← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 18169

الفروسية المحمدية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (530 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الكفار. قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنعام: ٨٣]. قال مالك: "قال زيد بن أسلم: بالعلم" (١). فعِلْمُ الحجة يرفع درجة صاحبه؛ فإن العلم بالحجج، والقوة على الجهاد، مما رفع الله تعالى به درجات الأنبياء وأتباعهم؛ كما قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥)﴾ [ص: ٤٥]. فالأيدي: القُوَى التي يقدِرون بها على إظهار الحق، و (٢) أمر الله، وإعلاء كلمته، وجهاد أعدائه. والأبصار: البصائر في دينه، ولهذا يسمِّي الله سبحانه الحُجَّة سلطانًا. قال ابن عباس: "كل سلطان في القرآن فهو الحجة" (٣)، كما قال

стр. 177

الله تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧)﴾ [الصافات: ١٥٦ - ١٥٧]، وقال الله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥)﴾ [الروم: ٣٥]، وهذا لأن الحجة تسلِّط صاحبَها على خصمه، فصاحب الحُجَّة له سلطان وقدرة على خصمه (١)، وإن كان عاجزًا عنه بيده. وهذا هو أحد أقسام النُّصرة التي ينصر (٢) الله تعالى بها رسله والمؤمنين في الدنيا؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]. فإذا كانت المسابقة شُرِعت ليتعلم المؤمن القتال، ويتعوَّده، ويتمرَّن عليه، فمن المعلوم أن المجاهد قد يقصد دفع العدو إذا كان المجاهد مطلوبًا والعدو طالبًا، وقد يقصد الظَّفَر بالعدو ابتداءً إذا كان طالبًا والعدو مطلوبًا، وقد يقصد كلا الأمرين، فالأقسام ثلاثة يؤمر المؤمن فيها بالجهاد. وجهاد الدَّفع أصعب من جهاد الطلب، فإن جهاد الدفع يشبه باب دفع الصائل، ولهذا أُبيح للمظلوم أن يدفع عن نفسه.

стр. 178

كما قال الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩]، وقال النبي ﷺ : "من قُتِل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتِل دون دمه فهو شهيد" (١). لأنّ دفع الصائل عن (٢) الدين جِهَاد وقُرْبة، ودفع الصائل عن المال والنفس مباحٌ ورخصة، فإن قُتِل فيه، فهو شهيد (٣).

стр. 179

فقتال الدفع أوسع من قتال الطلب وأعمُّ وجوبًا، ولهذا يتعيَّن على كلِّ أحدٍ (١) يجاهد فيه: العبد بإذن سيده وبدون إذنه، والولد بدون إذن أبويه، والغريم بغير (٢) إذن غريمه، وهذا كجهاد المسلمين يوم أحد والخندق. ولا يشترط في هذا النوع من الجهاد أن يكون العدو ضِعْفَي المسلمين فما دون؛ فإنهم كانوا يوم أحد والخندق أضعاف المسلمين، فكان الجهاد واجبًا عليهم؛ لأنه حينئذ (٣) جهاد ضرورة ودفع، لا جهاد اختيار، ولهذا تُباح فيه (٤) صلاة الخوف بحسب الحال في هذا النوع (٥)، وهل تُباح في جهاد الطلب إذا خاف فوت العدو ولم يخف كرَّته؟ فيه قولان للعلماء هما روايتان عن الإمام أحمد (٦). ومعلوم أن الجهاد الذي يكون فيه الإنسان طالبًا مطلوبًا، أوجبُ من هذا (٧) الجهاد الذي هو فيه طالب لا مطلوب، والنفوس فيه أرغب (٨) من الوجهين.

стр. 180

وأما جهاد الطلب الخالص، فلا يرغب فيه إلا أحد رَجُلين: إما عظيم الإيمان يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كلُّه لله، وإما راغبٌ في المغنم والسَّبي. فجهاد الدفع يقصده كل أحد، ولا يرغب عنه (١) إلا الجَبَان المذموم شرعًا وعقلًا، وجهاد الطَّلَب الخالص لله يقصده سادات المؤمنين، وأما الجهاد الذي يكون فيه طالبًا مطلوبًا، فهذا يقصده خيار الناس؛ لإعلاء كلمة الله تعالى ودينه، ويقصده أوساطهم للدفع ولمحبة الظَّفر (٢). فصل (٣) فإذا تبيَّن هذا في الغايات، وهي الجهاد، فمثله في الوسائل، وهي المسابقة والمناضلة؛ فإنَّه من المعلوم أنَّه (٤) إذا كان الرهن من أحد الجانبين، كان غاية مقصود باذله أن يَسْلَم، فيكون حرصه من باب حرص الدافع لا الطالب؛ فإنه لا يحصُل له من (٥) الآخر شيءٌ، ومقصود الآخر من جنس مقصود الطالب، فجهاد الأول (٦) جهاد دفع، وجهاد هذا جهاد طلب.

стр. 181

وإذا كان الرهن من كل واحد منهما؛ صار سباق كل واحد سباق طالب مطلوب، وهو نظير جهاد الطالب للمطلوب، فتكون الرغبة والحرص على السبق أقوى؛ لاجتماع السببين (١)، بخلاف سباق المطلوب فقط، أو الطالب فقط (٢). فكيف يحرم هذا الذي هو من أعظم الأسباب المقتضية لمصلحة المسابقة، ويُباح ما هو دونه في تحصيل هذه المصلحة؟! فليتدبَّر المنصفُ هذا، ثم إلى إنصافه التحاكم، وإلى عدله التخاصم، وبالله تعالى التوفيق. * قالوا: وأيضًا، فمبنى هذا العقد على استواء الحزبين، فلا يجوز أن يُقوَّى أحدهما على الآخر؛ لما فيه من مزيد إعانة له على الحزب الآخر، ولهذا نهى النبي ﷺ عن الجَلَب والجَنَب في السِّباق (٣). فالجَلَب: أن يَصِيْح بفرسه في وقت السباق هو أو غيره، ويزجره زجرًا يزيد معه في شأْوه (٤). وإنما العدل أن يركضا بتحريك اللجام، والاستحثاث بالسوط والمهماز وما في معناهما، من غير إجلابٍ بالصوت. هذا تفسير الأكثرين.

