← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 18169

الفروسية المحمدية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (530 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

والخيل هي التي يُسْهَم لها في الجهاد دون البغال والحمير، وهي التي أخبر رسول الله ﷺ أن الخير معقود بنواصيها إلى يوم القيامة (١)، وهي التي ورد الحثُّ عن النبي ﷺ على اقتنائها والقيام عليها، وأخبر بأن أبوالها وأرواثها في ميزان صاحبها، وهي التي جعل رسول الله ﷺ تأديبها وتعليمها وتمرينها على الكرِّ والفرِّ من الحق؛ بخلاف غيرها من الحيوانات، وهي التي أمر الله سبحانه المؤمنين برباطها إعدادًا لعدوه، فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وهي التي ضَمِن العِزَّ لأربابها، والقهر لمن عاداهم، فظهورها عزٌّ لهم (٢)، وحصون ومعاقل، وهي التي كانت أحب الدوابِّ إلى رسول الله ﷺ ، وهي أكرم الدواب، وأشرفها نفوسًا، وأشبهها طبيعة بالنوع الإنساني. فصلٌ وأما الرمي بالنُّشَّاب: فقد تقدَّم (٣) ذكر منفعته، وتأثيره، ونكايته في العدو وخوف الجيش (٤) الذي لا رامي فيهم من رامٍ واحد؛ فقياس المقاليع والثقاف والرمي بالمسالي (٥) ونحو ذلك = عليه من أبطل القياس؛ صورةً ومعنى، والرمي بالمزاريق والحِراب، وإن كان فيه

стр. 317

نكاية في العدو فليس مثل نكاية الرمي بالنشاب، ولا قريبًا منه. وبالجملة، فغير هذه الثلاثة المشهورة (١) المذكورة في الحديث لا تشبهها، لا (٢) صورةً ولا معنىً، ولا يحصل (٣) مقصودها، فيمتنع إلحاقها بها. هذا تقرير مذهب المقتصرين على الثلاثة، كمالك وأحمد وكثير من السلف والخلف. قالت الشافعية: المغالبات التي تستعمل في الفروسية والشجاعة ثلاثة أقسام: أحدها: ما يوجد فيه لفظ الحديث ومعناه، فيجوز أخذ السَّبق عليه، كالخيل والإبل والفيل - على الأصح - والبغل والحمار - في أحد الوجهين -. الثاني: ما يوجد فيه المعنى دون اللفظ، كالرمي بالمقاليع والحجارة والسَّفَن (٤) والعَدْو على الأقدام؛ ففيه وجهان، والمنع أظهر، لخروجه عن اللفظ. الثالث: ما لا يوجد فيه المعنى ولا اللفظ، كالحمام والصراع

стр. 318

والشباك؛ فهو أولى بالمنع. قالت الحنفية: النص على هذه الثلاثة لا ينفي الجواز فيما عداها، وقوله: "لا سبق إلا في خُفٍّ، أو حافرٍ، أو نصْلٍ"؛ يريد به: لا سبق كاملًا ونافعًا ونحوه، وبذل السَّبق هو من باب الجِعَالات، فيجوز في كل عملٍ مباحٍ يجوزُ بذْلُ الجُعل فيه، فالعَقْد من باب الجِعَالات، فهي لا تختصُّ بالثلاثة. وقد ذكر الجُوْزَجَاني في كتابه "المترجم" حدثنا النُّفَيْلِي ثنا (١) يحيى بن يَمَان عن ابن جُرَيْج قال: قال عَطَاء: "السَّبَقُ في كلِّ شيء". ذكر هذا في بابٍ تَرْجَمَهُ ما تجوز فيه المسابقة. فمذهب أبي حنيفة في هذا الباب أوسع المذاهب، ويليه مذهب الشافعي، ومذهب مالك فيه أضيق المذاهب (٢)، ويليه مذهب أحمد. ومذهب أبي حنيفة هو القياس لو كان السَّبَق المشروع من جنس الجعَالة، ومنازعوه أكثرهم يُسَلِّم له أنه من باب الجعَالات (٣)، فألزمهم الحنفية القول بجواز السَّبَق في الصور التي منعوها، فلم يفرِّقوا بِفَرْقٍ طائل، وألزموا الحنفية أنها لو كانت من باب الجِعَالات؛ لما اشتُرِط فيها محلِّل؛ إذا كان الجُعل من المتسابقين، كما لا يُشترط في

стр. 319

سائر الجِعَالات؛ إذا جعل كلٌّ منهما جُعلًا لمن يعمل له نظير ما يعمله هو للآخر. وهذا مُشْتَرك الإلزام بين الطائفتين؛ فإنهم سلَّموا له أنها من باب الجعَالات، ثم اقتصروا بها على بعض الأعمال المباحة، واشترطوا فيهَا المحلِّل إذا كان الجُعل منهما، وهذا مخالفٌ لقاعدة باب الجِعَالة. وقالت طائفة ثالثة: ليس هذا من الجِعَالة في شيء؛ فإنه من المعلوم أن المتسابِقَيْن إذا أخرج أحدهما سَبَقًا للآخر إذا غلبه ليس مقصوده أن يغلبه الآخر، ويأخذ ماله؛ فإنَّ هذا لا يقصده عاقلٌ، فكيف يقصد العاقل أن يكون مغلوبًا خاسرًا؟! بل (١) مقصوده: أن يكون غالِبًا كاسِبًا؛ كما يقصد المجاهد. والجعالة: قصدُ الباذل فيها حصول العمل من الآخر، ومعاوضتُه عليه بمَاله. وهذا عكس باب المسابقة؛ فإن المسابقة هي على صورة الجهاد، وشُرِعت تمرينًا وتدريبًا وتوطينًا للنفس عليه، والمجاهد لا يقصِدُ أن يَغْلِب ويَسْلُب - وإن كان قد يقع ذلك من آحاد المجاهدين - إذا قَصَدَ الانغماس في العدو، وأن يستشهد في سبيل الله تعالى، وهذا يُحْمَد إذا تضمَّن مصلحةً للجيش والإسلام، كحال الغلام الذي أمر الملك بقتله؛ ليتوصل بذلك إلى إسلام الناس (٢).

стр. 320

وقد يتفق (١) في المتسابقين ذلك، إذا كان قصد الباذل تمرين من يسابقه، وإعانته على الفروسية، وتفريح نفسه بالغَلَب والكَسْب، لا سيما إذا كان ذلك (٢) مع من يحبُّ تعليمه، كولده وخادمه ونحوهما، وهذا الباذل قد يقصد في سبقه وعلمه؛ ليظهر الآخر عليه، ويفرح نفسه بذلك، ويكون قصده أن يغلبه ويعطي ما بذل له. وهذا قد يقع، ولكنه ليس بالغالب، بل الغالب خلافه، وهو مسابقة النُّظَراء بعضُهم لبعض، والأول مسابقة المُعَلِّم للمُتَعلِّم. والمقصود أن هذا ليس (٣) هو الجِعَالة المعروفة، مع أن الناس متنازعون في الجِعَالة؛ فإنه أبطلها (٤) طائفة من أهل العلم، وأدخلوها في قِسْمِ الغَررِ والقمار. وقالوا: العمل فيها غير معلوم؛ فإنه إذا (٥) قال: مَن ردَّ عبدي، فله كذا، ومَن شفى مريضي، فله كذا؛ لم يُعْرَف مقدار العمل ولا زمنه. وهذا قول بعض الظاهريَّة (٦). ولكنَّ الأكثرون على خلاف قولهم، وهو الصواب قطعًا.

