← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 18169

الفروسية المحمدية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (530 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فصلٌ النوع الثاني: المفاضلة (١) وهي أن يقولا: أيُّنا فَضَل صاحبَه بإصابة أو إصابتين أو ثلاثة من عشرين رمية، فقد سبق. فإذا قالا: أيُّنا فَضَل صاحبَه بثلاث من عشرين، فهو سابق، فرميا اثني عشر سهمًا، فأصابها أحدهما كلها، وأخطأها الآخر كلها، لم يلزم إتمام الرمي، وكان الغَلَبُ للمُصِيب؛ لأن أكثر (٢) ما يمكن الآخر أن يُصِيْب الثمانية الباقية، فالأَوَّل قد فَضَله على كل حال. وإن كان الأول أصاب من الاثني عَشَرَ عشرةً، لزمهما رمي الثالث عشر، فإن أصابا به معًا أو أخطآ معًا أو أصابه الأول وحده؛ فقد سبق، ولا يحتاج إلى تمام الرمي؛ لأن غاية ما يصيب الثاني السبعة الباقية، ولا يصير بذلك سابقًا. وإن أصابه الآخر وحْدَه، فعليهما أن يرميا الرابع عشر، والحكم فيه وفيما بعده كالحكم في الثالث عشر سواء في أنه متى أصابا فيه أو أخطآه، أو أصابه الأول وحده فقد سبق، ولا يحتاج إلى تمام الرمي؛ لأن غاية ما يصيب الثاني السبعة الباقية، ولا يصير بذلك سابقًا. وإن أصابه الآخر وحده فعليهما أن يرميا الرابع عشر، والحكم فيه

стр. 387

وفيما بعده كالحكم في الثالث عشر سواء في أنه متى أصابا فيه أو أخطآ (١) أو أصابها الأول فقط؛ فقد سبق الأول (٢)، ولا يتمَّان الرمي، وإن أصابها الآخر وحده، رميا ما (٣) بعدها. وعقد الباب ما تقدَّم: أن كل موضع قد يكون بإتمام الرمي فيه فائدة لأحدهما، يلزمه إتمامه، وإن يئس من الفائدة لم يلزم إتمامه (٤)، فإذا بقي من العدد (٥) ما يمكن أن يَسْبِق به أحدهما صاحبه أو يسقط به سبقه (٦)، لزم الإتمام، وإلَّا؛ فلا. فإذا كان السَّبَق قد جُعِلَ بثلاث إصابات من عشرين، فرميا ثماني عشرة فأخطأاها أو أصاباها (٧) أو تساويا في الإصابة فيها، لم يلزم الإتمام؛ لأن أكثر ما يحتمل أن يصيب أحدهما هاتين الرميتين ويخطئها الآخر، وذلك لا يُحَصِّلُ له السَّبق. وكذلك إذا فَضَلَ أحدهما الآخر بخمس إصابات فما زاد، لم يلزم الإِتمام؛ لأن إصابة الآخر السهمين الباقيين لا يُخرِج الآخر عن كونه فاضلًا له بثلاث إصابات.

стр. 388

وإن كان إنما فضله بأربع: رميا السهم الآخر، فإن أصابه المفضول وحده فعليهما رمي الآخر، فإن أصابه المفضول (١) أيضًا سقط سَبْق الأول، وإن أخطأ في أحد السهمين أو أصاب الأول أحدهما؛ فهو سابق (٢). فصلٌ النوع الثالث: المُحاطَّة وهي أن يشترط إسقاط ما تساويا فيه من الإصابة، إلى أن يَفْضُل لأحدهما سهم يصيبه (٣)، وهو السابق. وهذه وإن كانت في معنى المفاضلة، إلا أن الفرق بينهما: أن يُشترط في المفاضلة ذكر عدد ما يقع به التفاضل، وفي المحاطَّة لا يُشترط ذلك، بل إذا قالا (٤): يُلغى ما تساوينا فيه من الإِصابة، فمن زادت إصابته على إصابة صاحبه، فهو الغالب، فلا يُشْتَرط تعيين الزيادة. ولو قالا: أينا أصاب خمسًا من عشرين، فهو سابق، فمتى أصاب

стр. 389

أحدهما خمسًا من العشرين ولم يصب الآخر فالأول سابق، وإن أصاب كل واحد منهما خمسًا أو لم يصب واحدٌ منهما خمسًا؛ فلا سابق فيهما. وهذه في معنى المحاطَّة. وحكم هذا النوع حكم ما قبله، في أنه يلزم إتمام الرمي، ما كان فيه فائدة، ولا يلزم إذا خلا عنها. ومتى أصاب كل واحد منهما خمسًا؛ لم يلزمه إتمامه، ولم يكن فيهما سابق. وإن رميا ست عشرة رمية، فلم يُصِبْ واحد منهما شيئًا؛ لم يلزم إتمامه، ولا سابق منهما (١)؛ لأن أكثر ما يحتمل أن يصيبها أحدهما، ولا يحصل السبق بذلك. فصلٌ فإن شرطا أن يخلص لأحدهما عشر إصابات من مئة رمية مفاضلة، فحصلت له من خمسين، لم يستحق السبق حتى تتمَّ المئة. وهذا أحد الوجهين للشافعية (٢). ولهم وجه ثان: أنه يستحقُّ السبق قبل إكماله المئة. ووجه الأول: أن الآخر قد يصيب فيما بقي له من الخمسين الثانية ما يحطُّ هذا عن العشرة، وهو إنما جُعِل له السبق إذا فضله بعشرة من

стр. 390

مئة، ولم يتحقَّق هذا بعد. فإن كان ذلك في رمي المبادرة، وشرطا أن مَن بدر إلى عشرة من مئة؛ استحقَّ، فبدر إليها من خمسين؛ استحقَّ، ولم يلزمه إكمال الرمي؛ لأنه قد سبق صاحبه حقيقة. فصلٌ ولا بدَّ في ذلك من حصر عدد الرمي، وهو الرَّشْق بعددٍ معلوم لينقطع به التنازع، ويُتَيَقَّن به السبق، وإلا؛ فالمغلوب يقول: أنا أرمي حتى أغلب. ولأصحاب الشافعي في المسألة ثلاثة أوجه (١)، هذا أحدها. والثاني: لا يُشْتَرط تعيين العَدَد (٢). والثالث: يشترط في رمي المحاطَّة والمفاضلة، دون المبادرة. وهذا الوجه قويٌّ، إذ لا فائدة في اشتراطه في رمي المبادرة؛ لأنه إذا قال: أيُّنا بدر إلى خمس إصابات، فهو السابق، فمتى بدر إليها أحدهما، تعيَّن سَبْقه، سواء كان عدد الرمي معلومًا أو لم يكن. وأما في المفاضلة والمحاطَّة، فإن لم يكن عدد الرمي معلومًا (٣)، لم يحصل مقصود العقد، ولم ينقطع التنازع، فإن أحدهما إذا أصاب