стр. 182

وقيل: هو أن يجتمع قومٌ، فيصطفُّوا وقوفًا (١) من الجانبين، ويزجروا الخيل، ويصيحوا بها، فنُهوا عن ذلك. والحديث يعمُّ القسمين. وأما الجَنَب؛ ففيه تفسيران: أحدهما: - وهو تفسير أكثر الفقهاء (٢) - أن يجنب المسابق مع فرسه فرسًا يحرِّضه على الجري، قال أحمد بن أبي طاهر (٣): وإذا تكاثَر في الكَتِيْبَةِ أَهْلُهَا … كُنْتَ الَّذي يَنْشَقُّ عَنهُ المَوْكِبُ وأتيْتُ تَقْدمُ مَنْ تقدَّم مِنْهُمُ … وورَا ورائِكَ قَدْ أَتَى مَنْ يَجْنُبُ (٤) والتفسير الثاني: أنهم كانوا يجنبون الفرس حتى إذا قاربوا الأمد، تحوَّلوا عن المركوب الذي قد (٥) كدَّه الركوب إلى الفرس المجنوب،

стр. 183

فأبطل النبيُّ ﷺ ذاك. ذكره الخطابي وغيره (١). وفي "موطأ القعنبي" (٢): سُئِلَ مالك عن قول رسول الله ﷺ "لا جلب ولا جنب": ما تفسير ذلك؟ فقال: "بلغني ذلك، وتفسيره: أن يجلب وراء الفرس حتى يدنو من الأمد، ويحرِّك وراءه الشيء، يستحثُّ به ليسبق، فذلك الجلب. والجَنَب: أن يجنب مع الفرس الذي يسابق به فرسًا آخر، حتى إذا دنا، تحوَّل راكبه على الفرس المجنوب". والمقصود أنه نهى عن تقوية أحد الحزبين بما يكون فيه (٣) مزيد إعانة له على الآخر؛ لما فيه من الظلم. فإذا كان الإخراج من أحدهما، كان فيه تقوية للمبذول له دون الباذل، وهذا مأخذُ من لم يجوِّز البذل إلا من أجنبي، فأما إذا كان الإخراج منهما، لم يكن في ذلك تقوية لأحدهما على الآخر، فهو أولى بالجواز.

стр. 184

* قالوا: وأيضًا، فالأجنبيُّ إذا بذل الجُعل لأحدهما إن غَلَب، ولم يبذله للآخر إن غَلَب، لم يجز ذلك؛ لما فيه من الظلم، فإن الآخر يقول: إن سبقتُ لم آخذ شيئًا، وخصمي إن سبق أخذ. وهذا بعينه موجود فيما إذا كان البذل من أحدهما، فإن الباذل يقول: إن سبقتُ لم آخذ، وقريني (١) إن سبق أخذ. وذلك يُضْعِف هِمَّته. وهذا مأخذ من منع من فقهاء أهل المدينة هذه الصورة. وأما إذا بذله الأجنبيُّ لمن سبق منهما، تساويا في العمل والاستحقاق، ولهذا اتَّفق الناس على جواز هذه الصورة. وإذا عُرِف هذا، فهو نظير إخراجهما معًا، فكيف يكون إخراج السبق من أحدهما أولى من إخراجه منهما؟! بل إذا امتنع إخراج السبق من أحدهما؛ كان أولى (٢) بالعدل من منع إخراج السبق منهما، فإذا جوَّزتم إخراج السبق من أحدهما؛ فإخراجه منهما أولى بالجواز. وَنُكْتَةُ المسألة: أن الإخراج منهما أقرب إلى العدل، ومقصود العقد، وطيب نفس كل واحد منهما، وحرصه على الغلب، ممَّا (٣) إذا كان الإخراج من أحدهما، والواقع شاهد بذلك.

стр. 185

* قالوا: وأيضًا، فالسباق إنما يُقْصَد منه (١) التعليم والتدريب والتمرين (٢) على الفروسية والرمي، وليس المقصود منه أكل المال؛ كما يقصد في البيع والإجارة والجِعَالة؛ فإنه هناك لا قَصْد لأحدهما إلا المال، وهنا مقصود الشارع بِشَرْع هذا العقد العملُ لا المال، وإنما شُرِع فيه المال؛ لأنه أبلغُ في ترغيب (٣) النفوس فيه؛ لأنه متى كان الباعث على السِّبَاق الظَّفَر بالمال والغلبة، قويت فيه الرغبة، والمال لا يؤكل في هذا العقد إلا على وَجْه المُخَاطَرة، ومعلومٌ أن حصول هذا المقصود بدون المحلِّل أعظمُ منه إذا كان بينهما، وأن المخاطرة مع المحلِّل كالمخاطرة بدونه سواء أو أزيد، وهذا ضروريُّ التَّصوُّر، وهو مما لا يُستَراب فيه (٤)، فالمحلل دائر بين أمرين: إما أنه لا فائدة منه (٥)، وإما أن مصلحة السباق بدونه أتمّ، وأيهما كان؛ فهو مستلزمٌ لبطلان اشتراطه. * قالوا: وأيضًا، إذا كان الجُعل من أحد المتسابقين، فمقصوده منع الآخر من أخذ الجُعل، ودفعُه عنه، كأنه يقول: أنت لا تقدر على (٦) أن تغلبَني، وأنا أُبَيِّن عجزك بأن أبذل لك جُعلًا؛ لأقوِّي رهبتك

стр. 186

ورغبتك في أن تغلبني، وأنت مع ذلك عاجزٌ (١). وذلك أن الإنسان يترك الشيء: إما لعجزه عنه، وإما لعدم إرادته له، فمتى كان مريدًا له إرادة تامَّة، وقادرًا عليه قدرة تامَّة؛ لزم وجودُه قطعًا، فالقادر على أن يغلب غيره قد يريد ذلك لمجرَّد محبَّة النفس لإظهار القدرة والغلبة، وقد يريد ذلك لأخذ المال، فإذا اجتمع الأمران، كانت إرادته أبلغ، كما تقدَّم بيانه. فالجاعل يقول: أنا أُبيِّنُ أنك عاجز؛ لأني أبذل المال الذي أُحَرِّكُ به رغبتَك في القلب، مع ما في النفس من محبَّة ذلك، فأنت مع كمال رعْبتك عاجزٌ عنِّي، وعن مغالبتي، فأنا أقْدَرُ منك على هذا العمل. هذا مقصوده قطعًا، ليس مقصوده أن يبذل الجُعْل لمن يغلبه ويأخذ ماله؛ فإن عاقلًا لا يقصد هذا، بل (٢) يقصد منع الآخر ودفعه وتعجيزه. فلهذا البذل من أحدهما جائز لهذا المعنى؛ فَلأَنْ يجوز منهما بطريق الأولى والأحرى؛ لأن حصول هذا المعنى (٣) مع اشتراكهما في البذل أقوى منه عند انفراد أحدهما به. * قالوا: وأيضًا، فإن كان أكل المال إذا أخرجا معًا قمارًا حرامًا،

