← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 18169

الفروسية المحمدية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (530 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قالوا: وقد قال أبو الحسن الدارقطني في "علله" (١): إن الحديث محفوظ عن الزهري. وقد شهد أبو أحمد بن عدي (٢) أن للحديث أصْلًا، وصوَّب رواية سعيد له عن أبي هريرة، وناهِيْكَ بهؤلاء الأعلام. وقد سأل الترمذي (٣) البخاري عن حديث سفيان بن حسين في الصدقات فقال: "أرجو أن يكون محفوظًا، وسفيان بن حسين صدوق". فهذا إمام هذا الشأن قد شهد لحديثه عن الزهري بأنه محفوظ، ولسفيان بن حسين بالصدق، ومثل هذا يكفي في الاحتجاج بالحديث. قالوا: وقد تابعه على روايته له عن الزهري: سعيد بن بشير، قاله أبو داود وابن عدي (٤). ولا ريب أن هذا يقوِّي أمر الحديث ويزيل عنه تفرُّد سفيان بن حسين به. وقد أثنى الأئمة على سعيد بن بشير هذا (٥):

стр. 212

فقال شعبة: "كان حافظًا صدوق اللسان". وقال أبو زرعة الدمشقي: "رأيته عند أبي مسهر موضعًا للحديث. قال: وقلت لدُحيم: ما تقول في محمد بن راشد؟ فقال: ثقة وكان يميل إلى هوى، قلت: فأين هو من سعيد بن بشير؟ فقدَّم سعيدًا عليه. وفي لفظ: سألت دُحَيْمًا عن قول من أدْرَكَ في سعيد، فقال "يوثقونه". وقال البخاري: "يتكلمون في حفظه وهو يحتمل". وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: "سألت أبي وأبا زرعة عن سعيد بن بشير؟ فقالا: محلُّه الصِّدق عندنا. قلت: يُحْتجُّ بحديثه؟ قالا: يحتجّ بحديث ابن أبي عَرُوْبة والدَّسْتَوائي، هذا شيخ يُكْتَبُ حديثه. قال: وسمعت أبي يُنْكِرُ على مَنْ أدْخَلَه في كتاب الضُّعَفَاء، وقال يُحوَّل" (١). وقال عثمان بن سعيد الدَّارمي: "كان مشايخنا يقولون: هو ثقة". قالوا: وإنما تَكَلَّم في سعيد بن بشير هذا من تكلَّم: في حديثه عن قتادة لِنُكْرة وقعت فيه، حتى قال ابن عدي والدارقطني: إنه: "أخطأ في هذا الحديث في روايته عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وروايته إيَّاه عن الزُّهري (٢) عن سعيد سالمة من هذا القَدْح، ووافقه

стр. 213

عليها سفيان بن حسين". قالوا: فالحديث إذن صحيح الإسناد، لثقة رجاله، وتَرْكُ إخراج أصحاب الصحيح له لا يدلُّ على ضعفه، كغيره من الأحاديث الصحيحة التي تَرَكا إخراجها. قالوا: وقُصَارى ما يعلَّل به الوقف على سعيد بن المسيب، وهذا ليس بعلَّة، فقد يكون الحديث عند (١) الراوي مرفوعًا، ثم يفتي به من قوله، فَيُنْقَل عنه موقوفًا، فلا تناقض بين الروايتين. فصلٌ قالوا: فهذا تقرير الحديث من جهة السند. وأما تقرير الدلالة منه: فهو أنَّ النبي ﷺ أخبر أنَّ المتسابقَيْن متى أدخلا بينهما ثالثًا (٢)، قد أمن أن يُسْبَق فهو قمار، ومعلوم أنَّ دخوله لم يجعل العقد قمارًا، بل إخراجهما هو الذي جعل العقد قمارًا، ودخوله على غير الوجه الذي دخلا عليه من الرجاء والخوف لا عبرة به، فكأنه لم يدخل، فكان العقد قمارًا، إذ لا تأثير له (٣) لدخوله فيه مع الأمن، فإذا دخل على الوجه الذي دخلا عليه من الخوف والرجاء، لم يكن قمارًا،

стр. 214

وذلك لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما قَبْلَ المحلل دائرٌ بين (١) أن يأخذ من الآخر أو يعطيه؛ فهو دائرٌ بين أن يَغْنم أو يَغْرم، والمُخْرِج لم يقصد أن يجعل للسابق جُعلًا على سَبْقه حتى يكون من جنس الجعائل، فإذا دخل بينهما ثالث، كان لهما حال ثانية (٢)، وهو أن يعطِيا جميعًا الثالث، فيكون الثالث له جُعْل على سبقه لهما، فيكون من جنس الجعائل. قالوا: وإنما شَرَطَ النبي ﷺ أنه لا يأمن أن يُسبْق؛ لأنه لم يَكْتفِ بصورة الدَّخِيْل حتى يكون دخوله حِيْلَة مجرَّدة، بل لا بدَّ أن يكون فرسه يحصل معه مقصود (٣) انتفاء القمار بمكافأته لفرسيهما. قالوا: ولهذا يَشْتَرِط هذه (٤) المكافأة من يجوِّز الحيلَ، فلا يجوز دخولُ هذا الثَّالث حيلةً، بل لا بد أن يخاف منه، ما يخاف (٥) من كل واحد من المُخْرِجين، ويرجو ما (٦) يرجو له، ولا يكفي صورته ليتحقق الخروج بدخوله عن شبه القمار. هذا غاية ما يقرر به هذا الحديث سندًا ودلالة.

