فوائد:
١ - أخرج عبد الرزاق «أن رجلا سأل ابن عباس فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة، والشاة، فقال ابن عباس: فتقولون ماذا؟ قال: نقول ليس علينا بذلك بأس، قال: هذا كما قال أهل الكتاب: ليس علينا في الأميين سبيل، إنهم إذا أدوا الجزية، لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم». ورواه الثوري كذلك.
٢ - روى الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ : «من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله- وهو عليه غضبان». قال راوي الحديث: وقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا ...
وروى الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله تعالى عبادا لا يكلمهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم. قيل: ومن أولئك يا رسول الله؟ قال: متبرئ من والديه راغب عنهما، ومتبرئ من ولده، ورجل أنعم عليه قوم فكفر نعمتهم، وتبرأ منهم».
وروى البخاري «عن عبد الله بن أبي أوفى: أن رجلا أقام سلعة له في السوق فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم يعط، ليوقع فيها رجلا من المسلمين، فنزلت هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا ... الآية.
وروى الإمام أحمد والترمذي، بإسناد حسن صحيح عن رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل منع ابن السبيل فضل ماء عنده، ورجل حلف على سلعة بعد العصر،- يعني كاذبا-، ورجل بايع إماما، فإن أعطاه وفى له، وإن لم يعطه، لم يف له».
وروى مسلم عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم». قلت يا رسول الله: من هم خسروا وخابوا؟ قال:- وأعاده رسول الله ﷺ ثلاث مرات- المسبل، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، والمنان».
٣ - مما مر معنا، ندرك أن من أخلاق المسلمين أداء الأمانات إلى أهلها في كل الظروف، والوفاء بالعهد، والصدق في اليمين، ولقد تساهل بعضهم في هذه المعاني بسبب من ظروفنا الصعبة، وبسبب من عموميات فهموها. والذى نقوله:
стр. 772
إن المسلم لا يصدر في كل عمل إلا عن فتوى بصيرة من أهلها، وحالات الضرورة والاضطرار تقدر بقدرها، وما يعتبر أمانة أو غير أمانة، وما يعتبر حقا للمسلم أو غير حق، وما يعتبر إكراها أو غير إكراه، وما هو ملزم من الأيمان وما ليس ملزما بسبب من الإكراه، إلى غير ذلك من أمور، كله تحكمه- كما قلنا- الفتوى البصيرة من أهلها.
كلمة في السياق:
بدأ هذا القسم بدعوة أهل الكتاب إلى عبادة الله وتوحيده، وترك الطاعة في معصيته، وناقشهم فيما يزعمونه من ولاية إبراهيم ﵊، ثم بين لأهل الإيمان رغبة أهل الكتاب في إضلالهم، وبعض طرائقهم في هذا الإضلال. وفي هذا السياق جاءت الفقرة الثالثة، تبين ما عليه بعض أهل الكتاب من خيانة للأمانة، إلى خيانة في العهود، ونكث للأيمان، وتحريف لكتاب الله- وبعد هذه الجولة من الحوار والبيان، يعود السياق في الفقرة الرابعة إلى ما بدأ به القسم من قضية التوحيد والربوبية كما سنرى:
لاحظ بداية القسم:
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ
ولاحظ أن الفقرة القادمة تبدأ بقوله تعالى:
ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ. .. وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً. ثم لاحظ صلة ذلك بالقسم الثاني الذي تحدث عن المسيح ﵊، وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه من تحديد بداية القسم الثالث ونهايته، وصحة ما ذهبنا إليه في أن القسم الأول والثاني بمثابة المقدمة للقسم الثالث، وسيأتيك في هذا كله مزيد بيان.
ومن استمرارية القسم الثالث من خلال ما رأيناه من صلة بين بدايته والفقرة الرابعة التي ستأتي معنا، ندرك أن ما مر معنا حتى الفقرة الرابعة له صلة بقضايا التوحيد،
стр. 773
والطاعة في المعروف، وتثبيت أهل الإيمان، وهي القضايا التي تحدثت عنها الآية الأولى في هذا القسم، والتى ختمت بقوله تعالى فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
الفقرة الرابعة
[سورة آل عمران (٣): الآيات ٧٩ الى ٨٣]
ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)
يلاحظ كيف أن هذه الفقرة، تخدم سياق هذا القسم الذي يدعو إلى عدم اتخاذ الناس بعضهم بعضا أربابا، كما تلاحظ الصلة بين التوحيد والإسلام، كما يلاحظ كيف أن الفقرة قررت أن دين النبيين جميعا هو الإسلام، وسنرى أهمية هذه الملاحظات بالنسبة للسياق.
المعنى العام:
- في الآية الأولى، يبين الله- أنه ما ينبغي لبشر آتاه الله الكتاب
стр. 774
والحكمة والنبوة، أن يقول للناس اعبدوني من دون الله، أو اعبدوني مع الله. فإذا كان هذا لا يصلح لنبي ولا لمرسل، فهو حتما لا يصلح لغيرهم بطريق الأولى. وإنما يدعو الرسل الناس من أجل أن يكونوا علماء حكماء، حلماء، أتقياء، وذلك مقتضى تعلم الكتاب، وتعليمه.
وفي الآية الثانية، يبين الله- أنه: كما لا ينبغي للأنبياء والرسل أن يدعوا الناس لعبادتهم، كذلك ما ينبغي لهم أن يأمروا أحدا بعبادة غير الله، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، لأنه لو فعل النبي هذا لكان داعيا للكفر، والأنبياء دعاة إلى الإيمان. ومن هاتين الآيتين، نفهم ارتباط هذه الآيات بالسياق، إذ بداية هذا السياق، كما قلنا: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً ...
وفي الآية الثالثة، يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي من آدم ﵇ إلى عيسى ﵇، أنه مهما آتى الله أحدهم من كتاب وحكمة، وبلغ أي مبلغ، ثم جاء رسول لله من بعده ليؤمنن به، ولينصرنه، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده، ونصرته. فإذا ربطنا هذا بالسياق العام، وتذكرنا الآيتين اللتين جاءتا من قبل وهما قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ ثم تذكرنا ما ورد في القسم الثاني في شأن المسيح ﵇. ندرك صلة هذا القسم بالقسم الأول وبالقسم الثاني.
- وفي الآية الرابعة، يبين الله- أنه من تولى من الرسل- وحاشاهم- عن هذا العهد والميثاق- فإنه هو الفاسق. فإذا كان المرسلون هذا شأنهم إن تولوا فما بال غيرهم ممن لا يتبعون الرسول الخاتم.
- وفي الآية الخامسة، يبين الله- أنه ما كان للرسل إلا أن يكونوا كذلك، لأن مقتضى الإسلام الاستسلام. فإذا كانت السموات والأرض مستسلمة، فما كان لأحد ألا يكون مسلما. والرسل سادة المسلمين، وهم أعرف الناس بالله، وأخوفهم منه، لأنهم عارفون أنهم إليه راجعون.
стр. 775
وإذا تذكرنا أن المقطع الثاني من القسم الأول مبدوء بقوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ ندرك كيف أن السياق في سورة آل عمران يمضي على نسق واحد.
المعنى الحرفي:
ما كانَ لِبَشَرٍ أي ما ينبغي لبشر أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ. تحتمل كلمة (الحكم) ثلاثة معان: إما فصل القضاء، وإما الحكمة، وإما السنة المفسرة للكتاب. وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ قال الحسن البصري: لا ينبغي لمؤمن أن يأمر الناس بعبادة غير الله. وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ الرباني: منسوب إلى الرب بزيادة ألف ونون، وهو الشديد التمسك بدين الله، وطاعته، فصار المعنى: ولكن يقول- من آتاه الله النبوة للناس-: كونوا متمسكين بدين الله، وطاعته، وهذا يقتضي علما، وفقها، وحلما. ولذلك فسر ابن عباس الربانيين بأنهم: العلماء الحكماء الحلماء. وفسرها الحسن: بأهل العبادة، والتقوى. والجميع تقتضيه النسبة بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ.
أي: كونوا ربانيين بسبب كونكم معلمين دارسين، دل النص على أن الربانية التي هي: قوة التمسك بطاعة الله مسببة عن العلم والتعليم، وكفى به دليلا على خيبة سعي من أجهد نفسه، وكد روحه في جمع العلم، ثم لم يجعله ذريعة إلى العمل.
وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً. أي: ولا يأمركم بعبادة أحد غير الله، لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب. أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. أي:
أمن المعقول أن يدعوكم إلى الكفر، بأن يدعوكم إلى عبادة أحد مع الله، بعد إذ تستجيبون له بالإسلام لله رب العالمين.
فوائد:
١ - سبب نزول الآيتين، ما أخرجه ابن إسحاق عن ابن عباس قال: «قال أبو رافع القرظي، حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ ، ودعاهم إلى الإسلام قالوا: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني- يقال له الرئيس-: أو ذاك تريد منا يا محمد؟ وإليه تدعونا؟ فقال رسول الله ﷺ : معاذ الله أن نعبد غير الله، أو أن نأمر بعبادة غير الله، ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني. فأنزل الله في ذلك: ما كانَ
стр. 776
لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي. .. إلى قوله ... أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.
٢ - فسر الرسول ﷺ اتخاذ اليهود والنصارى أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله: بأنهم أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، فاتبعوهم كما سنرى في سورة براءة. فكل من تابع إنسانا أو حزبا في تحريم حلال أو تحليل حرام فقد اتخذه ربا
٣ - دل قوله بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ، وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ أن العلم والتعليم صفتان رئيسيتان من صفات الرباني، فلا بد إذن ليكون الإنسان ربانيا، أن يكون شديد التمسك بدين الله وشرعه، وطاعة ربه، وأن يجتمع له مع ذلك تعليمه الكتاب وتعلمه. ودل قوله تعالى: بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ أن الشئ الرئيسي الذي يعلمه الربانيون هو الكتاب.
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ أي أخذ العهد عليهم لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ يحتمل معنيين الأول: لمهما آتيتكم من
كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول لتؤمنن به، ولتنصرنه. والثاني: أخذ الله ميثاقهم لتؤمنن بالرسول، ولتنصرنه لأجل أني آتيتكم الكتاب والحكمة، أي لأجل إيتائي إياكم الكتاب والحكمة، عليكم أن تؤمنوا بالرسول وتنصروه. قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي الإصر: العهد الثقيل لأنه مما يؤصر، أي يشد ويعقد فصار المعنى: أأقررتم بذلك وقبلتم عهدي الثقيل على ذلك؟ دل ذلك على أن موضوع المتابعة بالحق والخير أمر شاق لا يستطيعه إلا من زكى الله نفسه. قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا أي فليشهد بعضكم على بعض بالإقرار، وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ على ذلك من إقراركم وتشاهدكم، وهذا توكيد عليهم، وتحذير من الرجوع إذا علموا بشهادة الله وشهادة بعضهم على بعض.
فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ أي بعد هذا الميثاق فنقض العهد بعد قبوله، وأعرض عن الإيمان بالنبي الجديد. فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ أي المتمردون الكفرة.
أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ أي لو أنهم لم يبايعوا من أرسل الله إليهم من الرسل الذين أخذ العهد عليهم بمتابعتهم، فإنهم في هذه الحالة لا يكونون على دين الله، ولا يكونون مسلمين مع أنه، وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ من الملائكة، وَالْأَرْضِ من الإنس والجن وغيرهما. طَوْعاً وَكَرْهاً فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله، والكافر مستسلم لله كرها، فإنه تحت
стр. 777
التسخير والقهر والسلطان العظيم، الذي لا يخالف ولا يمانع وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ.
أي: يوم المعاد فيجازي كلا بعمله.
فوائد:
١ - قال علي بن أبي طالب وابن عباس: «ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث الله محمدا ﷺ وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد ﷺ وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه».
٢ - روى الإمام أحمد، عن عبد الله بن ثابت قال: «جاء عمر إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله إني مررت بأخ لي يهودي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة، ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله ﷺ قال عبد الله بن ثابت:
قلت ألا ترى ما بوجه رسول الله ﷺ . فقال عمر: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا، قال: فسري عن الرسول ﷺ وقال: والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ﵇ ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين».
٣ - روى أبو يعلى والبزار عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ «لا تسألوا أهل الكتاب عن شئ، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، وإنكم إما أن تصدقوا بباطل، وإما أن تكذبوا بحق، وإنه والله لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني».
قال ابن كثير: وفي بعض الأحاديث: «لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي».
كلمة في السياق:
١ - في القسم السابق على هذا القسم، يقرر الله بشرية المسيح ﵇، ثم يأتي هذا القسم، فيأمر الله رسوله أن يدعو أهل الكتاب إلى التوحيد، ونبذ ربوبية البشر، وفي حالة توليهم أن نشهد أننا مسلمون، وجاءت بعد ذلك فقرة، تقيم الحجة عليهم من خلال مناقشتهم في دين إبراهيم، وأننا نحن على دينه، وفقرة حول رغبات أهل الكتاب في إضلالنا، وتخطيطهم لذلك وأسبابه، وتواصيهم بالباطل فيما بينهم، والرد عليهم في هذه الاتجاهات التى تنافي التوحيد. ثم تأتي فقرة تبين بعضا من أخلاقهم التي تتنافى مع دين الله، مما يدلل على عدم توحيدهم الله في الألوهية والربوبية، ثم تأتي
стр. 778
الفقرة التي مرت معنا أخيرا لتبين: أن دعوة الرسل إنما هي التوحيد، وهذا ينافي اتخاذهم المسيح ربا. وتبين أن دعوة الرسول السابق، تكملها رسالة الرسول اللاحق، وعلى السابق أن يتابع اللاحق وأن هذا هو الإسلام.
٢ - بعد أن عرفنا من السياق ماهية الإسلام، تأتي الفقرة الخامسة آمرة رسول الله ﷺ أن يعلن إيمانه بالله، وبرسله، وبكل وحي، وأن يعلن إسلامه لله، ثم يمضي السياق كما سنرى، ليبين أن الله- لا يقبل إلا الإسلام دينا، فلنتذكر على ضوء ذلك ما مر معنا من قبل: في القسم الأول من سورة آل عمران أن الدين عند الله هو الإسلام.
وإذا كان بعض أهل الكتاب يتمسكون بمعان باطلة فى شأن المسيح ﵊، تصرفهم عن الدخول في الإسلام فقد جاء القسم الثاني مبينا حقيقة شأن المسيح ﵇، ثم جاء القسم الثالث ليفتح حوارا شاملا مع أهل الكتاب ليدخلوا فى الإسلام، ومن ثم قلنا إن القسم الأول، والقسم الثاني جاءا بمثابة مدخلين للقسم الثالث.
٣ - قلنا: إن سورة آل عمران تفصل في مقدمة سورة البقرة وامتداداتها في السورة، وقد رأينا أنه قد ورد في مقدمة سورة البقرة قوله تعالى وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ورأينا في سورة البقرة قوله تعالى قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ ....
ونلاحظ أن الفقرة الخامسة من القسم الثالث، مبدوءة بقوله تعالى قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ ... فإذا رفض بنو إسرائيل الأمر، فإن رسول الله ﷺ والمؤمنين يقيمونه. وهكذا تمضي السورة في سياقها الخاص مفصلة لمحورها في سورة البقرة.
стр. 779
«الفقرة الخامسة»
[سورة آل عمران (٣): الآيات ٨٤ الى ٩١]
قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨)
إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٩١)
ملاحظة حول السياق:
لاحظنا أن سورة آل عمران، تقابل مقدمة سورة البقرة، ولاحظنا أن الآيات الأولى من مقدمة سورة البقرة تصف المتقين، ثم تأتي آيتان في وصف الكافرين. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.
стр. 780
ونلاحظ في سورة آل عمران، أنه كثيرا ما يعقب بعض الآيات آيات مبدوءة بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا .. أو إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ .. وفي نهاية هذه الفقرة نلاحظ ورود آيتين مبدوءتين بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ....
وفي القسم الأول من سورة آل عمران الذي يقابل في سورة البقرة الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ورد في المقطع الأول منه قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ وورد في المقطع الثاني منه إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ....
ثم لا نجد إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا .. ترد إلا فى نهاية هذه الآيات التي ذكرناها، فإنها ترد مرتين فلنتذكر الآن ما يلي: إن هذا القسم الذي بين أيدينا، يقابل في مقدمة سورة البقرة الآية وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ فإذ تتحدث آيات هذا القسم عن الإيمان فلا عجب أن يرد حديث عما يقابله.
