← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 18169

الفروسية المحمدية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (530 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قيل: اختلف الفقهاء في ذلك، فمنعه أصحاب أحمد، ومالك (١)، وللشافعية في المزاريق وجهان (٢). * قال من جوَّز الرهان عليها: هي داخلةٌ في اسم النَّصل (٣). * وقال المانِعون: المُراد بالنَّصْل ما يتبادر إليه الأفهام، وما قد جرت عادة الناس بالتَّراهن عليه من عهد الصحابة وإلى الآن، وهو السهام خاصة (٤). ولا ريب أن من جَوَّز الرهان على العَدْوِ بالأقدام والصراع؛ فتجويزه له في المغالبة بالرماح أولى وأحرى. فصلٌ وأما ركوبه الفرس عُريانًا، وتقلده بالسيف: ففي "الصحيحين" (٥) من حديث ثابت عن أنس قال: "كان رسول الله ﷺ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، ولقد فَزِع أهل

стр. 142

المدينة ليلة، فركب فرسًا لأبي طلحة عُرْي (١)، فخرج الناس، فإذا هم برسول الله ﷺ قد سبقهم إلى الصوت، قد استبرأ الخبر، وهو يقول: لَنْ تُراعُوا، وقال النبي ﷺ : "وَجَدْناه بحرًا". قال ثابت: "فما سُبِق ذلك الفرس بعد ذلك (٢)، قال: وكان فرسًا يبطأ" (٣). وفي لفظ: "فاستقبل الناس على فرَسٍ عُرْي لأبي طلحة، والسيف في عُنُقه" (٤). وفي صفته ﷺ في الكتب الأولى: "عزُّه على عاتقه" (٥). إشارة إلى تقلُّده السيف. وفيها أيضًا صفته وصفة أمته: تتقلَّد السيوف، كما في "الزبور" (٦) في بعض المزامير: "من أجل هذا بارك الله عليك إلى الأبد، فتقلَّد أيها

стр. 143

الخيار السيف؛ لأنه البهاء لوجهك، والحمد الغالب عليك، لتركب كلمة الحق، وسَمْتَ التألُّه، فإن ناموسك وشرائعك مقرونةٌ بهيبة (١) يمينك، وسهامك مسنونة، والأمم يجرون تحتك". وليس من الأنبياء مَن تقلَّد السيف بعد داود، وخرت الأمم تحته، وقُرِنت شرائعه بالهيبة؛ سوى نبيِّنا ﷺ ؛ كما قال: "نُصِرْتُ بالرُّعب مسيرة شهر" (٢). وفي صفة أمته في "الزبور": "وليفرح مَن اصطفى الله أمَّته، وأعطاه النصر، وسدَّد الصالحين منهم بالكرامة، يسبِّحونه على مضاجعهم، ويكبِّرون الله تعالى بأصوات مرتفعة، بأيديهم سيوف ذات شفرتين، لينتقم بهم من الأمم الذين لا يعبدونه". وهذه الصفات منطبقة على محمد ﷺ وأُمَّته (٣).

стр. 144

فصلٌ في أحكام الرهان في المسابقة وصوره (١) المتَّفق عليها والمختَلَف فيها اتفق العلماء (٢) على جواز الرهان في المسابقة على الخيل والإبل (٣) والسهام في الجملة، واختلفوا في فصلين: أحدهما: في الباذل للرهن مَن هو؟ الثاني: في حكم عود الرهن إلى مَنْ يعود؟ * فذهب الشافعي وأحمد وأبو حنيفة (٤) إلى أن الباذل للرهن يجوز أن يكون أحد المتعاقدين، ويجوز أن يكون كلاهما، وأن يكون أجنبيًّا ثالثًا: إما الإمام، وإما غيره؛ ولكن إن كان الرهن منهما لم يحلَّ إلا بمحلِّل، وهو ثالث يُدْخلانه بينهما، ولا يُخْرِج شيئًا، فإن سبَقَهُمَا،

стр. 145

أخذ سَبَقَهما، وإن سبقاه معًا أحرزا سَبَقَهما، ولم يغرَمِ المحلِّلُ (١) شيئًا، وإن سبق المحلِّلُ مع أحدهما، اشترك هو (٢) والسابق في سَبَقِه. ثم اختلفوا في أمر آخر في المحلِّل، وهو أنه: هل يجوز أن يكون المحلِّل أكثر من واحد أو لا يجوز أن يكون (٣) إلا واحدًا؟ فظاهر كلامهم أن المحلِّل يكون كأحد الحزبين: إما واحدًا، وإما عددًا (٤). وقال أبو الحسن الآمدي من أصحاب أحمد: "لا يجوز أكثر من واحد، ولو كانوا مئة؛ لأن الحاجة تندفع به" (٥). قالوا: والعقد بدون المحلِّل إذا أخرجا معًا قمارٌ. * ومذهب مالك (٦): أنه إنما يجوز أن يُخْرِج السَّبقَ ثالثٌ ليس من المتسابقين (٧): إما الإمام، أو غيره، ولا يجري معهم، فمن سبق منهما أخذ ذلك السبق. فإن جرى معهما الذي أخرج السبق، فلا يخلو: إما أن تكون خيل السباق فرسين أو أكثر.

стр. 146

فإن كانتا فرسين، فسبق مُخْرِج السبق، فالسبق طُعْمٌ لمن حضر، ولا يأخذه السابق. وإن كانت خيلًا كثيرةً، وقد سبق مُخْرِج السبق، أعطى سبقه للذي يليه - وهو المصلِّي - ولم يأخذه. وفقه ذلك أنَّ سَبَقَه لا يعود إليه بحال، سواء سَبَق أو سُبِق. ولا يجوز عنده أن يخرجا معًا، لا بمحلِّل، ولا بغير محلِّل، ولا أن يُخْرِج أحد المتسابِقين. وقد رُوي عن مالك رواية ثانية: جواز إخراج السبق منهما بمحلِّل كقول الثلاثة،. قال ابن عبد البر: "وهذا أجود قوليه، وهو اختيار ابن المواز" (١). قلت: ولكن أصحابه على خلافه، والمشهور عندهم ما حكيناه عنه أولًا. والقول بالمحلِّل مذهبٌ تلقَّاه الناس عن سعيد بن المسيب، وأما الصحابة، فلا يحفَظُ عن أحد منهم قطُّ أنه اشترط المحلِّل، ولا راهن به، مع كثرة تناضلهم ورهانهم (٢)، بل المحفوظ عنهم خلافه، كما ذُكِرَ عن أبي عُبيدة بن الجَرَّاح. وقال الجُوْزَجَاني الإِمام في كتابه "المترجم" (٣): "حدثنا

