ونهايته. كما أن المعاني السابقة على القسم، والمعاني الآتية بعده تحدد بدايته ونهايته. فقد سبق بالقسم الذي يتحدث عن عيسى ﵇. وجاء بعده قسم بدايته يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... وهو أول نداء بصيغة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا نراه في
سورة آل عمران.
قلنا إن محور سورة آل عمران هو مقدمة سورة البقرة، وامتدادات معانيها في السورة نفسها، فلنر هذا جليا في هذا القسم:
جاء في مقدمة سورة البقرة: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ومن امتداد هذا المعنى في سورة البقرة الدعوة التي وجهت لبني إسرائيل، والحوار الذي فتح معهم، والذي بدايته مدخل مقطع بني إسرائيل الذي فيه وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ والذي استمر في مقطع بني إسرائيل، ومقطع إبراهيم، ومقطع القبلة، وانتهى بآية من سورة البقرة.
وفي هذا الحوار الطويل مع بني إسرائيل هناك ورد قوله تعالى:
وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وهاهنا في هذا القسم من سورة آل عمران نجد قوله تعالى: ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وفي ذلك الحوار مع بني إسرائيل في سورة البقرة ورد: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ. وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وهاهنا نجد يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ. يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وفي ذلك الحوار الكبير ورد قوله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ. فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ....
وهاهنا يرد قوله تعالى:
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ
стр. 755
الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وفي معرض الحوار مع بني إسرائيل في سورة البقرة يأتي قوله تعالى:
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ .. لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. وهاهنا يرد النص نفسه تقريبا: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا ... وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. لاحظ صلة هاتين الآيتين بشكل مباشر بقوله تعالى في مقدمة سورة البقرة:
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ. وفي سورة البقرة جاء قوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. وهاهنا نجد قوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ.
ورأينا في الحوار الطويل مع بني إسرائيل في سورة البقرة إقامة الحجة عليهم بالنسخ، وهاهنا يذكر الله- لنا نموذجا على نسخ وقع عندهم:
كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ .... ورأينا في الحوار الطويل مع بني إسرائيل مناقشتهم لقضية القبلة والتوجه في الصلاة إلى كعبة إبراهيم، وهاهنا يأتي كلام عن البيت، وفرضية حجه.
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ وقبل هذه الآية مباشرة يأتي قوله تعالى:
قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً.
وفي سورة البقرة: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ.
قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً.
ونلاحظ أن الحوار مع بني إسرائيل في سورة البقرة كان منصبا في جملة مع اليهود، وهاهنا ينصب الحوار في جملته مع النصارى، حتى إنه يذكر في أسباب النزول، أن قسما كبيرا من هذه الآيات إن لم يكن كلها نزل بسبب الحوار مع وفد نجران النصراني.
فالقسم تفصيل لمحوره في سورة البقرة، ولامتدادات هذا المحور في سورة البقرة نفسها.
لقد جاء في مقدمة سورة البقرة: الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ.
стр. 756
وقد جاء القسم الأول في سورة آل عمران يفصل تفصيلا أوليا في هذا النص. ثم بعد ذلك جاء في مقدمة سورة البقرة قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ.
ونلاحظ أن القسم الثاني من سورة آل عمران فصل في بعض ذلك فأعطانا صفحة من صفحات الإيمان بالغيب. ثم جاء بعد هذا في مقدمة سورة البقرة قوله تعالى:
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ.
ويأتي هذا القسم ليحاور أهل الكتاب من أجل أن يؤمنوا بما أنزل على محمد ﷺ .
وقد جاء في مقدمة سورة البقرة كلام عما يقابل التقوى والمتقين، وهو الكفر والكافرين إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. وقد رأينا في القسمين السابقين كيف يتعاقب الكلام عن الإيمان والكفر، ونلاحظ أنه في هذا القسم قد جاء: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ.
وفي مقدمة سورة البقرة يأتي كلام عن المنافقين، وفي معرض الحوار مع أهل الكتاب هنا يأتي ذكر خطة من خطط اليهود: وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ وهكذا نجد كيف أن سورة آل عمران تفصل في مقدمة سورة البقرة، وامتدادات معانيها في نفس السورة، ولكن مع ذاتية خاصة للسورة، وسياق خاص بها، وترابط خاص بين معانيها.
فمن قبل هذا القسم الذي هو حوار شامل مع أهل الكتاب في شئون كثيرة، جاء القسم الأول والثاني ممهدين لهذا الحوار. القسم الأول: قرر وحدانية الله وقيوميته، وعزته، وحكمته، وأن الدين عنده الإسلام. والقسم الثاني: بين الحق في شأن عيسى ﵇، وهو أخطر انحراف وقع فيه أهل الكتاب. ثم يجئ القسم الثالث ليفتح الحوار الشامل مع أهل الكتاب على ضوء التمهيدين السابقين. فقبل أن يقول هذا القسم: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ جاءت خاتمة القسم الثاني تقول: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَ
стр. 757
اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ. وجاءت خاتمة القسم الأول تقول:
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ.
وكما أن الصلة بين القسمين السابقين وهذا القسم واضحة بشكل عام، فالصلة بين الآيات السابقة على هذا القسم وبين بدايته كذلك واضحة، فبعد أن قرر الله- الحق في شأن عيسى الذي عبده النصارى: إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ جاء خطاب لأهل الكتاب بأن يعبدوا الله وحده: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ.
لقد جاء القسم الأول دعوة إلى الدخول في دين محمد ﷺ وجاء القسم الثاني مبينا أن محمدا ﷺ داخل في المصطفين؛ فهو من آل إبراهيم، وأن ما يدعوا إليه في شأن عيسى هو الحق، وجاء القسم الثالث ليدعو أهل الكتاب إلى هذا الحق ويحاورهم فيه وتتسلسل المعاني في هذا القسم على ذاتية خاصة به.
