← Тафсир

Тафсир · id 18162

الأساس في التفسير

سعيد حوى

Полный текст (6 440 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ولنبدأ عرض القسم: المقطع الأول يبدأ هذا القسم بآيتين تشكلان بداية المقطع الأول وهما الفقرة الأولى منه: الفقرة الأولى من المقطع الأول [سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠٠ الى ١٠١] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١) المعنى العام: يحذر الله تعالى عباده المؤمنين من طاعة فريق من أهل الكتاب- وذكر الفريق هنا يدل على أن ليس كل أهل الكتاب يبذلون جهدا لإضلالنا. وبين أنه في حالة طاعة هذا الفريق، فإن الكفر والردة هما اللذان سنصير إليهما. فالهدف الذي يسعى إليه هذا الفريق إذن، هو تكفيرنا وردتنا. ولعل واقع عصرنا هو التفسير الواضح لهذا المعنى، إذ استطاع كثير من أهل الكتاب أن يصلوا إلى أخذ طاعة أبناء المسلمين من خلال أحزاب أو مؤسسات واستطاعت كثير من الدول الكافرة أن تستجلب سمع الكثير من أبناء المسلمين، فكان من آثار ذلك هذه الردة الكبيرة التي نراها. وفي الآية الثانية يعجب الله من أن نكفر، وقد اجتمع لنا ما لا يعقل معه الكفر وهو هذا الكتاب المعجز وهذا الرسول الذي تضافرت المعجزات والخصائص والبشائر والآثار والثمرات على أنه رسول الله حقا ثم يبين أن الهداية إلى الصراط المستقيم مدارها على الاعتصام بالله، والاعتصام بالله يقتضي اعتصاما بكتابه ورسوله، وهذا الاعتصام هو العمدة في الهداية والعدة في مباعدة الغواية والوسيلة إلى الرشاد، وطريق السداد وحصول المراد. وهاتان الآيتان جسر بين ما قبل وما بعد، فبعد أن نوقش موقف أهل الكتاب يأتي الآن نهي عن طاعتهم. وإذ نحن مأمورون بالإيمان فستذكر مقتضياته.

стр. 807

المعنى الحرفي: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ. أي: إن تعطوا الطاعة طائفة من اليهود أو النصارى. يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ أي: يخرجونكم من الإيمان إلى الكفر، فيجعلونكم مرتدين. وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ أي: من أين يتطرق إليكم الكفر. وفي السؤال إنكار وتعجيب. وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ أي: والحال أن آيات الله- وهي القرآن المعجز- تتلى عليكم على لسان رسوله ﷺ . وَفِيكُمْ رَسُولُهُ أي: وبين ظهركم رسول الله ينبهكم، ويعظكم، ويزيح عنكم شبهكم، وتظهر على يده الآيات. والمعنى قائم بالنسبة لنا ببقاء سنة رسول الله ﷺ وسيرته بين أيدينا. وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ أي: يتمسك بدينه أو بكتابه، أو هو حث لهم على الالتجاء إليه في دفع شرور الكفار، ومكايدهم، وكل شر. فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فقد أرشد إلى الدين الحق. أو المعنى: ومن يجعل ربه ملجأ ومفزعا عند الشبه، يحفظ منها. فائدة: دلت الآية الأخيرة على أن وجود الرسول ﷺ ورؤيته، والقرآن وإعجازه، ينبغي ألا يتأتى معهما كفر، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال لأصحابه يوما: «أي الخلق أعجب إليكم إيمانا؟ قالوا: الملائكة قال: وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم. قالوا: فالنبيون. قال: وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم! قالوا: فنحن، قال: وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم! قال: فقال رسول الله ﷺ : «إن أعجب الخلق إلي إيمانا لقوم يكونون من بعدكم، يجدون صحفا فيها كتاب يؤمنون بما فيها». فنحن معشر المسلمين اليوم فاتتنا رؤية رسول الله ﷺ ، ولكن بقي فينا القرآن، والسنة، والسيرة، وفي ذلك كفاية للإيمان. كلمة في السياق: بدأت سورة البقرة بالكلام عن المتقين، والكافرين، والمنافقين، وجاءت سورة آل عمران لتفصل في هذه المقدمة. فعرفتنا كيف نهتدي بكتاب الله، وأعطتنا صفحة من صفحات الإيمان بالغيب،

стр. 808

وعمقت عندنا الإيمان بما أنزل على محمد ﷺ ، وبما أنزل من قبله، وحذرتنا مما يقابل ذلك، وكل ذلك في الأقسام الثلاثة الأولى. وجاءت الفقرة الأولى، من المقطع الأول، من القسم الرابع: تنهانا عن طاعة أهل الكتاب؛ لما يترتب على ذلك من الردة مبينة أن الكفر لا ينبغي لنا بعد وجود القرآن والرسول ﷺ ، وحضتنا على الاعتصام بالله، وأن في ذلك الهداية إلى الصراط المستقيم، ثم تأتي بعد ذلك فقرة تأمر بالتقوى، والموت علي الإسلام، والاعتصام بحبل الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الخير، مبينة أن ذلك هو طريق الفلاح، ثم تسير الفقرة في سياقها. وبهذا تحدد لنا الفقرة طريق الهدى، وعلاماته، وطريق الفلاح، ومقتضياته، فلنتذكر أن الكلام عن المتقين في مقدمة سورة البقرة ختم بقوله تعالى أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. إنه إذا كانت مقدمة سورة البقرة قد حددت صفات المتقين، والكافرين، والمنافقين، فإن القسمين الأخيرين من سورة آل عمران، يعمقان قضية التقوى، وقضية الكفر، ويحددان طبيعة الصراع بين الكفر والإيمان، ويوضحان ما لا يجوز لأهل الإيمان أن يفعلوه، ويعطيان دروسا حياتية كثيرة كمعالم على الطريق، وكل ذلك نراه في هذه السورة بما ترتبط به السورة بمحورها من سورة البقرة مع أن للسورة سياقها الخاص: فالصلة واضحة بين القسم السابق، وهذا القسم، فبعد أن ينتهي الحوار مع أهل الكتاب، يأتي نهي عن طاعتهم، وتأتي أوامر بالاعتصام بكتاب الله. وفي هذا السياق يأتي بيان عن أن أهل الكتاب لن يضرونا إلا أذى، وفي ذلك تطمين لنا أنه إذا لم نطعهم فلا خوف علينا. وهكذا فإن سياق السورة الخاص متلاحم الروابط. الفقرة الثانية من المقطع الأول من القسم الرابع [سورة آل عمران (٣): آية ١٠٢] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)

стр. 809

[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠٣ الى ١١٢] وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)

стр. 810

[سورة آل عمران (٣): الآيات ١١٣ الى ١١٧] لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧) المعنى العام: في الآية الأولى: أمر من الله بتحقيق التقوى، ونهي من الله لنا أن نموت على غير الإسلام، وذلك بأن نحافظ علي الإسلام في حالة صحتنا، وسلامتنا، لنموت عليه، لأن الكريم قد أجرى عادته بكرمه، أنه من عاش على شئ بعث عليه. فعياذا بالله من موت على غير الإسلام. وفي الآية الثانية: أمر بالاعتصام بكتاب الله، وعدم التفرق، وأمر بتذكر نعمة الله في الألفة على هذا الدين بعد التفرق، وما أكرم الله- به هذه الأمة إذ أنقذها من النار. وفي الآية الثالثة أمر لهذه الأمة أن تنتصب للدعوة إلى الكتاب والسنة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبذلك تستحق الفلاح. وفي الآية الرابعة، والخامسة، والسادسة، والسابعة: توجيه لهذه الأمة ألا تكون كالأمم الماضية في افتراقها، واختلافها، من بعد ما جاءها من الحق، وتهديد لهذه الأمة أن تغفل ذلك، مع تبيان المآل عند الله، إذ تبيض وجوه من لزم الحق وأهله، وتسود

стр. 811

وجوه من ترك الحق وأهله، واستحقاق الأولين رحمة الله بفضله، واستحقاق الآخرين عذابه بعدله. ثم بين الله- أن هذا المتلو آيات الله حقا، وأن الله لا يظلم أحدا. وأن الله مالك الجميع، والكل عبيد له، وهو الحاكم، والمتصرف في الدنيا والآخرة. وبعد أن يوجه لنا هذه الأوامر والنواهي، يقرر لنا أننا خير أمة أخرجت للناس بتحققنا بثلاثة أوصاف، الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله. وفي هذا السياق يحض أهل الكتاب على أن يسلكوا سبيلنا مبينا أن القليل منهم يؤمنون، وأن الكثيرين منهم فاسقون عن أمر الله، لا يدخلون في الإسلام. ثم بين أن هؤلاء الفاسقين عن أمر الله من أهل الكتاب لن يضرونا إلا في حدود الأذية لا أكثر، ووعدنا إن قاتلونا أن ينصرنا عليهم، وأن يهزمهم. هذا إن كنا جنده حقا، ثم بين أنه قد ضرب على أهل الكتاب- والمراد بهم اليهود هنا وعرفنا ذلك من خلال صفاتهم- ضرب عليهم الذلة والمسكنة حيثما كانوا، وأن هذه الذلة لا ترتفع عنهم إلا إذا اجتمعت مشيئتان، مشيئة الله، ومشيئة الناس كما هو واقع الآن، إذ قامت لهم دولة سلطها الله علينا بظلمنا. وتضافرت شعوب العالم كلها على إيجادها وتأييدها، ودعمها. ثم بين علة ضربه الذلة عليهم، وهي الكفر، وقتل الأنبياء، والعصيان، والاعتداء. ولم يسلطهم الله علينا إلا لقتلنا ورثة الأنبياء، ولكفر الكثيرين من أولياء أمورنا، وعصياننا، واعتدائنا. والله- ذو العدل المطلق، والفضل العظيم، من استحق عقابا عاقبة إلا أن يشاء شيئا. ثم يذكر الله- في مقابل الفسقة من أهل الكتاب، من يؤمن منهم؛ فيقوم بآيات الله آناء الليل، ويؤمن بالله، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويسارع في الخيرات، فهؤلاء لا يستوون مع الفاسقين منهم، وهؤلاء من الصالحين الذين يعدهم الله أن يجازيهم على إحسانهم إحسانا، والمراد بهم- قولا واحدا- من دخل في الإسلام. ويختم الله- هذا المقطع بالكلام عن الكافرين، وأنهم لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا، وأنهم خالدون في نار جهنم، وأن نفقاتهم لن تقبل منهم. فإذا تذكرنا ما كررناه سابقا من كون الله- عقب بوصف الكافرين بعد ذكر المتقين في سورة البقرة، وأن هذا يتكرر في سورة آل عمران، يكون ما ذكر هنا دليلا على صحة ملاحظتنا.

