← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 18169

الفروسية المحمدية - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (530 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

بها في جميع الحلبة، ومن شَرْط السباق ذلك، ولأن هذا متى احتاج إلى التحوُّل والاشتغال به؛ فربما سُبِقَ باشتغاله لا بسرعة غيره، ولأن المقصود معرفة عَدْو الفرس في الحلبة كلها، فمتى كان إنما تركه (١) في آخر الحلبة؛ فما حصل المقصود. وأما الجَلَب: فهو أن يُتْبع الرجل فرسه من (٢) يركض خلفه، ويجلب عليه، ويصيح وراءه؛ يستحثُّه بذلك على العَدْو، وهكذا فسَّره مالك". وهذا هو الصواب. وفسَّره بعض الفقهاء بأنه: هو أن يصيح بفرسه وقت السباق، ويجلب عليه (٣). وفيه نظر؛ لأنه لا يُمْنَع من ضربه ولا (٤) نخسه بالمِهْمَاز (٥) وغيره مما يحرِّضه على العَدْو، وهكذا لا يُمْنع من صِيَاحه عليه، وليس هذا ظلمًا؛ لأن الآخر يفعل بفرسه هكذا. والله أعلم بمراد (٦) رسول الله ﷺ من الحديث، وهو محتمل

стр. 422

الأمرين. وعن أبي عُبيد في تفسير الحديث روايتان (١): أحدهما: كقول مالك. والثانية: أن معنى الجَلَب: أن يحشر السَّاعي - أي: أهل الماشية ليصدقهم - قال: "فلا يفعل، بل يأتيهم على مياههم فيصدقهم". والتفسير الأول تفسير الأكثرين، ويدلُّ عليه: - قوله: "في الرهان"، وهذا يُبْطِل تفسيره بالجلب في الصدقة. - وأيضًا فالجَنَب لا يُعْقَل في الصدقة (٢). - وأيضًا ففي حديث علي المتقدم في السياق: "لا جَلَب ولا جَنَب". - وأيضًا فحديث ابن عباس يرفعه: "من أجلب على الخيل يوم الرهان؛ فليس منَّا" (٣).

стр. 423

ذكره صاحب "المغني"، ولا أعرف من خرَّجه (١). فصلٌ إذا قال رجل لآخر (٢): ارم هذا السهم، فإن أصبته، فلك درهم. أو أجب في هذه المسألة، فإن أصبت فلك كذا. أو احفظ هذا الكتاب ولك كذا وكذا؛ صحَّ، وكان جِعَالة مَحْضَة، ليس من عقد السباق في شيء، وقد بذلا مالًا في فعل له فيه (٣) غرض صحيح؛ لأن السباق إنما يكون بين اثنين فصاعدًا (٤)، ويكون الجُعل للسابق

стр. 424

لصاحبه (١). فإن قال: إن أصبتَ، فلك درهم، وإن أخطأت فعليك درهم؛ لم يصح؛ لأنه قمار. وكذا إن قال: إن حفظته، فلك مئة، وإن عجزتَ عنه، فعليك مئة؛ لم يصحَّ. فإن قال: ارم عشرة أسهم، أو أجب في هذه المسائل العشر، فإن كان صوابك أكثر من خطئك؛ فلك درهم، صحَّ؛ لأنه بذل الجُعل في مقابلة الإصابة المعلومة، وهي أكثر العشر، وليس ذلك بمجهول. وكذا لو قال: إن كان صوابك أكثر، فلك بكل إصابة درهم؛ صحَّ ذلك. ولو قال: لك بكل إصابة درهم، صح، ولم يُشْتَرط أن تكون إصاباته (٢) أكثر ولا مساوية. ولو قال: إن أصبتها كلها (٣) فلك بكل إصابة درهم، صحَّ، فلو أصاب تسعة منها، لم يستحق شيئًا.

стр. 425

ولو قال الرامي لأجنبيٍّ: إن أخطأتُ أنا (١) في هذا السهم، فلك درهم، أو إن أخطأتُ في الجواب عن هذه المسألة، فلك درهم، لم يصح؛ لأن الجُعل يكون في مقابلة عَمَل، ولم يوجد من الأجنبيِّ عمل. فلو قال: إن أخطأتُ فعليَّ نذر درهم، أو: فما في يدي صدقة، أو: فعليَّ صوم شهر، أو: عتق رقبة؛ فهو نذر يمين، ويسمى نذر اللَّجاج والغضب (٢) إذا كان قصده أن لا يكون الشرط ولا الجزاء. وقد اخْتُلِف في موجبه عند الحنث على ثلاثة أقوال، وهي للشافعي (٣): أحدها: لزوم الوفاء بما التزمه كائنًا ما كان. وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة في أشهر الروايتين عنه (٤). الثاني: تعتبر (٥) كفارة اليمين، لا يجزيه غيرها.

стр. 426

وهو رواية في مذهب أحمد (١). الثالث: يخيَّر بين التزام ما التزمه، وبين كفَّارة اليمين. وهو المشهور في مذهب أحمد والشافعي (٢). فإن أوجبنا الكفارة فوفَّى بنذره؛ فهل نسقط الكفارة؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي، وغلَّط أبو المعالي وغيرُه من قال بسقوطها، وليس بغلط، بل هو الصواب قطعًا؛ فإن الكفارة إنما تجب بالحِنْث، فإن وَفَّى بنذره لم يحنث، فلا يبقى لوجوب الكفارة وجه. فإن قيل: موجب هذا العقد الكفارة. قلنا: نعم؛ غايته أنه يمين، وموجبها الكفارة عند الحنث، ولا يحنث (٣) مع البر، يوضِّحه: أنه لو حلف على ذلك بالله وبرَّ لم تلزمه الكفارة، فلو قال: والله إن فعلتُ كذا وكذا تصدَّقتُ، ثم فعله وتصدَّق لم تلزمه الكفارة. فصلٌ إذا عيَّنا نوعًا من القسيِّ تعيَّن، ولا يجوز العدول عنه إلى غيره؛ إلا باتفاقهما.