فهو يبدأ بالدعوة إلى عبادة الله وحده، ثم في تأنيب أهل الكتاب على دعاواهم أن إبراهيم يهودي، أو نصراني، وتبيان أن أولى الناس بإبراهيم هو محمد ﷺ والمسلمون، ثم يبين القسم رغبة أهل الكتاب في إضلال المسلمين، ويؤنب أهل الكتاب على الكفر، وخلط الحق بالباطل، وكتمانهم الحق. ثم يبين القسم بعض خططهم لإضلال المسلمين، وبعض اعتقاداتهم التي تجعل بعضهم يستبيح الخيانة، مع أن القاعدة الكلية المقبولة عند الله تعالى هي الوفاء بالعهود، ثم يقص الله علينا بعضا من أخلاقهم، ومواقفهم ويرد عليهم فيها ثم يدعوهم إلى الإيمان بمحمد ﷺ وبالإسلام، ويؤنبهم على أن يتجهوا إلى غير ذلك. ثم يبين أن هؤلاء لا يستحقون الهداية، إذ إنهم كانوا مؤمنين فكفروا، إلا إذا اجتمع للواحد منهم التوبة والإصلاح. ثم يبين الله لهؤلاء الكافرين ما أعده لهم من عذاب إن أصروا على الكفر، وماتوا عليه.
ثم يبين لهم، ولنا بعضا مما يدخل في ماهية البر، وأن النسخ قائم في شريعتهم، وذلك لأنهم بحجة عدم جواز النسخ يرفضون الدخول في الإسلام. وإذ كانت قضية القبلة من شبههم، فإن كلاما عن بيت الله الذي بناه إبراهيم ﵇ يأتي وفيه تبيان لشرف
стр. 758
هذا البيت، وفرضية الله على الناس حجه، فضلا عن استقباله في الصلاة كما قررته سورة البقرة. ثم يختم القسم بنداء لأهل الكتاب، يؤنبهم فيه على الكفر بآيات الله، وبنداء آخر يؤنبهم فيه على صدهم عن سبيل الله، وابتغائهم العوج.
ولنبدأ عرض فقرات القسم:
«الفقرة الأولى»
[سورة آل عمران (٣): الآيات ٦٤ الى ٦٨]
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٦٦) ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)
المعنى العام: في الآية الأولى: أمر لرسول الله ﷺ أن يدعو دعوة عامة لجميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن جرى مجراهم إلى كلمة عدل ونصف، يستوي فيها المسلمون وغيرهم، ألا يعبد الجميع لا وثنا ولا صليبا، ولا صنما ولا طاغوتا، ولا نارا ولا شيئا، بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له وهي دعوة كل الرسل، وأن يفرد الجميع الله بالطاعة، فلا يطيع أحد أحدا في معصية الله، فإن تولوا عن هذه الدعوة وهذا النصف، فقد أمرنا الله تعالى أن نشهدهم على استمرارنا على الإسلام الذي
стр. 759
شرعه الله لنا. وإذا تذكرنا ما ورد في القسم الأول: أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا إذا تذكرنا ذلك أدركنا صلة الأقسام ببعضها.
- في الآية الثانية: ينكر الله ﵎ على اليهود والنصارى ادعاء كل من الطائفتين أن إبراهيم كان منها. فكيف تدعون أيها اليهود أنه كان يهوديا، وقد كان زمنه قبل أن ينزل الله التوراة على موسى. وكيف تدعون أيها النصارى أنه كان نصرانيا، وإنما حدثت النصرانية بعده بزمن طويل. ولهذا ختم الآية بتأنيبهم فقال: أَفَلا تَعْقِلُونَ
- وفي الآية الثالثة: إنكار على من يجادل فيما لا علم له به، فإن اليهود تحاجوا في إبراهيم بغير علم، ولو تحاجوا فيما بأيديهم من علم، مما يتعلق بأديانهم التي شرعت إلى حين بعث محمد ﷺ لكان أولى بهم. وإذ تكلموا فيما لا يعلمون فقد أنكر الله عليهم ذلك وأمرهم برد ما لا علم لهم به، إلى عالم الغيب والشهادة، الذي يعلم الأمور على حقائقها، وجلياتها، لأنه هو الذي يعلم، وغيره لا يعلم.
- وفي الآية الرابعة: نفى أن يكون إبراهيم يهوديا أو نصرانيا، إنه كان متحنفا عن الشرك، قاصدا إلى الإيمان، وفي ذلك تعريض بشركهم الذي منه إبراهيم براء.
وفي الآية الخامسة: بين أن أقرب الناس، وأخصهم بإبراهيم هم أتباعه ومحمد ﷺ ، والذين آمنوا: المهاجرون والأنصار، ومن تبعهم بعدهم لأنهم هم الموحدون المسلمون.
المعنى الحرفي:
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ يدخل في الخطاب اليهود والنصارى، ويدخل غيرهم من باب أولى. تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ أي: مستوية بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ، لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل هي أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: العبادة لله وحده، والطاعة لله وحده، فلا يحلل ولا يحرم إلا هو. ولا إله إلا هو. قال ابن جريج في تفسير قوله تعالى: وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني لا يطيع بعضنا بعضا في معصية الله. فَإِنْ تَوَلَّوْا أي عن التوحيد فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ أي: فقد لزمتكم الحجة، فوجب عليكم أن تعترفوا، وتسلموا بأنا مسلمون دونكم فاعلموا ذلك.
