← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 18169

الفروسية المحمدية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (530 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فرعٌ: هل يصحُّ أخذ هذا (١) الرهن بالجُعْل؟ قالوا: إن قلنا: لا يصحُّ أخذ الضَّمِين به؛ لم يصحَّ أخذ الرهن، وإن أجزنا أخذ الضَّمين به، ففي جواز أخذ الرهن وجهان. والفرق أن باب الضَّمَان أوسع، فإنه يجوز ضمان العُهْدَة، ولا يجوز أخذ الرهن بها (٢)، ويجوز ضمان ما لم يجب، ولا يجوز أخذ الرهن به، ويجوز ضمان مال الكتابة في إحدى الروايتين، ولا يصحُّ أخذ الرهن به. والفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن أخذ الرهن بضمان العهدة وبمال الكتابة وبما لم يجب = يمنع الارتفاق بالرهن، فإنه يمنعه من بيعه، والارتفاق به في كتابته وأداء ما عليه من الحق، وليس كذلك الضمان؛ لأنه لا يعطِّل على البائع شيئًا، ولا يمنعه الارتفاق بسلعته، ولا يعطِّل على المكاتب ولا على المقترض (٣) شيئًا. الثاني: أن ضرب (٤) الرهن يطول؛ لأنه يدوم بقاؤه عند المرتهن، وصاحبه ممنوعٌ من التصرُّف فيه؛ بخلاف الضَّمين؛ لأن كون الدَّين في

стр. 352

ذمته لا يمنع مالِك السلعة من (١) التصرُّف فيها، فالمكاتَب يستضرُّ بالرهن، ولا يستضرُّ بالضمين، ويستضرُّ المقترض بالرهن قبل القرض، ولا يستضرُّ بالضمين. وقال أَبو المَعَالي الجُوَيْني: "لا يبعد أن يوقَف السبق، فإن قاربه أحدهما، تبيَّن استحقاقه بالعقد، فيكون كضمان العهدة؛ إلا أن هذه عهدة تقبل الرهن؛ لقرب أمدها، بخلاف عهدة البائع، إذْ لا أمَدَ لها". فرعٌ إذا قلنا: هي عقد جائز، فلكل واحد منهما فسخها قبل الشروع اتِّفاقًا، وإن أراد أحدهما الزيادة فيها أو النقصان، لم يلزم الآخر إجابته، وإن اتفقا على ذلك، جاز. وإن قلنا باللزوم، لم يملك أحدهما فسخها، وإن اتَّفقا على الفسخ، جاز، وإن اتَّفقا على الزيادة والنقصان فيه، جاز؛ سواء أبقيا العَقْد أو فَسَخَاه. فرعٌ فإن شَرَعا فيها: فإن لم يظهر لأحدهما فضلٌ على الآخر، جاز لكل واحد منهما الفسخ، وإن ظهر لأحدهما على الآخر (٢)، مثل أن

стр. 353

يسبقه بفرسه في بعض المسافة، أو يصيب بسهامه أكثر منه، فللفاضل الفسخ دون المفضول؛ لأنا لو جوَّزنا للمفضول الفسخ، لَفَاتَ غرض المسابقة، فلا يحصل المقصود، وكان كلُّ من رأى نفسه مغلوبًا، فسخ العقد (١). وقالت الشافعية: إذا قلنا بجواز العقد دون لزومه، ففي جواز الفسخ من المَفْضُول وجْهَان. فرعٌ فإن مات أحد المتعاقدين: فإن قلنا: هي عقد (٢) جائز، انفسخت بموته، قياسًا على سائر العقود الجائزة، من الوكالة والشركة والمضاربة ونحوها. وإن قلنا: هي عقدٌ لازمٌ، لم تنفسخ بموت الراكبين، ولا تلف أحد القوسين، وانفسخت بموت أحد المركوبين والراميين. والفرق بينهما أن العقد تعلَّق بعين المركوب والرامي، فانفسخ بتلفه، كما لو تلف المعقود عليه في الإِجازة، بخلاف موت الراكب، وتلف القوس، فإنه غير المعقود عليه (٣)، فلم ينفسخ العقد بتلفه، كموت أحد المتبايعين، ولهذا يجوز إبدال القوس والراكب، ولا يجوز إبدال الفرس والرامي.

стр. 354

فعلى هذا يقوم وارث الميت مقامه؛ كما لو استأجر شيئًا ثم مات، فإن لم يكن له وارث، أقام الحاكم مقامه مِن تَرِكَتِهِ، كما لو أجَّر نفسه لعملٍ معلوم، ثم مات. فرعٌ فإن أخَّرَ أحدهما السباق والنضال من الوقت الذي عُيِّن فيه، فإن كان لعذرٍ، جاز، وإن كان لغير عذرٍ، وقلنا بلزوم العقد، لم يجز، وإن قلنا بجوازه، فللآخر الفسخ، وله الصبر. وهكذا إن أخَّرَ إتمام الرمي بعد الشروع فيه. فصلٌ في إلحاق الزيادة والنقصان في الجُعل، وعدد الرَّشْق، ومقدار المسافة في عقد السباق والنضال وهي سِتُّ صور: - إلحاق زيادة بالمسافة أو نقصان منها. - وإلحاق زيادة بالجُعل أو نقصان منه. - وإلحاق زيادة بعدد الرمي والرماة أو نقصان منه. فإنْ قلنا بجواز العقد، جاز ذلك كله باتفاق الحزبين. وإنْ قلنا بلزومه، فقال أصحاب الشافعي: لا يُلحق، كما لا تلحق الزيادة في الثمن بعد لزوم البيع، ولا الزيادة في الأجرة بعد لزوم

стр. 355

الإِجارة. وأما من ألحق الزيادة في الثمن والنقصان منه بعد العقد، كأصحاب أبي حنيفة - وهو القول الراجح في الدليل - فعلى أصولهم يجوز إلحاق الزيادة والنقصان في هذا العقد - وهذا هو الصواب - إذا اتَّفقا عليه. وقد أمر النبي ﷺ الصدِّيق أن يزيد في الأجَل والرَّهن، لمَّا راهن المشركين (١) على غَلَبةِ الروم والفرس، ولا محذور في إلحاق (٢) هذه الزيادة أصلًا، بل النصُّ والقياس يقتضيان (٣) جوازها، وقد قال أصحابنا: تجوز الزيادة في الصَّداق بعد لزومه، مع أن عقد النكاح عقد لازم، وتكون الزيادة كالأصل فيما يقرِّره وينفعه (٤). واتَّفقوا على جواز الزيادة في الرهن، واختلفوا في جواز الزيادة في دَيْنه. فمنعها أبو حنيفة وأحمد، وأجازها مالك والشافعي في قوله القديم، ومنعها في الجديد، ولم أجد عن أحمد نصًّا بالمنع، وإنما أخذه أصحابه من نصِّه في الزيادة في الثمن. وقول مالك في هذه المسألة أرجح (٥)، إذ لا محذور في ذلك،

