Полный текст (4 291 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
١٤ - بَابٌ: مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ مِنَ الإِيمَانِ
٢١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ، بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ، مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ".
١٥ - بَابٌ: تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِي الأَعْمَالِ
٢٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ»، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ. فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الحَيَا، أَوِ الحَيَاةِ - شَكَّ مَالِكٌ - فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً» قَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو: الحَيَاةِ، وَقَالَ: خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ.
(يدخل)، للدارقطني: "يدخل الله من يشاء برحمته".
(مثقال حبة): بفتح الحاء: إشارة إلى ما لا أقل منه.
(نهر الحياء) كذا في هذه الرواية بالمد، ولكريمة وغيرها بالقصر، وبه جزم الخطابي وعليه المعنى، لأن المراد كل ما تحصل به الحياة، والحيا
стр. 142
بالقصر: هو المطر، وبه تحصل حياة النبات، فهو أليق بمعنى الحياة من الحياء الممدود الذي هو بمعنى الخجل.
قلت: "في القاموس": الحيا: هو الطريد في لغة.
(الحبة): بكسر الحاء: بذور الصحراء مما ليس بقوت، وهو جمع واحدة "حبة" بالفتح، وأما القوت فهو حب، والمفرد "حبة" بالنمتح أيضًا، فافترقا في الجمع خاصة، وإنما شبه بالأول لسرعة نباته، وخرجه من الأرض بخلاف الثاني.
(عمرو الحياة): بالجر على الحكاية، أي: جزم عمرو بقوله: "في نهر الحياة"، ولم يشك كما شك مالك.
٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ
стр. 143
النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ». قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الدِّينَ».
(الثدي): بضم المثلثة وكسر الدال المهملة وتشديد الياء: جمع "ثدي" بوزن: "فلِس".
١٦ - بَابٌ: الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ
٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «دَعْهُ فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ».
بابٌ بالتنوين
(أن مالك)، للأصيلي: زادت كريمة "ابن أنس".
(مر على رجل)، في مسلم: "برجل", و"مر" بمعنى: "اجتاز" يعدي بعلى والباء.
(يعظ)، في "الأدب": "يعاتب".
(في): سببية.
(دعه) أي: اتركه على هذا الخلق السني، ثم زاده في ذلك ترغيبًا وتوكيدًا بقوله:
(فإن الحياء من الإيمان) أي: لأنه يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي، كما يمنع الإيمان، فسمي إيمانًا مجازًا من باب تسمية الشيء باسم ما قام مقامه- قاله ابن قتيبة.
وقال غيره: الحياء انقباض النفس خشية ارتكاب ما يكره.
стр. 144
(وقال) الحليمي: حقيقة الحياء: خوف الذم بنسبة الشر إليه.
١٧ - بَابٌ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]
٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ المُسْنَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ الحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ».
(بابٌ): بالتنوين.
(نا عبد الله بن محمد)، زاد ابن عساكر: "المسندي".
(أبو روح): بفتح الراء.
(الحرمي)، للأصيلي: "حرمي" وهو بفتح المهملتين: اسم بلفظ النسب، واللام تلمح.
(عن واقد بن محمد)، زاد الأصيلي -يعني ابن زيد بن عبد الله بن عمر-: فهو من رواية الأبناء عن الآباء.
قال ابن حجر: الحديث غريب عن واقد تفرد به عنه شعبه، (وهو) عزيز، عن شعبة تفرد به، عن الحرمي، وعبد الملك بن الصباح عزيز، عن الحرمي، تفرد به عنه المسندي، وإبراهيم بن محمد
стр. 145
ابن عرعرة غريب عن عبد الملك، تفرد به عنه أبو غسان مالك بن عبد الواحد شيخ مسلم، ثم هو عزيز عن النبي ﷺ تفرد به بزيادة الصلاة والزكاة ابن عمر وأبو هريرة.
(أمرت أن) أي: بأن.
(فإذا فعلوا ذلك) عبر بالفعل عما بعضه قول تغليبًا أو إرادة الأعم، إذ القول فعل اللسان.
(عصموا): منعوا، والعصمة من العصام، وهو الخيط الذي يشد به فم القربة ليمنع خروج الماء.
(وحسابهم) أي: في أمر سرائرهم.
(على الله): على بمعنى "اللام".
١٨ - بَابُ مَنْ قَالَ إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ العَمَلُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣] عَنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقَالَ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]
٢٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ».
стр. 146
(باب): بالإضافة حتمًا
(وقال عدة من أهل العلم)، منهم أنس، وحديثه في الترمذي، وابن عمر في "تفسير ابن جرير".
(سئل) السائل أبو ذر.
(قال: الجهاد)، في "مسند ابن أبي أسامة" قال: "جهاد"، وهو يوافق لقوله: "قال: إيمان، وقال: حج".
قال ابن حجر: فالتعريف في رواية الصحيح من تصرف الرواة.
قال النووي: ذكر هنا بعد الإيمان: الجهاد والحج، وفي حديث أبي ذر بدل "الحج": "العتق"، وفي الحديث السابق: "السلامة من اليد واللسان"، وفي حديث ابن مسعود: "الصلاة، ثم البر، ثم الجهاد".
قال العلماء: واختلاف الأجوبة لاختلاف الأحوال واحتياج المخاطبين وذكر ما لا يعلمه السائل وترك ما علمه.
١٩ - بَابُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلَامُ عَلَى الحَقِيقَةِ، وَكَانَ عَلَى الِاسْتِسْلَامِ أَوِ الخَوْفِ مِنَ القَتْلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] فَإِذَا كَانَ عَلَى الحَقِيقَةِ، فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ
стр. 147
اللَّهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] [وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ].
٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا وَسَعْدٌ جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: «أَوْ مُسْلِمًا» فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ: «أَوْ مُسْلِمًا». ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: «يَا سَعْدُ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ» وَرَوَاهُ يُونُسُ، وَصَالِحٌ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
(عن سعد): هو ابن أبي وقاص، صرح به الإسماعيلي وعامر ابنه.
(رهطًا): هو عدد من الرجال من ثلاثة إلى عشرة. قال القزاز: وربما جاوزوا ذلك قليلًا.
(وسعد جالس)، في الزكاة: "وأنا جالس"، فما هنا من تصرف الرواة.
(فترك رجلًا) اسمه "جعيل بن سراقة الضمري".
(ومالك عن فلان) أي: سبب لعدولك عنه.
(لأراه)، الرواية بضم الهمزة. قال النووي: والصواب الفتح -يعني العلم لقوله بعد: (ثم غلبني ما أعلم منه)، والضم بمعنى الظن.
стр. 148
قال ابن حجر: ويجوز أن يكون العلم في كلامه بمعنى الظن، فيوافق الضم.
(أو مسلمًا) بسكون الواو، قيل: للتنويع، وقيل: للتشريك، وأنه أمره أن يقولهما معًا؛ لأنه أحوط.
قال ابن حجر: ويرده رواية ابن الأعرابي في "معجمه"، فقال: "لا تقل مؤمنًا بك مسلم"، فإنها توضح أنها للإضراب وليس معناه الإنكار، بل المعنى: أن إطلاق المسلم على من لم يخبر حاله الخبرة الباطنة أولى من إطلاق المؤمن؛ لأن الإسلام معلوم بحكم الظاهر، وإلا فجعيل من خواص المؤمنين بدليل ما أخرجه الروياني في "مسنده" بسند صحيح عن أبي ذر: أن رسول الله ﷺ قال له: "كيف ترى جُعَيلًا؟ " قلت: كشكله من المهاجرين، قال: "فكيف ترى فلانا؟ " قلت: سيد من سادات الناس، قال: "فجعيل خير من ملأ الأرض من فلان"، قلت: قلت في فلان هكذا وأنت تصنع به ما تصنع، قال: "إنه رأس قومه فأنا أتألفهم به"، فعلم من هذا أن قوله أولًا: "أو مسلمًا" إرشاد له إلى التحري من العبادة لا إنكار كون المتروك مؤمنًا، ولا تعليل ترك إعطائه.
وقوله: (إني لأعطي الرجل ...) إلى آخره: هو بيان سبب ترك الإعطاء.
(وغيره أعجب إليَّ)، للكشميهني: "أحب".
(يكبه): بفتح أوله وضم الكاف، يقال: أكب الرجل أطرقه، وكبّه غيره: قلبه، فهو لازم مع الهمزة متعدّ بدونها.
стр. 149
٢٠ - بَابٌ: إِفْشَاءُ السَّلَامِ مِنَ الإِسْلَامِ
وقَالَ عَمَّارٌ: "ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ: الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ".
٢٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ».
بابٌ بالتنوين
(السلام من الإسلام)، لكريمة: "إفشاء السلام"، والمراد به: نشره سرًّا أو جهرًا.
(وقال عمار): هو ابن ياسر: وأثره هذا أخرجه أحمد في كتاب "الإيمان"، ويعقوب بن شيبة في "مسنده"، وأخرجه البزار وابن أبي
стр. 150
حاتم في "العلل"، والبغوي في "شرح السُّنَّة"، وابن الأعرابي في "معجمه"، والطبراني في "الكبير" عن عمار مرفوعًا بلفظ: "من جمعن فيه جمع الإيمان". في. "مسند يعقوب": "فقد استكمل الإيمان".
ووجه بأن مداره عليها؛ لأن العبد إذا اتصف بالاتصاف لم يترك لمولاه حقًّا واجبًا عليه إلا أده والأشياء مما نهاه عنه إلا اجتنبه، وهذا يجمع أركان الإيمان.
و (بذل السلام): يتضمن مكارم الأخلاق، والتواضع، وعدم الاحتقار، ويحصل به التآلف والتحاب.
و (الإنفاق من الإقتار): يتضمن غاية الكرم، لأنه إذا أنفق مع الضيق فمع التوسع أولى، والنفقة تشمل سائر وجوه الإنفاق واجبًا ومندوبًا، وكونه من الإقتار يستلزم الوثوق بالله والزهد في الدنيا وقصر الأمل، وغير ذلك من مهمات الآخرة.
(للعالم): بفتح اللام، أي: جميع الناس.
(من الإقتار) أي: القلة، و"من" بمعنى: "مع" أو "عند".
٢١ - بَابُ كُفْرَانِ العَشِيرِ، وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ
فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ» قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: " يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ".
стр. 151
باب كفران العشير
قال ابن العربي: مراده لبيان أن الطاعات كما تسمى إيمانًا، كذلك المعاصي تسمى كفرًا، لكن غير مراد به كفر الخروج من المِلَّة، قال: وخص كفران العشير من بين أنواع الذنوب لدقيقه، وهي قوله ﷺ :" لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها"، فقرن حق الزوج بحق الله، فإذا كفرت المرأة حقه -وقد بلغ من حقه عليها هذه الغاية- دل ذلك على تهاونها بحق الله، فلذلك أطلق عليها الكفر.
انتهى.
وقال الراغب: الكفران في جحود النعمة أكثر استعمالا، والكفر في الدين أكثر.
стр. 152
(وكفر دون كفر): هو لفظ أثر أخرجه أحمد في "الإيمان" من طريق عطاء بن أبي رباح.
(فيه أبو سعيد) أي: يدخل في هذا الباب حديث رواه أبو سعيد، ولكريمة: "فيه عن أبي سعيد"، أي: مروي عن أبي سعيد، وحديثه مذكور في "الحيض".