стр. 812

ففي هذا المقطع توجيه للمؤمنين لما فيه هداهم وخلاصهم، وتحذير لهم مما فيه هلاكهم وعذابهم. ومحل أهل الكتاب في هذا، وكونهم فئتين: فئة تؤمن، وأخرى تستمر على فسوقها، وكفرها، وعدم استواء هاتين في ميزان الله. ثم يختم المقطع الكلام عن الكافرين، فالمقطع توضيح لمقدمة سورة البقرة، وتفصيل لبعض ما فيها من إجمال، وتبيان لما ينبغي أن يلاحظ بسبب أن الناس مسلم وكافر. المعنى الحرفي: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ أى: اتقوا الله واجب تقواه وما يحق منها وذلك يكون: بالقيام بالواجب، والاجتناب عن المحارم، فسرها عبد الله بن مسعود ﵁ فقال: «أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر» وذهب بعضهم إلى أنها منسوخة بقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ورد هذا القول ابن عباس وفسرها فقال: لم تنسخ، ولكن حق تقاته، أن يجاهدوا في سبيله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم، وآبائهم، وأبنائهم. وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. أي: لا تكونوا على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت، وذلك بأن تحافظوا على الإسلام في حال صحتكم، وسلامتكم، لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شئ مات عليه، ومن مات على شئ بعث عليه، فعياذا بالله من خلاف ذلك. وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً أي: تمسكوا بالقرآن كلكم. وَلا تَفَرَّقُوا أي: ولا تتفرقوا؛ بأن يكون منكم فعل ما يكون عنه التفرق، ويزول به حق الاجتماع، أو لا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم، أو لا تتفرقوا كما كنتم في الجاهلية: يحارب بعضكم بعضا. وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً هذا النص نزل في شأن الأوس والخزرج، فإنه قد كان بينهم حروب كثيرة في الجاهلية، وعداوة شديدة، وضغائن وإحن، طال بسببها قتالهم، والوقائع بينهم، فلما جاء الله بالإسلام؛ فدخل فيه من دخل، صاروا متحابين بجلال الله، متواصلين في ذات الله، متعاونين على البر والتقوى. وتدخل في ذلك كل حالة شبيهة جمع الله فيها القلوب على الحق بعد إذ كانت متفرقة على الباطل،

стр. 813

فهي نعمة تستوجب ذكرا وشكرا. وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ الشفا: الحرف والطرف، أي: وكنتم على طرف حفرة من النار؛ بما كنتم عليه من الكفر ليس بينكم وبين النار إلا أن تموتوا، فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها أي: فأنقذكم الله منها بفضله وكرمه، إذ هداكم للإسلام. كَذلِكَ أي: كمثل هذا البيان البليغ، يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ أي: يوضحها لكم، ويذكركم بها في قرآنه. لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي: لتهتدوا إلى الصواب، وما ينال به الثواب. أو لتكونوا مهتدين. وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ تحتمل معنيين: الأول أن تكون (من) للبيان، أي: ولتكونوا أمة، ويكون هذا أمر لجميع الأمة بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والثاني: أن تكون (من) للتبعيض، فيكون الأمر هنا لبعض الأمة أن يكون منها من يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وتكون المسألة من باب فروض الكفايات، والأمة هنا الجماعة. يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ. الدعوة إلى الخير هي الدعوة إلى الكتاب والسنة، والمعروف: ما استحسنه الشرع والعقل الذي لا يناقض الشرع، أو ما وافق الكتاب والسنة، أو هو الطاعة، أو هو المباح والمندوب، والواجب والفرض. والمنكر: ما استقبحه الشرع والعقل الموافق للشرع، أو ما خالف الكتاب والسنة، أو هو المعاصي، أو هو المكروه والحرام. وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي: هم الأخصاء بالفلاح الكامل. وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا تفرقوا في العداوة، واختلفوا في الديانة، فكفر بعضهم بعضا. مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ الواضحات الموجبة للاتفاق على كلمة واحدة: وهي كلمة الحق. وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ أي: يوم القيامة تبيض وجوه أهل الحق، والجماعة، والسنة وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ وجوه أهل الباطل، والفرقة، والبدعة، أو تبيض وجوه المؤمنين، وتسود وجوه الكافرين، والبياض من النور، والسواد من الظلمة، وللمؤمن نوره ولو كان أسود اللون، وللكافر ظلمته ولو كان أبيض. فالسواد والبياض عند الله إنما هما ظلمة الكفر ونور الإيمان فالعبرة لبياض القلب أو ظلمته. فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ فيقال لهم: أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ وهذا توبيخ لهم، وتعجيب من حالهم، وما المراد بالإيمان هنا؟ هل المراد به الإيمان في عالم الذر يوم الميثاق إذ قالت الأرواح مقرة لله بالربوبية: بلى؟ فيكون المراد بهذا الخطاب جميع الكفار، أو المراد بالإيمان هنا الإيمان الدنيوي فيكون المراد بهذا أهل النفاق، والمرتدين إذ كفروا بعد الإيمان، أو كفروا باطنا، وأظهروا الإيمان ظاهرا، أو المراد به هنا إيمان أهل الكتاب،

стр. 814

الذين كانوا يؤمنون بمحمد ﷺ قبل بعثته، فلما بعث كفروا به، أو المراد بالإيمان هنا أصل الفطرة، ثم حدث الكفر، والنص يدخل فيه هذا كله، ويخص من سبق إليه إيمان، ثم كفر بفرقة، أو بدعة، أو عداء لحق. فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي: بسبب كفركم. وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ وهم أهل الإيمان فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ أي: في نعمته، وجنته، وثوابه هُمْ فِيها خالِدُونَ أي: ماكثون لا يظعنون عنها، ولا يموتون. تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ أي: هذه آيات الله، وحججه، وبيناته، نتلوها عليك يا محمد متلبسة بالحق، والعدل من أمر الدنيا والآخرة. وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ أي: لا يريد الله أن يظلم عباده فيأخذ أحدا بغير جرم، أو يزيد في عقاب مجرم، أو ينقص من ثواب محسن. وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي: الجميع ملك له وعبيد له. وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ أي: هو الحاكم المتصرف في الدنيا والآخرة فيجازي المحسن بإحسانه، والمسئ بإساءته. كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ أي: وجدتم خير أمة أظهرت للناس، ثم بين سبب ذلك وعلته. تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في المدح. قال عمر بعد أن قرأ هذه الآية: «من سره أن يكون من هذه الأمة فليؤد شرط الله فيها». قال ابن كثير: ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله تعالى كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ (سورة المائدة) ولهذا لما مدح تعالى هذه الأمة على هذه الصفات، شرع في ذم أهل الكتاب، وتأنيبهم، فقال تعالى: وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ أي: بمحمد ﷺ وبما أنزل عليه لَكانَ خَيْراً لَهُمْ أي: لكان الإيمان خيرا لهم مما هم فيه؛ لأنهم إنما يؤثرون دينهم على دين الإسلام حبا بالرئاسة والسلطة لهم أو لأقوامهم، واستتباعا للعوام، أو كبرا وحسدا. ولو آمنوا لكان خيرا لهم في الدنيا والآخرة، مع الفوز بما وعدوا به على الإيمان من إيتاء الأجر مرتين كما سنرى. مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ أي: قليل منهم من يؤمن بالله: وما أنزل إليكم، وما أنزل إليهم، وأكثرهم على الضلالة، والفسق، والعصيان. ثم أخبرنا تعالى مبشرا لنا أن النصر والظفر لنا على أهل الكتاب الكفرة الملحدين، وإن مسنا منهم أذى قال تعالى: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً أي: ضررا مقتصرا على أذى: من طعن في الدين، أو تهديد، أو نحو ذلك دون أن يستطيعوا استئصالكم وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ

стр. 815

الْأَدْبارَ منهزمين، فلا يثبتون أمامكم. ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ أي: ثم لا يكون لهم نصر من أحد، ولا يمنعون منكم، وهذه أعظم بشارة لنا إن كنا مؤمنين حقا. خاصة في صراعنا مع اليهود، وأما هزائمنا أمامهم، فتدل على أن الذين يقاتلونهم لم يتحققوا بصفات الإيمان، وهذا ظاهر إذ اللواء الذي قاتل تحته العرب فهزموا حتى الآن، إنما هو لواء الكفر، والفسوق، وإلا فالوقائع الماضية للمؤمنين مع أهل الكتاب شاهدة لما ذكرته الآية ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا هذا الكلام خاص باليهود، بدليل ما يأتي من صفاتهم التي هي علم عليهم. والآية تفيد أن اليهود قد ألزموا الذلة أينما وجدوا، وذلك بدفعهم الجزية لكل دولة يعيشون في ظلها، وخوفهم الدائم أينما كانوا. مما يضطرهم لفعل الذليل من الأعمال، نفاقا واتقاء شر. ثم استثنى الله حالة عرفناها في عصرنا إذ قامت لهم دولة في فلسطين. قال تعالى: إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ أي: إلا بإمداد من الله، وإمداد من الناس، إلا بسبب يعطيهم الله إياه، وبسبب من الناس يكون لهم، فترتفع عنهم الذلة بذلك ويكون لهم دولة وسلطان، وهذا ما حدث الآن إذ أمدهم الله، وسخر لهم وسلطهم علينا بظلمنا، وإذ تمالأ العالم كله لصالحهم يمدهم ويحميهم، ويكيد لهم، ويخدمهم، فكان ما نعلمه، ولكنه حدث عارض بدليل ما سيمر معنا في سورة الأعراف، وفي سورة الإسراء. وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ أي: ألزموا بغضب الله بما استوجبوه من ذلك وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ أي خوف الفقر هنا مع قيام اليسار. فهم لا يرون إلا مساكين متظاهرين بذلك، أو متحققين- وسبب هذا كله- وهو تهديد لنا أن نفعل مثل فعلهم، فنستحق ما استحقوه هم ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ أي: سبب ضرب الذلة والمسكنة عليهم، وبوئهم بغضب الله، كفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق. ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ أي: سبب قتلهم الأنبياء، وكفرهم، هو عصيانهم لله، واعتداؤهم حدوده فالعصيان والاعتداء هما مقدمتا الكفر والجرأة على سفك دم أهل الإيمان. وقد كفر كثيرون من هذه الأمة في عصرنا، حكاما ومحكومين، وقتلوا الدعاة إلى الله، وتجاوزوا حدوده، ووقعوا في معاصيه. أيستغرب بعد ذلك أن يغلبهم اليهود في معاركهم، وما غلب اليهود المسلمين، وإنما غلبوا أمثالهم. وإذ ذكر الله منذ قليل أن من أهل الكتاب من يؤمن، وأكثرهم المستمر على الكفر. فالآن يبين فضل الأولين، بعد أن بين خسران الآخرين قال تعالى: لَيْسُوا سَواءً أي ليسوا