стр. 147

أبو صالح - هو محبوب بن موسى الفرَّاء -: حدثنا أبو إسحاق - هو الفَزَارِي - عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال: قال رجل عند جابر بن زيد: إن أصحاب محمد كانوا لا يرون بالدَّخيل بأسًا، فقال: هم كانوا أعفَّ من ذلك" (١). والدَّخيل عندهم: هو المحلِّل، فنهاية (٢) ما نُقِل عنهم لم يكونوا يرون به بأسًا. وفرقٌ بين أن لا يرون به بأسًا وبين أن يكون شرطًا في صِحَّة العقد وحِلِّه، فهذا لا يُعْرَف عن أحدٍ منهم ألبتة. وقوله: "كانوا أعفَّ من ذلك" أي: كانوا أعفَّ من أن يُدْخِلُوا بينهم في الرهان دخيلًا كالمستعار، ولهذا قال جابر بن زيد راوي هذه القصة: "إنه لا يحتاج المتراهنان إلى المحلِّل". حكاه الجُوْزجاني وغيره عنه (٣).

стр. 148

فصلٌ إذا عرفتَ مذاهب الناس في هذه المسألة فلْنذكر (١) حجج الفريقين، ومأخذ المسألة من الجانبين، وإلى المنْصِف التحاكم، وغيره لا يعبأ الله به ولا رسوله ولا أولو العلم شيئًا. قال المجوِّزون للتراهن من غير محلِّل: * قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. وهذا يقتضي الأمر بالوفاء بكل عقد؛ إلا عقدًا حرَّمه الله تعالى ورسوله، أو أجمعت (٢) الأمة على تحريمه، وعقد الرهان من الجانبين ليس فيه شيءٌ من ذلك، فالمتعاقدان مأموران بالوفاء به. * وقال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤]. * وقال تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧]. * وقال النبي ﷺ : "المسلمون عند شروطهم إلا شرطًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا" (٣). حديث صحيح.

стр. 149

وقال ﵊: "إن من أعظم المسلمين - في المسلمين - جُرمًا مَن سأل عن شيء لم يحرَّم، فحُرِّم على الناس من أجل مسألته" (١). وهذا يدلُّ على أن العقود والمعاملات على الحلّ، حتى يقوم الدليل من كتاب الله تعالى أو سنة رسول الله ﷺ على تحريمها، فكما أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله تعالى ورسوله؛ فلا حرام إلا ما حرَّمه الله

стр. 150

تعالى ورسوله. * قالوا: وقد أطلق النبيُّ ﷺ جواز أخذ السَّبَقِ في الخُفِّ والحافر والنَّصْل إطلاقَ مشرِّع لإباحته، ولم يقيِّده بمحلِّل، فقال: "لا سَبَقَ إلا في خُفٍّ، أو حافرٍ، أَو نَصْلٍ" (١). فلو كان المحلِّل شرطًا؛ لكان ذكره أهمَّ من ذكر مَحالِّ السباق - إن (٢) كان السباق بدونه حرامًا، وهو قمار عند المشترطين -، فكيف يطلق رسول الله ﷺ جواز أخذ السَّبَق في هذه الأمور، ويكون أغلب صوره مشروطًا بالمحلِّل، وأكل المال بدونه حرامٌ، ولا يُبَيِّنه (٣) بنصٍّ ولا بإيماء ولا تنبيه ولا ينقل عنه ولا عن أصحابه مدَّة رهانهم في المحلل قضية واحدة؟! * قالوا: وفي "مسند الإمام أحمد" (٤) عن أبي لَبِيد لِمَازَة بن زَبَّار، قال: قلنا لأنس: أكنتم تراهنون على عهد رسول الله ﷺ ؛ قال: "نعم، لقد راهن رسول الله ﷺ (٥) على فرس يقال له: سَبْحَة، فسبق الناس، فهشَّ لذلك وأعجبه". وهو حديث جيِّد الإسناد. ومن الكفاية في الاحتجاج به رواية هذا الإمام له، وعلى المانع

стр. 151

إبداء ما يوجب عدم الاحتجاج (١). * قالوا: المراهنة: مفاعَلَةٌ، وهي لا تكون إلا من الطرفين. هذا أصلها والغالب عليها. * قالوا: وروى أحمد أيضًا، حدثنا غُنْدر عن شُعْبة عن سِمَاك قال: سمعتُ عِيَاضًا الأشعريَّ قال: "قال أبو عُبيدة: مَن يُراهِنُنِي؟ فقال شابٌّ: أنا إن لم تغضب، قال: فسبقه، قال: فرأيتُ عقيصتي أبي عُبيدة تنقزان، وهو على فرس خلفه عُرْي" (٢). ولم يذكر محلِّلًا في هذا ولا في غيره. * قالوا: ومثل هذا لا بدَّ أن يشتهر، ولم يُنْقَل عن صحابي خلافه. قال شيخِ الإسلام: "وما علمتُ بين الصحابة خلافًا في عدم اشتراط المحلِّل" (٣). * قالوا: وقد قال النبي ﷺ : "لا جَلَبَ ولا جَنَبَ في

стр. 152

الرِّهان" (١).