(العشير): الزوج بمعنى: معاشر كأكيل بمعنى: مؤاكل.
٢٢ - بَابٌ: المَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ
وَلَا يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلَّا بِالشِّرْكِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ» وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
٣٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ، عَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : «يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ».
стр. 153
٢٣ - بَابُ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] فَسَمَّاهُمُ المُؤْمِنِينَ
٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، وَيُونُسُ، عَنِ الحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ، قَالَ: ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ»، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ».
بابٌ بالتنوين
(ولا يكفر) بالتشديد، ولأبي الوقت بالتخفيف، في رواية أبي ذر: دخول حديث أبي ذر وأبي بكرة في هذا الباب، وفي رواية الأصيلي: أفرد لكل بابًا، وفي رواية المستملي: سقوط حديث أبي بكرة.
(أيوب): هو السختياني.
(ويونس): هو ابن عبيدة.
(عن الحسن): هو البصري.
(انصر هذا الرجل)، زاد مسلم: "يعني عليًّا".
(عن واصل)، زاد الأصيلي: " الأحدب".
(المعرور): بمهملات: ابن شريك.
(بالربذة): بفتح الراء والموحدة والمعجمة: موضع بالبادية على ثلاثة أميال من المدينة.
(وعليه حلة وعلى غلامه حلة)، عند الإسماعيلي: "فإذا حلة عليه
стр. 154
منها ثوب وعلى عبده منها ثوب"، وهو يوافق ما في اللغة: أن الحلة ثوبان من جنس واحد، ويؤيده ما في "الأدب": "رأيت عليه بردًا وعلى غلامه بردًا، فقلت: لو أخذت هذا فلبسته كانت حلة"، ونحوه لمسلم وأبي داود.
(ساببت)، للإسماعيلي: "شاتمت رجلًا" هو بلال المؤذن.
(فعيرته) أي: نسبته إلى العار.
(بأمه) في رواية: "قلت له: يا ابن السوداء"، والجملة تفسير "لساببت"، أو معطوفة، وتعدية "عير" بالياء لغة أنكرها ابن قتيبة.
(أعيرته بأمه؟)، زاد مسلم: "فقلت: من سب الرجال سبوا أباه وأمه".
(فيك جاهلية) أي: خصلة من خصالها، زاد في "الأدب":
"قلت: على ساعتي هذه من كبر السن؟، قال: نعم".
(إخوانكم) بالرفع، أي: هم، وصرح بها في كتاب "حُسن الخلق"، ويجوز النصب. قال أبو البقاء: وهو أجود.
стр. 155
(خولكم): بفتح المعجمة والواو: حشم الرجل وأتباعه، الواحد: "خائل".
٢٤ - بَابٌ: ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ
٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، ح قَالَ: وحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو مُحَمَّدٍ العَسْكَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ [الأنعام: ٨٢] إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
(بابٌ): بالتنوين.
(ظلم دون ظلم): هذا لفظ حديث أخرجه (أحمد) في "الإيمان" عن عطاء مرسلًا.
(أبو الوليد): هو الطيالسي.
(بشر): ابن خالد العسكري.
(محمد): هو غندر.
(فأنزل الله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾)، زاد أبو نعيم في "مستخرجه": "فطابت أنفسنا"، وما اقتضاه هذا الحديث من كون هذا السؤال سببًا لنزول الآية يخالفه ما أخرجه الشيخان أنه قال: "ليس بذلك ألا تسمعون إلى قول لقمان"، فظاهره: أن هذه الآية كانت معلومة عندهم،
стр. 156
ولذلك نبههم عليها، فالظاهر: أن الراوي وَهِم من قوله: "فتلى" إلى قوله: "فنزل"، وتخصيص الظلم في الآية بالشرك تفسير للمراد من استعمال اللفظ المشترك في بعض أفراده.
فإن قلت: ليس الإيمان إن خلطه بالشرك لا يتصور، قلت: المراد لم يؤمنوا ظاهرًا ويشركوا باطنًا، أي: لم ينافقوا، ولهذا عقبه بباب علامات المنافق وهو من بديع ترتيبه.
٢٥ - بَابُ عَلَامَةِ المُنَافِقِ
٣٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ".
٣٤ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ " تَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ.
стр. 157
(أبو الربيع): الزهراني.
(آية المنافق ثلاث)، أفرد الآية لإرادة الجنس، وفي "صحيح أبي عوانة": "علامات المنافق"، وفي مسلم: "من علامة المنافق ثلاث"، وهي أوضح للزيادة على الثلاث في الحديث الذي يليه وغيره، ووجه الاقتصار على الثلاث هنا: أنها مشبهة على ما عداها، إذ أصل الديانات منحصر في القول والفعل والنية، فنبه على فساد القول "بالكذب" وعلى فساد الفعل "بالخيانة"، وعلى فساد النية "بالخلف"، لأن خلف الوعد لا يقدح إلا إذا كان العزم عليه مقارنًا للوعد، فإن وعد ثم عرض له بعده مانع أو بدا له رأي فليس بصورة النفاق- قاله الغزالي.
وفي الحديث ما يشهد له، ففي الطبراني من حديث سلمان: "إذا وعد وهو يحدث نفسه أنه يخالف". وفي الترمذي من حديث زيد بن أرقم: "إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفي له فلم يف، فلا إثم عليه".
فإن قلت: قد توجد هذه الخصال في المسلم، أجيب بأن المراد نفاق العمل لا نفاق الكفر، كما أن الإيمان يطلق على العمل كالاعتقاد.
وقيل: المراد من اعتقاد ذلك: صار ديدنًا له.
стр. 158
وقيل: المراد: التحذير من هذه الخصال التي هي من صفات المنافقين، وأنها خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين ومتخلق بأخلاقهم.