المعنى العام للآيات:
في الآية الأولى، يأمر الله- أفراد هذه الأمة بالأمر لرسولها، أن يؤمنوا بالله وبكل وحي أنزل، وبكل كتاب أنزل، وبكل نبي أرسل. فالمؤمنون من هذه الأمة يصدقون بما أنزل من عند الله، وبكل نبي بعثه الله، لا يفرقون بين أحد منهم وهم في هذا كله مسلمون لله.
- وفي الآية الثانية، يبين تعالى أنه لا يقبل إلا الإسلام دينا. هذا الإسلام الذي مظهره ما مر في الآيات السابقة. فمن سلك طريقا سوى ما شرعه الله تعالى فلن يقبل منه، وهو من الذين وقعوا في الخسران يوم القيامة.
- وبعد أن أمر الله أفراد هذه الأمة بالإيمان والإسلام، هدد من يرتد منهم بعد إيمانه ومعرفته الحجج والبراهين. إن هؤلاء على مقتضى العدل لا يستحقون هداية الله بعد ما تلبسوا به من العمى. وبين أن جزاء هؤلاء اللعنة من الله والملائكة والناس. وأنهم خالدون في هذه
стр. 781
اللعنة، وأن العذاب لا يفتر عنهم ساعة واحدة، ثم فتح لهؤلاء باب الأمل على مقتضى الفضل بأنهم إذا تابوا بعد ردتهم وأصلحوا، فإن رحمة الله وغفرانه يصلان إليهم. ذكرت هذه المعاني في الآيات الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة. وفي الآية السابعة، أكد الله تهديده ووعيده لمن كفر بعد إيمانه، ثم ازداد كفرا واستمر عليه إلى الممات. أن هؤلاء لن تقبل توبتهم عند الممات. ثم وصفهم بأنهم الخارجون عن المنهج الحق إلى طريق الغي.
وفي الآية الثامنة: عمم الله مبينا استحقاق العذاب لكل كافر مات على الكفر، وأنه لا ينقذه من عذاب الله شئ، ولو كان قد أنفق ثقل الأرض ذهبا، ولو افتدى نفسه من الله بملء الأرض ذهبا، وليس لأحد منهم نصير ينقذهم من عذاب الله، ولا يجيرهم من أليم عقابه، وسنرى المذاهب في أنواع من الناس ماتوا على الكفر ولم تبلغهم دعوة الله .
المعنى الحرفي:
قُلْ آمَنَّا هذا أمر لرسول الله ﷺ بأن يخبر عن نفسه وعمن معه بالإيمان بما سيأتي في الآية، ولذا وحد الضمير في قل، وجمع في آمنا. وهو أمر لكل فرد من أمته. وقد خوطبت الأمة كلها بمثل هذا في سورة البقرة بلفظ الجمع قولوا. بِاللَّهِ بوجوده وصفاته، وأسمائه، وأفعاله، وربوبيته، وألوهيته. وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا:
يعني القرآن والسنة. وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أي من الصحف والوحي وَالْأَسْباطِ أي أولاد يعقوب، وذرياتهم من الأنبياء وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى أي التوراة والإنجيل. وَالنَّبِيُّونَ جملة. مِنْ رَبِّهِمْ أي آمنا بما أنزل عليهم من عند ربهم. لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ في الإيمان كما فعلت اليهود والنصارى وغيرهم، بل نؤمن بجميعهم. وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ أي ونحن لله موحدون مستسلمون، مخلصون له أنفسنا، لا نجعل له شريكا في عبادتنا وعبوديتنا، فهو إلهنا وربنا.
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً أي: ومن يطلب دينا سوى الإسلام، المتمثل بإسلام الوجه لله، وبالتسليم له ولشرعه الذي بعث به رسله. والذي كانت صيغته الأخيرة ما أنزله على محمد ﷺ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ذلك. وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ الذين خسروا أنفسهم، وأعمالهم. ولعل هذه الآية، أوضح دليل على ما ذهبنا إليه في أن هذا القسم، يفصل في قوله تعالى. وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ من مقدمة سورة البقرة.
стр. 782
فائدة:
روى الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ قال: «تجئ الأعمال يوم القيامة، فتجئ الصلاة فتقول: يا رب أنا الصلاة فيقول: إنك على خير، وتجئ الصدقة. فتقول:
يا رب أنا الصدقة فيقول: إنك على خير، ثم يجئ الصيام فيقول: يا رب أنا الصيام فيقول: إنك على خير. ثم تجئ الأعمال، كل ذلك يقول الله تعالى: إنك على خير، ثم يجئ الإسلام فيقول يا رب: أنت السلام وأنا الإسلام فيقول الله تعالى: إنك على خير، بك اليوم أمنع وبك أعطي».
كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ أي لا يهدي الله. قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ أي: ارتدوا بعد دخولهم في الإسلام أو بعد أن كانوا مؤمنين. وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وشهدوا أن محمدا رسول الله حق. وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ أي: قامت عليهم الحجج والبراهين على صدق ما جاءهم به رسول الله من الله ومن ذلك القرآن وسائر المعجزات. وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أي: من شأن الله وجلاله أنه لا يهدي الظالمين المصرين على البقاء على طريق الكفر.
أُولئِكَ أي الذين ارتدوا بعد إيمانهم، جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خالِدِينَ فِيها أي في اللعنة لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ أي لا يفتر عنهم. وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أي لا يؤخرون عن العذاب ساعة واحدة.
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي من بعد الكفر والارتداد وَأَصْلَحُوا ما أفسدوا أو دخلوا في الصلاح. فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لكفرهم. رَحِيمٌ بهم.
فائدة في سبب النزول:
نزلت هذه الآيات في رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد، ولحق بالمشركين، ثم ندم فأرسل إلى قومه أن سلوا لي رسول الله ﷺ هل لي من توبة؟ فنزلت فأرسل إليه فأسلم. رواه النسائي والحاكم وابن حبان.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ أي ارتدوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً بأن أصروا على الكفر، واستمروا عليه وطغوا وبغوا. لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ أي: إيمانهم عند الموت وهو إيمان اليأس. وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ أي: الخارجون عن المنهج الحق إلى طريق الغي.
стр. 783
فائدة في سبب النزول:
ذكر البزار بإسناد جيد عن ابن عباس أن قوما أسلموا ثم ارتدوا، فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أي وماتوا كافرين. فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أي لن يقبل منهم فدية. أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي مؤلم. وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ أي معينين يرفعون عنهم العذاب.
فائدة:
روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن رسول الله ﷺ قال: «يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شئ أكنت مفتديا به؟
قال: فيقول: نعم، فيقول الله: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك».
وروى الإمام أحمد عن رسول الله ﷺ قال: «يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول له: يا ابن آدم كيف وجدت منزلك؟ فيقول: أي رب خير منزل فيقول: سل وتمن، فيقول ما أسأل ولا أتمنى إلا أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرات، لما يرى من فضل الشهادة. ويؤتى بالرجل من أهل النار فيقول له: يا ابن آدم كيف وجدت منزلك؟ فيقول: يا رب شر منزل، فيقول له: أتفتدي مني بطلاع الأرض ذهبا؟ فيقول: أي رب نعم فيقول: كذبت، وقد سألتك أقل من ذلك وأيسر فلم تفعل فيرد إلى النار».
كلمة في السياق:
١ - أثناء الكلام عن سياق سورة البقرة، قلنا: إن الحوار مع بني إسرائيل ينتهي بآية البر مرورا بمقطع إبراهيم ﵇، ومقطع القبلة، ومقطع الصبر والصلاة والتوحيد، ثم بالمقطع الثاني من القسم الثاني من سورة البقرة، وهو المقطع الذي نهايته آية البر، ونلاحظ هنا أن الفقرة التي ستأتي وهي الفقرة الأخيرة في هذا القسم من سورة آل عمران، والتي سيغلق في نهايتها الحوار مع بني إسرائيل، تبدأ بالكلام عن البر، وتثني بالكلام عما أحله الله لبني إسرائيل، وتثلث بالكلام عن البيت، ثم تنتهي
стр. 784
بآيتين كل منهما مبدوءة بقوله تعالى قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ* وهي نفس البداية التي بدئت بها الآية الأولى من هذا القسم.
٢ - قلنا أثناء الكلام عن سورة البقرة: إن آية البر لخصت كل ماله علاقة في التقوى مما سبق الحديث عنه، لتكون جسرا للكلام عن معان جديدة في التقوى، ثم جاء بعدها أمور منها الحج، ونلاحظ هنا أن آيات الحج تأتي في الفقرة المبدوءة بالكلام عن البر، وهكذا يدلنا السياق الخاص لسورة آل عمران على الروابط التي تربط بين آيات سورة البقرة.
