← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 18169

الفروسية المحمدية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (530 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقال - في رواية مُهَنَّا وقد سأله عنه - "لا أعرف أبا المُطَوَّس، ولا ابن المُطَوَّس" (١). - وروى: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" (٢). وقال المَرُّوْذِي: "لم يصحِّحه أبو عبد الله، وقال: ليس فيه شيء يَثْبُت" (٣). - وروى حديث عائشة: "مُرْنَ أزواجَكُنَّ أن يغسلوا عنهم أثر الغائطِ والبولِ؛ فإني أستَحْييهِم، وكان رسول الله ﷺ يفعَلُه" (٤).

стр. 247

وقال في رواية حَرْبٍ (١): "لم يَصِحَّ فيِ الاستنجاء بالماء حديث (٢). قيل له: فحديث عائشة؟ قال: لا يصح؛ لأنّ غَيْرَ قتادة لا يرفعه". - وروى حديث عِراك عن عائشة: "حَوِّلوا مقعدتي نحو القِبْلَة" (٣). وأعلَّه بالإرسال، وأنكر أن يكون عِراك سمع من عائشة. وروى (٤) لجعفر بن الزبير، وقال - في رواية المَرُّوْذِي -: "ليس

стр. 248

بشيء". - وروى حديث وضوء النبي ﷺ مرَّة مَرَّة (١). وقال - في رواية مُهَنَّا -: "الأحاديث فيه ضعيفة" (٢) - وروى حديث طلحة بن مَصَرِّف عن أبيه عن جده: "أن النبي ﷺ مسح رأسه حتى بلغ القَذَال" (٣). وأنكره - في رواية أبي داود (٤) - قال: "ما أَدْرِي ما هذا، وابنُ عُيَيْنَة

стр. 249

كان يُنْكِرَهُ". - وروى حديث عمرو بن شُعَيْب عن أبيه عن جده يرفعه: "أيّما رجل مسَّ ذكره فليتوضأ" (١). وقال - في رواية أحمد بن هاشم الأْنطَاكي -: "ليس بذلك، وكأنه ضعَّفه" (٢). - وروى حديث زيد بن خالد الجُهَني يرفعه: "من مسَّ فرجه فليتوضأ" (٣).

стр. 250

وقال مُهَنَّا: سألت أحمد عنه؟ فقال: "ليس بصحيح، الحديث حديث نِسْوَة"، فقلت: من قِبل مَن جاء خطؤه؟ فقال: "من قِبَل ابن إسحاق، أخطأ فيه". ومن طريقه رواه في "مسنده". - وروى حديث عائشة مرفوعًا في مَسَّ الذَّكَرِ (١) وقال - في رواية مُهَنَّا -: "ليس بصحيح".

стр. 251

- وروى عن عائشة (١): "مدت امرأة من وراء السِتْر بيدها كتابًا إلى رسول الله ﷺ ، فقبض النبي ﷺ يده، وقال: "ما أدري أَيَدُ رجلٍ أو يَدُ امرأة؟ "، قالت: بل امرأة (٢)، قال: "لو كنتِ امرأة غيَّرْتِ أظفارَك بالحنَّاء". "وفي رواية جسدك" (٣). وقال في رواية حَنْبَل: "هذا حديث منكر". - وروى حديث أبي هريرة يرفعه: "من استقاء فليقض، ومن ذرعه القيء فليس عليه قضاء" (٤).

стр. 252

وعلَّله في رواية مُهَنَّا وأبي داود (١)، قال أبو داود: سألتُ أحمد عن هذا؟ فقال: "ليس في هذا شيء، إنما هو حديث: "من أكل ناسيًا وهو صائم، فإنما أطعمه الله تعالى وسقاه" (٢). - وروى حديث ابن عباس: "أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم" (٣). وقال في رواية مُهَنا وقد سأله عن هذا الحديث؟ فقال: "ليس بصحيح".

стр. 253

- وروى حديث ابن عمر يرفعه: "من اشترى ثوبًا بعشرة دراهم وفيه درهم حرام، لم تُقْبَل له صلاة ما دام عليه" (١). وسأله أبو طَالِب عن هذا الحديث؟ فقال: "ليس له إسناد" (٢). وقال - في رواية مُهَنا -: "لا أعرف يزيد بن عبد الله (٣)، ولا هاشم الأوْقَص". ومن طريقهما رواه. - وروى عن القَوارِيْري عن مُعَاذ بن مُعَاذ عن أشْعث الحُمْرَاني عن ابن سِيْرين عن عبد الله بن شَقِيْق عن عائشة: "كان رسول الله ﷺ لا يصلِّي في شُعُرِنا ولا لُحُفِنا" (٤).

стр. 254

وقال - في رواية ابنه عبد الله -: "ما سمعتُ عن أشْعَث أنكرَ من هذا، وأنكره إنكارًا شديدًا" (١). - وروى حديث علي: "أنَّ العبَّاس سأل رسول الله ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تَحِلَّ، فرخَّص له في ذلك (٢) " (٣).

стр. 255

وقال الأثْرم: سمعتُ أبا عبد الله ذُكِرَ له هذا الحديث، فَضَعَّفه، وقال: "ليس ذلك بشيء". هذا معَ أنّ مَذْهبَهُ جوازُ تَعْجيل الزكاة (١). - وروى حديث أمِّ سَلَمَة: "أن النبي ﷺ أمَرَهَا تُوافِيَهُ يوم النَّحر بمكة" (٢). وقال - في رواية الأثرم -: "هو خطأ"، قال: "وقال: "وكيع عن

стр. 256

هشام عن أبيه مرسل: إن النبي ﷺ أمرها أن توافيه صلاة الصبح يوم النحر بمكة، أو نحو هذا. قال أبو عبد الله: وهذا أيضًا عَجَب! النبي ﷺ يوم النحر ما يصنع بمكة؟. ينكر ذلك (١). - وروى حديث أبي هريرة يرفعه: "من وجَد سعةً، فلم يُضَحِّ، فلا يقرَبَنَّ مُصلَّانا" (٢). وقال في رواية حَنْبَل: "هذا حديث منكر". - ونظير ما نحن فيه سواء بسواء ما رواه عن عثمان بن عمر: حدثنا يونس عن الزهري عن أبي سَلَمة عن عائشة: أن رسول ﷺ قال: "لا نَذْرَ في معصية، وكفَّارته كفارة اليمين" (٣).