стр. 187

فالمحلل أكَّد أمْرَ (١) هذا القمار وقوَّاه وثبَّته، فلم يَخْرُجْ به هذا (٢) العقد عن القمار، لا صورة ولا معنى، ولا يظهر للناظر (٣) - بعد طول تأمُّله ونظره - لأيِّ معنى خَرَج به العقد عن كونه أكل مال بالباطل، وانقلب به العقدُ عن كونه عقد قمار وميسرٍ إلى كونه عقدَ جِعَالة أو إجارةٍ، فاستحالت به خَمْرة هذا العقد خَلًّا، وصار به حَرَامُه حِلًّا؟! وهل فرَّقت الشريعة العادلة بين متماثلين من غير معنى مفرِّق (٤) بينهما، أو جمعت بين متضادَّيْن؟! وهل حرَّمت عملًا لمعنى، ثم تبيحه مع قيام ذلك المعنى بعينه أو زيادته من غير أن تعارضه مصلحة راجحة؟! وهل زاد المستعار الدخيل هذا العقد إلا شرًّا؛ فإنه زاده مخاطرة، واقتضى نفرة طباع المتسابقين عنه، وأكله مالهما، وعدم إطعامهما شيئًا، وهو المراعى جانبُه، المنظور في مصلحته، وهو إما سالم وإما غانم؛ يُغْلَب فيسلم، ويَغْلِب فيغنم، والذي قد أخرج ماله، لَصِيق (٥) كبده، وشقيق روحه، يُغْلَب فيَغرم، ويَغْلِب صاحبَه فلا (٦) يدعه المحلِّل يفرح بغلَبِه، بل يشاطره المال؛ إن ساواه في سبق الآخر،

стр. 188

ويحرمه إياه بالكلية (١) إن سَبَقه فسَبَقَ خصمه، وغَرِمَ ماله، فلم يستفد بسَبْقِ قِرْنه إلا خسارة ماله، وكان هذا من بركة المحلِّل، فلولاه؛ لقرَّت عينُه بِسَبْقه، وفرحت به نفسه (٢)، وقويتْ رغبتُه في هذه المسابقة التي يحبُّها الله ورسوله. هكذا حال قِرْنه أيضًا معه، فالباذلان المتسابقان لهما غُرْم هذا العقد، وللمستعار غُنْمه، وهو بارد القلب منهما، وهما يعضَّان عليه الأنامل من الغيظ، وهو في هذا العقد: إما منتفع، وإما سالم من الضَّرر، مع كونه لم يخرج شيئًا، وكلُّ منهما: إما منتفع (٣) وإما متضرِّر، وإن انتفع، فهو بصدد أن ينغِّص عليه المحلِّل منفعته، هذا مع بذلهما!! فألحقتم بالباذلين من الشَّر والضرر والغَبْن ما نجَّيتم منه (٤) المستعار الذي هو دخيلٌ عليهما (٥) في المسابقة، وليس مقصودًا، مع أنه لم يبذل شيئًا. قالوا: وهل تأتي شريعةٌ بمثل هذا؟! وهل في الشريعة التي بهَرَت حكمتُها العقول مثل هذا؟!

стр. 189

وهل فيها رعايةُ جانب التَّابع المستعار الذي هو حرفٌ جاء لمعنى في غيره، وهو فَضْلةٌ في الإسناد، وإلغاءُ جانب المقصود الذي هو ركنٌ في (١) الإسناد، وهو الذي حضَّه النبي ﷺ على الركوب (٢) والرمي؟!. * قالوا: وفي هذا نوعان من الفساد: أحدهما: الخروج عن موجب الإنصاف الذي هو لازمٌ للشريعة (٣) الكاملة، دائرٌ معها؛ فإن مدارها على العدل بكل ممكن، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]. وقال الله تعالى لنبيِّه ﷺ : ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥]. الثاني: أن يُجْعَلَ المطيعُ لله ورسوله، الراغبُ فيما رَغَّب فيه النبيُّ ﷺ ، الذي يريد الرمي والركوب للاستعانة على الجهاد في سبيل الله، ويبذل الجُعل ليكون ذلك أعظم للرغبة وأشدَّ تحريضًا للنفوس على ما يحبُّه الله ورسوله = أسوأ حالًا من هذا المستعار الذي هو دخيل. بل هذا الدَّخيل مراعىً جانبه، منظورٌ في مصلحته، موفَّرٌ نصيبه من الأمن، محصَّنٌ في برج السلامة، مسلوكٌ به طريق الأمن،

стр. 190

مكمَّلٌ فرحَه بالسلامة أو الظَّفَر، والباذلان المقصودان بمعزل عن ذلك. * قالوا: وأيضًا، فبدخول المحلِّل لم يخرج العقد عن كون الجُعل فيه من اثنين، بل الجُعل منهما بحاله، وإنما استفدنا جهةً أخرى (١) لمصرفه، فكان الخَطَر أن يصرفان إلى هذا وحده على تقدير، وإلى هذا وحده على تقدير (٢)، وإلى كل منهما جُعْله على تقدير، فاستفدنا بدخوله ثلاثَ تقديرات أُخَر: صَرْف الرَّهْنَيْن إليه وَحْده، وإليه (٣) وإلى هذا وحده، وإليه وإلى الآخر وحده. فلم نستفد بدخوله إلَّا تعدُّد الجهات التي يُصرَف فيها الجُعل ليس إلا، فلم يخرج به العقد من كونه عقدًا أخرج فيه - كما ترى (٤) - المتراهنان كلاهما. * قالوا: وأيضًا، فمشترطوا المحلِّل مختلفون: هل دخل ليحلَّ فيه لنفسه فقط، أو له وللباذلين؟ على قولين: * فذهب جمهور من اشترطه إلى أنه دخل لِيُحِلَّه لنفسه ولهما. * وقال أبو علي بن خيران من الشافعية (٥): "وإنما يحلُّه لنفسه فقط" (٦).