стр. 427

وإن عيَّنا قوسًا بعينها، لم تتعيَّن، ويجوز إبدالها بغيرها من نوعها. والفرق بينهما: - أن أحدهما قد يكون أحذق بالرمي بأحد النوعين دون الآخر، فلا يقوم النوع الآخر مقام النوع المعيَّن؛ بخلاف تعيين القوس من النوع الآخر (١) الواحد. - وأيضًا؛ فإن القوس المعيَّنة قد تنكسر، أو يحتاج (٢) إلى إبدالها. - وأيضًا فالحِذْق لا يختلف (٣) باختلاف عَيْنِ القوس؛ بخلاف النوع. فصلٌ فإن تناضلا على أن يرمي أحدهما بالقوس العربية والآخر بالفارسية، أو أحدهما بقوس الزيتون والآخر بقوس الجَرْخ، وكلاهما قوسُ رِجْلٍ؛ صحَّ عند القاضي والشافعي؛ كما تقدَّم (٤). وإن كان أحدهما قوس يد والآخر قوس رجل؛ لم يصحَّ. والفرق بينهما: أن في الصورة الأولى هما نوعان من (٥) جنس

стр. 428

واحد فصحَّت المسابقة مع اختلافها كاختلاف أنواع الخيل والإِبل. وفي الثانية هما جنسان مختلفان، فلا يصحُّ النضال بينهما؛ كما لا تصحُّ المسابقة بين فرس وجمل. فصلٌ وإذا أُطلق عقد النضال، ولهم عادة بنوع من القسي؛ صحَّ، وانصرف العقد بإطلاقه إليه (١)، وإن اختلفت عادتهم: فإنْ كان فيها غالبٌ، حمل العقد عل النوع الغالب، وإن استوت، فلا بدَّ من تعيين النوع؛ ليرتفع (٢) النزاع بينهم. فإن قالا: على أن نرمي بالنُّشَّاب؛ انصرف ذلك إلى القوس الفارسية، وهي قسيّ العسكر اليوم؛ لأن النشاب (٣) اسم لسهامها الخاصة. وإنَّ قالا: نرمي بالنَّبْل؛ انصرف إلى القوس العربية؛ لأنَّ سهامها هي المسماة بالنَّبل. هذا إذا لم يكن شرطٌ ولا عادةٌ مطَّردةٌ أو غالبةٌ. فصلٌ وقد نصَّ الإمام أحمد (٤) على جواز المسابقة بالقسيّ الفارسي،

стр. 429

وأباح الرمي بها. وقال أبو بكر من أصحابنا: يكره الرمي بها (١)، واحتجَّ بأن النبي ﷺ رأى مع رجلٍ قوسًا فارسيّة، فقال: "ألقها فإنها ملعونة، ولكن عليكم بالقسي العربية، وبرماح القنا، فبها (٢) يؤيِّد الله الدين، ويمكِّن الله لكم في الأرض". والصواب المقطوع به أنه لا يُكْرَه الرمي بها، ولا النضال عليها، وقد انعقد إجماع الأمة على إباحة الرمي بها وحملها، وهي التي يقع بها الجهاد في هذه الأعصار، وبها يُكْسَر العدو، وبها يُعَزُّ الإسلام، ويُرْعب المشركون. والمقصود: نصرة الدين، وكسر أعدائه، لا عين القوس وجنسها، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، والرمي بهذه القسي من القوَّة المعدَّة، وقد قال النبي ﷺ : "ارموا، واركبوا، وأن ترموا أحبُّ إليَّ من أن تركبوا" (٣). ولم يخصَّ نوعًا من نوع، وليس هذا الخطاب مختصًّا بالصَّحابة، بل هو لهم وللأمة إلى يوم القيامة، فهو أمر لكل طائفة بما اعتادوه من الرمي والقسي. والأحاديث التي تقدَّمت في فضل الرمي وتبليغ العدو بالسهام (٤)

стр. 430

عامَّة في كل نوع، فلا يُدَّعى فيها التخصيص بغير موجب. وأما النهي عنها: فإن صحَّ نقله (١)؛ فذاك في وقت مخصوص، وهو حين كانت العرب هم عسكر الإِسلام، وقسيهم العربية، وكلامهم بالعربية، وأدواتهم عربية (٢)، وفروسيتهم عربية، وكان الرمي بغير قسِّيهم والكلام بغير لسانهم حينئذ تشبُّهًا بالكفار من العَجَم وغيرهم. فأما في هذه الأزمان؛ فقسي عساكر (٣) الإسلام الفارسية أو التركية، وكلامهم وأدواتهم وفروسيتهم بغير (٤) العربية، فلو كُرِه لهم ذلك (٥) ومُنِعوا منه؛ فسدت الدنيا والدين، وتعطَّل سوق الجهاد، واستولى الكفار على المسلمين، وهذا من أبطل الباطل. فإن صحَّ الخبر (٦)، فالنبيُّ ﷺ لعنها وأمر بإلقائها حين لم يكن العَجَم والتُّرْك قد أسلموا، فهي كانت شعارًا للكفار والمشركين، أو منع الرجل من حملها لعدم معرفته بها، وتكلفه الرمي بها، والخروج عن عادته وعادة (٧) أهل الإسلام حينئذ، ولهذا قال: "وعليكُم

стр. 431

برماح القنا"، فلو قاتلنا أمة لا تنفع معهم الرماح، بل السهام والسيوف (١) لم تستعمل الرماح حينئذ، واستعمل معهم ما يخافون شوكته من السلاح. ومن هذا لو حاصرنا حصنًا، فقوس الجرخ فيه أنفع من قوس اليد؛ لكان الرمي بقوس الجرخ أولى من الرمي بقوس اليد، بل (٢) كان يتعيَّن، فإن كان الرمي بالمنجنيق أدعى إلى فتحه؛ كان أولى من النشاب وحده. والكافر عدوٌّ، والمقصود قتله كيفما أمكن، كقتل الحية والكلب العقور. فكل طائفة من المسلمين الأفضل في حقِّها أن تقاتل بما اعتادته من القسي والآلات وأنواع الحرب والقتال. ولو كانت عساكر الإسلام (٣) اليوم تقاتل بين يدي رسول الله ﷺ بهذه القسي الفارسية، ويُنْصَر الله ورسوله بها (٤)؛ لمدحها وأثنى عليها، ولم ينههم عنها. وبالله التوفيق.

стр. 432

فصلٌ فيما يُعْرَف به (١) السَّبق في الخيل والإِبل الاعتبار في ابتداء الميدان بالأقدام، لا برأس ولا كتف، فيتعيَّن تساوي أقدام المركوبين. وأما في انتهائه؛ فاختلف الفقهاء في ذلك. وللشافعي ثلاثة أقوال (٢): أحدها: أنه بالأعناق. والثاني: أنه بالأقدام. والثالث: أنه بالأعناق في الخيل، وبالأخفاف في الإِبل. هذه طريقة الخراسانيين من أصحابه. وقال العراقيون: "إن تفاوتت الأعناق؛ فلا عبرة بها، وإن تساوت فهي محلُّ الأقوال الثلاثة". وقال أبو المعالي: "إن تفاوتت الخيل في مَدِّ أعناقها حال الجري؛ وجب النظر إلى الطول والقصر (٣)، وإن كان أحد الفرسين

