Полный текст (4 291 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
٣٨ - بَابُ سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الإِيمَانِ، وَالإِسْلَامِ، وَالإِحْسَانِ، وَعِلْمِ السَّاعَةِ وَبَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ
ثُمَّ قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا، وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ لِوَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ مِنَ الإِيمَانِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥].
٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَبِلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ». قَالَ: مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: " الإِسْلَامُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ، وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ ". قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: " مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ البُهْمُ فِي البُنْيَانِ، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ " ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآيَةَ، ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: «رُدُّوهُ» فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ: «هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ.
(إسماعيل): هو ابن عُلية.
(بارزًا): ظاهرًا غير محتجب ولا ملتبس بغيره، لأبي داود (٥) في
стр. 177
أول هذا الحديث: "كان رسول الله ﷺ يجلس بين أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو، فطلبنا إليه أن يجعل له مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكانًا من طين كان يجلس عليه، فأتاه رجل -أي ملك- في صورة رجل، وأفاد مسلم في رواية سبب ورود ذلك: وهو أنه ﷺ قال: "سلوني"، فهابوا أن يسألوه فجاء رجل". وعند أبي داود: "إذ أقبل رجل أحسن الناس وجهًا وأطيب الناس ريحًا كأن ثيابه لم يمسها دنس حتى سلم من طرف البساط، فقال: السلام عليك يا محمد، فرد ﵇، قال: ادن يا محمد، قال: ادنه، ففيه زيادة السلام. وكذا للطبراني من حديث ابن عمر قال: "ما الإيمان؟ ". وفي رواية عند مسلم: الابتداء بالسؤال عن الإسلام. وعند أبي عوانة: الابتداء بالإسلام ثم بالإحسان ثم بالإيمان، وهو من تصرف الرواة.
(قال: الإيمان أن تؤمن): ليس حدًّا للشيء بنفيه، بل بيان أن الإيمان المعروف عندهم لغة أنه التصديق هو في الشرع تصديق مخصوص.
(وملائكته): قدمها على الكتب والرسل نظرًا للترتيب الواقع، لأنه تعالى أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول.
(وكتبه) هذه للأصيلي وحده.
(وبلقائه)، قيل: هي مكررة مع البعث، وقيل: لا، والمراد بها الرؤية، قيل: البعث القيام من القبور واللقاء بعد ذلك، وقيل: اللقاء بالانتقال من دار الدنيا، والبعث بعد ذلك.
(ورسله)، للأصيلي: "وبرسله، وتؤمن بالبعث". عند أبي عوانة وغيره: "وبالموت والبعث، وبالبعث بعد الموت". وعند ابن خزيمة: "وبالحساب والميزان والجنة والنار"، وعند مسلم زيادة: "وتؤمن بالقدر كله". زاد ابن خزيمة: "خيره وشره"، زاد الطبراني: "حلوه ومره من الله".
стр. 178
(الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به): المراد بالعبادة هنا النطق بالشهادتين، ولفظ مسلم عن عمر: " أن تشهد أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله وتقيم الصلاة"- زاد مسلم: "المكتوبة".
وعدم ذكر الحج في هذه الرواية إغفال من الراوي، فقد ذكر في غيرها من الطرق وفي بعضها، ويذكر الصوم، وفي بعضها لم يذكر سوى الشهادتين، وأتمها عنه ابن خزيمة ذكر الشهادتين والصلاة والزكاة والصوم، وزاد: "ويحج ويعتمر ويغتسل من الجنابة وتتمم الوضوء".
(أن تعبد الله)، لمسلم: أن تخشى الله.
(كأنك تراه)، قال النووي: هذا من جوامع الكلم، لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة ربه وهو يعاينه لم يترك شيئًا عما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت، واشتماله بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به، فقال ﷺ : "اعبد الله في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان".
فإن التتميم المذكور إنما كان تعلم العبد باطلاع الله عليه فلا يقدم على تقصير في هذا الحال للاطلاع عليه، وهذا المعنى موجود مع مقدرة العبد، فينبغي أن يعمل بمقتضاه، فمقصود الكلام: الحث على الإخلاص ومراقبة العبد ربه.
(متى الساعة) مبتدأ وخبر، أي: متى قيامها، ولمسلم: "متى تقوم الساعة؟ "، ولأبي داود: "فنكس فلم يجبه، ثم أعاد فلم يجبه فطأطأ ثم رفع رأسه فقال: ما السئول عنها بأعلم من السائل؟ "
стр. 179
عدل إليه عن قوله: "منك" لعمومه تعريضًا للسامعين إلى أن كل مسئول وكل سائل فهو كذلك.
(فائدة): وقع هذا السؤال والجواب بين عيسى ابن مريم وجبريل، لكن كان عيسى سائلًا وجبريل مسئولًا، أخرج الحميدي في "أفراده" عن الشعبي قال: "سأل عيسى ابن مريم جبريل عن الساعة فانتفض بأجنحته، وقال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، وسأل عن أشراطها"، لأبي داود: "ولكن لها علامات تعرف بها"، ولمسلم: "فأخبرني عن أماراتها"، وظاهره: أن السائل سأله عن الأمارات وظاهر ما قبله أنه ابتدأه بها ويجمع بأنه ابتدأ بقوله: وسأخبرك، فقال له السائل: فأخبرني، ويدل على ذلك رواية ابن خزيمة وأحمد: "ولكن إذا شئت نبأتك عن أشراطها، قال: أجل فحدثني".
و"الأشراط": بالفتح: جمع شرط: العلامات.
(إذا ولدت الأمَة ربّها): في التفسير: "ربتها"، زاد مسلم: "يعني السراري"، ولأحمد: "الإماء أربابهن"، والمراد بالرب: المالك أو السيد.
قال الخطابي (٣): معناه: اتساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاد الشرك وسبى ذراريهم واتخاذهم سراري، فإذا ملك الرجل الجارية واستولدها كان الولد منها بمنزلة ربها، لأنه ولد سيدها.
стр. 180
ونقل النووي ذلك عن الأكثرين (١)، ويقرب منه قول وكيع في "تفسيره": أن يلد العجم العرب ووجهه بأن الإماء يلدن الملوك فتصير الأم من جملة الرعية، والملك سيد رعيته، وذلك لأن الرؤساء في الصدر الأول كانوا يستنكفون غالبًا عن وطيء الإماء، ويتنافسون في الحرائر، ثم انعكس الأمر خصوصًا في أثناء دولة بني العباس، وقيل: معناه: كثرة العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أمه معاملة السيد أَمته في الإهانة بالسب والضرب والاستخدام، فأطلق عليه ربها مجازًا وحقيقة بمعنى المربي.