стр. 215

فصلٌ قالوا: والدليل الثاني على اشتراط المحلِّل: ما رواه أبو حاتم ابن حبان في "صحيحه" (١)، فقال: ثنا الحسن بن سفيان ثنا إبراهيم بن المنذر ثنا عبد الله بن نافع عن عاصم عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ سابَقَ بين الخيل، وجعل بينهما سَبَقًا، وجعل بينهما محلِّلا، وقال: لا سبق إلا في حافر، أو خفٍّ، أو نصْل". قالوا: فهذا إسناد كلهم ثقات، وتصحيح أبي حاتم لحديث عاصم هذا - وهو عاصم بن عمر بن حفص - يدل على كونه ثقة عنده، ووجه الاستدلال منه ظاهر. فصلٌ الدليل الثالث: ما رواه الحافظ أبو إسحاق يعقوب بن إبراهيم السَّعدي في كتابه "المترجم"، فقال: حدثني عبد الله بن يوسف حدثنا

стр. 216

يحيى بن حمزة قال: حدثني رجل من بني مخزوم من ولد الحارث بن هشام قال: حدثني أبو الزِّنَاد عن الأعْرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا جَلَب، ولا جَنَب، وإذا لم يُدْخل المتراهنان فرسًا يستبقان على السبق فيه؛ فهو حرام" (١). قالوا: فهذا إسناد لا يُسْأَل عن رجاله، وهذا الرجل المجهول غايته أنه لم يُسَمَّ، فالحديث (٢) به يكون مُرْسَلًا، فإذا انضمَّ إلى ذَيْنك الحديثين؛ قَوِيَ أمرُه، وصلح للاستشهادُ به، لا للأعتماد (٣) عليه. فصلٌ الدليل الرابع: ما رواه السعدي أيضًا عن عمرو بن عاصم: حدثنا حمَّاد عن عليّ بن زيد عن سعيد بن المسيب: أنَّ رجلين تقامرا في ظَبْيٍ، وهما محرمان، أيهما يسبق إليه، فسبق أحدُهما صاحبه، فقال عمر: "هذا قمارٌ ولا نُجِيْزه" (٤).

стр. 217

فجعله قمارًا لمَّا أخْرَجا معًا، ولو أخرج أحدُهما؛ لم يقل: تقامرا، فإنَّ التقامر إنما يكون من اثنين. فصلٌ الدليل الخامس: ما رواه البخاري في "صحيحه" (١) عن سَلَمَة بن الأكْوع قال: "مرَّ النبي ﷺ على نفرٍ من أسْلم ينتضلون بالسُّوق، فقال: "ارموا بني (٢) إسماعيل؛ فإن أباكم كان راميًا، ارموا وأنا مع بني فلان"، فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال النبي ﷺ : "ما لكم لا ترمونَ؟ "، فقالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال: ارموا وأنا معكم كلُّكم". قالوا: ولا يكون مع الطائفتين إلا وهو محلِّل، وإلَّا كان مع أحدهما. فصلٌ الدليل السادس: أنهما إذا أخرجا معًا ولم يكن هناك محلِّل، كان قمارًا، وهو حرامٌ؛ لأنه يبقى (٣) كل منهما دائرًا بين أن يغنم وبين أن

стр. 218

يغرم (١)، وهذا هو القمار، فإذا أدخلا بينهما ثالثًا؛ حصل قسم ثالث، وهو أن يسبقهما، فيأخذ جُعليهما معًا، ولا يغرم شيئًا (٢)، فيصير العقد به في حكم عقود الجعَالات، فكأنهما جَعَلا لهذا المحلِّل جُعْلًا (٣) إن سبقهما، فما (٤) لم يسبِقْهما؛ لم يَسْتَحِقَّ الجُعْلَ. قالوا: ولو لم يكن في هذا إلا قول أعلم التابعين، ولا سيما بقضايا عمر، وهو سعيد بن المسيب، وكان عبد الله بن عمر يبعث يسأله عن قضايا أبيه (٥)؛ فإنه أفتى بذلك، وتبعه عليه فقهاء الحديث، كالإمام أحمد والشافعي وفقهاء الرأي، كأبي حنيفة وأصحابه (٦)، ومَن الناس غيرُ هؤلاء؟! فيكفينا أن ثلاثة أركان الأمة مِن جَانِبِنَا، والرُّكْن الآخر وهو مالك عنه روايتان: إحداهما موافقة سعيد بن المسيب في القول بالمحلِّل.

стр. 219

قال أبو عمر بن عبد البر: "وهو الأجود من قوليه، وقول سعيد بن المسيب وجمهور أهل العلم، واختاره ابن المَوَّاز" (١). قالوا: ومذهب أبي حنيفة أن التابعي إذا عاصر الصَّحابة وزاحمهم في الفتوى وأقرُّوه على ذلك، كان قولُه حجة (٢). قالوا: وهذا مذهب إمام أهل الشام الأوزاعي، وإمام أهل خراسان إسحاق بن راهويه، وهو مذهب الزهري. فقد تواطأ على هذا المذهب فقهاء الأمصار، وفقهاء الآثار، وفقهاء الرأي والقياس، وقد سمعتُم أدلته. قالوا: وأما أدلَّتُكم؛ فهي نوعان: أثرية ومعنوية: فأما الأثرية: فالصَّحيح منها: - إما عامٌّ، وأدلتنا خاصة، فتُقَدَّم عليه. - أو مُجْمَل، وأدلَّتُنا مفصَّلة. - وإما متقدِّم منسوخٌ بما ذكرنا من الأدلَّة؛ كقصَّة مصارعة النبي ﷺ ومراهنة الصدِّيق؛ فإنهما كانا في أول الإِسلام.