(وإذا عاهد غدر)، في مسلم بدله: "وإذا وعد أخلف" فهو من تصرُّف الرواة.
تنبيه: حصل من مجموع الحديثين أربع علامات. وقال القرطبي والنووي: خمسة بالمغايرة بين الغدر، والإخلاف.
٢٦ - باب قِيَامُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنَ الإِيمَانِ
٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
(من يقم ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له): استدل به من أجاز وقوع الجزاء، "ما" هنا بعد شرط مضارع.
قال ابن حجر: ولا دليل في ذلك، لأنه من تصرف الرواة، ولهذا وقع في النسائي بلفظ المضارع فيها، ووقع في الطبراني بلفظ: "لا يقوم أحدكم ليلة القدر فيوافقها إيمانًا واحتسابًا إلا غفر الله له ما تقدم من
стр. 159
ذنبه" وبذلك سقط أيضًا سؤال "ما". النكتة في قوله هنا: "من يقم"، وفي الحديث الآخر: "من قام رمضان"، "من صام رمضان".
٢٧ - بَابٌ: الجِهَادُ مِنَ الإِيمَانِ
٣٦ - حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي، أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ».
(عبد الواحد): ابن زياد.
(عمارة): ابن القعقاع.
(انتدب) بالنون، أي: سارع بثوابه وحسن جزائه، وقيل: أجاب إلى المراد، وقيل: تكفل وضمن، ولفظه في "الجهاد": "تكفل" وفيه أيضا: "توكل"، وللأصيلي هنا: "أئتدب" بياء تحتية مهموزة من المأدبة.
قال ابن حجر: وهو تصحيف وتكلف من رام توجيهه.
(لا يخرجه إلا إيمان بي)، مقتضى الحال "به"، لكنه على تقدير قائلًا له- قاله ابن مالك. وخرجه بعضهم على الالتفات وفيه نظر،
стр. 160
لأنه حينئذ يكون هذا كله من كلامه ﷺ ، (كقوله): "انتدب الله حتى يصح الالتفات، وليس كذلك بدليل: "وتصديق برسلي"، فلا بد من تقدير القول قطعًا، وفي مسلم: "إلا إيمانًا"، وبينت وجهه في "الديباج".
(وتصديق)، قال ابن حجر: لم يرد في شيء من الروايات بلفظ: "أو أرجعه" بفتح الهمزة، أي: أرده بلاده، والماضي "رجع"، قال تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾.
٢٨ - بَابٌ: تَطَوُّعُ قِيَامِ رَمَضَانَ مِنَ الإِيمَانِ
٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
٢٩ - بَابٌ: صَوْمُ رَمَضَانَ احْتِسَابًا مِنَ الإِيمَانِ
٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
٣٠ - بَابٌ: الدِّينُ يُسْرٌ وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : «أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ»
٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ
стр. 161
أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ».
(الدين يسر) أي: ذو يسر، واللام للعهد، أي: دين الإسلام.
(أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة): أخرجه المصنف في كتاب "الأدب" بسند حسن عن ابن عباس، أي: أحب خصاله ما كان سمحًا سهلًا بدليل: "خير دينكم أيسره"، أو "أحب الأديان دين الحنيفية" وهي مِلَّة إبراهيم.
(عمر بن عليّ): وهو المقدمي شديد التدليس، وقد صرح بالسماع من طريق عند ابن حبان.
(ولن يشاد الدين) بالنصب وإضمار الفاعل للعلم به، وصرح به في رواية ابن السكن، وبعض الروايات عن الأصيلي فقال: "أحد"، وروى على حذفه برفع المسبب أيضًا على البناء للمفعول.
والمشادة: المغالبة، والمعنى: لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع، فيغلب.
стр. 162
(فسددوا) أي: ألزموا السداد، وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط.
قال أهل اللغة: السداد: التوسط في العمل.
(وقاربوا) أي: إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه.
(وأبشروا) أي: بالثواب على العمل الدائم وإن قلّ.
(واستعينوا بالغدوة) هي بالفتح: سير أول النهار.
(والروحة) بالفتح: السير بعد الزوال.
(وشيء من الدلجة) بالضم: سير آخر الليل استعارة حسنة، أي: استعينوا على مداومة العبادات بإيقاعها في أوقات النشاط.
وهذه الأوقات أطيب أوقات المسافر وأنشطها للسير، فكأنه ﷺ خاطب مسافرًا إلى مقصده فنبهه على أوقات نشاطه، لأن المسافر إذا سار الليل والنهار جميعًا عجز وانقطع، فإذا تحرى السير في هذه الأوقات النشيطة أمكنته المداومة من غير مشقة، وحسن هذه الاستعارة أن الدنيا في الحقيقة دار نقله إلى الآخرة، وأن هذه الأوقات بخصوصها أروح ما يكون البدن فيها للعبادة.
٣١ - بَابٌ: الصَّلَاةُ مِنَ الإِيمَانِ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] يَعْنِي صَلَاتَكُمْ عِنْدَ البَيْتِ
٤٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ المَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ، أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ «صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا صَلَاةَ العَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ» فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ
стр. 163
مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ البَيْتِ، وَكَانَتِ اليَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وَأَهْلُ الكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ البَيْتِ، أَنْكَرُوا ذَلِكَ. قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ فِي حَدِيثِهِ هَذَا: أَنَّهُ مَاتَ عَلَى القِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣].
(يعني: صلاتكم عند البيت) قيل: صوابه: "إلى بيت المقدس"، وقيل: إنه تصحيف، والأصل: "لغير البيت".
(عمرو بن خالد) بفتح العين: الحراني، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني: بضم العين، وهو تصحيف نبه عليه أبو عليّ الغساني وغيره، وليس في شيوخ البخاري ولا رجاله ولا رجال أحد من الكتب الستة مَنْ اسمه"عمر بن خالد".