٣ - إنه كامتداد لقوله تعالى في مقدمة سورة البقرة وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ جاء الحوار في سورة البقرة مع بني إسرائيل، وكان من شبه بني إسرائيل قضية النسخ، وقضية القبلة، ويأتي في هذه الفقرة هنا ما يدل على أن النسخ كان موجودا من قبل، وأن البيت الذي بناه إبراهيم ﵇ هو الأول.
وهكذا نرى كيف أن سورة آل عمران تفصل من خلال سياقها الخاص فى مقدمة سورة البقرة، وامتدادات معاني هذه المقدمة في سورة البقرة، وبالنسبة للسياق الخاص لسورة آل عمران نقول بين يدي الفقرة السادسة والأخيرة من القسم الثالث:
٤ - إنه بعد الأمر بالإيمان، وتهديد من يرتد، وتبيان جزاء من يموت على الكفر تأتي فقرة فيها حض على الإنفاق، وارتباط الإنفاق بالإيمان واضح، وفيها حديث عن الحج وفرضيته، والحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام، فالصلة بينه وبين الإنفاق واضحة، ويأتي بين الكلام عن الإنفاق والكلام عن الحج حديث حول ما أحل الله لبني إسرائيل في الأصل، من قبل أن يحرم يعقوب- ﵇ على نفسه ما حرم، وتلك هي شريعة إبراهيم ﵇ التي جاءت هذه الشريعة موافقة لها مما يؤكد أننا أولى بإبراهيم ﵇.
المعنى العام:
في الآية الأولى: بيان أن تحصيل حقيقة البر بأن يكون الإنسان برا لا يكون إلا بالإنفاق مما يحبه الإنسان ويؤثره، طعاما أو غيره، ثم بين الله- أن أي نفقة ننفقها فإن الله يعلم ذلك ويجازينا عليها. فالربانية وكمال العبودية في تحقق الإنسان بالبر، وهذا لا يكون إلا بالإنفاق مما يحبه الإنسان.
وإذا كان مظهرا من مظاهر اتخاذ غير الله ربا تحريم الحلال وتحليل الحرام، فقد ذكر الله في هذا السياق موضوعا متعلقا بالحل والحرمة في أهم قضية يكون فيها التحليل والتحريم، قضية الطعام. فقد بين الله- أن الطعام كله كان حلالا لبني إسرائيل، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه، من لحوم الإبل وألبانها، ثم نزلت التوراة فحرمت ما حرمت. وفي ذلك إشارة إلى موضوع النسخ الذي تنكره اليهود، وهو واقع في شريعتهم وعندهم، ثم تحداهم الله- أن يأتوا بالتوراة ليثبتوا خلاف ما يذكره رسول الله ﷺ في هذا الشأن، ثم بين الله- أنه من كذب على الله فإنه هو الظالم، وأي ظلم أكبر من الكذب على الله- .
وفي الآية الرابعة يأمر الله- رسوله أن يقول: صدق الله فيما أخبر به، وفيما شرعه في القرآن، وبناء عليه فاتبعوا ملة إبراهيم التي شرعها الله في القرآن على لسان محمد ﷺ فإنه الحق لا شك فيه، ولا مرية. وهي الطريقة التي لم يأت نبي بأكمل منها، ولا أبين ولا أوضح. ثم بين أن إبراهيم لم يكن من المشركين. وفي ذكر هذا هنا دليل على ارتباط هذه الآيات في أول القسم حيث ذكر إبراهيم. وإذ ذكر إبراهيم في هذا القسم كثيرا، وذكرت ملته، والحج إلى مكة مرتبط بإبراهيم وملته، يخبر تعالى أن أول بيت وضع لعموم الناس لعبادتهم، ونسكهم، يطوفون به، ويصلون إليه، ويعتكفون عنده، هو الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل ﵇، والذي يزعم كل من طائفتي النصارى واليهود أنهم على دينه ومنهجه، ولا يحجون إلى البيت الذي بناه بأمر من الله، ودعا الناس إلى حجه، وقد جعله الله مباركا وهداية للعالمين. هذا البيت الذي فيه علامات واضحات، لا تلتبس على أحد أنه من بناء إبراهيم، وأن الله عظمة وشرفه، من هذه الآيات مقام إبراهيم الذي قام عليه يوم بنى الكعبة، وهو حجر
стр. 787
عليه آثار قدميه. ومن هذه الآيات أمن الخائف إذا دخله من كل سوء، هذا البيت فرض الله- حجه على المستطيع من الناس. ومن يجحد فريضة الحج فقد كفر والله غني عنه.
ثم يختم هذا القسم الذي يمكن أن يكون عنوانه الدعوة إلى ربوبية الله وتوحيده بآيتين كل منهما مبدوءة ب قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ ... * كما بدأ القسم كله. وفي الآيتين تعنيف من الله تعالى لمن لم يدخل في الإسلام من أهل الكتاب على عنادهم للحق، وكفرهم بآيات الله، وصدهم عن سبيل الله من أراده من أهل الإيمان، باذلين جهدهم وطاقتهم في ذلك، مع علمهم بأن ما جاء به الرسول ﷺ حق من الله، ومع ما عندهم من العلم عن الأنبياء الأقدمين، والسادة المرسلين صلوات الله وسلامة عليهم أجمعين، مما بشروا به، ونوهوا من ذكر النبي الأمي الهاشمي العربي المكي سيد ولد آدم، وخاتم الأنبياء والمرسلين، ورسول رب الأرض والسماء، وقد توعدهم الله على ذلك وأخبر بأنه شهيد على صنيعهم ذلك بما خالفوا ما بأيديهم عن الأنبياء، ومعاملتهم الرسول المبشر به بالتكذيب والجحود والعناد. فأخبر تعالى أنه ليس بغافل
عما يعملون.
وسيجزيهم على ذلك.
المعنى الحرفي:
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ أي لن تبلغوا حقيقة البر، أو لن تكونوا أبرارا أو لن تنالوا بر الله وهو: ثوابه وجنته، حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها وتؤثرونها. قال الحسن: «كل من تصدق ابتغاء وجه الله بما يحبه ولو تمرة فهو داخل في هذه الآية» ولا وصول إلى المطلوب إلا بإنفاق المحبوب. وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ طيب أو غير طيب، فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ فيجازيكم بحسبه.
فوائد:
١ - روى الإمام أحمد، والبخاري ومسلم عن أنس بن مالك: كان أبو طلحة أكثر الأنصار في المدينة مالا. وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما نزلت
стр. 788
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ قال أبو طلحة: يا رسول الله إن الله يقول:
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو بها برها وذخرها عند الله تعالى؛ فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال النبي ﷺ : «بخ بخ، ذاك مال رابح، ذاك مال رابح، وقد سمعت، وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين». فقال أبو طلحة: «أفعل يا رسول الله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه».
٢ - وفي الصحيحين: أن عمر قال: يا رسول الله، لم أصب مالا قط هو أنفس عندي من سهمي الذي هو بخيبر، فما تأمرني به؟ قال: «احبس الأصل، وسبل الثمرة» وهذا أصل في الوقف.
٣ - وروى البزار: «قال عبد الله- أي ابن عمر- حضرتني هذه الآية: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ فذكرت ما أعطاني الله فلم أجد أحب إلي شيئا من جارية لي رومية، فقلت: هي حرة لوجه الله فلو أني أعود في شئ جعلته لله لنكحتها» يعني تزوجتها.
كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ أي كل المطعومات التي فيها النزاع- فإن من الأطعمة ما هو حرام قبل ذلك كالميتة والدم- كانت حلالا لبني إسرائيل. إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ والذي حرم إسرائيل على نفسه هو لحوم الإبل وألبانها، وكانا أحب الطعام إليه. فالمطاعم كلها كانت لم تزل حلالا لبني إسرائيل من قبل إنزال التوراة، سوى ما حرم إسرائيل على نفسه. فلما نزلت التوراة على موسى، حرم عليهم فيها لحوم الإبل وألبانها، لتحريم إسرائيل ذلك على نفسه.
قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. لأن التوراة ناطقة بهذا.
أمر رسول الله ﷺ بأن يحاجهم بكتابهم، ويبكتهم بما هو ناطق به من أن تحريم ما حرم عليهم تحريم حادث بسبب ظلمهم وبغيهم، لا تحريم قديم كما يدعونه. وفيه دليل على جواز النسخ إذ حرم على بني إسرائيل فيما بعد أشياء أخرى، فلو لم يجز النسخ كما يدعي اليهود، لم يكن هذا.
فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ بزعمه أن ذلك كان محرما في ملة إبراهيم ونوح ﵉. مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي من بعد ما قامت الحجة القاطعة. فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ أي المكابرون الذين لا ينصفون من
стр. 789
أنفسهم، ولا يلتفتون إلى البينات.
قُلْ صَدَقَ اللَّهُ في إخباره، وفيه تعريض بكذبهم أي ثبت أن الله صادق فيما أنزل، وأنتم الكاذبون. فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً. أي: مائلا عن الأديان الباطلة. أي إذ ثبت أن الله صادق فيما أخبر به بهذا القرآن، فاتبعوا ملة إبراهيم التي هي ملة الإسلام التي عليها محمد ﵇، ومن آمن معه حتى تتخلصوا من انحرافاتكم، وتعذيب أنفسكم.
وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أي كونوا موحدين مثله. وهذا دليل على أن هذه الآيات مرتبطة بسياق بداية القسم قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ.
فوائد:
١ - روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: حضرت عصابة من اليهود إلى نبي الله ﷺ فقالوا: حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي. قال: «سلوني عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب على بنيه لئن أنا حدثتكم فعرفتموه لتتابعني على الإسلام» قالوا: فذلك لك، قالوا: أخبرنا عن أربع خلال. أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه؟ وكيف ماء المرأة وماء الرجل؟، وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟، وأخبرنا بهذا النبي الأمي في النوم، ومن وليه من الملائكة؟. فأخذ عليهم العهد لئن أخبرهم ليتابعنه فقال: «أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضا شديدا وطال سقمه فنذر لله نذرا لئن شفاه الله من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها؟» فقالوا: اللهم نعم. فقال: اللهم اشهد عليهم. وقال:
«أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيتهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله، إن علا ماء الرجل ماء المرأة كان ذكرا بإذن الله، وإن علا ماء المرأة ماء الرجل كان أنثى بإذن الله؟ قالوا: نعم قال: اللهم اشهد عليهم، قال: وأنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ قالوا: اللهم نعم قال:
اللهم اشهد عليهم، قال: وإن وليي جبريل، ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه قالوا:
فعند ذلك نفارقك، ولو كان وليك غيره لتابعناك، فعند ذلك قال الله: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ... الآية.
стр. 790
أقول: إن لي في فهم علو ماء الرجل على ماء المرأة أو العكس اتجاها- الله أعلم بصحته-: هو أن المراد بالعلو هنا الغلبة فإذا كان للحيوان المنوي غلبة على بويضة الأنثى حدث الإذكار، وإذا كانت لبويضة الأنثى غلبة على الحيوان حدث التأنيث والأمر غيب وهذا فهم.
٢ - ذكر ابن كثير مناسبتين لذكر آية كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ
مع ما قبلها. المناسبة الأولى: كون إسرائيل قد حرم على نفسه أحب الطعام فلذلك مناسبة مع قوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ... المناسبة الثانية: أن الآية لها صلة بالنسخ، وهو جزء مما ناقش الله به بني إسرائيل، إذ إن بني إسرائيل ادعوا عدم جواز النسخ، وقد ذكر ابن كثير مجموعة مما حدث فيه النسخ مما هو ثابت في التوراة، وقد أشرنا إلى هذا الموضوع في أكثر من مكان.
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ أي إن أول بيت وضعه الله متعبدا للناس، لَلَّذِي بِبَكَّةَ أي للبيت الذي ببكة، وهو الكعبة، وبكة من أسماء مكة. مُبارَكاً أي: كثير الخير لما يحصل للحجاج والمعتمرين من الثواب وتكفير السيئات. وَهُدىً لِلْعالَمِينَ لأنه قبلتهم ومتعبدهم وبالقيام بحقه يهتدون، وبمزاولة ما أمرهم الله به من شأنه، يرزقهم الله الهداية.
فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ أي: علامات واضحات لا تلتبس على أحد أنه من بناء إبراهيم، وأن الله عظمه وشرفه. مَقامُ إِبْراهِيمَ وهو الحجر الذي قام عليه أثناء بناء الكعبة، فظهرت فيه آثار قدميه، فهو آية بمنزلة آيات كثيرة لاشتماله على آيات كثيرة لظهور شأنه، وقوة دلالته على قدرة الله تعالى، ونبوة إبراهيم ﵇ من تأثير قدمه في حجر صلد، فتأثير القدم في الصخرة الصماء آية، وغوصه فيها إلى الكعبين آية، وإلانة بعض الصخرة دون بعض آية، وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء ﵈ آية لإبراهيم خاصة. وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً هذه هي الآية الثانية التي تتضمن آيات أي وأمن داخله، وما أكثر من حصل الأمن به، حتى يوم لا يكون أمن كأيام العرب في الجاهلية، وفي ذلك آيات، وهذا الأمن آية كذلك لإبراهيم إذ إنه كان ببركة دعائه: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً (سورة إبراهيم).
وهناك اتجاه آخر في تفسير قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وهو أن مقام إبراهيم هو الحرم كله، وفي الحرم آيات أخرى سوى الحجر منها إهلاك جيش أبرهة الذي قصده بسوء. ذكر هذا الاتجاه وضرب هذه الأمثلة كثيرون من المفسرين منهم الألوسي فيكون المعنى «مقام
стр. 791
إبراهيم فيه آيات بينات» والله أعلم.
وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ أي: وقد استقر لله على الناس فرض الحج إلى بيته مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا أي: على المستطيع لهذا الحج، أو على المستطيع الوصول إلى هذا البيت، وذلك يكون بقدرة على الزاد والراحلة فاضلتين عن حاجة أهله، ومن تجب عليه نفقته. فصار المعنى إن الله فرض الحج على من ملك الزاد والراحلة الموصلتين إلى هذا البيت. وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ: يحتمل شيئين، الأول:
ومن جحد فرضية الحج فإن الله غني عنه، وعن غيره. والثاني: ومن لم يشكر ما أنعمت عليه من صحة الجسم، وسعة الرزق، ولم يحج، فإن الله غني عنه وعن العالمين جميعا.
فوائد:
١ - أخرج ابن أبي حاتم عن علي ﵁ في قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ... قال: كانت البيوت قبله، ولكنه أول بيت وضع لعبادة الله. أقول وقد ذكر ابن كثير ضعف الحديث الذي فيه: أن أول من بنى البيت آدم وحواء.
٢ - وروى الإمام أحمد عن أبي ذر قال: «قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة، قلت: ثم أي؟ قال: ثم حيث أدركتك الصلاة فصل فكلها مسجد» وأخرجه البخاري ومسلم. دل هذا الحديث على أن المسجد الأقصى كان قبل سليمان بكثير فسليمان جدد بناءه.
٣ - أشهر الأقوال أن بكة: هي مكة، وسميت كذلك لأنها تبك أعناق الظلمة والجبابرة، بمعنى أنهم يذلون بها ويخضعون عندها، أو لأن الناس يتباكون فيها أي:
يزدحمون. قال قتادة: إن الله بك به الناس جميعا، فيصلي النساء أمام الرجال ولا يفعل ذلك ببلد غيرها. وذهب بعضهم إلى أن البيت والمسجد وما كان في هذه الدائرة فهو بكة، وما وراء ذلك مكة. وقد ذكروا لمكة أسماء كثيرة منها مكة، وبكة، والبيت العتيق، والبيت الحرام، والبلد الأمين، والمأمون، وأم رحم، وأم القرى، وصلاح، والعرش، والقادس، والمقدسة، والناسة، والباسة، والحاطمة، والرأس، وكوثاء، والبلدة، والبنية، والكعبة.
٤ - مر معنا في تفسير سورة البقرة، أن الحجر الذي فيه موطئ قدم إبراهيم كان
стр. 792
ملتصقا بجدار البيت، حتى أخره عمر رضي الله تعالى عنه في إمارته إلى ناحية المشرق لمصلحة الطواف، ومن أجل ألا يشوش الطائفون على المصلين عنده بعد الطواف. لأن الله تعالى أمرنا بالصلاة عنده.