стр. 191

وحكاه أبو المعالي الجُوَيْني قولًا للشافعي، واختاره أبو محمد المنذري في كتابه على "سنن أبي داود" (١)، وقال: "عليه يدل الحديث". ثم قالوا: فعلى هذا، لو سبق المحلِّل وأحدُهما بحيث جاءا معًا: فإن قلنا: يحلُّه لنفسه فقط؛ استبدَّ (٢) المحلِّل بالسَّبَق جميعِه دون الآخر، مع تساويهما في السبق. وإن قلنا: يحله لنفسه ولهما؛ فإنهما يكونان في السَّبَق سواء (٣)، ولو سبق أحد الباذلين الآخر. والمحلِّل على قول الجمهور يستحقُّ السَّبَق جميعه، وعلى قول ابن خيران يشترك هو والمحلِّل في سبق (٤) الثالث. هكذا قال بعض الشافعية (٥)، والذي في "النهاية": إنه (٦) إن سبق

стр. 192

أحد الباذلين، ثم تبعه المحلِّل، وتأخر الآخر، أحرز السابق مال نفسه. وفي سَبَقِ الثالث أربعة أوجه (١): أحدها: أنه يحرزه صاحبه مع كونه مغلوبًا مسبوقًا من كل وجه، وهذا بركة المحلِّل عليه. والثاني: أنه يختص به السابق؛ لسبقه له وغلبه إياه. والثالث: أنه يكون بينه وبين المحلِّل، لاشتراكهما في سبقه. والرابع: أنه يختصُّ به المحلِّل؛ لأنه دخل ليحل السبق لنفسه لا لهما". فإن سبق المحلِّل وحده، وتبعه الآخر، وتأخر الثالث، ففيها ثلاثة أوجه (٢): أحدها: أن السَّبَقين للمحلِّل. والثاني: سبق الثالث بين المحلِّل والثاني نصفين. والثالث: أن سبق الثالث للثاني وحده. وإن سبق أحدهما وتبعه الآخر وجاء المحلِّل ثالثًا، أحرز السابق سبق نفسه، وهل يستحق سبق (٣) الثاني؟ على وجهين مَبْنِيَّين على ذلك

стр. 193

الأصل الذي تبيَّن فساده. وإن سبق أحدها وساوى (١) الآخر المحلِّل، خاب المحلِّل، وفاز السابق بسبقه، وفي استحقاقه سبق صاحبه القولان". فليتدبَّر اللبيب ما في هذه الفروع (٢) من الفساد والتَّناقض الدَّال على فساد الأصل، فإنها إنما نشأت عن اشتراط المحلِّل، وهي من لوازم القول به، وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم. ولما تفطَّن بعض المشترطين لفساد هذه الفروع، قال: إنْ سَبَق المحلِّل لم يأخذْ شيئًا، وإن سُبِق غرم. ذكره بعض الحنفيَّة، حكاه ابن الساعاتي في "شرح مجمع البحرين"، وابن بلدجي في "شرح المختار" (٣). فتأمل هذا التفاوت الشديد، والاختلاف المتباين في أمر هذا الدخيل المستعار؛ فإنَّ ما كان من عند الله لا يَعْرِض له هذا التناقض الشديد والاختلاف الكثير: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]، وَزِنْ هذه الفروع المتباينة، والأقوال المتضادة فيه، بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وقواعد شريعته وأصولها وحِكَمها ومصالحها، واعْرِضْها على الدَّليل، ولا تجعلها عرضة للأدلَّة؛ بحيث تعرض الأدلَّة عليها فلا تجدها توافقها، فَتُرَدّ الأدلَّة لأجلها، كما هو اعتماد كثير ممَّن غُبِن حظّه من العلم

стр. 194

والإنصاف، والله ولي التوفيق. * قالوا: وأيضًا، فإن (١) النبي ﷺ قد صارع وراهن على الصراع، وكان ذلك من الجانبين، ولم يكن بينهما محلِّل، بل يستحيل دخول المحلِّل بين المتصارعين. ونحن نذكر قصة مصارعته ﷺ : قال أبو الشَّيخ الأصبهاني: حدثنا عبد الله بن محمد (٢) بن زكريا ثنا سلَمة بن شَبِيْب ثنا عبد الرزاق أخبرنا مَعْمر عن يزيد بن أبي زياد - أحسبه - عن عَبد الله بن الحارث؛ قال: "صارع النبي ﷺ أبا رُكانة في الجاهلية، وكان شديدًا، فقال: شاة بشاة. فصرعه النبي ﷺ ، فقال أبا رُكانة: عاوِدْني في أخرى، فصرعه النبي ﷺ ، فقال: عاوِدْني في أخرى، فعاوده، فصرعه النبي ﷺ ، فقال أبو رُكانة: ما أقول لأهلي؟ شاة أكلها الذئب، وشاة نَشَزَت، فما أقول للثالثة؟ فقال النبي ﷺ ما كُنَّا لنجمع عليك أن نصرعك ونُغْرِمك، خُذْ غنمك" (٣). وقال أبو داود في كتاب "المراسيل" (٤): حدثنا موسى بن

стр. 195

إسماعيل عن حماد بن سلمة عن عمرو بن دِيْنَار عن سعيد بن جُبَيْر: "أن رسول الله ﷺ كان بالبطحاء، فأتى عليه يزيد بن رُكانة - أو ركانة (١) ابن يزيد - ومعه أعنز له، فقال: يا محمد! هل لك أن تصارعني؟ فقال: ما تُسْبِقُني؟ فقال: شاة من غنمي، فصارعه فصرعه، فأخذ شاة، قال

стр. 196

ركانة: فهل لك في العودة؟ فقال: ما تُسْبقُني؟ قال أخرى، ذكر ذلك مرارًا. فقال: يا محمد! والله ما وضع أحد جنبي إلى الأرض، وما أنت بالذي تصرعني. فأَسْلَم، وَرَدَّ عليه رسول الله ﷺ غنمه". قال البيهقي (١): "هذا مرسل جيِّد، وقد رُوِي بإسناد آخر موصولًا". وقال أبو الشيخ أيضًا في كتاب "السبق" له: ثنا إبراهيم بن علي ثنا ابن المقرئ حدثنا أبي عن (٢) حماد عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جُبير: فذكره (٣). وهذا إسناد جيد متَّصل. وقال أيضًا: ثنا أبو بكر الجارودي ثنا إسماعيل بن عبد الله ثنا محمد بن كَثير ثنا حمَّاد بن سلمة ثنا عمرو بن دينار عن سعيد بن جُبير عن يزيد بن رُكانة؛ قال: "كان رسول الله ﷺ بالبطحاء، فمرَّ به ركانة". قال شيخنا (٤): "هو رُكانة بن عبد يزيد". وسعيد بن جُبير لم