стр. 220

قالوا: وقد حكى أبو محمد بن حزم (١) الإجماع على نسخ قصة الصدِّيق ومراهنته فإنه قال: "أجمعت الأمَّةُ (٢) التي لا يجوز عليها الخطأ فيما نقلته مُجْمِعَة عليه: أن المَيْسِرَ الذي حرَّمه الله تعالى هو القمار، وذلك ملاعبة الرجل صاحبه على أنَّ من غَلَب منهما، أخذ من المغلوب قَمْرَتَه التي جعلاها بينهما؛ كالمتصارعين يتصارعان، والراكبين يتراكبان، على أنَّ مَن غَلَبَ منهما، فللغالب على المغلوب كذا وكذا خطارًا وقمارًا؛ فإن ذلك هو الميسر الذي حرمه الله تعالى، وقد قال النبي ﷺ : "من قال لصاحبه تعالَ أُقامِرْكَ، فليَتَصَدَّقْ" (٣). قالوا: ولا يُعْلَم في هذه المسألة إلا مذهبان: * مذهب مَن يمنعِ إخراج الرهن من الحزبين (٤) معًا، سواء كان بمحلِّل أو لم يكن بمحلَّل، وهذا هو المعروف من مذهب مالك. قال أبو عمر بن عبد البر (٥): "قال مالك لا نأخذ بقول سعيد بن المسيب في المحلِّل، ولا يجب المحلِّل في الخيل".

стр. 221

قال صاحب "الجواهر" (١): "وهذا المشهور عنه". * والقول الثاني: قولُ مَن يجوِّزه بشرط المحلل، وهو قول مَن حكينا قوله آنِفًا. وأما الجواز من الحزبين من غير محلِّل؛ فلا نعلم به قائلًا من الأئمة المتبوعين. قالوا: وأما ما استدللتُم به من قوله: "راهن رسول الله ﷺ "، وأن المُرَاهنة مُفَاعَلَة، وحَقِيْقَتُها من اثنين؛ فذلك غير لازم فيها؛ فإنه يقال: سافر فلان، وعاقب اللص، وطارق النعل، ويكفي عافاك الله. وأما المعنوية (٢): فسائر ما ذكرتُم من المعاني والإلزامات، فنردُّها كلها بأمرٍ واحدٍ، وهو فساد اعتبارها، لتضمُّنِها مخالفة ما ذكرنا من النصوص الدالة على (٣) اعتبار المحلِّل، فلا حاجة إلى إفراد كل واحد منها بجواب. فهذا غاية ما تمسَّكت به هذه الفرقة، وانتهى إليه نظرهم واستدلالهم. قالوا (٤): فقد تبيَّن أنّا أولى بالأدلة الشرعية: آثارها ومعانيها

стр. 222

منكم؛ كما نحن أولى بالأئمة منكم في هذه المسألة، فإن كاثَرْتُمُوْنَا بالأدلَّة؛ كاثرناكم بالأئمة، فكيف ودليلٌ واحد من الأدلَّة التي ذكرناها يكفينا في النَّصرة عليكم. قالوا: وهؤلاء جمهور الأمة قد رأو هذا القول حَسَنًا، وفي الحديث: "ما رآه المسلمون حسنًا؛ فهو عند الله تعالى حسن" (١). وما عداه فقول شاذٌّ، ومن شذَّ، شذَّ الله به، وقد قال النبي ﷺ : "الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد" (٢) *.

стр. 223

فصلٌ قال المنكرون للمحلِّل: لسْنا ممَّن يُقَعْقَع له (١) بالشنان، ولا ممَّن يَفِرُّ إذا أُشْرع إليه طرف السِّنان، وإنا بحمد الله تعالى للحقِّ ناصرون، وبه منتصرون، وفيه متبصرون (٢)، وبه مخاصِمون، وإليه محاكمون، وهو أخْبِيَتُنَا التي نفْزع (٣) إليها، وقاعدتنا التي نعتمد عليها، ونحن نبرأ إلى الله مما سواه، ونعوذ بالله أن نَنْصُر إلا إيَّاه، ولسْنَا ممَّن يعرف الحق بالرِّجال، وإنما ممَّن يعرف الرجال بالحق، ولسنا ممَّن يعرض الحق

стр. 224

على آراء الخلق (١)، فما وافقه منها قبله، وما خالفه ردَّه، وإنما نحن ممَّن يعرض آراء الرجال وأقوالها على الدليل، فما وافقه منها اعتدَّ به وقبله، وما خالفه خالفه. قالوا: ونحن نبيِّنُ أنَّ جيوش أدلتكم التي عوَّلتم عليها واستندتم في النصرة إليها ليست لها في مقاومة جيوشنا يَدَان، ولا تجري مع فرسانها في ميدان، وأَنها أحاديث باطلة معلولة، وصحيحها ليس معكم منه شيء، وأَن قياسكم بيِّنُ البطلان من أكثر من أربعين وجهًا (٢)، فنقول وبالله تعالى التوفيق: أما ما قدَّمتم من ذكر قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] إلى آخر المقدمة؛ فنعم والله؛ سمعًا وطاعة لداعي الله ورسوله ﷺ ، وتركًا لكل قول يخالفه (٣). ونحن ننشدكم الله إذا دعوناكم إلى النصوص التي تخالف مَن قلَّدتموه، هل تقدمونها على قوله وتقولون بموجبها؟ أم تجعلون قول من قلَّدتموه (٤) نصًّا حاكمًا عليها (٥)، والنصوص ظواهر متشابهة إن أمكن ردَّها بأنواع التأويلات، وإلا قيل: صاحب المذهب أعلم؟