стр. 391

عشرة من عشرين - مثلًا - قال الآخر: أنا أصيبها من ثلاثين، وليس عدد الرمي مشروطًا بيننا = لم يكن له ذلك، وأدَّى إلى عدم معرفة السابق، ويقول الآخر: أنا أرمي إلى أن أفضلك. فإن قيل: هذا يزول باستوائهما في الرمي. قيل (١): النزاع لا ينقطع بذلك فإنه يقول له (٢): ارم حتى تساويني. وأيضًا: فإنهما إذا لم يشترطا عددًا؛ فإنه قد يستمرُّ رميهما لا إلى غاية، ولا يصيب أحدهما، فلا يمكِّن أحدهما (٣) الآخر من إحراز سبقه، ويقول: لم نزل نرمي حتى يغلب أحدنا. وهذا فاسدٌ جدًّا، وهو بعيدٌ من قواعد الشريعة، ولا سيما عند مَن ألحق هذا العقد بالجِعَالات والإِجارات. وبالله التوفيق. فقد تبيَّن من هذا أن النِّضَال على أربعة أقسام: مفاضلة، ومحاطَّة، ومبادرة، ومباعدة، وأنها كلَّها جائزة، إلا المباعدة؛ فإنَّ فيها خلافًا، وليس على منعها دليل. فصلٌ فإن شرطًا إصابة موضع من الهدف على أن الأقربَ منه يُسْقِط

стр. 392

الأبعد، ففضل أحدهما صاحبه بما شرطاه، كان سابقًا. ذكره القاضي أبو يَعْلَى، وهو مذهب الشافعي (١)؛ لأنه نوع من المحاطَّة. فإذا أصاب أحدهما موضعًا بينه وبين الغرض شبر، وأصاب الآخر موضعًا بينه وبينه أقلُّ من شبر، أسقط الأول. فإن أصاب الأول الغرض؛ أسقط الثاني، وإن أصاب الثاني الدائرة التي في الغرض، لم يسقط الأول؛ لأن الغرض كله موضع الإِصابة، فلا يَفْضُل أحدهما صاحبه إذا أصاباه، إلا أن يشترطا ذلك. وإن اشترطا أن يحسب أحدهما خاسقه (٢) بإصابتين؛ لم يجز؛ لأنه ظلم وعدوان. وإن شرطا أن يحسب كل منهما خاسقه بإصابتين؛ جاز؛ لأن أحدهما لم يَفْضُل صاحبه بشيء، فهما سواء في ذلك. فصلٌ إذا أُطلقت المناضلة، فإن كان للرماة عادة مطَّردة؛ تُرِك العقد عليها وإن لم يصرِّحوا باشتراطها.

стр. 393

وقد وافق على ذلك أصحاب الشافعي، ونقضوا هذا الأصل في مواضع، وطردوه في مواضع. وقد اتَّفق الناس على طَرْدِهِ في نقد البلد في المعاوضات، وإن لم يُشترط؛ تنزيلًا للعرف منزلة الشرط، وعلى التسليم المتعارَف مثله عادة (١) وإن لم يُشْتَرَط؛ كما لو باعه أو اشترى منه دارًا له فيها متاعٌ كثيرٌ، لا يمكن نقله في يوم ولا يومين. وعلى إعماله في قبول الهدية مع الصغار والاكتفاء بقولهم. وعلى دخول دار الرجل اعتمادًا على خبرهم عن إذنه. ونظائر ذلك كثيرة. ونقَضَه من قال: لا تجب الأجرة للحمَّامي ولا الخبَّاز ولا الطَّبَّاخ ولا الغسَّال ولا المُكَاري حتى يَعْقِد معهم عقد إجارة. وقد ثبت بالكتاب والسنة والإِجماع: جواز عقد النكاح من غير تسمية مهر، ووجوب مهر المثل، فإذا كان هذا في النكاح الذي يُحتاط له (٢) ما لا يُحتاط لغيره، وأحقُّ الشروط أن يوفى به ما شُرِط فيه = فغيره من العقود بطريق الأولى. والمقصود أنهم إذا كان لهم عادة في مقدار المسافة بين الموقف والغرض، أو عادة في مقدار الغرض، وارتفاع الهدف وانخفاضه = نُزِّل (٣) العَقْد على العَادَة، ولا يُحتاج إلى ذكر ذلك.

стр. 394

وللشافعي قولان (١) هذا أحدهما. والثاني: لا بدَّ من بيان ذلك في العقد. وإن كان لهم عادة في المبتدئ بالرمي أيضًا؛ حُمِل العقد عليها، إلا أن يشترطوا خلافها. فإن شرطوا تعيين من يبتدئ في كل رشقٍ؛ تعيَّن، وإن أطلقوا تعيينه ولم يقولوا في كل رشق، احتمل أن يتعيَّن في الجميع؛ لأنهم لمَّا عيَّنوه ولم يعيِّنوا غيره، عُلم أنهم أرادوا أنه يبتدئ في جميع النوبات، ويُحتمل أنه يتعيَّن في الرشق الأول، ثم يُقرَع بينهم قُرعة أخرى لجميع الأرشاق؛ لأن تعيينه مطلقٌ وليس بعامٍّ، وقد عُيِّن مرة، والمُطلق يُكتفى فيه بمرَّة. والوجهان لأصحاب الشافعي. ولهم وجهٌ ثالثٌ في غاية البُعْد: أنهم يحتاجون في كلِّ رشْقٍ إلى قُرْعةٍ، وفي هذا من التطويل والمشقَّة وَبْرد أيدي الرماة ما يوجب ردَّه وبطلانه. فإن لم يتعرَّضوا لذكر البادئ بالرمي، لم يَبْطُل العقد، إذ لا وجه لبطلانه. وهذا قول الجمهور. وللشافعي قولٌ حكاه الخراسانيُّون: أنه يبطل العقد، وإذا لم يحكم ببطلانه فيما إذا لم (٢) يتعيَّن، يُنْظَر: فإن كان السبق منهما أو من