стр. 257

فهذا حديث رواه، وبني عليه مذهبه، واحتجَّ به، ثم قال - في رواية حَنْبَل -: "هذا حديث منكر". وهذا بابٌ واسعٌ جدًّا (١)، لو تتَبَّعْناهُ؛ لجاء كتابًا كبيرًا. والمقصود أنه ليس كل ما رواه وسكت عنه يكون صحيحًا عنده، وحتى لو كان صحيحًا عنده، وخالفه غيره في تصحيحه، لم يكن قوله حُجَّة على نظيره. وبهذا يُعْرَفُ وَهْم الحافظ أبي موسى المَدِيْني في قوله: "إنَّ ما خرَّجه الإمام أحمد في "مسنده" فهو صحيح عنده" (٢). فإنَّ أحمد لم يقل ذلك قط، ولا قال ما يدلُّ عليه، بل قال ما يدلُّ على خلاف ذلك، كما قال أبو العز بن كادش (٣): "إن عبد الله بن أحمد قال لأبيه: ما تقول في حديث رِبْعِي عن حُذَيفة؟ قال: الذي يرويه عبد العزيز بن أبي رَوَّاد؟ قلت: يَصِحُّ؟ قال: لا، الأحاديث بخلافه،

стр. 258

وقد رواه الحفاظ عن رِبْعي عن رجل لم يُسَمِّه. قال: فقلتُ له: لقد ذكرتَه في "المسند" (١)؟ فقال: قصدتُ (٢) في "المسند" الحديث المشهور، وتركتُ الناس تحت سِتْر الله، ولو أردتُ أقصد (٣) ما صحَّ عندي، لم أرْوِ من هذا "المسند" إلا الشيء بعد الشيء، ولكنَّك يا بُنَي تعرف طريقتي في "المسند"، لسْتُ أخالف ما فيه ضعف؛ إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه". فهذا تصريح منه رحمه الله تعالى بأنه أخرج فيه الصحيح وغيره. وقد اسْتَشْكَلَ أبو موسى المَدِيني هذه الحِكَاية، وظَنَّهَا كلامًا متناقضًا، فقال: "ما أظنُّ هذا يصح؛ لأنه كلام متناقض؛ لأنه يقول: لستُ أخالفُ ما فيه ضعف؛ إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو يقول في هذا الحديث: الأحاديث بخلافه"، قال: "وإن صحَّ؛ فلعله كان أوَّلًا، ثم أخرج منه ما ضَعُف؛ لأني طلبتُه في المسند، فلم أجِدْه" (٤). قلت: ليس في هذا تناقضٌ من أحمد ﵀، بل هذا هو أصله الذي بنى عليه مذهبه، وهو لا يقدم على الحديث الصحيح شيئًا ألبتة (٥)، لا عَمَلًا، ولا قياسًا، ولا قول صاحبٍ، وإذا لم يكن في المسألة حديثٌ صحيحٌ، وكان فيها حديثٌ ضعيفٌ، وليس في الباب

стр. 259

شيء يردُّه = عَمِلَ به، فإن عارضه ما هو أقوى منه، تركه للمعارض القويِّ، وإذا كان في المسألة حديث ضعيف وقياس، قدَّم الحديث الضعيف على القياس. وليس الضعيف في اصطلاحه هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين، بل هو والمتقدمون يُقسِّمون الحديث إلى صحيح وضعيف، والحسن عندهم داخل في الضعيف بحسب مراتبه. وأوَّل من عُرِف عنه أنه قسمه إلى ثلاثة أقسام أبو عيسى الترمذي، ثم الناس تبعٌ له بعد (١). فأحمد يقدِّم الضعيف - الذي هو حسنٌ عنده - على القياس، ولا يلتفت إلى الضعيف الواهي الذي لا يقوم به حجَّة، بل يُنْكر على مَن احتجَّ به وذهب إليه، فإن لم يكن عنده في المسألة حديث، أخذ فيها بأقوال الصحابة ولم يخالفهم، وإن اختلفوا، رجَّح من أقوالهم، ولم يخرج منها، وإذا اختلفت الصحابة في مسألة، ففي الغالب يختلف جوابه فيها، ويَخْرجُ عنه فيها روايتان أو أكثر، فَقَلَّ مسألةٌ عن الصحابة فيها روايتان؛ إلا وعنه فيها روايتان أو أكثر، فهو أتبع خلق الله تعالى للسنن مَرْفوعِهَا ومَوْقوفِهَا. وقد صَنَّف الحافظ أبو موسى المديني كتابًا ذكر فيه فضائل المسند وخصائصه (٢) قال فيه: "ومن الدليل على أنَّ ما أودعه الإمام أحمد قد

стр. 260

احْتَاط فيه سندًا ومتنًا، ولم يروِ فيه إلا ما صحَّ عنده: ما أنبأنا به أبو علي - ثم ساق بسنده إلى الإِمام أحمد من "المسند - قال: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي التَّيَّاح قال: سمعتُ أبا زُرْعَة يحدِّث عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : أنه قال: "يُهْلِكُ أُمَّتي هذا الحيُّ من قريش"، قالوا: فما تأمرنا به يا رسول الله؟ قال: لو أنَّ الناس اعتزلوهم" (١). قال عبد الله (٢): قال لي أبي في مرضه الذي ماتَ فيه: اضْرِب على هذا الحديث؛ فإنه خِلاف الأحاديث عن النبي ﷺ . يعني: قوله: "اسْمَعُوا وأطِيْعُوا". قال أبو موسى: "وهذا - مع ثقة رجال إسناده - حين شذَّ لفظُه عن الأحاديث المشاهير، أمر بالضَّرب عليه، فدلَّ ذلك (٣) على ما قلناه، وفيه نظائر له". قلت: هذا لا يدلُّ على أنَّ كلَّ حديثٍ في "المسند" يكون صحيحًا عنده، وضَرْبُه على هذا الحديث - مع أنه صحيح أخرجه أصحاب الصحيح - لكونه عنده خلاف الأحاديث، والثابت المعلوم من سُنَّتِه ﷺ في الأمر بالسَّمْع والطَّاعة، ولزوم الجماعة، وتَرْك الشُّذُوذ

