← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 18169

الفروسية المحمدية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (530 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

العارفون بحديثه شيئًا، وانفرد عنهم وخالفهم من هم أخصُّ بالشيخ منه، وأعرف بحديثه: إنَّ هؤلاء أعرفُ بحديثه من هذا المُنْفَرِد الشَّاذ؟! * فصلٌ قالوا: فهذا الجواب عن الحديث من جهة السند. وأما الجواب عنه من جهة الدلالة: فنحن نتنزَّل معكم (١) ونسلِّم صحة الحديث، ونبيِّن أنه لا حُجَّة لكم فيه على اشتراط المحلِّل على الوجه الذي ذكرتموه ألْبَتَّة، وأن لفظه لا يدل على اشتراطه - بل ولا على جوازه -؛ فإن ها هنا أربع مقالات يصير بها محلِّلًا: أحدهما: أن يُخرجا معًا. الثاني: أن لا يُخْرِج هو شيئًا. والثالث: أن يكونوا ثلاثة فصاعدًا. الرابع: أن يَغْنَم إن سَبَق، ولا يغرم إن سُبِق (٢). فيالله العجب!! من أين تُستفاد هذه الأمور من الحديث؟!

стр. 282

وبأي دلالة من الدلالات الثلاث التي (١) يُستَدلُّ بها عليه؟! فإن الذي يدلُّ عليه لفظه: أنه إذا استبق (٢) اثنان، وجاء ثالث دخل معهما، فإن كان يتحقَّق من نفسه سبقهما، كان قمارًا؛ لأنه دخل على بصيرة أنه يأكل مالهما، وإن دخل معهما وهو لا يتحقَّق أن يكون سابقًا، بل يرجو ما يرجوانه، ويخاف ما يخافانه؛ كان (٣) كأحدهما، ولم يكن أكله إن (٤) سبقهما قمارًا؛ فإن العقود مبناها على العدل، فإذا استووا في الرجاء والخوف، والمَغْنَم والمَغْرَم؛ كان هذا هو العدل الذي يطمئن إليه القلب، وإذا تميَّز بعضهم عن بعض بغُنْم أو غُرْم، أو تيقَّن سَبْقَهُ لصاحبيه؛ لقوته وضعفهما؛ لم يكن هذا عدلًا، ولم تَطِب النفوسُ بهذا السِّبَاق. وأما اشتراط الدخيل المستعار الذي هو شريك في الربح، بريء من الخُسْران؛ فأجَبْنَا عن الحديث أنه (٥) لا يقتضيه بوجهٍ ما، وغايته: إنْ دَلَّ على المُحَلَّل؛ فإنما يدلُّ على أن المحلِّل إذا دَخَل ولا بُدَّ؛ فإنه يُشتَرط أن يكون بهذه الصِّفَة، ولا يدلُّ على أنه يُشتَرط دخوله، وأن يكون على هذه الصفة (٦).

стр. 283

فمن أين هذا في الحديث؟! وبأي وجه يُستفاد؟! وهذا ظاهر لا خفاء به، والله أعلم. فإن قلتُم: إنَّما دَخَلَ المحلِّل في هذا العقد؛ ليخرجه عن شَبَهِ القمار، فيكون دخولَه شَرْطًا (١). قلنا: قد تقدَّم من الوجوه الكثيرة ما فيه كفاية، أنَّ العقد ليس بدونه قمارًا، فإن كان بدون دخوله قمارًا؛ لم يخرُج به (٢) عن شَبَهِ القمار، بل ذلك الشَّبَهُ باقٍ بعَيْنِهِ أو زائد، ولا جواب لكم عن تلك الوجوه ألْبَتَّة (٣) وبالله تعالى التوفيق. فصلٌ قالوا (٤): وأما دليلكم الثاني: وهو حديث ابن عمر: "أن النبيَّ ﷺ سابق بين الخيل، وجعل بينهما محلِّلًا". فهذا (٥) الحديث لا يصحُّ عن رسول الله ﷺ ألْبَتَّة، وَهِمَ فيه أبو حاتم؛ فإنَّ مداره على عاصم بن عمر أخي عُبيد الله وعبد الله وأبي بكر العُمَرِيِّين، فهم أربعةُ أخْوة (٦):

стр. 284

أوثقهم عبيد الله، متَّفق على الاحْتِجَاج بحديثه، وأما عبد الله وعاصم فضعيفان، أما عبد الله فكلامهم فيه مشهور. وأما أخوهُ عاصم صاحب هذا الحديث (١): فقال البخاري: "هو منكر الحديث". وقال ابن عدي: "ضعَّفوه". وقال الإِمام أحمد في رواية ابنه صالح: "ضعيف"، وفي رواية أخرى: "ليس بشيء (٢) ". وضعفه أبو حاتم. وقال هارون بن موسى الفَرْوِي: "ليس بقوي". وقال الجُوْزَجَاني: "يُضَعَّف في حديثه". وقال النسائي: "ليس بثقة". وقال الترمذي: "ليس عندي بالحافظ". وقال النسائي مرة: "متروك". وقال ابن عدي (٣): "ضعَّفوه"، ثم سَرَدَ له أحاديث جمَّة، مِن جُمْلَتِهَا هذا الحديث المذكور. وأما ابن حبان: فتناقض فيه؛ فإنه أخرج حديثه في "صحيحه"، وقال في كتاب "الضعفاء" (٤): "منكر الحديث جدًّا، يروي عن الثقات ما لا يُشْبِه حديث الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به إلا فيما وافق الثقات". ومن كانت هذه حالته عند أهل الحديث، لا يُحْتجُّ بِخَبَرِه. وقال الحافظ أبو عبد الله المقدسي: "عاصم بن عمر هذا تكلَّم

стр. 285

فيه: أحمد ويحيى والبخاري وابن حبان، وقد روى عنه أحاديث، فلا أدري هل رجع عن قوله فيه، أو غَفَلَ عن ذلك". وقال شيخنا أبو الحَجَّاج الحافظ: "يُحْتَملُ أنَّ أبا حاتم لم يَعرِفْ أنه عاصم العُمَرِي؛ فإنه وقع في روايته غير مَنْسُوب". والذي يدل على بطلان هذا الحديث أنه لو كان عند عمرو بن دينار عن ابن عمر؛ لكان معروفًا عند أصحاب عمرو (١)، مثل: قتادة وأيوب وشُعْبَة والسُّفْيَانَيْن والحمَّادَيْن ومالك بن أنس وجعفر بن محمد، وقيس بن سعد وهُشَيْم ووَرْقَاء وداود بن عبد الرحمن العطَّار وغيرهم من أصحابه، فكيف لا يعرف هؤلاء - وهم أجِلَّة أصحابه - هذا الحديث من حديثه، ويكون عند عاصم بن عمر مع ضَعْفه؟! وأيضًا، فعمرو بن دينار حديثه محفوظ مضبوط يُجْمَع، وكان الأئمة يسارِعون إلى سماعه منه وحفظه وجمعه؛ قال علي بن المديني: "عنده نحو أربع مئة حديث" (٢). وأيضًا، فلو كان هذا من حديث ابن عمر لكان مشهورًا؛ فإنه لم يَزَلِ السِّباق بين الخيل موجودًا بالمدينة، وأهل المدينة يحتاجون فيه إلى فتوى سعيد بن المسيب، حتى أفتاهم في الدَّخيل بما أفتاهم، فلو كان هذا الحديث صحيحًا من حديث ابن عمر؛ لكانت سُنَّةً مشهورةً متوارثةً عنهم (٣)، ولم يحتاجوا إلى فتوى سعيد، ولم يقل