стр. 321

ولكن هي عقد جائز، إذ العمل فيها غير معلومٍ، بخلاف الإِجارة اللازمة، ولهذا يجوز أن يُجْعَل للطَّبيب جُعْلًا على الشفاء؛ كما جعل أهل (١) الحي لأصحاب النبي ﷺ جُعْلًا على الشِّفاء بالرُّقْية لِسَيِّدِ الحيّ الذين استضافوهم فأبَوا (٢)، ولا يجوز أن يُسْتَأجَرَ الطبيب على الشفاء؛ لأنه غير مقدور له، والعمل غير مضبوط له (٣). فصلٌ في تحرير المذاهب في كيفية بذل السبق وما يحلُّ منه وما يحرم وللمسألة ثلاث صور: أحدها: أن يكون الباذل غيرهما: إما الإِمام، أو أحد الرَّعِيَّة. الثانية: أن يكون الباذل أحدهما وحده. الثالثة: أن يكون البذل منهما معًا. * فمنعت طائفة بذل السبق من المتسابقين أو من أحدهما، وقالت: لا يكون إلا من الإِمام أو رجل غيره. وهذا قول القاسم بن محمد (٤).

стр. 322

وحُجة هذا القول: أنه متى كان الباذل أحدهما؛ فإنه لا تطيب نفسه بأن يُغْلَب ويؤخذ ماله، فإذا غُلِب أكل السابق ماله بغير طيب نفسه، وقد قال النبي ﷺ : "لا يحلُّ مال امرئٍ مسلمٍ؛ إلا عن طيبِ نفسٍ منه" (١). وهذا بخلاف ما إذا كان الباذل الإِمام أو أجنبيًّا عنهما؛ فإنه تطيب نفسه ببذل المال لمن يسبق، فلا يكون مالُه مأكولًا بغير طيب نفس. ولا يلزم من هذا القول المنع إذا كان البذل من كل واحد منهما، وأنه يكون أولى بالمنع؛ فإنه لم يختصَّ أحدهما ببذل ماله لمن يغلبه، بل كلٌّ منهما باذلٌ مبذولٌ له، فهما سواء في البَذْلِ والعَمَل، ويُسْعِد الله بسَبَقه من شاء من خَلْقِه، وكلٌّ منهما خاصٌّ لنفسه، راجٍ لإحراز ماله والفوز بمال صاحبه، فلم يتميَّز أحدهما عن (٢) الآخر. وأما إذا كان الباذل أحدهما؛ فإن سَبَق رجع إليه ماله، ولم يأخذ من الآخر شيئًا، وإن كان مسبوقًا غَرِم ماله، والآخر إن سَبَق غَنِم، وإن سُبِق لم يَغْرَم، والعقود مبناها على العدل من الجانبين، وبهذا يتبيَّن أن العَقد المشتمل على الإِخراج منهما معًا أحلُّ من العقد الذي انفرد أحدهما فيه بالإِخراج. وأُجيب صاحب هذا القول؛ بأن النبي ﷺ أطلق جواز السبق في هذه الأشياء الثلاثة، ولم يخصَّه بباذلٍ خارجٍ عنهما، فهو يتناول حِلَّ

стр. 323

السَّبَق من كلِّ باذل. قالوا: وأما قولكم: "إنه لا تطيب نفسه بأكل ماله"؛ فإنه لمّا التزم بذله عن كونه مغلوبًا؛ حلَّ للغالب أكله بحكم التزامه الاختياريِّ الذي لم يجبره أحدٌ عليه، فهو كما لو نَذَرَ إنْ سَلَّم الله تعالى غائبه أن يتصدَّق على فلان بكذا وكذا، فَوُجِدَ الشّرطُ؛ فإنه يلزمه إخراجُ ما الْتَزَمَه، ويَحِلُّ للآخر أكله، وإن كان عن غير طيب نفسه. قالوا: والذي حرَّمه الشارع من أكل مال المسلم بغير طيب نفس (١) منه، هو أن يكون مُكْرَهًا (٢) على إخراج ماله، فأما إذا كان بذله والتزامه باختياره؛ لم يدخل في الحديث. . فصلٌ * وقالت طائفة أخرى: يجوز أن يَبْذُل السَّبَق أحدُهما، فيقول: إن سبقتني فلك كذا. ويكره أن يقول: إن سبقتك فعليك كذا. فيجوز أن يكون باذلًا، ويُكرَه أن يكون طالبًا متقاضيًا. وهذا مذهب: إبراهيم النخعي، وعكرمة مولى ابن عباس، وجماعة من أصحاب عبد الله بن مسعود. قال إبراهيم بن يعقوب السَّعْدِي في كتابه "المترجم": حدثنا أبو صالح: أخبرنا أبو إسحاق عن الأعمش عن إبراهيم؛ قال: "كان عَلْقَمةُ له بِرْذَوْنٌ يراهِنُ عليه"، فقلتُ لإبراهيم: كيف كانوا يصنعون؟

стр. 324

قال: "كان الرجل يقول: لو سبقتني فلك كذا وكذا، ولا يقول: إنْ سَبَقْتُكَ فلي كذا وكذا، وإنْ سبقْتَني فلك كذا وكذا" (١). وقال ابن أبي الدنيا في كتاب "السَّبَق" له: أخبرنا حمزة بن عَبَّاس، أخبرنا علي بن سفيان، أنا عبد الله بن المبارك ثنا سفيان (٢) عن الأعمش عن إبراهيم قال: "لم يكونوا يرون بأسًا أن يقول: إن سبقتني فلك كذا وكذا، ويكرهون أن يقول: إن سبقتك فعليك كذا وكذا" (٣). فصلٌ * وقالت طائفة أخرى: بَذْل السَّبق من مكارم الأخلاق، فلا يقضي عليه به القاضي إذا غلب، ولا يجبره عليه؛ كما يقضي عليه بما يلزمه من الحقوق والأموال، وإنما هو بمنزلة العِدَة: إن شاء (٤) وفَّى بها، وإلَّا لم يُجْبَر على الوفاء.