стр. 197

يُدْرِك ركانة، فإن رُكَانة توفي في أوَّل خلافة معاوية سنة اثنتين وأربعين، وهو من مُسْلِمَة الفتح، وقصة مصارعته للنبي ﷺ معروفة عند العلماء، وإنما يُنْكِرون مصارعة النبي ﷺ لأبي جهل"، كما تقدَّم التنبيه عليه" (١). وقال أبو داود في "سننه" (٢) عن محمد بن علي بن رُكَانة: "إن رُكَانة صارع النبي ﷺ ، فصرعه النبي ﷺ ". وهذا ليس فيه ذكر السَّبَق، ولكن ذكره في حديث سعيد بن جُبير عن ابن عباس، وفي حديث عبد الله بن الحارث. وهذه الروايات لا تناقض فيها؛ فإن من روى قصة المصارعة: منهم من ذكر الرهن من الجانبين، ومن لم يذكر الرهن لم ينفه، بل سكت عنه، واقتصر على بعض القصة، ومن ذكر قصة تسبيق ركانة بالشاة، لم ينف إخراج رسول الله ﷺ أيضًا، بل سكت عنه، فذكره عبد الله بن الحارث. ولو نفى بعض الرواة إخراج رسول الله ﷺ للرَّهن صريحًا، وأثبته البقيَّة؛ لقُدِّم المثبت على النافي؛ كما في نظائره. وإذا ثبت هذا، فهو دليلٌ على المراهنة من الجانبين بلا محلِّل وهو نظير مراهنة الصِّدَّيق فإن كل واحدةٍ منهما مراهنة على ما فيه ظهور الدين؛ فإنَّ رُكانة هذا كان من أشد الناس، ولم يُعْلَم أنَّ أحدًا صرعه،

стр. 198

فلمَّا صرعه النبي ﷺ ، عَلِمَ أنه مؤيَّد بقوة أخرى من عند الله تعالى، ولهذا قال: "واللهِ ما رمى أحدٌ جنبي إلى الأرض"، فكان لا يُغْلَب، فأراد النبي ﷺ بمصارعته إظهار آيات نبوَّته، وما أيَّده الله تعالى به من القوة والقدرة (١)، وكانت المشارطة على ذلك كالمشارطة في قصة الصديق، لكن قصة الصدِّيق في الظُّهور بالعلم، وهذه في الظُّهور بالقوة والقدرة، والدين إنما يقوم بهذين الأمرين: العلم والقدرة، فكانت المراهنة عليهما نظير المراهنة على الرمي والركوب، لِمَا فيهما (٢) من العَوْن على إظهار الدِّين وتأييده، فهي مراهنةٌ على حقّ، وأكل المال بها أكلّ له بالحق (٣)، لكن النبي ﷺ لَمَّا كان غرضه إعلاء الحق وإظهاره؛ ردَّ عليه المال، ولم يأخذ منه شيئًا، فأسْلَم الرجل. وهذه المراهنة من رسول الله ﷺ وصدِّيقِه هي من الجهاد الذي يُظْهِر الله تعالى به دينه، ويُعِزُّه به، فهي من معنى الثلاثة المستثناه في حديث أبي هريرة، ولكن تلك الثلاثة (٤) جنْسُها يُعَدُّ للجهاد، بخلاف جنس الصراع؛ فإنه لم يُعَدَّ للجهاد، وإنمَا يصير مشابهًا للجهاد إذا تضمَّن نصرة الحق وإعلائه؛ كصراع النبي ﷺ ركانة. وهذا كما أن الثلاثة المستثناة إذا أُريد بها الفخر، والعلو في الأرض، وظلم الناس = كانت مذمومة، فالصِّراع والسِّباق بالأقدام

стр. 199

ونحوهما إذا قُصِد به نصر الإسلام، كان طاعة، وكان أخذ السَّبَق به حينئذ أخذًا بالحق لا بالباطل. والأصل في المال أن لا يُؤكل إلا بالحق، لا يُؤكل بباطل (١)، وهو ما لا منفعة فيه. فحديث رُكَانة هذا أحد طرقه صريحة في الرِّهان من الجانبين من غير (٢) محلِّل، والطريق (٣) الأخرى لم تنفِ ذلك، بل لم تكن عادة العرب وغيرهم - وإلى الآن - أن يَبْذُلَ السَّبَق أحدُ المتغالبين وحده (٤)، وإنما المعروف من عادات الناس التَّراهن من الجانبين، وقد جُعِل في طِبَاعِهم وفِطَرِهم أن الرهن من أحد الجانبين قِمَار وحرام، والنفوس تحتقرُ الذي لم يَبْذُل وتَزْدَرِيْه، وتعدُّه بخيلًا شحيحًا مهينًا. وممَّا يوضح أن التَّراهن كان من الجانبين في هذه القصة: أن ركانة لما غلبه النبي ﷺ وأخذ منه شاة، طلب رُكانةُ العَوْدَ، وإنما ذلك لِيسترجع الشاة، ولم يكن له غرضٌ في أن يغرمَ شاة أخرى وثالثة، ولو كان البذل من ركانة وحده، لم يكن له سبيلٌ لاسترجاع (٥) الشاة التي خرجت منه، بل إذا غُلِبَ غرم شاة أخرى، وإن غلبَ لم يفرح بأخذ شيء، فلم يكن ليطلبَ العَوْد إلى صراع هو فيه غارم ولا بد،