стр. 286

مالك: "لا نأخذ بقول سعيد (١) بن المسيب في المحلِّل (٢)، ولا يجب المحلِّل"، مع أنَّ مالكًا مِن أعلمِ الناس بحديث ابن عمر، ولم يذكر عنه في المحلِّل حرفًا واحدًا. فكيف يكون هذا الحديث عند عمرو بن دينار عن ابن عمر، ثم لا يرويه أحدٌ منهم، وينفرد به من لا يُحْتجُّ بحديثه؟! وأيضًا، فلا يُعرف أنَّ أحدًا من الأئمة احتجَّ بهذا الحديث في المحلِّل، لا الشافعي ولا أحمد ولا أبو حنيفة ولا غيرهم ممَّن شرط المحلِّل. وأيضًا، فإن أحدًا من الأئمة الستة لم يخرّجه في كتابه، ولا أحدًا من الأئمّة الأربعة، ولا صنَّف الحاكم نفسه - مع فرط تساهله - فيما استدركه (٣) عليهما = هذا، ودلالته على اشتراط المحلِّل أبين من دلالة (٤) حديث سفيان بن حسين!! فكيف غَفَلَ عنه هؤلاء الأئمة كلهم أو أغفلوه؟! هذا من الممتنع عادة على الجميع، مع علمهم إلى ما يدل على ما دل عليه (٥) وبالله تعالى التوفيق.

стр. 287

فصلٌ قالوا (١): وأما دليلكم الثالث: وهو حديث أبي هريرة: "لا جَلَب ولا جَنَب، وإذا لم يُدْخِل المتراهنان فرسًا يستبقان على السبق فيه فهو حرام". فحديث لا تقوم به حُجَّة، ولا يَثْبت بمثله حُكْم؛ فإن راويه مجهول العَيْنِ والحال، لا يُعْرَف اسْمُه، ولا نَسَبُه، ولا حَاله؛ إلا أنه رجلٌ من بني مخزوم، ومثل هذا لا يُحتجُّ بحديثه باتِّفاق أهل الحديث. وأيضًا، فإن هذا الحديث منكر؛ فإن هذا المجهول تفرَّد به من بين أصحاب أبي الزِّنَاد كلِّهم، مع اعتنائهم بحديثه، وحفظهم له، فكيف يفوتُهم ويظفر به مجهول العين والحال؟! والذي يظهر منه (٢) أن هذه الزيادة من كلام أبي الزناد، أُدْرِجت في الحديث، والحديث المحفوظ عن عن أبي هريرة ما رواه الناس عنه: "لا جَلَب ولا جَنَب" فقط؛ فحدَّث به أبو الزِّناد، ثم أتبعه من عنده: "وإذا لم يُدْخِل المتراهنان فرسًا" إلى آخره، فحمله هذا الراوي المجهول عنه، وحدَّث به من غير تَمْييز. وبالجملة فالكلام في هذا الحديث كالكلام في الذي قبله، بل بطلانه أظهر، والله أعلم.

стр. 288

فصلٌ قالوا: وأما دليلكم الرابع: في قِصَّة المُتقامِرَين في الظَّبي، أيهما يسبق إليه، وأن عمر بن الخطاب؛ قال "هذا قمار". فتعلُّق ببَيْتِ العنكبوت؛ لأن عمر لم يجعله قمارًا لعدم المحلِّل، وإنما كان قَمارًا لأنه أكلُ مالٍ بالباطل؛ فإنهما استبقا إلى فعلٍ لا يجوز بذل السَّبَق فيه بالاتفاق، وهو أخذ الصَّيد في حال الإحرام، فهذا قمارٌ، وإنْ دَخَلَ فيه المحلِّل. وحتى لو كان استبقا إلى فعل جائز على الأقْدَام؛ فأكل المال به قمارٌ عند الجمهور؛ لأنه ليس من الخُفِّ والحافر والنصْل. هذا مع أنّ الحديث من رواية المتَّفق على ضعفه: علي بن زيد بن جُدْعان (١). وبالله تعالى التوفيق. فصلٌ قالوا: وأما دليلكم الخامس: وهو حديث البخاري: إن النبي ﷺ مرَّ بقومٍ مِن أسلم (٢) ينتضلون .... الحديث، وفيه: "ارموا، وأنا معكم كلكم". فسبحان الله! ماذا يوجِبُ نصرة المذاهب والتقليد لأربابه من

стр. 289

ارتكاب أنواع من الخطإِ والاستدلال بما ليس بدليل، ومخالفة صريح الدليل؟! فيا للهِ العَجَب! أين دِلالة هذا الحديث على المحلِّل بوجْهٍ مِن الوجوه؟! وهل مثل (١) هذا إلا حُجَّة عليكم؟! فإنَّ النبي ﷺ قال أوَّلًا (٢): "ارموا وأنا مع بني فلان"، فلم يسأل: هل أخْرَجَ الحزبان معًا؟ أو أحدهما؟ أو لم يخرج أحدٌ شيئًا؟ فدلَّ على أن لا فَرْق في جَوَاز العَقْد. ثم إن المحلِّل لا يكون مع أحد الحزبين، ولا يجوز له أن يقول: أنا مع فلان، أو مع هذا الحزب (٣) دون هذا، فليس هذا من (٤) شأن المحلِّل، ولا يتمُّ لكم حينئذٍ (٥) الاستدلال بالحديث إلا بعد أمور: أحدها: أن الحزبين أخرجا معًا، وأن النبي ﷺ علم بذلك، ودخل معهم ولم يُخْرِج، وكان محلِّلًا. وهذا، إن لم يُقْطَع ببطلانه؛ فدعواه دعوى مجرَّدة عن برهان من الله تعالى ورسوله ﷺ ، فلا تكون مسموعةً ولا مقبولةً.