стр. 816

مستوين من سيذكر منهم مع من ذكر. مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ من آمن منهم بالإسلام أُمَّةٌ قائِمَةٌ أي: جماعة مستقيمة عادلة. قائمة بأمر الله مطيعة لشرعه، متبعة نبيه. فقائمة هنا بمعنى: مستقيمة. يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ أي: يقومون الليل، ويكثرون التهجد، ويتلون القرآن في صلواتهم. وآناء الليل: ساعاته. يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ المسارعة في الخير: فرط الرغبة فيه، لأن من رغب في الأمر سارع بالقيام به، وهؤلاء يبادرون إليها خشية الفوت. وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ. أي: وهؤلاء الموصوفون بما وصفوا به من المسلمين، أو من جملة الصالحين، صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم. وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ أي لن يحرموا أجره. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ أي: لا يخفى عليه عمل عامل، ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملا، وهذه بشارة للمتقين بجزيل الثواب. ثم قال تعالى مخبرا عن الكفرة. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أي: لا يرد عنهم بأس الله ولا عذابه. وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ماكثون فيها أبدا، فما أشد هذا العقاب، وما أعد له، لأنهم لو بقوا أبدا لاستمروا على الكفر أبدا. ثم ضرب مثلا لما ينفقون في هذه الدار، كيف أنه لا ينفعهم عند الله مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا من أموالهم التي يتظاهرون بأنهم ينفقونها بقصد طيب، مع كفرهم، ورغبتهم في الثناء، والذكر الحسن عند الناس، كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ الصر: هو البرد الشديد أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ أي: أرض قوم قد آن حصادها، وقطافها وهؤلاء القوم صفتهم ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالذنوب والمعاصي فَأَهْلَكَتْهُ أي: فدمرته فصار المعني: مثل إهلاك ما ينفقون عند الله، كمثل إهلاك ريح باردة لثمرة أرض. تدمرها فلا ينتفع أهلها منها بشيء، وكذلك هؤلاء. وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بإهلاك حرثهم وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بارتكاب ما استحقوا به العقوبة. هذا إذا أرجعنا الضمير على أصحاب الأرض، وإذا أرجعنا الضمير للمنفقين يكون المعنى: وما ظلمهم الله بأن لم يقبل نفقاتهم، ولكنهم ظلموا أنفسهم، حيث لم يأتوا بها لائقة للقبول. فوائد حول المقطع: ١ - بمناسبة قوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ نذكر

стр. 817

حديثين: أ- أخرج الإمام أحمد عن مجاهد قال: قال رسول الله ﷺ «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. .. لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت عمل أهل الدنيا وما فيهم، فكيف بمن ليس له طعام إلا الزقوم» ورواه الترمذي وغيره، قال الترمذي حسن صحيح. ب- وروى الإمام أحمد عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بثلاث: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله » ورواه مسلم. ٢ - وفي تفسير الحبل في قوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا .. نذكر: أ- روى الطبري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض». ب- روى ابن مردويه عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن هذا القرآن هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، وهو الشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه». وقال الألوسي في تحقيق كلمة (حبل الله): وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ أي: القرآن روي ذلك بسند صحيح عن ابن مسعود. وأخرج غير واحد عن أبي سعيد الخدري قال: «قال رسول الله ﷺ : كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض» وأخرج أحمد عن زيد بن ثابت قال: «قال رسول الله ﷺ : إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله- ممدود ما بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض». وورد بمعنى ذلك أخبار كثيرة، وقيل المراد بحبل الله: الطاعة والجماعة، وروى ذلك عن ابن مسعود أيضا. أخرج ابن أبي حاتم من طريق الشعبي عن ثابت بن قطنة المزني قال: سمعت ابن مسعود يخطب وهو يقول: «أيها الناس عليكم بالطاعة، والجماعة، فإنهما حبل الله تعالى الذي أمر به»، وفي رواية عنه: «حبل الله تعالى الجماعة»، وروي ذلك أيضا

стр. 818

عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأبي العالية: «أنه الإخلاص لله تعالى وحده». وعن الحسن: «أنه طاعة الله- » وعن ابن زيد «أنه الإسلام». وعن قتادة: أنه عهد الله تعالى وأمره وكلها متقاربة» اهـ. ٣ - وبمناسبة قوله تعالى: وَلا تَفَرَّقُوا نذكر الحديث الذي رواه الإمام مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويسخط لكم ثلاثا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم. ويسخط لكم ثلاثا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» قال ابن كثير: وقد ضمنت لهم العصمة، (أي للمسلمين) - عند اتفاقهم- من الخطأ كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضا، وخيف عليهم الافتراق، والاختلاف، فقد وقع ذلك في هذه الأمة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية إلى الجنة، ومسلمة من عذاب النار، وهم الذين على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه. ٤ - وبمناسبة قوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ قال ابن كثير: وقد امتن عليهم بذلك رسول الله ﷺ يوم قسم غنائم حنين فعتب من عتب منهم، بما فضل عليهم في القسمة بما أراه الله، فخطبهم فقال: «يا معشر الأنصار: ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي». فكلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمن». ٥ - وقد ذكر محمد بن إسحاق وغيره: أن هذه الآية وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً .... نزلت في شأن الأوس والخزرج، وذلك أن رجلا من اليهود مر بملإ من الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة، فبعث رجلا معه، وأمره أن يجلس بينهم، ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بعاث، وتلك الحروب، ففعل، فلم يزل ذلك دأبه حتى حميت نفوس القوم، وغضب بعضهم على بعض وتثاوروا، ونادوا بشعارهم وطلبوا أسلحتهم، وتواعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتاهم، فجعل يسكنهم ويقول: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، وتلا عليهم هذه الآية. فندموا على ما كان منهم، واصطلحوا، وتعانقوا، وألقوا السلاح». وذكر النسفي أن هذا سبب نزول الآيتين قبلها إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ .... ولا يبعد أن كل هذه الآيات الأربع نزلت بهذه المناسبة.

стр. 819

٦ - وبمناسبة قوله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ نذكر ثلاثة أحاديث: أ- روى الإمام مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». ب- وروى مسلم عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون، ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدكم بقلبه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل». ج- وروى الإمام أحمد والترمذي بسند حسن أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده؛ ثم تدعونه فلا يستجيب لكم». ٧ - بمناسبة قوله تعالى وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ ننقل بعض النصوص والنقول: روى الإمام أحمد عن أبي عامر عبد الله بن يحيى قال: حججنا مع معاوية بن أبي سفيان، فلما قدمنا مكة قام حين صلى صلاة الظهر فقال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة- يعني الأهواء- كلها في النار إلا واحدة- وهي الجماعة- وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله. والله يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم ﷺ ، لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به». ٨ - وروى الترمذي: رأى أبو أمامة رءوسا منصوبة على درج مسجد دمشق فقال أبو أمامة: كلاب النار شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه، ثم قرأ: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ .... إلى آخر الآية. قلت لأبي أمامة: أنت

стр. 820

سمعته من رسول الله ﷺ قال: لو لم أسمعه إلا مرة، أو مرتين، أو ثلاثا، أو أربعا، حتى عد سبعا ما حدثتكموه» ثم قال الترمذي: حديث حسن والذين رأى أبو أمامة رءوسهم هم الخوارج، فهم إحدى الفرق التي تفرقت، واختلفت؛ فاستحقت سواد الوجه يوم القيامة. وبمناسبة قوله تعالى وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا ننقل تحقيقا للآلوسي بسبب أن كثيرين لا يفرقون بين أنواع من الاختلافات: يقول الألوسي: «ثم إن هذا الاختلاف المذموم، محمول كما قيل على الاختلاف في الأصول دون الفروع، ويؤخذ هذا التخصيص من التشبيه، وقيل: إنه شامل للأصول والفروع لما نرى من اختلاف أهل السنة فيها- كالماتريدي، والأشعري- فالمراد حينئذ بالنهي عن الاختلاف فيما ورد فيه نص من الشارع، أو أجمع عليه وليس بالبعيد. واستدل على عدم المنع من الاختلاف في الفروع بقوله ﵊ «اختلاف أمتي رحمة» وبقوله ﷺ : «مهما أوتيتم من كتاب الله تعالى فالعمل به لا عذر لأحد في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله تعالى فسنة مني ماضية، فإن لم يكن سنة مني ماضية فما قال أصحابي. إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيما أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة» وأراد بهم ﷺ خواصهم البالغين رتبة الاجتهاد، والمقصود بالخطاب من دونهم فلا إشكال فيه، خلافا لمن وهم. والروايات عن السلف في هذا المعنى كثيرة. فقد أخرج البيهقي في المدخل عن القاسم بن محمد قال: «اختلاف أصحاب محمد ﷺ رحمة لعباد الله تعالى» وأخرجه ابن سعد في طبقاته بلفظ «كان اختلاف أصحاب محمد ﷺ رحمة للناس» وفي المدخل عن عمر بن عبد العزيز قال: «ما سرني لو أن أصحاب محمد ﷺ لم يختلفوا؛ لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة» واعترض الإمام السبكي بأن «اختلاف أمتي رحمة» ليس معروفا عند المحدثين، ولم أقف له على سند صحيح، ولا ضعيف، ولا موضوع، ولا أظن له أصلا إلا أن يكون من كلام الناس؛ بأن يكون أحد قال: اختلاف الأمة رحمة فأخذه بعضهم، فظنه حديثا، فجعله من كلام النبوة، وما زلت أعتقد أن هذا الحديث لا أصل له، واستدل على بطلانه بالآيات، والأحاديث الصحيحة، الناطقة بأن الرحمة تقتضي عدم الاختلاف، والآيات أكثر من أن تحصى، ومن الأحاديث قوله ﷺ «إنما هلكت بنو إسرائيل بكثرة

стр. 821

سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم» وقوله ﵊: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» وهو وإن كان واردا في تسوية الصفوف إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ثم قال: والذي نقطع به أن الاتفاق خير من الاختلاف، وأن الاختلاف على ثلاثة أقسام: أحدها: في الأصول، ولا شك أنه ضلال، وسبب كل فساد، وهو المشار إليه في القرآن، والثاني: في الآراء، والحروب، ويشير إليه قوله ﷺ لمعاذ. وأبي موسى لما بعثهما إلى اليمن: «تطاوعا ولا تختلفا» ولا شك أيضا أنه حرام؛ لما فيه من تضييع المصالح الدينية والدنيوية، والثالث: في الفروع كالاختلاف في الحلال والحرام ونحوهما، والذي نقطع به أن الاتفاق خير منه أيضا، لكن هل هو ضلال كالقسمين الأولين أم لا؟ فيه خلاف، فكلام ابن حزم ومن سلك مسلكه ممن يمنع التقليد يقتضي الأول، وأما نحن فإنا نجوز التقليد للجاهل، والأخذ عند الحاجة بالرخصة من أقوال بعض العلماء من غير تتبع الرخص، وهو يقتضي الثاني، ومن هذا الوجه قد يصح أن يقال: «الاختلاف رحمة»، فإن الرخص منها بلا شبهة، وهذا لا ينافي قطعا القطع بأن الاتفاق خير من الاختلاف، فلا تنافي بين الكلامين، لأن جهة الخيرية تختلف باختلاف وجهة الرحمة، فالخيرية في العلم بالدين الحق الذي كلف الله تعالى به عباده وهو الصواب عنده، والرحمة في الرخصة فيه وإباحة الإقدام بالتقليد على ذلك، ورحمة نكرة في سياق الإثبات لا تقتضي العموم، فيكتفى في صحته أن يحصل في الاختلاف رحمة ما، في وقت ما، في حالة ما، على وجه ما، فإن كان ذلك حديثا فيخرج على هذا، وكذا إن لم يكنه، وعلى كل تقدير نقول إن الاتفاق مأمور به، والقول بأن الاتفاق مأمور به يلتفت إلى أن المصيب واحد أم لا؟ فإن قلنا: إن المصيب واحد- وهو الصحيح- فالحق في نفس الأمر واحد، والناس كلهم مأمورون بطلبه، واتفاقهم عليه مطلوب، والاختلاف حينئذ منهي عنه، وإن عذر المخطئ، وأثيب على اجتهاده وصرف وسعه لطلب الحق. فقد أخرج البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث عمرو بن العاص «إذا حكم الحاكم فاجتهد وأصاب فله أجران» وإذا قلنا: كل مجتهد مصيب فكل أحد مأمور بالاجتهاد، وباتباع ما غلب على ظنه؛ فلا يلزم أن يكونوا كلهم مأمورين بالاتفاق، ولا أن يكون اختلافهم منهيا عنه، وإطلاق الرحمة على هذا التقدير في الاختلاف أقوى من إطلاقها على قولنا: المصيب واحد، هذا كله إذا حملنا الاختلاف في الخبر على الاختلاف في الفروع، وأما إذا قلنا: المراد بالاختلاف في