стр. 261

والانفراد؛ كقوله ﷺ : "اسمعوا وأطيعوا، وإن استُعْمِلَ عليكُم عبدٌ حبشيٌّ" (١)، وقوله: "مَن فارق الجماعة فمات؛ فَمِيْتَتْه جاهلية" (٢). وقوله: "الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد" (٣). وقوله: "مَن فارق الجماعة، فقد خَلَع رِبْقَة الإسلام مِن عُنُقِهِ" (٤). وقوله: "ثلاث لا يَغِلُّ عليهنَّ قلبُ رجلٍ مسلمٍ: إخلاصُ العملِ لله،

стр. 262

ومناصحةُ ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين؛ فإن دعوتَهم تحيطُ من ورائهم" (١). وقوله: "عليك بالجماعة؛ فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصِيَة" (٢).

стр. 263

إلى غير ذلك من الأحاديث المستفيضة المصرِّحة بلزوم الجماعة، فلما رأى أحمد هذا الحديث الواحد يخالف هذه الأحاديث وأمثالها؛ أمَرَ عبد الله بِضَرْبِه عليه. وأما مَنْ جَزَم بصحَّتِهِ: فقال: هذا في أوقات الفتن، والقتال على الملك، ولزوم الجماعة في وقتِ الاتِّفاق والْتِئام الكلمة، وبهذا تجتمع أحاديث النبي ﷺ التي رَغَّبَ فيها في العُزْلة والقعود عن القتال، ومَدَحَ فيها من لم يكن مع أحد (١) الطائفتين، وأحاديثه التي رغَّب فيها في الجماعة والدُّخول مع الناس؛ فإن هذا حال اجتماع الكلمة، وذاك حال (٢) الفتنة والقتال، والله أعلم. والمقصود أنَّ ضَرْبَ الإمام أحمد على هذا الحديث لا يدلُّ على صِحَّة كل ما رواه في "مسنده" عنده (٣).

стр. 264

قال أبو موسى (١): "وقال ابن السَّمَّاك: حدثنا حنبل بن إسحاق قال جَمَعَنَا أحمد بن حنبل أنا وصالح وعبد الله، وقرأ علينا "المسند"، وما سمعه منه غيرنا، وقال لنا: هذا كتاب جمعته من سبع مئة ألفٍ وخمسين ألفِ حديث، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله ﷺ ؛ فارجعوا إليه، فإن وجدتموه فيه، وإلَّا فليس بحُجَّة". قلت: هذه الحكاية قد ذكرها حَنْبَل في "تاريخه"، وهي صحيحة بلا شك، لكن لا تدلُّ على أن كل ما رواه في "المسند" فهو صحيح عنده، فالفرق بَيْن أن يكون كل حديث لا يوجد له أصل في "المسند"، فليس بِحُجَّة، وبَيْن أن يقول: كل حديثٍ فيه فهو حجة، وكلامه يدلُّ على الأول لا على الثاني. وقد استشكل بعض الحفاظ هذا من أحمد، وقال: "في "الصحيحين" أحاديث ليست في "المسند"". وأُجيب عن هذا بأن تلك الألفاظ بعينها، وإن خلا المسند عنها، فلها فيه أصول ونظائر وشواهد، وأما أن يكون متن صحيح لا مطعن فيه ليس له في "المسند" أصل ولا نظير، فلا يكاد يوجد ألْبَتَّة *.

стр. 265

فصلٌ والمقصود أن إخراج أحمد لحديث سُفْيان بن حُسَين عن الزُّهْري في الدِّخيل في سباق الخيل،، أي: في (١) عقد السباق لا يدل على صحَّته عنده، بل ولا على حُسْنه. وأما كون مذهبه على مقتضاه؛ فهذا (٢) يحتمل أمرين: أحدهما - وهو أظهر (٣) -: أن يكون بناه على أصله في أن الحديث الضعيف إذا لم يكن عنده في الباب شيء يدفعه؛ أخذ به. ويحتمل أن يكون قلَّد سعيد بن المسيب في ذلك، حيث لم يتبيَّن له ضعف قوله، وكان أحمد معظِّمًا لسعيد جدًّا، حتى قال: "هو أعلم التَّابعين". وقد قال - في رواية أبي طالب -: "الرمي أقول فيه (٤) أيضًا يكون فيه محلِّل، مثل الفرسين، هو قياس واحد، والإبل مثله، قياس واحد، وسبق (٥) واحد". وظاهر هذا أنه ذهب إليه لمجرَّد الأثر، ولم يَخْفَ على أحْمَد

стр. 266

عِلَّته، وأنه من كلام سعيد، لكن لم يجد في الباب غير هذا، وهَابَ سعيد بن المُسَيِّب أن يخالفه بغير نصٍّ صريح. وأما أبو حنيفة فمذهبه الذي حكاه عنه (١) أصحابه: أنَّ التابعيَّ إذا أفتى في عصر الصحابة (٢) وزاحمهم في الفتوى كان قوله حجة *. فصلٌ وأما قولكم: إن الدارقطني قال: "هو محفوظ عن الزُّهري". فلو حَكَيْتُم كلامه على وجهه؛ لتبيَّن لكم (٣) وجه الصواب، ونحن نسوقه بلفظه: ففي كتاب "العلل" (٤) له سُئل عن حديث ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "من أدخل فرسًا بين فرسين" الحديث. فقال: "يرويه سعيد بن بَشِيْر عن قَتَادة عن سَعِيْد بن المسيب عن أبي هريرة، ووهم في قوله: "قتادة"، وغيره يرويه عن هِشَام بن عَمَّار عن الوليد عن سعيد بن بَشِيْر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. وكذلك رواه محمد بن خالد وغيره عن الوليد، وكذلك رواه سفيان بن حسين عن الزهري، وهو المحفوظ". قال البَرْقَاني: "قيل له: فإن الحُسَيْن بن السَّمَيْدَع الأنْطَاكِي رواه عن موسى بن أيوب عن الوليد بن مُسْلِم عن سعيد بن عبد العزيز عن