(تطاول): تفاخر في تطويل البنيان.
(رعاة الإبل) بضم الراء، جمع "راع".
(البهم) بضم الموحدة ورفع الميم: صفة رعاة، وجرها: صفة الإبل، فعلى الأول المراد: أنهم مجهولون الأنساب، وقيل: سود الألوان، وقيل: الذين لا شيء لهم، وعلى الثاني المراد: الإبل السود؛ لأنها شر الألوان عندهم، وخيرها: الحمر التي يضرب بها المثال، فيقال: خير من حمر النعم.
وللأصيلي: بفتح الباء، ولا يتجه مع ذكر الإبل، بل مع ذكر الشياه، أو مع الإضافة كما في رواية مسلم: "رعاة البهم".
(تنبيه): زاد في "التفسير" شرطًا ثالثًا: "وإذا كان الحفاة العراة رؤوس الناس"، أي: ملوك الأرض، وصرح به في رواية أبي داود.
قال القرطبي: المقصود: الإخبار عن تبدل الحال بأن يستولى أهل البادية على الأمر ويتملكوا البلاد بالقهر، فتكثر أموالهم وتنصرف هممهم إلى تشييد البنيان والتفاخر به.
стр. 181
(في خمس) أي: علم وقت الساعة داخل في جملة خمس، أخرج أحمد عن ابن مسعود: " أوتي نبيكم ﷺ كل شيء سوى هذه الخمس".
(فقال: ردوه)، زاد في "التفسير": "فأخذوا ليردوه".
(وجاء يعلم)، في "التفسير": "ليعلم"، وللإسماعيلي: "أراد أن يعلموا إذ لم تسألوا"، ولأحمد: "هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم، والذي نفس محمد بيده ما جاءني قط إلا وأنا أعرفه، إلا أن تكون هذه المرة"، ولابن خزيمة: "ثم نهض فولى فقال: هل تدرون من هذا؟ هذا جبريل، أتاكم ليعلمكم دينكم خذوا عنه، فوالذي نفسي بيده ما شُبه عليّ منذ أتاني مرتي هذه وما عرفته حتى ولى".
فقد اتفقت الروايات على أنه ﷺ أخبر الصحابة بشأنه بعد أن التمسوه فلم يجدوه، وأما ما وقع في مسلم من حديث عمر: "فلبثت مليًّا ثم قال لي: يا عمر، أتدري من السائل"، وفي النسائي والترمذي: "فلبثت ثلاثًا"، وفي أبي عوانة: "فلبثنا ليالي فلقيني رسول الله ﷺ بعد ثلاث" ولابن حبان: "بعد ثالثة"، ولابن مندة: "بعد ثلاثة أيام".
فأجاب عنه النووي: بأن عمر لم يحضر قول النبي ﷺ في المجلس، بل كان ممن قام إما مع الذين توجهوا في طلب الرجل أو لشغل آخر، ولم يرجع مع من رجع لعارض عرض له، فأخبر ﷺ الحاضرين في الحال ولم يتفق الحال لعمر إلا بعد ثلاثة أيام.
وفي النسائي: "وإنه لجبريل نزل في صورة دحية الكلبي"، وهو وهم من الراوي، وشذوذ مخالف للمحفوظ في باقي الروايات، فإن دحية معروف عندهم، وقد قال عمر: ما يعرفه منا أحد.
٣٩ - بابٌ
٥١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، " أَنَّ هِرَقْلَ، قَالَ لَهُ:
стр. 182
سَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ، حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ".
٤٠ - بَابُ فَضْلِ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ
٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " الحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ".
(بابٌ): بلا ترجمة وسقط من رواية أبي ذر وغيره.
(زكرياء): ابن أبي زائدة.
(عن عامر): هو الشعبي، وفي رواية ابن أبي الهيثم الشعبي فأمن تدليسه.
(سمعت النعمان بن بشير)، في مسلم: "أنه سمعه يخطب به بحمص"، وعند أبي عوانة: "بالكوفة"، وجمع بأنه سمعه منه مرتين، فإنه ولى إمرة البلدين.
(مشبهات) بوزن مفعلات بتشديد العين المفتوحة، أي: شبهت بغيرها ما لم يتبين به حكمها على التعيين، وللأصيلي: "مشتبهات" بوزن: "مفتعلات" بتاء مفتوحة وعين خفيفة مكسورة، أي: اكتسبت الشبه من وجهين متعارضين، وعلى الأولى اقتصر مسلم، وعلى الثانية ابن ماجه، وعند الدارمي: "متشابهات لا يعلمها كثير من الناس" أي: لا يعلم
стр. 183
حكمها، وللترمذي: "الذي لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي أم من الحرام؟ ".
(فمن اتقى الشبهات) فيها الاختلاف السابق، وعند مسلم زيادة: "الشبهات" بالضم جمع "شبهة".
(قد استبرأ) بالهمز: استفعل من البراءة، أي: برأ.
(دينه): من النقص.
(وعرضه): من الطعن.
واختلف في المراد بالمشبهات، فقيل: محل تعارض الأدلة، وقيل: محل اختلاف العلماء، وقيل: المكروه، لأنه عقبة بين العبد والحرام، وقيل: المباح، فعند ابن حبان زيادة: "اجعلوا بينكم وبين الحرام سترة من الحلال من فعل ذلك استبرأ لعرضه ودينه ... " إلى آخره.
والمعنى: أن الحلال حيث يخشى أن يؤول فعله مطلقًا إلى مكروه أو محرم ينبغي اجتنابه، ويؤيد الوجه الاول ما في البيوع: "فمن ترك ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان له أترك، ومن اجترأ على ما نشك منه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان" (١).
(ومن وقع في الشبهات كراع): كذا في جميع نسخ البخاري بحذف جواب الشرط. وقد ثبت في مسلم (٢): "وقع في الحرام كراع".
وعند الإسماعيلي: قال ابن عون في آخر الحديث: "لا أدري المثل من قول رسول الله ﷺ ، أو من قول الشعبي"، واغتر بعضهم بذلك فجعله مدرجًا.