стр. 822

الصنائع والحرف فلا شك أن ذلك من نعم الله تعالى التي يطلب من العبد شكرها كما قال الحليمي في «شعب الإيمان»، لكن كان المناسب على هذا أن يقال: اختلاف الناس رحمة، إذ لا خصوصية لأمة بذلك؛ فإن كل الأمم مختلفون في الصنائع، والحرف، لا هذه الأمة فقط، فلا بد لتخصيص الأمة من وجه، ووجهه إمام الحرمين بأن المراتب والمناصب التي أعطيتها أمته ﷺ لم تعطها أمة من الأمم؛ فهي من رحمة الله تعالى لهم، وفضله عليهم لكنه لا يسبق من لفظ الاختلاف إلى ذلك ولا إلى الصنائع والحرف، فالحق الإبقاء على الظاهر المتبادر وتأويل الخبر بما تقدم. هذه خلاصة كلامه أي (السبكي)، ولا يخفى أنه مما لا بأس به، نعم كون الحديث ليس معروفا عند المحدثين أصلا لا يخلو عن شئ، فقد عزاه الزركشي في الأحاديث المشتهرة إلى «كتاب الحجة» لنصر المقدسي، ولم يذكر سنده ولا صحته، لكن ما ورد يقويه في الجملة مما نقل من كلام السلف والحديث الذي أوردناه قبل وإن رواه الطبري، والبيهقي في المدخل بسند ضعيف عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما على أنه يكفي في هذا الباب الحديث الذي أخرجه الشيخان وغيرهما، فالحق الذي لا محيد عنه أن المراد اختلاف الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ومن شاركهم في الاجتهاد، كالمجتهدين المعتد بهم من علماء الدين، الذين ليسوا بمبتدعين، وكون ذلك رحمة لضعفاء الأمة، ومن ليس في درجتهم مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان ولا يتنازع فيه اثنان فليفهم». ا. هـ كلام الألوسي. ٩ - وبمناسبة قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ننقل بعض الأحاديث: أ- في الحديث الحسن الذي رواه الترمذي وغيره قال رسول الله ﷺ : «أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله ». ب- روى الإمام أحمد: قام رجل إلى النبي ﷺ وهو على المنبر فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: «خير الناس أقراهم، وأتقاهم لله، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم». ح- روى الإمام مسلم عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق الآخر فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه

стр. 823

أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، ولا عذاب» فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ . وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئا. وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: «ما الذي تخوضون فيه؟ فأخبروه فقال: هم الذين لا يرقون ولا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: سبقك بها عكاشة». وفي حديث حسن «فإن الله وعدني سبعين ألفا، مع كل ألف سبعون ألفا وزادني ثلاث حثيات». وفي حديث حسن رواه أبو القاسم الطبراني قال رسول الله ﷺ : «أما والذي نفس محمد بيده ليبعثن منكم يوم القيامة إلى الجنة مثل الليل الأسود زمرة جميعها يحيطون الأرض، تقول الملائكة: لما جاء مع محمد ﷺ أكثر مما جاء مع الأنبياء». وفي حديث إسناده حسن قال عليه الصلاة السلام: «أهل الجنة عشرون ومائة صف، لكم منها ثمانون صفا». وفي حديث رواه البخاري ومسلم قال عليه الصلاة السلام: «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتينا من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، الناس لنا فيه تبع. غدا لليهود، وللنصارى بعد غد». كلمة في سياق المقطع الأول من القسم الرابع: ١ - يلاحظ أن مقدمة سورة البقرة بدأت بالكلام عن المتقين المهتدين بالكتاب، المؤمنين المصلين المنفقين، ثم ثنت بالكلام عن الكافرين: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ... والملاحظ أن هذا المقطع: بدأ بالنهي عن طاعة أهل الكتاب، التي تجر إلى الكفر، ثم ثنى بالدعوة إلى التقوى الكاملة والاعتصام بالقرآن، والدعوة إليه، ونهى عن التفرق، واستقرت مجموعة منه على قوله تعالى: تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ. ثم جاءت مجموعة تبين خيرية هذه الأمة، وتأخذ على أهل الكتاب انحرافهم، وتذكر ما عوقبوا به، وإذ تذكر شرارهم، تذكر بخيارهم، وتستقر المجموعة على قوله تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ. فهاتان المجموعتان من هذا المقطع تعملان في تعميق قضية التقوى، وكما أن مقدمة

стр. 824

سورة البقرة تحدثت عن الكافرين بعد المتقين، فإن هذا المقطع ينتهي بقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ... إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ. لاحظ أن كل شئ من أخلاق المتقين يفعله الكافرون لا يقبل منهم. ٢ - في مقدمة سورة البقرة ورد قوله تعالى أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وهذا المقطع بعد أن أمرنا بأن نعتصم بالله، وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وبعد أن أمرنا بالاعتصام بالقرآن مبينا أن ذلك هو طريق الهداية، أمرنا بأن ندعو إلى الخير، ونأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، وبين أن في ذلك الفلاح. وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وإذن فقد فصلت آيات في هذا المقطع في موضوع الهداية والفلاح، بأن بينت معنى مما يدخل في الاهتداء بالقرآن، ويتوقف عليه الفلاح. ثم إن مجموعة من الآيات بينت أن الخيرية في هذه الأمة مرتبطة بموضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإيمان بالله، وبينت أن أهل الكتاب الملتزمين بالإيمان بالله واليوم الآخر، والآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، لا يستوون مع غيرهم من أهل الكتاب. فالمقطع عمق قضية التقوى، وفصل فيما يدخل فيها. ٣ - لعله اتضح بشكل ما، صلة هذا المقطع بمقدمة سورة البقرة من خلال ما مر، فلنر محله في سياق سورة آل عمران: في القسم الأول من سورة آل عمران ذكر- أنه أنزل القرآن، وجعله آيات محكمات، وأخر متشابهات. وفي هذا المقطع يأمرنا الله- بالاعتصام بكتاب الله، ويحذرنا أن نكون من المتفرقين وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ فالآيات هنا تحذرنا من التفرق، فإذا ربطنا بين هذه الآيات، وآيات القسم الأول التي تعرفنا أن الآيات المتشابهات إنما يتبعها من يريد الفتنة

стр. 825

بين المسلمين، أدركنا نموذجا من التفرق المذموم. فلا بد للمسلمين أن يلحظوا أن اللقاء ينبغي أن يكون على المحكم، وعلى التسليم في شأن المتشابه. وعدم الخوض فيه. وفي القسم الأول ورد قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وهاهنا يذكر الله- لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ .. وفي القسم الأول يذكر الله- الذين يقتلون الأنبياء، وهاهنا يذكر الله- .. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ. وهكذا نجد صدق ما ذكرناه من كون الأقسام الأولى مهدت لهذا القسم، فبعد الكلام عن عيسى ﵇، نوقش أهل الكتاب. وبعد هذا النقاش نهينا عن طاعتهم، وعرفنا أنهم لن يضرونا إلا أذى، وأنهم مهزومون إن قاتلونا. ٤ - لنتأمل الآن في تسلسل المعاني ضمن المقطع الذي مر معنا: بدأ المقطع بالنهي عن طاعة أهل الكتاب وبين أن عاقبة ذلك الكفر، ثم عجب من كفر المسلم بعد إيمانه، وخض على الاعتصام بالله، ثم بين أن طريق الاعتصام: تقوى، واعتصام بالقرآن، وعدم تفرق، ودعوة إلى الخير، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ثم فصل في موضوع التفرق وعاقبته، ثم بين أن حكمة اصطفاء هذه الأمة بسبب اجتماع الإيمان بالله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لها، ثم بين أن أهل الكتاب مفتوحة لهم الطريق ليدخلوا فى هذه الأمة، وبين أن أكثرهم لا يدخلون، وبعضهم يدخلون ويفعلون كل ما تستلزمه قضية التقوى. وفي وسط هذه المعاني، يبين- لنا أن الكافرين من أهل الكتاب لن يضرونا إلا أذى، وأنهم مغلوبون إن قاتلونا، وصلة ذلك بالنهي عن طاعتهم، والاعتصام بالإسلام لا تخفى. ٥ - في بداية هذا المقطع ورد قوله تعالى وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وفي وسط هذا المقطع ورد قوله تعالى: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ .. ومن رأى واقع ما نحن فيه؛ علم أن في هذه الآية معجزة تدل على أن منزل هذا القرآن هو المحيط علما بكل شئ فثبته ذلك على الإيمان.