стр. 356

وهي زيادة تتعلَّق بالرَّهن، فجازت كزيادة التعلُّق (١) بذمَّة الضامن، ولا أثر للفرق بينهما بسِعَة هذا وضيق الرهن؛ لأن لهما أن يوسِّعاه أضعاف ما هو متعلق به، بأن يغير الرهن، ولولا سَعَته، لما أمكن ذلك. وقد قال أصحابنا: لو جَنَى العبد المرهون، ففداه المرتهن، ليكون رهْنًا بالفداء وبالحق الأول جاز، وهذا زيادةٌ في دَيْن الرهن. ولكن فرَّقوا بين هذه الزيادة، وبين غيرها، بأن الجناية تملك المجنيُّ عليه المطالبة ببيعه (٢) في الجناية، وإبطال الوثيقة من الرهن، فصار بمنزلة الرهن الجائز قبل قبضه، فإنه يكون (٣) غير لازم، والرهن قبل لزومه تجوز الزيادة في دينه، فكذلك بعد الجناية؛ لأنه قد تعرَّض لزوال لزومه. قالوا: وليس كذلك إذا لم يجز الرهن؛ لأنه لازم لا سبيل إلى إبطال حق المرتهن عنه، فلم يصحَّ أن يرهنه بحق آخر، كما لو رهنه عند إنسان آخر. قالوا: ولأنه قد تعلَّق بجملته كلُّ جزءٍ من أجزاء الحق، فلم يبق فيه موضعٌ لتعلُّق حقًّ آخر به (٤) بخلاف الضمان، فإن محلَّه ذمة الضامن، وهي متسعةٌ لكلِّ دَيْنٍ يرد عليها.

стр. 357

ولِمَن رجَّح قول مالك أن يقول: لمَّا مَلَكَا تغيير العقد ورفعه، ثم جعل الرهن وثيقة بالدينين = مَلَكَا أن يجعلاه وثيقة بهما مع بقاء (١) العقد، وأيُّ فائدة أو مصلحة حصلت لهما بتغيير العقد وفسخه وتعريض الحق للضياع بإبطال الرهن؟! ومعلوم أن الشارع لا يشرع ما هو عَبَث (٢) لا مصلحة فيه، فيقول: إذا أردتما الزيادة في الدَّيْن، فافسخا عقد الرهن وأبطلاه، ثم زيدا فيه، فتغيير صفته أسهل عليهما، وأقل كُلْفَة، وأبْيَن مَصْلَحة. وقولكم: "إنه قد تعلَّق بجملة الرهن كل جزءٍ من أجزاء الدين" (٣). فهذا ليس مُتَّفقًا عليه بين الفقهاء، فإن أبا حنيفة قال في إحدى الروايتين: "إذا رهن شيئين بحق، فتلف أحدهما، كان الباقي رهنًا بما يقابله من الحق لا بجميعه". ولو سُلِّم أنه رهن على كل جزء من أجزاء الحق، لم يمنع أن يصير رهنًا على حق آخر باتفاقهما، كما لو غيّر (٤) العقد، وكما لو كان جائزًا لم يلزم بعد، أو طرأ عليه ما يعرِّضه لزوال لزومه. وقياسكم (٥) الزيادة في الدَّين على رهنه عند رجل آخر لا يصح؛

стр. 358

لتعدُّد المطالب المستحق، وحصول التنازع والتشاحّ في التقديم، بخلاف ما إذا كان المستحقُّ واحدًا. والمقصود أن الزيادة في عقد السباق تصحُّ وتلزمُ إذا اتفقا عليها؛ كما زاد الصدَّيق في المدَّة والخَطَر بأمر رسول الله ﷺ . فصلٌ المناضلة على ضربين: مناضلة على الإصابة، ومناضلة على بُعد المسافة: - فالأولى جائزة اتِّفاقًا. - وأما المناضلة على بُعد المسافة، فللشافعي فيها قولان (١)، ولأصحابنا فيها طريقان (٢)، فأكثرهم منعوها، وقال صاحب "الرعاية" فيها: "قلت: فإن تسابقا بالخيل على أن السبق لأطولهما مدى، لم يصح، وإن تناضلا على أن السبق لأبعدهما رميًا، احتمل وجهين". وقد تقدَّم (٣) أن هذه أولى بالصحَّة من المصارعة، والسباحة، والمسابقة على الأقدام، فمن جوَّزها في هذه الصورة، فتجويزها (٤) على بعد المسافة أولى وأحرى.

стр. 359

وهذا أرجح الأقوال (١). وقد شَرَط بعض من جوَّزها على البُعد استواء القوسين في الشِّدَّة والضعف، لتنافس الرماة في ذلك، حتى إنهم ربما رَمَوا بقوسٍ واحدة وسهم واحدة، وإذا كان العقد على الإصابة، لم يُشْتَرَط تعيين القوسين ولا استواؤهما اتفاقًا. والنوع الثاني: العقد على الإصابة (٢)، وله شروط: أحدها: تعيين الرماة، لأن المقصود عين الرامي، ومعرفة حذقه وإصابته، لا معرفة حذق (٣) رامٍ ما، فلو تعاقد متراميان على أن مع كل واحد منهما ثلاثة أو اثنين، أو واحدًا يرمي معه غير معيَّن؛ لم يجز ذلك. ولا يشترط تعيين القوسين، ولا تعيين السهام، ولو عَينها لم تتعيَّن، وجاز إبدالها؛ لأن القصد معرفة الحِذْق، لا معرفة القوس ومنفعته. وأما في (٤) الخيل: فيشترط معرفة المركوبَيْن بالتعيين دون الراكبين؛ لأن المقصود معرفة عَدْو الفرس لا سَوْقَ راكبها. فعلى هذا، إن شرطا (٥) أن لا يرمي بغيرها، أعني (٦): بغير هذه