стр. 153

والرِّهان على وزن فِعال، وهو يقتضي أن يكون من الجانبين، فأبطل النبي ﷺ في عقد الرهان الجَلَبَ والجَنَب، ولم يبطل اشتراكهما (١) في بَذْل السْبَق، مع أن بيان (٢) حكمه أهمُّ من بيان الجلب والجنب بكثير. * قالوا: ولو كان إخراج العِوَض من المتراهنين حرامًا، وهو قمار؛ لما حلَّ بالمحلِّل؛ فإن هذا المحلِّل لا يُحِلُّ السَّبَق الذي حرَّمه الله تعالى ورسوله ﷺ ، ولا تزول المفسدة التي في إخراجها بدخوله، بل تزيد كما سنبيّنه، فإنْ كان العقد بدونه قمارًا فهو بدخوله (٣) أيضًا قمار، إذ المعنى الذي جعلتموه لأجله (٤) قمارًا إذا اشتركا في الإخراج، هو بعينه قائم مع دخول المحلِّل، فكيف يكون العقد قمارًا في إحدى الصورتين، وحلالًا في الأخرى، مع قيام المعنى بعينه؟! ولا تذكرون فرقًا؛ إلا كان (٥) الفرقُ مقتضيًا لأن يكون العقد بدونه أقلَّ خطرًا، وأقرب إلى الصحة، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. * قالوا: ودخول المحلِّل في هذا العقد كدخول المحلِّل في النكاح للمطلِّق ثلاثًا، وكدخول المحلِّل في عقد العِيْنَة ونحوها من

стр. 154

العقود المشتملة على الحِيَل الرِّبوية؛ فإنَّ كل واحد منهم مستعارٌ غير مقصود في العقد، والمقصود غيره، وهو حرفٌ جاء لمعنى في غيره، وقد ثبت في محلِّل النكاح والعيْنة ما ثبت فيه من النهي عنه، والإخبار عن محلِّل النِّكاح (١) أنه تيسٌ مستعارٌ؛ فإنه (٢) لم يُقْصد بالعقد، وإنما استُعير دخيلًا، لِيُحِلَّ ما حرَّم الله تعالى. * قالوا: فإن كان إخراج السَّبَق من المتراهنين حرامًا، فدخول المحلِّل ليُحِلَّه، كدخول محلِّل النكاح سواء بسواء (٣)، وإن كان بذل السَّبَق منهما جائزًا معه، فبدونه أولى بالجواز. * قالوا: وأيضًا، فالمحلِّل إما أن يكون دخولُه لِيُحِلَّ العمل، أو لِيُحِلَّ البذل، أو لِيُحِلَّ أكل (٤) السبق، والأقسام الثلاثة باطلة: - أما بطلان إحلاله العمل فظاهر، فإن العمل حلالٌ بالاتّفاق (٥). - وأما بطلان إحلاله البذل، فكذلك أيضًا، لأن البذل جعَالة (٦) عند المشترطين للمحلِّل (٧) في هذا العقد، وبذل الجُعْل في الجعَالة لا

стр. 155

يتوقَّف على محلِّل، سواء كان من أحد الجانبين، أو من كليهما، إذ غايتها أن تكون جِعَالة من الطرفين، وحِلُّها لا يتوقَّف على محلِّل، كما لو أَبَق لكلِّ واحدٍ (١) منهما عبدٌ، فقال كل منهما للآخر: إن رددتَ عبدي فلك عشرة. وبذل السبق عندهم هو مثل (٢) هذا؛ فإنهم يُدْخِلونه في قسم الجِعَالات. - وأما بطلان إحلاله لأجل السبق، فكذلك أيضًا (٣)؛ لأن أكل هذا السبق إن كان حرامًا بدون المحلِّل؛ فهو حرامٌ بدخوله، فإنه لا تأثير له في حِلِّ ما كان حرامًا عليهما، وإن لم يكن حرامًا بدخول (٤) المحلِّل؛ لم يكن حرامًا بدونه؛ فإنه لا تأثير له في عملهما، ولا في دفع المخاطرة في عقدهم، بل دخوله إن لم يضرَّهما لم ينفعهما. * قالوا: وأيضًا، فالله حرَّم الميسر في كتابه كما حرَّم الخمر، والميسر: هو القمار، وتحريمه إما أن يكون لنفس العمل، أو لِما فيه من أكل المال (٥) الباطل، أو لمجموع الأمرين، وليس هنا قسم رابعٌ. وأيًّا ما كان، فليس في هذا العقد المتنازعَ فيه واحد من الأمور الثلاثة، بل هو خال عنها؛ فإن المغالبات في الشرع تنقسم ثلاثة أقسام:

стр. 156

أحدها: ما فيه مفسدة راجحة على منفعته، كالنَّرْد والشطرنج (١)، فهذا يحرِّمه الشارع ولا يُبيحه، إذ مفسدته راجحة على مصلحته، وهي من جِنْس مفسدة السُّكْر، ولهذا قرَن الله بين الخمر والقمار في الحُكْم، وجعلهما قَريْنَي الأنصاب والأزلام، وأخبر أنها كلها رِجْس، وأنها من عمل الشيطان، وأمرَ باجتنابها، وعلَّق الفلاح باجتنابها وأخبر أنها تصدُّ عن ذكره وعن الصلاة، وتهدَّدَ من لم ينته عنها. ومعلومٌ أن شارب الخمر إذا سَكِر، كان ذلك مما يصدُّه عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة، ويوقع العداوة والبغضاء بسببه. وكذلك المغالبات التي تُلْهي بلا منفعة، كالنرد والشطرنج وأمثالهما، مما (٢) يصدُّ عن ذكر الله تعالى، وعن الصلاة، لِشدَّة الْتهاء النفس بها، واشتغال القلب فيها أبدًا (٣) بالفكر. ومن هذه الجهة (٤)، فالشَّطْرنج أشدُّ شُغْلًا للقلب، وصدًّا عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة، ولهذا جعله بعض العلماء أشدَّ تحريمًا من النَّرد، وجعلَ النَّصَّ على (٥) أن اللاعب بالنَّرْد عاص لله تعالى

стр. 157

ولرسوله (١)، تنبيهًا بطريق الأولى على أن اللاعب بالشِّطْرَنج أشدُّ معصية، إذ لا يحرِّم الله ورسوله فعلًا مشتملًا على مفسدة ثم يُبيح فعلًا مشتملًا على مفسدةٍ أكبر من تلك، والحس والوجود شاهدٌ بأن مفسدةَ الشِّطْرنج وشَغْلَها للقلب وصدَّها عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة = أعظمُ من مفسدة النَّرْد، وهي توقع العداوة (٢) والبغضاء، لِمَا فيها من قَصْد كلٍّ من المتلاعبين قَهْر الآخر، وأكْل ماله، وهذا من أعظم ما يوقع العداوة والبغضاء، فحرَّم الله سبحانه هذا النوع، لاشتماله على ما يبغضه، ومنعه مما يحبه. فصلٌ: المصلحة الراجحة المتضمِّنة لما يحبُّهُ الله ورسوله تقتضي عدم إدخال المحلِّل بين المتسابقَيْن وأوجه ذلك (٣) القسم الثاني: عكس هذا، وهو ما فيه مصلحة راجحة، وهو متضمِّن لما يحبُّه الله ورسوله، مُعِيْنٌ عليه، ومُفْضٍ إليه (٤)، فهذا شرعه (٥) الله تعالى لعباده، وشرَعَ لهم الأسباب التي تُعِيْنُ عليه، وتُرشِدُ إليه، وهو كالمسابقة على الخيل والإبل والنّضال، التي تتضمن