стр. 325

قال سفيان الثوري: "إذا قال: إن سبقتك فلي كذا وكذا، فإن القاضي لا يجبره على أن يعطيه". وقال عبد الله بن المبارك: أخبرنا يونس عن الزهري عن سباق الرمي ما يحل منه؟ قال: "ما كان عن طيب نفس لا يتقاضاه صاحبه". وهذا المذهب فيه أمران: أحدهما: أن أربابه كرهوا أن يكون الرجل باذلًا متقاضيًا، كأصحاب المذهب الذي قبله. والثاني: أنهم جعلوا الجُعْل فيه من باب مكارم الأخلاق، لا من باب الحقوق التي يجب (١) إيفاؤها، كالوعد عند من لم يوجب الوفاء به. وأصحاب المذهب الذي قبله كرهوا أن يكون الرجل باذلًا متقاضيًا؛ لأنه إذا كان باذلًا، كان كمن بذل ماله لما فيه منفعة للمسلمين، وهو ملحق بالجِعَالة التي يعمُّ نفعها، وإذا كان متقاضيًا طالبًا، كرهوه؛ لأنه طلب أكل مال غيره على وجه يعود نفعه إلى باذل المال. وهذا - بخلاف الآخر - إذا بذل له المخْرِج من غير طلب منه (٢)، جاز له أخذه، إذ لا يلزم من كراهة أكله (٣) على وجه الطَّلَبِ ما يلزم

стр. 326

من (١) كراهة بذله، ولا كراهة أكله إذا جاء من غير طلب. ومن أرباب هذا المذهب مَن صرَّح بأنه إنما يجوز أكل السَّبق إذا لم يُؤخذ به رهنٌ، ولا يُلْزَم به باذله، وإنما يكون تبرُّعًا محضًا. قال ابن وهب: أخبرني يحيى بن أيُّوب عن يحيى بن سعيد: أنه قال: "إذا سبق الرجل في الرمي فلا بأس، ما لم يكن جزاء واحدة بواحدة، أو يؤخذ به رهن، أو يُلزم به صاحبه". قال ابن أبي الدُّنيا في كتابه (٢): حدثني يعقوب بن عُبَيْد ثنا محمد بن سَلَمة أبنا ابن وهب فذكره. فهذا القول يقتضي أنه لم يُجْعَل العوضُ فيه لازمًا قطُّ، وقد اشتُرِط فيه أن لا يكون جزاء واحدة بواحدة، هذا يشبه أن يكون المراد به التَّسبيق من الجانبين، وهذا من أضيق المذاهب. وهو مذهب أبي جعفر محمد بن جَرِيْر؛ فإنه قال في كتابه "تهذيب الآثار" (٣): "وإذا امتنع المسبوق من أداء السَّبَق إلى السابق أو الفاضل؛ فإنه لا يُجْبر على أداء ذلك إليه؛ لأنه لم يستحقُّه عِوَضًا على معتاضٍ عنه، ولا ألزمه الله به، وإنما هو عِدَة فحسب، ومن جميل الأخلاق الوفاء به؛ فإن شحَّ بالوفاء به، لم يُقْضَ عليه؛ لأنه (٤) لا خلاف بين

стр. 327

الجميع أن رجلًا لو وعد رجلًا هبةَ شيء من ماله معلوم، ثم لم يفِ له بشيء أنه لا يُقْضى (١) عليه به". ثم أورد على نفسه سؤالًا، فقال: "فإن قيل: كيف خَصَّ النبيُّ ﷺ بإجازة السَّبَق فيما أجاز ذلك فيه إن كان ما يخرُج منه على غير وجوب وحقٍّ يلزم في مال المخرِج، والهباتُ جائزةٌ على السبق وغيره؟! ". وأجاب عنه بأن قال: "خُصوص جواز السبق فيما خصَّ ذلك منه لم يكن لإلزامه للسَّبق، وإنما ذلك لكونه على وجه اللهو دون سائر الملاهي غيره (٢)، لا على أن ما وعد به المُسَبِّق الوفاء به فمأخوذ به على كل حال". وحجَّة هذا القول أن بذل المال في المسابقة تبرُّع، كالوعد، ولا يلزم الوفاء به، بل يستحبُّ؛ فإن الباذل لم يبذل معاوضة؛ فإنه لم يرجِعْ إليه عِوَضُ ما بذله له من المال، وإنما هو عَطِيَّةٌ وتبرُّع لمن يسبق، فهو كما لو وَعَدَ من يسبق إلى حفظ سورة أو باب من الفقه بشيء من المال. قالوا: والتبرُّعات يُندَب إلى الوفاء بها، ولا يُقضى عليه به. وإذا أُورِدَ على هؤلاء تخصيص النبي ﷺ الثلاثة المذكورة

стр. 328

بالسَّبق دون غيرها، كان جوابهم أن التخصيص بالثلاثة المذكورة لكونها من الحق، فالسَّبق فيها إعانة على الحق، كإعانة الحاج والصائم والغازي على حجِّه وصومه وغزوه، فبذل المال فيها بذلٌ على حقٌّ وطاعةٌ، بخلاف غيرها. وعلى قول هؤلاء، فلا حاجة إلى محلِّل أصلًا؛ لأن باذل المال يبذله لمن كان أقوى على طاعة الله تعالى، فأيهما غلب أخذه، كما يُذْكرُ عن الشافعي أنه كان يسأل بعض أهله عن المسألة (١)؟ ويقول: من أجاب فيها؛ أعطيته درهمًا. وهذا كقول الإمام: من قتل قتيلًا، فله سَلَبُه، ومن جاء برأسٍ من رؤوس المشركين؛ فله كذا وكذا مما يُجعَل فيه الجُعل؛ كمن فَضَل غيره في عمل برٍّ؛ ليكون ذلك مرغِّبًا للنفوس فيما يُستعان به على طاعة الله تعالى ومرضاته، ولهذا استثناه النبي ﷺ من اللهو الباطل. فهذا تحرير هذا المذهب وتقريره (٢). فصلٌ * وقالت طائفة أخرى: يجوز بذل الجُعل من الإِمام أو أجنبي، وأما إن كان الباذل أحدهما، جاز بشرط أن لا يعود السَّبق إلى المُخْرِج، بل إن كان معهما غيرهما، كان لمن يليه، وإن كانا اثنين فقط، كان لمن حضر.

стр. 329

وسرُّ هذا القول أن مُخْرِج السَّبق لا يعود إليه سَبَقُه بحال. وهذا إحدى الروايتين عن مالك (١)، قال أبو بكر الطُّرْطُوشِي: "وهو قوله المشهور". وقال أبو عمر بن عبد البر (٢): "اتفق ربيعة ومالك والأوزاعي على أن الأشياء المُستَبَقَ بها لا ترجع إلى المُسَبِّق بها على كل (٣) حال". يريد أن السَّبَق لا يرجع عند هؤلاء إلى مُخْرِجِه بحال. قال: "وخالفهم الشافعي وأبو حنيفة والثوري وغيرهم". وعلى هذا القول؛ فإذا سبق المخرج؛ كان سبقه طُعْمَة لمن حضر؛ سواء شرط ذلك أم لا. وعن مالك رواية ثانية رواها ابن وهب عنه: أنه إذا اشترط (٤) السَبَق لمن سبق جاز؛ سواء كان مخرِجًا أو لم يكن. وعلى هذه الرواية لا يكون طُعْمَة لمن حضر، وإنما يكون للسابق. فإن شرط على (٥) هذه الرواية أن يكون السبق طعمة للحاضرين؛