стр. 267

الزهري بذلك. من هو سعيد بن عبد العزيز؟ (١) فقال: التَّنوخِي". ثم قال: "هذا غلط، إنما هو سعيد بن بَشِيْر". هذا نصُّ كلامه. وهو - كما ترى - لا يدلُّ على أن الحديث صحيحٌ عنده، ولا محفوظٌ عنده، فإن قوله: "رواه سفيان بن حسين عن الزهري، وهو المحفوظ"، يريد: أنَّ ذِكْرَ قتادة بَدَلَ الزُّهريَّ غلطٌ ممَّن سمَّاه، وأن الصواب فيه: الزهري عن سعيد، لا قتادة عن سعيد؛ فإن قتادة لا مَدْخَلَ له في هذا الحديث، فالذي حفِظَهُ الناس فيه: الزهري عن سعيد. هذا معنى كلامه، فأين معنى الشهادة منه بصحة الحديث وثُبُوته؟! فصلٌ قالوا: وأما قولكم: "إنَّ أبا أحمد بن عدي شَهِد بأنَّ له أصلًا، وصوَّب رواية سعيد له عن أبي هريرة". فقد أصابكم في ذلك ما أصابكم في كلام الدارقطني، ولو حكيتم كلام ابن عدي لتبيَّن لكم (٢) أنَّه لا يدل على صحة الحديث عنده ولا حُسْنه؛ فإنه ذكره في كتاب "الكامل" له، وهو إنما يذكر فيه غالبًا الأحاديث التي أُنْكِرَت على مَن يَذْكُرُ ترجمته، ونحن نُوْرِدُ كلامَهُ

стр. 268

بلفظه. قال في كتابه (١): "سعيد بن بشير: له عند أهل دمشق تصانيف؛ لأنه سَكَنها، وهو بصْرِي، ورأيت له تفسيرًا مُصَنَّفًا من رواية الوليد عنه، ولا أرى فيما رُوي عن سعيد بن بشير بأسًا، ولعله يَهِمُ في الشَّيء بَعْدَ الشيءِ، وَيَغْلَط، والغالبُ على حديثه الاستِقَامة، والغالب عليه الصِّدْق". ثم قال: "حدثنا القاسم بن الليث الرَّسْعَنِي وعُمَر بن سِنَان وابن دُحَيْم؛ قالوا: حدثنا هشام بن عمَّار حدثنا الوليد حدثنا سعيد بن بَشِيْر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "من أدخل فرسًا بين فرسين فذكر الحديث. حدثناه عَبْدَان حدثنا هشام حدثنا الوليد حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ". قال ابن عدي: "وذَكَر لنا عَبْدَان في هذا الحديث قِصَّة، وقال: لُقِّنَ هشام بن عَمَّار هذا الحديث عن سعيد بن بشير عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، والحديث عن قتادة عن سعيد بن المسيب". قال ابن عدي: "وهذا الذي قاله عَبْدَان غلطٌ وخطأ، والحديث عن سعيد بن بشير عن الزهري أصوب من سعيد بن بشير عن قتادة؛ لأنَ

стр. 269

هذا الحديث من حديث قتادة ليس له أصل، ومن حديث الزُّهري له أصل، وقد رواه عن الزهري سفيان بن حُسين أيضًا". فهذا كلام ابن عدي - كما ترى - لا يدلُّ على أن الحديث صحيح ثابت عنده (١)، بل كلامه فيه مثل كلام الدارقطني؛ فإنه أنكر أن يكون من حديث قتادة، وإنما هو من حديث الزهري، ولا ريب أن الزُّهري حدث به، وله أصل من حديثه، وقد حمله الناس عنه، لكن الأئمة الأثبات من أصحابه، كمالك واللَّيْث وعُقَيْل ويونس وشُعَيْب بن أبي حمزة؛ وقفوه عنه على سعيد بن المسيب، وَرَفَعَهُ من لا يُجَاري هؤلاء في مِضْمَارهم، ولا يُعدُّ في طبقتهم في حفظٍ ولا إتقان، وهما: سفيان بن حسين، وسعيد بن بشير. فابن عديٍّ والدارقطني أنكرا روايته عن قتادة عن سعيد بن المسيب، وصوَّبا رواية من رواه عن الزُّهري عن سعيد، فأين الحُكْمُ له بالصِّحَّة والثُّبوت من هذا؟! ثم لو كان ذلك تصحيحًا صريحًا منهما: لَمَا قُدِّم على تعليل مَن حكينا تعليلَه من الأئمة، كأبي داود وأبي حاتم ويحيى بن معين وغيرهم، وغاية ذلك أن تكون مسألة نزاع بين أئمة الحديث، والدليل يفصل بينهم، فكيف ولم يصحِّحه إلا مَن تصحيحه كالقبض على الماء، وقد عُهِدَ منه تصحيح الموضوعات، وهو أبو عبد الله الحاكم، وله في "مستدركه" مما شاء الله من الأحاديث الموضوعة قد

стр. 270

صححها؟!. وقد ذكر الحافظ عبد القادر الرُّهَاوي في كتاب "المادح والممدوح" له أن أبا الحسن الدارقطني لما وقف عليه أنكره، وقال: "يَسْتَدْرِكُ عليهما حديث الطَّيْر؟!. فبلغ ذلك الحاكم، فضرب عليه من كتابه" (١). وذكر عن بعض الأئمة الحفَّاظ (٢) أنه لما وقف عليه قال: "ليس فيه حديث واحدٌ يُسْتَدْرَك عليهما!! وبالجملة، فتصحيح الحاكم لا يُستفاد منه حُسْنُ الحديث ألْبَتَّة، فَضْلًا عن صِحَّته. فصلٌ قالوا: وأما سؤال أبي عيسى الترمذي للبخاري (٣) عن حديث سفيان بن حسين في الصدقات؟ وقوله: "أرجو أن يكون محفوظًا، وهو صدوق". فلا يدلُّ على صحة حديث الدَّخيل - الذي نحن فيه - عنده؛ فإن حديثه في الصدقات محفوظ من حديث الزهري عن سالم عن أبيه، وهو كتابٌ كتبه رسول الله ﷺ ، وعمل به الخلفاء، وأَمَرَ عمر بن