стр. 760
يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ أي: لم تجادلون في شأنه، فيزعم بعضكم أنه يهودي، ويزعم بعضكم الآخر أنه نصراني وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ فمن أين له اليهودية أو النصرانية، وكتابا الديانتين ما أنزلا إلا من بعده بكثير أَفَلا تَعْقِلُونَ حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال.
ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ أي: أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى، وبيان حماقتكم؛ وقلة عقولكم أنكم جادلتم بالباطل فيما لكم به علم فخالفتم علمكم، مما نطق به التوراة والإنجيل. قال القرطبي: يعني في أمر محمد ﷺ لأنهم كانوا يعلمونه فيما يجدون من نعته في كتابهم فحاجوا فيه بالباطل. فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ولا ذكر له في كتابكم قال القرطبي: «يعني دعواهم في إبراهيم أنه كان يهوديا أو نصرانيا».
وَاللَّهُ يَعْلَمُ علم ما حاججتم فيه. وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ أي وأنتم جاهلون به.
ثم أعلمهم أن إبراهيم برئ مما نسبوه إليه فقال: ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً أي مائلا عن كل دين إلا دين الله. مُسْلِماً لله في شأنه كله وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وقد أشركتم أنتم وغيركم، فكيف يكون منكم!!!
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ أي أخصهم به، وأقربهم منه، وأحقهم بالانتساب إليه لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ أي أتباعه في زمانه وبعده. وَهذَا النَّبِيُّ أي محمد ﵇ خص بالذكر لخصوصيته بالفضل. وَالَّذِينَ آمَنُوا من أمة محمد ﵇.
وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ أي ناصرهم.
فوائد:
١ - أخرج البخاري نص رسالة رسول الله ﷺ إلى هرقل عن ابن عباس عن أبي سفيان في قصة حين دخل على قيصر فسأله عن نسب رسول الله ﷺ ، وعن صفته ونعته، وما يدعو إليه، فأخبره بجميع ذلك على الجلية. وكان ذلك بعد صلح الحديبية، وقبل الفتح، وكما هو مصرح به في الحديث وهذا نص الرسالة:
«بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله ﷺ إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين، ويا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا
стр. 761
اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ. وهذا يفيد أن آية «قل يا أهل الكتاب تعالوا ... » قد نزلت قبل مجئ وفد نجران في السنة التاسعة:
وقد ذكر ابن كثير مجموعة وجوه للتوفيق بين قول ابن إسحاق إن صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية، نزل بمناسبة مجئ وفد نجران في السنة التاسعة وكون هذه الآية في رسالة رسول الله ﷺ إلى هرقل في السنة السابعة ومن هذه الأوجه:
«ويحتمل أن صدر سورة آل عمران نزل في وفد نجران إلى هذه الآية، وتكون هذه الآية نزلت قبل ذلك، ويكون قول ابن إسحاق إلى بضع وثمانين آية ليس بمحفوظ لدلالة حديث أبي سفيان عليه».
٢ - يقول صاحب الظلال تعليقا على آية قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ: إن الناس في جميع النظم الأرضية يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله .. يقع هذا في أرقى الديمقراطيات كما يقع في الديكتاتوريات سواء .. إن أول خصائص الربوبية هو حق تعبد الناس، حق إقامة النظم والمناهج والشرائع والقوانين والقيم والموازين .. وهذا الحق في جميع الأنظمة الأرضية يدعيه بعض الناس- في صورة من الصور- ويرجع الأمر فيه إلى مجموعة من الناس- على أي وضع من الأوضاع- وهذه المجموعة التي تخضع الآخرين لتشريعها، وقيمها وموازينها، وتصوراتها، هي الأرباب الأرضية التي يتخذها بعض الناس أربابا من دون الله، ويسمحون لها بادعاء خصائص الألوهية والربوبية، وهم بذلك يعبدونها من دون الله، وإن لم يسجدوا لها ويركعوا. فالعبودية عبادة لا يتوجه بها إلا لله.
وفي النظام الإسلامي وحده يتحرر الإنسان من هذه الربقة .. ويصبح حرا. حرا يتلقى التصورات، والنظم، والمناهج، والشرائع، والقوانين، والقيم والموازين، من الله وحده، شأنه في هذا شأن كل إنسان آخر مثله. فهو وكل إنسان آخر على سواء.
كلهم يقفون في مستوى واحد ويتطلعون إلى سيد واحد، ولا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله.
والإسلام- بهذا المعنى- هو الدين عند الله. وهو الذي جاء به كل رسول من عند الله .. لقد أرسل الله الرسل بهذا الدين ليخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله.
ومن جور العباد إلى عدل الله .. فمن تولى عنه فليس مسلما بشهادة الله. مهما أول
стр. 762
المؤولون، وضلل المضللون .. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ ..
٣ - ذكر ابن إسحاق عن ابن عباس في سبب نزول قوله تعالى يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ قال:
اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله ﷺ فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيا، فأنزل الله تعالى يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ ...