стр. 330

فقال الطُّرْطُوْشِي: "لم يجز في قول معظم العلماء". قال: "وهكذا يجيء على قول مالِكٍ، فإن أخرجا معًا ولم يكن معهما غيرهما؛ لم يجز قولًا واحدًا في مذهبه. وإن كان معهما محلِّل؛ فعنه في ذلك روايتان: إحداهما: المنع؛ كما لو لم يكن محلِّل، وهي المشهورة عنه. قال ابن عبد البر: قال مالك: "لا نأخذ بقول سعيد بن المسيب في المحلِّل، ولا يجب المحلل في الخيل". قال ابن شَاس (١): "وهذه المشهورة عنه". والرواية الثانية: أنه يجوز بالمحلل؛ كقول سعيد بن المسيب. قال أبو عمر: "وهو الأجود من قوليه، وقول ابن المسيب، وجمهور أهل العلم، واختاره ابن الموَّاز وغيره" (٢). فصلٌ وحجة هذا القول: أنه لا يعود إلى المخرِج سَبَقُه بحال، [و] أنه متى عاد إليه إذا كان غالبًا، لم يكن جِعَالة؛ لأن الإنسان لا يبذل الجعل من ماله لنفسه على (٣) عمل يعمله، فإذا كان سابقًا فلو أحرز سبق نفسه؛ لكان قد بذل من مال نفسه جُعلًا على عملٍ يَعْمَلُه هو، وهذا غير

стр. 331

جائزٍ، فإنه لا يحصل له بذلك فائدة. قالوا: وأيضًا، ففيه شَبَهُ القمار؛ لأنه إما أن يَغْرَم، وإما أن يَسْلَم، وهذا شأن القمار، بخلاف الجاعِل إذا كان أجنبيًّا؛ فإنه غارِمٌ لا محالة. قالوا: فالجاعل هنا يلزمه بذل المال الذي جعله للسابق؛ لأنه بذله (١) على عملٍ، وقد وُجِد، كما يلزم ذلك في نظائره. قالوا: وهذا على أصول أهل المدينة ألزم، فإنه يلزمه الوفاء بالوعد إذا تضمَّن تقريرًا، كمن قال لغيره: تزوَّج وأنا أنقد عنك المهر، واسْتَدِنْ وكُلْ وأنا أوفي عنك ونحو هذا، وهو بلا خلاف عندهم، وبخلاف (٢) عندنا. وأما إذا لم يتضمَّن تقريرًا، ففيه خلاف بين الأصحاب، وأصحاب هذا القول يقولون: متى كان الجاعل يَغْرَمُ مطلقًا فهو جاعلٌ، ومتى كان دائرًا بين أمرين، كان مقامرًا، سواء دار بين أن يَغْنَم ويَغْرَم، أو بين أن يَغْرَم ويَسْلَم، أو بين أن يَغْنَم ويَسْلَم؛ لأن المقامرة هي المخاطرة عندهم. وقد تقدَّم ما (٣) في هذه الحجة عند ذكر الوجوه الدالَّة على إبطال المحلِّل (٤).

стр. 332

فصلٌ وقالت طائفة أخرى: يجوز أن يكون السَّبَق من أحدهما، ومن كليهما، ومن ثالث، ويُقضى به إذا امتنع المسبوق من بذله، لكن إن كان منهما، لم يجز إلا بمحلِّل لا يُخْرِج شيئًا. وهذا مذهب أحمد وأبي حنيفة والشافعي وإسحاق والأوزاعي وسعيد بن المسيب والزهري وابن الموَّاز من المالكية (١). ودخوله ليحلِّل السبق لهما. وعلى هذا، إذا اشترك هو وأحدهما في سبق الآخر كان بينهما، وإن انفرد بسبقهما أحرز السبقين، وإن سبقاه، لم يأخذا منه شيئًا، وإن جاءُوا معًا، أحرز كل واحد سبقه، ولا شيء للمحلِّل. وقد تقدمت حجة هؤلاء والكلام عليها (٢). فصلٌ وقالت طائفة أخرى مثل هذا، إلا أنهم قالوا: إنما دخل المحلِّل ليحلَّ السَّبق لنفسه لا لَهُمَا. وهذا قول مالِكٍ - على قوله بالمحلِّل - في إحدى الروايتين،

стр. 333

واختيار أبي علي بن خَيْرَان من الشافعية، وحكاه أبو المَعَالي الجُوَيْنِي قولًا للشافعي. وعلى قول هؤلاء إذا سبق أحدهما ثم جاء الآخر بعده ثم المحلل أحرز السابق سبق (١) نفسه خاصة دون سبق الآخر؛ فإنه لا يحرزه؛ فإن (٢) المحلِّل لم يدخل لأجله هو، وإنما دخل ليحلَّ السبق لنفسه، ولا يحرزه المحلِّل (٣) أيضًا؛ لأنه لم يسبق، فيبقى على ملك صاحبه. وهذا فاسد، فإن (٤) صاحبه مَسْبُوق، فكيف يَسْلَم وهو مسبوق؟! وأي فائدة حصلت للسابق؟! وكيف يُؤخذ ماله إن غُلِب، ولا يأخُذُ مالَ صاحبه إن غَلَبَه؟! فإن سبق المحلَّل وأحد المخرِجين للثالث، أحرز السابق سَبَق نفسه، وكان سَبَق الآخر للمحلِّل وحده عند هؤلاء؛ لأنه إنما دخل ليحلَّ السبق لنفسه إذا جاء سابقًا، وقد سبق الثالث. وهذا فاسد أيضًا، فإن الأول قد سبق هذا الآخر أيضًا، واشترك هو والمحلِّل في سبقه، فكيف ينفردُ المحلِّل بسبقه مع اشتراكه هو والأول في سبقه؟! ومعلومٌ أن هذا ليس من (٥) موجب العقد والشرط، ولا

стр. 334

موجب الشرع، ومقتضيات العقود تتلقى تارة من الشارع، وتارة من المتعاقدين، وهذا لم يُتلقَّ، لا من الشارع، ولا من العاقد. وإن سبق المحلِّل، ثم جاء أحد المخرِجين بعده، ثم الثالث بعدهما؛ أحرز المحلِّل السَّبَقين على القولين، وهذا هو الصحيح. * وقالت طائفة أخرى (١) من الشافعية: سَبَقُ الثالث بين المحلِّل والثاني نصفين، وسبق الثاني يختصُّ به المحلِّل الثاني (٢)؛ لأن المحلل والثاني قد اشتركا في سبْق الثالث، فيشتركان في سَبَقه، وقد انفرد المحلَّل بسبق الثاني، فيختصُّ بسبقه (٣). وهذا وهمٌ أيضًا (٤)؛ لأن المحلل قد سبقهما، والثاني مسبوق، فكيف يشارك (٥) السابق؟! وقولهم: "قد اشتركا هو والمحلِّل في سبْق الثالث". غَيْرُ مُسَلَّم؛ فإن السَّبْق الذي حصل للأوَّل لم يشركه فيه غيره، بل انفرد به، وسَبْق الثاني مُلْغَى بسَبْق الأول، فسَبْق الثاني مقيَّد، وسَبْق الأول مطلقٌ، فهو السابق حَقِيْقَة.