стр. 271

عبد العزيز بانتساخه، وبعثه إلى بلاد الإسلام يعملون به، وهو كتابٌ مشهورٌ متوارَثٌ عند (١) آل عمر؛ ككتاب عَمْرو بن حَزْم، وكتاب عليّ، وكتاب أنس الذي كتبه له أبو بكر الصديق، وهذه الكتب تُصَدِّقه وتشهد بصحّته، وإن كان فيه خلاف يسير لبعضها (٢)، وإنما أُنكر على سفيان بن حسين رفعه، وإلَّا، فالحديث قد رواه غير واحد عن الزهري عن سالم مُرْسَلًا، ولكن قد تابع سفيان بن حسين على وَصْلِهِ سليمانُ بن كَثيْر، وهو ممَّن اتَّفق الشيخان على الاحتجاج بحديثه، فأين هذا من حديثه في المحلِّل الذي لا شاهد له ولا نظير، وقد خالفه الناس في رفعه؟! وقول البخاري فيه: إنه صدوق؛ إنما يدلُّ على أنه صدوق (٣) ثقة لا يتعمَّد الكذب، وهذا لا يكفي في صِحَّة الحديث كما تقدَّم. وأيضًا، فالبخاري يوثِّق جماعة، ويعلِّل هو بعينه بعضَ حديثهم ويضعِّفه، وكذلك غيره من الأئمة، ولا تنافي عندهم بين الأمرين، بل هذا عندهم من علم الحديث، وفِقْه عِلَله، الذي تميّز به نُقَّاده وأطبَّاؤه من (٤) حملته الذين همَّتهم مجرَّد روايته لا درايته.

стр. 272

فصلٌ فالحفاظ من أئمة أهل الحديث، أعلُّوا ما يتفرَّد به سفيان بن حسين، وأعلُّوا ما تابعه عليه غيره أيضًا: أما الأول: فقد قال ابن عدي في "الكامل" (١): "سمعتُ أبا يَعْلَى يقول: قيل ليحيى بن معين: فحديث سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم عن أبيه في الصدقات؟ فقال: هذا لم يتابع سفيانَ عليه أحدٌ، ليس بصحيح". قال ابن عدي: "وقد وافق سفيان بن حسين على هذه الرواية عن سالم عن أبيه = سليمانُ بن كَثِيْر أخو محمَّد بن كَثِيْر، وقد رواه عن الزهري عن سالم عن أبيه جماعة فَوَقَفُوْه، وسفيان بن حسين وسليمان (٢) بن كثير رفعاه إلى النبي ﷺ . وقال البيهقي في "السنن" (٣): "وأما الحديث الذي أنبأنا به أبو القاسم عبد الخالق المؤذِّن أنبأنا محمد بن المؤمَّل حدثنا الفَضْل بن محمد ثنا (٤) النُّفَيْلِي ثنا عبَّاد بن العوَّام عن سفيان بن حسين عن الزُّهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : أنه

стр. 273

قال: "الرِّجْلُ جُبَار"؛ فقد (١) قال الشافعي: هو غلط؛ لأن الحفاظ لم يحفظوا هكذا". قال البيهقي: "هذه الزيادة ينفرد بها سفيان بن حسين عن الزهري، وقد رواه: مالك واللَّيث وابن جُرَيْج ومَعْمَر وعُقَيْل وسفيان ابن عُيَيْنَة وغيرهم عن الزُّهري؛ لم يذكر أحدٌ منهم فيه (٢) الرِّجْل". وقال الدارقطني: "لم يتابع سفيانَ بن حسين على قوله: "الرِّجْلُ جُبَار" أحدٌ، وهو وَهْمٌ منه؛ لأن الثقات (٣) خالفوه، ولم يذكروا ذلك". وقد غلَّط الحفاظُ أيضًا سفيان بن حسين في رفعه حديث الزُّهري عن عروة عن عائشة: "كنت أنا وحفصة صائمتين الحديث". قالوا - واللفظ للبيهقي (٤) -: "رواه ثقات الحفاظ من أصحاب الزهري عنه منقطعًا: مالك ويونس ومَعْمَر وابن جُرَيْج ويحيى بن سعيد وعُبَيْد الله بن عمر وسفيان بن عيينة وبكر بن وائل (٥) وغيرهم - يعني:

стр. 274

أن الزهري قال فيه: بلغني أن عائشة وحفصة -، ووهَّموا سفيان في (١) وصْلِه، وقد تابعه صالح بن أبي الأخْضَر وجعفر بن بُرْقان، ولم يشتدَّ للحديث ساعدٌ بمتابعتهما. وقال الترمذي: سألتُ محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث؟ فقال: لا يصح". وكذلك قال محمد بن يحيى الذُّهْلي. فصلٌ وأما قولكم: "إن الحديث صحيح لثقة رجاله" إلى آخره. فجوابُهُ من وجهين: أحدهما: ما تقدَّم مرارًا أن ثقة الراوي شرطٌ من شروط الصحة، وجزءٌ من المقتضى لها، فلا يلزم من مجرَّد توثيقه الحكم بصحة الحديث. يُوضِّحُهُ: أنَّ ثقة الراوي هي كونه صادقًا لا يتعمَّد الكذب، ولا يستحلُّ تدليس ما يعلم أنه كذب باطل، وهذا أحد الأوصاف المعتبرة في قَبول قول الراوي، لكن بقي وَصْفُ الضَّبْطِ والتَّحفُّظ؛ بحيث لا يُعْرَف بالتَّغْفِيْل وكَثْرةِ الغَلَط،. ووصف آخر - ثانيهما (٢) -: وهو أن لا يشذّ عن الناس، فيروي ما يخالفه فيه مَن هو أوثق منه وأكبر، أو يروي ما لا يُتابَع عليه، وليس