стр. 395

أحدهما، عُيِّنَ بالقُرْعَة وإن كان من الإِمام أو أجنبي، فكذلك. وللشافعيِّ قولٌ آخر: أن مُخْرِج السبق يُعَيِّنه. وعلى هذا القول، فإن عيَّنه لجميع الأرشاق تعيَّن، وإن عيَّنه مطلقًا، فهل يتعيَّن للرشق الأول أو لجميع الأرشاق؟ على الوجهين (١). فصلٌ نقل أصحاب الشافعي عنه أنه تردَّد في أن المتَّبع في هذا العقد القياس أو عادة الرماة. واستشكله أبو المعالي الجُوَيْني وغيره، وقالوا: كيف تجوز مخالفة حُجَّة شرعية بعادة غير شرعية؟! ثم اختلفوا في جواب هذا الإِشكال. فقال الصَّيْدلاني (٢): "تردُّده محمول على عادة الرماة المجتهدين من العلماء". وقال أبو محمد الجُوَيني: "المراد بالعادة ما يتفاهمونه من الألفاظ". ورَدَّ قولَ الصيدلاني بأن عادتهم إذا وافقت القياس، فالحجة في

стр. 396

القياس، وإن خالفت القياس (١)، فلا عبرة بها. ورُدَّ قول أبي محمد: بأنه يجب حمل العقود على العادة المطَّردة في الألفاظ. وقال أبو المعالي الجويني: "المراد بالعادة في (٢) كلام الشافعي العادة في البادئ بالرمي، وعليه يُنَزَّل كلامه، فإن عادة الرماة البداءة بمخرِج السَّبَق"، ثم قال: "إذا عظم وقع القياس، وبعُدت عادتهم عنه، وجب القطع باتِّباع القياس". قلتُ: كلام الشافعي ﵀ ظاهرُ التردُّد بين دليلين شرعيَّين، فإنَّ العقود تُحمل على العُرْف والمعتاد (٣) عند الإطلاق، فيُنَزَّل المعتاد منزلة المشروط باللفظ، وهذا دليل شرعيٌّ قائم بنفسه، ما لم يكن المعتاد مخالفًا لكتاب الله، والقياس دليل شرعيٌّ، فإذا خالف العادة، فتردد: هل يقدِّمه على العادة المنزَّلة منزلة الشرط، أو تُقدَّم العادة المشروطة عُرفًا عليه، وكلاهما دليلٌ شرعيٌّ؟ والراجح تقديم العادة؛ فإنها مُنزَّلة مَنْزِلة الشرط، ولا ريب أن القياس يُترك للشرط، فإن القياس: الحلول، ونقد البلد، وجواز التصرُّف عقيب العقد، ويُترَك ذلك كله بالشرط.

стр. 397

ولا يخفى ضعف مسلك إمام الحرمين الذي حمل عليه كلام الشافعي؛ فإنه ليس في البادئ بالرمي قياسٌ يخالف العادة الجارية بينهم، ولهذا لو شرطوا أن يبدأ واحدٌ منهم، لم يكن ذلك مخالفًا للقياس، فإذا كان لهم عادة ببداءة واحد منهم لم يكن ذلك (١) مخالفًا للقياس، والله أعلم. فصلٌ في الموقف واختلافه إذا اصطفَّت (٢) الرماة في مقابلة الغرض للرمي فرمى (٣) كل واحد من موضعه؛ صحَّ باتفاق الفقهاء والرماة، ولا يشترط أن يتناوبوا على الوقوف في موازاة الغرض، فإن رضوا بذلك؛ جاز، وإن تنافسوا في ذلك وكلٌّ منهم آثر الوقوف بإزاء الغرض، كتنافسهم في البادئ بالرمي = ففيه وجهان (٤): أحدهما: يقدَّم بالقرعة. والثاني: يقدَّم من يختاره مخرِج السبق أو مَن له مزيَّة بإخراجه، كما تقدم.

стр. 398

وإن كان الموضع الذي عيَّنه بعضهم خيرًا من غيره، مثل أن يكون أحد الموْقِفين مستقبلًا للشمس، أو للريح (١) ونحو ذلك، والموقف الآخر مستدبرهما قُدِّم قول من عيَّن (٢) هذا الموقف؛ لأنه أقرب إلى تحصيل مقصود الرمي، وهو الموضع الذي ينصرف إليه العقد عند الإِطلاق. فإن كان شرطهما خلافه؛ فالشرط عند أصحابنا أولى، قالوا: كما لو اتَّفقا على الرمي ليلًا. ويُحتمل أن يكون الموقف الموافق أولى، ويُجاب من طلبه؛ لأنه أقرب إلى مصلحتهما ومصلحة العقد. فإن استوى الموقفان، وقف الأول حيث شاء منه، وتبعه الثاني. فإذا كان في الوجه الثاني؛ وقف الثاني حيث شاء وتبعه الأول، وليس لأحدهم أن يتقدَّم عن صاحبه إلى جهة الغرض، بل يقفوا صفًّا. فإن رضوا بتقديم أحدهم: فإن كان يسيرًا، جاز، وإن أفرط، لم يجز، لِمَا فيه من مزيَّة التخصيص المنافي للعدل، فصار كما لو شرط لأحدهم السَّبَق بتسع إصابات وللآخر بعشر؛ فإنه لا يجوز اتفاقًا. فلو اتَّفقوا كلهم على أن يتقدموا أو يتأخروا عن موقفهم، جاز. وقال أصحاب الشافعي: يكون الخلاف في إلحاق الزيادة والنقصان.