(كان أول) بالنصب، و"ما " مصدرية.
(على أجداده، أو قال: أخواله)، الشك من أبي إسحاق، وإطلاق ذلك مجاز؛ لأن الأنصار أقاربه من جهة الأمومة، لأن أم جده عبد المطلب "سلمى بنت عمرو" أحد بني عدي بن النجار، وقد نزل على أخوتهم بني مالك بن النجار.
(قيل) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: إلى جهته.
(ستة عشر أو سبعة عشر) كذا بالشك، وفي رواية عند مسلم والنسائي وأبي عوانة وأحمد: "ستة عشر" بلا شك، وفي أخرى عند البزار والطبراني: "سبعة عشر" بلا شك.
قال ابن حجر: والجمع أن مَنْ جزم بستة عشر لفق من شهر
стр. 164
القدوم وشهر التحويل شهرًا، وألقى الأيام الزائدة، ومن جزم بسبعة عشر عدهما معًا، ومن شك تردد في ذلك، وذلك أن القدوم كان في ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف رجب من السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور، ورواه الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس.
وقال ابن حبان: سبعة عشر وثلاثة أيام، وذلك بناء على أن القدوم كان في ثاني عشر ربيع الأول. وفي رواية عند ابن ماجه: "ثمانية عشر شهرًا"، وراويها أبو بكر بن عياش سيء الحفظ، وخرجها بعضهم على قول محمد بن حبيب أن التحويل كان في نصف شعبان، وبقى روايات شاذة ضعيفة: "ثلاثة عشر شهرًا"، و"تسعة أشهر، وشهران، وسنتان".
(وأنه أول صلاة صلاها صلاة العصر)، قال في "التنقيح": بنصب "أول" بتقدير "فعل"، أي: صلى، وقد ثبت ذلك في بعض الروايات و"صلاة العصر" بالرفع عند ابن مالك، والضمير في قوله: "صالح للقِبْلة" أي: صلى إليها.
قلت: الصواب رفع "أول" مبتدأ، و"صلاة العصر" خبره، والجملة خبر إن، والضمير للصلاة، وفي الكلام تقدير، أي: أول صلاة صلاها متوجهًا إلى الكعبة، وفي رواية: "أنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر"، "فأول" بالنصب مفعول، وجملة "صلاها" صفة صلاة، و"صلاة العصر" بالنصب بدل.
(فخرج رجل) هو عباد بن بشر، وقيل: عباد بن نهيك.
(على أهل مسجد): هم بنو حارثة.
(كما هم): "الكاف" للمبادرة، و"ما" موصولة.
(وأهل الكتاب): بالرفع عطفًا على "اليهود" من عطف العام على الخاص، وقيل: المراد النصارى، وفيه نظر؛ لأنهم لا يصلون (لبيت) المقدس، فكيف تعجبهم.
стр. 165
قال زهير: يعني بالإسناد المذكور فليس تعليقًا: مات على القبْلة قبل أن تحول رجال هم عشرة، بمكة: عبد الله بن شهاب، والمطلب بن أزهر، والزهريان، والسكران بن عمرو العامري، وبأرض الحبشة: حطاب بالمهملة بن الحارث الجمحى، وعمرو بن أمية الأسد، وعبد الله بن الحارث السهمي، وعروة بن عبد العزى، وعدي بن نضلة العدويان، وبالمدينة: البراء بن معرور بمهملات، وأسعد بن زرارة الأنصاريان، وحادي عشر مختلف في إسلامه: إياس بن معاذ الأشهلي.
(وقتلوا): قال ابن حجر: لم أرَ ذكر القتل إلا في رواية زهير هذه، وباقي الروايات إنما فيها ذكر الموت فقط، ولم أجد في شيء من الأخبار أن أحدًا من المسلمين قتل قبل تحويل القِبْلة، لكن لا يلزم من عدم الورود عدم الوقوع.
٣٢ - بَابُ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ
٤١ - قَالَ مَالِكٌ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِذَا أَسْلَمَ العَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَانَ
стр. 166
بَعْدَ ذَلِكَ القِصَاصُ: الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا".
(قال مالك): وصله النسائي وغيره.
(فحسن إسلامه) أي: صار حسنًا باعتقاده وإخلاصه ودخوله فيه بالباطن والظاهر.
(يكفر)، في رواية البزار: "كفر" بالماضي مؤاخاة للشرط، ولفظها بالتخفيف، وقيل بالتشديد، ولأبي ذر: "أزلفها" وهما بمعنى أي: أسلفها وقدمها وكسبها، وعند الدارقطني زيادة، ولفظه: "ما من عبد يسلم فيحسن إسلامه إلا كتب الله كل حسنة زلفها ومحا عنه كل خطيئة زلفها".
(القصاص) بالرفع: اسم كان.
(الحسنة): مبتدأ، (بعشر): خبره، والجملة استئنافية.
و (سبعمائة): متعلق بمقدار، أي: منتهية.
(إلا أن يتجاوز الله عنها)، زاد سمويه في "فوائده": "إلا أن يغفر الله وهو الغفور".
٤٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ: فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا".
(إذا أحسن أحَدكم إسلامه)، في "مسند ابن راهويه": "إذا حسنُ إسلام أحدكم.
стр. 167
٣٣ - بَابٌ: أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ
٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟» قَالَتْ: فُلَانَةُ، تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا، قَالَ: «مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا» وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَادَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ.
(يحيى): هو ابن سعيد القطان.
(فقال: من هذه)، للأصيلي: "قال" بغير "فاء".
(فلانة): هي "الحولاء" بمهملة ومد، بنت تويت -بمثناتين مصغر- "ابن حبيب بن أسد بن عبد العزى".