стр. 360

القوس، أو بغير هذا السهم، أو لا يركب غير هذا الرجل = لم يصح الشرط (١)، ولم يتعيَّن ذلك عليه. الثاني: أن يكون القوسان من نوع واحد، وجنس واحد (٢)، فلا يصح عقد السباق (٣) بين قوس يد وقوس رجل، ولا بين قوسين (٤) عربية وقوس فارسية في أحد الوجهين، وفي الآخر: يجوز بين النوعين دون الجنسين، والوجهان لأصحاب الشافعي وأحمد (٥). ونظير هذا الاختلاف في المسابقة بين العربي والهَجِيْن، وبين البُخْتِي والعربي من الإبل؛ فإن فيه وجهين لأصحاب أحمد، والجواز اختيار القاضي، وهو مذهب الشافعي (٦). الثالث: تحديد المسافة والغاية بما جرت به العادة في النضال والسباق؛ لأن الغرض معرفة أسبقهما، ولا يُعْلَم ذلك إلا بتساويهما في الغاية (٧)؛ لأن أحدهما قد يكون مقصِّرًا في أوَّلِ عَدْوِه، سريعًا في انتهائه، وبالعكس، فيحتاج إلى غاية تجمع حالتيه. ومن الخيل ما هو

стр. 361

أصبر، والقارح أصبر من غيره، ولهذا فضَّل النبي ﷺ القُرَّح في الغاية (١). فإن استبقا بغير غاية لينظر أيهما يقف أولًا، لم يجز؛ لأنه يؤدِّي إلى أنه لا يقف أحدهما حتى ينقطع فرسه، فيتعذر الحُكْم للآخر بالسبق، كما لو مات فرس الآخر أو انكسر. وكذلك أيضًا (٢) يشترط معرفة مدى الرمي: إما بالمشاهدة والرؤية، وإما بالذرعان؛ لأن الإصابة تختلف بالقُرْب والبُعْد. ويجوز أن يجعلا غايةً مّا يتفقان عليها، إلا أن يجعلا مسافة بعيدة تتعذر الإصابة في مثلها غالبًا - وهو ما زاد على ثلاث مئة ذراع - فلا يصح لأنّ (٣) الغرض يفوت بذلك، وقد قيل: إنه ما رمى في أربع مئة ذراع إلا عُقْبَة بن عامر الجُهَنِي ﵁. هذا كلام أصحاب أحمد (٤). وقال العراقيون من أصحاب الشافعي (٥): إذا كانت المسافة مئتين وخمسين ذراعًا؛ جاز، وإن زادت على ثلاث مئة وخمسين؛ لم يجز، وفيما (٦) بينهما وجهان.

стр. 362

وهذا التقدير ليس معهم به نصٌّ من الإمام، ولا دليل من جهة (١) الشريعة. وقال الخراسانيون منهم: إن كانت المسافة تقرُب الإِصابة فيها؛ صح تعيينها، وإن تعذّرت الإصابة فيها لم يصح، وإنْ كانت بحيث يقطعها السهم وتندُر الإصابة (٢) فوجهان. قلت: وهذا أقرب إلى الصواب، فإنهم إذا جَوَّزوا تقديرها بثلاث مئة وخمسين ذراعًا، أو بثلاث مئة، ولم يجوِّزوا الرمي على البُعْد، بل على الإصابة = لم تحصل الإصابة في هذه المسافة إلا اتفاقًا، وكلما بعدت المسافة عَزَّت الإصابة، ولهذا رمْيُ الغرض لا يكون إلا مع مسافة يمكن فيها الإصابة غالبًا، وهذه ثلاثة: قصيرة، وطويلة، ومتوسطة، ولهذا يبتدئ المتعلم بالقريب، ثم بالمتوسط، ثم بالبعيد، فالذي يصيب ما جرت به العادة في الثلاثة (٣) هو الرامي حقيقة. الرابع: أن يكون العِوَض معلومًا، ويجوز أن يكون معينًا وموصوفًا، وأن يكون حالًّا ومؤجلًا، وأن يكون من جنس ومن أجناس، وأن يكون بعضه حالًّا وبعضه مؤجلًا. الخامس: أن يكون مقدورًا على تسليمه، فلو جعله عبدًا آبقًا، أو فرسًا شاردًا، أو جوهرة في البَحْر، أو طيرًا في الهواء يحصله له = لم

стр. 363

يجز؛ لأن ذلك كلُّه غَرَرٌ، ولا يجوز أن يكون موردًا لشيء من عقود المعاوضات. فصلٌ ويجوز أن يتناضلا بسهامٍ متعددة لهما، أو لكل واحد منهما، وبسهم واحد يرمي أحدهما جملة رَشْقِه، ثم يرمي به الآخر، أو يرمي به هذا مرة وهذا مرة، لحصول الغرض بذلك. ومنع بعض أصحاب الشافعي (١) المناضلة على سهم واحد بشرط أن يرمي كل منهما به مرة. ولا يظهر لهذا المنع وجه، فإنهما لو تناضلا بِعِدَّةِ أسهم (٢) على أن يرمي هذا فردة وهذا فردة؛ جاز، كما يجوز أن يستوفي (٣) كلٌّ منهما رميه عن ولاء (٤)، ثم يأخذ الآخر في الرمي، ويجوز أن يتساويا سهمين سهمين وثلاثة ثلاثة (٥)، إذ المقصود استواؤهما والتعديل بينهما.

стр. 364

فصلٌ في تحزُّبِ الرُّمَاة وهو نوعان: أحدهما: أن يكونا اثنين فقط. والثاني: أن يكونوا جماعتين. فإن كانا اثنين فقط (١)، وعلم أحدهما أن الآخر غالب له ولا بُدَّ، أو مغلوب معه ولا بد: فإن أخرج من تحقَّق أنه غالبُ جاز، إذ لا يأخذ من الآخر شيئًا، وغايته أن يحرزَ مالَه ويغلِبَ صاحبَه. وإن أخرج مَن تحقَّق أنه مغلوب، وكان له في ذلك غرضٌ (٢) صحيحٌ، مثل أن يريد أن ينفع ولده أو صاحبه أو فقيرًا فيوصل إليه المال على هذا الوجه، ويقوي نفسه ويفرِّحها (٣) = جاز ذلك، وهو محسنٌ. وإن لم يكن له غرض صحيح، ففي صحة ذلك نظر، لِتضمُّن (٤) بذل ماله فيما لا منفعة له فيه لا دُنْيا ولا أُخْرى، ومثل ذلك يمنع منه الشرع والعقل. وقال أبو المعالي الجُويني في "النهاية": "إذا أخرج أحدهما، وقد علم أن المشروط له لا يفوز، كانت مناضلة بغير مال، وإن علم فوزه، صحَّت على الأصح".