стр. 290

ثم نقول: ثانيها (١): إن كان الإخراج قد وقع من كِلَا الفريقين، فالحديث حُجَّة عليكم (٢)، فإن قال: "ارموا وأنا مع بني فلان"، والمحلِّل لا يكون مع أحدهما. وثالثها (٣): إنْ كان المخرِجُ أحد الفريقين، أو لم يكن إخراجٌ بالكلِّيَّة، بطل استدلالكم بالحديث، فهو إما أن يكون حُجَّةٌ عليكم، أو ليس لكم فيه حُجَّة أصْلًا. فإن قيل: فما فائدة دخوله ﷺ مع كلا الفريقين إذا لم يكن محلِّلًا؟ فالجواب: إنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا صارَ مع أحد الحزبين، أمسك الحزب الآخر، وعلموا أنَّ النبي ﷺ إذا كان في حزبٍ؛ كان هو الغالب المنصور، فلم يختاروا (٤) أن يكونوا في الحزب الذي ليس فيه رسول الله ﷺ ، فلمَّا عَلِمَ ذلك منهم، طَيَّبَ قُلُوبَهم، وقال: "أنا معكم كلكم". هذا مقتضى الحديث الذي يدلُّ عليه، وهو بَرِئٌ من التحليل. وبالله تعالى التوفيق.

стр. 291

فصلٌ قالوا: وأما دليلكم السادس: "وهو (١) أنه إذا لم يكن معهما محلِّل وأخرجا معًا؛ فقد دار كلُّ واحدٍ منهما بين المَغْنَم والمَغْرَم، وهذا حقيقة القمار". فقد تقدَّم من الوجوه الكثيرة، التي لا جواب لكم عنها ما يبطله، ويبيِّن أنه إن كان هذا العقد بدون المحلِّل قمارًا؛ فهو بالمحلِّل أولى أنْ يكون قمارًا، وإن لم يكن قمارًا (٢) بالمحلِّل؛ فهو بدونه أولى أن لا يكون قمارًا؛ ولا يُتَصَوَّرُ أن يكون قمارًا (٣) في إحدى الصورتين دون الأخرى، ولا يذكرون فرْقًا ولا معنى إلا كان اقتضاؤُه بعدم اشتراط المحلِّل أَظْهَرَ مِن اقتضائه لاشتراطه. وقد تقدَّم مِنَّا بيان ذلك، فإن كان لكم عنه جوابٌ، فبيِّنُوه، ولا سبيل إليه. فصلٌ وأما قولكم: "لو لم يكن في هذا إلا أنه (٤) قول أعلم التابعين سعيد بن المسيب؛ فإن مذهب أبي حنيفة أن التابعي إذا عاصر الصحابة

стр. 292

وزاحمهم في الفتوى كان قوله حُجَّة". فيقال: من العجب أن يكون قول سعيد بن المسيب حُجَّة، وفعل (١) أبي عُبيدة بن الجرَّاح غير حُجَّة! وأيضًا، فأنتم في أحد القولين عندكم لا تجعلون قول الصَّحابي حُجَّة؛ فكيف يكون قول التَّابعي حُجَّة؟! وأيضًا، فأنتم لا تُوْجِبون اتَّباع سعيد بن المسيب في جميع ما يذهب إليه؛ فكيف توجِبون اتِّباعه في هذه المسألة؟! وأيضًا، فلو كان قول سعيد بن المسيب في هذه المسألة حُجَّة، أو كانت الحُجَّةُ موافقة أهلِ عصره له، كما يتوهَّمه المتوهِّم؛ لَمَا ساغ لمالك أن يقول (٢): "ولا نأخذ بقول سعيد بن المسيب في المحلِّل، ولا يجب المحلِّل". والظاهر أن هذا إشارة من مالِكٍ إلى نفسه وإلى علماء المدينة معه، وأنهم - أو جمهورهم - لم يأخذوا بقوله في المحلل. وقولهم: "يكفينا أن ثلاثة أركان الأمة عليه". يريدون: الشافعي وأبا حنيفة وأحمد - فَطَرْدُ هذا يُوجِبُ عليكم أنَّ كلَّ مسألة اتَّفق عليها ثلاثة من الأئمة وخالفهم الرابع أن تأخذوا فيها بقوله الثلاثة؛ لأنهم ثلاثة أركان الأمة، وهذا يَلْزمُ أهل كل مذهب.

стр. 293

وكل هذه التَّلْفِيْقَات بمعزلٍ عن البرهان الذي يطالَب به كل من قال قولًا في الدين. وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]، فأين أَمَرَ بالرد إلى ما ذكرتم، ومن ذكرتم؟! وقال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، فوقف الإيمان على تحكيمه وحده، ولم يوقف الإِيمان على تحكيم غيره ألْبَتَّة. وقولكم: "إن هذا قول الجمهور". فإنْ كان قولُ الجمهور في كل مسألة تنازع فيها العلماء هو الصواب؛ وجب بطلان كل قول انفرد به أحد الأئمة عن الجمهور، ويُذْكَر لكلِّ طائفة من الطوائف ما انفرد به مَن قلَّدوه عن الجمهور، ولا يمكنهم إنكار ذلك، ولا الإقرار ببطلان قوله، ولا ملجأ لهم إلا التناقض. وبالله تعالى التوفيق. . وهم إذا كان قول الجمهور معهم نادَوْا فيهم على رؤوس الأشهاد، وأجْلَبُوا بِهِمْ على مَن خالفهم، وإذا كان قولُهم خلاف قول الجمهور؛ قالوا: قول الجمهور ليس بحجة، والحجة في الكتاب والسنة والإِجماع!! ثم نقول: أين المكاثَرة بالرجال إلى المكاثرة بالأدلة؟! وقد ذكرنا من الأدلَّة ما لا جواب لكم (١) عنه، والواجب اتِّباع

стр. 294

الدَّليل أين كان، ومع مَنْ كان، وهو الذي أوجب الله تعالى اتِّباعه، وحرَّم مخالفته، وجعله الميزان الراجح بين العلماء، فمن كان من جانبه، كان أسعد بالصواب، قَلَّ موافقوه أو كثروا. وأما قولكم: "إن جمهور المسلمين رأوا هذا النقل (١) حسنًا، وقد قال رسول الله ﷺ : "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسنٌ". فجوابه من وجوه: أحدها: أن هذا يلزمكم في كل مسألةٍ انفرد بها مَن قلَّدتموه عن جمهور الأمة، فما كان جوابُكم لِمَنْ خالفكم، فهو جوابُنا لكم بِعَيْنه. الثاني: أن هذا ليس من كلام رسول الله ﷺ ، وإنما يضيفه إلى كلامه مَن لا علم له بالحديث، وإنما هو ثابتُ عن ابن مسعود من قوله، ذكره الإمام أحمد وغيره موقوفًا عليه، ولفظه: "إن الله تعالى نظر في قلوب العباد، فوجد قَلْبَ محمدٍ خير قلوب العباد، فاختاره لرسالته، ثم نظر في قلوب العباد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فاختارهم لصُحْبته، فما رآه المسلمون حسنًا؛ فهو عند الله حسنٌ". الثالث: أنه لو (٢) صحَّ مرفوعًا، فهو دليلٌ على أن ما أجمع عليه المسلمون ورأوه حسنًا، فهو عند الله حسنٌ، لا ما رآه بعضهم. فهو حجة عليكم.