قال ابن حجر (٣): ولا دليل عليه ولا يستلزم تردد ابن عون، فإن الأثبات قد جزموا باتصاله ورفعه، فلا يقدح شك بعضهم فيه ولا سقوطه
стр. 184
من بعض الروايات؛ لأنهم حُفَّاظ، ومما يقوي عدم الإدراج رواية ابن حبان الماضية، وثبوت المثل مرفوعًا في رواية ابن عباس وعمار بن ياسر.
(الحمى): المحمي من إطلاق المصدر على المفعول.
(ألا وإن حمى الله): سقطت الواو في رواية عن أبي ذر: "في أرضه"، سقطت هذه من رواية الستملي.
(محارمه)، عند أبي داود: "معاصيه".
(مضغة): قدر ما يمضغ.
(صلحت) بفتح اللام، وحكي ضمها.
(القلب): سمي به لتقلبه في الأمور، لأنه خالص ما في البدن، وخالص كل شيء قلبه، أو لأنه وضع في الجسد مقلوبًا، وهذا الحديث عده العلماء رابع أربعة يدور عليها الأحكام، بل قال ابن العربي: إنه يمكن أن ينتزع منه وحده جميع الأحكام.
قال القرطبي: لأنه اشتمل على التفصيل بين الحلال وغيره، وعلى تعلق جميع الأعمال بالقلب.
٤١ - بَابٌ: أَدَاءُ الخُمُسِ مِنَ الإِيمَانِ
٥٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ يُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنِ القَوْمُ؟ - أَوْ مَنِ الوَفْدُ؟ -» قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: «مَرْحَبًا بِالقَوْمِ، أَوْ بِالوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ
стр. 185
نَأْتِيكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلْ بِهِ الجَنَّةَ، وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ: فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ: بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ» وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الحَنْتَمِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالمُزَفَّتِ "، وَرُبَّمَا قَالَ: «المُقَيَّرِ» وَقَالَ: «احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ».
(باب: أداء الخمس): بضم الخاء، أي: خمس الغنيمة، وقيل: إنه روي بالفتح، أي: قواعد الإسلام الخمس. قال ابن حجر: وفيه بعد.
(عن أبي جمرة): بالجيم والراء.
(من القوم أو من الوفد): شك من أحد الرواة، إما أبو جمرة أو من دونه.
قال ابن حجر: وأظن من شعبة، فإنه في رواية برة وغيره بغير شك، وأغرب من قال: إنه من ابن عباس.
قال النووي: الوفد: الجماعة المختارة للتقدم في لقي العظماء، وأحدهم: "وافد".
стр. 186
قال: ووفد عبد القيس المذكورون كانوا أربعة عشر راكبًا، كبيرهم الأشج واسمه: المنذر بن عائذ، وسمي منهم صاحب "التحرير" غير الأشج منقذ بن حبان، ومزيدة بن مالك، وعمرو بن مرحوم، والحارث بن شعيب، وعبيدة بن همام، والحارث بن جندب، وصحار بن العباس بصاد مضمومة وحاء مهملتين.
زاد ابن حجر: وعقبة بن جروة، وقيس بن النعمان، والجهم بن قثم، والرستم، وجويرية، والزارع، فهؤلاء أربعة عشر.
وقد روى الدولابي عن أبي خيرة الصباحي قال: كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله ﷺ من عبد القيس وكنا أربعين رجلًا.
قال ابن حجر: فلعل الأربعة عشر، هم رؤوس الوفد، وممن سمي منهم غير من سبق مطر أخو الزارع وابن أخته ولم يسم، ومشمرج، وجابر بن الحارث، وخزيمة بن عبد عمرو، وهمام بن ربيعة، وجارية بالجيم بن جابر، ونوح بن مخلد، فهؤلاء بضعة وعشرون.
(مرحبًا): نصب بمضمر، أي: صادفت رحبًا، بضم الراء، أي: سعه.
قال العسكري: أول من قال: مرحبًا: "سيف بن ذي يزن".
(غير) بالنصب، قال: وروى بالكسر صفة، والمعروف الأول، وفي "الأدب": "مرحبا بالوفد الذين جاءوا غير خزايا"- جمع خزيان، وهو الذي أصابه خزي.
(ندامى): جمع ندمان من الندم، كنادم، حكاه الجوهري وغيره، وقيل: ندمان خاص بالمنادمة ونادم بالندم، وجمعه: نادمون، فعدل عنه
стр. 187
للاتباع كالعشايا والغدايا، وفي النسائي: "مرحبا بالوفد ليس الخزايا ولا النادمين"، قال ابن أبي جمرة بشرهم بالخير عاجلًا وآجلًا، لأن الندامة إنما تكون في العاقبة.
(إلا في الشهر الحرام)، للأصيلي وكريمة: "في شهر الحرام"، وهي رواية مسلم من إضافة الشيء إلى نفسه كمسجد الجامع ونساء المؤمنات، أي: "شهر الوقت الحرام"، واللام في الأولى للجنس، ففي "المغازي": "أشهر الحرام"، وفي "المناقب": "إلا في كل شهر حرام".
وقيل: للعهد، أي: رجب، وصرح به عند البيهقي، لأن مضر كانت تبالغ في تعظيمه، ولهذا أضيف إليهم في حديث أبي بكرة، حيث قال: رجب مقتربًا من التنوين لا بالإضافة.
(فصل): فاصل، أي: يفصل بين الحق والباطل، أو بين واضح يخبر بالرفع صفة، والجزم جوابًا من بالفتح لا غير، وتدخل بالوجهين، وروى بإسقاط الواو، فليس إلا الجزم جوابًا، ورفع "نخبر".
(فأمرهم بأربع)، قيل: أول الأربع: إقام الصلاة، وذكر الشهادتين للتبرك، وتقديم ما هو الأصل، فإنهم إنما سألوا عن الإيمان، فتقدم إيمانهم، فأنتم من أقدم الناس إسلامًا، فوقع الأمر بالأعمال، ولهذا سقط ذكر الشهادتين في طريق أخرى، وقيل: الأربع ما عدا أداء الخمس كأنه أعلمهم أولًا باقواعد الإسلام وفروض الأعيان، ثم أعلمهم بما يلزمهم إخراجه إذا وقع لهم جهاد ولم يقصد إلى ذكرها بعينها، لأنها مسببة عن الجهاد، ولم يكن الجهاد إذ ذاك فرض عين، ولذلك لم يذكر الحج، لأنه لم يكن فرض، وقيل: عد أولًا بأربع، فلما دنا زاد، ولا ضير في ذلك، وقيل: عد الصلاة والزكاة واحدة، لأنها قرينتها في القرآن، وقيل: أداء الخمس داخل في إيتاء الزكاة، والجامع بينهما أنهما إخراج مال معين في حال دون حال، ووقع في "سنن البيهقي" و"مسند أحمد" زيادة: "وتحجوا البيت الحرام".