стр. 158

الاشتغال بأسباب الجهاد، وتعلّم الفروسية، والاستعداد للقاء أعدائه، وإعلاء كلمته، ونصر دينه وكتابه ورسوله، فهذه المغالبة تطلب من (١) من جهة العمل، ومن جهة أكل المال بهذا العمل الذي يحبه الله تعالى ورسوله، ومن الجهتين معًا. وهذا القسم جوّزه الشارع بالرهان تحريضًا للنفوس عليه، فإن النفس ينقاد (٢) لها داعيان: داعي الغلبة، وداعي الكسب، فتقوى رغبتها في العمل المحبوب لله تعالى ورسوله، فعُلِم أن أكل المال بهذا النوع أكلٌ له بحق لا بباطل. ومعلوم أن دخول المحلِّل يُضْعِفُ هذا الغَرَض، ويُفَتِّر عزم الأقران، فهو يعود على مطلوب الشارع بالإبطال، فإن المتسابقين متى رأَيَا بينهما دخيلًا مستعارًا، يأكِل مالهما إنْ غَلَبَ، ولا يأخذان منه شيئًا إنْ غَلَبَاهُ، فتَرَتْ عزيمتهما، وضَعُفَ حِرْصهما. ومعلوم أن هذا لا إعانة فيه على هذا العمل، ولا تقوية فيه للرعية، ولا هو أدى إلى تحصيل المال الباعث على العمل فالعقد بدونه أقرب إلى حصول ما يحبه الله تعالى ورسوله. قالوا: والوجود شاهد بذلك.

стр. 159

فصلٌ وأما القسم الثالث: وهو ما ليس فيه مضرة راجحة، ولا هو أيضًا متضمن لمصلحة راجحة يأمر الله تعالى بها ورسوله ﷺ ، فهذا (١) لا يحرُمُ ولا يُومَرُ به، كالصراع، والعَدْو، والسباحة، وشيل الأثقال، ونحوها. فهذا القسم رخَّص فيه الشارع بلا عِوَض، إذ ليس فيه مفسدة (٢) راجحة، وللنفوس به (٣) استراحةٌ وإجمامٌ، وقد يكون مع القَصْد الحَسَن (٤) عملًا صالحًا، كسائر المباحات التي تصير بالنية طاعات، فاقتضت حكمة الشرع الترخيص فيه، لِمَا يحصل فيه من إجمام النفس وراحتها، واقتضت تحريم العِوَض فيه، إذ لو أباحته بِعوَض؛ لاتَّخذته النفوس (٥) صناعةً ومكسبًا، فَالْتَهَتْ به عن كثيرٍ من مصالح دينها ودُنياها. فأما إذا كان لعبًا محضًا ولا مكسب فيه؛ فإن النفس (٦) لا تؤثره على مصالح دينها ودنياها، ولا تؤثره عليها إلا النفوس (٧) التي خُلِقت

стр. 160

للبطالة. * قالوا: وبهذا التقسيم، تتبيّن (١) حكمة الشرع في إدخاله السَّبَقَ في الخُفِّ والحافر والنصل، ومنعه فيما عداها، وتبيّن (٢) به أن الدخيل لا مصلحة فيه للمتسابقين ألبتة. * قالوا: وأيضًا، فالشرع مبناه على العدل؛ فإن الله تعالى أرسل رسله، وأنزل كتبه؛ ليقوم الناس بالقسط، وقد حرَّم الله سبحانه الظلم على نفسه، وجعله محرَّمًا بين عباده، والعقود كلُّها مبناها على العدل بين المتعاقدين: عقود المعاوضات والمشاركات، جائزها ولازمها، وإذا كان مبنى العقود (٣) على العدل من الجانبين، فكيف يوجب في عقد من العقود أن يبذل أحد (٤) المتعاقدين وحده دون الآخر، وكلاهما في العمل والرغبة سواء، وكل واحد (٥) منهما راغب في السبق والكسب، فما الذي جوَّز البذل لأحدهما دون الآخر؟! * قالوا: وأيضًا، فالمحلِّل كأحدهم في العمل والرغبة، فما الذي أوجب عليهما بذل ماليهما إن سبقهما، وحرَّم عليه وعليهما أن يبذل (٦) ماله لهما إن سبقاه، مع تساويهم في العمل من كل وجه، فأي قياسٍ،

стр. 161

أو أي نظرٍ، وأيّةُ حكمةٍ، وأية (١) مصلحةٍ توجب ذلك؟! * قالوا: بل دخول المحلِّل بينهما يضرُّهما ولا ينفعهما، فهو لم يزدهما إلا ضررًا؛ فإنه إن سبقهما أكل مالهما، وإن سبقاه لم يأكلا منه شيئًا، وأما إذا لم يُدْخِلاه، فأيهما (٢) سبق صاحبه أخذ ماله، وإن لم يسبق أحدهما الآخر أحرزَ كلُّ واحد منهما مال نفسه، وهذا أعدل؛ لأن الغالب يأخذ بعمله، والمغلوب يغرم؛ لأنه بذل المال لمن يغلبه، وأما المحلِّل، فإنه إن كان غالِبًا غَنِم، وإن كان مغلوبًا سَلِم، وصاحب المال إن كان مغلوبًا غَرِم. * قالوا: فمقتضى القياس فساد العقد بالمحلِّل. * قالوا: وأيضًا، فالمحلِّل عندكم على خلاف القياس، وإنما احتملتموه للضَّرورة، حتى قال أبو الحسن الآمدي (٣): "لا يجوز أكثر من محلِّل واحد، ولو كانوا مئة". * قالوا: لأن الحاجة اندفعت به، ولو كان هذا المحلِّل مقصودًا، وللعقد به مصلحة، لم يكن على خلاف القياس، وكان كأحد الحزبين. * قالوا: ومن المعلوم أن المحلِّل غير مقصود بالعقد، وإنما المقصود صاحباه، فأنتم جعلتُم المحلِّل الذي لم يُقْصَد بهذا (٤) العقد