стр. 399

فرعٌ فإن تأخَّر أحدهم عن موقفه، فهل له ذلك؟ (١). يحتمل الجواز؛ لأنه مُؤْثر به (٢) لأصحابه لا مستأثر عليهم. ويحتمل المنع، لفوات العدل المطلوب من العقد. وللشافعية وجهان. . وكذلك لو كانا اثنين، فتقدَّم أحدهما عن الآخر، لم يجز، وإن تأخر عنه (٣) فعلى الاحتمالين والوجهين. والله أعلم. فصلٌ وإذا بدأ أحدهما في وَجْهٍ، بدأ الآخر في الوجه الثاني، تعديلًا بينهما. فإن شُرِطت (٤) البداءة لأحدهما في كل الوجوه، فقال أصحابنا: لم يصح؛ لأن موضوع (٥) المناضلة على المساواة، وهذا يمنعها. ويحتمل أن يجوز ذلك؛ لأنهما لو اتَّفقا على ذلك برضاهما من غير شرط، جاز؛ لأن البداءة لا أثر لها في الإصابة، ولا في جودة الرمي،

стр. 400

فإذا شرطا ذلك فقد شرطا ما يجوز فعله، فيصح. وإن شرطا أن يبدأ كل واحد منهما من الوجهين (١) متواليين، جاز؛ لتساويهما. وفي المسألة وجه آخر: أنَّ اشتراط البداءة لغوٌ لا تأثير له، ووجوده كعدمه، إذ لا تأثير للبداءة في الإصابة، ولا في جودة الرمي، وكثير من الرماة (٢) يختار التأخر عن (٣) البداءة، وهم الحذَّاق، ومنهم من يختار البداءة، ومنهم من يستوي عنده الأمران. والتأخُّر أحسن موقعًا وأعظم قدرًا، ولهذا قال موسى للسَّحرة وقد خيَّروه بين أن يبتدئ هو أو أن يبتدئوا قبله، فاختار بداءتهم أولًا، ثم ألقى هو بعدهم (٤)، وفي ذلك وجوه كثيرة من الحكمة: - منها: أن المبطِل يستفرغ وُسْعه، ويستنفذ حِيَله، ولا يبقى له شيء يقال: إنه (٥) لو أتى به لغلب. - ومنها: أن يكون هو الباغي، فيكون أدعى إلى نصرة (٦) المحقِّ عليه.

стр. 401

- ومنها: أن نفوس الناس دائمًا تستشرف إلى المجيب أكثر من السائل، وإلى المتأخِّر في المغالبات والمقارعات أكثر من استشرافها إلى الأول، فيكون ظَفَره وغلبه أعظم موقعًا. - ومنها: أن هِمَّة المُحِقِّ تقوى وتتضاعف إذا شاهد خصمه وقد وضع له أسباب الغلبة واستنفد سهامه، فتصير همَّته على مقدار ما شاهد من كيد خصمه. - ومنها: أن اللغط يصفو، وينقطع هيج البداوات وهرجها (١). - ومنها: أن يجمع همَّه وعزمه ويستعدَّ للمقابلة. - ومنها: أنه يأمن رجوع خصمه واستقالته؛ فإنَّ خصمه قد يرجع عن مقارعته إذا رأى قوته واستظهاره، فلا تظهر غلبته، فإذا بدأ خصمه، أمِنَ من رجوعه واستقالته. ولفوائد أخرى (٢) غير هذه. وهما مخيَّران بين ثلاثة أمور: أحدها: أن يرميا سهمًا وسهمًا. الثاني: أن يرميا سهمين وسهمين، أو ثلاثة وثلاثة. الثالث: أن يستنفدَ أحدُهما رميه (٣) ثم يتبعُه الآخر.

стр. 402

فصلٌ (١) والسُّنَّة أن يكون لهما غرضان، فيرميان كلاهما إلى أحدهما، ثم يذهبان (٢) كلاهما إلى الآخر، فيأخذان السهام، ويرميان الأول، وهكذا كانت عادة أصحاب رسول الله ﷺ . وفي أثر مرفوع: "كل شيء ليس من ذكر الله فهو لغوٌ أو سهوٌ، إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين، وتأديب فرسه، وملاعبته أهله، وتعلُّم السباحة" (٣).

стр. 403

وقال أبو القاسم الطبراني في كتاب "فَضل الرَّمي": "باب (١): فضل المشي بين الغَرَضَيْن". ثم ذكر بإسناده عن أبي ذر يرفعه: "من مشى بين الغرضين؛ كان له بكل خطوة حسنة". وقال إبراهيم التيمي عن أبيه: "رأيت حذيفة بن اليمان يعدو بين الهدفين بالمدائن في قميص". وقال بلال بن سعد: "أدركتُ قومًا يشتدُّون بين الأغراض، يضحك بعضهم إلى بعض، فإذا كان الليل؛ كانوا رهبانًا". وكان عقبةُ بن عامر يشتدُّ بين الغرضين وهو شيخ كبير. وفي أثر مرفوع: "ما بين الغرضين روضة من رياض الجنة" (٢). وإن جعلوا غرضًا واحدًا، جاز؛ لحصول المقصود به.

стр. 404

فصلٌ في صفات الإصابة وأنواعها الإِصابة نوعان: مطلقة ومقيَّدة. فالمطلقة: إصابة الغرض على أيِّ صفةٍ كانت: إما في وسَطِه، أو جانبه الأيمن، أو الأيسر، وكذلك يتناول ما وقع (١) في الغرض ولم يخْرِقْه، أو خرقه ولم ينفذْ منه، أو خرقه ونفذ منه، أو غير ذلك. فإن أطلقا الإصابة ولم يقيِّداها بقيد، ففيه وجهان: أحدهما: أن العقد يصحُّ ويتناولها على أي صفة كانت من هذه الصفات. والثاني - وهو الذي ذكره في "المغني" (٢) -: أن ذكر صفة الإصابة شرطٌ في صحة (٣) المناضلة، فإن قالا: رَمينا خواصل، كان تأكيدًا لمطلق الإصابة؛ لأنه اسمٌ لها كيفما كانت، وتسمَّى (٤) القَرْع والقَرْطَسَة، يقال: خَصَل، وقَرَعَ، وقَرْطَس، بمعنى واحد: إذا أصاب. فصلٌ فإن قالا: خَواسِق: وهو ما خَرَق الغرض وثبت فيه. أو خَوازِق: وهو ما خرقه ووء بين يديه.