стр. 295

الرابع: أن المسلمين كلَّهم لا يرون المحلِّل في عَقْد السِّباق حَسَنًا، بل كثيرٌ منهم تُنْكِرُه فِطرُهم وقلوبهم، ويرونه غير حسنٍ، ولو كان حسنًا عند الله، وهو من تمام العدل الذي فطر الله تعالى القلوب على استحسانه = لرأوه كلهم حسنًا، وشهدت به فِطَرُهم، وشهدت بقبح العقد إذا خلا عنه؛ كما شهدت بقبح الظلم والقمار، وحُسن العدل، وأكْل المال بالحق. قالوا: ونحن نحاكمكم في ذلك إلى الفِطَرِ التي لم تندفع بالتعصُّب، ونصرة آراء الرجال والتقليد. وأما قولكم: "إن القول بعدم المحلِّل قول شاذٌّ، وإنَّ من شذَّ شذَّ الله به". فجوابه من وجوه: أحدها: أن القول الشاذَّ هو الذي ليس مع قائله دليل (١) من كتاب الله ولا من (٢) سنَّة رسول الله ﷺ ، فهْذا هو القول الشاذُّ، ولو كان عليه جمهور أهل الأرض، وأما قول ما دلَّ عليه كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، فليس بشاذًّ، ولو ذهب إليه الواحد من الأمة؛ فإنَّ كثرة القائلين وقلَّتهم ليس بمعيارٍ وميزانٍ للحق يُعَيَّر (٣) به ويوزَن به.

стр. 296

وهذه غير طريقة الرَّاسخين في العلم، وإنما هي طريقة عامَّيَّة، تَلِيْقُ بمَن بِضَاعَتهم من كتاب الله والسنة مُزْجَاة. وأما أهل العلم الذين هم أهله؛ فالشذوذ عندهم والمخالفة القبيحة هي الشذوذ عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ومخالفتها، ولا اعتبار عندهم بغير ذلك، ما لم يُجْمِع المسلمون على قولٍ واحدٍ (١)، ويُعْلَم إجماعُهم يَقِيْنًا، فهذا الذي لا تَحِلُّ مخالفته. ونحن نقول لمنازعينا في هذه المسألة: إذا كان القول ببطلان المحلِّل باطلًا مخالفًا للكتاب والسنة والإجماع، فلا بدَّ أن تكون أدلَّة بطلانه ظاهرة لا تخفى، وقويَّة لا تضعف، ولا يمكن أن تكون أدلَّة القول الباطل المخالف للإِجماع قويَّةً كثيرةً، ولا يمكنكم إبطالها ولا معارضتها، فإن بيَّنْتُم بطلان هذه الأدلَّة بأقوى منها وأظهر؛ فالرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل (٢)، وإن لم يكن بأيديكم إلا بعض ما قد (٣) حكينا عنكم؛ فإنا ذكرنا لكم من الأدلَّة ما لم يوجد عندكم ألْبَتَّة، ولا ذَكَرَهُ أحدٌ ممَّن انتصر لقولكم، ثم ذكرنا من الكلام عليها دليلًا دليلًا (٤) ما إن كان باطلًا؛ فردُّه مقدور ومأمورٌ به (٥)، وإن كان حقًّا؛ فمتَّبعُه محسنٌ، وما على المحسنين من سبيل.

стр. 297

ثم نقول: لو ذكرنا لكم نظير كلامكم هذا في كل مسألة انفردتُم بها عن الأئمة (١)، لم تلتفتوا إليه، ولم تقبلوه منا؛ فكيف تحتجُّون علينا بما لا تقبلونه منا إذا احْتَجَجْنَا به عليكم؟! فإن قلتم: وأين هذا الشذوذ؟. فلتنظر كل طائفة إلى ما انفرد به متبوعها ومقلِّدوها عن سائر الأمة. ولا حاجة بنا إلى الإطالة بذكر ذلك، وبالله تعالى المستعان والتوفيق. فصلٌ في تحرير مذاهب أهل العلم فيما يجوز بذل السبق فيه من المغالبات (٢) وما لا يجوز، وعلى أيِّ وجهٍ يجوز بذل السَّبَق؟ قد تقدَّم أن المغالبات ثلاثة أقسام (٣): * قسم (٤) محبوبٌ مرضيٌّ لله تعالى ورسوله، معينٌ على تحصيل محابِّه، كالسباق بالخيل والإبل والرمي بالنُّشَّاب (٥). * وقسمٌ مبغوضٌ مسخوطٌ لله ورسوله، موصلٌ إلى ما يكرهه الله تعالى ورسوله، كسائر المغالبات التي توقع العداوة والبغضاء، وتصدُّ

стр. 298

عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة، كالنَّرْد والشِّطْرنج وما أشبههما. * وقسمٌ ليس بمحبوب لله ولا مسخوطٍ له، بل هو مباحٌ؛ لعدم المضرَّة الراجحة، كالسِّبَاق على الأقدام، والسِّبَاحة، وشَيْلِ الأحْجَار، والصِّرَاع، ونحوِ ذلك. فالنَّوع الأول: يُشرع مفردًا عن الرهن (١)، ويشرع فيه كل ما كان أدعى إلى تحصيله، فيُشْرَعُ فيه بذل الرهن: من هذا وحده، ومن الآخر وحده (٢)، ومنهما معًا، ومن الأجنبيِّ. وأكل المال به أكلٌ بحقٍّ، ليس أكلًا بباطل، وليس من القمار والميسر في شيء. والنَّوع الثاني: محرَّم وحده، ومع الرهن (٣)، وأكل المال به ميسرٌ وقمارٌ كيف كان، سواء كان من أحدهما، أو من (٤) كليهما، أو من ثالث، وهذا باتِّفاق المسلمين (٥). فأما إنْ خلا عن الرهن (٦)، فهو أيضًا حرامٌ عند الجمهور؛ نَرْدًا (٧) كان أو شطرنجًا.

стр. 299

هذا قول مالِكٍ وأصحابه، وأبي حنيفة، وأحمدَ وأصحابهِ (١) وقول جمهور التابعين، ولا يُحْفَظ عن صحابيٍّ حِلُّه. وقد نصَّ الشافعيُّ (٢) على تحريم النَّرْد، وتوقَّف في تحريم الشطرَنج، فلم يجزم بتحريمه، وذكر أنه لم يتبيَّن له تحريمه، ولهذا اختلف أصحابه في الشطرنج (٣)، فمنهم من حرَّمه، ومنهم من كرهه ولم يحرِّمه، وممَّن حرَّمه وبالغ في تقرير تحريمه أبو عبد الله الحَلِيْمِي (٤). والشافعيُّ نصَّ على تحريم النَّرْدِ الخالي عن العوض، وتوقَّف في الشطرنج الخالي عن العِوَض: * فمن أصحابه مَن طرد توقُّفه في النَّرد أيضًا، وقال: إذا خَلَا عن العِوَض؛ لم يحرم، كالشطرنج. وهذا محض القياس؛ لأنَّ مفسدة الشطرنج أعظم من مفسدة النَّرْدِ

стр. 300

بكثير، فإذا لم تنهض مفسدة الشطرنج للتحريم؛ فالنَّرْدُ أولى. * ومنهم من طرد نَصَّه في تحريم النَّرْدِ، وعدَّاه إلى الشطرنج. وهذا أصحُّ تَخْريجًا، وأوضح (١) دليلًا؛ فإن مفسدة الشطرنج أعظمُ من مفسدة النَّرد، وكل ما يدلُّ على تحريم النَّرْدِ بغير عِوَض؛ فدِلالته على تحريم الشطرنج بطريقٍ أولى. وقد ثبت في "صحيح مسلم" (٢) عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن لَعِبَ بالنَّرْدَشِيْر فكأنَّما صَبَغ يده في لحم خنزير ودمه". وفي "الموطأ" و"السنن" من حديث أبي موسى الأشْعَرِي عن النبي ﷺ : "مَن لعبَ بالنَّرْد؛ فقد عصى الله ورسوله" (٣).