(تذكر): بفتح الفوقية والفاعل "عائشة". وفي "مسند الحسن بن سفيان": "هذه فلانة، وهي أعبد أهل المدينة". وفي "مسند أحمد": "لا تنام، تصلي". وروي "يذكر" بالتحتية والبناء للمفعول، أي: يذكرون أن صلاتها كثيرة.
(ومه): كلمة زجر بمعنى: أكفف، فيحتمل أن يكون زجرًا عن ذلك الفعل، ويحتمل أن يكون زجرًا لعائشة عن مدح المرأة بما ذكرت.
(لا يمل الله حتى تملُّوا) بفتح الميم فيها، و"الملال": استثقال الشيء ونفور النفس عنه بعد محبته وهو محال على الله، فإطلاقه عليه من باب المشاكلة نحو: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ هذا أحسن مجاملة، وفي بعض طرقه عن عائشة: "اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل" أخرجه ابن جرير في "تفسيره"، أي: لا يقطع ثوابه ويتركه.
стр. 168
(وكان أحب الدين إليه)، للمستملي: "إلى الله"، وهو يدل على أن الضمير إليه لله، والأكثر على أنه لرسول الله ﷺ ، وصرح به المصنف في "الرقاق"، ولا منافاة بينهما، فإن ما كان أحب إلى الله كان أحب إلى رسوله ﷺ .
٣٤ - بَابُ زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣] ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] وَقَالَ: «اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ»
فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ.
٤٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ أَبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «مِنْ إِيمَانٍ» مَكَانَ «مِنْ خَيْرٍ».
(هشام): هو الدستوائي.
стр. 169
(يخرج) بالبناء للفاعل، ويروى للمفعول.
(بُرة) بضم الموحدة وفتح الراء المشددة، أي: قمحة؛ ومقتضاه: أنها دون وزن الشعيرة وهو كذلك في بعض البلاد.
(ذرة) بفتح المعجمة وتشديد الراء، وصحفها شعبة، فقال: ذُرة بضم المعجمة وتخفيف الراء ناسب بها الشعيرة والبرة لكونها من الحبوب ومعنى الذرة، قيل: أقل الأشياء الموزونة، وقيل: الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس مثل رؤوس الإبر، وقيل: النملة الصغيرة.
(قال أبان): هو ابن يزيد العطار، وصل حديثه الحاكم في "الأربعين".
٤٥ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ، أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا، مِنَ اليَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ، لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] قَالَ عُمَرُ: «قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ، وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ».
(ابن الصباح) بتشديد الموحدة.
(أبو العميس) بضم المهملة وفتح الميم وسكون التحتية وسين مهملة، هو: عتبة بن عبد الله بن عتبة بن مسعود.
(أن رجلًا من اليهود): هو كعب الأحبار، بيَّنه الطبراني في "الأوسط" وابن جرير في "تفسيره" (٣).
стр. 170
(قال عمر: ...) إلى آخره، في بعض طرقه عند الترمذي: "فإنها نزلت في يوم عيد من يوم جمعه ويوم عرفه" (١). وعند ابن جرير: "نزلت يوم جمعة يوم عرفة وكلاهما بحمد الله لنا عيد"، وللطبراني: "وهما لنا عيدان"، وبهذا يحصل الجواب عن سؤال كعب.
٣٥ - بَابٌ: الزَّكَاةُ مِنَ الإِسْلَامِ وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]
٤٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ». فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَصِيَامُ رَمَضَانَ». قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ». قَالَ: فَأَدْبَرَ
стр. 171
الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ».
(وما أمروا)، كذا لأبي ذر، ولغيره: "وقول الله: ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾.
(جاء رجل)، زاد أبو ذر: "من أهل نجد"، قيل: هو ضمام بن ثعلبة.
(ثائر الرأس) بالرفع صفة، ويجوز نصبه حالًا، أي: متفرق شعره من ترك الرفاهية.
(يسمع) بالياء المضمومة أو النون، وكذا نفقه.
(دَويّ) بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء، وخطأ القاضي عياض ضم الدال. (وقال) الخطابي: الدوي: صوت مرتفع متكرر ولا يفهم؛ وذلك لأنه نادى من بُعد.
(فإذا): فجائية.
(يسأل عن الإسلام) أي: عن شرائعه، وفي "الصيام" عند المؤلف: "فقال: أخبرني ماذا فرض الله عليَّ من الصلاة؟ فقال: الصلوات الخمس"، وكذا قال في الزكاة، وبهذا بين مطابقة الجواب هنا للسؤال.
(تطوع) بتشديد الطاء والواو، أصله: "تتطوع"، فأدغمت التاء في الطاء، ويجوز تخفيف الطاء على حذف التاء.
(لا أزيد على هذا ولا أنقص)، في "الصيام": " لا أتطوع شيئًا، ولا أنقص مما فرض الله عليّ شيئا".
(أفلح إن صدق)، في مسلم: " أفلح وأبيه" (١)، وتكلمت عليها في "الديباج"، فإن قيل: أما فلاحه إذا لم ينقص فواضح، وأما بأن لا يزيد فكيف يصح؟
стр. 172
أجاب النووي: بأنه أثبت له الفلاح؛ لأنه أتى بما عليه وليس فيه إذا أتى بزائد لا يكون مفلحًا (١).
٣٦ - بَابٌ: اتِّبَاعُ الجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَانِ
٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ المَنْجُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الحَسَنِ، وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ» تَابَعَهُ عُثْمَانُ المُؤَذِّنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.
(المنجوفي) بفتح الميم وسكون النون وضم الجيم وبعد الواو الساكنة فاء: نسبة إلى جده "منجوف".
(روح): ابن عبادة.
(عوف): ابن أبي جميلة الأعرابي.