٤ - روى الترمذي والبزار عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
«لكل نبي ولاة من النبيين، وإن وليي منهم أبي وخليل ربي » ثم قرأ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ .... وأخرج عبد بن حميد من طريق ابن حوشب قال: حدثني ابن غنم، أنه لما خرج أصحاب النبي ﷺ إلى النجاشي، أدركهم عمرو بن العاص، وعمارة بن أبي معيط فأرادوا عنتهم والبغي عليهم، فقدموا على النجاشي وأخبروه أن هؤلاء الرهط الذين قدموا عليك من أهل مكة، يريدون أن يحيلوا عليك ملكك، ويفسدوا عليك أرضك، ويشتموا ربك، فأرسل إليهم النجاشي، فلما أن أتوه قال: ألا تسمعون ما يقول صاحباكم هذان- لعمرو بن العاص. وعمارة بن أبي معيط؟ - يزعمان أنما جئتم لتحيلوا علي ملكي، وتفسدوا علي أرضي، فقال عثمان بن مظعون وجعفر: إن شئتم خلوا بين أحدنا وبين النجاشي، فليكلمه أينا أحدثكم سنا فإن كان صوابا فالله يأتي به، وإن كان أمرا غير ذلك قلتم:
رجل شاب لكم في ذلك عذر، فجمع النجاشي قسيسيه ورهابنته وتراجمته، ثم سألهم أرأيتكم صاحبكم هذا الذي من عنده جئتم ما يقول لكم وما يأمركم به، وما ينهاكم عنه، هل له كتاب يقرؤه؟ قالوا: نعم هذا الرجل يقرأ ما أنزل الله تعالى عليه، وما قد سمع منه. ويأمر بالمعروف، ويأمر باليتيم، ويأمر بحسن المجاورة، ويأمر بأن يعبد الله تعالى وحده، ولا يعبد معه إله آخر فقرأ عليه- سورة الروم، والعنكبوت، وأصحاب الكهف، ومريم، فلما أن ذكر عيسى في القرآن، أراد عمرو أن يغضبه عليهم فقال:
والله إنهم يشتمون عيسى ويسبونه، قال النجاشي: ما يقول صاحبكم في عيسى؟ قال يقول: إن عيسى عبد الله ورسوله، وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم، فأخذ النجاشي نفثة من سواكه قدر ما يقذي العين، فحلف ما زاد المسيح على ما يقول صاحبكم بما يزن ذلك القذى في يده من نفثة سواكه، فأبشروا ولا تخافوا فلا دهونة- يعني بلسان
стр. 763
الحبشة- اللوم أي لا لوم على حزب إبراهيم، قال عمرو بن العاص: ما حزب إبراهيم؟ قال:
هؤلاء الرهط وصاحبهم الذي جاءوا من عنده ومن اتبعهم، فأنزلت ذلك اليوم في خصومتهم على رسول الله ﷺ وهو بالمدينة إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ الآية.
كلمة في السياق:
١ - سبقت هذه الفقرة فقرة تضمنت تقرير حقيقة عيسى، وتحدي من يكذب ذلك، وجاءت هذه الفقرة لتعلمنا أن ندعو أهل الكتاب إلى التوحيد، وأن نناقشهم في زعمهم أن أبا التوحيد منهم، بل نحن منه وهو منا بدليل أننا على مذهبه. والآن تأتي فقرة أخرى تبين رغبة أهل الكتاب في إضلالنا، وبعض مخططاتهم للإضلال، وبعض وصاياهم لبعضهم والرد عليهم.
٢ - تأتي الفقرة الثانية في هذا القسم وفيها تعليل وتمثيل:
فقد ذكرت الفقرة الأولى جدال أهل الكتاب في شأن محمد ﷺ ، وادعاءهم أن إبراهيم ﵇ منهم، وتأتي هذه الفقرة معللة لجدالهم ودعاواهم، وأن مرادهم من ذلك إضلال أهل الإيمان، وفيها تأنيب لهم على رغبتهم في إضلال المؤمنين، وبعض طرائقهم في ذلك.
٣ - بعد مقدمة سورة البقرة جاء قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ وسار السياق هناك فقص الله- قصة آدم، وقصة بني إسرائيل، وقصة إبراهيم عليه
السلام. وهاهنا تأتي دعوة لأهل الكتاب: لإفراد الله بالعبادة والربوبية، وفي هذا السياق تناقش دعاوى أهل الكتاب في إبراهيم ﵇.
من خلال ما ذكرناه ندرك: كيف أن سورة آل عمران تسير في سياقها الخاص في مسرى واحد ومجرى واحد، تتكامل مراحله فتتعانق البدايات والنهايات ضمن الأقسام والمقاطع والفقرات، ومع ذلك فهي تفصل فى محورها من سورة البقرة، وامتدادات هذا المحور هناك.
فإذا كان محورها هو مقدمة سورة البقرة، فإن مقدمة سورة البقرة لها امتداداتها وارتباطها بمعاني بقية سورة البقرة، وهاهنا تأتي سورة آل عمران لتفصل في نقطة من
стр. 764
المقدمة، وتجذب إلى هذه النقطة بعض ما له صلة بها في سورة البقرة ثم تفصل:
كان تفصيل القسم الأول في ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وكان تفصيل القسم الثاني في الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ.
وينصب تفصيل القسم الثالث على وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وإذ كان لكل من هذه النصوص في المقدمة ارتباطاته ببقية سورة البقرة، فإن سورة آل عمران تلقي أضواء على هذه الامتدادات والارتباطات، فتجذب المعنى إلى المعنى مفصلة وملقية أضواء على سياق سورة البقرة، وهذا بعض الأمر.
«الفقرة الثانية»
[سورة آل عمران (٣): الآيات ٦٩ الى ٧٤]
وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٦٩) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣)
يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)
المعنى العام:
- يخبر تعالى في الآية الأولى: عن رغبة بعض أهل الكتاب في إضلال المسلمين؛ والراغبون ابتداء طائفة من اليهود. ولكنها عامة في أهل الكتاب إلى يوم القيامة. ثم أخبر
стр. 765
تعالى أن وبال ذلك إنما يعود على أنفسهم وهم لا يشعرون أنهم ممكور بهم.