٥ - من مظاهر الأمن في البيت في الجاهلية ما قاله الحسن البصري وغيره: «كان الرجل يقتل، فيضع في عنقه صوفة فيدخل الحرم فيلقاه ابن المقتول فلا يهيجه حتى يخرج» ومن مظاهر الأمن في الإسلام حرمة اصطياد صيدها، وتنفيره عن أوكاره وحرمه قطع شجرها، وقلع حشيشها، إلا الإذخر للضرورة إليه. ومن مظاهر ذلك في الإسلام ما قاله النسفي وهو من الحنفية: ومن لزمه القتل في الحل (أي غير الحرم) بقود، أو ردة، أو زنى، فالتجأ إلى الحرم لم يتعرض له، إلا أنه لا يؤوى ولا يطعم، ولا يسقى، ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج. قال عمر: لو ظفرت به بقاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه. وقال ابن عباس: «من عاذ بالبيت أعاذه البيت، ولكن لا يؤوى ولا يطعم. فإذا خرج أخذ بذنبه» وهذا كله فيمن ارتكب جريمة خارج الحرم ثم أوى إليه، وأما من ارتكب جريمة داخل الحرم فالإجماع منعقد على أنه يؤخذ بها، ومن مظاهر أمن البيت في الإسلام ما رواه مسلم عن رسول الله ﷺ : «لا يحل لأحد أن يحمل السلاح بمكة» وقد مر معنا شئ من هذا في سورة البقرة.
٦ - روى الترمذي بسند حسن صحيح والإمام أحمد والنسائي عن عبد الله بن عدي ابن الحمراء الزهري أنه سمع رسول الله ﷺ وهو واقف بالحزورة بسوق مكة يقول: «إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت».
٧ - قال ابن كثير وقوله: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا هذه آية وجوب الحج عند الجمهور ... وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام، ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعا ضروريا، وإنما يجب على المكلف في العمر مرة واحدة بالنص والإجماع.
٨ - روى مسلم عن ابن عباس قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج، فقام الأقرع بن حابس فقال: يا رسول الله أفي كل عام؟
فقال: لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها، ولن تستطيعوا أن تعملوا بها، الحج مرة فمن زاد فهو تطوع».
стр. 793
٩ - روى الترمذي عن ابن عمر ﵄ قال: قام رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: من الحاج يا رسول الله؟ قال: الشعث التفل، فقام فقال: أي الحج أفضل يا رسول الله؟ قال: العج (١) والثج، فقام آخر فقال: ما السبيل يا رسول الله؟ قال:
الزاد والراحلة» وورد تفسير السبيل بأنه الزاد والراحلة في أكثر من حديث، وأكثر من طريق.
١٠ - روى سعيد بن منصور عن عكرمة قال: لما نزلت وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ قالت اليهود: فنحن مسلمون، قال الله- فأخصمهم فحجهم يعني فقال لهم النبي ﷺ : «إن الله فرض على المسلمين حج البيت من استطاع إليه سبيلا» فقالوا: لم يكتب علينا، وأبوا أن يحجوا. قال تعالى وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ اهـ. وبمثل هذا يرد على من ادعى الإسلام، وفاته الإذعان، أو رافق ادعاءه كفر وفجور.
١١ - في إسناد صحيح عن عمر قال: «من أطاق الحج فلم يحج فسواء عليه مات يهوديا أو نصرانيا» وروى سعيد بن منصور في سننه عن الحسن البصري قال: «قال عمر ابن الخطاب ﵁: «لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار، فينظر إلى كل من كان عنده جدة فلم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين» وكلام عمر يحمل على من جحد، أو تحمل الجزية على العقوبة التعزيرية، ونفي الإسلام من باب المبالغة في الإنكار.
١٢ - في قوله تعالى وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ بعد ذكر فريضة الحج تأكيد وتشديد على ترك الحج. فالله غني عن العالمين بمعنى: مستغن عنهم وعن طاعتهم.
ذكر هذا بعد قوله وَمَنْ كَفَرَ مكان: ومن لم يحج تغليظا على تاركي الحج. وقال:
غني عن العالمين، ولم يقل (عنه) لما فيه من الدلالة على الاستغناء عنه، وعمم ليدل على الاستغناء الكامل. وفي ذلك زيادة إبراز لعظيم السخط الذي يستحقه من ترك الحج.
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ المنزلة على رسوله والآيات الظاهرة على يدي رسوله مما يشهد بصدقه. وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ أي: والحال أن الله شهيد على أعمالكم فيجازيكم عليها أفلا تستحيون، أفلا تخافون، أفلا تحذرون؟!
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ. الصد: المنع، وسبيل الله:
دينه الحق، وطريقه التي أمر بسلوكها: وهو الإسلام، أي لم تمنعون الناس عن
стр. 794
الإسلام؟! ومن عرف الجهد الذي بذلته وتبذله في زماننا- الدول والمؤسسات الكافرة للحيلولة دون هذا الإسلام، وانتشاره، وتطبيقه، وانتصار دعاته. عرف مقدار صد أهل الكتاب عن سبيل الله، وأخذ صورة عن الصد الذي أنكره الله عليهم مَنْ آمَنَ أي: لم تصدون عن سبيل الله المؤمنين باستعمالكم كل طرق الصد، مما رأينا نماذجه في هذا القسم. ومما نرى نماذجه في عصرنا من تخطيط، وإغراء، وتعذيب بأيديهم، وأيدي أذنابهم. تَبْغُونَها عِوَجاً أي: تريدونها معوجة، وليس أبلغ في التعريف على إرادتهم من هذا التعبير. ولا يفسر هذا التعبير شئ كما يفسره الواقع في عصرنا، إذ يخطط اليهود والنصارى من أجل حصر الإسلام في إطار الروحانيات، والعبادات، إذا لم يستطيعوا إنهاءه من قلوب أبنائه بالكلية. ويبذلون الغالي والرخيص، من أجل أن يحولوا دون قيام الإسلام كاملا، فهم يريدون سبيل الله معوجة، غير مستقيمة منحرفة، فيها إسلام وفيها جاهلية. وَأَنْتُمْ شُهَداءُ أي:
والحال أنكم شهداء على أن محمدا رسول الله، بما تعرفونه في التوراة والإنجيل من صفته، والحال أنكم شهداء على أن دين محمد ﷺ هو سبيل الله، فالمفروض أن تؤدوا الشهادة القولية والفعلية لسبيل الله، فكيف تستبدلون هذا بالصد عن سبيل الله، وترغبون بالطرق المعوجة! وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. من الصد عن سبيله لتحقيق رغباتكم الفاسدة وهذا وعيد شديد لهم.
وبهذا ينتهي هذا القسم من سورة آل عمران.
كلمة فى السياق:
قلنا: إن القسم الأول والثاني جاءا تمهيدا للقسم الثالث، فلنلاحظ بعض ما يدل على ذلك:
في القسم الأول: جاء قوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ. وجاء قوله تعالى وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا. وفي هذا القسم جاء أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً. وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ.
وفي القسم الثاني: جاءت قصة عيسى، وفيها إشارة إلى الغلو فيه، وفي هذا القسم
стр. 795
جاء قوله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ ... وجاء قوله تعالى ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ ....
وكما أن المعاني تسلسلت في الأقسام الثلاثة، وترابطت. فإن لكل قسم صلاته، وترابطه فيما بينه.
وسنرى كيف أن القسمين الأخيرين في سورة آل عمران مبنيان على الأقسام السابقة، حتى لتكاد أن تكون الأقسام الثلاثة الأولى تمهيدا للقسمين الأخيرين.
تحدث القسم الأول فيما تحدث فيه عن: إنزال الكتب، والموقف الصحيح من القرآن، وعن كفر الكافرين بالكتاب، وعن مظهر من مظاهر انحراف أهل الكتاب، وعن تزيين شهوات الدنيا، وما أعده الله للمتقين في الآخرة، ومن هم أهل ذلك، ثم أخبرنا الله أن الدين عنده هو الإسلام، وعلمنا كيف ينبغي أن نقف من غير المسلمين وعرفنا، على ما أعده للكافرين من عذاب، ودلنا على بعض ما يقتضيه أننا مسلمون.
وفي القسم الثاني: ذكر الله- لنا نماذج على اصطفائه، ودلنا على غلو من غلا في بعض أهل الاصطفاء؛ بإعطاء أهله ما لم يأذن به الله.
ثم جاء القسم الثالث: وفيه دعوة لأهل الكتاب إلى محض العبودية لله وتوحيده، وعدم الشرك به، ومناقشة مواقفهم وأقوالهم، وبناء على هذه الأقسام كلها يأتي القسم الرابع، والقسم الخامس، وكل منهما يبدأ بالتحذير من الطاعة للكافرين، الأول يبدأ بالتحذير من طاعة أهل الكتاب، والثاني يبدأ بالتحذير من طاعة الكافرين مطلقا.