стр. 433

يمدُّ عنقه والآخر يرفعه؛ ففيه الأقوال الثلاثة، وإن استويا في مدِّ العُنُق؛ فإن اعتبرنا القدم لم ينظر إلى الأعناق، وإن اعتبرنا العنق (١) اتَّجه اشتراط (٢) تساوي الأعناق". ولا يخفى ما في هذه الطريقة من الضعف وعدم شهادة نصوص الشافعي لها بالاعتبار. وأما أصحاب أحمد؛ فلهم ثلاثة طرق (٣): أحدها: أن السبق فيها بالكَتِف. وهذه طريقة أبي البركات ابن تيمية وغيره. والثانية: أن السبق في الإِبل بالكَتِف، وأما الخيل؛ فإن تساوت أعناقها فبالرأس، وإن تفاوتت فبالكتف. وهذه طريقة الشيخ أبي محمد وغيره. والثالثة: أن السبق في الجميع بالأقدام. وهذه اختيار شيخنا أبي العباس ابن تيمية، وهي التي اختارها أبو عبد الله بن حمدان في "رعايته"، وهي الصحيحة المقطوع بها؛ اعتبارًا بأول الميدان، واعتبارًا بمسابقة بني آدم على الأقدام، ولأن أحد الفرسين قد يكون أمدَّ جسمًا من الأخرى فما للسبق والكتف

стр. 434

والرأس، وإنما جريها وعملها على أقدامها (١)؟! فكيف يُحكم لمن سبقت يداها وتقدمت بالتأخُّر إذا تقدمت عليها كتف الأخرى أو رأسها؟ وهل هذا إلا جعل المسبوق سابقًا والسابق مسبوقًا؟! ومن المعلوم أن أحَدَ الفرسين أو البعيرين إذا تقدَّم قدَمُه على الآخر؛ كان سابقًا له بنفس آلة السباق، فلا مدخل في ذلك لرأس ولا كَتِف. ولعلَّ قول الثوري: "إنَّ السبق في ذلك كله بالأذن" أمثل من اعتبار الرأس والكَتِف، وهو الذي جاء مصرَّحًا به في حديث عليًّ بن أبي طالب ﵁ وقد تقدَّم (٢)، بخلاف الرأس والكتف؛ فإنه لم يُحفظ فيه أثرٌ عن رسول الله ﷺ ، ولا عن أصحابه، والظاهر أن عادتهم كانت اعتبار السبق بالأقدام؛ كمسابقة بني آدم، ولا يُعْقل اسم السَّبْق إلا بذلك، فلا يحتاج فيه إلى نقل صريح؛ لعدم التباسه واطَّراد العادة به، والله تعالى أعلم.

стр. 435

فصلٌ في (١) ذكر أنواع السلاح ومنافعه والتفضيل بين أنواعه فصلٌ: في أنواع القسيّ وهي في الأصل نوعان: قوس يد، وقوس رِجْل. وقوس اليد ثلاثة أصناف: عربية، وفارسية، وتركية. والعربية نوعان: - فمنها الحجازية يصنعونها من عود (٢) النبع، أو الشَّوْحَط (٣)، وهي قضيب أو قضيبان، ويسمونها شريحية، والتي من عود (٤) واحد عندهم أجود، قال شاعر القوم في ذلك (٥): ارْمِ عَلَيْها وهِي فَرعٌ أَجْمَعُ … وهِيَ ثلاثُ أَذْرُعٍ وإصْبَعُ وهذه قسي أهل البدو منهم. وأما أهل الحضر: فيعقبون ظهورها، ويكسون بطونها قرون

стр. 436

المَعْز، ولا تكاد هذه القسيٌّ تُرى إلا بأرض الحجاز، ولا يُنْتَفع بها في غيرها من الأماكن، وليست لها سِيات ولا مقابض. - والنوع الثاني منها: الواسطية، وهي مصنوعة من أربعة أشياء: الخشب والعقب والقرن والغراء، ولها سِيَتَان ومقبض، وسميت واسطية لتوسُّطها بين (١) القسي الحجازية والفارسية، وليست نسبة إلى واسط؛ فإنها كانت موجودة قبل بناء واسط، وتسميها العرب المنفصلة (٢)؛ لانفصال أجزائها قبل التركيب، وهي أحد القسي عندهم. وتحت هذين النوعين أصناف كثيرة تجاوز العشرة. فصلٌ وأما القوس الفارسية: فهي قسيّ العساكر الإسلامية في هذا الزمان في الشام ومصر، وما يضاف إليهما. وأما القسي التركية: فهي مثل قسي الفرس؛ غير أنها أغلظ منها، وكثير منها - بل أكثرها - لها قفل ومفتاح، وتسمى الأنثى والذكر، ويجعلون لها ركابًا في طرف مجراها، فإذا أراد أحدهم أن يوترها، أدخل رجله في ركابها، فأوترها.

стр. 437

فصلٌ وأما القوس المنعوتة بقوس الرجل (١)؛ فنوعان: أحدهما: هذه التركية. والثاني: قوس الجرخ، وهي قوسٌ لها جوزةٌ ومفتاحٌ، وأهل المغرب يعتنون بها كثيرًا، ويفضِّلونها. وأصحاب قوس اليد يذمونها، فيقولون: لا ينبغي لعاقل أن يرمي بها، ولا أن (٢) يعتمد عليها، ويذكرون ما فيها من الغرر والعيوب والتكلُّف والإبطال وشدَّة المؤنة بالحمل (٣)، وأنها تخون وقت الكفاح، ولا يتمكَّن المحارب بها من أكثر من سهم واحد، ثم يخالطه عدوُّه. قالوا: فصاحبها ضعيف النكاية، لا يملك إلا سهمًا واحدًا، ثم هو أسير مملوك، وصاحبها لا يمكنه حمل الترس مع القوس، ولا الدرقة، وإنما يرمي من خلف جدار السور، وخلف حجر يكون مستورًا به، فإنْ رمى في براح من الأرض؛ فلا بُدَّ له من رجُلَيْن مُتَرَّسين يمسكان عليه حتى يرمي، وأين مَن يرمي مِن شقٍّ في جدار السور إلى من يبرز في البراح والفضاء يرمي نظره، وذلك لا يرمي إلا قطعة يسيرة أمامه؟!