стр. 188
(عن الحنتم): فيه حذف، أي: شرب ما ينتبذ فيها، وصرح به في رواية النسائي، وهي بفتح المهملة وسكون النون وفتح الفوقية: الجرار الخضر، الواحدة: "حنتمة".
(والدباء): بضم المهملة وتشديد الوحدة والمد، وحكى قصره: القرع، والمراد: اليابس منه.
(والنقير): بفتح النون وكسر القاف: أصل النخلة ينقر، فيتخذ منه وعاء.
(والمزفت): بالزاي والفاء: ما طلي بالزفت.
(وربما قال المقير) أي: بدل "المزفت" وهو بالقاف والتحتية: ما طلى بالقار وهو نبت يحرق إذا يبس ويطلى به كما يطلى بالزفت.
وفي "مسند الطيالسي" بسند حسن عن أبي بكرة قال: أما الدباء: فإن أهل الطائف كانوا يأخذون القرع فيخرطون فيه العنب ثم يدفنونه حتى يهدر ثم يموت، وأما المقير: فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة، ثم ينبذون الرطب والبسر، ثم يدعونه حتى يهدر ثم يموت.
وأما "الحنتم": فجرار كانت تحمل إلينا فيها الخمر، وأما "الزفت" فهذه الأوعية التي فيها الزفت، ومعنى النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها: أنه يسرع إليها الإسكار، فربما شرب منها من لا يشعر بذلك ثم نسخ، وثبتت الرخصة في الانتباذ في كل وعاء مع النهي عن شرب مسكر.
(من وراءكم): بالفتح موصولة.
٤٢ - بَابٌ: مَا جَاءَ إِنَّ الأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالحِسْبَةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى
فَدَخَلَ فِيهِ الإِيمَانُ، وَالوُضُوءُ، وَالصَّلَاةُ، وَالزَّكَاةُ، وَالحَجُّ، وَالصَّوْمُ، وَالأَحْكَامُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]
стр. 189
عَلَى نِيَّتِهِ. «نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا صَدَقَةٌ» وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ».
٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ».
٥٥ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ».
٥٦ - حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ».
(والحسبة) بكسر الحاء: الاحتساب والإخلاص يحتسبها لا احتساب أن ينفق لامتثال الأمر لا لهوى النفس والطبع.
(حتى): عاطفة. (ما): موصولة.
стр. 190
(في امرأتك)، وفي رواية: "فم".
٤٣ - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " الدِّينُ النَّصِيحَةُ: لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ" وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١]
٥٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ».
٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ يَوْمَ مَاتَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالوَقَارِ، وَالسَّكِينَةِ، حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ، فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ. ثُمَّ قَالَ: اسْتَعْفُوا لِأَمِيرِكُمْ، فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ العَفْوَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قُلْتُ: أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلَامِ فَشَرَطَ عَلَيَّ: «وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا، وَرَبِّ هَذَا المَسْجِدِ إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ.
(الدين النصيحة ...) إلى آخره، أخرجه مسلم من حديث تميم الداري، وأبو يعلى من حديث ابن عباس. والبزار من حديث ابن عمر، والمراد بعظم الدين مبالغة، كقوله: "الحج عرفة"، ويجوز كونه على ظاهره، لأن كل عمل لم يرد به عامله الإخلاص فليس من الدين.
стр. 191
قال الخطابي: النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له، وهو من وجيز الكلام، بل ليس في الكلام كلمة مفردة، وتستوفى بها العبادة عن معنى هذه الكلمة.
(على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة)، زاد في "البيوع": "وعلى السمع والطاعة".
(والنصح لكل مسلم)، زاد أبن حبان: "فكان جرير إذا اشترى شيئًا أو باع يقول لصاحبه: اعلم أن ما أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناكه فاختر".
قال القرطبي: كانت مبايعة النبي ﷺ لأصحابه بحسب ما يحتاج إليه من تجديد عهد وتوكيد أمر، فلذلك اختلفت ألفاظهم في مبايعاتهم.
(يوم مات المغيرة)، وذلك في سنة خمسين من الهجرة، وإنما خاطبهم آمرًا بذلك؛ لأن الغالب أن وفاة الأمراء تؤدي إلى الاضطراب والفتنة لا سيما ما كان عليه أهل الكوفة، إذ ذاك من مخالفة ولاة الأمور.
(فإنما يأتيكم الآن): أراد به تقريب المدة تسهيلًا عليهم، وكان كذلك، لأن معاوية لما بلغه موت المغيرة كتب إلى نائبه على البصرة، وهو زياد أن يسير إلى الكوفة أميرًا عليها.
(استعفوا) أي: أطلبوا له العفو من الله، وفي رواية ابن عساكر: "استغفروا".
(فشرط عليّ والنصح): بالجر عطفًا على الإسلام، ويسمى بالعطف التلقيني.
(ورب هذا المسجد)، للطبراني: "ورب الكعبة".
стр. 192
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣ - كِتَابُ العِلْمِ
١ - بَابُ فَضْلِ العِلْمِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١] وَقَوْلِهِ : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]
(وقول الله): بالرفع لا غير عطفًا على باب أو استئنافًا.
٢ - بَابُ مَنْ سُئِلَ عِلْمًا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ، فَأَتَمَّ الحَدِيثَ ثُمَّ أَجَابَ السَّائِلَ
٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، ح وحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَوْمَ، جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ:
стр. 193
سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: «أَيْنَ - أُرَاهُ - السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ» قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ».
(هلال بن علي)، يقال له أيضًا ابن أبي هلال، وابن أبي ميمونة.
(فمضى يتحدث)، في رواية المستملي: "يحدثه" بزيادة هاء؛ وهي راجعة للحديث الذي كان فيه لا للأعرابي.
(أراه) بالضم، أي: أظنه، والشك من محمد بن فليح.
(السائل) بالرفع على الحكاية.
(وسد) بضم الواو وتخفيف المهملة، أي: أسند، وهو بهذا اللفظ في "الرقاق"، وأصله من "الوسادة"، وكان من شأن الأمير عندهم إذا جلس أن تثنى تحته وسادة، أي: فجعل له غير أهله وسادًا.