стр. 200

ولا سبيل له إلى استنقاذ ما غرمه ألبتة. وهذا بخلاف ما إذا كان التراهن من الجانبين - كما هو الواقع - كان المغلوب على طمعٍ من استرجاع ما غرمه، فيحرِص على العَوْد. والمقصود أن الرهن لو كان من جانب واحد - وهو جانب رُكانة -، لم يكن له في العودة بعد الغُرْم فائدة أصلًا، بل إما أن يغرم شاة ثانية وثالثة مع الأولى، وإما أن تستقرَّ الأولى للنبي ﷺ ، وهذا مما يُعْلَم أن رُكانة لم يقصده، بل ولا غيره من المتغالبين، وإنما يَقْصِدُ المَغْلُوبُ بالعَوْد استرجاع ما خرج منه وغيره معه. فهذا الأثر يدلُّ على جواز المراهنة من الجانبين بدون محلِّل في عمل يتضمَّن نصرة الحق، وإظهار أعلامه، وتصديق الرسول صلاة الله وسلامه عليه. وهذا بخلاف العمل الذي وجوده مكروهٌ بغيضٌ إلى الله ورسوله، متضمِّن للصَّدِّ عن ذكره؛ فإن هذا لا يجوز فيه مع (١) إخراج العِوَض. وهذا على أحد الوجهين في مذهب الشافعي وأحمد ظاهر جدًّا (٢)؛ فإنهم يجوِّزون المسابقة بالعوض على الطيور المعدَّة للأخبار التي يَنْتَفِع بها المسلمون. حكاه أبو الحسن الآمدي، وصاحب "المستوعب" عن بعض

стр. 201

أصحاب أحمد (١). فإذا كان أكْلُ (٢) المال بهذه المسابقة أكْلًا بحق؛ فأكْلُه بما يتضمَّن نصرة الدين وظهور أعلامه وآياته، أولى وأحرى. وعلى هذا، فكل مغالبة يُستعانُ بها على الجهاد تجوز بالعوض، بخلاف المغالبات التي لا يُنْصر الدين بها؛ كنقار الديوك، ونطاح الكباش، والسباحة (٣)، والصناعات المباحة. * قالوا: ونظير قصة مصارعة النبي ﷺ لِرُكانة، قصة مراهنة الصّدِّيق لكفار قريش على تصديق النبي ﷺ فيما أخبر به من غلبة الروم لفارس، وكان الرهان من الجانبين؛ كما تقدم في أول الكتاب سياق الحديث (٤)، وإسناده على شرط الصحيح، وقد صحَّحه الترمذي وغيره. قالوا: ولا يصحُّ أن يقال: إنَّ (٥) قصَّة الصدِّيق منسوخةٌ بتحريم القمار؛ فإن القمار (٦) حُرِّم مع تحريم الخمر في آية واحدة؛ والخمر

стр. 202

حُرِّمَتْ ورسول الله ﷺ ، محاصِرٌ (١) بني النَّضِير، وكان ذلك بعد (٢) أُحُدٍ بأشهر، وأحُدٌ كانت في شوَّال سنة ثلاثٍ بغير خلاف. والصِّديق لمَّا كان المشركون قد أخذوا رهنه، عاد وراهنهم على مدة أخرى كما تقدَّم، فَغَلَبَت الروم فارس قبل المُدَّة المضروبة بينهم، فأخذ أبو بكر رهنهم. هكذا جاء مصرَّحًا به في بعض طرق الحديث (٣). وهذه الغلبة من الروم لفارس كانت عام الحُديبية بلا شك، ومن قال: كانت عام وقعة بدر (٤) فقد وهم؛ لما ثبت في "صحيح البخاري" (٥) عن ابن عباس عن أبي سفيان: "أنَّ هرقل لمَّا أظهره الله على فارس؛ مشى من حمص إلى إيلياء شكرًا لله، فوافاه كتاب رسول الله ﷺ وهو بإيلياء، فطلب من هناك من العرب، فجيء بأبي سفيان صخر بن حرب، فقال له: إني سائلك عن هذا الرجل .. " فذكر الحديث، وفيه: "فقال: هل يغدر؟ فقال أبو سفيان: لا، ونحن الآن في أمان منه في مُدَّة ما ندري (٦) ما هو صانع فيها".

стр. 203

يريد أبو سفيان بالمدة: صلح الحديبية، وكان في ذي القعدة سنة سِتٍّ بلا شك، فعُلِم أنَّ تحريم القِمَار سابقٌ على أخذ الصديق الرهان، الذي راهن عليه أهل مكة، ولو كان رهان الصديق منسوخًا، لكان أبعد الناس منه، فقد روى البخاري في "صحيحه" (١): "أنه كان له غلام يأخذ من الخَراج، فجاء يومًا بشيء، فأكلَ منه، ثم ضحك غلامه فقال مالك؟ فقال (٢): أتدري من أين هذا؟ قال: لا، قال: إني كنتُ تكهَّنتُ لإنسان في الجاهلية، فلما كان اليوم، جاءني بما جَعَل لي، فوضع أبو بكر يده في فيه، وأستقاء ما كان أكلَ". فكيف يأخذ القمار الحرام (٣) بعد علمه بتحريمه ونسخه؟! هذا من المحال البيِّن. وقد رُوِيَ أن رسول الله ﷺ أمر أبا بكر أن يتصدق بما أخذ من المشركين من الرهان (٤).

стр. 204

وهذا إن صح لا يضرُّ؛ فإنه الأولى والأكمل والأليق بِمَنْصِبِ الصِّدِّيقيَّة. فلما رأت هذه الطائفة أنه لا يصح أن تكون قصة الصديق منسوخة بتحريم القمار؛ قالت: هي منسوخة بحديث أبي هريرة: "لا سبق إلا في خُفٍّ أو حافر أو نَصْل" (١). قالوا: وأبو هريرة أسلم عام خيبر سنة سبع، وهذا بعد تحريم القمار والخمر بلا شك، فيكون حديثه ناسخًا لمراهنة الصديق. قال الآخرون: أبو هريرة لم يقل: سمعتُه من رسول الله ﷺ ، فجائز أن يكون أرسله عن بعض الصحابة، كما في عامة حديثه؛ فإنه كان يقول: قال رسول الله ﷺ . فإذا وُقِفَ يقول: حدثني فلان، ويذكر من حدَّثه مِنَ الصحابة. وعلى تقدير أن يكون سمعه من النبي ﷺ ، فغايته أنه لفظ عامٌّ، ومراهنة الصديق واقعة خاصَّة، والخاصُّ مقدَّم على العام - تقدَّم أو تأخَّر - عند الجمهور.