стр. 438

وأربابها يفضلونها ويذكرون فوائدها، ونكايتها في الحصون والمعاقل، وتأثيرها؛ ما لا يؤثره قوس اليد. و فصل النزاع بين الطائفتين: أن قوس اليد أنفع في وقت مصافَّة الجيوش، وملاقاة العدو في الصحراء، وأما قوس الرجل، فأنفع وقت حصار القلاع والحصون، وأنكى من قوس اليد، وقد يكون الرمي بها من داخل الحصون أيضًا إلى العدو الخارج أنفع، وأنكى فيهم (١)، فلهذه موضع ولهذه موضع. وقوس اليد أعمُّ نفعًا، وعلى الرمي بها أكثر الأمم، وأهلها هم الرماة على الحقيقة. فصلٌ في أنفع (٢) القِسِيّ وأولاها بالاستعمال أولاها وأنفعها ما كثرت (٣) نكايته، وقلَّت آفته، وخفَّ حمله (٤)، وقَوِيَ فعله، فتلك القوس المحمودة لصاحبها، الدافعة الأذى عن حاملها. وهذا عامٌّ في جميع السلاح، فأنفعه وأفضله (٥) ما خفَّ

стр. 439

حمله على الأعضاء، ودفع عنها الأذى. وسأل عمر بن الخطاب عمرو بن مَعْدِ يكرِب يومًا عن السلاح؟ فقال: يسأل أمير المؤمنين عمَّا بدا له. قال: ما تقول في الرمح؟ فقال: أخوك، وربما خانك فانكسر أو (١) انقصف، قال: فما تقول في التُّرْس؟ فقال: هو المحزُّ، وعليه تدور الدوائر، قال: فالنَّبْل؟ فقال: منايا تخطئ وتصيب، قال: فالدرع؟ قال: متعبة للراجل مشغلة للراكب وإنها لحصن حصين، قال: فالسيف؟ قال: هناك ثكلتك أمك، فضربه عمر ﵁ (٢) بالدِّرَّة؛ قال: بل أُمك لا أُمّ لك (٣). فصلٌ وخير قسي اليد وأنفعها ما تركبت من الخشب والعقب والقرن والغراء، وفي ذلك حكمة بليغة، وصنعة شريفة رفيعة؛ وذلك (٤) أنها منشأة على نشأة الإنسان؛ فإن قوامه وبناءه على أربع: على العظم واللحم والعروق والدم، فكذا أنشئت القوس على هذه الأربع:. - فالخشب لها بمنزلة العظم من الإنسان. - والقَرْن بمنزلة اللحم المسبَّك على جميع أعضائها.

стр. 440

- والعَقِب بمنزلة العروق المشتبكة على جميع أعضاء الحيوان. - والغراء فيها بمنزلة الدم الذي به يلتئم جميعها. ولمَّا كان للإِنسان ظَهْر وبطن؛ جعلوا لها ظهرًا وبطنًا (١)، وكذلك تراها (٢) تنطوي من نحو بطنها كما ينطوي الإنسان، وإن كسر ظهرها انكسرت من ساعتها، وكذلك الإنسان. وقد ذكر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في "تاريخه" (٣) أن جبريل نزل بالقوس على آدم، فهو أول من رمى بها. وثبت في "الصحيح" (٤) أن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن كان راميًا. ورمى النبي ﷺ يوم أحدٍ حتى اندقَّت سِية قوسه (٥). وقد ذُكر عنه ﷺ أنه كانت عنده ثلاث قسي (٦): قوس معقبة تُدْعَى

стр. 441

الروحاء، وقوس شَوْحط تدعى البيضاء، وقوس نَبْع تدعى الصفراء. ولا ريب أن القسيّ العربية أنفع للعرب، والفارسية أنفع (١) للعسكر اليوم، وكلاهما يَفْضُل القسي التركية؛ لما فيها من القوة والشدة والسرعة والرطوبة وخفَّة الحمل (٢) وقوة الفعل، ولم تكن الترك تعتاد هذه القسي الفارسية، ولكن لما خالطت الفرس وعاشرتهم، تعلموا منهم كثيرًا من زِيِّهِم ولِبَاسِهم وحَرْبِهم ولِسَانِهم وآلاتهم. فصلٌ في المفاخرة بين قوس الْيَد وقوس الرِّجِل قال قوس الرِّجْل لقوس اليد: أنا أشدَّ منك بأسًا، وأعظم أركانًا، وأقوى وَتَرًا، وأغلظ سهمًا ونَصْلًا (٣)، وأبْعَدُ مرمى، وأشدُّ نفوذًا، أنا (٤) أنفذُ في الصَّخر الأصمّ، وأخرِقُ ما ينكسر فيه لك من نصل وسهم، تفرُّ الجيوش من وقع سهمٍ واحدٍ من سهامي، وأهزِمُها يمينًا وشمالًا، وأنا محجوبٌ وراء الرامي، زمجرتي كزمجرة الرُّعُود، ومنظري الكريه (٥) كمنْظَر الأُسُوْد، لا يُخاف على ظهري الانكسار،

стр. 442

ولا على وَتَرِي الانقطاعِ، ولا تَرُدُّ سهامي عواصف الرياح، ولا يحجبها درعٌ ولا مِغْفَر ولا سَابِغة، ولا يقوم لها شيءٌ من السِّلاح، فسَلْ عني الحُصُون والقِلاع: هل يقوم غيري مقامي في المكافحة عنها والدِّفاع؟ ثم سَلْ جيوشها عن مقدمي تلك الصفوف، وعمَّن يشيرون إليه في تلك الرُّجُوف؟ فهل لراميك قوَّة تَحَمُّلي (١)؟ أم لك قدرة على دفع سهمي ونصلي؟ من الذي خالطه (٢) سهمي فلم يغادره صريعًا؟ أم من الذي حلَّ بساحته فما سَلَبَه ثوب الحياة سَلْبًا سريعًا؟ (٣) فمن الذي يقوم مقامي لبأسي الشديد؟ أم أيُّ قوسٍ سِوَايَ ترمي بسهام الحَدِيد؟ هذا؛ وإن السَّهم من سِهامي ليوزن بالقوس من سِواي، وإذا أحاط العدو بالحصون خانهم (٤) جميع أنواع السلاح إلا إياي، فأنا والمنجنيق رَضِيْعَا لبان، وإن التقيت بالواحد من الناس وهو يحتاج إلى كثرة الأعوان، ومن حاربني فما له بحربي يَدَان، ومن نازع قوتي، فقد جاهر بمخالفة العيان. فصلٌ قال قوس اليد (٥):

стр. 443

عجبًا لك أيها البغيض (١) الثقيل ومزاحمة اللِّطاف الرِّشاق والجري معها، ولست هناك في ميدان السباق، وقل لي: متى استصحبك في الحروب العساكرُ؟ متى استصحبك في الصيد صائدٌ، أو في طريق سفره المسافر؟ أما تستحي من ثقل حَمْلِك على الأعضاء؟ ومن تخلُّفك عن جيوش الإسلام يوم اللقاء؟ فإذا وقعت العَيْنُ في العَيْنِ، كُنْتَ عن اللقاء بمَعْزَل، وإذا نَزَلت أمراء جيوش السلاح منازلها، فمنزلتك (٢) منها أبْعَد منزل، لا تقاتل إلا من وراء جِدَارٍ أو سُوْر، ومتى برزت إلى العدو في براح من الأرض، فأنت لا شك مغلوب ومأسور، هذا وإن قدَّر الله تعالى وأعان وبرَزْت إلى العدو مع الأعوان، فلك سهمٌ واحد تبطر (٣) به وقد لا تصيب، وأنا أرمي عليك عدَّة من السهام، وإن كان منها المخطئ والمصيب، أنا أعين صاحبي على رميه قائمًا وقاعدًا ولابِثًا وسائرًا، وراكبًا ونازلًا، ولو أراد صاحبك منك ذلك، لكنت بينه وبين قصده حائلًا، ويكفيك قُبْحًا أن شكلك كالصَّليب، ولهذا حمل من حمل من العلماء لعن النبي ﷺ لك على ذلك، كطائفة منهم: عبد الملك (٤) بن حبيب. ويكفيك ذمًّا أن المستخرج لك عدو إبراهيم الخليل، بل عدو الرحمن، وهو نُمْرُوْد بن كَنْعَان؛ كما ذكر ذلك مؤرخ الإِسلام