стр. 225

وعند هذا فنقول: أما الحديث الأول: وهو حديث سعيد بن المسيب؛ فالكلام معكم فيه في مقامين: أحدهما: صحته مرفوعًا إلى النبي ﷺ . الثاني: بيان دلالته على محل النزاع. فأما المقام الأول: فنقول: هذا حديث لا يصحُّ عن رسول الله ﷺ ألبتة، ونحن نذكر كلام مَن تكلَّم في الحديث من الأئمة، وفي سفيان بن حسين: فقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب "العلل" (١) له: "سألتُ أبي عن حديث رواه يزيد بن هارون وغيره عن سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا: "أيما رجل أدْخَلَ فرسًا بين فرسين وهو يأمن أن يُسْبَقَ فهو قمارٌ"؟. قال أبي: هذا خطأ، لم يَعْمَلْ سفيان بن حسين شيئًا، لا يُشْبه أن يكون عن النبي ﷺ ، وأحْسَنُ أحواله أن يكون عن سعيد بن المسيِّب من قوله، وقد رواه يحيى بن سعيد عن سعيد من قوله". وقال ابن أبي خَيْثَمَة في "تاريخه" (٢): "سألت يحيى بن معين عن

стр. 226

حديث سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "من أدخل فرسًا بين فرسين .. " الحديث؟ فقال: باطلٌ وخطأ على أبي هريرة". وقال أبو داد في "سننه" (١) بعد أن أخرجه: "رواه معمرٌ وشعيب وعقيلٌ عن الزهري عن رجال من أهل العلم قالوا: "من أدخل فرسًا"، وهذا أصح عندنا". هذا لفظ أبي داود، فلا ينبغي أن يقتصر المخرِّج له من "السنن" على قوله: رواه أبو داود. ويسكت عن تعليله له (٢)! وقد رواه مالك في "الموطأ" (٣): "عن ابن شهاب (٤) عن سعيد بن

стр. 227

المسيب أنه قال: من أدخل فرسًا … ". فجعله من كلام سعيد نفسه. وكذلك رواه الأساطين الأثبات من أصحاب الزهري: مَعْمَر بن راشد وعُقَيْل بن خالد وشُعَيْب بن أبي حمزة والليث بن سعد ويُوْنُس ابن يزيد الأيْلي، وهؤلاء أعيان أصحاب الزهري كلهم رووه عن سعيد بن المسيب من قوله. وممَّن أعلَّه: أبو عُبيد القاسم بن سَلَّام (١)، وأعلَّه أبو عمر بن عبد البر في "التمهيد" (٢)، وقال: "هذا حديث انفرد به سفيان بن حسين من بين أصحاب ابن شهاب، ثم أعلَّه بكلام أبي داود". وقال بعض الحفاظ: "يبعُد (٣) جدًّا أن يكون الحديث عند (٤) الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا، ثم لا يرويه واحد (٥) من أصحابه الملازمين له، المختصين به، الذين يحفظون حديثه حفظًا، وهم أعلم الناس بحديث، وعليهم مداره، وكلهم يروونه عنه دائمًا (٦) من قول سعيد نفسه، وتتوفر هِمَمُهم

стр. 228

ودواعيهم على ترك رفعه إلى النبي ﷺ ، وهم الطبقة العليا من أصحابه، المقدَّمون على كل من عداهم ممَّن روى عن الزهري = ثم ينفرد برفعه من لا يدانيهم ولا يقاربهم لا في الاختصاص به، ولا في الملازمة له، ولا في الحفظ، ولا في (١) الإتقان، وهو معدود عندهم في الطبقة السادسة من أصحاب الزهري - على ما قال أبو عبد الرحمن النسائي (٢) -، وهو سفيان بن حسين، فمن له ذَوْق في علم الحديث؛ لا يَشُكُّ ولا يتوقف أنه من كلام سعيد بن المسيِّب، لا من كلام رسول الله ﷺ ، ولا يتأتَّى له الحكم برفع الحديث إلى النبي ﷺ ، بل (٣) إما أن يرويه ويسكت عنه، أو يُبيِّن علَّته (٤) ". وسمعتُ شيخ الإسلام أبا العباس أحمد بن عبد الحليم الحراني ﵁ يقول: "رفع هذا الحديث إلى النبي ﷺ خطأ، وإنما هو من كلام سعيد بن المسيب، - قال: - وهذا مما يَعْلَم أهل العلم بالحديث أنه ليس من كلام النبي ﷺ ، وإنما هو من كلام سعيد بن المسيب نفسه، وهكذا رواه الثقات الأثبات من أصحاب الزهري عنه عن سعيد بن المسيب، مثل: الليث بن سعد وعُقَيْل ويونس ومالك بن أنس، وذكره في "الموطأ" عن سعيد بن المسيب نفسه، ورفعه

стр. 229

سفيان بن حسين الواسطي، وهو ضعيف لا يحتج بمجرَّد روايته عن الزهري؛ لغلطه في ذلك" (١). قلتُ: فقد غلَّط الإمامُ الشافعيُّ سفيان بن حسين في تفرده (٢) عن الزهري بحديث: "الرِّجْل جُبَار"، فقال: "روى سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا: "الرجل جبار" ثم قال: "وهذا غلطٌ والله أعلم؛ لأنَّ الحفاظ لم يحفظوا ذلك" (٣). وهذا إسناد حديث المحلِّل بعينه وعيانه، والعلَّة واحدة بعينها؛ فإن الحفاظ لم يحفظوا (٤) رفعه كما تقدَّم. وقال ابن عديّ والدَّارقطني والبيهقي (٥): تفرَّد بهذا الحديث عن الزهري سفيانُ بن حسين؛ قال الدارقطني: "وهو وهم؛ لأن الثقات خالفوه، ولم يذكروا ذلك". قال البيهقي: "وقد رواه مالك والليث وابن جُرَيج ومَعْمَر وعُقَيْل وسفيان بن عُيَيْنة وغيرهم عن الزهري، ولم يذكر أحدٌ منهم فيه:

стр. 230

"الرِّجل". وهذا نظير تَعْلِيْل حديثه في المحلِّل سواء بسواء. ونظير هذا: حديثه عن الزُّهري عن سالم عن أبيه في الصَّدَقات (١). قال يحيى بن معين: "لم يتابعْ سفيان بن حسين عليه أحدٌ، ليس يصح" (٢). هذا، مع أن له شاهدًا في "صحيح البخاري" (٣)، وقد وافقه عليه سُلَيمان بن كثير أخو محمد بن كثير، فلم يصحِّحه؛ لتفرُّد سفيان هذا به، ومخالفة غيره من أصحاب الزهري له في وقْفِهِ. ونظير هذا، بل أبلغ منه: أن سفيان بن حسين روى عن الزُّهري عن عروة عن عائشة؛ قالت: "كنتُ أنا وحفصة صائمتين، فعرض لنا طعام، فاشتهيناه فأكلناه فدخل علينا رسول الله ﷺ ، فبدرتني حفصة - وكانت ابنة أبيها -، فقصَّت عليه القصة، فقال: اقْضِيَا يومًا مكانه" (٤).

стр. 231

وتابعه جعفر بن بُرْقَان، وصالح بن أبي الأخْضَر، ثم قال جماعة منهم البيهقي (١): "وقد وهموا فيه على الزهري، فقد رواه الحفاظ من أصحاب الزهري عنه قال: "بلغني أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين". هكذا رواه مالك ويونس ومَعْمَر وابن جُرَيْج ويحيى بن سعيد وعُبَيْد الله بن عمر وسفيان بن عُيَيْنَة ومحمد بن الوليد الزُّبَيْدِي وبكر بن وائل وغيرهم. وقد شهد ابن جريج وسفيان بن عيينة على لفظ الزهري أنه لم يسمع هذا الحديث من عروة. قال ابن جريج عنه: ولكن حدثني ناسٌ في خلافة سليمان بن عبد الملك عن بعض من كان يدخل على عائشة. وقال الحُمَيْدِي: أخبرني غير (٢) واحد عن معمر أنه قال في هذا الحديث: لو كان عن عروة ما نسبته. وقال البخاري ومحمد بن يحيى الذُّهْلِي: لا يصحُّ هذا الحديث عن الزهري عن عروة عن عائشة".

стр. 232

فهذا وأمثاله مما يبيَّن ضَعْف رواية سفيان بن حسين عن الزهري، ولو تابعه غيره عند أئمة هذا الشأن وفرسان هذا الميدان، فكيف بما تفرَّد به عن الثقات، وخالف فيه الأئمة الأثبات؟!. ومعرفة هذا الشأن وعلله، ذوقٌ ونورٌ يقذفه الله تعالى في القلب، يقطع به (١) من ذاقه، ولا يشكُّ فيه، ومن ليس له هذا الذوق؛ لا شعور له به، وهذا كنقد الدَّراهم لأربابه، فيه ذوق ومعرفة ليستا لكبار العلماء *. قال محمد بن عبد الله بن نُمَيْر: قال عبد الرحمن بن مَهْدِي (٢): "إن معرفة الحديث إلهام". قال ابن نُمَيْر: "صَدَقَ، لو قلت له: من أين قلت (٣)؟ لم يكن له جواب". وقال أبو حاتم الرازي (٤): "قال عبد الرحمن بن مَهْدِي: إنكارنا للحديث عند الجُهَّال كَهَانة" *.

стр. 233

فصلٌ فهذا كلام هؤلاء الأئمة في هذا الحديث. وأما كلامهم في سفيان بن حسين (١) الذي تفرَّد به عن الناس؛ فقال الإمام أحمد في رواية المَرُّوذي عنه: "ليس بذاك في حديثه عن الزهري". وقال يحيى بن معين في رواية عبَّاس الدُّوْرِي عنه: "ليس به بأس، وليس من كبار أصحاب الزهري، وفي حديثه ضعف عن الزهري". ولا تنافي بين قوليْه: "ليس به بأس"، وقوله: "في حديثه ضعف عن الزهري"؛ لما سيأتي إن شاء الله من بيان سبب ضعف حديثه عن الزهري. وقال يحيى في رواية ابن أبي خَيْثَمَة عنه: "ثقة في غير الزهري لا يُدْفَع، وحديثه عن الزهري ليس بذاك، إنما سمع منه بالمَوْسِم" (٢). وقال في رواية يعقوب بن شَيْبَة (٣): "كان سفيان بن حسين مؤدِّبا، ولم يكن بالقوي". وقال في رواية أبي داود: "وليس بالحافظ، وليس بالقوي في الزُّهري".

стр. 234

وقال عثمان بن أبي شَيْبَة: "كان ثقة، ولكنه كان مُضْطَرِبًا في الحديث قليلًا". وقال ابن سَعد: "ثقة، يُخْطِئ في حديثه كثيرًا". وقال يعقوب بن شيبة (١): "ثقة صدوق، وفي حديثه ضَعْف، وقد (٢) حمل الناس عنه". وقال أبو حاتم الرَّازِي: "صالح الحديث، يُكتب حديثه ولا يُحْتجُّ به؛ نحو محمد بن إسحاق *، وهو أحب إليَّ من سليمان بن كثير" (٣). وقال النسائي: "ليس به بأس؛ إلا في الزُّهري". وقال أبو حاتم البُسْتِي في كتاب "الضعفاء" (٤) - وقد أدخله فيه -: "يروي عن الزهري المقلوبات، فإذا روى عن غيره؛ أشبه حديثه حديث الأثبات، وذلك أن صَحِيْفة الزهري اخْتَلَطَتْ عليه، وكان يأتي بها على التَّوهم، فالإنصاف في أمره، يُكْتَب مما روى عن الزهري، والاحتجاج بما روى عن غيره".