стр. 405

أو موارِق: وهو ما نَفَذ الغرض، ووقع من ورائِه. أو خَوارِم: وهو ما خَرَم جانب الغَرض. أو حَوابي: وهو ما وقع بين يدي الغَرض ثم وَثَب إليه، ومنه يقال: حَبَا الصبي. أو خواصِر: وهو ما كان في إحدى جانبي الغرض، ومنه قيل: الخاصرة؛ لأنها في (١) جانب الإنسان = تقيَّدت المناضلة بذلك؛ لأن المرجع (٢) في المسابقة إلى شرطهما، فتتقيَّد بما شرطاه. وإن شرطا الخواسق والحوابي معًا، صَحَّ. هكذا ذكره أصحابنا. ويُحتمل أن لا يصحَّ شرط الإِصابة النادرة، كالحوابي؛ فإن هذا إنما يقع اتِّفاقًا نادرًا، فاشتراط الاحتساب به دون ما عداه يَنْدُر جدًّا، وذلك يفوِّت مقصود الرمي. وكذلك كل شرط تندر معه الإِصابة لا ينبغي صِحَّة اشتراطه، وهذا بخلاف ما إذا شرطا إصابة موضع من الغرض، كدائرته ونحوها، فإنه يصح؛ لأنه لا يندر الإصابة فيه، وهو من حذْق الرامي، ومما يُنال بالتعليم، بخلاف (٣) اشتراط وقوع السهم دون الغرض، ثم يحبو بنفسه، حتى يقع في الغرض؛ فإن هذا لا يُنال بالتعلُّم، ولا هو مما يكثر وقوعه، ولا يتنافس فيه الرُّمَاة. وقد نصَّ الشافعي في أحد قوليه: أنه إذا شرط الخَسْق، فخرق

стр. 406

الغَرَض، ونفَذَ منه لقوته؛ أنه يُحتسب له به. قال أبو المعالي وغيره من أصحابه: "وهو الأصح؛ لموافقته اللفظ والمعنى" (١). قلت: وهذا هو المختار. والقول الثاني: لا يحتسب له به، وإليه ميل الرماة. فرعٌ (٢) فإن شرطا خوارق، فخَسَقَ وثَبَتَ في الغرض، وإذا وراءه خشبة أو شيء يمنعه من الخرق بحيث لولاه لنفذ= احتمل أن يُحْتَسَب له به، نَظَرًا إلى المقصود، وأنه لولا المانع، لحصل المشروط، وهو كما لو أطارت الريح الغرض، فوقع السهم مكانه. واحتمل أن لا يُحْتَسب له به، للشك في حصول الخَرْق لو كان المانع زائلًا، إذ من المحتمل أن يثبت مع عدم المانع. فصلٌ في القُرْب والأقرب النضال على نوعين:

стр. 407

أحدهما: على الإصابة. والثاني: على القرب من الغرض، فأي السهام كان أقرب، احتُسِب به، وأُلْغِيَ ما دونه. فإن كان لقَدْر القرب عادة بينهم؛ حُمِل إطلاق العقد عليها، وصارت كالمشروطة، وإن لم يكن له عرف ولا عادة، فلا بُدَّ من بيان قدر القُرْبِ المُحْتَسب به: هل هو ذِرَاع أو شِبْر أو نحوه؟ فإن أطلقوا العقد ولم يبيِّنوا قدر القُرب، بل قالوا: أينا كان أقرب سهمًا إلى الغرض؛ احتُسِب به، لم يصحَّ؛ لأنه ما من قرب إلا وغيره أقرب منه، فلا يُعْرَف قدر ما يحتسب به (١). وفيه وجهان آخران للشافعيَّة (٢): أحدهما: يصح، ويقدَّر القرب بسهم. وهذا تَحَكُّم لا دليل له. الثاني: أن يُحْتَسَب بالأقرب فالأقرب، ويسقط كل سهم بما هو أقرب منه. وقال أبو المعالي الجُوَيني: إذا وقعت سهامهما في حَدِّ القُرْب، وكان في سهام أحدهما قريب وأقرب، وأبعدهما أقرب من أقرب الآخر، فهل يُحتسب جميع سهامه أو يُسْقط أبعدها بأقربها؟.

стр. 408

فيه وجهان: أحدهما: يحتسب بجميعها؛ لأنها كُلَّها أقرب من سهام الآخر، وهذا أظهر. الثاني: أنه يسقط أبعدها بأقربها، ويجعل الأبْعَد لغوًا، ويكون الحُكْم للأقرب. ووجه هذا: أنَ قائله لمَّا احتسب بالأقرب فالأقرب (١) جعل الأبْعد مُلْغَى، واحتسب بما هو أقرب منه، كما لو كان الأبعد من سهام صاحبه، والأقرب من سهامه هو، فيعمل في سهامه وحده ما يعمل في سهامهما. هذا كله تفريعٌ على الوجه الأول (٢)، وأما على اشتراط مسافة القرب، فلا يجيء ذلك. ومهما وقع في جوانب الهدف في حَدِّ القُرْب المشترط؛ حُسِبَ، ولأصحاب الشافعي وجهٌ ضعيفٌ جدًّا: أنه لا يُحتسب ما وقع في أعلى الهدف. ولا وجه له، بل أعلاه وأسفله وجوانبه سواء. فرعٌ إذا قَدَّرا قَدْر الأقرب بذراع (٣) مثلًا، وشَرَطَا أن يُسْقِط قريبُ كلِّ رامٍ ما هو أبعد منه من رمي الآخر، ولو كان في حدِّ القُرْب؛ وجب

стр. 409

اتِّباعه. فلو لم يشرطاه وشرطا (١) أنَّ من كان أقرب بذراع، فهو الناضل، وكان أحدهما أقرب بدون الذراع = احتمل أن يُحْتَسَبَ بالأقرب فالأقرب بدون الذراع (٢)، واحْتُمل أن يحتسب بكل ما يقع (٣) في حدِّ القرب، ما لم يقصر عنه، وقريبه وأقربُه سواء، والوجهان لأصحاب الشافعي. هذا إذا لم يكن للرماة عادة، فإن كان لهم عادة في الاحتساب أو عدمه؛ نُزِّلَ العقد عليها إجراء لها مَجْرَى الشَّرْط (٤)، والله أعلم. فصلٌ فيما يَطْرَأُ مِن النَّكَبات إذا عَرَض عارضٌ (٥) من كسر قوس، أو قطع وَتَر، أو ريح شديدة، لم يحتسب عليه بالسهم إذا أخطأ لعارض من هذه العوارض أو غيرها، كحيوان اعترض بين يديه؛ لأن هذا الخطأ لعارض، لا لسوء رَمْيِه. قال القاضي (٦): "ولو أصاب، لم يُحتسب له به؛ لأنه لم يُحتسب