- وفي الآية الثانية: سؤال موجه لأهل الكتاب عن أسباب كفرهم بآيات الله المنزلة على رسوله محمد ﷺ مع علمهم بصدقها، وتحققهم من أحقيتها.
- وفي الآية الثالثة: سؤال آخر لهم عن أسباب خلطهم الحق بالباطل، وأسباب كتمانهم الحق الموجود في كتبهم من صفة محمد ﷺ مع معرفتهم ذلك وتحققهم منه وإذن هم يعرفون أن المسلمين على حق ومع ذلك يرغبون في إضلالهم.
- وفي الآية الرابعة: إخبار عن مكيدة أرادوها، ليلبسوا على الضعفاء من الناس أمر دينهم، وهو أنهم ائتمروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار، ويصلوا مع المسلمين صلاة الصبح، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم؛ ليقول الجهلة من الناس، إنما ردهم إلى دينهم اطلاعهم على نقيصة وعيب في دين المسلمين، فيرتد المسلمون عن دينهم.
- وفي الآية الخامسة: أخبر تعالى عن تواصيهم فيما بينهم ألا يطمئنوا وألا يظهروا سرهم وما عندهم إلا لمن تبع دينهم، وألا يظهروا ما بأيديهم إلى المسلمين، فيحتج المسلمون عليهم. وإنما دفعهم إلى هذا شيئان: الرغبة بأن يكون لهم امتياز على المسلمين في العلم، والخوف من أن تقوم الحجة عليهم أمام الله. يقولون: لا تظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين فيتعلموه منكم، ويساووكم فيه، ويمتازوا به عليكم لشدة الإيمان به، أو يحاجوكم به عند ربكم، أي: يتخذوه حجة عليكم بما في أيديكم، فتقوم به عليكم الدلالة، وتركبكم الحجة في الدنيا والآخرة. وقد رد الله عليهم في الآية مرتين:
المرة الأولى بقوله: قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أي: هو الذي يهدي قلوب المؤمنين إلى أتم الإيمان، بما ينزله على عبده ورسوله محمد ﷺ من الآيات البينات، والدلائل القاطعات، والحجج الواضحات، وإن كتمتم أيها اليهود ما بأيديكم من صفة محمد النبي الأمي في كتبكم التي نقلتموها عن الأنبياء الأقدمين.
والمرة الثانية: قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ أي الأمور كلها تحت تصرفه، وهو المعطي المانع، يمن على من يشاء بالإيمان والعلم والتصرف التام، ويضل من يشاء، فيعمي بصره وبصيرته، ويختم على قلبه وسمعه، ويجعل على بصره غشاوة، وله الحجة التامة والحكمة البالغة.
стр. 766
- وفي الآية السادسة: بين- مشيئته المطلقة في أنه يختص من يشاء برحمته، وأن فضله عظيم لا يحاط به، وفيه تنبيه للمؤمنين على ما خصهم به من الفضل بما لا يحد ولا يوصف، بما شرفنا الله بنبينا محمد ﷺ الذي أعطاه الشرف على سائر الأنبياء وهدانا به إلى أكمل الشرائع.
المعنى الحرفي:
وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ نزلت الآية في حادثة، دعا فيها اليهود حذيفة، وعمارا، ومعاذا إلى اليهودية، والنص عام في اليهود وغيرهم، ويشهد لذلك قيام آلاف
المؤسسات التبشيرية للتبشير على الأرض الإسلامية، بغية إضلال المسلمين، لَوْ يُضِلُّونَكُمْ عن الإسلام إلى غيره. وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ أي: وما يعود وبال الإضلال إلا عليهم، لأن العذاب يضاعف لهم بضلالهم وإضلالهم. وَما يَشْعُرُونَ بأن وبال الإضلال عليهم.
يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ الموجودة عندكم وفيها بشارة برسول الله ﷺ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ أي: تعترفون بأنها آيات الله، أو معنى الآية: لم تكفرون بالقرآن ودلائل نبوة الرسول ﷺ ، وأنتم تشهدون نعته في الكتابين!
أو لم تكفرون بآيات الله جميعا وأنتم تعلمون أنها حق:
يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ أي تخلطون الإيمان بموسى وعيسى بالكفر بمحمد ﷺ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ من نعت محمد ﵇ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أن محمدا ودينه حق
وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ فيما بينهم لبعضهم آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا من المسلمين وَجْهَ النَّهارِ أي أوله وَاكْفُرُوا آخِرَهُ أي اكفروا آخر النهار بالإسلام، أي أظهروا الإيمان بما أنزل على المسلمين في أول النهار، واكفروا به آخره لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي: لعل المسلمين يرجعون عن دينهم بأن يقولوا: ما رجعوا- وهم أهل كتاب وعلم- إلا لأمر قد تبين لهم، فيرجعون برجوعكم.
وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ أي: لا تطمئنوا إلا لمن تبع دينكم، أي لا تطمئنوا إلا لبعضكم، فتكلموا فيما بينكم فقط بما تعرفون، حتى لا ينتفع أحد بالإسلام، أو تكون للمسلمين حجة من خلال كلامكم. هذه وصيتهم لبعضهم. قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أي: من شاء الله هداه فأسلم ثبته على الإسلام ولا يضره كيدكم. ولكن لماذا تفعلون ذلك؟ من تخطيط للإضلال وتواص بالباطل: أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ أي: قلتم هذا
стр. 767
ودبرتموه خشية أن يؤتي الله أحدا مثلما أوتيتم من الكتاب، أو خشية من محاجة المسلمين لكم عند ربكم بإقامة الحجة على كفركم كأنهم لحماقتهم يتصورون أن الحجة لا تقوم عليهم إذا كفروا المسلمين!. قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ أي: الهداية والتوفيق والنبوة وغيرها بيد الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ من عباده وَاللَّهُ واسِعٌ الرحمة عَلِيمٌ بالمصلحة.
يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ أي: يختص بالنبوة، واتباع الإسلام من يشاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ففضله لا يحد.
فائدة:
نلاحظ أن هذه الآيات قد دلتنا على بعض مظاهر ودوافع التخطيط والتآمر والكيد لأهل الإسلام. وبسبب من القوة المادية الهائلة للكفر في عصرنا الحالي، فقد أخذت هذه الأمور مداها الواسع الآن، فلنتذكر- إذ يأمرنا الله- في القسم الرابع اللاحق بعدم طاعة أهل الكتاب- الأسباب- الموجبة لذلك مما قصه الله علينا هنا.
كلمة في السياق:
في سورة البقرة في مقطع بني إسرائيل ورد قوله تعالى:
وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
وورد قوله تعالى: وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ.
وورد قوله تعالى: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً. أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ.
وورد قوله تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ.
وقلنا هناك: إن مقطع بني إسرائيل آت في سياق القسم المبدوء بقوله تعالى:
يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
стр. 768
وقلنا هناك: إن هذا القسم كله يدل على الطريق للتحقق بصفات المتقين التي من جملتها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ.
وهاهنا نرى: أن كثيرا مما جاء هناك قد فصل هنا، وهو هنا مشدود بشكل مباشر إلى القسم المبدوء بدعوة أهل الكتاب إلى عبادة الله وحده، وترك الطاعة في معصية الله، مما يخدم قضية التقوى، وقضية الإيمان، مما يتضح لنا به شيئا فشيئا، كيف أن سورة آل عمران، تفصل في مقدمة سورة البقرة وامتدادات هذه المقدمة في تلك السورة، بحيث تساعدنا على فهم الروابط التي تربط بين آيات سورة البقرة من ناحية، وتساعدنا على فهم كثير من الحقائق التي وردت في تلك السورة، وتفصل لنا بعض ما أجمل في مقدمتها دون أن يخل ذلك بسياقها الخاص، ولا نخال أحدا حتى الآن يتهمنا بأننا نتكلف فيما نقوله، وما سيأتي فى هذا التفسير سيزيد ما اتجهنا إليه في موضوع الوحدة القرآنية وضوحا، فلننتقل إلى الفقرة الثالثة في القسم الثالث.
الفقرة الثالثة
[سورة آل عمران (٣): الآيات ٧٥ الى ٧٨]
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ
وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)
стр. 769
المعنى العام:
في الآية الأولى، يخبر تعالى أن من أهل الكتاب الأمناء، ومنهم الخونة، فالأمين منهم مهما ائتمنته بمال كثير أداه، ومنهم من إن تأمنه بالمال القليل لا يؤده إليك إلا إذا كنت قائما على حقك بالمطالبة والملازمة، والإلحاح لتستخلص حقك، وقادرا على استخلاصه. وسبب خيانة هؤلاء تصورهم أنه ليس عليهم حرج في أكل أموال غير أبناء دينهم؛ إذ يزعمون أن الله أحلها لهم ولو كانت أمانات. وهذا كذب على الله واختلاق، فإن الله حرم عليهم أكل الأموال إلا بحقها، وإنما هم قوم بهت.
- وفي الآية الثانية، بين الله- أن دينه وشرعه، الوفاء بالعهود، والتقوى التي منها أداء الأمانة إلى أهلها، وأنه- يحب المتقين، ولا تقوى إلا باتباع ما أنزل الله.
- وبمناسبة أن دين الله الوفاء بالعهود، وحفظ الأمانة، فإن الآية الثالثة، يبين الله- فيها، أن الذين يعتاضون عما عاهدوا الله عليه، وعن أيمانهم بالأثمان القليلة الزهيدة، وهي عروض هذه الحياة الدنيا الفانية الزائلة، أولئك لا نصيب لهم في الآخرة، ولا حظ لهم منها، ولا يكلمهم الله كلام لطف، ولا ينظر إليهم نظر رحمة، ولا يطهرهم من الذنوب، والأدناس، بل يأمر بهم إلى النار، ولهم عذاب أليم.
- وكما أخبر أن بعض أهل الكتاب خائن، ولا يفي بعهد أو يمين، فإنه يخبر في الآية الرابعة، أن منهم فريقا، يحرفون الكلم عن مواضعه، ويبدلون كلام الله ويزيلونه عن المراد به، ليوهموا الجهلة أنه من كتاب الله، وينسبونه إليه- وهو كذب على الله، وهم يعلمون أنهم قد كذبوا، وافتروا في ذلك كله، والآيات تنطبق أول ما تنطبق على اليهود. وهي عامة.
المعنى الحرفي:
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ أي مال كثير يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ أي بمال قليل كالدينار أو أقل لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً على رأسه، ملازما له ذلِكَ أي أن عدم أداء الأمانة سببه بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ أي إن تركهم الحقوق بسبب قولهم إنهم لا يتطرق عليهم إثم، وذم، في شأن الذين ليسوا على دينهم، ويفهم من هذا أنهم كانوا يستحلون ظلم
стр. 770
من خالفهم في دينهم وكانوا يقولون: لم يجعل لهم في كتابنا حرمة. ومن قرأ نصوص التلمود، رأى من هذا الكثير. والأميون في النص، يدخل فيهم العرب أولا، وكل من ليس له دين كتابي ثانيا، والنصارى وغيرهم بالنسبة لليهود. وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ أي بادعائهم أن ذلك في كتابهم. وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنهم كاذبون. أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما قال أهل الكتاب ليس علينا في الأميين سبيل، قال نبي الله ﷺ : «كذب أعداء الله ما من شئ كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر».