стр. 365

فرعٌ وإذا كانوا جماعتين، فهل يُشْتَرط تساوي عددهما، أو يجوز أن يكونوا اثنين وثلاثة؟ فيه احتمالان لأصحابنا (١). ومأخذ الاشتراط تحقُّق العدل بالتساوي. ومأخذ عدمه أنَّه (٢) قد يكون في أحد الحزبين واحد يقوم مقام جماعة، فتكون القسمة به قسمة تعديل. ويشترط تكافؤهما في الرمي والسهام، فلا يكون رمي أحدهما صلبًا والآخر ليِّنًا، أو سهم أحدهما قصبًا والآخر خَلَنْجًا (٣)، وكذلك في (٤) القوس؛ فلا يكون قوس أحدهما عربيًّا والآخر فارسيًّا. وفيه وجه بجوازه (٥) بين النوعين من القِسيّ. فرعٌ ويشترط كون الرَّشق مما يمكن قسمته بينهم بغير كسر (٦)، ويتساوون فيه:

стр. 366

- فإن كانوا ثلاثة، وجب أن يكون له ثلث. - وإن كانوا أربعة، فأن يكون له ربع، وكذلك ما زاد، لأنه (١) إذا لم يكن كذلك، بأن (٢) بقي سهم أو أكثر بينهم لا يمكن الجماعة الاشتراك فيه. فرعٌ فإن عَقَدَ النضال جماعة بينهم لينقسموا حزبين بعد العقد، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يصح. اختاره القاضي، وهو مذهب الشافعي؛ لأن التعيين الطارئ كالمقارن. والوجه (٣) الثاني: لا يصح؛ لأن التعيين شرط، ولم يوجد حال العقد، وقبل القسمة لم يتعيَّن مَن في (٤) كل واحد من الحزبين؟. فعلى هذا الوجه؛ إذا تقاسموا، كان تقاسمهم ابتداء للعقد، ويحتمل أن يعتبر تجديد العقد بعد التقاسم، وهو الذي ذكره في "المغني" (٥).

стр. 367

وعلى قول القاضي قد صحَّ العقد قبل التقاسم، فالتقاسم (١) هو موجب العقد. فرعٌ فإن قلنا بقول القاضي، لم يجز أن يتقاسموا بالقرعة؛ لأنها قد تقع على الحذَّاق في أحد (٢) الحزبين، وعلى الكَوَادِن (٣) في الحزب الآخر، فيخرج العقد عن العدل الذي هو مقصود النضال. وإن قلنا بالوجه الآخر، جاز أن يتقاسموا بالقرعة، فإن العقد لم يصحَّ قبل القسمة، فإذا أخرجت القرعة أحد الحزبين، وميَّزته من الآخر، فإن تراضوا بذلك، وإلا فلا عقد بينهم. وطريق القسمة بالعدل: أن يَخْرُجَ من كل حزب زعيمٌ، فيختار أحدهما واحدًا، ثم يختار الزعيم الآخر واحدًا إلى أن تتم القسمة على العدل. ولا يجوز أن يُجْعَل الخيارُ إلى أحد الزعيمين في الجميع، ولا أن يختار أحدُهما جميعَ حزبه أولًا، ثم يعود الآخر فيختار بعده؛ لخروجهما عن العدل فإن الأول لا يُؤمَن أن يختار الحذَّاق في حزبه.

стр. 368

ولا يجوز أن يجعل رئيس الحزبين واحدًا منهما؛ فإنه يميل إلى حزبه، فتلحقه التُّهمة. ولا يجوز أن يختار كل واحد من الرئيسين أكثر من واحد؛ لأنه أقرب إلى التساوي والعدل، فإذا اختاروا واحدًا، اختار الرئيس الآخر ثانيًا. ونظير هذا: أنه لا يقدَّم السابق بأكثر من حكومة واحدة، فلو قال: احكم لي حكومتين، ثم احكم لمن جاء بعدي حكومتين، لم يكن له ذلك. ونظيره أيضًا: أنَّ من خرجت لها (١) القُرْعَة من نسائه في البداءة بها، لم تقدَّم بليلتين. ونظيره: الطالب للعلم (٢) إذا سبق غيره إلى الشيخ ليقرأ عليه، لم يقدَّم بدرسين؛ إلا أن يكون كل منهم يقرأ درسين درسين (٣). وإن اختلفا في المبتدئ بالخيار، أُقرِع بينهما. ولو قال أحدهما: أنا أختار أولًا وأُخرج السبَق، أو يخرجه أصحابي لم يجز (٤)؛ لأن السَّبَق إنما يُسْتَحَقُّ بالسَّبْقِ لا بغيره *.

стр. 369

فصلٌ وإذا أخرج أحد (١) الزعيمين السَّبَق من عنده، فسُبِق حزبه، لم يكن على حزبه شيء؛ لأنه جعله على نفسه دونهم، وإن شرطه عليهم، فهو عليهم بالسوية. وأما الحزب الآخر، ففي كيفية اقتسامهم له وجهان: أحدهما: يقتسمونه بالسويَّة؛ مَن أصاب منهم ومَن أخطأ، كما أنه على الحزب المغلوب بالسوية، فيكون للغالب بالسوية (٢). وهذا قول أصحاب الشافعي (٣). والثاني: يُقْسَم بينهم (٤) على قدر الإصابة، ومَن لم يُصِبْ منهم، فلا شيء له؛ لأن استحقاقه بالإِصابة، فكان على قدرها، واخْتُصَّ بمن وُجِدت فيه، بخلاف المسبوقين، فإنه وجب عليهم لِلْتزامهم له، وقد استووا في الالتزام، وهؤلاء استحقُّوه بالإصابة، وقد تفاوتوا فيها. وهذا الوجه أظهر، والله تعالى أعلم.

стр. 370

فصلٌ فإن شرطوا أن يكون فلانٌ مقدَّمًا في هذا (١) الحزب، وفلانٌ مقدَّمًا في الحزب الآخر، ثم فلانٌ تاليًا في هذا (٢) الحزب، وفلانٌ تاليًا في الحزب الآخر؛ فقال أصحابنا: يكون شرطًا فاسدًا. قالوا: لأن تقديم من في كلٍّ من الحزبين إلى رأي زعيمه خاصة، وليس للآخر مشاركته في ذلك، فإذا شرطوه (٣) كان فاسدًا. قلت: ويَحْتَمِل الصحة، كما أن تعيين الزعيمين كان باتفاقهما على اشتراطه، فكذلك تعيين البادئين (٤) منهما يجوز أن يتبع اشتراط الحزبين، وليس في ذلك جَوْرٌ ولا مفسدة، وقد يكون لهم فيه غرض صحيح، فلا يُفَوَّت عليهم بغير سبب. وقولهم: "إنه ليس للآخر مشاركة الزعيم فيمن يقدِّمه". جوابه: إن استحقاق تقديمه كان باشتراط الفريقين ورضاهم به، والأصل في الشروط الصحة؛ إلا ما خالف حكم الله تعالى ورسوله ﷺ .