(إلى): طيًّا بمعنى اللام.
٣ - بَابُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالعِلْمِ
٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمُ بْنُ الفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا فَأَدْرَكَنَا - وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلَاةُ - وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.
(ماهك) بفتح الهاء، وحكي بكسرها ممنوعًا ومصروفًا، ومعناه "القمير" تصغير القمر.
стр. 194
(أرهقتنها الصلاة) أي: أعجلتنا بضيق وقتها، وفي رواية: "أرهقتنها الصلاة" بالنصب، أي: أخرناها حتى كادت تدنو من الأخرى.
(للأعقاب): جمع "عقب"، وهو مؤخر القدم.
٤ - بَابُ قَوْلِ المُحَدِّثِ: حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا
وَقَالَ لَنَا الحُمَيْدِيُّ: " كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا، وَسَمِعْتُ وَاحِدًا وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ وَقَالَ شَقِيقٌ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ كَلِمَةً وَقَالَ حُذَيْفَةُ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ وَقَالَ أَبُو العَالِيَةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ وَقَالَ أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ .
(وقال الحميدي)، في رواية كريمة، والأصيلي: "وقال لنا".
(حَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَأَنْبَأَنَا)، سقط "أنبأنا" عند كريمة، و"أخبرنا" عند الأصيلي.
٦١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ» فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ».
стр. 195
(لا يسقط ورقها)، زاد في "التفسير": "ولا ولا"، أي: ولا ينقطع ثمرها ولا يعدم فيؤها ولا يبطل نفعها.
(مثل)، لأبي ذر: بالكسر والسكون، وللأصيلي وكريمة: بفتحتين وهما بمعنى.
وفي "الأطعمة": وإن بركتها كبركة المسلم (٢)، أي: لأنها تؤكل من حين تطلع إلى حين تيبس، ثم بعد ذلك ينتفع بجميع أجزائها حتى النوى في العلف، والليف في الحبال.
(فوقع الناس) أي: ذهبت أفكارهم في أشجار البادية، فجعل كل منهم ينسبوها بنوع، وقد بين في طريق آخر أن الحاضرين كانوا عشرة، منهم: أبو بكر، وعمر، وأنهما لم يتكلما، ووقع في نفسي أنها النخلة.
زاد أبو عوانة في "صحيحه": "من أجل الجُّمار الذي أتى به".
قال ابن حجر (٣): وفيه إشارة إلى أن الملغز له ينبغي أن يتفطن لقرائن الأحوال الواقعة عند السؤال.
(فاستحييت) أي: لصغره كما بينه في الحديث الآتي بعد أبواب (٤): "قال: هي النخلة"، وفيه زاد الحارث في "مسنده": " لا تسقط لها أنملة، ولا تسقط لمؤمن دعوة".
стр. 196
قال السهيلي: وفيه بيان وجه المماثلة، ولكن اللفظ السابق على الأطعمة أعم منه، ومثله ما أخرجه البزار من حديث ابن عمر: "مثل المؤمن مثل النخلة ما أتاك منها نفعك"، وسنده صحيح. وعند ابن حبان في حديثه: "مَنْ يخبرني عن شجرة مثلها مثل المؤمن أصلها ثابت وفرعها في السماء". قال القرطبي: وجه الشبه أن أصل دين المسلم ثابت، وأن ما يصدر عنه من العلوم والخير قوت للأرواح مستطاب، وأنه لا يزال مستورًا بدينه، وأنه ينتفع بكل ما صدر عنه حيًّا وميتًا. انتهى.
وقال غيره: المراد بكون فرع المؤمن في السماء رفع عمله وقبوله.
قال ابن حجر: وأما من زعم أنه وجهه: كون النخلة إذا قطع رأسها ماتت أو أنها لا تحل حتى تلقح، أو أنها تموت إذا غرقت، أو أن لطلعها رائحة مني الأدمي، أو أنها تعشق، أو أنها تشرب من أعلاها، فكلها ضعيفة؛ لأن كل ذلك مشترك في الآدميين لا يختص بالمسلم، وأضعف من ذلك من زعم أنه لكونها خلقت من فضلة طين آدم، فإن الحديث في ذلك لم يثبت، ثم هذا الحديث لا ينافي حديث أبي داود: "أنه نهى عن الأغلوطات"، أي: صعاب المسائل، فإن ذلك محمول على ما لا نفع فيه أو ما خرج على سبيل التعنت والتعجيز.
٥ - بَابُ طَرْحِ الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْمِ
٦٢ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ المُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ» قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، فَاسْتَحْيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «هِيَ النَّخْلَةُ».
стр. 197
٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي العِلْمِ. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]
٧ - باب القِرَاءَةِ وَالعَرْضِ عَلَى المُحَدِّثِ
وَرَأَى الحَسَنُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ: «القِرَاءَةَ جَائِزَةً».
قال أبو عبد الله: سمعت أبا عاصم يذكُرُ عن لسُفيانَ الثَّوريِّ ومالك أنهما كانا يريان القراءة والسماع جائزًا.
حدثنا عبيدُ الله بن موسى عن سفيان قال: إذا قُريء على المحدث فلا بأس أن يقول: حدثني وسمعت.
واحتج بعضهم في القراءة على العالم بحَديث ضمامِ بنِ ثَعلبةَ.
قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: «فَهَذِهِ قِرَاءَةٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَ ضِمَامٌ قَوْمَهُ بِذَلِكَ فَأَجَازُوهُ» وَاحْتَجَّ مَالِكٌ: " بِالصَّكِّ يُقْرَأُ عَلَى القَوْمِ، فَيَقُولُونَ أَشْهَدَنَا فُلَانٌ وَيُقْرَأُ ذَلِكَ قِرَاءَةً عَلَيْهِمْ وَيُقْرَأُ عَلَى المُقْرِئِ، فَيَقُولُ القَارِئُ: أَقْرَأَنِي فُلَانٌ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الوَاسِطِيُّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الحَسَنِ، قَالَ: «لَا بَأْسَ بِالقِرَاءَةِ عَلَى العَالِمِ».
حدثنا عبيد الله وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الفَرَبْرِيُّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: إِذَا قُرِئَ عَلَى المُحَدِّثِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَاصِمٍ يَقُولُ عَنْ مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ القِرَاءَةُ عَلَى العَالِمِ وَقِرَاءَتُهُ سَوَاءٌ.