стр. 826

٦ - لقد بدأ هذا القسم بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ وسار المقطع الأول ليعمق فينا ما ينبغي أن نفعله. ويأتي الآن المقطع الثاني ليبدأ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا ... فالمقطع الثاني في هذا القسم يكمل في تبيان المواقف التي تترتب على كون الناس مؤمنين وكافرين. لقد حذرنا المقطع الأول في هذا القسم من طاعة أهل الكتاب، ومن التفرق في الكتاب. وأمرنا بالاعتصام به، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الخير، وحض أهل الكتاب على الإيمان. وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ. وبين لنا أن أهل الكتاب منهم من يؤمن. مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ. وأعطانا صفات المؤمنين منهم، وعرفنا على صفات الكافرين، وبين لنا بعض قوانين الصراع مع الكافرين منهم. ثم جاء حديث عن الكافرين، ليكون ذلك مقدمة عن النهي عن اتخاذ بطانة من الكافرين. ولو أنك تأملت مقدمة سورة البقرة لذكرتك هذه المعاني في جملة ما تذكرك بقوله تعالى فيها: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ تأمل قوله تعالى هنا: لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ .... لتجد أن التفصيل لمقدمة سورة البقرة وفي المقطع واضح، وصلة المقطع بما قبله من السورة واضحة. ولننتقل إلى المقطع الثاني في القسم الرابع . المقطع الثاني في القسم الرابع يمتد هذا المقطع من الآية (١١٨) إلى نهاية آية (١٢٩) وهذا هو [سورة آل عمران (٣): الآيات ١١٨ الى ١٢٩] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠) وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)

стр. 827

[سورة آل عمران (٣): الآيات ١١٨ الى ١٢٩] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠) وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)

стр. 828

المعنى العام: رأينا في المقطع السابق تحريم الله علينا طاعة أهل الكتاب، وأمره لنا بالاعتصام بكتابه، وعدم التفرق والاختلاف، وأمره لنا بالدعوة إلى الكتاب والسنة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وخيرية هذه الأمة بسبب اجتماع الإيمان بالله، مع الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لها، ووعد الله لنا أن ينصرنا على أهل الكتاب إذا قاتلناهم، وثناء الله على من يؤمن من أهل الكتاب، ويدخل فيما دخلت به هذه الأمة من عمل. ثم ما أعد الله للكافرين، وفى هذا المقطع ينهانا الله في الآية الأولى عن اتخاذ بطانة من دوننا من الكافرين أو المنافقين، نطلعهم على أسرارنا، وما نضمره لأعدائنا، وبين الله- سبب ذلك لأن هؤلاء لا يقصرون في مخالفتنا وما يضرنا، ويرغبون في كل ما يشق على المسلمين ويعنتهم، وأنهم لا يضمرون لنا إلا البغضاء، حتى إنهم ليظهرون ذلك. ثم بصرنا الله بحالهم أكثر، فمع أننا نحبهم بحكم الخلق، والطبيعة البشرية الصافية. فإنهم لا يحبوننا، ومع أننا نؤمن بالكتاب كله، فهم يتظاهرون مسايرة لنا بالإيمان، ولكن الغيظ منا ومن ديننا يأخذ عليهم قلوبهم. فالموقف السليم أن نزيدهم غيظا، لا أن نتخذهم خاصتنا، ومحل أسرارنا. ثم زادنا الله تعريفا بهم. أنهم لا يفرحون لما يصيبنا من نصر، أو خير، أو عز، وإنما يسوؤهم ذلك، ويفرحون بما يصيبنا من بلاء ومحن. وهم أصحاب كيد للإسلام وأهله، ولكنا إذا تحققنا بالصبر والتقوى فقد وعدنا الله ألا يضرنا كيدهم. ثم شرع الله- يذكرنا بوقائع تطبيقية حدثت لهذه الأمة تدل على أن هذه الأمة إن صبرت واتقت فالله يتولى شأنها كله، ولا يضرها كيد الكافرين أو المنافقين. المثال الأول من أحد: إذ كادت عشيرتان من الأنصار أن تتأثرا بمواقف الكافرين، ولكن لتحققهما بالإيمان؛ فإن الله عصمهما من ذلك. ومن ثم يأمر الله المؤمنين بالتوكل عليه؛ لأنهم إن توكلوا عليه أنقذهم من كل كيد، وفتنة، أو تخطيط ماكر. ثم ذكرنا الله- بنصرنا يوم بدر مع ضعفنا وقلتنا، وأمرنا بالتقوى شكرا له على ذلك، وهذا هو المثال الثاني وقد بين الله- بعض ما فعله لنا يوم بدر؛ ليحقق المثل ما هو مسوق له من نموذج على ما مر أنه في حالة صبرنا وتقوانا لا يضرنا كيد الكافرين أو المنافقين، بل الله بفضله يفعل ما ينقذنا منهم، وينصرنا عليهم، بأن يمدنا بمدد من الملائكة؛ لينصرنا على الكافرين، وليمزقهم، أو يرد كيدهم خائبا.

стр. 829

وتعقيبا على هذا كله يوجه الله رسوله ويعلمه أن الأمر كله لله، الملك ملكه، والأمر أمره، والتدبير تدبيره، وليس لأحد معه ملك أو أمر أو تدبير. يعذب من شاء، وينصر من شاء، ويغفر لمن شاء، ويوفق من يشاء، ويخذل من يشاء ورحمته وسعت كل شئ. المعنى الحرفي: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ بطانة الرجل هم خاصته وأصفياؤه الذين يطلعهم على أدخل أمره. وقوله مِنْ دُونِكُمْ دخل فيه عامة أهل الأديان، وأهل الإلحاد، وأهل النفاق. وكل من دخل في قول من أقوال رسول الله ﵇ «ليس منا». فصار المعنى: لا تتخذوا خواص لكم، وأصفياء، تطلعونهم على أسراركم، ومخططاتكم من دون أبناء دينكم، وهم المسلمون الصادقون. ودخل في هذا النهي أن نجعل أمثال هؤلاء مستشارين لنا، وأمناء سر. ومخالطين لنا، وأصحاب عشرة. ثم وصف من دوننا بالنسبة لنا لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا الخبال: الفساد، أي: لا يقصرون في فساد دينكم، ولا يقصرون في إفساد أمركم. فهم يسعون في مخالفتنا، وما يضرنا بكل ممكن، وبما يستطيعون من المكر والخديعة. وَدُّوا ما عَنِتُّمْ أي ودوا عنتكم والعنت: شدة الضرر، والمشقة، والحرج، أي: يودون ويرغبون بما يشق عليكم، ويحرجكم. فهؤلاء لا يتمنون إلا أن يضروكم في دينكم ودنياكم، أشد الضرر وأبلغه، ومن كانت هذه خبيئة نفسه فكيف تتخذه خاصة لك، وبطانة، وملازما، ومستشارا، ومستنصحا! قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ أي: إنهم مع ضبطهم أنفسهم ينفلت من ألسنتهم ما يعلم به بغضهم للمسلمين، فإن بعض كلامهم يدل على بغضائهم. وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ من البغض لكم أَكْبَرُ مما بدا. لقد لاح على صفحات وجوههم، وفلتات ألسنتهم من العداوة، مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله، ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل، ولهذا ذيلت الآية بقوله تعالى: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ أي: قد وضحنا لكم الآيات الدالة على وجوب الإخلاص في الدين، وموالاة أولياء الله، ومعاداة أعدائه، وعدم اتخاذهم بطانة؛ من أجل أن تعقلوا هذه الآيات فتفهموا، وتعملوا. ها أَنْتُمْ أُولاءِ المتصفون بما يأتي مما يدل على خطئكم في واقع الأمر تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ أي:

стр. 830

تحبون أصنافا من دونكم، ولا يحبونكم هم. هذا بيان للخطإ حيث نبذل محبتنا لأهل البغضاء فنجعلهم بطانة وهم أعداء. وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ أي: بكل كتاب أنزله الله وبكل وحي، ليس عندكم في شئ منه شك ولا ريب. أما هم فمنافقون. وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ الأنامل أطراف الأصابع، ويوصف المغتاظ والنادم بعض الأنامل، والبنان والإبهام، وعض الأنامل من الغيظ تعبير عن أشد الغيظ وأفظعه، فصار المعنى: وإذا لقوكم أظهروا لكم من الإيمان ما يطمئنكم إليهم، ويحببهم إليكم، وإذا فارقوكم، أو خلا بعضهم إلى بعض أظهروا أشد الغيظ والحنق عليكم. فإذا كان الأمر كذلك، تؤمنون بكتابهم، ويكفرون بكتابكم، ويضمرون لكم من الحقد والغيظ أفظعه، فأنتم أحق بالبغضاء لهم، فما بالكم تحبونهم؟ ففي الآية توبيخ شديد لنا على محبتنا لمن دوننا من أهل الكتاب، فضلا عن غيرهم. فكأننا في هذا الموقف أضعف منهم في حقنا، وهم أصلب منا في باطلهم. ثم علمنا الله الموقف الصحيح منهم فقال: قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ أي: مهما كنتم تحسدون عليه المؤمنين، وبغيظكم ذلك منهم، فاعلموا أن الله متم نعمه على عباده المؤمنين، ومكمل دينه، ومعل كلمته، ومظهر عباده، فازدادوا غيظا إلى غيظكم حتى تهلكوا به. إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي: هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم، وتكنه سرائركم من البغضاء والحسد، والغل للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تأملون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها، لا محيد لكم عنها، ولا خروج لكم منها. وهل قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ هو من تتمة ما أمر الله رسوله والمؤمنين أن يقولوه لهم؟ أو هو تذييل للآية كلها؟ فإذا كان الأول فيكون معناه: وقل لهم إن الله عليم بما هو أخفى مما تسرونه بينكم، وهو مضمرات الصدور. فلا تظنوا أن شيئا من أسراركم يخفى عليه. وإذا كان الثاني، يكون معناه: لا تتعجب مما أمرتك به، واعمل به، وكن واثقا مما أعلمتك به من حالهم، ومواقفهم منكم، فإني عليم بذات الصدور. ثم بين الله- حالهم منا، بما يزيدنا بصيرة في أمرهم، وبما يقوي عزائمنا في أمرهم فلا نتخذهم بطانة بل أعداء، فقال: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ هذه حالهم الدالة على شدة عداوتهم للمؤمنين، وهو أنه إذا أصاب المسلمين خصب، ونصر، وتأييد، وكثرة، وعزة، ساء غيرهم ذلك. فالمعنى إذن: إن تصبكم غنيمة، ونصرة، ورخاء، وخصب، يحزنهم ذلك، وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها أي: وإن

стр. 831

تصبكم سنة جدب، أو هزيمة، يفرحوا بذلك إن أصابكم- وهذا منتهى العداء- ثم وجهنا الله- إلى ما إن تحققنا به لا يضرنا كيد غيرنا لنا، وهو الصبر والتقوى فقال: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً أي: وإن تصبروا على تكاليف الدين ومشاقة، وما ابتلاكم الله به، وتتقوا الله في اجتناب محارمه، لا يضركم مكرهم وخططهم ضدكم شيئا، بل تكونون في حفظ الله، وذلك لقوله: إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ فهو المحيط بمكرهم، وكيدهم. فإذا كنتم صابرين متقين أحبط ذلك لكم. وفى نهاية الآية إرشاد من الله تعالى إلى طريق السلامة من شر الأشرار، وكيد الفجار، بالتحقق بالصبر والتقوى، والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائنا، فلا حول ولا قوة لنا إلا به، وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يقع في الوجود شئ إلا بتقديره. ومشيئته، ومن توكل عليه كفاه. فوائد: ١ - نهتنا الآيات أن نتخذ بطانة من دوننا، وبينت لنا سبب ذلك، وشعرنا من خلال الآيات أن المقصود الأول بذلك هم كفرة أهل الكتاب، وإذا كانوا كذلك، فغيرهم أولى أن نحذر. والنهي أعم من هذا كله، فالنهي منصب على عدم جواز اتخاذ بطانة من دوننا، دخل في ذلك الكافرون كلهم من أهل الكتاب، والمشركون والملحدون، ودخل في ذلك المنافقون لأنهم ليسوا منا. قال تعالى الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ والمنافقون يعرفون من أوصافهم في كتاب الله، ومن أقوالهم. ويدخل في ذلك من باب الورع والاحتياط، كل من نفى رسول الله ﷺ كونه منا من ذلك «من غشنا فليس منا»، «من رغب عن سنتي فليس مني»، «ومن أصبح ولم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم»، «ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية»، «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية»، «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا»، ليس منا من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه». أمثال هؤلاء ينبغي أن نحتاط، فلا نتخذهم خاصتنا، ولا نفشي لهم أسرارنا، ولا نظهرهم على عوراتنا، ولا نطلعهم على مخططاتنا، ولا نستشيرهم في أمورنا. ٢ - في حديث صحيح رواه النسائي وغيره أن رسول الله ﷺ قال: «ما بعث الله