стр. 371

فصلٌ فإن قالوا: نقترع، فمن خرجت قرعته، فالسَّبَق عليه، أو نقترع، فمن خرجت قرعته حُكِم له بالسَّبَق = كان فاسدًا، لأن العِوَض لا يُسْتَحَقُّ بالقرعة، وإنما يُسْتَحَقُّ بالبذل والإصابة. فصلٌ فإن تناضل اثنان، وقالا: نرمي كذا وكذا، فأيُّنَا أصاب فالسبق على الآخر؛ صحَّ، أو كانا حزبين فقالا: نرمي فأيُّ الحزبين أصاب فالسبق على الآخر؛ صحَّ (١) ذلك، وكان إخراجًا من أحدهما خاصة، كأنه قال: إن سبقتني فلك عشرة، وإن سبقتك فعليك عشرة، فرضي الآخر. وقال الشيخ أَبو محمد ﵁ في "المغني" (٢): "لا يجوز؛ لأنه لا يُسْتَحَقُّ بالإصابة". يريد أن مجرَّد الإصابة لا يوجب استحقاق السَّبَق، وهذا صحيح، ولكن إنما استحق (٣) بالإِصابة وبقوله: "أينا أصاب، فالسبق على الآخر"، فإن هذا شرط، فاستُحِقَّ السبق (٤) به وبالإِصابة. والله أعلم.

стр. 372

فصلٌ إذا تناضل اثنان، وأخرج أحدهما السبق، فقال أجنبيٌّ: أنا شريكك في الغُنْم والغُرم، إن نضلك فنِصْفُ السَّبَق عليَّ، وإنْ نضلْتَهُ فنصفُه لي = لم يجز ذلك. وكذلك لو كان ثلاثةٌ بمحلِّل عند من يقول به، فقال رابع للمستبقين: أنا شريككما في الغنم والغُرم = كان باطلًا؛ لأن الغُرم والغُنم إنما يكون من المناضل، فأما مَن لا يرمي، فلا غُنم له ولا (١) غُرْم عليه. فصل وإذا نضل أحد الراميين، فقال المنضول: اطرح نَضْلك وأعْطِكَ دينارًا، لأستوي أنا وأنت؛ لم يجز؛ لأن المقصود معرفة الحذق، وذلك يمنع منه. فإن اختارا ذلك، فلهما فسخ العقد، ثم يعقدان عقدًا آخر. فإن لم يفسخاه، ولكنْ رميا تمام الرّشق، فتمَّت الإِصابة للناضل بما أسقطه؛ استحق السَّبَق، ورَدَّ الدينار إن كان أخذه (٢).

стр. 373

فصلٌ إذا كان باذل السَّبَق غير المتسابقين، وكانا اثنين أو جماعة فقالا: أيكما أو أيكم سَبَقَ فله عشرة؛ جاز وصح، وأيهم سبق؛ استَحَقَّ العشرة، وإن جاؤوا جميعًا؛ فلا شيء لواحد منهم؛ لأنه لا سابق فيهم. وإن قال لاثنين: أيُّكما سبق فله عشرة، وأيكما صلَّى - أي جاء (١) ثانيًا للسابق - فله عشرة = لم يصح؛ لأنه لا فائدة في طلب السَّبْق؛ لأنه يستحق العشرة سابقًا ومسبوقًا فلا يحرص (٢) على السَّبْق. فإن قال: ومَن صَلَّى فله خمسة؛ صحَّ؛ لأنَّ كلًّا منهما يطلب السَّبْق لفائدته المختصَّة به. وإن كانوا أكثر من اثنين، فقال: من سبق فله عشرة، ومن صلَّى فله ذلك = صحَّ؛ لأن كلًّا منهما يطلب أن يكون سابقًا أو مُصَلِّيًا. والمُصَلِّي هو الثاني؛ لأن رأسه عند صَلى (٣) الآخر، والصَّلَوان العظمان الناتئان من جانبي الذنب (٤).

стр. 374

وقال علي بن أبي طالب: "سَبَق أبو بكر، وصلَّى عمر، وخبطتنا فتنة" (١). وقال الشاعر (٢) في السابق والمصلِّي: إنْ تُبْتَدَرْ غَايَةٌ يَوْمًا لِمَكْرُمَةٍ … تَلْقَ السَّوابِقَ فينا والمُصَلِّينا فإن قال الباذل: للمُجلِّي (٣) - وهو الأوَّل - مئة، وللمُصلِّي - وهو الثاني - تسعون، وللتَّالي - وهو الثالث - ثمانون، وللبارع - وهو الرابع - سبعون، وللمُرْتاح - هو الخامس - ستون، وللحَظِيِّ - وهو السادس - خمسون، وللعاطِف - وهو السابع - أربعون، وللمُؤَمَّل - وهو الثامن - ثلاثون، وللَّطيم - وهو التاسع - عشرون، وللسُّكَيْت - وهو العاشر - عشرة، وللفِسْكِل - وهو الأخير (٤) - خمسة = صحَّ؛ لأن

стр. 375

كل واحد يطلب السَّبْق، فإذا فاته طلب ما يلي السابق. وهذه العشرة الأسماء (١): أسماءُ مراتب السباق، والفِسْكِل: هو الأخير الذي لا يجيء بعده أحد. ثم استُعْمل هذا في غير المسابقة بالخيل تجوُّزًا، كما رُوي أن أسماء بنت عُمَيْس كانت تزوَّجت جعفر بن أبي طالب، فولدت له عبد الله ومحمدًا وعَوْنًا، ثم تزوجها أبو بكر الصدِّيق، فولدت له محمد بن أبي بكر، ثم تزوجها علي بن أبي طالب، فقالت: إن ثلاثة أنت آخرهم لأخيار. فقال لأولادها: "لقد فَسْكَلَتْني أمُّكم" (٢). وإن جعل للمُصلِّي أكثر من السابق، أو جعل للتَّالي أكثر من المصلي، أو لم يجعل للمصلِّي شيئًا = لم يجز؛ لأن ذلك يُفضي إلى أن لا يَقْصِد السَّبْق، بل يَقْصِدُ التأخُّرَ؛ فيفوت المقصود.