بَلى، هذا إثبات لما نفوه من السبيل عليهم في الأميين، أي بلى عليهم سبيل فيهم مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى هذه جملة مفسرة للجملة التي سدت بلى مسدها والمعنى، من أوفى بعهد الله واتقاه، أو من أوفى بما عاهد الله عليه واتقى الله في ترك الخيانة والغدر. فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ أي: فإن الله يحب من أوفى بعهده وترك الغدر، والخيانة. ويدخل في الوفاء، الوفاء بعهود الله، ومنها الوفاء بما عاهد الله عليه أهل الكتاب أن يؤمنوا بمحمد ﷺ إذا بعث. ويدخل في التقوى، اتقاء المحارم، واتباع طاعة الله، وشريعته التي بعث بها خاتم رسل الله ﷺ .
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أي: إن الذين يستبدلون بما عاهدوا الله عليه، من الإيمان بالرسول المصدق لما معهم، وبما حلفوا به من قولهم:
والله لنؤمنن به، ولننصرنه، متاع الدنيا، من الترأس والارتشاء، ونحو ذلك.
أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ أي لا نصيب لهم فيها. وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ بما يسرهم. وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ بعين الرحمة. وَلا يُزَكِّيهِمْ أي: لا يثني عليهم، أو لا يطهرهم من ذنوبهم، بأن يعفو عنهم، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي:
مؤلم.
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً أي لطائفة يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ. أي:
يفتلونها عن الصحيح إلى المحرف، والمراد باللي هنا التحريف. لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ. أي: لتظنوه من الكتاب. وقد يكون المعنى: يرطنون بألسنتهم بشبه الكتاب، لتحسبوا ذلك الشبه من الكتاب، والمراد بالكتاب هنا التوراة وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ. أي: وليس هو من الكتاب. وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنهم كاذبون.
стр. 771
فوائد:
١ - أخرج عبد الرزاق «أن رجلا سأل ابن عباس فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة، والشاة، فقال ابن عباس: فتقولون ماذا؟ قال: نقول ليس علينا بذلك بأس، قال: هذا كما قال أهل الكتاب: ليس علينا في الأميين سبيل، إنهم إذا أدوا الجزية، لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم». ورواه الثوري كذلك.
٢ - روى الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ : «من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله- وهو عليه غضبان». قال راوي الحديث: وقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا ...
وروى الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله تعالى عبادا لا يكلمهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم. قيل: ومن أولئك يا رسول الله؟ قال: متبرئ من والديه راغب عنهما، ومتبرئ من ولده، ورجل أنعم عليه قوم فكفر نعمتهم، وتبرأ منهم».
وروى البخاري «عن عبد الله بن أبي أوفى: أن رجلا أقام سلعة له في السوق فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم يعط، ليوقع فيها رجلا من المسلمين، فنزلت هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا ... الآية.
وروى الإمام أحمد والترمذي، بإسناد حسن صحيح عن رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل منع ابن السبيل فضل ماء عنده، ورجل حلف على سلعة بعد العصر،- يعني كاذبا-، ورجل بايع إماما، فإن أعطاه وفى له، وإن لم يعطه، لم يف له».
وروى مسلم عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم». قلت يا رسول الله: من هم خسروا وخابوا؟ قال:- وأعاده رسول الله ﷺ ثلاث مرات- المسبل، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، والمنان».
٣ - مما مر معنا، ندرك أن من أخلاق المسلمين أداء الأمانات إلى أهلها في كل الظروف، والوفاء بالعهد، والصدق في اليمين، ولقد تساهل بعضهم في هذه المعاني بسبب من ظروفنا الصعبة، وبسبب من عموميات فهموها. والذى نقوله:
стр. 772
إن المسلم لا يصدر في كل عمل إلا عن فتوى بصيرة من أهلها، وحالات الضرورة والاضطرار تقدر بقدرها، وما يعتبر أمانة أو غير أمانة، وما يعتبر حقا للمسلم أو غير حق، وما يعتبر إكراها أو غير إكراه، وما هو ملزم من الأيمان وما ليس ملزما بسبب من الإكراه، إلى غير ذلك من أمور، كله تحكمه- كما قلنا- الفتوى البصيرة من أهلها.
كلمة في السياق:
بدأ هذا القسم بدعوة أهل الكتاب إلى عبادة الله وتوحيده، وترك الطاعة في معصيته، وناقشهم فيما يزعمونه من ولاية إبراهيم ﵊، ثم بين لأهل الإيمان رغبة أهل الكتاب في إضلالهم، وبعض طرائقهم في هذا الإضلال. وفي هذا السياق جاءت الفقرة الثالثة، تبين ما عليه بعض أهل الكتاب من خيانة للأمانة، إلى خيانة في العهود، ونكث للأيمان، وتحريف لكتاب الله- وبعد هذه الجولة من الحوار والبيان، يعود السياق في الفقرة الرابعة إلى ما بدأ به القسم من قضية التوحيد والربوبية كما سنرى:
لاحظ بداية القسم:
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
ولاحظ أن الفقرة القادمة تبدأ بقوله تعالى:
ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ. .. وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً. ثم لاحظ صلة ذلك بالقسم الثاني الذي تحدث عن المسيح ﵊، وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه من تحديد بداية القسم الثالث ونهايته، وصحة ما ذهبنا إليه في أن القسم الأول والثاني بمثابة المقدمة للقسم الثالث، وسيأتيك في هذا كله مزيد بيان.