كنا ذكرنا أن سورة آل عمران تفصل في مقدمة سورة البقرة، أي: في العشرين آية الأولى منها، وإذ كانت سورة البقرة في كثير من آياتها تلقي أضواء على مقدمتها، فإن كثيرا من آيات سورة آل عمران تكاد تكون تفصيلا لآيات مشابهة في سورة البقرة. وقد أشرنا إلى ذلك من قبل، وهاهنا نحب أن نقدم زيادة بيان:
في المقطع الثاني من القسم الثالث من سورة البقرة. نرى آية الكرسي اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ. مَنْ ذَا الَّذِي .... ونرى قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ
стр. 796
ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ونرى قوله تعالى: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ.
وقوله تعالى: سَمِعْنا وَأَطَعْنا.
ونلاحظ أن القسم الأول من سورة آل عمران فيه ملامح من هذا كله:
ففيه الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ.
وفيه فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ .... وفيه قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ .... وفيه إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ.
وفيه قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ.
ونلاحظ أنه فى المقطع الأول من القسم الثالث من سورة البقرة قد جاء:
سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ..... فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ. تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ. ومن قبل في القسم الأول من سورة البقرة جاء قوله تعالى: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ.
والملاحظ أن القسم الثاني من سورة آل عمران بدأ بقوله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ.
فالصلة واضحة.
وفي القسم الأول من سورة البقرة، جاء المقطع الثالث، مقطع بني إسرائيل ومن بعده مقطع إبراهيم، ثم مقطع القبلة، ثم ...... وفي ذلك معان جاء يفصلها أو يعرضها عرضا جديدا القسم الثالث في سورة آل عمران:
فمثلا قوله تعالى في سورة البقرة: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ .... وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا ... يفصله في آل عمران: وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ .... وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ.
وفي البقرة يرد قوله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ
стр. 797
إِلَّا يَظُنُّونَ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ. ونجد في سورة آل عمران:
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ ...
وفي سورة البقرة نجد قوله تعالى:
وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ .... ونجد في سورة آل عمران وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ، ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ.
وفي سورة البقرة نجد
ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ .....
وفي سورة آل عمران يرد وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ ....
وفي سورة البقرة نجد بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ...
ويرد في سورة آل عمران أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً.
وفي سورة البقرة نجد وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ.
ويرد في سورة آل عمران
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً ....
وفي سورة البقرة نجد وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ...
قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً.
وفى سورة آل عمران يرد: قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً.
وفي سورة البقرة تأتي آية البر وفيها وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ.
ويرد في سورة آل عمران قوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ.
فسورة آل عمران لها سياقها الخاص بها. وهذا السياق له ترتيبه الخاص وهي في الوقت نفسه تفصل في محورها من سورة البقرة، وهو مقدمة سورة البقرة.
وامتدادات هذه المقدمة. مما له صلة مباشرة بمقدمة سورة البقرة. وسنرى في
стр. 798
القسمين الأخيرين من سورة آل عمران مزيد بيان.
فمثلا سنرى في القسم الرابع قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ وهي تفصيل لقوله تعالى وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً. ولكن هذا التفصيل يسير على نسق لم يعهده أحد من قبل ولا من بعد، ولا يستطيعه أحد من قبل ولا من بعد: إنه كتاب فريد عجيب «لا تنقضي عجائبه».
وأخيرا لاحظ ما يلي
مر معنا المقطع الأول من القسم الثاني من سورة البقرة، وهو مقطع مبدوء بقوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً ومختوم بآية البر لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ ... ثم جاءت تتمة القسم، وكان من جملة ما فيه الأمر بإتمام الحج. وفي القسم الذي مر معنا من سورة آل عمران نجد فى أواخره آية في البر: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ. ثم آية في الطعام: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ .... ثم آيتان هما تتمة لمعاني هذه الآية، ثم كلام عن الكعبة والحج. إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً ....
فإذا ما اتضح أن هناك صلة بين القسم الذي مر معنا وبين مقدمة سورة البقرة، وامتدادات معانيها أصبح بالإمكان أن نقول:
إن سورة البقرة ذكرت معاني الإسلام بإجمال، وضمن نسق، وترتيب معين.
وتأتي بعدها سور سبع، هي تتمة قسم الطوال، لتفصل كل منها في محور من سورة البقرة، وفى امتدادات هذا المحور بشكل تفصيلي، بحيث لا ينتهي قسم الطوال إلا أخذنا التغطية التفصيلية الأولى لمعاني سورة البقرة، على نفس ترتيب ورودها في سورة البقرة، فإذا اتضح لك بدايات هذا الموضوع، وإذا اتضح لك صلة معاني القسم الثالث من سورة آل عمران ببعضها، وإذا اتضح لك صلة ذلك كله بقسمي السورة الأولين، فإننا نعتبر أن باستطاعتنا أن ننطلق نحو القسم الرابع في سورة آل عمران.
[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤٣ الى ١٤٨]
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧)
فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)
*** كلمة في هذا القسم:
يتألف هذا القسم من ثلاثة مقاطع، كل مقطع منه مبدوء بصيغة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا* والذي دلنا على بداية القسم ونهايته إنما هي المعاني، فلأول مرة في سياق سورة آل عمران، يأتي نداء مبدوء بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا. في بداية هذا القسم وهو نداء في النهي عن طاعة أهل الكتاب. ويستمر القسم حتى يأتي نهي عن طاعة الكافرين عامة، وبذلك يبدأ قسم جديد في السورة هو القسم الأخير.
وهذان القسمان الأخيران يبنيان على الأقسام الثلاثة السابقة. كما أن القسم الأخير مبني على القسم السابق عليه من سورة آل عمران لقد مر معنا في القسم الأول مواقف لأهل الكتاب، وعرفنا فيه بعض طبائعهم، من كون فريق منهم يتولون وهم معرضون إذا دعوا لكتاب الله ليحكم بينهم، وهاهنا يبدأ القسم بقوله تعالى:
стр. 804
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ.
لقد عرفنا من القسم الأول كيف أن أهل الكتاب يقتلون الأنبياء، ويقتلون الذين يأمرون الناس بالقسط، وأنهم يكفرون بآيات الله، وعرفنا من القسم الثاني كيف أن بعضهم كفر بالمسيح ﵇، أو غلا فيه، وعرفنا في القسم الثالث كيف أن طائفة منهم تود إضلالنا، وكيف أنهم يخططون لذلك، وكيف أنهم يخونون فيما اؤتمنوا عليه.
والآن يأتي هذا القسم محذرا لنا من طاعتهم، مفسرا لنا مواقفهم، مبينا لنا ما ينبغي أن نستعصم به، موجها لنا إلى ما ينبغي أن نسير فيه.
رأينا في القسم الأول أن الله أنزل الكتاب، وأن الناس فى شأن الكتاب قسمان:
قسم يؤمن بالكتاب كله، فيعمل بالمحكم، ويؤمن بالمتشابه وقسم: يتبع المتشابه معطلا المحكم. ورأينا تفصيلا في صفات المتقين. ونلاحظ هنا مجئ قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وفيه وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا.
وفيه: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ
ورأينا في القسم الأول قوله وتعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ.
ونجد في هذا القسم قوله وتعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا.
ورأينا في القسم الأول قوله تعالى:
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ* قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ.
وفي هذا القسم نجد: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ... وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ .....
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ .... فالقسم الرابع إذن يبين ما سبقه من معان، ويفصل فيها، ويزيد في
стр. 805
بناء المعاني ما يحتاجه البناء ............
قلنا إن سورة آل عمران تفصل في مقدمة سورة البقرة، ومقدمة سورة البقرة تحدثنا عن المتقين، والكافرين، والمنافقين. وهذا القسم تفصيل في ذلك كله:
فهذا القسم ينهانا أن نسير في طريق الكفر، ويأمرنا أن نتحقق بكمال التقوى، وأن نعتصم بالقرآن، وألا نفعل ما يخل بهذا الاعتصام، أو يضعفه، بل علينا أن نفعل ما يقويه، ويدلنا على الطريق. ويفصل في العلاقات بين أهل الإيمان وأهل الكفر تفصيلا بعيدا، وكل ذلك له صلة بمقدمة سورة البقرة. وقد ختم الكلام عن المتقين في مقدمة سورة البقرة بقوله تعالى:
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وفي هذا القسم تبيان لجوانب في الهداية والفلاح: وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
وقلنا إن لمقدمة سورة البقرة امتدادات في سورة البقرة، وأن سورة آل عمران تفصل في المقدمة، وفي المعاني الأشد لصوقا بها، ضمن سياقها الخاص. ونلاحظ أن في سورة البقرة ورد قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً وهاهنا يرد قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، وفي سورة البقرة ورد قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ
تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا ...