стр. 235

وقال أبو أحمد بن عدي: "هو في غير الزهري صالح، وفي الزهري يروي أشياء، خالف فيها (١) الناس". قالوا: ولا تنافي بين قول من ضعَّفهُ وقول من وثَّقه؛ لأن من وثَّقه جمع بين توثيقه في غير الزهري وتضعيفه فيه، وهذه مسألة غير مسألة تعارُض الجرح والتعديل، بل يظنُّ قاصرُ العلم أنها هي! فيعارض قول مَنْ جَرَّحه بقول مَن عدَّله، وإنما هذه مسألة أخرى غيرها، وهي (٢) الاحتجاج بالرجل فيما رواه عن بعض الشيوخ، وترك الاحتجاج به بعينه فيما رواه عن آخر. وهذا كإسْمَاعِيل بن عَيَّاش؛ فإنه عند أئمة هذا الشأن حُجَّة في الشَّاميين أهلِ بلده، وغير حُجَّة فيما رواه عن الحِجَازيين والعِرَاقيين وغير أهلِ بلده (٣). ومثل هذا، تضعيف مَنْ ضعَّف (٤) قَبيْصَة في سُفْيان الثَّوْرِي (٥)، واحْتَجَّ به في غيره، كما فعل أبو عبد الرحمن النسائي. وهذا طريقة الحُذَّاق من أصحاب الحديث أطباء علله، يحتجُّون بحديث الشخص عمَّن هو معروف بالرواية عنه، وبحفظ حديثه

стр. 236

وإتقانه، وملازمته له، واعتنائه بحديثه، ومتابعة غيره له، ويتركون (١) حديثه نفسه عمَّن ليس هو معه بهذا المنزلة. وهذه حال سفيان بن حسين عند جماعتهم: ثقة، صدوق، وهو في الزهري ضعيف لا يُحتجُّ به؛ لأنه إنما لقيهُ مرَّة بالمَوْسِم، ولم يكن له من الاعتناءِ بحديث الزهري وصُحْبته وملازمته له ما لأصحاب الزهري الكبار، كمالك واللَّيث ومعمر وعُقَيْل ويونس وشُعَيْب؛ فإذا تفرَّد (٢) مثل هذا بحديث عن هؤلاء، مع ملازمتهم الزهري (٣)، وحفظهم حديثه، وضبطهم له، وهو (٤) ليس مثلهم في الحفظ والإتقان؛ لم يكن حجة عندهم. هذا إذا لم يخالفوه، فكيف إذا خالفوه، فَرَفَع ما قد (٥) وقَفُوه، ووَصل ما قطعوه، وأسْنَد ما أرسلوه؟! هذا مما لا يرتاب أئمة هذا الشأن في أن (٦) إلْحَاقَ الغَلَطِ به أولى. وربما يظن الغالط الذي ليس له ذَوْق القوم ونقدهم = أنَّ هذا تناقض منهم؛ فإنهم يحتجُّون بالرجل ويوثِّقونه في موضع، ثم يضعِّفونه بعينه ولا يحتجون به في موضع آخر، ويقولون: إن كان ثقة،

стр. 237

وجب قبول روايته جملة، وإن لم يكن ثقة، وجب (١) ترك الاحتجاج به جملة. وهذه طريقة قاصري العلم، وهي طريقة (٢) فاسدة، مجمعٌ بين أهل الحديث على فسادها؛ فإنهم يحتجُّون من حديث (٣) الرجل بما تابعه غيره عليه، وقامت شهوده من طرق ومتون أخرى، ويتركون حديثه بعينه إذا روى ما يخالف الناس، أو انفرد (٤) عنهم بما لا يتابعونه عليه، إذِ الْغَلَطُ في موضع لا يُوْجِبُ الغلط في كل موضع، والإصابة في بعض الحديث أو في (٥) غالبه لا توجب العِصْمَة من الخطأ في بعضه، ولا سيما إذا عُلِم من مثل هذا أغلاط عديدة، ثم روى ما يخالف الناس ولا يتابعونه على الظن، أو يُجْزَم بِغَلَطِهِ. فصل وهنا (٦) يَعْرِض لمن قَصُر نقدُه وذوقُه (٧) عن نقد الأئمة وذوقهم في هذا الشأن نوعان من الغلط، نُنَبِّه عليهما لعظيم فائدة الاحتراز منهما.

стр. 238

أحدهما: أن يرى مثل هذا الرجل قد وُثِّق، وشُهِد له بالصِّدْق والعدالة، أو خُرِّج حديثُه في الصحيح، فيجعل كلَّ ما رواه على شَرْطِ الصحيح (١). وهذا غلطٌ ظاهرٌ؛ فإنه إنما يكون على شرط الصحيح، إذا انتفت عنه العلل والشذوذ (٢) والنكارة وتوبع عليه، فأما مع وجود ذلك أو بعضه؛ فإنه لا يكون صحيحًا، ولا على شرط الصحيح. ومن تأمَّل كَلَامَ البخاري ونظرائه في تَعْلِيْلِهِ أحاديث جماعة أخْرج حديثهم في "صحيحه" = عَلِمَ إمَامَتَهُ ومَوْقِعَهُ مِن هذا الشأن، وتبيَّن له حقيقة ما ذَكَرْنَاه (٣). فصل النوع الثاني (٤) من الغلط: أن يرى الرجل قد تُكُلِّم في بَعْضِ حديثِهِ، وضُعِّف في شيخ أو في حديث، فيجعل ذلك سبَبًا لتعليل (٥) حديثه وتضعيفه أين وُجِد (٦)، كما يفْعَلُه بعض المتأخرين مِن أهلِ الظَّاهر وغيرهم.