стр. 376

فصلٌ إذا تناضل حزبان، فما زاد على أن يكون رشق أحد الحزبين مساويًا لرشق الآخر، والحزبان متفاوتان في العدد = جاز. فإذا ناضل خمسةٌ عشرةً، وعلى كل حزب مئةُ رَشْقةٍ؛ جاز. فإن ناضل الرجل جمعًا، فإن شُرِط ما يطيقه؛ جاز، وإن شُرِط (١) ما لا يطيقه عادة، لم يصحَّ، وكانت مناضلة بغير مال. فصلٌ ولا يشترط في صحة النضال معرفة (٢) كل منهما بحال الآخر وحِذقه، فلو تناضل رجلان يجهل كلُّ واحد منهما قدر معرفة الآخر؛ صحَّ. فصلٌ إذا قال كلٌّ منهما أو أحدهما: عندي رجل رامٍ صفته كذا وكذا أناضلك عليه: فقال أصحاب الشافعي: لا يصحُّ، فإن الرماة لا يَثْبُتون في الذِّمة، فلا بُدَّ من حضورهم (٣).

стр. 377

والصحيح جوازه؛ لأن الصفة تقوم مقام الرؤية والمشاهدة، وليس هذا بثبوت للرامي في الذمة، وإنما هو عقدٌ على رامٍ موصوفٍ، فهو كإجارة عين موصوف، وتزويج امرأة موصوفة، وبيع عين موصوفة غائبة، بل هذا أولى بالجواز؛ لتمحُّض المعاوضة في هذه الصورة بخلاف النضال. فصلٌ إذا قال أحد الحزبين لحاذق منهم: ارمِ أنت، فإن غلبناهم، فالسَّبق لنا ولك، وإن غلبونا فالسَّبق علينا دونك = صحَّ؛ لأن حكمهم حكم الرجل الواحد، ولا يشترط في حقَّ الحزبين أن يشتركوا كلُّهم في الرمي، بل إذا رمى بعضهم وغلب أو غُلِبَ؛ تَعَدَّى حكمه إلى الحزب كله، وغاية هذا أنه محلِّل. وللشافعية وجهان (١): هذا أحدهما، والثاني: لا يصح. فإن قيل: المحلِّل لا يفوز وحده (٢) بجميع الأسباق إذا سبق ولا يشارَك، وهذا يشاركه غيره في السبق. فالجواب: أنهم صاروا به (٣) بمنزلة رام واحد (٤). ولو قال كلٌّ من الحزبين لواحد منهم: ففيه الوجهان.

стр. 378

فصلٌ إذا قال الباذل لعشرة: من سبق منكم، فله عشرةٌ؛ صحَّ. فإن جاؤوا سواء (١) فلا شيء لهم؛ لأنه لم يوجد الشرط الذي يُستَحَقُّ به الجُعل في واحد منهم. وإن سبقهم واحد، فله العشرة؛ لوجود الشرط فيه. وإن سبق اثنان، فلهما العشرة. وإن سبق تسعة وتأخر واحد، فالعشرة للتسعة؛ لأن الشرط وُجِد فيهم فكان الجعل بينهم، كما لو قال: مَن ردَّ عبدي الآبق فله كذا، فردَّه تسعةٌ. وفيه وجه آخر: أنه لكل واحد من السَّابقين عشرة؛ لأن كل واحد منهم سابق، فيستحق الجُعْل بكماله، كما لو قال: من ردَّ (٢) عبدًا لي فله عشرةٌ، فردَّ كلُّ واحدٍ عبدًا، بخلاف ما لو قال: من ردَّ عبدي فله عشرة، فردَّه تسعةٌ؛ لأن كل واحد منهم لم يردَّه، وإنما حصل ردُّه بالتسعة. ونظير هذا: لو قال: من قَتَل قتيلًا فله سلبه، فإن قتل كل واحد واحدًا؛ فله سلبُ قتيله كاملًا، وإن قتل الجماعة واحدًا، فلجميعهم سلب واحد.

стр. 379

وها هنا كل واحد له سَبْقٌ مفردٌ، فكان له الجُعل كاملًا. فعلى هذا لو قال: مَن سبق فله عشرة، ومن صلَّى فله خمسة، فسبق خمسة، وصلى خمسة، فعلى الوجه الأول: للسابقين عشرة، لكل واحد منهم درهمان، وللمصلين خمسة لكل واحد منهم درهم. وعلى الوجه الثاني: لكل واحد من السابقين عشرة، فيكون لهم خمسون، ولكل واحد من المصلِّين خمسة، فيكون لهم خمسة وعشرون. ومن قال بالوجه الأول، فقال صاحب "المغني" (١): "يُحتمل (٢) على قوله أن لا يصحَّ العقد على هذا الوجه؛ لأنه يُحتمل إن سَبَق تِسْعَة؛ فيكون لهم عشرةُ، لكل واحد منهم درهم وتسعٌ، ويصلي واحد فيكون له عشرةُ، لكل واحد منهم درهم وتسعٌ، ويصلي واحد فيكون له خمسة، فيصير للمصلي من الجُعل أكثر ما للسابق (٣) فيفوت المقصود". فصلٌ (٤) فإن شرطا أن السابق يطعم السَّبَق أصحابه أو غيرهم؛ لم يصحَّ الشرط ولا العقد عند الشافعي، ويفسد الشرط وحده عند أبي

стр. 380

حنيفة. ومذهب أحمد (١): فساد الشرط قولًا واحدًا، ولهم في فساد العقد وجهان. ووجه بطلان الشرط: أنه عِوَضٌ على عمل، فإذا شرط أن يستحقَّه غير العامل بطل. ومَنْ أفسد العقد قال: لم يرض به المتعاقدان إلا على هذا الشرط، وعليه عَقَدا، فإذا فسد الشرط، لم يكن العقد بدونه معقودًا عليه، فلا يُلزمان به، وهذا قياس الشروط الفاسدة في عقود المعاوضات. ومن صحَّحه قال: لما لم يتوقَّف صحة هذا العقد على تسميةِ جُعْل، بل يجوز عقده بغير جُعل = لم يفسد بفساد الشرط؛ كالنكاح. والصحيح أنا نثبت لهما الخيار بفوات هذا الشرط الفاسد، فإن أحبَّا أمضياه، وإن أحبَّا فسخاه، كما نقول في الشروط الفاسدة في البيع. وهذا أعدل الأقوال؛ فإن في إلزامهما بما لم يلتزماه ولا ألزمهما به الشارع مخالفةُ أُصول الشرع، وفي إبطاله عليهما ضررٌ، إذ قد يكون لهما غرض (٢) في تتميمه وهو جائز الإتمام، فلا يُمنعان من ذلك.