стр. 198
٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ هُوَ المَقْبُرِيُّ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي المَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي المَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ المُتَّكِئُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «قَدْ أَجَبْتُكَ». فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي المَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ؟ فَقَالَ: «سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ» فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اللَّهُمَّ نَعَمْ». فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ وَرَوَاهُ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ المُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا.
باب: القراءة والعرض
قيل: هما بمعنى، والتحقيق: أن العرض أخصر.
(واحتج بعضهم) هو: أبو سعيد الحداد، أخرجه البيهقي في "المعرفة" أخبر ضمام بكسر المعجمة قومه بذلك.
(فأجازوه) أي: قبلوه منه، وليس في الحديث الذي ساقه
стр. 199
المصنف بعد من حديث أنس أن ضمامًا أخبر قومه بذلك، وإنما وقع ذلك من طريق أخرى عن ابن عباس عند أحمد وغيره.
(بالصك)، بالفتح: "الكتاب" فارسي معرب.
(أبي نَمِر): بفتح النون وكسر الميم: صحابي لا يعرف.
(دخل)، زاد الأصيلي قبله: "إذ".
(بين ظهرانيهم) بفتح النون، أي: بينهم، وزيد لفظ "الظهر" ليدل على أن ظهرًا منهم قدامه، وظهر وراءه فهو محفوف بهم من جانبيه، والألف والنون فيه للتأكيد.
قال صاحب "الفائق": وقال غيره: هو مما أريد به بلفظ التثنية معنى الجمع.
(الأبيض) أي: المشرب بحمرة.
(ابن عبد المطلب) بفتح الهمزة والون على النداء للكشميهني: "يا ابن" بإثبات حرف النداء.
(إني سائلك)، في مسلم: "أنه سأله: من رفع السماء وبسط الأرض"، وغير ذلك من المصنوعات، ثم أقسم عليه به أن يصدقه عما يسأل عنه.
(فلا تجد) أي: لا تغضب.
ومادة "وجد" متحدة الماضي والمضارع مختلفة المصادر بحسب اختلاف المعاني، فيقال في الغضب: "موجدة"، وفي المطلوب: "وجودًا"،
стр. 200
وفي الضالة: "وجدنا"، وفي الحب: "وجدًا" بالفتح، وفي المال: "وجدًا" بالضم، وفي الغنى: "جدة" بالكسر وتخفيف الدال المفتوحة. وقالوا في "المكتوب": وجادة، وهي مولدة.
(أنشدك) بفتح الهمزة وضم المعجمة: من النشيد، وهو: رفع الصوت، أي: أسألك رافع نشيدتي.
(آلله) بالمد والرفع.
(اللهم نعم)، ذكر اللهم تأكيدًا لصدقه.
(تصلي) بالتاء فيه، وفيما بعده للأصيلي بالنون فيها. قال عياض: وهو أوجه.
(الصلوات)، للكشميهني والسرخسي: "الصلاة" على إرادة: الجنس، وعند مسلم: زيادة السؤال عن الحج، ولم يستحضره الزركشي.
(آمنت بما جئت به)، قيل: خبر لتقدم إسلامه، وقيل: إنشاء.
(رسول من ورائي) بفتح "من" وإضافة "رسول بهذا"، أي: بمعناه وإلا فاللفظ مختلف وسقطت هذه من رواية أبي الوقت.
(فائدة): الصواب أن قدوم ضمام كان في سنة تسع، وبه جزم ابن إسحاق وأبو عبيدة وغيرهما.
٨ - بَابُ مَا يُذْكَرُ فِي المُنَاوَلَةِ، وَكِتَابِ أَهْلِ العِلْمِ بِالعِلْمِ إِلَى البُلْدَانِ
وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: نَسَخَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ المَصَاحِفَ فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الآفَاقِ، وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ذَلِكَ جَائِزًا وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَهْلِ الحِجَازِ فِي المُنَاوَلَةِ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ كَتَبَ لِأَمِيرِ السَّرِيَّةِ كِتَابًا وَقَالَ: «لَا تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا». فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ المَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ .
(واحتج بعض أهل الحجاز): هو: الحميدي.
стр. 201
(بحديت النبي ﷺ حيث كتب): هذا الحديث أخرجه الطبراني بسند حسن من حديث جندب البجلي، وله طرق أخرى (١).
(لأمير السرية): هو عبد الله بن جحش، و"السرية": بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد التحتية: القطعة من الجيش، وكانوا اثنى عشر رجلًا من المهاجرين.
(حتى تبلغ مكان كذا وكذا)، في رواية عند ابن إسحاق: "إذا سرت يومين فافتح الكتاب".
٦٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ البَحْرَيْنِ فَدَفَعَهُ عَظِيمُ البَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ المُسَيِّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ».
(بعث بكتابه رجلًا): هو عبد الله بن حذافة.
(عظيم البحرين): هو المنذر بن ساري بالهملة وفتح الراء الممالة.
(كسرى) بفتح الكاف وكسرها.
(أنوشروان): بالنون، وصحفه بعضهم بالباء ظنه كنية.
(فحسبت)، قائله ابن شهاب (٤).
стр. 202
٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ المَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ كِتَابًا - أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ - فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ مَنْ قَالَ: نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ أَنَسٌ.
(عبد الله): هو ابن المبارك.
(كتب): هو مجاز، أي: أمر بالكتابة.
(أو أراد): شك من الراوي.
٩ - بَابُ مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ المَجْلِسُ، وَمَنْ رَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا
٦٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ، مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا: فَرَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ».
стр. 203
(فقلت): القائل: شعبة مولى عقيل، قيل له ذلك للزومه إياه، وإنما هو مولى أخته أم هانئ.
(نفر): هو بالتحريك: الرجال من ثلاثة إلى عشرة.
(فوقفا)، زاد في "الموطأ": " فلما وقفا سلما على رسول الله" أي: على مجلسه، أو على معنى "عند".
(فرجة): بضم الفاء وفتحها.
(الحلقة): بسكون اللام في الأشهر، وهي: كل مستدير خالي الوسط، والجمع: حلق، بفتحتين، والآخر بفتح الخاء.
(فأوى إلى الله): بالقصر، أي: لجأ إليه، أو انضم إلى مجلس رسول الله.
(فأواه الله): بالمد أي: جازاه بأن ضمه إلى رحمته ورضوانه.