стр. 832

من نبي، ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان، بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالسوء وتحضه عليه، والمعصوم من عصمه الله». ٣ - روى ابن أبي حاتم: «قيل لعمر بن الخطاب ﵁: إن هاهنا غلاما من أهل الحيرة حافظ، كاتب، فلو اتخذته كاتبا؟ فقال: قد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين». قال ابن كثير: «ففي هذا الأثر مع هذه الآية دليل على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة على المسلمين، واطلاع على دواخل أمورهم التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب» أقول: من كلام ابن كثير يفهم جواز استعمالهم فيما سوى ذلك. وبعد أن بين الله- النهي عن اتخاذ بطانة من دوننا وأسبابه، ووعد عباده المؤمنين، أن يحبط مكر الكافرين في حالة تقوانا، وصبرنا. يضرب لنا مثلين عن حالتين تولى عباده المؤمنين فيهما: يوم أحد، ويوم بدر، فأحبط كيد أعدائهم بسبب صبرهم وتقواهم. والدليل على أن هاتين القصتين مساقتان كنموذجين على تولي الله المؤمنين، وإحباط كيد أعدائهم في حالة صبرهم وتقواهم، هو ورود ذكر الصبر والتقوى في الآيات السابقة: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً. ووروده فيما يأتي: بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ. وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ المراد بالقتال هنا معركة أحد، والغدو: الخروج صباحا، والمعنى: واذكر يا محمد مثلا على تولي الله المؤمنين، حين خرجت من أهلك بالمدينة تبوئ، أي: تنزل المؤمنين في منازلهم ومواطنهم، ومواقفهم للقتال من الميمنة، والميسرة، والقلب، والجناحين، والساقة. وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أي: سميع لأقوالكم، عليم بنياتكم وضمائركم. إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما هذا الذي سيقت القصة من أجله، وأمر بالتذكير فيه، إذ حمى الله- طائفتين من المؤمنين يوم أحد من أن تتخذا مواقف المنافقين، إذ انسحبوا، فكان في ذلك حفظ لهما، ودعم لرسول الله ﷺ ، وتفشيل لكيد المنافقين. والمعنى: واذكر إذ همت عشيرتان: هم بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، أن تجبنا وتضعفا، وتنسحبا، ولكن الله محبهما وناصرهما، ومتولي أمرهما ولذلك صرفهما عن مشاركة المنافقين بالانسحاب فلم يفعلا. وهذه القصة تعلمنا أن نسلم أمورنا لله، وأن نتوكل عليه، وألا نخالف أمره. ومن ثم

стр. 833

ختمت الآية بالأمر بالتوكل فقال تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ. أمرنا ألا نتوكل إلا عليه، وألا نفوض أمورنا إلا إليه. فوائد: ١ - روى البخاري عن عمر قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: فينا نزلت إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا الآية قال: نحن الطائفتان بنو حارثة، وبنو سلمة وقال سفيان مرة وما يسرني أنها لم تنزل لقوله تعالى وَاللَّهُ وَلِيُّهُما. ٢ - المعروف أن رسول الله ﷺ خرج إلى أحد يوم الجمعة بعد الصلاة. وقد قال الله تعالى وَإِذْ غَدَوْتَ وفي الجمع بين هذا وهذا؟ قال ابن جرير: إن غدوهم ليبوئهم مقاعد إنما كان يوم السبت أول النهار. ٣ - خرج رسول الله ﷺ يوم أحد بألف من المدينة. وكان عدد المشركين ثلاثة آلاف، فلما كان الرسول ﵊ ومن معه في الشوط (مكان في الطريق إلى أحد). رجع عبد الله بن أبي رأس المنافقين بثلث الجيش مغضبا، لكون رسول الله ﷺ لم يأخذ برأيه وقوله، هناك كادت الطائفتان أن تتزلزلا، وترجعا مع المنافقين، ولكن الله عصمهم توليا للمؤمنين، وإحباطا لكيد المنافقين. ومن ثم جاءت هاتان الآيتان في معرض البيان أن كيد الكافرين والمنافقين لا يضر المؤمنين إن صبروا واتقوا. ثم ضرب الله مثلا آخر على تولي المؤمنين، وخذلان أعدائهم، وإحباط كيدهم بما حدث يوم بدر. فلنتذكر الصلة بين أجزاء هذا المقطع، وارتباط آخره بأوله، وأن المقطع جاء من أجل أن لا نتخذ بطانة من دوننا، فلا نتخذ بطانة خوفا من كيد الكافرين والمنافقين، لأن الله يحبط كيدهم، وينصرنا عليهم، بصبرنا وتقوانا لا بمخالفتنا أمره. وما حدث يوم بدر نموذج: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ أي: ولقد نصركم الله يوم بدر وأنتم أذلة، والأذلة جمع قلة لذليل، واستعمال جمع القلة يفيد أنهم كانوا على ذلتهم وضعف شوكتهم قليلين، ليعلم أن النصر من عند الله، لا بكثرة العدد والعدة، وهذا كما قلنا آت في سياق وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً .. الآية ثم في سياق لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ فمن تذكر يوم بدر أعطاه ذلك درسا أن يستقيم على أمر الله. وأن يخلص وده للمؤمنين وأن يفاصل المشركين، والكافرين، والمنافقين، ولا يخشى إلا ربه والله يتولى شأنه، فيثبط عدوه وينصر جنده، فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي: فاتقوا

стр. 834

الله بالقيام بما أمر، لعلكم تتحققون بمقام الشكر الذى لا يناله إلا القليل وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (سورة سبأ: ١٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ اختلف المفسرون في هذا الوعد، هل كان يوم بدر، أو يوم أحد، على قولين. الأرجح فيهما والذي يتفق مع السياق أن قوله تعالى إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ متعلق بقوله تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وهو قول الحسن البصري، والشعبي، وغيرهم،. واختاره ابن جرير. أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ روى ابن أبي حاتم عن الشعبي أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ إلى قوله ... مُسَوِّمِينَ قال: فبلغت كرزا (١) الهزيمة. فلم يمد المشركين، ولم يمد الله المسلمين بالخمسة آلاف» هذا ما قاله الشعبي، والمذكور في سورة الأنفال أن الله وعد المؤمنين أن يمدهم بألف، وقد أمدهم بهم. وهل أمدهم بالثلاثة ثم بالخمسة؟ قولان للمفسرين، لأن التنصيص على الألف في سورة الأنفال لا ينافي الثلاثة آلاف فما فوقها لقوله: مُرْدِفِينَ بمعنى: يردفهم غيرهم، ويتبعهم ألوف أخر وعلى كل الأقوال، فقد قاتلت الملائكة يوم بدر، أما عدد من قاتل ففيه خلاف. ومعنى الآية: «ألا يكفيكم الإمداد بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين لنصرتكم». وجئ بالاستفهام الذي يفيد الإنكار وبعده (لن) التي تفيد تأكيد النفي للإشعار بأنهم كانوا لقلتهم، وضعفهم، وكثرة عدوهم، كالآيسين من النصر. ثم إن في قول الله تشجيعا لهم، وإنكارا عليهم حالهم بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ في قوله تعالى (بلى) بعد (ألن). ما يفيد أن الكفاية حاصلة بالثلاثة آلاف، بل لملك واحد كاف لخراب العالم كله، فضلا عن نصرة المؤمنين، ولكنه مزيد التطمين، وزيادة الرعاية. والمعنى: الثلاثة آلاف تكفيكم، ولكم خمسة آلاف من الملائكة معلمين أنفسهم، أو معلمة خيلهم، لأن السوم: هو العلامة، وذكر نزول الملائكة في حال مجئ المشركين من فورهم مباشرة، للتطمين إلى أنه مهما أسرع الكافرون في المجئ لقتالكم، فإن نزول الملائكة لا يتأخر عن إتيان الكافرين، بل يأتي مباشرة، فاطمئنوا. وقد رأينا من قبل أن الشعبي يرى أن الخمسة آلاف لم تنزل، القول الثاني وهو لأكثر من مفسر منهم الربيع بن أنس قال: أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم

стр. 835

صاروا خمسة آلاف. وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ أي: وما جعل الله إنزال الملائكة، وإعلامكم بإنزالهم، إلا بشرى لكم، وتطييبا لقلوبكم، وتطمينا لها، وإلا فإن النصر من عند الله الذي لو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم، ومن غير احتياج إلى قتالكم لهم؛ فإنه ذو العزة التي لا ترام، والحكمة في قدره وأحكامه، وتكليفه، ونصره أو خذلانه، ومن ثم ختمت الآية بقوله تعالى وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. أي: لا من عند المقاتلة، ولا من عند الملائكة. ولكن ذلك كان رحمة بعباده، وتقوية لهم، وإشعارهم أنهم ليسوا وحدهم من خلقه في مقابلة أعداء الله، فهو العزيز الذي لا يغالب، الحكيم الذي يعطي النصر لأوليائه، ويبتليهم بجهاد أعدائه، ثم بين الله- -لماذا شرع الجهاد والجلاد، ولماذا كلف عباده بالقتال، ولماذا وعدهم بالنصر، وأعطاهم إياه فقال: لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ أي: ليهلك طائفة من الذين كفروا، أو يخزيهم ويغيظهم بالهزيمة؛ فيرجعوا غير ظافرين بمبتغاهم، فلا ينالون ما أملوا. وحقيقة الكبت: شدة وهن تقع في القلب، ثم بين الله- أن الحكم في الدنيا والآخرة له وحده لا شريك له، وأن علينا الطاعة وهو الفعال لما يريد. لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ بل الأمر كله لله، أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ أي: إما أن يتوب عليهم مما هم فيه من الكفر؛ فيهديهم بعد الضلالة، وإما أن يعذبهم في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم. فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ أي: مستحقون للتعذيب لظلمهم. فصار المعنى: إن الله وحده هو مالك أمرهم، فإما أن يهلكهم، أو يهزمهم، أو يتوب عليهم إن أسلموا، أو يعذبهم إن أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم شئ، إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم، ومجاهدتهم. ثم ختم هذا المقطع كله بقوله تعالى: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي: الجميع ملك له، وأهلها عبيد بين يديه، فليكن رغبتك ورهبتك إليه. يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ أي: هو المتصرف فلا معقب لحكمه، يوفق من شاء للإسلام، ويغفر له إن شاء، ويخذل من يشاء فيعذبه لكفره وضلاله، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. إن غفر فذلك فضله، وإن عذب فذلك عدله. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ سبقت رحمته غضبه، فلا يهلك عليه إلا هالك، إلا من يستحق العذاب والخذلان، ولا يظلم ربك أحدا. فوائد: [١ - كلام عن يوم البدر] ١ - كان يوم بدر يوم الجمعة، في السابع عشر من رمضان من سنة اثنتين للهجرة،