стр. 444

محمد بن جرير (١) الطبري في "تاريخه الكبير" عن ابن عباس: "أنَّ أول من رمى بقوس الرجل: النُّمرودُ بن كنعان، استخرجها حين رَجَم بها السماء؛ لأنه لما صحَّ عنده أنَّ الله في السماء صنع تابوتًا، وربَّى نَسْرَين عظيمين في الخلقة، وجعل التابوت على ظهرهما، وكان التابوت له (٢) ثلاث طبقات، فلما غابت الدنيا عن بصره؛ أمر بالقوس، وكانت قوسًا عظيمًا، يجذبها بحركة (٣) كاللولب لقوتها، فجعل السهم فيها، ورمى بها نحو السماء، فغاب السهم عن بصره ساعة، ثم رجع إليه مدمَّى؛ لِما أراد الله من خذلانه وتماديه على الكفر وعذابه بما سبق في علمه، فقال: قد قتلتُ إله السماء. فحوَّل النسرين، وجعل التابوت نحو الأرض، حتى هبط إلى الأرض، فازداد استكبارًا وعلوًّا في الأرض حتى أهلكه الله بأضعف خلقه، وهي البعوضة". فلو لم يكن لك مثلبة غيرها، لكفى بها، وكم بين قوسٍ رَمَتْ بها الأنبياء، وقوسٍ رُمِيَتْ بها السَّماء (٤)؟!. وأنت لا يتمكَّن صاحبك من حملك مع ترس ولا دَرَقَة ولا تَرْكَاش ولا شيء من أنواع السلاح، ولا يمكن الجمع بينك وبين سُمْر العوالي وبيض الصِّفَاح، هذا؛ وقوَّة الدفع فيك بحركة وصناعة، وقوَّة الدَّفع (٥) مني بما أعين به صاحبي من

стр. 445

القوة والشجاعة، فصاحبك ضعيف النكاية (١)، قليل الحماية، تابع لغيره، مأمورٌ، محكوم عليه، وصاحبي عظيم الهيبة، كثير المنفعة، متبوعٌ أميرٌ (٢)، يُتحاكمُ إليه، غايتك أن تكون من بعض خَدَمه، ومنخرطًا في سلك أتباعه وحشمه، وبي فتحت البلاد، ودانت بالطَّاعة لربِّ العباد، وأصحابي هم الملوك والأمراء والأجناد، وأصحابك حراس القلاع، وأصحابي أرباب الأخبار العظيمة والأقطاع. فيا عجبًا لك (٣) كيف يستوي راكب أتان وراكب حِصَان؟! وكيف يستوي القوس الشريفة المؤيَّدة المنصورة التي شهد رسول الله ﷺ لجنسها بالنصر والتأييد، والقوس التي نهاية أمرها أن تكون في (٤) مثل الخدم والعبيد؟! سهامي تخرج متتابعات متواصلات متماطرات؛ سهم في إثْرِ سهم، وإصابة في إثر إصابة، فتَرى سهامي كوابِلٍ انْهَلَّ من صوب الغَمَام، وهي تَرِدُ متتابعةً، يتلو بعضُها بعضًا، تسوق النفوس إلى الحِمَام. فصاحبي مثل الأسَد في بَسَالته، مهيب حيثما (٥) توجَّهت ركائبُهُ، مخوف معظَّم حيثما استقبلت مضاربه؛ لأنَّ قُوَّتي معه، وشِدَّتي في

стр. 446

يده (١)، فحيث أراد كيد عدوِّه، تمكَّن منه، ولا يتَّقيه بشيء من السلاح، لقوته وشدَّته وسرعته؛ لأنه لا يعرف من أين يتَّقيه، ولا من أين يأتيه. وأيّ فضيلة أشرف، وأيّ مكانة (٢) أعلى، وأيّ حرمة أشد من رجل من المسلمين قد أحكم صناعة الرمي بي، فركب جواده، وسدَّد سهامه، وقام إلى الصُّفوف عيانًا، فأثخنهم بالجراح والحتوف، من قابله (٣) قتله، ومَنْ اتَّبعه صرعه، لا ينجي الفارَّ منه فِرارُه، ولا ينفع الشجاعَ البطل منه (٤) إقبالُه وإدبارُه. وإنما مالَ من مالَ عنِّي من أرباب قوس الرِّجلِ لأنهم وجدوها أقرب تناولًا إليهم، وأسهل مؤنةً وأخفّ عليهم، فعدلوا لذلك إليها، وعوَّلوا بعجزِهم عني عليها، وسهَّل ذلك عليهم أنهم لم يكن لهم دُربة على الخيل، فتدعوهم إلى قسيّ اليد داعية الاضطرار، وإنما كانت حروبهم في (٥) قرى محصَّنة، أو من وراء جِدَار. فاسمع الآن جملةً من عيوبك المتكاثرة، ثم اقصد إلى المساجلة والمفاخرة: - فمنها: أنَّ شكلك كواحد الصُّلبان، وثقلك كنصف حجر

стр. 447

الطحَّان، وبين السهمين من سهامك برهةٌ من الزمان، لا تبرز لعدوَّك في الفضاء، ولا تلقاه بالعراء. - ومنها: أنَّ الماءَ إذا أصابك بمطرٍ أو غيره، وابتلَّ به وَتَرُك؛ لم يُمَكَّن صاحبُك من الرَّمي بك ألْبتَّة، بل تصير كالقطعة من الخشبة اليابسة. - وأيضًا، فقوس الرِّجْل قوَّته في أوَّل أمره، ثم يضعف عن الأوَّل الثاني، والثالثُ عن الثاني، والرابعُ عن الثالث، وهلمَّ جَرًّا، حتى تَفْنَى (١) قوَّتُه وصلابتُه، ويتحلل ثبوته إلى أن (٢) يصير الوتر عمالًا على المَجْرَى، فإن رُمي به، لم يوصل إلى شيء، وربما قتل الرامي به، وإنْ حلّه وفتل الوتر كما يفعل بعضهم؛ اعتراه في الثاني ما اعتراه في الأوَّل، فلا تزال القوس في ضعف وخَوَر، فإن فتل الوتر ثانية، ضَعَفت (٣) جدًّا، وربما بطلت قوتها، وربما انكسرت، فتدعوه الضَّرورة إلى قوس غيرها، أو يجلس خاسرًا، فكم بين من يرمي نهاره كلَّه بقوس اليد لا يتغيَّر لها سهم، ولا تَنْحلُّ لها قوَّة، ويكون آخر سهم كأوَّل سهم، وبين مَنْ يرمي بقوسٍ إنما سلطانها في أوّل سهم، ثم هي أمير في الثاني، ثم تَفْتَتُّ (٤) في الثالث، ثم تتردَّى في الرابع، ثم هي في الخامس بمنزلة الرجل الضعيف؟!