(فاستحيا)، قال القاضي عياض: أي: ترك المزاحمة حياء من النبي ﷺ ومن الحاضرين. قال ابن حجر: بل استحيا من الذهاب عن مجلسه، كما فعل رفيقه الثالث، ففي حديث أنس عند الحاكم: ومعنى الثاني قليلًا، ثم جاء فجلس.
(فاستحيا منه) أي: رحمه ولم يعاقبه.
(فأعرض)، في حديث أنس: "فاستغنى فاستغنى الله عنه".
(فأعرض الله عنه) أي: سخط عليه، وإطلاق الاستحياء والإعراض على الله من باب المشاكلة.
١٠ - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»
٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، ذَكَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 204
قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ - أَوْ بِزِمَامِهِ - قَالَ: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا»، فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا» فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ بِذِي الحِجَّةِ» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ».
(مَبلّغ): بفتح اللام المشددة أو عن صفته ومتعلق بمحذوف، أي: يوجد أو يكون، أو رب مبتدأ، وأوعى خبره، أي: رب مبلغ عني أفهم لما أقول من سامع مني.
(بشر): ابن المفضل.
(ذكر النبي ﷺ ) بالنصب والفاعل على الراوي، يعني: أن أبا بكرة قعد، وفي رواية ابن عساكر عن أبي بكرة: "أن النبي ﷺ قعد" وهي واضحة.
(وأمسك إنسان)، قيل: بلال، وقيل: عمرو بن خارجة، وقيل: أبو بكرة راوي الحديث.
(بخطامه أو بزمامه): شك من الراوي، وهما بمعنى: وهو الخيط الذي يشد به الحلقة المسماة بالبرة في أنف البعير.
(أي يوم هذا؟)، سقط من رواية المستملي والحموي السؤال عن الشرب، والجواب الذي قبله، فصار: أي يوم هذا؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: ليس بذي الحجة، ومثل هذا الذي
стр. 205
تبع من تصرف الرواة وأوهامهم لا يسعى في توجهه، بل العمدة على الثابت في رواية الثبت ونحوه لاتحاد القصة.
(فسكتنا)، في بعض طرقه: "فقلنا: الله ورسوله أعلم"، وذلك من حسن أدبهم، لأنهم علموا أنه لا يخفى عليه، ويعرفونه في الجواب، وأنه ليس مراده مطلق الإخبار بما يعرفونه، وفي الحج من حديث ابن عباس: "قالوا: يوم حرام"، وهو من الرواية بالمعنى.
(فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم)، يقدر في الأول: "سفك"، وفي الثاني: "أخذ"، وفي الثالث: "ثلب"، لأن الذوات لا تحرم.
و"العرض" بالكسر: موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو سلفه.
(كحرمة يومكم)، قيل: المشبه به أخفض رتبة من المشبه، ومن خلاف القاعدة.
والجواب: أن تحريم اليوم والشهر والبلد كان ثابتًا في نفوسهم مقررًا عندهم بخلاف الأنفس والأموال والأعراض، فكانوا في الجاهلية يستبيحونها، فورد التشبيه بها هو مقرر عندهم، ومناط التشبيه ظهوره عند السامع.
١١ - بَابٌ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] فَبَدَأَ بِالعِلْمِ
«وَأَنَّ العُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَرَّثُوا العِلْمَ، مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ» وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وَقَالَ: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا العَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] ﴿وَقَالُوا
стр. 206
لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠] وَقَالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» وَإِنَّمَا العِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ " وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: «لَوْ وَضَعْتُمُ الصَّمْصَامَةَ عَلَى هَذِهِ - وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ - ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ تُجِيزُوا عَلَيَّ لَأَنْفَذْتُهَا» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩] " حُلَمَاءَ فُقَهَاءَ، وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ".
(وأن العلماء ... إلى قوله: وافر): طرف من حديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم من حديث أبي الدرداء (٣).
(وأن): بالفتح، ويجوز بالكسر على الحكاية.
(ورثوا): بتشديد الراء المفتوحة، أي: الأنبياء، وبكسرها مخففة، أي: العلماء.
стр. 207
(بحظ): نصيب.
(ومن سلك ...) إلى آخره: حديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة.
(سهل الله له طريقًا) أي: في الآخرة، أو في الدنيا بأن يوفقه للأعمال الصالحة.
(يفقهه)، للمستملي: "يفهمه"، وهو باللفظ الأول موصول في الكتاب، وبالثاني في كتاب "العلم" لابن أبي عاصم من حديث ابن عمر، عن عمر مرفوعًا بسند حسن.
(وإنما العلم بالتعلم): هو حديث أخرجه الطبراني من حديث معاوية وأبو نعيم من حديث ابن مسعود وأبي الدرداء.
(وقال أبو ذر)، وصله الدارمي في "مسنده" عن مرثد قال: أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى، وقد اجتمع عليه الناس يستفتونه، فأتاه رجل فوقف عليه ثم قال: ألم تنه عن الفتيا؟ فقال: لو وضعتم ... إلى آخره.
(الصمصامة) بمهملتين: الأولى مفتوحة: السيف الصارم الذي لا ينثنى، وقيل: الذي له حد واحد.
стр. 208
(أنقذ) بضم الهمزة وكسر وضم الفاء وذاله معجمة، أي: أمض.
(تجيزوا عليّ) بضم الفوقية وكسر الجيم وبعد الياء زاي، أي: تكملوا قتلي.
(صغار العلم): ما وضح من مسائله، وكباره ما دق منها.
١٢ - بَابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالعِلْمِ كَيْ لَا يَنْفِرُوا
٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ «يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا»
٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا، وَلَا تُنَفِّرُوا».
(محمد بن يوسف): هو الفريابي.
(سفيان): هو الثوري.
(يتخولنا): بالخاء العجمة وتشديد الواو: "يتعهدنا"، وقال أبو عمرو بن العلاء: الصواب "يتخوفنا" بالنون، ومعناه: يتعهدنا، وقال أبو عمرو الشيباني: الصواب "يتحولنا" بالحاء الهملة، أي: يتطلب أحوالنا التي ينشط فيها للموعظة.
قال ابن حجر: والصواب من حيث الرواية وقد صح المعنى فيه.
(السآمة): الملال والنفور.
(علينا)، قلت: عدى بعلى، لأن "كراهة" بمعنى: مخافة، وقد روى "مخافة" في الباب الآتي، فالتعبير بكراهة من تصرف الرواة.