стр. 335

* وقالت طائفة منهم: بل يكون سَبَق الثالث للثاني (١) وحده. وهذا أفسد من الأول، وكأن قائل هذا القول رأى أن الثاني لما كان سابقًا؛ اعتَبر الوصفين في حقه، فأخرج منه السَّبَق إلى الأول؛ لكونه مسبوقًا، وأعطاه سَبَق الثالث لكونه سابقًا. لكن هذا غلط، فإن الأول قد سبقهما سَبْقًا مطلقًا، وهو لو سبق (٢) الثالث فقط لا يستحقُّ سَبَقَه، فكيف إذا سبق سابقٌ الثالث مع سَبْقه لهم؟! وقولهم: "إنه سابق مسبوق، فيراعى في حَقِّه الوصْفان". جوابه أن يقال: بل هو مسبوق؛ وكونه سابقًا ملغى بسَبْق الأول؛ لأنه إنما ينفعه كونه سابقًا إذا لم يسبقه غيره. فصلٌ وإن سبق أحدهما، وجاء المحلَّل والآخر معًا، لم يكن للمحلِّل شيء، ويحرزُ السابق سَبْقَ نفسه وسَبْق الآخر على قول الطائفة الأولى. وعلى قول هؤلاء يكون سبق الآخر له (٣) لا يأخذه المحلِّل؛ لأنه لم يسبقه، ولا الأول؛ لأن دخول المحلِّل إنما كان لِيُحَلَّ السبق لنفسه (٤).

стр. 336

وعلى هذا، فإذا سبق أحدهما، وجاء المحلِّل بعده، وتأخر الثالث، فعلى قول الأولين يُحرز الأوَّل السَّبَقين لسَبْقه، وعلى قول هؤلاء يكون سبَق الثالث للمحلِّل؛ لأنه دخل لِيُحِلَّ السَّبَق لنفسه، وقد سبق الثالث. فصلٌ * وقالت طائفة أخرى: إذا أخرَجا معًا؛ لم يجز إلا بمحلِّل؛ إلا أن المحلِّل إن سبقهما، لم يأخذ منهما، وإن سبقاه، أعطاهما. وهذا قولٌ في مذهب أبي حنيفة، حكاه ابن بلدجي في "شرح مختار الفتوى"، فقال في مسألة المحلِّل (١): "وقيل في المحلِّل: إن سبقاه أعطاهما، وإن سبقهما لم يأخذ منهما". قال: "وهو جائز أيضًا". هذا لفظ الشارح، وذكره ابن الساعاتي في شرح "مجمع البحرين" له (٢). وهذه الطريقة بعيدة جدًّا، ومخالفة للأصول من وجوه: أحدها: أنه يَغْرَم إن كان مسبوقًا، ولا يَغْنَم إن كان سابقًا. الثاني: أنه يغرم، ما لم تلزم غرامته، ولو أخرج، لم يكن محلِّلًا واحتاج العقد إلى محلِّل آخر.

стр. 337

الثالث: أن مبنى هذا العقد إذا أخرجا معًا على العدل، والعدل: أَنَّ كل (١) واحد من المتسابقين لا يتميز عن الآخر، بل إن سَبَق أخذ، وإن سُبِق غَرِم، فإذا كان المحلِّل لا يغنم إن سبق، ويغرم إن سُبِق؛ لم يكن هذا عدلًا. وكأن قائل هذا القول (٢) يلحظ أن المقصود دخول محلِّل يُحِلُّ السبق لغيره لا لنفسه، كما قال الجمهور، ولا يأخذ شيئًا منهما؛ لأنه لو أخذ إن سَبَق، لم يكن محلِّلًا، بل يكون كأحدهما، فكما يجوز أن يأخذ إذا سَبَق، يجوز أن يغرم إذا سُبِق، وحينئذ فيقال: فيجوز أن يُخرِج معهما، ويَخْرُج عن كونه محلِّلًا، وإلا فكيف يَغْرَم إن سُبِق، ولا يَغْنَم إن سَبَق؟! ولقائله أن يقول: كما أنكم قلتم: إن سَبَق أخذ، سُبِقَ لم يغرم، ولم يكن هذا ظُلمًا، وجعلتم هذا خاصة للمحلِّل؛ ليتميَّز عن المخرِجين، فهو إما أن يغنم، وإما أن يسلم مع كونه مغلوبًا، وهو بخلاف أحد المخرِجين، فإنه وإن كان مغلوبًا غَرِم، فبم تنكرون على من يقول به (٣)؟! بل خاصيته أن يغرم إن جاء مسبوقًا، ولا يغنم إن جاء سابقًا؛ لأنه لو غنم، لخرج عن أن يكون محَلِّلًا، فإذا كانت خاصية المحلِّل أن لا يكون دائرًا بين الغُنْم والغُرْم أصلًا، فأيُّ فَرْقٍ بين أن

стр. 338

يكون دائرًا بين أن يغنم ويسْلَم، أو يغرم ويسْلَم؟! فكما صنتموه عن الغرامة إذا كان مسبوقًا، ليتميَّز عنهما؛ منعناه نحن من المغنم إذا كان سابقًا، لهذا المعنى بعينه. فهذا القول عكس قولكم في المعنى، ومثله في المأخذ، وكل ما تلزمونا به إذا كان سابقًا ولم يغنم، نلزمكم به إذا كان مسبوقًا ولم يغرم. قالوا: والحديث ليس فيه ما يقتضي هذا القول، ولا قولكم، ولا ما (١) يبطِلُ واحدًا من القولين، فلا يمكن أن تبطلوا قولنا به، ولكن يبقى (٢) الترجيح في أي القولين أقرب إلى خروج العقد به من القمار - إن كان بالمحلِّل يخرج عن القمار -؟ وأما حكم المحلِّل، فلا تعلُّق له بالحديث، غير أنه يكون مكافئًا لهما (٣) في الرمي والركوب، ولا يأمن إن سَبَقَاه فَحَسْب. فصلٌ قال المنكرون للمحلِّل الدخيل: تأمَّل هذه الأقوال، والطرق، واختلافها في المحلِّل، ومصادمة بعضها لبعض، ومناقضة بعضها لبعض، وفساد الفروع واللوازم يدلُّ على فساد الأصل والملزوم، وكل ما كان من عند غير الله فلا بد أن يقع فيه اختلاف كثير،

стр. 339

وليس واحد من هذه الأقوال بأولى بالصحة من الآخر، ولا دلَّ الحديث على تقدير ثبوته على شيء منها (١)، وإنما هي آراء يصادم بعضها بعضًا، وينقض بعضها بعضًا، فكلٌّ بكلٍّ مُعَارض، وكلٌّ بكلٍّ مُنَاقض. قالوا: وقد قال عمرو بن دينار: "قال رجل عند جابر بن زيد: إن أصحاب محمد كانوا لا يرون بالدَّخيل بأسًا، فقال: إنهم كانوا أعفَّ من ذلك" (٢). فانظر (٣) إلى فقه الصحابة وجلالتهم، وقول جابر: "إنهم كانوا أعفَّ من أن يحتاجوا إلى دخيل". قال السَّعْدِي في كتاب "المترجم": حدثنا أبو صالح: أخبرنا أبو إسحاق عن ابن عيينة عن عمرو: فذكره. ونحن نقول كما قال جابر بن زيد: وإنهم كانوا أفقه من ذلك. فصلٌ (٤) ثم افترق منكرو التحليل فرقتين: * إحداهما: مَنَعَتِ الإخراج من الاثنين مطلقًا (٥)، وهو مشهور