وهاهنا يرد قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ.
وهكذا نجد من خلال هذا القسم كيف أن لسورة آل عمران سياقها الخاص، وكيف أنها تفصل في مقدمة سورة البقرة وفيما هو كالامتداد لمعاني هذه المقدمة على طريقة لم يعرفها بشر وهو عاجز عنها ولا يستطيعها أحد
стр. 806
ولنبدأ عرض القسم:
المقطع الأول
يبدأ هذا القسم بآيتين تشكلان بداية المقطع الأول وهما الفقرة الأولى منه:
الفقرة الأولى من المقطع الأول
[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠٠ الى ١٠١]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)
المعنى العام:
يحذر الله تعالى عباده المؤمنين من طاعة فريق من أهل الكتاب- وذكر الفريق هنا يدل على أن ليس كل أهل الكتاب يبذلون جهدا لإضلالنا. وبين أنه في حالة طاعة هذا الفريق، فإن الكفر والردة هما اللذان سنصير إليهما. فالهدف الذي يسعى إليه هذا الفريق إذن، هو تكفيرنا وردتنا. ولعل واقع عصرنا هو التفسير الواضح لهذا المعنى، إذ استطاع كثير من أهل الكتاب أن يصلوا إلى أخذ طاعة أبناء المسلمين من خلال أحزاب أو مؤسسات واستطاعت كثير من الدول الكافرة أن تستجلب سمع الكثير من أبناء المسلمين، فكان من آثار ذلك هذه الردة الكبيرة التي نراها. وفي الآية الثانية يعجب الله من أن نكفر، وقد اجتمع لنا ما لا يعقل معه الكفر وهو هذا الكتاب المعجز وهذا الرسول الذي تضافرت المعجزات والخصائص والبشائر والآثار والثمرات على أنه رسول الله حقا ثم يبين أن الهداية إلى الصراط المستقيم مدارها على الاعتصام بالله، والاعتصام بالله يقتضي اعتصاما بكتابه ورسوله، وهذا الاعتصام هو العمدة في الهداية والعدة في مباعدة الغواية والوسيلة إلى الرشاد، وطريق السداد وحصول المراد.
وهاتان الآيتان جسر بين ما قبل وما بعد، فبعد أن نوقش موقف أهل الكتاب يأتي الآن نهي عن طاعتهم. وإذ نحن مأمورون بالإيمان فستذكر مقتضياته.
стр. 807
المعنى الحرفي:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ. أي: إن تعطوا الطاعة طائفة من اليهود أو النصارى. يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ أي:
يخرجونكم من الإيمان إلى الكفر، فيجعلونكم مرتدين.
وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ أي:
من أين يتطرق إليكم الكفر. وفي السؤال إنكار وتعجيب. وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ أي: والحال أن آيات الله- وهي القرآن المعجز- تتلى عليكم على لسان رسوله ﷺ . وَفِيكُمْ رَسُولُهُ أي: وبين ظهركم رسول الله ينبهكم، ويعظكم، ويزيح عنكم شبهكم، وتظهر على يده الآيات. والمعنى قائم بالنسبة لنا ببقاء سنة رسول الله ﷺ وسيرته بين أيدينا. وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ أي: يتمسك بدينه أو بكتابه، أو هو حث لهم على الالتجاء إليه في دفع شرور الكفار، ومكايدهم، وكل شر. فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فقد أرشد إلى الدين الحق. أو المعنى: ومن يجعل ربه ملجأ ومفزعا عند الشبه، يحفظ منها.
فائدة:
دلت الآية الأخيرة على أن وجود الرسول ﷺ ورؤيته، والقرآن وإعجازه، ينبغي ألا يتأتى معهما كفر، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال لأصحابه يوما: «أي الخلق أعجب إليكم إيمانا؟ قالوا: الملائكة قال: وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم.
قالوا: فالنبيون. قال: وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم! قالوا: فنحن، قال:
وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم! قال: فقال رسول الله ﷺ : «إن أعجب الخلق إلي إيمانا لقوم يكونون من بعدكم، يجدون صحفا فيها كتاب يؤمنون بما فيها».
فنحن معشر المسلمين اليوم فاتتنا رؤية رسول الله ﷺ ، ولكن بقي فينا القرآن، والسنة، والسيرة، وفي ذلك كفاية للإيمان.
كلمة في السياق:
بدأت سورة البقرة بالكلام عن المتقين، والكافرين، والمنافقين، وجاءت سورة آل عمران لتفصل في هذه المقدمة.
فعرفتنا كيف نهتدي بكتاب الله، وأعطتنا صفحة من صفحات الإيمان بالغيب،
стр. 808
وعمقت عندنا الإيمان بما أنزل على محمد ﷺ ، وبما أنزل من قبله، وحذرتنا مما يقابل ذلك، وكل ذلك في الأقسام الثلاثة الأولى. وجاءت الفقرة الأولى، من المقطع الأول، من القسم الرابع: تنهانا عن طاعة أهل الكتاب؛ لما يترتب على ذلك من الردة مبينة أن الكفر لا ينبغي لنا بعد وجود القرآن والرسول ﷺ ، وحضتنا على الاعتصام بالله، وأن في ذلك الهداية إلى الصراط المستقيم، ثم تأتي بعد ذلك فقرة تأمر بالتقوى، والموت علي الإسلام، والاعتصام بحبل الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الخير، مبينة أن ذلك هو طريق الفلاح، ثم تسير الفقرة في سياقها.
وبهذا تحدد لنا الفقرة طريق الهدى، وعلاماته، وطريق الفلاح، ومقتضياته، فلنتذكر أن الكلام عن المتقين في مقدمة سورة البقرة ختم بقوله تعالى أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. إنه إذا كانت مقدمة سورة البقرة قد حددت صفات المتقين، والكافرين، والمنافقين، فإن القسمين الأخيرين من سورة آل عمران، يعمقان قضية التقوى، وقضية الكفر، ويحددان طبيعة الصراع بين الكفر والإيمان، ويوضحان ما لا يجوز لأهل الإيمان أن يفعلوه، ويعطيان دروسا حياتية كثيرة كمعالم على الطريق، وكل ذلك نراه في هذه السورة بما ترتبط به السورة بمحورها من سورة البقرة مع أن للسورة سياقها الخاص: فالصلة واضحة بين القسم السابق، وهذا القسم، فبعد أن ينتهي الحوار مع أهل الكتاب، يأتي نهي عن طاعتهم، وتأتي أوامر بالاعتصام بكتاب الله. وفي هذا السياق يأتي بيان عن أن أهل الكتاب لن يضرونا إلا أذى، وفي ذلك تطمين لنا أنه إذا لم نطعهم فلا خوف علينا. وهكذا فإن سياق السورة الخاص متلاحم الروابط.
الفقرة الثانية من المقطع الأول من القسم الرابع
[سورة آل عمران (٣): آية ١٠٢]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)
[سورة آل عمران (٣): الآيات ١١٣ الى ١١٧]
لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)
المعنى العام:
في الآية الأولى: أمر من الله بتحقيق التقوى، ونهي من الله لنا أن نموت على غير الإسلام، وذلك بأن نحافظ علي الإسلام في حالة صحتنا، وسلامتنا، لنموت عليه، لأن الكريم قد أجرى عادته بكرمه، أنه من عاش على شئ بعث عليه. فعياذا بالله من موت على غير الإسلام.
وفي الآية الثانية: أمر بالاعتصام بكتاب الله، وعدم التفرق، وأمر بتذكر نعمة الله في الألفة على هذا الدين بعد التفرق، وما أكرم الله- به هذه الأمة إذ أنقذها من النار.
وفي الآية الثالثة أمر لهذه الأمة أن تنتصب للدعوة إلى الكتاب والسنة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبذلك تستحق الفلاح.
وفي الآية الرابعة، والخامسة، والسادسة، والسابعة: توجيه لهذه الأمة ألا تكون كالأمم الماضية في افتراقها، واختلافها، من بعد ما جاءها من الحق، وتهديد لهذه الأمة أن تغفل ذلك، مع تبيان المآل عند الله، إذ تبيض وجوه من لزم الحق وأهله، وتسود