стр. 301

وسرُّ (١) المسألة وفقهها: أن الله سبحانه لمَّا (٢) حرَّم الميسر؛ هل هو لأجل ما فيه من المخاطرة المتضمِّنة لأكل المال بالباطل؟ فعلى هذا، إذا خلا عن العِوَض لم يكن حرامًا. فلهذا طَرد مَنْ طَرد ذلك هذا (٣) الأصل، وقال: إذا خَلا النَّرْد والشطرنج عن العِوَض، لم يكونا (٤) حرامًا. ولكن هذا القول خلاف النصِّ والقياسِ كما سنذكره. أو حرَّمه لما يشتمل عليه في نفسه من المفسدة، وإنْ خلا عن العِوَض، فتحريمه من جنس تحريم الخمر؛ فإنه يوقع العداوة والبغضاء، ويصدُّ عن ذكر الله، وعن الصلاة، وأكل المال فيه عونٌ وذريعةٌ إلى الإقبال عليه، واشتغال النفوس به؟ فإنَّ الداعي حينئذٍ يَقْوَى من وجهين: من جهة المغالبة، ومن جهة أكل المال، فيكون حرامًا من الوجهين.

стр. 302

وهذا المأخذُ أصحُّ نصًّا وقياسًا (١) وأصول الشريعة وتصرُّفاتها تَشْهَدُ له بالاعْتِبَار؛ فإن الله سبحانه قال في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩٢]. فَقَرَنَ المَيْسِرَ بالأنصابِ والأزلامِ والخمر، وأخْبرَ أن الأربعةَ رجسٌ، وأنها من عمل الشيطان، ثم أمر باجتنابها، وعلَّق الفلاحَ باجتنابها، ثمَّ نبَّه على وجوهِ المفسدةِ المقتضيةِ للتَّحريم فيها، وهي ما يُوْقِعُهُ الشيطان بين أهلِها من العداوةِ والبغضاءِ ومن الصَّدِّ عن ذكر الله، وعن الصلاة. وكل أَحَدٍ يعلم أن هذه المفاسدَ ناشئةٌ من نفسِ العمل، لا من مجرَّد أكل المال به. فتعليل التحريم بأنه متضمِّن لأكل المال بالباطل؛ تعليلٌ بغير الوصف المذكور في النَّصِّ، وإلغاءُ للوصف الذي نبَّه النصُّ (٢) عليه، وأرشد إليه. وهذا فاسدٌ من الوجهين. يوضِّحه: أن السلف الذين نزل القرآن بلغتهم سَمَّوْا نفس

стр. 303

الفعل (١) مَيْسِرًا لا أكل المال به، فقال غير واحد من السلف (٢): "الشطرنج ميسر العَجَم". وصنَّف أبو محمد بن قُتَيْبَة كتابًا في المَيْسِر (٣)، وذكر فيه أنواعه وأصنافه، وعدَّها. ومعلومٌ أنَّ أكل المال بالميسر قد زاد على كونه ميسرًا، ولهذا كان أكل المال (٤) به أكلًا له بالباطل؛ لأنه أكلٌ بعمل محرَّم في نفسه، فالمال حرامٌ، والعمل حرامٌ؛ بخلاف أكله بالنوع الأول؛ فإنه أكلٌ بحق، فهو حلالٌ، والعمل طاعةٌ. وأما النوع الثالث: وهو المباح؛ فإنه وإن حَرُمَ أكْلُ المال به؛ فليس لأن في (٥) العمل مفسدة في نفسه، وهو حرامٌ، بل لأن تجويزَ أكْلِ المال به ذريعةٌ إلى اشتغال النفوس به، واتِّخاذه مكسبًا، لا سيما وهو من اللهو واللعب الخفيف على النفوس، فتشتدُّ رغبتها فيه من الوجهين، فأُبيح في نفسه؛ لأنه إعانة وإجمامٍ للنفس وراحة لها، وحرم أكل المال به (٦)؛ لئلَّا يُتَّخذ عادةً وصناعةً ومَتْجَرًا، فهذا من

стр. 304

حكمة الشريعة، ونظرها في المصالح والمفاسد ومقاديرها. يوضِّح هذا أن الله سبحانه حرَّم الخمر، قليلها وكثيرها، ما أسكر منها وما لم يسكر، لأن قليلها يدعو إلى كثيرها الذي يغيِّر العقل (١)، ويوقع في المفاسد التي يريد الشيطان أن يوقع العباد فيها، ويمنع عن الإصلاح (٢) الذي يحبُّه الله تعالى ورسوله، فتحريم كثيرها من باب تحريم الأسباب المُوْقِعَةِ في الفساد، وتحريم قليلها من باب سَدِّ الذرائع. وإذا تأملت أحوال (٣) هذه المغالبات؛ رأيتها في ذلك كالخمر، قليلها يدعو إلى كثيرها، وكثيرها (٤) يصدُّ عن ما يحبه الله تعالى ورسوله، ويوقع فيما يبغضه الله تعالى ورسوله، فلو لم يكن في تحريمها نصٌّ؛ لكانت أصولُ الشريعة وقواعدها وما قد (٥) اشتملت عليه من الحِكَم والمصالح وعدم الفرق بين المتماثلين = تُوجِبُ تحريم ذلك والنهي عنه، فكيف (٦) والنصوص قد دلَّت على تحريمه؟! فقد اتَّفق على تحريم ذلك النَّصُّ والقِيَاس. . وقد سَمَّى عليُّ بن أبي طالب - أمير المؤمنين رضي الله تعالى