стр. 448

- ويكفي من عيوبك أن الوتر منك ربما كان على وجه المجرى، فرجع السهم إلى وجه الرامي، فيقتله، وربما كان فُوقُ (١) السهم فيه ضيِّق عن الوتر، فينبذ به القوس إلى ناحية أخرى غير المرمى، فيقتل مَن كان قريبًا منه، وربما كانت الجَوْزَة عالية جدًّا، فينبذ الوترُ السهم إلى ناحية أخرى، أو إلى وجه الرامي فيقتله، ولقد شوهد بعض رماة هذا القوس وقد مال قوسُه، وألقى فيها سهمه، وهو يريد أن يضرب سَبُعًا ضَارِيًا كان يؤذي الناس، فلما فوَّق نحو السبع رجع السهم إلى وجهه، فضربه ضربة في عينه، فاحتبس فيها، وكان إخراجه من عينه بعد الجهد الشديد (٢)، والمشقة العظيمة، وقد سالت على وجنته، فآلى الرجل على نفسه أن لا يرمي بهذه القوس أبَدًا. وأما ما يسمع لك من القَعْقَعَة والجَعْجَعَة، فهي التي غرَّت جهَّال الناس بمنافع قوس الرِّجل ومصالحها؛ فإنهم إذا سمعوا صوتَ تلك القعاقع، وشاهدوا هول تلك الجعاجع؛ ظنَّوها لقوَّتك وشدة بأسك، أو لقوَّة الرامي بك، ولسان الحال يقول: أسْمَعُ جَعْجَعَةً ولا أرى طِحنًا، وأشاهد قَعْقَعْةً ولا أرى فِعْلًا (٣). هذا وجميع قوَّتك وشدَّتها إنما تذهب في المجرى بمحل (٤) الوتر له إذ الوتر ليس مواريًا لموضع القضيب، إنما الوتر على وجه المَجْرَى

стр. 449

والقضيب في نصفها، فزالت قوة القوس من السهم، وحصلت جميع القوة في المجرى، وقد حدَّدَ حذَّاق هذا الرمي ما يصل من القوَّة إلى السهم، فوجدوا ربع القوَّة، فما ظنُّك بربع القوة مع الخَطَر والغَرَر؟! ويكفي في (١) التفضيل أن أول من رمى بك نُمْرُوْد بن كَنْعَان؛ كما تقدَّم، وأوَّل من رمى بي آدم أبو البشر؛ كما حكاه محمد بن جرير الطَّبري في "تاريخه" (٢): إنَّ الله سبحانه لما أمر آدم بالزراعة حين أُهبط إلى الأرض (٣) من الجنة فزرع؛ أرسل الله تعالى إليه طائرين يأكلان ما زرع، ويخرجان ما بذر، فشكا ذلك إلى الله تعالى، فأهبط (٤) عليه جبريل وبيده قوس ووتر وسهمان، فقال: يا جبريل! ما هذا - وأعطاه القوس -؟ قال: هذه قوة من (٥) الله تعالى. وأعطاه الوتر، وقال: هذه شدَّة من (٦) الله، ثم أعطاه السَّهْمَيْن، فقال: يا جبريل: ما هذه؟ فقال: هذه نكاية الله تعالى، وعلَّمه الرمي بها، فرمى بهما الطائرين، فقتلهما وسُرَّ بذلك. ثم صار عِلْم الرمي إلى إبراهيم الخليل، ثم إلى ولده إسماعيل، وقد ثبت في "الصحيح" (٧) عن النبي ﷺ أنه قال لنفر من أَسْلَم: "ارموا

стр. 450

بني إسماعيل؛ فإنَّ أباكم كان راميًا"، وقد تقدَّم أن النبي ﷺ رمى يوم أحد عن قوسه حتَّى اندقَّت سيتها (١)، ورمى بي خيارُ الخلْق بعد الرُّسل، وهم أصحاب رسول الله ﷺ . وأنت قد عرفت أصْلَك وفَصْلَك ومن رَمَى بك، وعُدَّة أيّ قومٍ أنت؛ فإن مُعَوَّلَ طائفة الإفرنج (٢) عليك، وهم قومٌ لا قَدَم لهم في الفروسية، وإنما غالب حربهم بالصِّناعات والآلات؛ كما أنَّ غالبَ حرب كثير من التوك بالكيد والخديعة والمكر (٣)، وبذلك استولوا على كثير من البلاد، ودوَّخوا به العباد *. فصلٌ والفروسية أربعة أنواع: أحدها: ركوب الخيل، والكرّ والفرّ بها. الثاني: الرمي بالقوس. الثالث: المطاعَنة بالرِّماح. الرابع: المُدَاوَرَة بالسيف. فمن استكملها؛ استكمل الفروسية. ولم تجتمع هذه الأربعة على الكمال إلا لغُزَاة (٤) الإسلام، وفوارس

стр. 451

الدِّين، وهم الصحابة ﵃، وانضاف إلى فروسيَّتهم الخيليَّة فروسيَّة الإيمان واليقين، والتنافس في الشَّهادة، وبَذْل نفوسهم في محبَّة الله تعالى ومرضاته، فلم يَقُمْ لهم أُمَّة من الأمم أَلبتَّة، ولا حاربوا أُمَّة قط (١)؛ إلا وقهروها، وأذلُّوها، وأخذوا بنواصيها (٢)، فلمَّا ضعفت هذه الأسباب فيمن بَعْدَهم، لتفرُّقها فيهم، وعدم اجتماعها؛ دخل عليهم من الوهن والضَّعف بحسب ما عَدِمُوه من هذه الأسباب، والله المستعان. فصلٌ في عدد أصول الرمي، وفروعه، وما يُحتاج إلى تعلُّمه (٣) فالذي اجتمعت عليه الرماة من الأمم أن أصول الرمي خمسة؛ جمعها بعضهم في قوله: الرَّمْيُ أَفْضَلُ ما أوْصَى الرَّسُولُ بِهِ … وأشْجَعُ النَّاسِ مَنْ بِالرَّمْيِ يفْتخِرُ أرْكَانُهُ خمْسَةٌ القَبْضُ أَوَّلُها … والعَقْدُ والمَدُّ والإطْلاقُ والنَّظَرُ وجعلها بعضهم في أربعة، وجمعها في قوله:

стр. 452

يا سائِلِي عَنْ أُصولِ الرَّمْيِ أَرْبَعَةٌ … العَقْدُ والقَبْضُ والإِطْلاقُ والنَّظَرُ ولم يعدَّ منها المدَّ، فاستُدْرِك عليه المدُّ (١)؛ فإنه من الأركان. وقال آخرون: أصولُه (٢) أرْبعة، وفروعه تسعة، وكماله خصلتان، فالمجموع خمسة عشر خصلة، من استكمل عِلْمَها وعَمَلَها (٣) استكمل عِلْم الرمي. ونحن نبيِّنُها. فالأصل الأول: القبض على القوس (٤). والثاني: العقد. والثالث: النظر. والرابع: الإطلاق. وأما الفروع: الأول (٥): المدُّ على استواءٍ وتَرَفُّقٍ.