стр. 275

ممَّن يحتمل ذلك منه، كالزُّهري وعمرو بن دينار وسعيد بن المسيب ومالك وحمَّاد بن زيد وسفيان بن عيينة ونحوهم؛ فإن الناس إنما احْتَمَلُوا تفرُّد أمثال هؤلاء الأئمة بما لا يُتابعون عليه؛ للمَحَلِّ الذي أحَلَّهم الله تعالى به، من الإمَامَةِ والإتقانِ والضَّبْط. فأما مثل: سفيان بن حسين وسعيد بن بَشِيْر وجعفر بن بُرْقَان وصالح بن أبي الأخضر ونحوهم؛ فإذا انفرد أحدهم بما لا يُتابع عليه؛ فإن أئمة الحديث لا يرفعون به رأسًا. وأما إذا روى أحدهم بما (١) يخالف الثقات فيه؛ فإنه يزداد وهنًا على وهنٍ. فكيف تُقَدَّم رواية أمثال هؤلاء على رواية مثل: مالك واللَّيْث ويونس وعُقَيل وشُعَيب ومَعْمَر والأوزاعي وسفيان ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وأضرابهم؟! هذا مما لا يستريب فيه (٢) مَن له معرفة بالحديث وعلله في بطلانه، وبالله تعالى التوفيق. فصلٌ قالوا: وأما قولكم: "إن غاية ما يعلَّل به الحديث الوقف على سعيد بن المسيب، وهذا لا يمنع صحته، فقد يكون الحديث عند

стр. 276

الراوي مرفوعًا، ثم يُفْتِي به من قَوْلِه، فيُنْقَل عنه موقوفًا، فلا تناقض بين الروايتين، فقد أمكن تصديقهما". فجوابه: إن هذه طريقة لا تُقْبَل مطلقًا، ولا تُردُّ مطلقًا؛ يجب قبولها في موضع (١)، ويجب ردُّها في موضع، ويتوقف فيها في موضع: - فإذا كان الأئمة الثقات الأثبات قد رفعوا الحديث أو أسندوه، وخالفهم من ليس مثلهم، أو شذَّ عنهم واحد فوقفه أو أرسله؛ فهذا ليس بعلَّة في الحديث، ولا يقدح فيه، والحكم لمن رفعه وأسنده. - وإذا كان الأمر بالعكس، كحال حديث سفيان بن حسين هذا وأمثاله؛ لم يُلْتَفت إليه، ولا (٢) إلى من خالفهم في وقْفِه وإرْسَاله، ولم يُعْبَأ به شيءٌ، ولا يصير الحديث به مرفوعًا ولا مسندًا ألبتَّة، وأئمة أهل الحديث كُلُّهم على هذا. فإنه إذا كان الثقات الأثبات الأئمة من أصحاب الزهري دائمًا يروونه عنه موقوفًا على سعيد، ولم يرفعه أحدٌ منهم مرة واحدة؛ مع حِفْظِهِم حديث الزهري، وضبطهم له، وشِدَّة اعتنائهم به (٣)، وتمييزهم بين مرفوعه وموقوفه ومرسله ومسنده، ثم يجيء من لم يَجْرِ معهم في ميدانهم، ولا يدانيهم في حفظه ولا إتقانه وصحبته للزهري،

стр. 277

واعتنائه بحديثه، وحفظه له، وسؤاله عنه، وعرضه عليه، فيخالف هؤلاء، ويزيد فيه وصلًا أو رفعًا (١) أو زيادة= فإنه لا يَرْتَاب نُقَّاد الآثار وأطباء علل الأخبار في غلطه وسهوه، ولا سبيل إلى الحُكْمِ له بالصِّحَّة والحالة هذه. هذا أمرٌ ذوقيٌّ لهم وِجْدَانيٌّ، لا يتركونه لِجَدَلِ مُجَادل (٢) ومِرية ممارٍ، فكيف (٣) وهذه حال المقلدين من أتباع الأئمة، وشأن أهل المذاهب مع أئمتهم، فترى كل طائفة منهم تقبل ما نُقِلَ إليهم عن إمامهم من رواية من كان أخصَّ به، وأكثر ملازمة له، وأعلم بقوله وفتواه من غيره، وإن كان لا يُدْفَع الآخر (٤) عن علمه وثقته وصدقه. * فأصحاب مالك إذا روى لهم الأوزاعي (٥) أو الوليد بن مُسْلم أو عبد الرحمن بن مهدي أو عبد الرزاق أو عبد المجيد بن عبد العزيز أو عبد الله بن المُبَارك أو عبد الله بن عثمان المُلَقَّب بعَبْدَان أو أبو يوسف القاضي أو محمد بن الحسن أو الضحَّاك بن مَخْلَدَ أو هشام بن عَمَّار أو يحيى بن سعيد أو يونس بن يزيد، ومن هو مثل (٦) هؤلاء أو دونهم؛ خلاف ما رواه ابن القاسم وابن وَهْب وعبد الله بن نافع ويحيى بن يحيى