стр. 836

وهو يوم الفرقان الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله، ودفع فيه الشرك وأهله. هذا مع قلة المسلمين يومئذ، فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، فيهم فارسان وسبعون بعيرا، والباقون مشاة ليس معهم من العدد جميع ما يحتاجون إليه. وكان العدو يومئذ ما بين التسعمائة إلى الألف، في سوابغ الحديد، والبيض، والعدة الكاملة، والخيل المسومة، والحلي الزائد، والجميع عرب، ليس لأحدهم على الآخر ميزة في تدريب مادي، وإنما ليظهر الله في شأنهم سنته الخاصة في نصرة حزبه على قلة الأسباب المادية. فعلينا معشر المسلمين دائما أن نكون حزب الله ليظهر الله بنا سنته في خذلان الكافرين على كثرتهم، وكثرة ما عندهم، ونصر المؤمنين على قلتهم وضعفهم، واستهانة عدوهم بهم. في أثر صحيح ذكره ابن كثير في هذا المقام: أن المسلمين يوم اليرموك استمدوا عمر. فكتب إليهم: إنه قد جاءني كتابكم تستمدوني، وإني أدلكم على من هو أعز نصرا، وأحصن جندا، الله- فاستنصروه، فإن محمدا ﷺ قد نصر في يوم بدر، في أقل من عدتكم. فإذا جاءكم كتابي هذا فقاتلوهم ولا تراجعوني. قال الراوي: «فقاتلناهم فهزمناهم أربع فراسخ». [٢ - وصف علي بن ابي طالب للملائكة يوم بدر] ٢ - قال علي بن أبي طالب رضي عنه: «كان سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض، وكان سيماهم أيضا في نواصي خيولهم». وقال ابن عباس: «كان سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد أرسلوها في ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمر. ولم تضرب الملائكة في يوم سوى بدر، كانوا يكونون عددا ومددا لا يضربون». [٣ - مما ورد في سبب نزول قوله تعالي لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ] ٣ - في سبب نزول قوله تعالى لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أكثر من رواية وقد يتعدد نزول الآية بتعدد المواقف، فتكون تذكيرا بها بانطباقها على الحالة الجديدة. ومما ورد في سبب نزول هذه الآية: أ- روى البخاري عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يدعو على رجال من المشركين يسميهم بأسمائهم، حتى أنزل الله تعالى لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ... الآية .. وفي حديث رواه الإمام أحمد فيه أسماء هؤلاء: الحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وفي نهايته: فتيب عليهم كلهم، أي: فهداهم الله للإسلام. ب- وروى الإمام أحمد ومسلم «عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: «كيف يفلح قوم

стр. 837

فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم !» فأنزل الله لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ. وقد ذكر الألوسي جملة الأقوال في أسباب نزول هذه الآية فلننقلها تتميما للفائدة مع ما فيه من تكرار لبعض ما ذكرناه: «وأخرج غير واحد» أن رباعية رسول الله ﷺ السفلى اليمنى أصيبت يوم أحد، أصابها عتبة بن أبي وقاص، وشجه في وجهه، فكان سالم مولى أبي حذيفة أو على كرم الله تعالى وجهه يغسل الدم والنبي ﷺ يقول: كيف يفلح قوم صنعوا هذا بنبيهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. «وأخرج أحمد، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ يوم أحد «اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحرث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أمية» فنزلت هذه الآية لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ الخ .. فتيب عليهم كلهم. وعن الجبائي أنه ﷺ استأذن يوم أحد أن يدعو على الكفار لما آذوه حتى إنه ﷺ صلى الظهر ذلك اليوم قاعدا من الجراح، وصلى المسلمون وراءه قعودا، فلم يؤذن له ونزلت هذه الآية، وقال محمد بن إسحاق. والشعبي: لما رأى ﷺ والمسلمون ما فعل الكفار بأصحابه، وبعمه حمزة، من جدع الأنوف والآذان، وقطع المذاكير، قالوا: لئن أدالنا الله تعالى منهم لنفعلن بهم مثل ما فعلوا بنا، ولنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب قط فنزلت. وعن ابن مسعود ﵁، أراد رسول الله ﷺ أن يدعو على المنهزمين عنه من أصحابه يوم أحد؛ فنهاه الله تعالى عن ذلك وتاب عليهم ونزلت هذه الآية. وهذه الروايات كلها متضافرة على أن الآية نزلت في أحد، المعول عليه منها أنها بسبب المشركين، وعن مقاتل، «أنها نزلت في أهل بئر معونة، وذلك أن رسول الله ﷺ أرسل أربعين وقيل: سبعين رجلا من قراء أصحابه، وأمر عليهم المنذر بن عمرو إلى بئر معونة على رأس أشهر من أحد؛ ليعلموا الناس القرآن والعلم، فاستصرخ عليهم عدو الله عامر بن الطفيل، قبائل من سليم، من عصية، ورعل، وذكوان، فأحاطوا بهم في رحالهم فقاتلوا حتى قتلوا من عند آخرهم، إلا كعب بن زيد أخا بني النجار فإنهم تركوه وبه رمق، فلما علم بذلك رسول الله ﷺ ؛ وجد وجدا شديدا وقنت عليهم شهرا يلعنهم فنزلت هذه الآية فترك ذلك» اهـ.

стр. 838

٤ - فائدة حول السياق: قلنا: إن سورة آل عمران هي تفصيل لما أجمل في مقدمة البقرة، والمقطع الذي بين أيدينا، حدد الله- فيه حدود العلاقة بين المؤمنين وغيرهم من الكافرين والمنافقين، وبين فيه أنه لا يحل للمؤمنين أن يتخذوا بطانة لهم من غيرهم من المنافقين والكافرين. مع تبيان السبب، ونفي كل ما من شأنه أن يدعو إلى مخالفة النهي هذا. وخلال ذلك حلل نفسية الكافرين والمنافقين، وحقيقة ما بأنفسهم تجاهنا، وما قد يخطئ به المسلم إذ يتصور أنه باتخاذه بطانة من غير المسلمين يمكن أن يدفع أذى، أو يستجلب منفعة، فنفى هذا كله، مع التربية على العبودية الكاملة. كلمة فيما مر وسيمر من القسم الرابع: مر معنا من القسم الرابع مقطعان، وبقي مقطع واحد، وقد بدأ القسم بالنهي عن طاعة أهل الكتاب، وبين لنا كل ما نحتاجه من أجل ألا نعطي الطاعة لهم، من تذكير لنا بما يثبتنا على الإيمان، إلى تذكير لنا بالاعتصام بالكتاب، إلى أمر لنا بوجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الخير، إلى نهينا عن التفرق، إلى تذكيرنا بأن كيد أهل الكتاب لا يضرنا، وأننا منصورون عليهم، إلى غير ذلك من معان تشكل البديل عن المنفعة المتوهمة في ظن من يظن أن طاعة أهل الكتاب فيها مصلحة، كما بين لنا ما ينبغي أن يكون حائلا بيننا وبين طاعة أهل الكتاب. ثم جاء المقطع الثاني لينهانا أن نتخذ بطانة من دوننا كائنا من كانوا، وبين لنا الأسباب التي يحول بيننا وبين أن نتخذهم بطانة، وذكرنا بما يعين على ذلك فهاتان طائفتان مؤمنتان كادتا أن تفشلا بسبب حسن ظنهم بالمنافقين يوم أحد، ثم إن عصمة الله لهما منعتهما من ذلك، ونصرة الله للمؤمنين يوم بدر ينبغي أن تكون على ذكر منا، بحيث تقتلع من قلوبنا ما يمكن أن نحذره حين لا نتخذ بطانة من دون المؤمنين. ثم ذكرنا الله- بحكمته التي تجعله يعذب من يشاء، ويغفر لمن يشاء، وذلك له تأثيراته في قضية النهي عن اتخاذ بطانة من الكافرين. وبعد ذلك كله، يأتي المقطع الثالث والأخير من القسم الرابع؛ ليبني الجماعة المسلمة بعد أن حذرها في المقطعين السابقين من أخطر قضيتين يمكن أن تتساهل فيهما، طاعة أهل الكتاب، واتخاذ بطانة من دون المؤمنين. فيأتي المقطع الثالث ليأمر بترك

стр. 839

الربا، ويأمر بالطاعة لله والرسول، والمسارعة إلى رضوان الله- وينهى عن الوهن والحزن، إلى غير ذلك مما سنراه، مما يبين لنا أن الطريق هو هذا، لا في اتخاذكم بطانة من دونكم، أو في طاعتكم لأهل الكتاب، والملاحظ أن النهي عن أكل الربا يأتي في ابتداء المقطع اللاحق، فكأن المقاطع الثلاثة تنبه في آياتها الأولى على النقاط التي يتوهم المسلمون أن فيها مصلحة. ومن نظر إلى ما حدث في عصرنا من طاعة الكثيرين- حكاما ومحكومين- لأهل الكتاب، واتخاذهم بطانة من دون المسلمين، ورؤية كل الحكومات على الأرض الإسلامية تقريبا أن الربا مفيد. من رأى هذا كله أدرك بعض الحكمة في مجئ هذه المعاني في هذا القسم. ومن أدرك أن المقطعين السابقين حددا فيما حددا العلاقة بين أهل التقوى وأهل الكفر والنفاق، أدرك صلة ذلك بمقدمة سورة البقرة. المقطع الثالث من القسم الرابع يمتد هذا المقطع من الآية (١٣٠) إلى نهاية الآية (١٤٨) وهذا هو: الفقرة الأولى [سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٠ الى ١٣٥] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)

стр. 840

[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٦ الى ١٣٨] أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (١٣٦) قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) الفقرة الثانية [سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٩ الى ١٤٥] وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣) وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)