стр. 209
١٣ - بَابُ مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ العِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَةً
٧٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُلَّ يَوْمٍ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا.
(يومًا معلومًا)، لكريمة: "أياما معلومة"، للكشميهني: "معلومات".
(فقال له رجل): يشبه أن يكون يزيد بن معاوية النخعي.
(لوددت): اللام جواب قسم مقدر.
(أني أكره): بفتح "أني" فاعل: يمنعني (أملكم) بضم الهمزة.
(وإني): بكسرها.
١٤ - بَابٌ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ
٧١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ، خَطِيبًا يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ».
بَابٌ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ
زاد الكشميهني: "في الدين".
(ولن تزال هذه الأمة)، في لفظ: "طائفة من هذه الأمة"، وسيأتي في الاعتصام.
стр. 210
١٥ - بَابُ الفَهْمِ فِي العِلْمِ
٧٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ إِلَى المَدِينَةِ فَلَمْ أَسْمَعْهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ، فَقَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً، مَثَلُهَا كَمَثَلِ المُسْلِمِ»، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: هِيَ النَّخْلَةُ، فَإِذَا أَنَا أَصْغَرُ القَوْمِ، فَسَكَتُّ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «هِيَ النَّخْلَةُ».
(على)، زاد أبو ذر بن عبد الله: "وهو ابن المديني".
(بجمار): بضم الجيم وتشديد الميم، قلت: النخلة وشحمتها.
١٦ - بَابُ الِاغْتِبَاطِ فِي العِلْمِ وَالحِكْمَةِ
وَقَالَ عُمَرُ: «تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: «وَبَعْدَ أَنْ تُسَوَّدُوا وَقَدْ تَعَلَّمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِي كِبَرِ سِنِّهِمْ».
٧٣ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا".
(الاغتباط): بغين معجمة.
(تسودوا): بضم الفوقية وفتح المهملة والواو المشددة، أي: تجعلوا سادة، زاد الكشميهني: "قال أبو عبد الله -أي: البخاري-: وبعد أن تسودوا".
стр. 211
(على غير ما حدثناه الزهري) يعني: أن الزهري حدث سنين بهذا الحديث بلفظ غير الَّذي حدثه إسماعيل.
(لا حسد): هو تمني زوال النعمة عن المنعم عليه، والمراد هنا: الغبطة، أي: حصول مثل ما له من غير زواله عنه، ويجوز إرادة نفي الحسد الحقيقي، ويكون الاستثناء منقطعًا.
(اثنتين) بالتاء، أي: خصلتين، وفي "الاعتصام": "اثنين".
(رجل) بالرفع على التاء، أي: خصلة رجل، والجر على عدمها بدلًا، وفي ابن ماجة: بالنصب بإضمار "أعني".
(فسلطه)، لأبي ذر: "فسُلط".
(هلكته) بفتح اللام والكاف، أي: هلاكه.
١٧ - بَابُ مَا ذُكِرَ فِي ذَهَابِ مُوسَى ﷺ فِي البَحْرِ إِلَى الخَضِرِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا)
٧٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَهُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ خَضِرٌ، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى، الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ " قَالَ مُوسَى: لَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ
стр. 212
الحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يَتَّبِعُ أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتَاهُ: (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ)، قَالَ: (ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا)، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ".
(حدثنا)، للأصيلي: "حدثني".
(غرير): بضم الغين المعجمة.
(تمارى): تجادل.
(الحر) بضم الحاء وتشديد الراء المهملتين: صحابي.
(بلى عبدنا)، للكشميهني: "بل".
١٨ - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ»
٧٥ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الكِتَابَ».
(ضمني)، زاد في " الفضائل: "إلى صدره".
(اللهم علمه الكتاب)، زاد الترمذي: "مرتين"، وفي ابن ماجة: "اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب".
١٩ - بَابٌ: مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ ؟
٧٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ
стр. 213
الِاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ».
(سماع الصغير)، للكشميهني: "الصبي الصغير".
(حمار): اسم جنس يقع على الذكر والأنثى.
(أتان): بفتح الهمزة، وحكى كسرها، ومثناه: الأنثى خاصة وهما بالتنوين، فالثاني نعت أو بدل أو بيان، وروي بالإضافة.
(ناهزت): قاربت.
(إلى غير جدار) أي: غير سترة.
(ترتع) بمثناتين مفتوحتين وضم العين، أي: تأكل ما تشاء، وقيل: تسرع في المشي، وروي بكسر العين بوزن "تفتعل" من الرعي، وأصله "ترتعى" حذفت الياء تخفيفًا، والأصوب الأول، ففي "الحج": "نزلت عنها فرتعت".
(ودخلت)، للكشميهني: "فدخلت".
٧٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: «عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِي وَأَنَا ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ».
(محمد بن يوسف) هو: البيكندي، إذ لا رواية للفريابي عن أبي مسهر.
(قلت) بفتح القاف: حفظت.
стр. 214
(مجه) بفتح الميم وتشديد الجيم، والمج: إرسال الماء من الفم، وفعله النبي ﷺ معه تبركًا.
(وأنا ابن خمس سنين) قال القاضي عياض: وروي: "وأنا ابن أربع" قال ابن حجر: ولم أقف على هذه الرواية بعد التتبع التام.
(من دلو) زاد النسائي: "معلق"، ولابن حبان: "معلقة"، و"الدلو" يُذكر ويؤنث.
٢٠ - بَابُ الخُرُوجِ فِي طَلَبِ العِلْمِ وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ
٧٨ - حَدَّثَنَا أَبُو القَاسِمِ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ قَاضِي حِمْصَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ فَقَالَ أُبَيٌّ: نَعَمْ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ يَقُولُ: " بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلَإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَتَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُنَا خَضِرٌ، فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ
стр. 215
الحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَّبِعُ أَثَرَ الحُوتِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ فَتَى مُوسَى لِمُوسَى: (أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ)، قَالَ مُوسَى: (ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا)، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ".
(ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد). هو حديث: " يحشر الناس يوم القيامة عراة " الحديث في القصاص رحل فيه إلى الشام، أخرجه المصنف في "الأدب المفرد" وأحمد وغيرهما.
(خَلِيّ): بفتح المعجمة وكسر اللام الخفيفة بوزن "عليّ".
(هو): سقطت من رواية ابن عساكر.
٢١ - بَابُ فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ
٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلَأَ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ،
следующие страницы →