стр. 278

وابن بُكَير (١) وعبد الله بن مَسْلَمَة وعبد الله بن نافع (٢) وأبو مُصْعَب وابن عبد الحكم = لم يلتفتوا إلى روايتهم، وعَدّوْها شَاذة، وقالوا: هؤلاء أعلم بمالك، وألزم له، وأخبر بمذهبه من غيرهم. حتى إنهم لا يَعُدُّون رواية (٣) الواحد من أولئك خلافًا، ولا يحكونها إلا على وجه التَّعْرِيف أو نَقْل الأقوال الغَرِيْبة، فلا يقبلون عن مالكٍ كل من روى عنه، وإن كان إمامًا ثقةً، نظيرَ ابن القاسم أو أجَلَّ منه، بل إذا روى ابن القاسم وروى غيره عن مالك شيئًا، قدَّموا رواية ابن القاسم ورجَّحُوْها، وعَمِلُوا بها، وألْغَوْا ما سِواها. * وهكذا أصحاب أبي حنيفة، إذا روى لهم أبو يوسف القاضي ومحمد وأصحاب الإِمْلاء شيئًا، ثم روى عنه مثل (٤) القاسم بن مَعْن وبِشْر بن زياد وفِطْر بن حماد بن أبي سليمان وعافِيَة بن يزيد ونُوْح الجامع وعبد الله بن زياد، ومن هو فوق هؤلاء ممَّن له رواية عن أبي حنيفة كالحسن بن زياد اللؤلؤي وداود بن نصير وأبي خالد الأحمر وغيرهم لم يلتفتوا إلى روايتهم، وقالوا: هذه رواية شاذَّة، مخالفة لرواية أصحابه، الذين هم أخْبر بمذهبه عنه ولا يجعلون رواية الحسن بن زياد كرواية أبي يوسف ألْبتَّة. * وكذلك أصحاب الشَّافعي، إنما يقبلون عنه ما كان من رواية

стр. 279

الرَّبِيْع والمُزَنِي والبُوَيْطِي وحَرْمَلة وأمثالهم، فإذا روى عنه غيرهم ممَّن هو مثل هؤلاء وأجل منهم (١) ما يخالف رواية أولئك؛ لم يلتفتوا إليها، مثل: أبي ثَوْر وابن عبد الحكم والزَّعْفَرَانِي، وقالوا: أولئك أعلم بمذهبِهِ، ومذهبُه (٢) ما حَكَوْهُ عنه دون هؤلاء. بل ما نقله الترمذي عنه في كتابه بأصح إسناد، وابن عبد البر وغيرهما ممن يحكي مقالات العلماء: لم يجعلوه في رُتْبَة ما حَكَاهُ أولئك عنه، ولا يعدُّونه في الغالب خِلافًا. * وكذلك أصحاب أحمد، إذا انفردَ راوٍ عنه برواية، تكلموا فيها، وقالوا: تفرَّد بها (٣) فلانٌ، ولا يكادون يجعلونها روايةً؛ إلَّا على إغْمَاض، ولا يجعلونها معارِضة لرواية الأكثرين عنه، وهذا موجودٌ في كتبهم؛ يقولون: انفرد بهذه الرواية أبو طالب، أو فلان لم يرْوِها غيره. فإذا جاءت الرواية عنه عن غير عبد الله وصالح وحَنْبل وأبي طالب والميموني والكوسج وابن هانئ والمرُّوْذِي والأثرم وابن القاسم ومحمد بن مُشَيْش ومُثنَّى بن جامِع وأحمد بن أصْرَم وبِشْر بن موسى، وأمثالهم من أعيان أصحابه؛ استغربوها جِدًّا، ولو كان الناقل لها إمَامًا ثَبْتًا. ولكنهم (٤) أعلى تَوَقِّيًا في نقل مذهبه، وقبول رواية مَنْ روى عنه

стр. 280

من الحُفَّاظ الثقات، ولا يتقيَّدون في ضَبْطِ مذهبه بناقلٍ معيَّن (١)، كما يفعل غيرهم من الطوائف، بل إذا صحَّت لهم عنه رواية حَكَوْها عنه، وإن عدُّوها شاذَّة؛ إذا خالفت ما رواه أصحابه. فإذا كان هذا في نقل مذاهب العلماء، مع أنه يجوز - بل يقع - منهم الفتوى بالقول، ثم يفتون بغيره؛ لتغيُّر اجتهادهم، وليس في رواية من انفرد عنهم بما رواه ما يُوْجِب غَلَطه، إذْ قد (٢) يوجد عنهم اختلاف الجواب في كثير من المسائل = فكيف بأئمة الحديث مع (٣) رسول الله ﷺ الذي لا يتناقض ولا يختلف كلامه؟! أليسوا أعذر منكم في ردَّ الحديث - أو الزيادة - التي خالف راويها (٤) أو انفرد بها أو شذَّ بها عن الناس؟! كيف والدَّواعِي والهِمَمُ متوافرة على ضَبطِ حديثه ﷺ ، ونَقْدِ رواته أعظم من توفُّرها على ضبط مذاهب الأئمة وتمييز الرواة عنهم؟! وإذا روى غير أهل المَذْهَب من أهل الضَّبْطِ والإتقان والحِفْظِ عن الإمام خلاف ما رواه أهل مذهبه، قلتُم: أصحاب المذهب أعلم بمذهبه، وأضبط له، فهلَّا قُلْتم في حديث الشيخ إذا روى عنه أصحابه

стр. 281

العارفون بحديثه شيئًا، وانفرد عنهم وخالفهم من هم أخصُّ بالشيخ منه، وأعرف بحديثه: إنَّ هؤلاء أعرفُ بحديثه من هذا المُنْفَرِد الشَّاذ؟! * فصلٌ قالوا: فهذا الجواب عن الحديث من جهة السند. وأما الجواب عنه من جهة الدلالة: فنحن نتنزَّل معكم (١) ونسلِّم صحة الحديث، ونبيِّن أنه لا حُجَّة لكم فيه على اشتراط المحلِّل على الوجه الذي ذكرتموه ألْبَتَّة، وأن لفظه لا يدل على اشتراطه - بل ولا على جوازه -؛ فإن ها هنا أربع مقالات يصير بها محلِّلًا: أحدهما: أن يُخرجا معًا. الثاني: أن لا يُخْرِج هو شيئًا. والثالث: أن يكونوا ثلاثة فصاعدًا. الرابع: أن يَغْنَم إن سَبَق، ولا يغرم إن سُبِق (٢). فيالله العجب!! من أين تُستفاد هذه الأمور من الحديث؟!