стр. 162

أحسن حالًا من صاحبيه المقصودَيْن بالعقد، وهل هذا (١) الأمر إلا بالعكس أولى، فإن رعاية جانب الباذِلَيْن المقصودَيْن بالعقد أحقُّ من رعاية جانب هذا المحلِّل الذي هو غير مقصود ولا باذل، فالمحلِّل له منفعة على تقديرين، وسلامة على تقدير، وأما الآخران، فلكلٍّ منهما منفعة على تقدير، ومضرَّة على تقدير، فهو أحسن حالًا منهما، فيلحق بهما من (٢) المضرة وقلة الانتفاع ودخول ثالث يأكل (٣) مالهما؛ ما لم يحصل للمحلِّل الذي هو دخيل غير مقصود، فخصَّصتُم بالمضرة المقصود الذي حضَّه النبيُّ ﷺ على الركوب والرمي، وخصصتُم بزوالها وزيادة النفع هذا العارية الذي هو غير مقصود. قالوا: وهذا يتضمن أمرين: أحدهما: خروج هذا العقد عن الإنصاف الذي هو مدار العقود، فكيف يَشْرَع الشارع الحكيم في العقود ما يكون منافيًا للعدل، ويحرِّم ما يكون موجبَ العدل ومقتضاه؟! الثاني: أن يجعل الراغب في العمل المحبوب لله ولرسوله، المريد للرمي والركوب، ليستعين به على الجهاد = أسوأ (٤) حالًا من هذا الدَّخيل الذي لم يبذل شيئًا، إنما دخل عاريَّةً، فجعلتموه مراعىً

стр. 163

جانبه، منظورًا في مصلحته، معرَّضًا للكسب، مصانَ الجانب من الخسران، وليس صاحباه بهذه المنزلة (١). * قالوا: ومن تأمل مقاصد الشرع، وما اشتمل عليه من الحكم والمصالح، عَلِمَ أنَّ الأمر بالعكس أولى. * قالوا: وأيضًا، فالعاقل لا يبذل الجُعل إلا لعمل هو (٢) مقصودٌ له، لا يبذله فيما هو مكروهٌ إليه، فيبذله لنفعٍ هو يعود عليه، كخياطة ثوبه، وبناء داره، وردِّ عبده. أو نفع غيره، كفداء أسير، أو عتق عبد، أو خلع امرأة، فهذان غرضان مطلوبان، فإذا بذل أجنبيٌّ السَّبَق لمن سبق؛ كان قد بذل ماله لغرض مقصود له، وهو (٣) الإعانة على القوة في سبيل الله، فإذا بذله أحد المتسابقين، جاز لهذا المقصود، فكيف يُقال: يجوز أن يبذل الجُعل بشرط أن يكون مسبوقًا مغلوبًا، وأنه إن كان سابقًا لا يحصل له شيء، ولا يجوز أن يبذله إذا كان مسبوقًا، وإن كان سابقًا حصل له شيء؟! بيان ذلك أنه إذا كان المُخْرِجُ أحدهما،، كان مقتضى العدل (٤) من الباذل أنه لا يجوز له بذله إلا بشرطين: أحدهما: خروج السَّبَق عنه إن كان مغلوبًا.

стр. 164

الثاني: أنه لا يأخذ شيئًا إذا كان غالبًا. وإذا أخرجا معًا كان مقتضى العقل (١) أنه يبذله إذا كان مغلوبًا، ويأخذ إذا كان غالبًا، فقد جوَّزتم بذل الجُعل في الحال الذي لا ينتفع بها الباذِل، ومنعتم بذله في الحال التي يرجو (٢) فيها انتفاعه، فجوَّزتم بذله في عقد لا ينتفع به، ومنعتم بذله في عقد هو بصدد الانتفاع به، ومن المعلوم أن ما منعتموه أولى بالجواز مما جوَّزتموه، وأن ما شرطتموه للحل هو أولى أن يكون مانعًا من الحل أقرب (٣). * قالوا: وأيضًا، فإن كان أحدهما يأكل مال الآخر بالباطل إذا أخرجا معًا بدون المحلِّل؛ فأكل المحلِّل مالهما بالباطل أولى وأحرى. بيانه: أن أحدهما إنما يأكل مال الآخر إذا كان غالبًا له، فيأكله بالجهة التي يأكل بها الآخر ماله بعينها، مع تساويهما في البذل، والغُنْم، والغُرْم، والعمل. وأما المحلل، فإنه يأكل مالهما إن سبقهما، ولا يأكلان له شيئًا إنْ سبقاه، فلا يأكل واحد منهما ماله (٤) إذا كان مغلوبًا، ويأكل مالهما إذا كان غالبًا، فإن لم يكن هذا أكلًا للمال بالباطل، فالصورة التي منعتموها أولى أن لا تكون أكلًا بالباطل، وإن كانت تلك متضمنة للأكل بالباطل، فهذا أولى.

стр. 165

وهذا مما لا جواب عنه. * قالوا: وأيضًا، فإذا أخرجا معًا، كان كل منهما له مثل ما للآخر، وعليه مثل ما عليه، ورجاؤه وخوفه كرجاء الآخر وخوفه، وهذا هو العدل المحض، فهما كشريكي العِنَان (١) والشريكين في المساقاة (٢) والمزارعة (٣) والمضاربة (٤) ولهذا حرَّم الشارع أن يختصَّ أحدهما عن الآخر بزرعِ (٥) بقعةٍ بِعَيْنِهَا، أو ثمرة شجرة بعينها، والمضارب لا يجوز أن يختصَّ بربح سلعة بعينها، بل يكونان سواء في المغنم والمغرم. وإنما جُوِّز أن يكون البذل من أحدهما؛ لأنه يلتحق بالجِعَالة عندكم. وهذه الجِعَالة العمل فيها مقصود وحينئذ فيقال: إذا أخرجا