стр. 410

عليه فلم يُحتسب له؛ لأن الريح الشديدة كما يجوز أن تصرف الرمي السَّديد (١) فيخطئ = يجوز أن تصرف السهم المخطئ عن خطئه فيقع مصيبًا، وتكون إصابته بِالريح لا بحذق الرامي، فإن وقع السهم في حائل بينه وبين الغرض فمَزَّقه وأصاب الغرض، حُسِبَ له؛ لأن إصابته لِسَدَاد رميه، ومروقه لقوته، فهو (٢) أولى من غيره، وإن كانت الريح لَيِّنة لا تردُّ السَّهم عادة، لم يمنع الاحتساب عليه بالسهم وله؛ لأن الجو لا يخلو من ريح، ولأن الريح الرُّخاء لا تؤثر إلا في الرمي الرخو الذي لا يُنْتَفَعُ به. فرعٌ وإذا أطارت الريح (٣) الغَرَض، فوقع السَّهم موضعه؛ فإن كان شرطهما خواصِل (٤)، احْتُسِبَ له به؛ لِعِلْمِنَا أنه لو كان الغرض في موضعه أصابه، وإنْ كان شرطهما خَواسِق، لم يُحْتسب له به، ولا عليه. هذا قول أبي الخَطَّاب؛ لأنه لا يدري: هل يثبت في الغرض إذا كان موجودًا أولًا؟

стр. 411

وقال القاضي: "ينظر، فإن كانت صلابة الهدف كصلابة الغرض، فثبت في الهدف؛ احتسب له به؛ لأنه لو بقي مكانه لثبت فيه كثبوته في الهدف، وإن لم يثبت فيه مع التساوي، لم يحتسب، وإن كان الهدف أصْلب فلم يثبت فيه، أو إن كان رِخْوًا لم يُحْتَسَب السهم له ولا عليه؛ لأنَّا لا نَعْلَم: هل كان يثبت في الغرض لو بقي مكانه أم لا؟ وهذا كله مذهب الشافعي" (١). فرعٌ فإن أطارت الريح الغرض، فوقع السهم فيه، لا (٢) في المكان الذي طار منه؛ فقال أصحابنا (٣): يحتسب عليه السهم لا له؛ إلا أن يكونا اتَّفقا على رميه في الموضع الذي طار إليه (٤). وعندي: أنه إذا أطارته بعد خروج السهم من كَبدِ القَوْس حُسِبَت عليه؛ لأنا نتيقَّن أنه لو كان مكانه، لأخطأه. وإن أطارته قبل الرمي، حُسِبَ له، لأنَّ الغَرَض هو المقصود وقد أصابه (٥). وإن أطارته قبل الرمي، فوقع سهم أحدهما في موضعه الأصلي،

стр. 412

ووقع سهم الآخر فيه نفسه، فالمصيب من وقع سهمه فيه؛ لأنه هو المقصود، فمن أصابه؛ أصاب. وعلى قول الأصحاب: المصيب هو الذي وقع سهمه في موضعه. وإن كانت إطارته بعد رميهما، فالمصيب من وقع سهمه في مكانه (١) الأصلي؛ لأنه هو كان المقصود في الرمي (٢)، والغرض علامة عليه، وقد أصابَ المقصود، بخلاف ما إذا أطارته قبل الرمي؛ فإنه هو المقصود بالرمي، فمصيبه مصيبٌ للمقصود، وهذا واضحٌ بحمد الله تعالى. فرعٌ وإذا ألقتِ (٣) الريح الغرض على وجهه، فحُكْمه حكم ما أطارته يمينًا وشمالًا وخلفًا وأمامًا. فصلٌ وكل رمية فسدت لفساد القبض، أو النظر (٤)، أو العقد، أو الجَذْب، أو الإِطلاق = حُسِبت عليه من رَشْقِه. وإن فسدت لعارض لا يُنْسَب إلى تقصيره، نحو كسر القوس،

стр. 413

وانقطاع الوَتَر، وهبوب الريح (١) عاصفة، وعروض ظُلْمة شديدة، ونحو ذلك، حُسِبَ له إن أصاب. وإن أخطأ، لم يحسب عليه. وأبْعَدَ مَن قال مِن الأصحاب: إنه يُحْتَسَب عليه. وهو غَلَط، وأبعد منه (٢) من قال من أصحاب الشافعي: لا يَحْتَسَب له مع الإصابة. إذ معلومٌ. أن الإِصابة مع التَّنكيد مِنْ جَوْدَة الرَّمي وفَضْل الحِذْق. وقال أبو المعالي الجُوَيني: "إن عَرَض كسر القوس وانقطاع الوتر قبل نفوذ السهم، لم يحتسب عليه، وإن عرض بعد النفوذ، حُسِبَ عليه". فرع وإن انكسر السهم؛ فإن كان لضعف قدحه، لم يُحسب عليه. وإن كان انكساره لسوء الرمي بأن أخلى الفُوْق في النزع عن الوتر، أو أغرق في النزع، فعلق رأس النصل في كبد القوس، فانكسر، حُسِب عليه؛ لأنه من سُوء رميه. وإن أصاب الغرض بعد انكساره فلا يخلو: إما أن يصيبه طولًا أو عرضًا، فإن أصابه عرضًا، لم يحسب له ولا عليه، وإن أصابه طولًا: فإن كانت الإصابة بالنصل، حُسِبَ له، وإن أصاب بغير النصل،

стр. 414

لم يُحْسَب له (١)، قاله أصحابنا. وفيه نظرٌ ظاهرٌ، إذ الإصابة برأس القطعة التي فيها الفُوْق، كالإِصابة بالنصل سواء، ولا فَرْقَ بينهما. بل قد قال بعض أصحاب الشافعي (٢): إنه إن أصابه بقطعة النصل، لم يُحسب، وإن أصابه بقطعة الفُوق، حُسِب في أحد الوجهين. والقولان ضعيفان في النظر والقياس. والصواب أنه يُحْسب له بهما، إذْ لا عِبْرة بالنصل، وإنما العبرة بالإصابة، ولو كان النصل ضعيفًا، فسقط دون الغرض، ووقع السهم بلا نصل في الغرض، حُسِب له قطعًا، وهذا مثله (٣). فرعٌ فإذا أغرق الرامي في النزع، فخرج السهم من الجانب الآخر؛ حُسِبَ له وعليه، فإن اعترضه حيوان في طريقه، فأصابه، ونفذ منه إلى الغرض فأصاب، حُسِب له. وأبْعَدَ من قال من أصحاب الشافعي (٤): إنه لا يحسب له. ولا