(الحسن): البصري.
(ومحمد): ابن سيرين بالجر، عطف على الحسن.
(من اتبع)، للأصيلي: "تبع".
(وكان معه) أي: المسلم، وللكشميهني: "معها"، أي: الجنازة.
(يصلي) بكسر اللام، ويروى بفتحها.
(ويفرغ) بالبناء للمفعول، ويروى: للفاعل.
стр. 173
وهذا الحديث مصرح بأن القيراطين لمن شهد الصلاة والدفن معًا خلاف لمن زعم أنه يحصل بذلك ثلاثة قراريط.
(نحوه) بالنصب.
٣٧ - بَابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: «مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا» وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: " أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ " وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ: " مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ. وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ عَنْ المُرْجِئَةِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ».
(يحبط) بفتح الياء والباء.
(مكذبًا) بفتح الذال وكسرها.
(كلهم يخاف النفاق على نفسه): مبالغة في الورع والتقوى.
وقال ابن بطال: إنما خافوا ذلك، لأنهم طالت أعمارهم حتى رأوا من المنكر ما لم يعهدوه ولم يقدروا على إنكاره، فخافوا أن يكونوا داهنوا بالسكوت.
стр. 174
(ويذكر عن الحسن: ما خافه) أي: النفاق، فكذا هو مصرح به في كلام الحسن في كتاب "الإيمان" لأحمد (١)، و"صفة المنافق" لجعفر الفريابي (٢)، ومن رجع الضمير إلى الله، فقد وهم في المقصود، نبه عليه ابن حجر (٣).
(وما يحذر) بالتشديد والتخفيف، و"ما" مصدرية عطف على خوف، أي: باب ما يحذر.
(على النفاق) في أكثر الروايات: "على التقاتل" (٤).
(زبيد) بالزاي والوحدة مصغرًا.
(عن المرجئة) أي: مقالتهم (٥)، وللطيالسي: لما ظهرت المرجئة أتيت أبا وائل فذكرت ذلك له، ووفاة أبي وائل سنة تسع وسبعين، وذلك يدل على [أن] بدعة الإرجاء قديمة.
(سباب) بكسر السين وتخفيف الوحدة: مصدر "سب"، أشد من "السب"، وهو أن يقول في الرجل ما فيه وما ليس فيه، يريد بذلك عيبه، وقيل: هو من باب المفاعلة.
(المسلم) لأحمد: "المؤمن".
стр. 175
٤٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقَالَ: «إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، التَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالخَمْسِ».
(فتلاحى): التلاحي: التنازع والمخاطبة.
(رجلان) هما: كعب بن مالك، وعبد الله بن أبي حدرد.
قال الإسماعيلي: إنما ذكر البخاري هذا الحديث هنا للتنبيه على أن التلاحي غير السباب الذي هو فسوق.
(فرفعت) أي: فرفع تعيينها عن ذكرى، وليس المراد رفعها أصلًا بدليل قوله: "فالتمسوها" (١).
وعند مسلم في هذه القصة: "فجاء رجلان يحتقَّان"، أي: يدعي كل منهما أنه المحق "معهما [الشيطان] فنسيتها" (٢).
قال القاضي عياض: ففيه دليل على ذم الخصام، وأنه سبب في العقوبة المعنوية، أي: الحرمان، وأن المكان الذي يحضره الشيطان ترفع منه البركة والخير.
(وعسى أن يكون خيرًا لكم)، لكونه سببًا لزيادة الاجتهاد في التماسها في السبع والتسع، والخبر في "مستخرج أبي نعيم" بتقديم التسع، والمراد: البواقي، أي: ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين وخمس وعشرين.
стр. 176
٣٨ - بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الإِيمَانِ، وَالإِسْلَامِ، وَالإِحْسَانِ، وَعِلْمِ السَّاعَةِ وَبَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ
ثُمَّ قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا، وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ لِوَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ مِنَ الإِيمَانِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥].
٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَبِلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ». قَالَ: مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: " الإِسْلَامُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ، وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ ". قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: " مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ البُهْمُ فِي البُنْيَانِ، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ " ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآيَةَ، ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: «رُدُّوهُ» فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ: «هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ.
(إسماعيل): هو ابن عُلية.
(بارزًا): ظاهرًا غير محتجب ولا ملتبس بغيره، لأبي داود (٥) في
стр. 177
أول هذا الحديث: "كان رسول الله ﷺ يجلس بين أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو، فطلبنا إليه أن يجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكانًا من طين كان يجلس عليه، فأتاه رجل -أي ملك- في صورة رجل، وأفاد مسلم في رواية سبب ورود ذلك: وهو أنه ﷺ قال: "سلوني"، فهابوا أن يسألوه فجاء رجل". وعند أبي داود: "إذ أقبل رجل أحسن الناس وجهًا وأطيب الناس ريحًا كأن ثيابه لم يمسها دنس حتى سلم من طرف البساط، فقال: السلام عليك يا محمد، فرد ﵇، قال: ادن يا محمد، قال: ادنه، ففيه زيادة السلام. وكذا للطبراني من حديث ابن عمر قال: "ما الإيمان؟ ". وفي رواية عند مسلم: الابتداء بالسؤال عن الإسلام. وعند أبي عوانة: الابتداء بالإسلام ثم بالإحسان ثم بالإيمان، وهو من تصرف الرواة.
(قال: الإيمان أن تؤمن): ليس حدًّا للشيء بنفيه، بل بيان أن الإيمان المعروف عندهم لغة أنه التصديق هو في الشرع تصديق مخصوص.
(وملائكته): قدمها على الكتب والرسل نظرًا للترتيب الواقع، لأنه تعالى أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول.
(وكتبه) هذه للأصيلي وحده.