стр. 166

معًا، كان غايته أنه جِعَالة من الطرفين، فلا يمتنع (١) جوازه. وإذا علم هذا، فإذا أخرجا (٢) معًا كان أقرب إلى عقود المعاوضات والمشاركات مما إذا أخرج أحدهما؛ لأنهما قد اشتركا في العمل، والاشتراك في العمل يقتضي الاشتراك في بذل الجِعَالة، بخلاف ما إذا أخرج أحدهما و (٣) انفرد الباذل بالمال والعامل بالعمل؛ فإنهما (٤) هناك لم يشتركا في العمل، فهو نظير ما إذا بذل السَّبَق أجنبيٌّ لم يدخل معهما. * قالوا: وأيضًا؛ فلو (٥) كان تحريم هذا العقد الذي أخرج فيه المتعاقدان كلاهما من غير محلِّل لما فيه من المخاطرة بين المغنم والمغرم = للزم طَرْدُ ذلك، فيحرم كل عقد تضمَّن مخاطرة بين الغُنْم والغُرْم (٦)، وكان يلزم تحريم الشركة؛ فإن كل واحد من الشريكين إما أن يغرم وإما أن يغنم. فإن قلتم: بل (٧) ها هنا قسم ثالث، وهو أن يسلم فلا يغنم ولا يغرم؛ كان جوابكم من وجهين:

стр. 167

أحدهما: أن السابق كذلك (١)، قد يسلم أيضًا، فلا يَسبِق ولا يُسْبَق. الثاني: أن احتمال هذا القسم لا يزيل المخاطرة، بل كانت مخاطرة بين أمرين، فصارت بين ثلاثة. * قالوا: وأيضًا، فإذا أخرج أحدهما دون الآخر، كان آكل المال في هذا العقد آكلًا بوجه يحبُّه الله ورسوله، وهو تَعَلُّم ما يحبُّه من الرمي والإصابة والفروسية، فإذا اشتركا في الإخراج، فكلُّ منهما إما مُعينٌ أو مُعانٌ على تحصيل هذا المحبوب المرضِيِّ لله، فكل واحد (٢) منهما يأكل بالجهة التي يأكل بها صاحبه، فجهة أكل المال جهة واحدة، فإن حرم أكله في صورة اشتراكهما في الإخراج، حَرُم في صورة الانفراد، وإن أُبيح في صورة الانفراد، لزم إباحته في صورة الاشتراك، إذ لا فرق بينهما يقتضي جعل إحدى الصورتين من المباح، بل من المستحب الذي يحبُّه الله تعالى ورسوله ﷺ ، والثاني (٣) من القمار والميسر الذي يبغضه الله تعالى ورسوله!! فيالله العجبُ، أي معنى وأي حكمة فرَّقت بينهما هذا الفُرْقان، مع أنهما أخوان شقيقان؟! * قالوا: ويوضحه أن الغالب إنما يأكل المال بغَلَبِه، وهذه العلَّة

стр. 168

بعينها موجودة فيما إذا أخرجا معًا، فيجب طرد الحكم لاطِّراد عِلَّته. قالوا: ويوضِّحه أن المانع من طَرْد الحكم منتفٍ، لِمَا تقدَّم، والمقتضي موجود، فيجب القول بالمقتضي السالم عن المعارض المقاوم. * قالوا: وأيضًا (١)، فإذا كانت علة التحريم لاشتراكهما في الإخراج هي المخاطرة، لزم فساد العلة لتخلف الحكم عنها في صورة المحلل، وحينئذ فيقال: ليس الحكم لفساد التخلف المذكور مع المحلل أولى من اعتبارها للأقتران مع عدمه. * قالوا: وأيضًا فتأثير المحلل إما أن يكون في رفع السبب المقتضي للتحريم، أو في رفع الحكم وهو التحريم مع قيام سببه، كالرخصة في أكل الميتة والدم ولحم الخنزير للمضطر، وكلاهما باطل. أما الأول: فإن السبب المحرِّم عندكم هو المخاطرة، وهي لم تَزُل بالمحلل. وأما الثاني: فكذلك أيضًا، إذ هو مستلزم تخلُّف الحكم عن علته مع قيام الوصف الذي جعلها مؤثرة. فإن قلتم: العقد بالمحلل يصير من باب المعاوضات ومخرج من شبه القمار، فجوابكم من وجهين:

стр. 169

أحدهما: أن هذا الفرق بعينه حجة عليكم، فإنه إذا صار العقد به من عقود المعاوضات، بل إذا تعاقد الجاعلان وبذل كل منهما جُعْلًا لمن يعمل مثل عمله، جاز بلا محلل اتفاقًا. الثاني: أنه يلزمكم إخراج السبق منهما بمحلل في سائر الأعمال المباحة: كالمسابقة على الأقدام والسباحة والكتابة والخياطة والنجارة وسائر الصناعات المباحة، فإن المحلل إذا جعل العقد من باب الجِعَالات الجائزة هناك، فلِمَ لا يجعله من الجِعَالات الجائزة هنا؟ وما الفرق؟ وهذا في غاية الظهور. * قالوا: وأيضًا، فدخول المحلل إما أن يكون ليحل السبَق لنفسه أو لغيره وكلاهما باطل: أما الأول: فظاهر البطلان، فإنه لم يدخل إلا لأجلهما لئلّا يكون عقدهما قمارًا عندكم، وقد صرَّح جمهور المشترطين بأنه لم يدخل ليحل السبق لنفسه، ووهَّنوا زَعْم مَنْ زَعَم ذلك، وأبطلوه. وهو كما قالوا، لأنه إما أن يكون إحلالُه السبق لنفسه لأجل مجيئه سابقًا، أو لعدم إخراجه، فإن كان إحلاله لسَبَقه، فالسَّبَق حينئذ هو المقتضي للحل، فمن أسعده (١) الله تعالى بسبقه (٢)، فمن تمام السعادة (٣) تخصيصه برزقه، فلا أثر للمحلِّل ألبتة.