стр. 415

وجه لقوله. وإن كان الخطأ لفسادٍ عَرَض له في بَدَنِه كالْتواء يده، أو عارض عرض له في بصره، أو داء عرض له أفسد رميه؛ لم يحتسب عليه به (١)؛ إلا أن يُنسب العارض إلى تقصيره في الرمي؛ كأن تلتوي يده (٢) لعدم حذقه في القبض؛ فإنه يُحسب عليه. فصلٌ وكذلك كل إصابة تُضاف إلى غير الرمي، لم يُحْتَسَب له بها، فإذا أصاب السهم شجرة مائلة عن سَمْتِ الغرض، أو شجرة أو جدارًا كذلك فارتدَّ بصدمته، فأصاب الغرض؛ فإن هذه الإصابة لا تضاف إلى رميه. ويُحتمل أن يُحْتَسَب له بها؛ لأنها متولِّدة عن رميه. وللشافعية وجهان في ذلك. فإن كانت الشجرة أو الجدار مُسامِتين (٣) للغرض، حُسِب له قطعًا، إذ الإصابة من حُسْن الرمي، فإن مرَّ السهم على السداد فصدم الأرض، ثم قفز (٤) فأصاب الغرض؛ فهل يُحتسب له به؟

стр. 416

ينظر: فإن كان لهم شرط اتُّبع، وإن لم يكن لهم شرط اتُّبعت عادتهم، إذ هي منزَّلة مَنْزِلة الشرط. وإن لم يكن لهم عادة ولا شرط، احتمل وجهين. ولأصحاب الشافعي في ذلك (١) ثلاثة أوجه: أحدها: يحتسب به. والثاني: لا يحتسب. والثالث: إن اتبعت العادة لم يحتسب به، وإلا احْتُسِب به. قالوا: لأن عادة الرماة عدم الاحْتِسَاب. والصواب الاحتساب به (٢)، لأنا نوجب (٣) القصاص بمثل هذه الإصابة إذا تعمد (٤) قَتْل من يكافئه، وينزِّلُها منزلة السهم الذي مرَّ كما هو حتى أصاب المقتول، بل الاحتساب به في النضال أولى، إذ لو كان ذلك شبهة يمنع الاحتساب به في (٥) الإصابة؛ لكانت أولى بالمنع في القصاص، وهذا ظاهر، ولله الحمد.

стр. 417

فصلٌ وقد تقدَّم الخلاف (١) في المسابقة: هل هي عقدٌ لازم أو جائز، وأن المشهور من المذهب أنها عقدٌ جائز، فلكل واحد منهما فسخه قبل الشروع فيه، ولهما الزيادة والنقصان، وأنه إن ظهر فضل أحدهما، فله وحده الفسخ، وتنفسخ بموت أحدهما، ولا يُؤخذ بها رهنٌ، ولا ضَمِيْنٌ، ولا يَثْبُتُ فيها خيارُ مجلس. والوجه الثاني: أنها عقدٌ لازم، كالإجارة، فتنعكس هذه الأحكام. فإن أراد أحدهما تأخير الرمي؛ فإن كان لعارضٍ يعمُّهما أو يختصُّ بأحدهما؛ كَوَجع، أو الْتِواء عِرْق، ونحو ذلك، أو ريح، أو ظُلْمَة، أو سيلٍ؛ جاز تأخير الرمي، ولا ينفسخ العقد بذلك، ولصاحب العذر الفسخ به. وإن أراد أحدهما تأخيره بلا عذر، فإن قيل: إن العقد جائز فله ذلك، وإن قيل: بلزومه فلا. ولو تشاغل عن الرمي في الغاية (٢) وطوَّل بما لا حاجة إليه من مسح القوس والوتر ونحو ذلك؛ ليُبَرِّد هِمَّةَ صاحبه، أو يُنْسيه الوجه

стр. 418

الذي أصاب به، ويَشْغَله عنه = مُنِع من ذلك، وطولِب بتعجيل الرمي، ولا يُدْهَش بالاستعجال بحيث يمتنع من تحرِّي الإصابة، ويمتنع كلُّ واحد من المناضلين من الكلام الذي يغيظ به صاحبه؛ مثل أن يفتخر ويتبجَّح بالإصابة، ويعنِّف صاحبه على الخطإ، أو يُظْهِر له أنه يعلّمه (١)، ويَمْنَعُ من ذلك مَنْ حضرهم من الأمين والشهود والنظَّارة. فصلٌ في الجَلَب والجَنَب روى أبو داود في "سننه" من حديث عِمْران بن حُصَيْن عن النبي ﷺ أنه قال: "لا جَلَبَ ولا جَنَبَ يوم الرهان" (٢). وفي "المسند" (٣) من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال:

стр. 419

"لا جَلَبَ ولا جَنَب (١) ولا شِغَارَ في الإسلام". وفي "سنن الدارقطني" (٢) عن علي بن أبي طالب: "أن النبي ﷺ قال له: "يا علي! قد جعلت إليك هذه السَّبْقة بين الناس"، فخرج عليٌّ، فدعا سُرَاقة بن مالك، فقال: يا سُرَاقة! إني قد جعلتُ إليك (٣) ما جعل النبي ﷺ في عنقي من هذه السبقة في عنقك، فإذا أتيت الميطان - قال أبو عبد الرحمن: والميطان مرسلها من الغاية - فصُفَّ الخيل، ثم نادِ: هل من مُصْلحٍ للجام، أو حامل لغلام، أو طارحٍ لجُلٍّ، فإذا لم يجبك أحدٌ؛ فكبِّر ثلاثًا، ثم خلِّها عند الثالثة، يسعد الله تعالى بسبقه من شاء من خلقه"، فكان عليٌّ ﵁ يقعد عند منتهى الغاية، ويخطُّ خطًّا (٤)، ويُقيم رجلين متقابلين عند طرفي (٥) الخط، طرفه بين إبهامي أرجلهما، وتمرُّ الخيل بين الرجلين، ويقول: "إذا خرج أحد الفرسين على صاحبه بطرف أذنيه، أو أذن، أو عذار، فاجعلوا السبقة له (٦)، فإن شككتُما،