(وبلقائه)، قيل: هي مكررة مع البعث، وقيل: لا، والمراد بها الرؤية، قيل: البعث القيام من القبور واللقاء بعد ذلك، وقيل: اللقاء بالانتقال من دار الدنيا، والبعث بعد ذلك.
(ورسله)، للأصيلي: "وبرسله، وتؤمن بالبعث". عند أبي عوانة وغيره: "وبالموت والبعث، وبالبعث بعد الموت". وعند ابن خزيمة: "وبالحساب والميزان والجنة والنار"، وعند مسلم زيادة: "وتؤمن بالقدر كله". زاد ابن خزيمة: "خيره وشره"، زاد الطبراني: "حلوه ومره من الله".
стр. 178
(الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به): المراد بالعبادة هنا النطق بالشهادتين، ولفظ مسلم عن عمر: " أن تشهد أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله وتقيم الصلاة"- زاد مسلم: "المكتوبة".
وعدم ذكر الحج في هذه الرواية إغفال من الراوي، فقد ذكر في غيرها من الطرق وفي بعضها، ويذكر الصوم، وفي بعضها لم يذكر سوى الشهادتين، وأتمها عنه ابن خزيمة ذكر الشهادتين والصلاة والزكاة والصوم، وزاد: "ويحج ويعتمر ويغتسل من الجنابة وتتمم الوضوء".
(أن تعبد الله)، لمسلم: أن تخشى الله.
(كأنك تراه)، قال النووي: هذا من جوامع الكلم، لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة ربه وهو يعاينه لم يترك شيئًا عما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت، واشتماله بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به، فقال ﷺ : "اعبد الله في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان".
فإن التتميم المذكور إنما كان تعلم العبد باطلاع الله عليه فلا يقدم على تقصير في هذا الحال للاطلاع عليه، وهذا المعنى موجود مع مقدرة العبد، فينبغي أن يعمل بمقتضاه، فمقصود الكلام: الحث على الإخلاص ومراقبة العبد ربه.
(متى الساعة) مبتدأ وخبر، أي: متى قيامها، ولمسلم: "متى تقوم الساعة؟ "، ولأبي داود: "فنكس فلم يجبه، ثم أعاد فلم يجبه فطأطأ ثم رفع رأسه فقال: ما السئول عنها بأعلم من السائل؟ "
стр. 179
عدل إليه عن قوله: "منك" لعمومه تعريضًا للسامعين إلى أن كل مسئول وكل سائل فهو كذلك.
(فائدة): وقع هذا السؤال والجواب بين عيسى ابن مريم وجبريل، لكن كان عيسى سائلًا وجبريل مسئولًا، أخرج الحميدي في "أفراده" عن الشعبي قال: "سأل عيسى ابن مريم جبريل عن الساعة فانتفض بأجنحته، وقال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، وسأل عن أشراطها"، لأبي داود: "ولكن لها علامات تعرف بها"، ولمسلم: "فأخبرني عن أماراتها"، وظاهره: أن السائل سأله عن الأمارات وظاهر ما قبله أنه ابتدأه بها ويجمع بأنه ابتدأ بقوله: وسأخبرك، فقال له السائل: فأخبرني، ويدل على ذلك رواية ابن خزيمة وأحمد: "ولكن إذا شئت نبأتك عن أشراطها، قال: أجل فحدثني".
و"الأشراط": بالفتح: جمع شرط: العلامات.
(إذا ولدت الأمَة ربّها): في التفسير: "ربتها"، زاد مسلم: "يعني السراري"، ولأحمد: "الإماء أربابهن"، والمراد بالرب: المالك أو السيد.
قال الخطابي (٣): معناه: اتساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاد الشرك وسبى ذراريهم واتخاذهم سراري، فإذا ملك الرجل الجارية واستولدها كان الولد منها بمنزلة ربها، لأنه ولد سيدها.
стр. 180
ونقل النووي ذلك عن الأكثرين (١)، ويقرب منه قول وكيع في "تفسيره": أن يلد العجم العرب ووجهه بأن الإماء يلدن الملوك فتصير الأم من جملة الرعية، والملك سيد رعيته، وذلك لأن الرؤساء في الصدر الأول كانوا يستنكفون غالبًا عن وطيء الإماء، ويتنافسون في الحرائر، ثم انعكس الأمر خصوصًا في أثناء دولة بني العباس، وقيل: معناه: كثرة العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أمه معاملة السيد أَمته في الإهانة بالسب والضرب والاستخدام، فأطلق عليه ربها مجازًا وحقيقة بمعنى المربي.
(تطاول): تفاخر في تطويل البنيان.
(رعاة الإبل) بضم الراء، جمع "راع".
(البهم) بضم الموحدة ورفع الميم: صفة رعاة، وجرها: صفة الإبل، فعلى الأول المراد: أنهم مجهولون الأنساب، وقيل: سود الألوان، وقيل: الذين لا شيء لهم، وعلى الثاني المراد: الإبل السود؛ لأنها شر الألوان عندهم، وخيرها: الحمر التي يضرب بها المثال، فيقال: خير من حمر النعم.
وللأصيلي: بفتح الباء، ولا يتجه مع ذكر الإبل، بل مع ذكر الشياه، أو مع الإضافة كما في رواية مسلم: "رعاة البهم".
(تنبيه): زاد في "التفسير" شرطًا ثالثًا: "وإذا كان الحفاة العراة رؤوس الناس"، أي: ملوك الأرض، وصرح به في رواية أبي داود.
قال القرطبي: المقصود: الإخبار عن تبدل الحال بأن يستولى أهل البادية على الأمر ويتملكوا البلاد بالقهر، فتكثر أموالهم وتنصرف هممهم إلى تشييد البنيان والتفاخر به.
следующие страницы →