стр. 170

وإن كان إنما يحلُّه لنفسه لعدم إخراجه، فيقال: إذا حَلَّ (١) له السَّبَق مع عدم بذله؛ فلأن يَحِلُّ للباذل أولى وأحرى؛ لأن بذل الباذل زيادةُ إحسانٍ وخير، فلا يكون سببًا لحرمانه، ويكون ترك بذل هذا سببًا لأخذه وفوزه، فكيف (٢) يَحْرُم على الباذل المحسن، ويَحِلُّ للمستعار الذي لم يبذل. وهل يدلُّ الشرع والعقل - نعم (٣) - والاعتبار، إلا على عكس ذلك؟! * قالوا: وأيضًا، فبدخول (٤) المحلِّل، إما أن يُقال: زالت (٥) المخاطرة المقتضية للتحريم، أو بقيت على حالها، أو ازدادت. والأول: محالٌ؛ لأنها كانت بين أمرين، فصارت بين ثلاثة كما تقدم. والثاني: يقتضي عدم اشتراط المحلِّل. والثالث: يقتضي بطلانه. وهذا واضح، لا يحتاج إلى تأمل. قالوا: وأيضًا، فكل منهما بدون المحلِّل كان يتوقع غرامة ماله

стр. 171

لواحدٍ فقط، وهو خصمه، فإذا دخل المحلل (١) صار متوقّعًا لغرامته للآخر، أو للمحلِّل أو لهما، فكيف يقال: يجوز العقد الذي يتوقع فيه غرامة ماله لهذا وحده، ولهذا وحده، ولهما معًا، ويحرم العقد الذي إنما يتوقَّع فيه غرامته لواحد فقط؟!. ومن المعلوم أنَّ وقوع قسم من ثلاثة أقرب من وقوع واحد بعينه، فتكون جهات غرامة كل منهما مع المحلِّل ضعفي جهة غرامته بدونه. فكيف يُباح هذا ويحرم ذاك؟! وهل كان ينبغي إلا العكس؟! * قالوا: وأيضًا، فإذا كان لا يجوز لأحدهما أن يأخذ مال الآخر إذا اشتركا في الإخراج، ويكون أكل المال منه (٢) أكلًا بالباطل، فكيف يجوز لكلٍّ منهما أكل مال الآخر إذا دخل هذا الدَّخيل المستعار، ويكون الأكل به أكلًا بحقٍّ، مع أنهما لم يستفيدا به إلا أكلَهُ مالَهما وحصولَهُما على الحرمان، وإن غلباه لم يفرحا بغلبه، فإذا دخل بينهما من يأكل مالهما ولا يعطيهما شيئًا تجوِّزون العقد به؟! وإذا خلوا منه، وتناصفا في الإخراج، وتساويا في العمل، وانتظر كل منهما ما يخرج له به القدر = (٣)؛ حرَّمْتُموه؟! * قالوا: وأيضًا، فإذا أخرجا معًا، كان كل منهما معطيًا آخذًا، فإذا دخل بينهما هذا الثالث، دخل من يكون آخذًا لا معطيًا، فإن كان

стр. 172

أكله السبق على هذا الوجه أكلًا بحق؛ فأكلُ من يكون معطيًا آخذًا أحلُّ منه، فكيف يقال: إن من يأخذ ولا يعطي يستحق، ومن يأخذ ويعطي لا يستحق، مع استوائهما في العمل؟! * قالوا: وأيضًا، فإذا أخرجا معًا، فأكل المال في هذه الصورة: إما أن يكون بحقٍّ أو بباطل. فإن كان بحقٍّ، فلا حاجة في جوازه إلى المحلِّل. وإن كان أكلًا بباطل، فدخول المحلِّل لا يجعله أكلًا بحق؛ فإن المحلِّل لم يُزِلِ السبب الذي كان أكل المال به (١) بدونه باطلًا، كما تقدَّم. * قالوا: وأيضًا، فإذا سبق المحلِّل مع أحدهما، فإما أن يقولوا: يختصُّ المحلل بسبق الآخر، أو يشترك هو والسابق. والأول: ممتنع؛ لأنهما قد اشتركا في السبق، واستويا في العمل، فتخصيص المحلِّل بالسبق مع تساويهما في سببه ظلم. وإن قلتم: يشتركان فيه، لزمكم المحذور التي فررتُم منه؛ لأن كل ما ذكرتُم فيما إذا لم يكن بينهما محلِّل؛ فهو ها هنا بعينه؛ لأن (٢) الاثنين لما سبقا الثالث صارا بمنزلة الواحد الذي سبق الآخر، ولهذا اشتركا في سبقه، فإن لم يكن في هذا محذور؛ لم يكن في الصورة التي منعتموها محذورٌ، وإن كان في صورة المنع محذورٌ؛ فها هنا مثله ولا فرق. فإن كان عندكم فرق فأبدوه لنا، فإنا من وراء القبول له إن

стр. 173

كان فرقًا مؤثِّرًا، ومن وراء الرد إن كان غير مؤثِّر. * قالوا: وأيضًا، فكلما زادت المخاطرة بدخول المحلِّل في أقسام الغُنْم والغُرْم؛ زادت أيضًا بالنسبة إلى المتسابقَيْن؛ فإنهما إذا كانا اثنين فقط، فمخاطرة كل واحد منهما مع اثنين: مع قِرْنِهِ، ومع المستعار الدخيل، وقد كان قبل المحلِّل كل منهما بصدد الغُنْم إذا غلب واحدًا فقط، وبدخول المحلِّل لا يغنم حتى يغلب اثنين، ولا ريب أن المخاطرة كلما كانت أقل، كانت أولى بالجواز. وكيف يكون العقد الذي زادت مخاطرته هو الحلال الجائز، والذي هو أقل مخاطرة منه وأقرب إلى تحصيل مقصود الشارع والمتراهِنَيْن = هو الحرام الممتنع؟! هذا مما لا تأتي به الشريعة الكاملة. * قالوا: وأيضًا، فحِلُّ المال يستدعي طيب نفس باذله به (١)؛ فإنه: "لا يحلُّ مال امرئ مسلم؛ إلا عن طيب نفس منه" (٢)،

стр. 174

والمتراهنان إذا دخل بينهما محلِّل يأخذ ولا يعطي، لم تطب أنفسهما ولا تسمح له ببذل المال، لأنه كاسب غير غارم، وهو عارِيَّة بينهما دخيلٌ لم ينتفعا به، بل تضرُّرهما به هو (١) الواقع، وهذا موجود في نفوس المسابقين، لا يحتملان المستعار؛ إلا على كره ونفرة، ويريان دخوله غير مستحسن. * قالوا: وأيضًا فنفرة الطباع منه وعدم استحسان العقلاء لدخوله يدلُّ على أنه غير حسن عند الله؛ فإنَّ كلَّ ما هو حَسَنٌ عند الله ورسوله فالعقلاء تستحسنه (٢) طباعهم، وتشهد بحسنه وملاءمته لقضيَّات (٣) العقول، ولا سيما إذا ظهرت لها مصلحة. * قالوا: وما يبيِّن أن العقد بدون المحلِّل أحلُّ منه بالمحلِّل وأولى بالجواز: أن المسابقة والمناضلة هي (٤) من باب الاستعداد للجهاد،