стр. 420

فاجعلا سبقهما نصفين، فإن قرنتُم ثنتين، فاجعلوا الغاية من غاية أصغر الثنتين، ولا جَلَب (١) ولا جَنَب ولا شِغار في الإسلام"، وقد تقدَّم الكلام (٢) في معنى الجلب والجَنَب، واختلاف شرَّاح الحديث فيه، ونحن نذكر كلام الفقهاء فيه: فقال الخرقي في "مختصره" (٣): "ولا يجوز إذا أرسل الفرسان أن يجنب أحدهما إلى فرسِهِ فَرَسًا يحرِّضه على العدو ولا يصيح به (٤) في وقت سباقه وذكر الحديث". وأكثر الفقهاء على هذا الذي قاله. وقال القاضي: "معناه: أن يجنب فرسًا يتحوَّل عليه عند الغاية عليه (٥)؛ لكونه أقل كلالًا وإعياء. قال ابن المنذر: كذا قيل". قال الشيخ (٦): "ولا أحسِب هذا يصح؛ لأن الفرس التي يسابق عليها لا بدَّ من تعيينها (٧)، فإن كانت التي يتحوَّل عنها؛ فما حصل السبق بها، وإن كانت التي يتحوَّل إليها؛ فما حصلت المسابقة

стр. 421

بها في جميع الحلبة، ومن شَرْط السباق ذلك، ولأن هذا متى احتاج إلى التحوُّل والاشتغال به؛ فربما سُبِقَ باشتغاله لا بسرعة غيره، ولأن المقصود معرفة عَدْو الفرس في الحلبة كلها، فمتى كان إنما تركه (١) في آخر الحلبة؛ فما حصل المقصود. وأما الجَلَب: فهو أن يُتْبع الرجل فرسه من (٢) يركض خلفه، ويجلب عليه، ويصيح وراءه؛ يستحثُّه بذلك على العَدْو، وهكذا فسَّره مالك". وهذا هو الصواب. وفسَّره بعض الفقهاء بأنه: هو أن يصيح بفرسه وقت السباق، ويجلب عليه (٣). وفيه نظر؛ لأنه لا يُمْنَع من ضربه ولا (٤) نخسه بالمِهْمَاز (٥) وغيره مما يحرِّضه على العَدْو، وهكذا لا يُمْنع من صِيَاحه عليه، وليس هذا ظلمًا؛ لأن الآخر يفعل بفرسه هكذا. والله أعلم بمراد (٦) رسول الله ﷺ من الحديث، وهو محتمل

стр. 422

الأمرين. وعن أبي عُبيد في تفسير الحديث روايتان (١): أحدهما: كقول مالك. والثانية: أن معنى الجَلَب: أن يحشر السَّاعي - أي: أهل الماشية ليصدقهم - قال: "فلا يفعل، بل يأتيهم على مياههم فيصدقهم". والتفسير الأول تفسير الأكثرين، ويدلُّ عليه: - قوله: "في الرهان"، وهذا يُبْطِل تفسيره بالجلب في الصدقة. - وأيضًا فالجَنَب لا يُعْقَل في الصدقة (٢). - وأيضًا ففي حديث علي المتقدم في السياق: "لا جَلَب ولا جَنَب". - وأيضًا فحديث ابن عباس يرفعه: "من أجلب على الخيل يوم الرهان؛ فليس منَّا" (٣).

стр. 423

ذكره صاحب "المغني"، ولا أعرف من خرَّجه (١). فصلٌ إذا قال رجل لآخر (٢): ارم هذا السهم، فإن أصبته، فلك درهم. أو أجب في هذه المسألة، فإن أصبت فلك كذا. أو احفظ هذا الكتاب ولك كذا وكذا؛ صحَّ، وكان جِعَالة مَحْضَة، ليس من عقد السباق في شيء، وقد بذلا مالًا في فعل له فيه (٣) غرض صحيح؛ لأن السباق إنما يكون بين اثنين فصاعدًا (٤)، ويكون الجُعل للسابق

стр. 424

لصاحبه (١). فإن قال: إن أصبتَ، فلك درهم، وإن أخطأت فعليك درهم؛ لم يصح؛ لأنه قمار. وكذا إن قال: إن حفظته، فلك مئة، وإن عجزتَ عنه، فعليك مئة؛ لم يصحَّ. فإن قال: ارم عشرة أسهم، أو أجب في هذه المسائل العشر، فإن كان صوابك أكثر من خطئك؛ فلك درهم، صحَّ؛ لأنه بذل الجُعل في مقابلة الإصابة المعلومة، وهي أكثر العشر، وليس ذلك بمجهول. وكذا لو قال: إن كان صوابك أكثر، فلك بكل إصابة درهم؛ صحَّ ذلك. ولو قال: لك بكل إصابة درهم، صح، ولم يُشْتَرط أن تكون إصاباته (٢) أكثر ولا مساوية. ولو قال: إن أصبتها كلها (٣) فلك بكل إصابة درهم، صحَّ، فلو أصاب تسعة منها، لم يستحق شيئًا.

стр. 425

ولو قال الرامي لأجنبيٍّ: إن أخطأتُ أنا (١) في هذا السهم، فلك درهم، أو إن أخطأتُ في الجواب عن هذه المسألة، فلك درهم، لم يصح؛ لأن الجُعل يكون في مقابلة عَمَل، ولم يوجد من الأجنبيِّ عمل. فلو قال: إن أخطأتُ فعليَّ نذر درهم، أو: فما في يدي صدقة، أو: فعليَّ صوم شهر، أو: عتق رقبة؛ فهو نذر يمين، ويسمى نذر اللَّجاج والغضب (٢) إذا كان قصده أن لا يكون الشرط ولا الجزاء. وقد اخْتُلِف في موجبه عند الحنث على ثلاثة أقوال، وهي للشافعي (٣): أحدها: لزوم الوفاء بما التزمه كائنًا ما كان. وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة في أشهر الروايتين عنه (٤). الثاني: تعتبر (٥) كفارة اليمين، لا يجزيه غيرها.
следующие страницы →