стр. 239

وهذا أيضًا غلطٌ؛ فإن تضعيفه في رجلٍ أو في حديث (١) ظهَرَ فيه غلطٌ لا يوجب تضعيف (٢) حديثه مطلقًا، وأئمة الحديث على التَّفْصِيْل والنَّقْد، واعْتِبَار حديث الرجل بغيره، والفَرْق بين ما انْفَرَد به أو وافقه فيه الثقات. وهذه كلمات نافعة في هذا الموضع، تُبَيِّن كيف يكون نَقْدُ الحديث، ومعرفة صحيحه من سقيمه، ومعلوله من سليمه، ومن لم يجعل الله له (٣) نورًا، فما له من نور. قالوا: فهذا شأن هذا الحديث وشأن راويه. وأما قولكم: إنَّ مسلمًا روى لسفيان بن حسين في "صحيحه"، فليس كما ذكرتُم، وإنما روى له في مقدمة كتابه، ومسلمٌ لم يشترط فيها ما شرَطَهُ في الكتاب من الصَّحَّة، فلها شَأْن، ولسَائِرِ كتابه شَأْن آخر، ولا يشك أهل الحديث في ذلك. قالوا: وأما استشهاد البخاري به (٤) في "الصحيح"؛ فلا يدلُّ على (٥) أنه حُجَّة عنده؛ لأن الشَّواهد والمُتَابعات يُحْتَمل فيها ما لا يُحْتَمل في الأصول، وقد استشهد البخاري في "صحيحه" بأحاديث

стр. 240

جماعة، وتَرَكَ الاحْتِجَاجَ بهم. وأما تَصْحِيْحُ الترمذي لسفيان بن حسين؛ فإنما صحَّح له حديثًا غير هذا الحديث كما تقدَّم، ولم يصحِّح هذا الحديث الذي صحَّحه إلا (١) من روايته عن غير الزهري، وأما حديثه عن الزهري، فكالمُجْمَع على ضَعْفِهِ، كما حكينا (٢) أقوال أئمة هذا الشأن آنفًا. هذا مع أن الترمذي يصحِّح أحاديث لم يتابعه غيرُه على تصحيحها، بل يصحَّح ما يُضعِّفه غيره أو يُنكِره: فإنه صحَّح حديث كَثِيْر بن عبد الله بن عَمْرو بن عَوْف (٣)، وأحمد يُضَعِّفُ حديثه جدًّا، وقال لابنه عبد الله: "لا تحدِّث عنه". وقال: "منكر الحديث، ليس بشيء". وقال يحيى: "حديثه ليس بشيء، ولا يكتب". وقال النسائي والدَّارقطني: "متروك الحديث". وقال الشافعي: "هو رُكنٌ من أركان (٤) الكذب". وقال ابن حبان: "روى عن أبيه عن جده: نسخة موضوعة، لا

стр. 241

يَحِلُّ ذِكْرها في الكتب ولا الرواية عنه إلا على التَّعَجُّب". ويصحِّح أيضًا حديث محمد بن إسحاق (١)، وهو أعذر مِنْ تصحيحه حديث كَثِيْر هذا (٢). ويصحِّح أيضًا للحجَّاج بن أرْطَاة مع اشتهار ضَعْفِه (٣). ويصحِّح حديث عَمْرو بن شُعَيْب (٤)، وأحْسَنَ كلَّ الإحسان في ذلك. والمقصود أنه يصحِّح ما لا يصحِّحه غيره، وما يُخَالَف في تصحيحه. قالوا: وأما تصحيح الحاكم: فكما قال القائل (٥): فأصْبَحْتُ مِنْ لَيْلَى الغَداةَ كَقابِضٍ … على الماءِ خَانَتْهُ فُروجُ الأصَابِعِ ولا يعبأ الحُفَّاظُ أطباءُ علل (٦) الحديث بتصحيح الحاكم شيئًا،

стр. 242

ولا يرفعون به رأسًا ألْبَتَّة، بل لا يدل تصحيحه (١) على حسن الحديث، بل يُصَحِّحُ أشياء مَوْضُوْعَة بلا شك عند أهل العلم بالحديث، وإن كان من لا عِلْم له بالحديث لا يعْرِفُ ذلك؛ فليس بمعيار على سُنَّةِ رسول الله ﷺ ، ولا يعبأ أهل الحديث به شيئًا. والحاكم نفسه يصحِّح أحاديث (٢) جماعة، وقد أخبر في كتاب "المَدْخَل" له أنَّه لا يُحْتجُّ بهم، وأطلق الكذب على بعضهم، هذا مع أن مُسْتَنَدَ تصحيحه ظَاهِرُ سنده، وأن رواته ثقات، ولهذا قال: "صحيح الإسناد". وقد عُلِم أنَّ صِحَّة الإسناد شرطٌ من شروط صحة الحديث، وليست موجبة لصحته (٣)؛ فإن الحديث إنما يصحُّ بمجموع أمور؛ منها: صِحَّة سنده، وانتفاءُ عِلَّته، وعدمُ شُذِوذِه ونَكَارَتِهِ، وأن لا يكون راويه قد خَالَفَ الثقات أو شَذَّ عنهم. وهذا الحديث قد تَبَيَّنتْ عِلَّتُهُ ونَكَارتُهُ. قالو: وأما تصحيح أبي محمد بن حَزْم له: فما أجْدره بظاهريته (٤)، وعدم التفاته إلى العلل والقرائن (٥) التي تمنع ثبوت