стр. 841

[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤٦ الى ١٤٨] وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨) كلمة في السياق: في هذا المقطع فقرتان كل منهما مبدوءة بنهي: لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا. وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا ..... وفي سياق الفقرة الأولى، صدرت مجموعة أوامر تعمق مفهوم التقوى وتحدد صفات أهلها، وختمت بآية تذكرنا بالآية الأولى في سورة البقرة: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ. وفي الفقرة الثانية نهي عن الوهن والضعف في أي حالة من الأحوال، وتبيان سنة الله في خلقه وعباده، وتبيان بعض ما يتحقق به المؤمنون، وتأتي هذه التعليمات من خلال عرض ما حدث في وقعة أحد، وتختم هذه الفقرة بتبيان الموقف الصحيح للأنبياء وأتباعهم في صراعهم مع الكفر والكافرين. والفقرة الثانية مرتبطة بالفقرة الأولى، من حيث إن المعاني التي بها لا تتحقق، إلا من خلال التحقق بالمعاني التي رفع الله إليها همم المؤمنين في الفقرة الأولى، وسنرى الارتباط ما بين الآية والآية أثناء التفسير الحرفي للآيات. [تفسير الفقرة الأولى] المعنى الحرفي: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً. فهم كثير من الجهال: أن الربا المنهي عنه هو المضعف، وهذا منتهى الجهل، لأن الله في سورة البقرة قال: فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ وإنما هذا نهي عن الربا مع التوبيخ بما كانوا عليه من تضعيفه، وفي النهي عن الربا المضاعف- مع كون المراد كل الربا- إشارة إلى أن الربا من طبيعته التضعيف المؤدي إلى امتصاص دماء الناس، وإن كانت الآية نازلة بما كان

стр. 842

عليه أهل الجاهلية. فكانوا فى الجاهلية يقولون: إذا حل الدين، إما أن تقضي، وإما أن تربي، فإن قضاه وإلا زاده في المدة، وزاده الآخر في القدر، وهكذا كل عام، فربما تضاعف القليل حتى يصير كثيرا مضاعفا. وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. مر معنا في أول سورة البقرة أن المفلحين هم المتقون، وهاهنا أمرنا بالتقوى لتحصيل الفلاح. وقد مر معنا في أول سورة البقرة وصف المتقين، وسيأتي بعد قليل وصف لهم، وسنرى هنا أن أول صفة من صفاتهم الإنفاق في السراء والضراء، وقد رأينا في آخر سورة البقرة كيف جاء تحريم الربا بعد سياق الأمر بالإنفاق. وهاهنا يأتي الأمر بترك الربا، وفي سياقه يأتي الحض على الإنفاق؛ لأن المرابي والربا على طرفي نقيض مع المنفق والإنفاق. والأمر بالتقوى في هذا السياق، وتعليق الفلاح عليها أمر يترك أكل الربا بشكل ضمني، وإشارة إلى عدم الفلاح معه. ثم توعد الله بالنار وحذر منها فقال تعالى: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ. كان أبو حنيفة يقول: هي أخوف آية في القرآن؛ حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه، ثم أتبع ذلك بتعليق رجاء المؤمنين لرحمته بتوفرهم على طاعته، وطاعة رسوله فقال: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قال النسفي: «وفيه رد على المرجئة في قولهم «لا يضر مع الإيمان ذنب ولا يعذب بالنار أصلا». وعندنا: غير الكافرين من العصاة قد يدخلها، ولكن عاقبة أمره الجنة. وفي ذكره تعالى (لعل وعسى) فى نحو هذه المواضع- وإن قال أهل التفسير إن لعل وعسى من الله للتحقيق- ما لا يخفى على العارف من دقة مسلك التقوى، وصعوبة إصابة رضى الله تعالى، وعزة التوصل إلى رحمته وثوابه، ثم ندبنا تعالى إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إلى نيل القربات. فقال تعالى: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ كما أعدت النار للكافرين، أعدت الجنة للمتقين، ومعنى المسارعة إلى المغفرة والجنة: الإقبال على ما يوصل إليهما من طاعة وإخلاص، جمعة وجماعة. قال ابن كثير: وقد قيل إن في قوله عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ تنبيها على اتساع طولها ... وقيل بل عرضها كطولها. لأنها قبة تحت العرش، والشئ المقبب والمستدير عرضه كطوله، وقد دل على ذلك ما ثبت في الصحيح «إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وسقفها عرش الرحمن»، ثم وصف الله أهل الجنة المتقين فقال: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ. أي: في الشدة والرخاء، والصحة

стр. 843

والمرض، في حالة اليسر والعسر، وفي جميع الأحوال لأنها لا تخلو من حالة مسرة ومضرة. وافتتحت الصفات بذكر الإنفاق لأنه أشق شئ على النفس، وأدله على الإخلاص، ولأن الحاجة دائما شديدة إليه في مجاهدة العدو، ومواساة فقراء المسلمين. وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ أي والممسكين الغيظ عن الإمضاء، والغيظ: توقد حرارة القلب من الغضب، وكظمه أن يمسك على ما في نفسه منه بالصبر، ولا يظهر له أثرا، فالمتقون إذا ثار بهم الغيظ كظموه، بمعنى كتموه فلم يعلموه، وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ أي: إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه، فى وصفهم بكظم الغيظ بين تعالى أنهم لا يعملون غضبهم في الناس، بل يكفون عنهم شرهم، ويحتسبون ذلك عند الله. وفي هذه الصفة أثبت الله لهم أنهم مع كف الشر يعفون عن من ظلمهم في أنفسهم، فلا يبقى في أنفسهم موجدة على أحد، وهذا أكمل الأحوال، إذ إنه من مقامات المحسنين، ومن ثم ختمت هذه الآية بقوله تعالى: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ قال الثوري: «الإحسان أن تحسن إلى المسئ، فإن الإحسان إلى المحسن متاجرة» والإحسان أوسع مدلولا، فهو فعل الحسن، والأحسن مع الإخلاص لله. وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً الفاحشة: هي الكبيرة كالزنا وشرب الخمر. أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ بلسانهم أو بقلوبهم ليبعثهم على التوبة. فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ فتابوا عنها لقبحها نادمين. والمعنى: أنهم إذا صدر منهم ذنب أتبعوه بالتوبة والاستغفار. وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ أي: لا أحد يغفر الذنوب إلا الله، وفي قوله تعالى هذا تطييب لنفوس العباد، وتنشيط للتوبة، وبعث لها، وردع عن اليأس والقنوط، وبيان لسعة رحمته، وقرب مغفرته من التائب، وإشعار بأن الذنوب وإن جلت، فإن عفوه أجل، وكرمه أعظم. وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا أي: ولم يقيموا على قبيح فعلهم، والإصرار: الإقامة، أي تابوا من ذنوبهم، ورجعوا من قريب، ولم يستمروا على المعصية، ويصروا عليها، ولو تكرر منهم الذنب، تابوا منه. وَهُمْ يَعْلَمُونَ أن من تاب؛ تاب الله عليه. في الصحيحين عن رسول الله ﷺ : «أن رجلا أذنب ذنبا فقال رب إني أذنبت ذنبا فاغفره لي، فقال الله- عبدي عمل ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنبا آخر فقال: رب إني عملت ذنبا فاغفره، فقال ﵎: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي،

стр. 844

ثم عمل ذنبا آخر فقال: رب إني عملت ذنبا فاغفره لي. فقال : علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي. ثم عمل ذنبا آخر فقال: رب إني عملت ذنبا فاغفره فقال: الله : عبدي علم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به أشهدكم أني قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء». أُولئِكَ أي الموصوفون بما ذكر. جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ أي: بأن يتوب عليهم. وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها يعطيهم إياها برحمته ماكثين فيها أبدا. وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ يعني: المغفرة والجنات. قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ أي قد مضت من قبلكم قوانين مما سنه الله تعالى، تجري على خلقه بإرادته وقدرته، منها ما هو خاص بالمؤمنين، ومنها ما هو خاص بالأنبياء والمرسلين. وسنن الله لا تتغير ولا تتبدل، هذه السنن مذكورة في الكتاب والسنة، فلا يعرفها إلا عالم بالكتاب والسنة، ومن استكشفها وعلمها، استطاع أن يعرف الحاضر، وأن يتحسس المستقبل، ومن سنة الله أن جعل العاقبة للتقوى والمتقين، وأن جعل الدائرة في النهاية تدور على المكذبين والكافرين ولهذا قال: فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي نهاية المكذبين للرسل، من الاستئصال، والهلاك، والعذاب، والهزيمة. وهذه الآية مقدمة لما سيقصه الله علينا من سنن أثناء الكلام الطويل عن غزوة أحد، ودروسها، وما رافقها مما تحتاجه الأمة الإسلامية في كل حين. هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ أي: هذا القرآن فيه توضيح لكل ما يحتاجه الناس، كما فيه توضيح لسنن الله التي لا تتخلف، أنعم به على الناس جميعا. وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ومع ما حوى من بيان، ففيه الهداية الكاملة، والإرشاد الكامل للقلوب، والأنفس، والأجسام، وفيه ترغيب، وترهيب، وزجر عن المحارم، ولكن هذا الهدى، وهذه الموعظة لا يستفيد منها إلا المتقون، الذين اتقوا الشرك والمعاصي، وأقبلوا على الله بطاعة أوامره. كلمة حول السياق: لاحظنا أن سورة آل عمران إنما هي تفصيل لما أجمل في مقدمة سورة البقرة، وتفصيل لما تحتاجه إقامتها من معان. وفي مقدمة سورة البقرة وصف للمتقين. وفي الآية الأولى منها قوله تعالى ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. وفي آخر الوصف قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.

стр. 845

ومن تأمل الفقرة التي مرت معنا، لاحظ أن الآية الأولى منها ختمت بالفلاح، والآية الأخيرة منها ختمت بقوله تعالى: هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ وبين ذلك كلام عن الإنفاق وغيره. والآية الأخيرة ذكرتنا بالهداية والموعظة الموجودتين في هذا القرآن، لتستعد الأنفس لتلقي الهداية، والموعظة الموجودتين في الفقرة الثانية من هذا المقطع، والتي هي دروس لأهل الإيمان من خلال تجربة عملية هي ما جرى يوم أحد. فوائد حول الفقرة السابقة: ١ - روى البزار عن أبي هريرة قال: «جاء رجل إلى رسوله الله ﷺ فقال: «أرأيت قوله تعالى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ فأين النار؟ قال: أرأيت الليل إذا جاء لبس كل شئ فأين النهار؟ قال: حيث شاء الله، قال وكذلك النار تكون حيث شاء الله ». قال ابن كثير وهذا يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون المعنى في ذلك أنه لا يلزم من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار أن لا يكون في مكان. الثاني: أن يكون المعنى أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب، فإن الليل يكون من الجانب الآخر، فكذلك الجنة في أعلى عليين فوق السموات تحت العرش، كما قال الله : كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ، والنار في أسفل سافلين، فلا تنافي بين كونها كعرض السموات والأرض وبين وجود النار. اهـ ويمكن أن نعبر عن المسألة بشكل أبسط، لو افترضنا أن السموات السبع كروية، وبعضها داخل بعض، فالسماء السابعة محيطها أكبر من قطرها، وكون الجنة عليها لا يعني أنه لم يبق مكان للنار، لأن في داخلها عوالم من السموات والأرض، فأي حماقة تلك، حماقة الذي يتصور أن سعة الجنة تقتضي ألا يبقى مكان للنار أو لغيرها. ٢ - بمناسبة قوله تعالى وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ نذكر الأحاديث التالية: أ- روى الإمام أحمد: قال رجل: يا رسول الله أوصني قال: «لا تغضب»، قال الرجل ففكرت حين قال النبي ﷺ ما قال فإذا الغضب يجمع الشر كله.
следующие страницы →