стр. 340

مذهب مالك ومن قال بقوله. * وفرقةٌ جوَّزته بغير محلِّل. قال شيخ الإسلام: "وهو مقتضى المنقول عن أبي عُبَيْدة بن الجَرَّاح - قال -: وما علمتُ في (١) الصحابة من اشترط المحلِّل، وإنما هو معروفٌ عن سعيد بن المسيب، وعنه تلقَّاه الناس، ولهذا قال مالك: "لا نأخذ بقول سعيد بن المسيب في المحلل، ولا يجب المحلِّل". والذي مَشَّى هذا القول هيبةُ قائِلِه، وهيبةُ إباحة القمار، وظنُّوا أن هذا مُخْرِجٌ للعقد عن كونه قمارًا، فاجتمع عَظَمَة سعيد عند الأمة، وعظمة القمار وقبحه، ولم يكن بدٌّ من إباحة السَّبَق كما أباحه النبي ﷺ ، ولم يمنع نصٌ من الإِخراج منهما، وقد قال عالم الإسلام في وقته: "إن العقد بدونه قمار". فهذا الذي مشَّى هذا القول. والله أعلم. فصلٌ فتأمل أيها المنصف هذه المذاهب، وهذه المآخذ؛ لتعلم ضعف بضاعة من قمَّش شيئًا من العلم من (٢) غير طائل، وارْتَوى من غير مَوْرِد، وأنكر غير القول الذي قلَّده بلا علم، وأنكر على مَن ذهب (٣) إليه، وأفْتى به، وانتصر له، فكأنَّ مذهبه وقول من قلَّده

стр. 341

عيارًا على الأمة، بل عيارًا على الكتاب والسنة، فهو المُحْكَم (١) ونصوصهما متشابهة، فما وافق قول من قلده منهما احتجَّ به، وقرَّره، وصال به، وما خالفه، تأوَّله أو فوَّضه، فالميزان الراجح هو قوله ومذهبُه، قد أهْدَرَ مذاهب العلماء من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، فلا ينظر فيها إلا نظر من ردَّها راغبًا عنها، غير متبع لها، حتى كأنها شريعة أخرى!! ونحن نبرأ إلى الله من هذا الخُلُق الذّميم، والمرتع الذي هو على أصحابه وخيم، ونوالي (٢) علماء المسلمين، ونتخيَّر من أقوالهم ما وافق الكتاب والسنة ونزِنُها بهما، لا نزِنُهما بقول أحدٍ، كائنًا من كان، ولا نتَّخذ من دون الله تعالى ورسوله ﷺ رجلًا يصيب ويخطئ، فنتبعه (٣) في كل ما قال، ونمنع - بل نحرِّم - متابعة غيره في كلِّ ما خالفه فيه. وبهذا أوصانا أئمة الإسلام، فهذا عهدُهم إلينا، فنحن في ذلك على منهاجهم وطريقهم وهديهم؛ دونَ من خالفنا، وبالله تعالى التوفيق. فصلٌ فإن قيل: هل العقد هو (٤) من باب الإجارات، أو من باب

стр. 342

الجعالات، أو من باب المشاركات، أو من باب النُّذور والالتزامات، أو من باب العِدَات والتبرُّعات، أو عَقْد مستقلٌّ بنفسه، قائم برأسه، خارج عن هذه العقود؟ فالجواب: إنه عقدٌ مستقلٌّ بنفسه، قائم برأسه (١)، غَيْرُ داخلٍ في شيءٍ من هذه العقود، لانتفاء أحكامها عنه. فأما بطلان كونه من عقود الإجارات، فمن وجوه: أحدها: أنه عقدٌ جائزٌ، لكل منهما فَسْخُه قبل الشروع في العمل؛ بخلاف الإجارة. الثاني: أن العمل في الإِجارة لا بد وأن يكون معلومًا مقدورًا للأجير، والسَّبْق ها هنا غير معلوم له (٢)، ولا مقدور، ولا يدري أيَسْبِق أم يُسْبَق؟! وهذا في الإجارة غَرَرٌ مَحْضٌ. الثالث: أن العمل في الإِجارة يرجع إلى المستأجر، والمال يعود إلى الأجير، فهذا بذل ماله، وهذا بذل نفعَه في مقابلته، فانتفع كلٌّ منهما بما عند الآخر، بخلاف المسابقة، فإن العمل يرجع إلى السَّابق. الرابع: أن الأجير إذا لم يوفِّ العمل، لم يلزمه غرمٌ، والمراهن إذا لم يجئ سابقًا، غَرِم ماله إذا كان مخرِجًا. الخامس: أن عقد الإِجارة لا يفتقر إلى محلِّل، وهذا عندكم يفتقر

стр. 343

إليه في بعض صُوَرِه. السادس: أن الأجير إما مختصٌّ وإما مشترك، وهذا ليس واحدًا منهما، فإنه ليس في ذمته عملٌ يلزمه الوفاء به، ولا يلزمه تسليم نفسه إلى العاقد معه. السابع: أن الأُجْرة تجب بنفس العقد، وتستحقُّ بالتسليم، والعِوَض هنا لا يجب بالعقد، ولا يستحق بالتَّسْليم. الثامن: أن الأجير له أن يستنيب في العمل من يقوم مقامه، ويستحق الأُجْرة، وليس ذلك للمُسَابِق. التاسع: أنه لو أجَّرَ نفسه على عمل بشرط أن يؤجره الآخر نفسه على نظيره؛ فَسَدَتِ الإِجارة، وعقد السباق لا يصحُّ إلا بذلك، فإن خلا عن هذا لم يكن عقد سباق، كما أنه (١) إذا قال: إن أصبت من العشرة تسعة، فلك كذا وكذا، فهذا ليس بعقد رهان، وإنما هو تبرُّع له على عملٍ ينتفع هو به، أو هو وغيره، أو جِعَالة في هذا (٢) الحال يقضي عليه بما التزمه. العاشر: أن الأجير يحرِص على أن يوفِّي المستأجر غرضه، والمراهن أحرص شيء على ضدِّ غرض مراهنه، وهو أن يغلبه ويأكل ماله.

стр. 344

وبينهما فروقٌ كثيرة يطول استقصاؤها، فتأملها. فصلٌ والذي يدلُّ على بطلان كونه من باب الجِعَالات وجوهٌ: أحدها: أن العامل فيه (١) لا يجعل جُعلًا لمن يغلبه ويقهره، وإنما يبذُل ماله (٢) فيما يعود نفعه إليه، ولو كان (٣) بذلُه فيما لا ينتفع به؛ لم يصح العقد، وكان سَفَهًا. الثاني: أن الجِعَالة يجوز أن يكون العمل فيها مجهولًا، كقوله: من ردَّ عبدي الآبق فله كذا وكذا؛ بخلاف عقد السباق، فإن العمل فيه لا يكون إلا معلومًا. الثالث: أنه يجوز أن يكون العِوض في الجعَالة مجهولًا، كقول الإمام: من دلَّني على حصن أو قلعة؛ فله ثلث ما يغنم منه أو ربعه، بخلاف عقد السباق. الرابع: أن المراهن قصدُه تعجيز خصمه، وأن لا يوفي عمله، بخلاف الجاعل، فإن قصده حصول العمل المجعول له، وتوفيته إياه. وأكثر الوجوه المتقدِّمة في الفرق بينهما وبين الإجارة تجيء ها هنا.