стр. 381

فصلٌ في الشروط الفاسدة في هذا العقد قال القاضي: "الشروط الفاسدة في المسابقة تنقسم قسمين: أحدهما: ما يُخِلُّ بشروط صحة العقد، نحو: أن يعود بجهالة الغرض أو المسافة (١) ونحوهما، فيفسد العقد؛ لأنه لا يصح مع فوات شرطه. والثاني: ما لا يخلُّ بشروط صحَّته، نحو: أن يشترط أن يطعم السَّبَق أصحابه أو غيرهم، أو يشترط أنه إذا نَضَل لا يرمي أبدًا، أو لا يرمي شهرًا، أو يشترطا أن لكل واحد منهما أو لأحدهما فسخ العقد متى شاء بعد الشروع في العمل، وأشباه هذا. فهذه شروط باطلة في نفسها، وفي العقد المقترن بها وجهان: أحدهما: صحَّته؛ لأن العقد تمَّ بأركانه وشروطه، فإذا انحذف (٢) الزائد الفاسد، بقي العقد صحيحًا. والثاني: يبطل؛ لأنه بذل العِوَض لهذا الغرض، فإذا لم يحصل غرضه، لم يلزمه عوضه، وكل موضع فسدت فيه (٣) المسابقة، فإن كان السابق هو المخرِج؛ أمسك سَبَقَه، وإن كان الآخر هو

стр. 382

السابق (١) فله أجر عمله؛ لأنه عَمِل بعِوَضٍ لم يُسَلَّم له؛ فاستحق أُجرة المثل؛ كالإجارة الفاسدة" (٢). قلت: وفي هذا نظرٌ لا يخفى؛ فإن السَّابق لم يعمل للباذل شيئًا، ونفعُ عمله إنما يعود إليه نفسه لا إلى الباذل، فالباذل لم يستوف (٣) منافعه، فلا يلزمه عِوَض عمله. وقد تقدَّم (٤) أن هذا العقد ليس من باب الإجارات ولا الجِعَالات، وذكرنا الفروق الكثيرة بينه وبينها، ولا يصحُّ إلحاقه بهما. ولا يقال: هذا كمن جعل لغيره جُعْلًا على أن يعمل عملًا لغير الجاعل؛ كخياطة ثوب زيد، وبناء داره؛ فإن العمل أيضًا عاد إلى غير العامل. فإن قيل: كل عقد يلزمه المُسَمى في صحيحه يلزمه عِوَض المثل في فاسده (٥)؛ كالبيع، والإجارات، والنكاح. قيل: هذا عقد (٦) صحيح في عقود المعاوضات والمشاركات، وليس هذا العقد واحدًا منهما، بل هو عقدٌ مستقلٌّ برأسه، كما تقدم

стр. 383

تقريره (١). فإذا لم يحصل للباذل غرضُه الذي بذل المال لأجله، فبأي طريق يلزمُه العِوَض، وهو لم يلزم بذْلَه إلا على وجْهٍ مخصوص، وليس هناك عوضٌ استوفاه، فنغرِّمه بدله؟! والله أعلم. فصلٌ في أقسام (٢) المناضلة المناضلة: اسم للمسابقة بالرمي بالنشَّاب، وهي مصدرُ ناضَلْتُه نِضَالًا ومُنَاضَلة. وسُمِّي الرمي مُنَاضَلة ونِضَالًا؛ لأنَّ السَّهم التَّامَّ بريشه وقدحه ونصله يسمى: نَضْلًا بالضاد المعجمة، وعوده: قدحًا، وحديدته: نصْلًا بالصاد المهملة. وهي قسمان: مناضلة على الإصابة، ومناضلة على البعد. وقد تقدَّم الخلاف في مناضلة البعد (٣). ومناضلة الإِصابة ثلاث أقسام:

стр. 384

أحدها: تسمى المبادرة: وهي أن يقولا: من سبق إلى خمس إصابات من عشرين رمية، فهو السابق، فأيهما سبق إليها مع تساويهما في الرمي، فقد سبق. فإذا رميا عشرة، وأصاب أحدهما خمسًا، والآخر دونها؛ فالمصيب خمسًا هو السابق؛ لأنه قد سبق إلى خمس، وسواء أصاب الآخر أربعًا أو دونها أو لم يصب شيئًا، ولا حاجة إلى إتمام الرمي؛ لأن السبق قد حصل بسَبْقه إلى ما شرطا السبق إليه. فإن أصاب كلٌّ منهما من العشر (١) خمسًا فلا سابق فيهما، ولا يكملان عدد (٢) الرمي؛ لأن جميع الإصابة المشروطة قد حصلت، واستويا فيها. فإن رمى أحدهما عشرًا فأصاب خمسًا، ورمى الآخر تسعًا فأصاب أربعًا، لم يحكم بالسبق ولا بعدمه حتى يرمي العاشر، فإن أصاب به، فلا سابق فيها (٣) وإن أخطأ به، فقد سبق الأول. فإن لم يكن أصاب من التسعة إلا ثلاثًا فقد سبق الأول (٤)، ولا يحتاج إلى رمي العاشر؛ لأن أكثر ما يحتمله أن يصيب به، وذلك لا يخرجه عن أن يكون مسبوقًا.

стр. 385

هذا مذهب أحمد والشافعي في أحد الوجهين لأصحابه (١). ولهم وجه ثان: أنه يلزمه إتمام الرمي؛ وإن تحقَّق أنه مسبوق، وعلَّلوه بأنه قد يكون للآخر فيه غرضٌ صحيحٌ، وهو أن يتعلَّم من (٢) رميه. قالوا: فإن أوجبنا إتمامه لم يقف استحقاق السَّبَق عليه؛ لأنه قد استحق بإصابة ما جُعِلَت إصابته موجبة للاستحقاق (٣). فلو أصاب أحدهما عشرة من خمسين، وأصاب الآخر تسعة من تسعة وأربعين، والرَّشْق خمسون خمسون (٤) كَمَّلَ عدد الخمسين، وإن ندرت إصابته، فلعلَّهُ أن يصيب. وعقد الباب: أن كل موضع تَيَقَّن فيه أنه لا يصيب العدد، لم يلزمه (٥) فيه إتمام الرمي، ولم يقف استحقاق المصيب على إتمامه. وكل موضع يرجو فيه تكميل الإصابة، كَمَّل فيه الرمي، وأوقف استحقاق المصيب على كماله.