стр. 205

وقيل: إنه إجماع الصحابة (١)؛ كما ثبت في "الصحيحين" (٢) أن رسول الله ﷺ كان أقرَّ أهل خيبر على أن يعملوها والثمرة بينهم وبينه، ثم أوصى عند وفاته (٣): "أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب" (٤). ولا خلاف أنَّ خيبر من جزيرة العرب (٥)، فعمل الخليفتان الراشدان بالخاص المتقدم، وقدَّماه على العام المتأخِّر، وأُقِرَّ أهل خيبر فيها (٦) إلى أن أحْدثُوا في زمن عمر ﵁ ما أحْدثُوا وعلم، فأجْلاهم إلى الشام (٧).

стр. 206

قالوا: وهذا للحنفية ألزم؛ فإنهم يرون المراهنة على مثل ما راهن عليه الصديق من الغلَبَة في مسائل العلم، وعندهم أن العامَّ المتأخِّر ينسخ الخاصَّ المتقدِّم، ولم ينسخوا قصة الصدِّيق المتقدِّمة الخاصَّة بحديث أبي هريرة العام المتأخر، وهو قوله: "لا سبق إلا في خف، أو حافر، أو نصل" (١). وعلى هذا، فقد يقال: قصة مراهنة الصديق لم تدخل في حديث أبي هريرة بالكُلِّيَّة، ولا أُرِيدَ بها بِنَفْيٍ ولا إثباتٍ. وعلى هذا، فكل واحد من الحديثين يبقى معمولًا به لأنه (٢) على بابه، ولا تعارض بينهما، وهو تقرير حسن. قالوا: فهذه نبذة من أدلَّتنا على عدم اشتراط المحلَّل في السباق؛ فإن كان عندكم ما يعارضها فَحَيَّهَلًا به، فنحن من وراء القبول له إن قاومها، ومن وراء الردِّ والجواب إن لم يقاومها، ومحالٌ أن تقوم هذه الأدلَّة وأكثر منها على أمرٍ باطلٍ في الشرع، يتضمَّن تحليل ما حرَّمه الله تعالى ورسوله ﷺ وإلحاق القمار بالحلال، ولا يكون عنها أجوبة صحيحة صريحة، ولها معارض مقاوم، فمن ادَّعى بطلانها، فَلْيُجِبْ عنها أجوبة مفصَّلة، وإلَّا، فليعرف قَدْره، ولا يتعدَّى طَوْره، ولا

стр. 207

يقتحم حلبة هذا السباق إلا إذا وثق من نفسه بمقاومة الرفاق. فصلٌ قال أصحاب التحليل: لقد أجلبْتُم علينا بخيل الأدلَّة ورَجلِها، وجَنَبْتُم معها شكْلها وغير شَكْلِها (١)، وجيوش أدلَّتنا وراءكَم في الطلب، وسائقها يقول: أُدْرِكْتم وسُبِقْتُم فلا حاجة بكم إلى الجَلَب والجَنَب، فاستعدُّوا الآن للقاء جيوش من الأدلَّة، إنْ طُلِبت أعْجَزَتْ مَن طلبها، وإن طَلَبت أدْرَكت (٢) من استنصر بها؛ فهو منصور، ومن عانَدَها فهو مقهور، وسلطان هذه العساكر المنصورة كتاب الله تعالى، ثم سنة رسوله ﷺ ، وأمراؤها أئمة الإسلام من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم، وهذه طليعة الجيش قد أقبلت، وسلطانه قد برز: قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وقال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].

стр. 208

وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. وقد تنازعنا نحن وأنتم في هذه المسألة، فلأيِّ القولين شهد القرآن والسنة، أخذنا به، ولم نترك موجبه لقول أحد، وعند هذا فنقول: الدَّليل على اشتراط المحلِّل من السُّنّة (١) وجوه: الأول: ما رواه حافظ الأمة محمد بن شِهَاب الزُّهري عن أعْلَمِ التابعين سعيد بن المسيّب عن حافظ الإلمملام أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن أدخلَ فرسًا بين فرسين وهو لا يأمَن أن يُسْبَقَ، فلا بأس، ومن أدخلَ فرسًا بين فرسين وهو آمِنٌ أن يُسْبَقَ، فهو قمارٌ" (٢). رواه إمام أهل السنة أحمد بن حنبل في "مسنده" عن يزيد بن هارون ثنا سفيان بن حسين عن الزهري، وَبَنَى عليه مذهبه، وعَمِلَ به.

стр. 209

ورواه أبو داود وابن ماجه (١) في "سننهما"، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة، وقال أبو عبد الله الحاكم (٢): "هو صحيح الإسناد". وقال أبو محمد بن حزم (٣): "هو صحيح، وليس في رجال هذا الإسناد من ينبغي النظر فيه؛ إلَّا سفيان بن حسين هذا، فإنهم أئمة الإسلام، وهداة الأنام" (٤). فنقول وبالله تعالى التوفيق: سفيان هذا (٥)، قد وثَّقه أحمد بن عبد الله العجلي، ويحيى بن معين في رواية محمد بن سعد، وقال: "كان يخطئ"، ووثَّقه عثمان بن أبي شيبة. وقال عباسٌ الدُّوري: "سألتُ يحيى عنه؟ فقال: ليس به بأس، وليس من أكابر أصحاب الزهري". وقال يحيى في رواية ابن أبي خيثمة: "هو صالح، وحديثه عن الزهري ليس بذاك، إنما سمع منه بالمَوْسِم".

стр. 210

وقال أبو الفرج ابن الجوزي (١) ومحمد بن عبد الواحد المقدسي: "خَرَّجَ مسلمٌ حديثه في "صحيحه" (٢)، واستشهد به البخاري في "صحيحه". وقد صحَّح له الترمذي عن (٣) غير الزهري، فقال: حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن يونس بن عبيد، عن عطاء عن جابر: "أن رسول الله ﷺ نهى عن المُحاقَلَة، والمزابَنَة، والمُخابرةَ، والثُّنْيا إلا أن تعلم" (٤). ثم قال: "هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث يونس بن عبيد عن عطاء عن جابر". ويكفي سكوت الإمام أحمد عنه بعد إخراجه له، وبناؤه مذهبه عليه، وهذا يدل على صحته عنده. وقد قال الحافظ أبو موسى المديني (٥): إن ما خرَّجه الإمام أحمد في "المسند" فهو صحيح عنده.