стр. 345

وأما بطلان كونها من عقود المشاركات فظاهر جدًّا، فإنها ليست نوعًا من أنواع الشركة، وسائر أحكامها منتفية عنها. فصلٌ والذي يُبْطِل كونه من باب النُّذُور وجوه: أحدها: أن الناذرَ قد التزم إخراج ما عيَّنه إن حصل له مقصوده، والمسابِق إنما يلزمه إخراج ماله إذا حصل ضِدّ مقصوده. الثاني: أن الناذر ملتزمٌ إخراج ما نذره إلى غير الغالب، والمسابق إنما التزم إخراجه لمن غلبه. الثالث: أن الناذر لا يلزم أن يكون معه مثله يشاركه في نذره، والمراهن بخلافه. الرابع: أن النذر متى تعذّر الوفاء به انتقل إلى بَدَلِه إن كان له بدلٌ شَرْعي؛ وإلا فكفارة يمين، بخلاف المراهن. الخامس: أن النذْر يصح مطلقًا ومعلَّقًا، كقوله: لله عليَّ صوم يوم، وإن شفى الله مريضي فعليَّ صوم يوم، بخلاف المسابقة. السادس: أن المسابقة لا تصحُّ على الصوم والحج والاعتكاف والصلاة والقُرَب البدنيَّة، ولا تكون إلا على مال، بخلاف النذر. السابع: أن النذر منهيٌّ عنه، وقال النبي ﷺ : "إن النذْر لا يأتي

стр. 346

بخير" (١) بخلاف المسابقة، فإنه مأمور بها مرغَّب فيها. الثامن: أن النذر عقدٌ لازم، لا بدَّ من الوفاء به، والمسابقة عقدٌ جائز. التاسع: أن النذر حقُّ لله تعالى بما (٢) التزمه به، لا يسقط بإسقاط العبد، وما التزمه بالمسابقة؛ حقٌّ للعبد يَسْقُط بإسقاطه. العاشر: أن النذر لا يلزم أن يكون جزاءً على عمل، ويجوز أن يكون على ما لا صُنْعَ للعبد فيه ألبتة، كمجيء المطر، وحصول الولد، ونمو الزرع، بخلاف عقد المسابقة. فإن قيل: فهَبْ أنه ليس من باب نذر التَّبرُّر، فما الذي يُبْطِل كونه من باب نذر اللجاج والغضب وشَبَهَهُ به ظاهر؛ فإن المراهن يقول لخصمه: إن غلبتني فلك من مالي كذا وكذا، وغرضُه أن يحضَّ نفسه على أن يكون هو الغالب، ولا يخسر ماله، فهو كما لو قال: إن كلمتك فلله عليّ كذا وكذا، فهو يحضُّ نفسه على ترك كلامه؛ لئلا يخسر ماله بكلامه، فإن الغرض منع نفسه من الفعل الذي التزم لأجله إخراج ما يكره إخراجه؟!

стр. 347

قيل: هذا حَسَن لا بأس به، لكن الفرق بينهما أن الناذر ملتزمٌ إخراج ماله عند فعله ما يكون مخالفًا لعقد نذره، والمغالب ملتزم لذلك عند سبق غيره له، وعَجْزه هو عن مغالبته. لكن، قد يُلْزَم الناذرُ إخراجَ شيء من ماله عند غلبة غيره له، كقوله: إن غلبتني فمالي صدقة. وعلى هذا، فيكون الفرق بينهما أن في المسابقة يكون (١) حِرْصُهُ على المَغْنَم تارة، وعلى دفع الغُرم أخرى - فيما إذا كان الباذل غيرهما أو كلاهما -، والناذر نذرَ اللجاج حِرْصُهُ على دفع الغُرْمِ فقط، فبينهما جامِعٌ وفارِق. فصلٌ والذي يُبْطِلُ كونه من باب العِدَات والتَّبرعات: القَصْد، والحقيقة، والاسم، والحُكْم. أما القصد: فإن المراهن ليس غرضه التبرُّع وأن يكون مغلوبًا، بل غرضه الكَسْب وأن يكون غالبًا، فهو ضِدُّ المتبرِّع. وأما الحقيقة: فإن التبرع والهبة لا تكون على عَمَلٍ، ومتى كان على عملٍ، خرج عن أن يكون هِبَة، وكان مِن نوع المعاوضات. وأما الاسم: فإن اسم الرهان والسَّبَق والخطر والجُعل غير اسم الهبة والصَّدقة والتَّبَرُّع.

стр. 348

وأما الحكم: فأحكام الهِبَة مخالفة لأحكام الرهان من كل وجه، وإن جمعهما مجرَّد إخراج المال إلى الغير على وجهٍ لا يَعْتاض باذلُه عنه. فهذا هو القدر المشترك بينه وبين الهِبَة والتبرُّع، ولا تخفى الفروق التي بين هذا العقد وبين عقد الهبة. فإذا عُرف هذا، فالصواب أن هذا العقد عقدٌ مستقلٌّ بنفسه، له أحكامٌ يتميَّز بها عن سائر هذه العقود، فلا تؤخذ أحكامه منها، وبالله تعالى التوفيق. فصلٌ واختلف الفقهاء في هذا العقد، هل هو عقد لازم أو جائز على قولين: أحدهما: أنه من العقود الجائزة، وهذا المشهور عند أصحاب أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي (١). و الثاني: أنه عقد لازم (٢)، وهو القول الآخر للشافعي، ووجهٌ في مذهب أحمد.

стр. 349

ولأصحاب الشافعي في محلِّ القولين طريقتان (١): إحداهما: أن القولين جاريان في مُطْلَق صورة العقد، سواء كان الجُعل منهما، أو من أحدهما، أو من ثالث. والثانية: أن محل القولين: في حق من أخرج السَّبَق، وأما المحلِّل ومن لم يخرِج فالعقد جائزٌ في حقِّه قولًا واحدًا. وأصحاب هذه الطريقة رأوا أن لزوم العقد في حق من لم يخرج لا فائدة فيه، إذ لا يلزمه شيء؛ فإنه إما أن يَكْسَبَ مالًا (٢)، أو لا يُعْطِي شيئًا، فلا فائدة لإلزامه بعقدٍ لا يكون معطيًا فيه، بل آخذًا. وأصحاب الطريقة الأولى يقولون: إن المخرج قد يستفيد التعلُّم ممَّن لم يخرج، فيكون كالمعاوِض بماله على التعلُّم، فيلزم الآخر تتميم العقد. قالوا: ولأنه من شرطه أن يكون العِوَض والمُعَوَّض معلومين، فكان لازمًا، كالإِجارة. ومن قال بالجواز دون اللزوم؛ قال: المسابقة عقدٌ على ما لا تَتَحقَّق القدرة على تسليمه، فكان جائزًا، كردِّ الآبق، وذلك لأنه عقدٌ على الإصابة، ولا يدخل تحت قدرته، وبهذا فارق الإِجارة.

стр. 350

فصلٌ في التفريع على هذا الخلاف قالت: الشافعية: فرعٌ إن قلنا باللزوم، فلا بدَّ من القبول، وإن قلنا بالجواز، فهل يُشْتَرَط القبول؟ فيه وجهان، المذهب: أنه لا يشترط. فرعٌ: هل يصحُّ ضمان السَّبَق؟ فيه طريقان: أحدهما: أنَّا إنْ قلنا باللزوم، صحَّ، وإن قلنا بالجواز، فهل يصحُّ الضمان؟ على قولين. والطريقة الثانية: أنا إن قلنا باللزوم، ففي الضمان قولان، وهما القولان في ضمان ما لم يجب، وجرى بسبب وجوبه، فإن السَّبَق لا يُسْتَحقُّ قبل الفوز اتِّفاقًا، سواء إن (١) قلنا: بالجواز أو اللُّزوم.