стр. 305

عنه (١) - الشطرنج تَمَاثِيْل، فمرَّ بقومٍ يلعبون بها، فقال: "ما هذه التَّماثيل التي أنتُمْ لها عاكِفون؟! "، وقَلب الرُّقْعَةَ عليهم (٢). ولا يُعْلَم أحدٌ من الصَّحابة أحلَّها، ولا لعب بها، وقد أعاذهم الله تعالى من ذلك، وكل ما نُسِبَ إلى أحدٍ منهم من أنه لَعِبَ بها - كأبي هريرة - فافتراءٌ وَبُهْتٌ على الصحابة، ينكره كل عالمٍ بأحوال الصحابة، وكلُّ عارفٍ بالآثار. وكيف يُبِيْحُ (٣) خير القرون وخير الخلق بعد رسول الله ﷺ اللعب (٤) بشيءٍ صدُّه عن ذكر الله تعالى، وعن الصلاة أعظم مِن صَدِّ الخمر إذا استغرق فيه لاعِبُهُ؟! والواقع شاهدٌ بذلك. وكيف يُحَرِّمُ الشارع النَّرْد، ويُبِيح الشطرنج، وهو يزيد عليه مفسدة بأضعافٍ مُضاعفة؟! وكيف يُظنُّ برسول الله ﷺ وأصحابه إباحة ميسر العجم وهو أبغض إلى الله تعالى وإلى رسوله ﷺ من ميسر العرب، بل الشطرنج سلطان

стр. 306

أنواع الميسر؟! وإذا كان اللاعب بالنَّرْد كغامس يده في لحم الخنزير (١) ودمه؛ فكيف بحال اللاعب بالشطرنج؟! وهل (٢) هذا إلا من باب التَّنْبِيه بالأدنى على الأعْلى؟! وإذا كان مَن لَعِبَ بالنَّرْد عاصيًا لله ورسوله مع خِفَّة مفسدة النَّرْد، فكيف يُسْلَب اسم (٣) المعصية لله تعالى ولرسوله عن صاحب الشِّطرنج مع عِظَمِ مفسدتها، وصدِّها عن ما يحب الله تعالى ورسوله، وأخْذِها بفِكْر لاْعِبِهَا، واشتغال قلبه وجوارحه، وضياع عمره، ودعاء قليلها إلى كثيرها، مثل دعاء قليل الخمر إلى كثيرها، ورغبة النفوس بالعِوَض فوق رغبتها فيها بلا عِوَض؟! فلو لم يكن في اللعب فيها مفسدة أصلًا غير (٤) أنها ذريعة قريبة الإيصالِ إلى أكْل المالِ الحرامِ بالقمار؛ لكان تحريمها مُتَعيِّنًا في الشريعة، كيف وفي المفاسد الناشئة من مجرَّد اللعب بها ما يقتضي تحريمها؟! وكيف يُظَنُّ بالشريعة أنها تُبيح ما يُلْهِي القلب، ويُشْغِلُه أعظم شُغْل

стр. 307

عن مصالح دينه ودنياه (١)، ويورث العداوة والبغضاء بين أربابها، وقليلها يدعو إلى كثيرها، ويفعل بالعقْل والفِكْر، كما يفعل المسكر وأعظم، ولهذا يَصِيْر صَاحِبُها عاكِفًا عليها كعكوف شارب الخمر على خمره، أو أشدَّ؛ فإنه لا يستحيي ولا يخاف (٢) كما يستحيي شارب الخمر، وكلاهما مُشَبَّهٌ بالعاكف على الأصنام؟! أما صاحب الشطرنج: فقد صحَّ (٣) عن علي أمير المؤمنين ﵁ أنه شبَّهه بالعاكف على التَّماثيل. وأما صاحبُ الخمر: ففي "مسند الإمام أحمد" (٤) عن النبي ﷺ أنه قال: "شارب الخَمْر كعابِدِ وَثَن".

стр. 308

وقد صحَّ النهي عنها عن عبد الله بن عباس (١)، وعن عبد الله بن عمر (٢)، ولا يُعْلَم لهما في الصحابة مخالفٌ في ذلك ألْبتَّة. وقد (٣) اتَّفق على تحريمها الأئمة الثلاثة وأتباعهم، والشافعيُّ لم يجزم بإباحتها، فلا يجوز أن يقال: مذهب الشافعي إباحتها؛ فإن هذا كذبٌ عليه، بل قال: "وأما الشَّطرنجُ؛ فلم يتبيَّن لي تحريمُها" (٤). فتوقَّف ﵁ في التحريم، ولم (٥) يفتِ بالإباحة. ثم اختلف المحرِّمون لها: هل هي أشدُّ تحريمًا من النَّرْدِ أو النَّرْدُ أشَدُّ تحريمًا منها؟! فصحَّ عن ابن عمر أنه قال: "الشِّطْرَنْجُ شرٌّ من النَّرْد" (٦).

стр. 309

ونص مالكٌ على ذلك (١). وقال الإمام أحمد وأبو حنيفة: "النَّرْدُ أشَدُّ تحريمًا منها". قال شيخ الإسلام أبو العباس بن عبد الحليم بن عبد السلام الحَرَّاني ﵁: "وكلا القولين صحيح باعتبار؛ فإنَّ الغالب على النَّرد اشتمالها على عِوَضٍ؛ بخلاف الشطرَنْج، فالنَّرْد بعوضٍ شرٌّ من الشطرنج الخالي من العِوَض، وأما إذا اشتملا جميعًا على العوض، أو خَلَوا عنه، فالشطرنج شرُّ من النَّرد؛ فإنها تحتاج إلى فِكْرٍ يُلْهِي صاحبها أكثر مما يحتاجُ إليهِ النَّرْد، ولهذا يقال: إنها مبنيَّة على مذهب القَدَر، والنَّرد مَبْنيَّة على مذهب الجَبْر (٢)، فمضرَّتها بالعَقل والدين أعظمُ من مضرَّة النرد، ولكن إذا خلوا عن العوض، كان تحريمهما من جهة العمل، وإذا اشتملا على العوض، صار تحريمهما من وجهين: من جهة العمل، ومن جهه أكل المال بالباطل، فتصير بمنزلة لحم الخنزير الميِّت. قال أحمد: "هو حرام من وجهين، فإن غَصَبَه أو سَرَقَه من نصراني، صار حرامًا من ثلاثة أوجه". فالتحريم يَقْوَى ويَضْعف بحسب قُوَّة المفاسد وضعفها، وبحسب

стр. 310

تعدُّد أسبابه" (١). فصلٌ إذا عُرِف هذا؛ فاتَّفق الناس على تحريم أكل العِوض في هذا النوع، وعلى تحريم المُغَالبة فيه بالرهان. واتَّفقوا على جواز أكل المال بسباق الخيل والإِبل والنضال من حيث الجملة، وإن اختلفوا في كَيْفِيَّة الجواز وتفصيله على ما سنذكره. واختلفوا في مسائل هل هي ملحقة بهذا أو هذا، ونحن نذكرها: المسألة الأولى: اختلفوا في جواز المسابقة على البِغَال والحَمِير بِعِوَض: فقال الإمام أحمد ومالك (٢) والشافعي - في أحد قوليه - والزهري: لا يجوز ذلك (٣). وقال أبو حنيفة والشافعي - في القول الآخر -: يجوز (٤). المسألة الثانية: اختلفوا في المسابقة على الحَمَام، والفِيْل،