стр. 453

والثاني: معرفة مقدار قوسه ليكون على بصيرة من الرمي به (١). والثالث: معرفة مقدار الوتر (٢) فيه. والرابع: معرفة مقدار فُوْقَ السهم، وهو: الغرض الذي يجعل فيه الوَتَر. والخامس: معرفة مقدار السهم. والسادس: معرفة قدر قوته هو (٣) في نفسه. والسابع: هَيْئَات الجلوس والوقوف. والثامن: قَصْد الإصابة لا البُعْد. والتاسع: النِّكَاية. أما الخصلتان اللتان بهما تمامه، وهما ملاك أمره: فالصَّبر، والتُّقَى. وهذا كلام حسن جدًّا. وقالت طائفة: أركان الرمي أربعة: السرعة، وشدة الرمي، والإصابة، والاحتراز، فالرامي على الحقيقة: مَن كَمُلت فيه هذه الأربعة، وكل واحدة منها محتاجة إلى أخواتها، كما يحتاج الرمي إلى أربعة: القوس، والوتر، والسَّهم، والرامي. فلو كان سهم الرجل مصيبًا ولم يكن مُنْكِيًا؛ لم يؤثر.

стр. 454

ولو كان سهمه منكيًا، ولم يكن مصيبًا؛ لم ينفع. ولو كان مصيبًا منكيًا، ولم يحسن التحرُّز من عدوه؛ فإنه يوشك أن يقتُلَه عدوه قبل رميه إيَّاه؛ لعدم معرفته بالتحرُّز منه. ولو اجتمعت فيه الثلاثة: الإصابة، والنكاية (١)، والتَّحرُّز، ولم يكن سريع الرمي؛ نقص ذلك من بسالته وشجاعته، وقلَّ انتفاعُه برميه، ورُبَّمَا فاته مطلَبُه، وهرب خصمه منه؛ لبطء رمْيِه له. فمن لم يستكمل هذه الخصال، فليس برام عندهم. فصلٌ (٢) والذي يحتاج المتعلِّم إليه اثنا عشر شيئًا: ثلاثة شِدَاد، وثلاثة ليِّنة، وثلاثة ساكنة، وثلاثة مستوية. فأما الثلاثة الشداد: فالقبض بالشمال، والعَقْد باليمين، والمدُّ بالذِّراع والسَّاعد. وأما الثلاثة الليِّنة: فالسبَّابة من اليد اليمنى، والسبابة من اليد اليسرى، ولين السهم في حال الجذب (٣) الجَيِّد. وأما الثلاثة الساكنة: فالرأس، والعنق، والقلب. وأما الثلاثة المستوية: فالمرفق، والنضْل، والفُوْق.

стр. 455

ومِلاك ذلك كله بأمرين: معرفة مقدار القوس من القوة، ومعرفة مقدار السهم من (١) الخفة والثقل، وينبغي أن لا يأخذ قوسًا فوق مقداره؛ فإنه يظهر عيبه وعجزه، ويؤذي نفسه، ويفسِد رميه، ويُطْمِع فيه عَدُوه، فيجلب إلى نفسه من الأذى ما لا يناله منه عدوه (٢). فصلٌ في آداب (٣) الرمي وما ينبغي للرامي أن يعتمده قد تقدَّم أن الملائكة لا تحضُر من اللهو شيئًا؛ إلا الرمي، فينبغي للرُّماة أن يعلموا مقدار مَن بحضرتهم - وهم الملائكة -، فينزلونهم منزلة الأضياف، والكريم يكرِم ضيفه، واللئيم يقابله بخلاف ما يليق به (٤) من الإكرام، وقد قال رسول الله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" (٥). فينبغي للعاقل (٦) بأن يَعُدَّ رُواحه إلى المَرْمَى، كرواحِهِ إلى المسجد، واجتماعه بمن هناك، كاجتماعه برؤساء الناس وأكابرهم، ومن ينبغي احترامه منهم، ولا يَعُدُّ رواحَه لَهْوًا باطلًا ولَعِبًا ضائعًا، بل هو

стр. 456

كالرّواح إلى تعلُّم العِلْم، فيذهب على وضوء، ذاكرًا الله ، عامدًا إلى روضة من رياض الجنة، وعليه السكينة والوقار، فإذا وصل إلى الموضع؛ دخل بأدبٍ، وسلَّم، ووضع سلاحَه، وحَسُنَ أن يصلي ركعتين، وليست (١) بتحيَّة البقعة، ولكنها مفتاح للنجاح والإصابة، فالأمور إذا افتتحت بالصلاة، كانت جديرة بالنُّجْح، ثم يدعو ويسأل الله التوفيق والسَّداد، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "يا علي! سَلِ الله الهُدَى والسَّداد، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسَّداد سداد السهم" (٢). ثم يُخْرِج قوسَه ويتفقَّده، ثم يتفقَّد سهامه، فيُمِرُّها على إبهامه، وينظر ما ينبغي الرَّمي به، فإذا وقع اختيارُه على رشق منه - وهو النَّدب - مسحه، وتركه، ثم يُوتِر قوسه، ويتفقد وَتَرَه، وينظر في سِيَة (٣) القوس ومَغَامِزها، فإن كانت على الاستواء، رَمَى عليها، وإن كانت على (٤) اختلاف، تجنَّبها. فإذا رمى رسيله، لم يبكِّته على خطإ، ولم يضحك عليه منه؛ فإنَّ هذا من (٥) فِعْل السُّفَّل، وقلَّ أن أفلح مَنِ اتَّصف به، ومن بَكَّتَ بُكِّتَ به، ومن ضَحِك من الناس، ضُحِك منه (٦)، ومن عيَّر أخاه بعمل، ابتُلِي به ولا بُدَّ، ولا يَحْسِدُه على إصابته، ولا يصغِّرها في قلبه،