стр. 351

فرعٌ: هل يصحُّ أخذ هذا (١) الرهن بالجُعْل؟ قالوا: إن قلنا: لا يصحُّ أخذ الضَّمِين به؛ لم يصحَّ أخذ الرهن، وإن أجزنا أخذ الضَّمين به، ففي جواز أخذ الرهن وجهان. والفرق أن باب الضَّمَان أوسع، فإنه يجوز ضمان العُهْدَة، ولا يجوز أخذ الرهن بها (٢)، ويجوز ضمان ما لم يجب، ولا يجوز أخذ الرهن به، ويجوز ضمان مال الكتابة في إحدى الروايتين، ولا يصحُّ أخذ الرهن به. والفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن أخذ الرهن بضمان العهدة وبمال الكتابة وبما لم يجب = يمنع الارتفاق بالرهن، فإنه يمنعه من بيعه، والارتفاق به في كتابته وأداء ما عليه من الحق، وليس كذلك الضمان؛ لأنه لا يعطِّل على البائع شيئًا، ولا يمنعه الارتفاق بسلعته، ولا يعطِّل على المكاتب ولا على المقترض (٣) شيئًا. الثاني: أن ضرب (٤) الرهن يطول؛ لأنه يدوم بقاؤه عند المرتهن، وصاحبه ممنوعٌ من التصرُّف فيه؛ بخلاف الضَّمين؛ لأن كون الدَّين في

стр. 352

ذمته لا يمنع مالِك السلعة من (١) التصرُّف فيها، فالمكاتَب يستضرُّ بالرهن، ولا يستضرُّ بالضمين، ويستضرُّ المقترض بالرهن قبل القرض، ولا يستضرُّ بالضمين. وقال أَبو المَعَالي الجُوَيْني: "لا يبعد أن يوقَف السبق، فإن قاربه أحدهما، تبيَّن استحقاقه بالعقد، فيكون كضمان العهدة؛ إلا أن هذه عهدة تقبل الرهن؛ لقرب أمدها، بخلاف عهدة البائع، إذْ لا أمَدَ لها". فرعٌ إذا قلنا: هي عقد جائز، فلكل واحد منهما فسخها قبل الشروع اتِّفاقًا، وإن أراد أحدهما الزيادة فيها أو النقصان، لم يلزم الآخر إجابته، وإن اتفقا على ذلك، جاز. وإن قلنا باللزوم، لم يملك أحدهما فسخها، وإن اتَّفقا على الفسخ، جاز، وإن اتَّفقا على الزيادة والنقصان فيه، جاز؛ سواء أبقيا العَقْد أو فَسَخَاه. فرعٌ فإن شَرَعا فيها: فإن لم يظهر لأحدهما فضلٌ على الآخر، جاز لكل واحد منهما الفسخ، وإن ظهر لأحدهما على الآخر (٢)، مثل أن

стр. 353

يسبقه بفرسه في بعض المسافة، أو يصيب بسهامه أكثر منه، فللفاضل الفسخ دون المفضول؛ لأنا لو جوَّزنا للمفضول الفسخ، لَفَاتَ غرض المسابقة، فلا يحصل المقصود، وكان كلُّ من رأى نفسه مغلوبًا، فسخ العقد (١). وقالت الشافعية: إذا قلنا بجواز العقد دون لزومه، ففي جواز الفسخ من المَفْضُول وجْهَان. فرعٌ فإن مات أحد المتعاقدين: فإن قلنا: هي عقد (٢) جائز، انفسخت بموته، قياسًا على سائر العقود الجائزة، من الوكالة والشركة والمضاربة ونحوها. وإن قلنا: هي عقدٌ لازمٌ، لم تنفسخ بموت الراكبين، ولا تلف أحد القوسين، وانفسخت بموت أحد المركوبين والراميين. والفرق بينهما أن العقد تعلَّق بعين المركوب والرامي، فانفسخ بتلفه، كما لو تلف المعقود عليه في الإِجازة، بخلاف موت الراكب، وتلف القوس، فإنه غير المعقود عليه (٣)، فلم ينفسخ العقد بتلفه، كموت أحد المتبايعين، ولهذا يجوز إبدال القوس والراكب، ولا يجوز إبدال الفرس والرامي.

стр. 354

فعلى هذا يقوم وارث الميت مقامه؛ كما لو استأجر شيئًا ثم مات، فإن لم يكن له وارث، أقام الحاكم مقامه مِن تَرِكَتِهِ، كما لو أجَّر نفسه لعملٍ معلوم، ثم مات. فرعٌ فإن أخَّرَ أحدهما السباق والنضال من الوقت الذي عُيِّن فيه، فإن كان لعذرٍ، جاز، وإن كان لغير عذرٍ، وقلنا بلزوم العقد، لم يجز، وإن قلنا بجوازه، فللآخر الفسخ، وله الصبر. وهكذا إن أخَّرَ إتمام الرمي بعد الشروع فيه. فصلٌ في إلحاق الزيادة والنقصان في الجُعل، وعدد الرَّشْق، ومقدار المسافة في عقد السباق والنضال وهي سِتُّ صور: - إلحاق زيادة بالمسافة أو نقصان منها. - وإلحاق زيادة بالجُعل أو نقصان منه. - وإلحاق زيادة بعدد الرمي والرماة أو نقصان منه. فإنْ قلنا بجواز العقد، جاز ذلك كله باتفاق الحزبين. وإنْ قلنا بلزومه، فقال أصحاب الشافعي: لا يُلحق، كما لا تلحق الزيادة في الثمن بعد لزوم البيع، ولا الزيادة في الأجرة بعد لزوم

стр. 355

الإِجارة. وأما من ألحق الزيادة في الثمن والنقصان منه بعد العقد، كأصحاب أبي حنيفة - وهو القول الراجح في الدليل - فعلى أصولهم يجوز إلحاق الزيادة والنقصان في هذا العقد - وهذا هو الصواب - إذا اتَّفقا عليه. وقد أمر النبي ﷺ الصدِّيق أن يزيد في الأجَل والرَّهن، لمَّا راهن المشركين (١) على غَلَبةِ الروم والفرس، ولا محذور في إلحاق (٢) هذه الزيادة أصلًا، بل النصُّ والقياس يقتضيان (٣) جوازها، وقد قال أصحابنا: تجوز الزيادة في الصَّداق بعد لزومه، مع أن عقد النكاح عقد لازم، وتكون الزيادة كالأصل فيما يقرِّره وينفعه (٤). واتَّفقوا على جواز الزيادة في الرهن، واختلفوا في جواز الزيادة في دَيْنه. فمنعها أبو حنيفة وأحمد، وأجازها مالك والشافعي في قوله القديم، ومنعها في الجديد، ولم أجد عن أحمد نصًّا بالمنع، وإنما أخذه أصحابه من نصِّه في الزيادة في الثمن. وقول مالك في هذه المسألة أرجح (٥)، إذ لا محذور في ذلك،
следующие страницы →