стр. 311

والبَقَر (١) بِعِوَض. فمنعه: أحمد ومالك وأكثر الشافعية. وأجازه: أصحاب أبي حنيفة وبعض الشافعية وبعض أصحاب أحمد في الحَمَام النَّاقلة للأخبار. المسألة الثالثة: هل يجوز العِوَض في المسابقة على الأقدام؟ فمنعه: مالك وأحمد والشافعي - في المنصوص عنه صريحًا -. وأجازه: الحنفية وبعض الشافعية - وهو مخالفٌ لنصِّ الإمام -. المسألة الرابعة: هل يجوز العِوَض في المسابقة بالسِّباحة؟ منعه الأكثرون وجوَّزه بعض الشافعيَّة والحنفيَّة. المسألة الخامسة: الصِّرَاع. منع أحمد ومالك وبعض أصحاب الشافعي العوضَ فيه، وهو مقتضى نصِّ الشافعي في منعه العوض في المسابقة بالأقدام؛ وجوَّزه بعض أصحابه وأصحاب أبي حنيفة. المسألة السادسة: المشابكة بالأيدي. لا تجوز بعِوَض عند الجمهور، وفيها وجهُ للشافعيَّة بالجواز، ومقتضى مذهب أصحاب أبي حنيفة جوازه؛ فإنهم يجوّزوه (٢) في

стр. 312

الصراع، والمسابقة بالأقدام، والمغالبة في مسائل العلم. المسألة السابعة: المسابقة بالسيف والرمح والعمود. مَنَعَها بعِوَضٍ: مالك وأحمد. وجوَّزها أصحاب أبي حنيفة. وللشافعية فيَها وجهان (١). المسألة الثامنة: المسابقة بالمَقَاليع (٢) على العِوَض. منعها الجمهور، وللشافعية فيها وجه. ومقتضى مذهب أصحاب أبي حنيفة الجواز. المسألة التاسعة: المغالبة بشَيْل الأثقال، كالحِجارة، والعِلاج. فالجمهور لا يجوِّزون العوض فيها، ومَن جوَّزه على المشابكة والسباحة والصراع والأقدام؛ فمقتضى قوله الجواز هنا، إذْ لا فَرْق. المسألة العاشرة: المُثاقَفة (٣). لا تجوز بعوض عند الجمهور. وأباحها بعض الشافعية، وهو مقتضى مذهب أصحاب (٤) أبي حنيفة.

стр. 313

المسألة الحادية عشرة: المُسَّابقة على حِفْظِ القرآن والحديث والفقه وغيره من العلوم النافعة، والإِصابة في المسائل، هل تجوز بعوضٍ؟ منعه: أصحاب مالك وأحمد والشافعي (١). وجوَّزَه: أصحاب أبي حنيفة (٢) وشيخنا (٣)، وحكاه ابن عبد البر عن الشافعي. وهو أولى من الشِّبَاك والصِّرَاع والسِّبَاحة، فمن جوَّز المسابقة عليها بِعِوضٍ، فالمسابقة على العِلْم أولى بالجواز، وهي صورة مراهنة الصديق لكفّار قريش على صحة ما أخبرهم به وثبوته، وقد تقدَّم (٤) أنه لم يقم دليلٌ شرعيٌّ على نَسْخِهِ، وأنَّ الصدِّيق أخذ رهنهم بعد تحريم القِمَار، وأن الدِّين قيامُه بالحجَّة والجهاد، فإذا جازت المراهنة على آلاتِ الجِهاد؛ فهي في العلم أولى بالجواز. وهذا القول هو الرَّاجح. المسألة الثانية عشرة: المسابقة بالسِّهام على بُعْدِ الرَّمي لا على

стр. 314

الإصابة، فأيهما كان أبعد مدًى، كان هو الغالب. منعها بالعوض: أصحاب أحمد والشَّافعي (١). ويلزم من جوَّزها في المسابقة بالأقدام والسباحة والمصارعة جوازها ههنا، بل (٢) هي أولى بالجواز، فإن المقصود بالرمي أمران: الإصابة والبُعْد (٣)، فالبُعْدُ أَحَدُ مَقْصودَيْه، والسَّبْق به من جنس السَّبق بالخيل والإبل. وبكل حال، هو أولى من سائر الصُّوَر التي قاسوها على مَوْرِدِ النَّصِّ بالجواز، وظاهر الحديث يقتضيه؛ فإنه أثبت السبق في النصْل كما أثْبته في الخُفِّ والحافِر، هذا يقتضي أن يكون السبق به كالسبق بهما، فأما أن يقال: يقتضي الإصابة دون السبق في الغاية فكلَّا، وهو في اقتضائهما معًا أظهر من الاقتصار على الإصابة فقط. والله أعلم. فصلٌ في (٤) مأخذ هذه الأقوال وهي نوعان: لفظيٌّ ومعنويٌّ. فاللفظيُّ: الاقْتِصَارُ على ما أثبته النصُّ بعد النفي العامِّ، وهي

стр. 315

الثلاثة المذكورة في الحديث فقط، فلا يجوز في غيرها، وهؤلاء جعلوا أكل المال بهذه الثلاث مستثنى من جميع أنواع المغالَبات. وقالوا (١): ليس غيرها في معناها حتى يُلْحَق بها؛ فإن سائر هذه الأنواع المذكورة لا يتضمَّن ما تتضمَّنه هذه الثلاثة من الفروسيَّة، وتعلُّم أسباب الجهاد، واعتيادها، وتمرين البدن (٢) عليها، فأين هذه من السباحة، والمشابكة، والسعي، والصراع، والعلاج، واللعب بالحَمَام؟ فلا نصَّ ولا قياسَ. قالوا: ويوضِّح هذا أن الخيل والإبل هي التي عُهِدَت المسابقة عليها بين الصحابة في عهد رسول لله ﷺ ، وهي التي سابق عليها رسول لله ﷺ (٣) ولم يسابِق على بَغْلٍ ولا حمارٍ قط، لا هو ولا أحَدٌ من أصحابه، مع وجود الحمير والبغال عندهم. والخيل هي التي تصلح لِلكرِّ، والفرِّ، ولقاء العدو، وفتح البلاد. وأما أصحاب الحمير: فأهل الذَّلَّة والقِلَّة، ولا منفعة بهم في الجهاد (٤) ألبتَّة. فقياسها على الخيل من أفسد القياس، وفَهْمُ (٥) حوافرها من حوافر الخيل مِنْ أبْعَدِ الفَهْم.