стр. 457

ويقول: رَمْية من غير رام ونحو هذا من (١) الكلام، ولا يَحْسُن أن يُحِدَّ النظر إلى رسيله حال رميه؛ فإن ذلك يشغله، ويشوِّش عليه قلبه، وجمعيَّته، وينبغي للرُّماة أن يخرجوا هذا من بينهم فإنَّ ضرره يعود عليهم. فإذا وصلت النوبة إليه قام، فشمَّر كُمَّهُ وذَيْلَه، وسمَّى الله، وأخذ سهامه بيمينه، وقوسه بيساره، ووقف على موقفه بأدبٍ وسكينةٍ ووقارٍ وإطراقٍ ولَبَاقةٍ وخفَّةٍ واستمدادٍ ممَّن الحولُ والقوَّة بيده أن يُمِدَّه بالقوة (٢) والإصابة، ويجعل سهامَه بين رجليه، وسِيَةَ قوسِه السُّفْلَى على الأرض، والعليا عند صدره، ثم يأخذ السهم (٣)، فيديره على إبهامه، ويمسك القوس بلباقة، ويُفَوِّق عليه السهم كما ينبغي، ويعتمد على وسطها، ويمدُّ، فإذا بلغ نهايته، سَكَن قليلًا، ثم أطْلَق. فإذا خرج السَّهمُ، تأمَّل موضع وقوعِه، فإنْ مرَّ سادًّا حفظ ذلك الوضع والهيئة، ورعاهما كلما رمى، وإن خرج إلى يمين الغرض أو يساره أو أعلاه أو أسفله، نظر في علَّة ذلك، ومن أي شيء حدث، هل هو من قِبَل القوس، أو الوتر، أو السهم، أو الريح، أو من قبل الرامي نفسه، إما مِنْ قبضه، أو عقده، أو إطلاقه، أو نظره؟ فإذا وقع على علَّة الخطإ تجنَّبها، وسمَّى الله تعالى عند كلِّ رمية، فإن أصاب، حَمِدَ الله تعالى، وأثنى عليه، وقال: هذا من فضْلِ ربي، وإن

стр. 458

أخطأ، فلا يتضجَّر، ولا يتبرَّم، ولا يَيْأس من روح الله تعالى، فخطأُ هذا الباب أحبُّ إلى الله من الإصابة في أنواع اللعب سواه. ولا يشتم قوسه، ولا سهمه، ولا نفسه (١)، ولا أستاذه؛ فإن هذا كله من الظُّلْم والعُدْوان، ولْيصابر الرمي وإن كثر خطؤه، فيوشك أن ينقلب الخطأ صوابًا، وليعلم أن الخطأ مقدمة الصواب، والإساءة مقدِّمة الإحسان. ولقد حُكِيَ عن بعض أكابر العلماء أنه تكلَّم يومًا في مسألة، فأصاب، فاستحسنه الحاضرون، وقالوا: أحسنت والله، فقال: واللهِ ما قيل لي أحسنت حتى احمرَّ وجهي من خطئي فيها كذا وكذا مرة، أو كما قال. ولا يفتُّ في عضده ما يرى من إصابة غيره، وحذقه، وعدم وصوله هو إلى تلك المرتبة؛ فإن هذا ليس بنقص، بل النَّقص كل النقص أن تتقاصر همَّته عن البلوغ إلى درجة ذلك، ولا يحدِّث نفسه بأن يصل إلى ما وصل إليه، فهذا هو الذي لا يفلح؛ فإنَّ المُعَوَّل على الهِمَم، وقد قيل: إذا أَعْجَبَتْكَ خِصالُ امْرِئٍ … فَكُنْهُ يَكُنْ مِنْكَ مَا يُعْجِبُكْ فلَيْسَ عَلى الجُودِ والمَكْرُمَاتِ … إذا جِئْتَهَا حَاجِبٌ يَحْجُبُكْ (٢)

стр. 459

وقال آخر (١): لا يُؤيِسَنَّك مِنْ مَجْدٍ تُباعِدُهُ … فإنَّ للمَجْدِ تدْرِيجًا وتَرْتِيبا إنَّ القَنَاة الَّتي شَاهَدْتَ رِفْعَتَها … تَنْمُو وتَصْعَدُ أُنْبُوبًا فأُنْبُوبًا فصلٌ في الخصال التي بها كمال الرمي رأيت للأستاذ أبي محمد عبد الرحمن بن أحمد الطَّبَرِي (٢) في ذلك كلامًا حَسَنًا أمليه (٣) بلفظه قال: "ينبغي أن يَجْعَل الرامي عينَه اليمنى من خارج القوس مع النصل على الغرض ويكون نظرُه بعينه اليمنى من فَوْق عقد السبابة اليسرى من قبضته، ويفْتُلُ خِنْصَرَهُ على جانبه الأيمن قليلًا قليلًا (٤) فَتْلًا خفيفًا فيه يصحُّ الاعتماد وتمام النظر من العين اليمنى من خارج القوس، وينبغي أن يُسْبِل كتفه اليسرى؛ ليطول شماله،

стр. 460

ويَقْصُر سهمُه، ويَحْسُنَ جَرُّه، ويستوي بطنُه عند آخر وفائه، وتكون العقدة الأخيرة من أصل إبهامه اليسرى موازية لرأس مَنْكِبه الأيسر، ويمدَّ وهو كذلك؛ لا (١) يخفض شماله ولا يُصْعِدها، وتكون المداراة لزيادة السَّهم ونقصانه بالزَّنْدِ. وأما مقدار السَّهم: فقد اختلفت أقوال الرُّمَاة فيه، والصوابُ أن مقداره ما يحسن بالرامي استيفاؤه حتى يبلغ نصلُه إلى العُقْدَة الأولى من الإِبهام، ويكون مرفقه الأيمن موازيًا لمَنْكِبه وقبضتُه في خطِّ الاستواء، ومتى طوَّل مقداره عن ذلك أو قصَّره؛ اضطرب له اعتماده. ومن سبيل الرمي أن يَغْمِز على المِقْبض بأليةِ كفه اليسرى والضرة بين العقدتين من الإبهامين غمزًا واحدًا إلى أن يستوفي سهمه، وبهذا تتمُّ صحة القبضة والسرعة. فإذا أراد أن يُفْلِت السَّهم، زاد في غمزه بالضرب من حيث لا تُنقص قوة (٢) أليةُ الكفّ على ما كان في يده، وبهذا تتمُّ صحة القبضة، والسرعة، والنِّكاية. وسبيل الفَتْلة: أن تُعقدَ على ثلاثة وستين، وأن تَعْتَمِد على إبهامك أكثر من سبابتك، ولا ترفع طرف إبهامك عن العقدة حتى تواري عقدة الوسطى من سبابتك اليمنى، ويكون موقعُ الوتر النصف من سبابتك اليمنى. فإذا أردت الإطلاق؛ فسبيله أن تُطْلِق بعد الوفاء واستقرار النصل
следующие страницы →