стр. 282

وبأي دلالة من الدلالات الثلاث التي (١) يُستَدلُّ بها عليه؟! فإن الذي يدلُّ عليه لفظه: أنه إذا استبق (٢) اثنان، وجاء ثالث دخل معهما، فإن كان يتحقَّق من نفسه سبقهما، كان قمارًا؛ لأنه دخل على بصيرة أنه يأكل مالهما، وإن دخل معهما وهو لا يتحقَّق أن يكون سابقًا، بل يرجو ما يرجوانه، ويخاف ما يخافانه؛ كان (٣) كأحدهما، ولم يكن أكله إن (٤) سبقهما قمارًا؛ فإن العقود مبناها على العدل، فإذا استووا في الرجاء والخوف، والمَغْنَم والمَغْرَم؛ كان هذا هو العدل الذي يطمئن إليه القلب، وإذا تميَّز بعضهم عن بعض بغُنْم أو غُرْم، أو تيقَّن سَبْقَهُ لصاحبيه؛ لقوته وضعفهما؛ لم يكن هذا عدلًا، ولم تَطِب النفوسُ بهذا السِّبَاق. وأما اشتراط الدخيل المستعار الذي هو شريك في الربح، بريء من الخُسْران؛ فأجَبْنَا عن الحديث أنه (٥) لا يقتضيه بوجهٍ ما، وغايته: إنْ دَلَّ على المُحَلَّل؛ فإنما يدلُّ على أن المحلِّل إذا دَخَل ولا بُدَّ؛ فإنه يُشتَرط أن يكون بهذه الصِّفَة، ولا يدلُّ على أنه يُشتَرط دخوله، وأن يكون على هذه الصفة (٦).

стр. 283

فمن أين هذا في الحديث؟! وبأي وجه يُستفاد؟! وهذا ظاهر لا خفاء به، والله أعلم. فإن قلتُم: إنَّما دَخَلَ المحلِّل في هذا العقد؛ ليخرجه عن شَبَهِ القمار، فيكون دخولَه شَرْطًا (١). قلنا: قد تقدَّم من الوجوه الكثيرة ما فيه كفاية، أنَّ العقد ليس بدونه قمارًا، فإن كان بدون دخوله قمارًا؛ لم يخرُج به (٢) عن شَبَهِ القمار، بل ذلك الشَّبَهُ باقٍ بعَيْنِهِ أو زائد، ولا جواب لكم عن تلك الوجوه ألْبَتَّة (٣) وبالله تعالى التوفيق. فصلٌ قالوا (٤): وأما دليلكم الثاني: وهو حديث ابن عمر: "أن النبيَّ ﷺ سابق بين الخيل، وجعل بينهما محلِّلًا". فهذا (٥) الحديث لا يصحُّ عن رسول الله ﷺ ألْبَتَّة، وَهِمَ فيه أبو حاتم؛ فإنَّ مداره على عاصم بن عمر أخي عُبيد الله وعبد الله وأبي بكر العُمَرِيِّين، فهم أربعةُ أخْوة (٦):

стр. 284

أوثقهم عبيد الله، متَّفق على الاحْتِجَاج بحديثه، وأما عبد الله وعاصم فضعيفان، أما عبد الله فكلامهم فيه مشهور. وأما أخوهُ عاصم صاحب هذا الحديث (١): فقال البخاري: "هو منكر الحديث". وقال ابن عدي: "ضعَّفوه". وقال الإِمام أحمد في رواية ابنه صالح: "ضعيف"، وفي رواية أخرى: "ليس بشيء (٢) ". وضعفه أبو حاتم. وقال هارون بن موسى الفَرْوِي: "ليس بقوي". وقال الجُوْزَجَاني: "يُضَعَّف في حديثه". وقال النسائي: "ليس بثقة". وقال الترمذي: "ليس عندي بالحافظ". وقال النسائي مرة: "متروك". وقال ابن عدي (٣): "ضعَّفوه"، ثم سَرَدَ له أحاديث جمَّة، مِن جُمْلَتِهَا هذا الحديث المذكور. وأما ابن حبان: فتناقض فيه؛ فإنه أخرج حديثه في "صحيحه"، وقال في كتاب "الضعفاء" (٤): "منكر الحديث جدًّا، يروي عن الثقات ما لا يُشْبِه حديث الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به إلا فيما وافق الثقات". ومن كانت هذه حالته عند أهل الحديث، لا يُحْتجُّ بِخَبَرِه. وقال الحافظ أبو عبد الله المقدسي: "عاصم بن عمر هذا تكلَّم

стр. 285

فيه: أحمد ويحيى والبخاري وابن حبان، وقد روى عنه أحاديث، فلا أدري هل رجع عن قوله فيه، أو غَفَلَ عن ذلك". وقال شيخنا أبو الحَجَّاج الحافظ: "يُحْتَملُ أنَّ أبا حاتم لم يَعرِفْ أنه عاصم العُمَرِي؛ فإنه وقع في روايته غير مَنْسُوب". والذي يدل على بطلان هذا الحديث أنه لو كان عند عمرو بن دينار عن ابن عمر؛ لكان معروفًا عند أصحاب عمرو (١)، مثل: قتادة وأيوب وشُعْبَة والسُّفْيَانَيْن والحمَّادَيْن ومالك بن أنس وجعفر بن محمد، وقيس بن سعد وهُشَيْم ووَرْقَاء وداود بن عبد الرحمن العطَّار وغيرهم من أصحابه، فكيف لا يعرف هؤلاء - وهم أجِلَّة أصحابه - هذا الحديث من حديثه، ويكون عند عاصم بن عمر مع ضَعْفه؟! وأيضًا، فعمرو بن دينار حديثه محفوظ مضبوط يُجْمَع، وكان الأئمة يسارِعون إلى سماعه منه وحفظه وجمعه؛ قال علي بن المديني: "عنده نحو أربع مئة حديث" (٢). وأيضًا، فلو كان هذا من حديث ابن عمر لكان مشهورًا؛ فإنه لم يَزَلِ السِّباق بين الخيل موجودًا بالمدينة، وأهل المدينة يحتاجون فيه إلى فتوى سعيد بن المسيب، حتى أفتاهم في الدَّخيل بما أفتاهم، فلو كان هذا الحديث صحيحًا من حديث ابن عمر؛ لكانت سُنَّةً مشهورةً متوارثةً عنهم (٣)، ولم يحتاجوا إلى فتوى سعيد، ولم يقل
следующие страницы →