стр. 211

قالوا: وقد قال أبو الحسن الدارقطني في "علله" (١): إن الحديث محفوظ عن الزهري. وقد شهد أبو أحمد بن عدي (٢) أن للحديث أصْلًا، وصوَّب رواية سعيد له عن أبي هريرة، وناهِيْكَ بهؤلاء الأعلام. وقد سأل الترمذي (٣) البخاري عن حديث سفيان بن حسين في الصدقات فقال: "أرجو أن يكون محفوظًا، وسفيان بن حسين صدوق". فهذا إمام هذا الشأن قد شهد لحديثه عن الزهري بأنه محفوظ، ولسفيان بن حسين بالصدق، ومثل هذا يكفي في الاحتجاج بالحديث. قالوا: وقد تابعه على روايته له عن الزهري: سعيد بن بشير، قاله أبو داود وابن عدي (٤). ولا ريب أن هذا يقوِّي أمر الحديث ويزيل عنه تفرُّد سفيان بن حسين به. وقد أثنى الأئمة على سعيد بن بشير هذا (٥):

стр. 212

فقال شعبة: "كان حافظًا صدوق اللسان". وقال أبو زرعة الدمشقي: "رأيته عند أبي مسهر موضعًا للحديث. قال: وقلت لدُحيم: ما تقول في محمد بن راشد؟ فقال: ثقة وكان يميل إلى هوى، قلت: فأين هو من سعيد بن بشير؟ فقدَّم سعيدًا عليه. وفي لفظ: سألت دُحَيْمًا عن قول من أدْرَكَ في سعيد، فقال "يوثقونه". وقال البخاري: "يتكلمون في حفظه وهو يحتمل". وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: "سألت أبي وأبا زرعة عن سعيد بن بشير؟ فقالا: محلُّه الصِّدق عندنا. قلت: يُحْتجُّ بحديثه؟ قالا: يحتجّ بحديث ابن أبي عَرُوْبة والدَّسْتَوائي، هذا شيخ يُكْتَبُ حديثه. قال: وسمعت أبي يُنْكِرُ على مَنْ أدْخَلَه في كتاب الضُّعَفَاء، وقال يُحوَّل" (١). وقال عثمان بن سعيد الدَّارمي: "كان مشايخنا يقولون: هو ثقة". قالوا: وإنما تَكَلَّم في سعيد بن بشير هذا من تكلَّم: في حديثه عن قتادة لِنُكْرة وقعت فيه، حتى قال ابن عدي والدارقطني: إنه: "أخطأ في هذا الحديث في روايته عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وروايته إيَّاه عن الزُّهري (٢) عن سعيد سالمة من هذا القَدْح، ووافقه

стр. 213

عليها سفيان بن حسين". قالوا: فالحديث إذن صحيح الإسناد، لثقة رجاله، وتَرْكُ إخراج أصحاب الصحيح له لا يدلُّ على ضعفه، كغيره من الأحاديث الصحيحة التي تَرَكا إخراجها. قالوا: وقُصَارى ما يعلَّل به الوقف على سعيد بن المسيب، وهذا ليس بعلَّة، فقد يكون الحديث عند (١) الراوي مرفوعًا، ثم يفتي به من قوله، فَيُنْقَل عنه موقوفًا، فلا تناقض بين الروايتين. فصلٌ قالوا: فهذا تقرير الحديث من جهة السند. وأما تقرير الدلالة منه: فهو أنَّ النبي ﷺ أخبر أنَّ المتسابقَيْن متى أدخلا بينهما ثالثًا (٢)، قد أمن أن يُسْبَق فهو قمار، ومعلوم أنَّ دخوله لم يجعل العقد قمارًا، بل إخراجهما هو الذي جعل العقد قمارًا، ودخوله على غير الوجه الذي دخلا عليه من الرجاء والخوف لا عبرة به، فكأنه لم يدخل، فكان العقد قمارًا، إذ لا تأثير له (٣) لدخوله فيه مع الأمن، فإذا دخل على الوجه الذي دخلا عليه من الخوف والرجاء، لم يكن قمارًا،

стр. 214

وذلك لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما قَبْلَ المحلل دائرٌ بين (١) أن يأخذ من الآخر أو يعطيه؛ فهو دائرٌ بين أن يَغْنم أو يَغْرم، والمُخْرِج لم يقصد أن يجعل للسابق جُعلًا على سَبْقه حتى يكون من جنس الجعائل، فإذا دخل بينهما ثالث، كان لهما حال ثانية (٢)، وهو أن يعطِيا جميعًا الثالث، فيكون الثالث له جُعْل على سبقه لهما، فيكون من جنس الجعائل. قالوا: وإنما شَرَطَ النبي ﷺ أنه لا يأمن أن يُسبْق؛ لأنه لم يَكْتفِ بصورة الدَّخِيْل حتى يكون دخوله حِيْلَة مجرَّدة، بل لا بدَّ أن يكون فرسه يحصل معه مقصود (٣) انتفاء القمار بمكافأته لفرسيهما. قالوا: ولهذا يَشْتَرِط هذه (٤) المكافأة من يجوِّز الحيلَ، فلا يجوز دخولُ هذا الثَّالث حيلةً، بل لا بد أن يخاف منه، ما يخاف (٥) من كل واحد من المُخْرِجين، ويرجو ما (٦) يرجو له، ولا يكفي صورته ليتحقق الخروج بدخوله عن شبه القمار. هذا غاية ما يقرر به هذا الحديث سندًا ودلالة.

стр. 215

فصلٌ قالوا: والدليل الثاني على اشتراط المحلِّل: ما رواه أبو حاتم ابن حبان في "صحيحه" (١)، فقال: ثنا الحسن بن سفيان ثنا إبراهيم بن المنذر ثنا عبد الله بن نافع عن عاصم عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ سابَقَ بين الخيل، وجعل بينهما سَبَقًا، وجعل بينهما محلِّلا، وقال: لا سبق إلا في حافر، أو خفٍّ، أو نصْل". قالوا: فهذا إسناد كلهم ثقات، وتصحيح أبي حاتم لحديث عاصم هذا - وهو عاصم بن عمر بن حفص - يدل على كونه ثقة عنده، ووجه الاستدلال منه ظاهر. فصلٌ الدليل الثالث: ما رواه الحافظ أبو إسحاق يعقوب بن إبراهيم السَّعدي في كتابه "المترجم"، فقال: حدثني عبد الله بن يوسف حدثنا
следующие страницы →