ومن استمرارية القسم الثالث من خلال ما رأيناه من صلة بين بدايته والفقرة الرابعة التي ستأتي معنا، ندرك أن ما مر معنا حتى الفقرة الرابعة له صلة بقضايا التوحيد،
стр. 773
والطاعة في المعروف، وتثبيت أهل الإيمان، وهي القضايا التي تحدثت عنها الآية الأولى في هذا القسم، والتى ختمت بقوله تعالى فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
الفقرة الرابعة
[سورة آل عمران (٣): الآيات ٧٩ الى ٨٣]
ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)
يلاحظ كيف أن هذه الفقرة، تخدم سياق هذا القسم الذي يدعو إلى عدم اتخاذ الناس بعضهم بعضا أربابا، كما تلاحظ الصلة بين التوحيد والإسلام، كما يلاحظ كيف أن الفقرة قررت أن دين النبيين جميعا هو الإسلام، وسنرى أهمية هذه الملاحظات بالنسبة للسياق.
المعنى العام:
- في الآية الأولى، يبين الله- أنه ما ينبغي لبشر آتاه الله الكتاب
стр. 774
والحكمة والنبوة، أن يقول للناس اعبدوني من دون الله، أو اعبدوني مع الله. فإذا كان هذا لا يصلح لنبي ولا لمرسل، فهو حتما لا يصلح لغيرهم بطريق الأولى. وإنما يدعو الرسل الناس من أجل أن يكونوا علماء حكماء، حلماء، أتقياء، وذلك مقتضى تعلم الكتاب، وتعليمه.
وفي الآية الثانية، يبين الله- أنه: كما لا ينبغي للأنبياء والرسل أن يدعوا الناس لعبادتهم، كذلك ما ينبغي لهم أن يأمروا أحدا بعبادة غير الله، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، لأنه لو فعل النبي هذا لكان داعيا للكفر، والأنبياء دعاة إلى الإيمان. ومن هاتين الآيتين، نفهم ارتباط هذه الآيات بالسياق، إذ بداية هذا السياق، كما قلنا: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً ...
وفي الآية الثالثة، يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي من آدم ﵇ إلى عيسى ﵇، أنه مهما آتى الله أحدهم من كتاب وحكمة، وبلغ أي مبلغ، ثم جاء رسول لله من بعده ليؤمنن به، ولينصرنه، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده، ونصرته. فإذا ربطنا هذا بالسياق العام، وتذكرنا الآيتين اللتين جاءتا من قبل وهما قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ ثم تذكرنا ما ورد في القسم الثاني في شأن المسيح ﵇. ندرك صلة هذا القسم بالقسم الأول وبالقسم الثاني.
- وفي الآية الرابعة، يبين الله- أنه من تولى من الرسل- وحاشاهم- عن هذا العهد والميثاق- فإنه هو الفاسق. فإذا كان المرسلون هذا شأنهم إن تولوا فما بال غيرهم ممن لا يتبعون الرسول الخاتم.
- وفي الآية الخامسة، يبين الله- أنه ما كان للرسل إلا أن يكونوا كذلك، لأن مقتضى الإسلام الاستسلام. فإذا كانت السموات والأرض مستسلمة، فما كان لأحد ألا يكون مسلما. والرسل سادة المسلمين، وهم أعرف الناس بالله، وأخوفهم منه، لأنهم عارفون أنهم إليه راجعون.
стр. 775
وإذا تذكرنا أن المقطع الثاني من القسم الأول مبدوء بقوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ ندرك كيف أن السياق في سورة آل عمران يمضي على نسق واحد.
المعنى الحرفي:
ما كانَ لِبَشَرٍ أي ما ينبغي لبشر أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ. تحتمل كلمة (الحكم) ثلاثة معان: إما فصل القضاء، وإما الحكمة، وإما السنة المفسرة للكتاب. وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ قال الحسن البصري: لا ينبغي لمؤمن أن يأمر الناس بعبادة غير الله. وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ الرباني: منسوب إلى الرب بزيادة ألف ونون، وهو الشديد التمسك بدين الله، وطاعته، فصار المعنى: ولكن يقول- من آتاه الله النبوة للناس-: كونوا متمسكين بدين الله، وطاعته، وهذا يقتضي علما، وفقها، وحلما. ولذلك فسر ابن عباس الربانيين بأنهم: العلماء الحكماء الحلماء. وفسرها الحسن: بأهل العبادة، والتقوى. والجميع تقتضيه النسبة بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ.
أي: كونوا ربانيين بسبب كونكم معلمين دارسين، دل النص على أن الربانية التي هي: قوة التمسك بطاعة الله مسببة عن العلم والتعليم، وكفى به دليلا على خيبة سعي من أجهد نفسه، وكد روحه في جمع العلم، ثم لم يجعله ذريعة إلى العمل.
وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً. أي: ولا يأمركم بعبادة أحد غير الله، لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب. أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. أي:
أمن المعقول أن يدعوكم إلى الكفر، بأن يدعوكم إلى عبادة أحد مع الله، بعد إذ تستجيبون له بالإسلام لله رب العالمين.
فوائد:
١ - سبب نزول الآيتين، ما أخرجه ابن إسحاق عن ابن عباس قال: «قال أبو رافع القرظي، حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ ، ودعاهم إلى الإسلام قالوا: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني- يقال له الرئيس-: أو ذاك تريد منا يا محمد؟ وإليه تدعونا؟ فقال رسول الله ﷺ : معاذ الله أن نعبد غير الله، أو أن نأمر بعبادة غير الله، ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني. فأنزل الله في ذلك: ما كانَ
следующие страницы →