стр. 386

فصلٌ النوع الثاني: المفاضلة (١) وهي أن يقولا: أيُّنا فَضَل صاحبَه بإصابة أو إصابتين أو ثلاثة من عشرين رمية، فقد سبق. فإذا قالا: أيُّنا فَضَل صاحبَه بثلاث من عشرين، فهو سابق، فرميا اثني عشر سهمًا، فأصابها أحدهما كلها، وأخطأها الآخر كلها، لم يلزم إتمام الرمي، وكان الغَلَبُ للمُصِيب؛ لأن أكثر (٢) ما يمكن الآخر أن يُصِيْب الثمانية الباقية، فالأَوَّل قد فَضَله على كل حال. وإن كان الأول أصاب من الاثني عَشَرَ عشرةً، لزمهما رمي الثالث عشر، فإن أصابا به معًا أو أخطآ معًا أو أصابه الأول وحده؛ فقد سبق، ولا يحتاج إلى تمام الرمي؛ لأن غاية ما يصيب الثاني السبعة الباقية، ولا يصير بذلك سابقًا. وإن أصابه الآخر وحْدَه، فعليهما أن يرميا الرابع عشر، والحكم فيه وفيما بعده كالحكم في الثالث عشر سواء في أنه متى أصابا فيه أو أخطآه، أو أصابه الأول وحده فقد سبق، ولا يحتاج إلى تمام الرمي؛ لأن غاية ما يصيب الثاني السبعة الباقية، ولا يصير بذلك سابقًا. وإن أصابه الآخر وحده فعليهما أن يرميا الرابع عشر، والحكم فيه

стр. 387

وفيما بعده كالحكم في الثالث عشر سواء في أنه متى أصابا فيه أو أخطآ (١) أو أصابها الأول فقط؛ فقد سبق الأول (٢)، ولا يتمَّان الرمي، وإن أصابها الآخر وحده، رميا ما (٣) بعدها. وعقد الباب ما تقدَّم: أن كل موضع قد يكون بإتمام الرمي فيه فائدة لأحدهما، يلزمه إتمامه، وإن يئس من الفائدة لم يلزم إتمامه (٤)، فإذا بقي من العدد (٥) ما يمكن أن يَسْبِق به أحدهما صاحبه أو يسقط به سبقه (٦)، لزم الإتمام، وإلَّا؛ فلا. فإذا كان السَّبَق قد جُعِلَ بثلاث إصابات من عشرين، فرميا ثماني عشرة فأخطأاها أو أصاباها (٧) أو تساويا في الإصابة فيها، لم يلزم الإتمام؛ لأن أكثر ما يحتمل أن يصيب أحدهما هاتين الرميتين ويخطئها الآخر، وذلك لا يُحَصِّلُ له السَّبق. وكذلك إذا فَضَلَ أحدهما الآخر بخمس إصابات فما زاد، لم يلزم الإِتمام؛ لأن إصابة الآخر السهمين الباقيين لا يُخرِج الآخر عن كونه فاضلًا له بثلاث إصابات.

стр. 388

وإن كان إنما فضله بأربع: رميا السهم الآخر، فإن أصابه المفضول وحده فعليهما رمي الآخر، فإن أصابه المفضول (١) أيضًا سقط سَبْق الأول، وإن أخطأ في أحد السهمين أو أصاب الأول أحدهما؛ فهو سابق (٢). فصلٌ النوع الثالث: المُحاطَّة وهي أن يشترط إسقاط ما تساويا فيه من الإصابة، إلى أن يَفْضُل لأحدهما سهم يصيبه (٣)، وهو السابق. وهذه وإن كانت في معنى المفاضلة، إلا أن الفرق بينهما: أن يُشترط في المفاضلة ذكر عدد ما يقع به التفاضل، وفي المحاطَّة لا يُشترط ذلك، بل إذا قالا (٤): يُلغى ما تساوينا فيه من الإِصابة، فمن زادت إصابته على إصابة صاحبه، فهو الغالب، فلا يُشْتَرط تعيين الزيادة. ولو قالا: أينا أصاب خمسًا من عشرين، فهو سابق، فمتى أصاب

стр. 389

أحدهما خمسًا من العشرين ولم يصب الآخر فالأول سابق، وإن أصاب كل واحد منهما خمسًا أو لم يصب واحدٌ منهما خمسًا؛ فلا سابق فيهما. وهذه في معنى المحاطَّة. وحكم هذا النوع حكم ما قبله، في أنه يلزم إتمام الرمي، ما كان فيه فائدة، ولا يلزم إذا خلا عنها. ومتى أصاب كل واحد منهما خمسًا؛ لم يلزمه إتمامه، ولم يكن فيهما سابق. وإن رميا ست عشرة رمية، فلم يُصِبْ واحد منهما شيئًا؛ لم يلزم إتمامه، ولا سابق منهما (١)؛ لأن أكثر ما يحتمل أن يصيبها أحدهما، ولا يحصل السبق بذلك. فصلٌ فإن شرطا أن يخلص لأحدهما عشر إصابات من مئة رمية مفاضلة، فحصلت له من خمسين، لم يستحق السبق حتى تتمَّ المئة. وهذا أحد الوجهين للشافعية (٢). ولهم وجه ثان: أنه يستحقُّ السبق قبل إكماله المئة. ووجه الأول: أن الآخر قد يصيب فيما بقي له من الخمسين الثانية ما يحطُّ هذا عن العشرة، وهو إنما جُعِل له السبق إذا فضله بعشرة من

стр. 390

مئة، ولم يتحقَّق هذا بعد. فإن كان ذلك في رمي المبادرة، وشرطا أن مَن بدر إلى عشرة من مئة؛ استحقَّ، فبدر إليها من خمسين؛ استحقَّ، ولم يلزمه إكمال الرمي؛ لأنه قد سبق صاحبه حقيقة. فصلٌ ولا بدَّ في ذلك من حصر عدد الرمي، وهو الرَّشْق بعددٍ معلوم لينقطع به التنازع، ويُتَيَقَّن به السبق، وإلا؛ فالمغلوب يقول: أنا أرمي حتى أغلب. ولأصحاب الشافعي في المسألة ثلاثة أوجه (١)، هذا أحدها. والثاني: لا يُشْتَرط تعيين العَدَد (٢). والثالث: يشترط في رمي المحاطَّة والمفاضلة، دون المبادرة. وهذا الوجه قويٌّ، إذ لا فائدة في اشتراطه في رمي المبادرة؛ لأنه إذا قال: أيُّنا بدر إلى خمس إصابات، فهو السابق، فمتى بدر إليها أحدهما، تعيَّن سَبْقه، سواء كان عدد الرمي معلومًا أو لم يكن. وأما في المفاضلة والمحاطَّة، فإن لم يكن عدد الرمي معلومًا (٣)، لم يحصل مقصود العقد، ولم ينقطع التنازع، فإن أحدهما إذا أصاب
следующие страницы →