стр. 243

الحديث بتصحيح مثل (١) هذا الحديث وما هو دونه في (٢) الشذوذ والنكارة، فتصحيحه للأحاديث المعلولة وإنكاره لتعليلها نظير إنكاره للمعاني والمناسبات والأقيسة التي يستوي فيها الأصل والفرع من كل وجه، والرجل يصحِّح ما أجمع أهل الحديث على ضعفه، وهذا بيِّنٌ في كُتُبِه لِمَن تأمَّله. وأَما قولُكم: "إن الإمام أحمد رواه، وبنى مذهبه عليه، وسكت عن تضعيفه، وما سكت عنه في "المسند"؛ فهو صحيح عنده". فهذه أرْبَعُ مقدِّمات، لو سُلِّمَتْ لكم، لكان غاية ما يُستنتَج منها تصحيح أحمد له. وأحمد قد خالفه من ذكرنا أقوالهم في تضعيفه، والشهادة له بالنكارة، وأنه ليس من كلام رسول الله ﷺ . وإذا اختلف أحمد وغيره من أئمة الحديث في حديث؛ فالدليل يحكم بينهم، وليس قوله حُجَّة عليهم، كما إذا خالفه غيره في مسألة من الفقه، لم يكن قوله حُجَّة على مَن خالفه، بل الحُجَّة الفاصِلة هي الدَّليل. ولو أنا احْتَجَجْنَا عليكم بمثل هذا، لَقُلْتُم - ولَسُمِع قولكم -: تصحيحُ أحمد معارِضٌ لتضعيف هؤلاء الأئمة، فلا يكون حُجَّة.

стр. 244

كيف والشَّأْن في المُقَدِّمة الرابعة، وهي: أنَّ كل ما سكت عنه أحمد في "المسند" فهو صحيح عنده؛ فإن هذه المقدمة لا مُسْتَنَد لها ألْبتَّة، بل أهل الحديث كلهم على خِلافِها، والإمام أحمد لم يشترط في "مسنده" الصحيح، ولا التزمه، وفي "مسنده" عِدَّة أحاديث سُئِلَ هو عنها؟ فضعَّفها بعينها، وأنكرها: - كما روى حديث العَلَاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة يرفعه: "إذا كان النِّصْف من شعبان، فأمْسِكُوا عن الصيام حتى يكون رمضان" (١). وقال حرب: "سمعتُ أحمد يقول: هذا حديث منكر، ولم يحدِّث العلاء بحديثٍ أنْكَرَ من هذا، وكان عبد الرحمن بن مَهْدِي لا يحدِّث به ألْبَتَّة" (٢).

стр. 245

- وروى حديث: "لا صيام لمن لم يبيِّت الصيام من الليل" (١). وسأله المَيْمُوني عنه؟ فقال: "أُخْبِرُك؛ ما له عندي ذلك الإسناد، إلا أنه عن عائشة وحفصة إسنادان جيِّدان" يريد أنه موقوف (٢). - وروى حديث أبي المُطَوَّس عن أبيه عن أبي هريرة يرفعه: "من أفطر يومًا من رمضان، لم يقضه عنه صيام الدهر" (٣).

стр. 246

وقال - في رواية مُهَنَّا وقد سأله عنه - "لا أعرف أبا المُطَوَّس، ولا ابن المُطَوَّس" (١). - وروى: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" (٢). وقال المَرُّوْذِي: "لم يصحِّحه أبو عبد الله، وقال: ليس فيه شيء يَثْبُت" (٣). - وروى حديث عائشة: "مُرْنَ أزواجَكُنَّ أن يغسلوا عنهم أثر الغائطِ والبولِ؛ فإني أستَحْييهِم، وكان رسول الله ﷺ يفعَلُه" (٤).

стр. 247

وقال في رواية حَرْبٍ (١): "لم يَصِحَّ فيِ الاستنجاء بالماء حديث (٢). قيل له: فحديث عائشة؟ قال: لا يصح؛ لأنّ غَيْرَ قتادة لا يرفعه". - وروى حديث عِراك عن عائشة: "حَوِّلوا مقعدتي نحو القِبْلَة" (٣). وأعلَّه بالإرسال، وأنكر أن يكون عِراك سمع من عائشة. وروى (٤) لجعفر بن الزبير، وقال - في رواية المَرُّوْذِي -: "ليس

стр. 248

بشيء". - وروى حديث وضوء النبي ﷺ مرَّة مَرَّة (١). وقال - في رواية مُهَنَّا -: "الأحاديث فيه ضعيفة" (٢) - وروى حديث طلحة بن مَصَرِّف عن أبيه عن جده: "أن النبي ﷺ مسح رأسه حتى بلغ القَذَال" (٣). وأنكره - في رواية أبي داود (٤) - قال: "ما أَدْرِي ما هذا، وابنُ عُيَيْنَة

стр. 249

كان يُنْكِرَهُ". - وروى حديث عمرو بن شُعَيْب عن أبيه عن جده يرفعه: "أيّما رجل مسَّ ذكره فليتوضأ" (١). وقال - في رواية أحمد بن هاشم الأْنطَاكي -: "ليس بذلك، وكأنه ضعَّفه" (٢). - وروى حديث زيد بن خالد الجُهَني يرفعه: "من مسَّ فرجه فليتوضأ" (٣).

стр. 250

وقال مُهَنَّا: سألت أحمد عنه؟ فقال: "ليس بصحيح، الحديث حديث نِسْوَة"، فقلت: من قِبل مَن جاء خطؤه؟ فقال: "من قِبَل ابن إسحاق، أخطأ فيه". ومن طريقه رواه في "مسنده". - وروى حديث عائشة مرفوعًا في مَسَّ الذَّكَرِ (١) وقال - في رواية مُهَنَّا -: "ليس بصحيح".
следующие страницы →