стр. 175

فإذا تعلَّم الناس أسبابه وتدرَّبوا فيها وتمرَّنوا عليها قبل لقاء العدو = ألفاهم ذلك عند اللقاء قادرين على عدوهم، مستعدِّين للقائه، وكل من المتسابقين والمتناضلين يريد أن يغلب صاحبه كما يريد المقاتل أن يغلب خصمه، فهو يتعلَّم غَلَبة صاحبه، ليتوصل (١) إلى غلبة عدوه. وهذا كجدل (٢) المتناظرين في العلم؛ فإن أحدهما يورِد على صاحبه من الممانعات (٣)، والمعارضات، وأنواع الأسئلة ما يرد على الآخر جوابه، ليعرف الحق في المسألة، فإذا جادله مبطلٌ، كان مستعدًّا لمجادلته بما تقدَّم له من المناظرة مع صاحبه (٤). ف المناظرة في العلم نوعان: أحدهما: للتمرين (٥) والتدرُّب على إقامة الحجج ودفع الشبهات. والثاني: لنصر الحق، وكسر (٦) الباطل. والأول: يشبه السباق والنضال، والثاني: يشبه الجهاد وقتال

стр. 176

الكفار. قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنعام: ٨٣]. قال مالك: "قال زيد بن أسلم: بالعلم" (١). فعِلْمُ الحجة يرفع درجة صاحبه؛ فإن العلم بالحجج، والقوة على الجهاد، مما رفع الله تعالى به درجات الأنبياء وأتباعهم؛ كما قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥)﴾ [ص: ٤٥]. فالأيدي: القُوَى التي يقدِرون بها على إظهار الحق، و (٢) أمر الله، وإعلاء كلمته، وجهاد أعدائه. والأبصار: البصائر في دينه، ولهذا يسمِّي الله سبحانه الحُجَّة سلطانًا. قال ابن عباس: "كل سلطان في القرآن فهو الحجة" (٣)، كما قال

стр. 177

الله تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧)﴾ [الصافات: ١٥٦ - ١٥٧]، وقال الله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥)﴾ [الروم: ٣٥]، وهذا لأن الحجة تسلِّط صاحبَها على خصمه، فصاحب الحُجَّة له سلطان وقدرة على خصمه (١)، وإن كان عاجزًا عنه بيده. وهذا هو أحد أقسام النُّصرة التي ينصر (٢) الله تعالى بها رسله والمؤمنين في الدنيا؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]. فإذا كانت المسابقة شُرِعت ليتعلم المؤمن القتال، ويتعوَّده، ويتمرَّن عليه، فمن المعلوم أن المجاهد قد يقصد دفع العدو إذا كان المجاهد مطلوبًا والعدو طالبًا، وقد يقصد الظَّفَر بالعدو ابتداءً إذا كان طالبًا والعدو مطلوبًا، وقد يقصد كلا الأمرين، فالأقسام ثلاثة يؤمر المؤمن فيها بالجهاد. وجهاد الدَّفع أصعب من جهاد الطلب، فإن جهاد الدفع يشبه باب دفع الصائل، ولهذا أُبيح للمظلوم أن يدفع عن نفسه.

стр. 178

كما قال الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩]، وقال النبي ﷺ : "من قُتِل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتِل دون دمه فهو شهيد" (١). لأنّ دفع الصائل عن (٢) الدين جِهَاد وقُرْبة، ودفع الصائل عن المال والنفس مباحٌ ورخصة، فإن قُتِل فيه، فهو شهيد (٣).

стр. 179

فقتال الدفع أوسع من قتال الطلب وأعمُّ وجوبًا، ولهذا يتعيَّن على كلِّ أحدٍ (١) يجاهد فيه: العبد بإذن سيده وبدون إذنه، والولد بدون إذن أبويه، والغريم بغير (٢) إذن غريمه، وهذا كجهاد المسلمين يوم أحد والخندق. ولا يشترط في هذا النوع من الجهاد أن يكون العدو ضِعْفَي المسلمين فما دون؛ فإنهم كانوا يوم أحد والخندق أضعاف المسلمين، فكان الجهاد واجبًا عليهم؛ لأنه حينئذ (٣) جهاد ضرورة ودفع، لا جهاد اختيار، ولهذا تُباح فيه (٤) صلاة الخوف بحسب الحال في هذا النوع (٥)، وهل تُباح في جهاد الطلب إذا خاف فوت العدو ولم يخف كرَّته؟ فيه قولان للعلماء هما روايتان عن الإمام أحمد (٦). ومعلوم أن الجهاد الذي يكون فيه الإنسان طالبًا مطلوبًا، أوجبُ من هذا (٧) الجهاد الذي هو فيه طالب لا مطلوب، والنفوس فيه أرغب (٨) من الوجهين.

стр. 180

وأما جهاد الطلب الخالص، فلا يرغب فيه إلا أحد رَجُلين: إما عظيم الإيمان يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كلُّه لله، وإما راغبٌ في المغنم والسَّبي. فجهاد الدفع يقصده كل أحد، ولا يرغب عنه (١) إلا الجَبَان المذموم شرعًا وعقلًا، وجهاد الطَّلَب الخالص لله يقصده سادات المؤمنين، وأما الجهاد الذي يكون فيه طالبًا مطلوبًا، فهذا يقصده خيار الناس؛ لإعلاء كلمة الله تعالى ودينه، ويقصده أوساطهم للدفع ولمحبة الظَّفر (٢). فصل (٣) فإذا تبيَّن هذا في الغايات، وهي الجهاد، فمثله في الوسائل، وهي المسابقة والمناضلة؛ فإنَّه من المعلوم أنَّه (٤) إذا كان الرهن من أحد الجانبين، كان غاية مقصود باذله أن يَسْلَم، فيكون حرصه من باب حرص الدافع لا الطالب؛ فإنه لا يحصُل له من (٥) الآخر شيءٌ، ومقصود الآخر من جنس مقصود الطالب، فجهاد الأول (٦) جهاد دفع، وجهاد هذا جهاد طلب.
следующие страницы →