стр. 316

والخيل هي التي يُسْهَم لها في الجهاد دون البغال والحمير، وهي التي أخبر رسول الله ﷺ أن الخير معقود بنواصيها إلى يوم القيامة (١)، وهي التي ورد الحثُّ عن النبي ﷺ على اقتنائها والقيام عليها، وأخبر بأن أبوالها وأرواثها في ميزان صاحبها، وهي التي جعل رسول الله ﷺ تأديبها وتعليمها وتمرينها على الكرِّ والفرِّ من الحق؛ بخلاف غيرها من الحيوانات، وهي التي أمر الله سبحانه المؤمنين برباطها إعدادًا لعدوه، فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وهي التي ضَمِن العِزَّ لأربابها، والقهر لمن عاداهم، فظهورها عزٌّ لهم (٢)، وحصون ومعاقل، وهي التي كانت أحب الدوابِّ إلى رسول الله ﷺ ، وهي أكرم الدواب، وأشرفها نفوسًا، وأشبهها طبيعة بالنوع الإنساني. فصلٌ وأما الرمي بالنُّشَّاب: فقد تقدَّم (٣) ذكر منفعته، وتأثيره، ونكايته في العدو وخوف الجيش (٤) الذي لا رامي فيهم من رامٍ واحد؛ فقياس المقاليع والثقاف والرمي بالمسالي (٥) ونحو ذلك = عليه من أبطل القياس؛ صورةً ومعنى، والرمي بالمزاريق والحِراب، وإن كان فيه

стр. 317

نكاية في العدو فليس مثل نكاية الرمي بالنشاب، ولا قريبًا منه. وبالجملة، فغير هذه الثلاثة المشهورة (١) المذكورة في الحديث لا تشبهها، لا (٢) صورةً ولا معنىً، ولا يحصل (٣) مقصودها، فيمتنع إلحاقها بها. هذا تقرير مذهب المقتصرين على الثلاثة، كمالك وأحمد وكثير من السلف والخلف. قالت الشافعية: المغالبات التي تستعمل في الفروسية والشجاعة ثلاثة أقسام: أحدها: ما يوجد فيه لفظ الحديث ومعناه، فيجوز أخذ السَّبق عليه، كالخيل والإبل والفيل - على الأصح - والبغل والحمار - في أحد الوجهين -. الثاني: ما يوجد فيه المعنى دون اللفظ، كالرمي بالمقاليع والحجارة والسَّفَن (٤) والعَدْو على الأقدام؛ ففيه وجهان، والمنع أظهر، لخروجه عن اللفظ. الثالث: ما لا يوجد فيه المعنى ولا اللفظ، كالحمام والصراع

стр. 318

والشباك؛ فهو أولى بالمنع. قالت الحنفية: النص على هذه الثلاثة لا ينفي الجواز فيما عداها، وقوله: "لا سبق إلا في خُفٍّ، أو حافرٍ، أو نصْلٍ"؛ يريد به: لا سبق كاملًا ونافعًا ونحوه، وبذل السَّبق هو من باب الجِعَالات، فيجوز في كل عملٍ مباحٍ يجوزُ بذْلُ الجُعل فيه، فالعَقْد من باب الجِعَالات، فهي لا تختصُّ بالثلاثة. وقد ذكر الجُوْزَجَاني في كتابه "المترجم" حدثنا النُّفَيْلِي ثنا (١) يحيى بن يَمَان عن ابن جُرَيْج قال: قال عَطَاء: "السَّبَقُ في كلِّ شيء". ذكر هذا في بابٍ تَرْجَمَهُ ما تجوز فيه المسابقة. فمذهب أبي حنيفة في هذا الباب أوسع المذاهب، ويليه مذهب الشافعي، ومذهب مالك فيه أضيق المذاهب (٢)، ويليه مذهب أحمد. ومذهب أبي حنيفة هو القياس لو كان السَّبَق المشروع من جنس الجعَالة، ومنازعوه أكثرهم يُسَلِّم له أنه من باب الجعَالات (٣)، فألزمهم الحنفية القول بجواز السَّبَق في الصور التي منعوها، فلم يفرِّقوا بِفَرْقٍ طائل، وألزموا الحنفية أنها لو كانت من باب الجِعَالات؛ لما اشتُرِط فيها محلِّل؛ إذا كان الجُعل من المتسابقين، كما لا يُشترط في

стр. 319

سائر الجِعَالات؛ إذا جعل كلٌّ منهما جُعلًا لمن يعمل له نظير ما يعمله هو للآخر. وهذا مُشْتَرك الإلزام بين الطائفتين؛ فإنهم سلَّموا له أنها من باب الجعَالات، ثم اقتصروا بها على بعض الأعمال المباحة، واشترطوا فيهَا المحلِّل إذا كان الجُعل منهما، وهذا مخالفٌ لقاعدة باب الجِعَالة. وقالت طائفة ثالثة: ليس هذا من الجِعَالة في شيء؛ فإنه من المعلوم أن المتسابِقَيْن إذا أخرج أحدهما سَبَقًا للآخر إذا غلبه ليس مقصوده أن يغلبه الآخر، ويأخذ ماله؛ فإنَّ هذا لا يقصده عاقلٌ، فكيف يقصد العاقل أن يكون مغلوبًا خاسرًا؟! بل (١) مقصوده: أن يكون غالِبًا كاسِبًا؛ كما يقصد المجاهد. والجعالة: قصدُ الباذل فيها حصول العمل من الآخر، ومعاوضتُه عليه بمَاله. وهذا عكس باب المسابقة؛ فإن المسابقة هي على صورة الجهاد، وشُرِعت تمرينًا وتدريبًا وتوطينًا للنفس عليه، والمجاهد لا يقصِدُ أن يَغْلِب ويَسْلُب - وإن كان قد يقع ذلك من آحاد المجاهدين - إذا قَصَدَ الانغماس في العدو، وأن يستشهد في سبيل الله تعالى، وهذا يُحْمَد إذا تضمَّن مصلحةً للجيش والإسلام، كحال الغلام الذي أمر الملك بقتله؛ ليتوصل بذلك إلى إسلام الناس (٢).

стр. 320

وقد يتفق (١) في المتسابقين ذلك، إذا كان قصد الباذل تمرين من يسابقه، وإعانته على الفروسية، وتفريح نفسه بالغَلَب والكَسْب، لا سيما إذا كان ذلك (٢) مع من يحبُّ تعليمه، كولده وخادمه ونحوهما، وهذا الباذل قد يقصد في سبقه وعلمه؛ ليظهر الآخر عليه، ويفرح نفسه بذلك، ويكون قصده أن يغلبه ويعطي ما بذل له. وهذا قد يقع، ولكنه ليس بالغالب، بل الغالب خلافه، وهو مسابقة النُّظَراء بعضُهم لبعض، والأول مسابقة المُعَلِّم للمُتَعلِّم. والمقصود أن هذا ليس (٣) هو الجِعَالة المعروفة، مع أن الناس متنازعون في الجِعَالة؛ فإنه أبطلها (٤) طائفة من أهل العلم، وأدخلوها في قِسْمِ الغَررِ والقمار. وقالوا: العمل فيها غير معلوم؛ فإنه إذا (٥) قال: مَن ردَّ عبدي، فله كذا، ومَن شفى مريضي، فله كذا؛ لم يُعْرَف مقدار العمل ولا زمنه. وهذا قول بعض الظاهريَّة (٦). ولكنَّ الأكثرون على خلاف قولهم، وهو الصواب قطعًا.
следующие страницы →