← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18194

التعليق على الموطأ في تفسير لغاته وغوامض إعرابه ومعانيه

هشام بن أحمد الوقشي

Полный текст (937 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

- وَقَولُهُ: "بَعْدَ أنْ أسْفَرَ" [٣]. أَسْفَرَ الصُّبْحُ: إِذَا أَنَارَ، وَأَسْفَرَ القَوْمُ: إِذَا أَصْبَحُوا (١)، واشْتِقَاقُهُ مِنْ قَوْلهِمْ: سَفَرَتِ المَرْأَةُ نِقَابَهَا عَنْ وَجْهِهَا: إِذَا كَشَفَتْهُ، وسَفَرْتُ البَيْتَ: إِذَا كَنَسْتُهُ، ويُقَالُ لِلْمِكْنَسَةِ: مِسْفَرَةٌ، يُرَادُ بِهِ انْقِشَاعُ الظلْمَةِ وإِقْبَالُ النَّهَارِ بِضَوْئِهِ. - وَقَوْلُ عَائشِةَ: "إنْ كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ليُصلِّيَ الصُّبح" [٤]. "إِنْ" فِي هَذَا المَوْضِعِ ونَحْوهِ عِنْدَ سيْبَويْهِ مُخَفَّفَةٌ من "إِنَّ" المُشَدَّدَة، واللَّامُ لازِمَةٌ لخَبَرِهَا؛ ليُفَرَّقَ بَيْنَهَا وبَيْنِ "إنْ" الَّتِي بِمَعْنَى "مَا"، فإِذَا قُلْتَ: إِنْ زَيْدٌ لَقَائِمٌ فَهِي تَأْكِيْدٌ، وإِذَا قُلْتَ: إِنْ زَيْدٌ قَائِمٌ -وأَسْقَطْتَ اللَّامَ- فَهِيَ نَفْيٌ بِمَعْنَى مَا زَيْدٌ قَائِمٌ، والكُوْفِيُّوْنَ يُجِيْزُوْنَ أَنْ يكُوْنَ نَفْيًا، وإِنْ كَانَتِ اللَّامُ فِي خَبَرِهَا (٢)، ويَجْعَلُوْنَ اللَّامَ بِمَعْنَى "إِلَّا" المُوجِبَةِ، كَأَنَّهَا قَالتْ: مَا كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ إلَّا يُصَلِّي، وتَقْدِيْرُ الكَلامِ عَلَى مَذْهَبِ سِيْبَوَيْهِ: إِنْ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ، كَانَ يُصَلِّي، ونَظِيْرُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالى (٣):

стр. 107

﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ في قِرَاءَة مَنْ رَفَعَ الفِعْلَ وفَتَحَ اللَّامَ. - وقَولُهَا: "مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوْطِهِن". وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بِفَاءَيْنِ، وَرَوَاو أَكْثَرُ الرُّوَاةِ بِالفَاءِ وَالعَيْنِ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ، والمَعْنَى وَاحِدٌ (١)، يُقَالُ: تَلَفَّعَ الرَّجُلُ بثَوْبِهِ: إِذَا اشْتَمَلَ بِه، قَال ابنُ [قَيْسٍ] الرُّقياتِ (٢):

стр. 108

لَمْ تَتَلَفَّعْ بِفَضْلِ مِئْزَرِهَا ..... ... .................... البيت وفي رِوَايَةِ ابنِ بُكَيْرٍ: "فَيَنْصَرِفْنَ" عَلَى لَفْظِ الجَمْعِ، وَهِيَ لُغَة لِبَعْضِ العَرَبِ يُضْمِرُونَ في الفِعْلِ إِذَا تَقَدَّمَ الفَاعِلُ، كَمَا يُضْمِرُونَ فِيْهِ إِذَا تَأخَّرَ فَيَقُوْلُوْنَ: قَاموا إِخْوَتُكَ، وقُمْنَ النِّسَاءُ، والأفْصَحُ الأكْثَرُ: الإفْرَادُ، قَال الشَّاعِرُ (١): وَلكِنْ دِيَافِيُّ أَبُوْهُ وَأَمُّهُ ... بِحَوْرَانَ يَعْصُرْنَ السَّلِيْطَ أَقَارِبُهْ - و"المُرُوْطُ": أَكْسِيَة تُتَّخَذُ مِنَ الصُّوْفِ وَالخَزِّ، وَجَاءَ تَفْسِيْرُهَا فِي هَذَا

стр. 109

الحَدِيْثِ: أَنّهَا أَكْسِيَةٌ مِنْ صُوْفِ مُرَبَّعَة، سُدَاهَا شَعْرٌ. وأَمَّا قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ (١): * ... [عَلَى أثرَيْنَا] (٢) ذَيْلَ مِرْطِ مُرَحَّلِ * فَالمِرْطُ (٣) -ههنَا- من خَزٍّ. - و"الغَلَسُ": ظُلْمَةُ آخِرِ اللَّيْلِ. - وقَوْلُهُ: "مَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا" [٦]. فَإِنَّ الحِفْظَ رِعَايَةُ الشَّيْءِ لِئَلَّا يَذْهَبَ ويَضِيع، ومِنْهُ حِفْظُ القُرْآنِ، وحِفْظُ العَهْدِ. وأَمَّا المُحَافَظَةُ فمُلازَمَةُ الشَّيْءِ، والغَالِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعْمَلَ فِي مُلازَمَةِ المَأمُورِ مَا أُمِرَ بِهِ. وأَمَّا الحِفْظُ فَإِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِيْمَا أُمِرَ بِهِ الإنْسَانُ وفِيْمَا لَمْ يُومَرْ، وإِنَّمَا يَفْعَلُهُ باخْتِيَارِهِ دُوْنَ أَنْ يُلزِمَهُ إِيَّاهُ مُلْزِمٌ، فَلِذلِكَ يُوْصَفُ البَارِي تَعَالى بـ"الحَافِظِ" و"الحَفِيْظ"، ولا يُوصَفُ بـ "المُحَافِظِ"، وَلِلمُحَافَظَةِ معنَى آخَرُ، وَهُوَ أَنْ تَحْفَظَ الرَّجُلَ ويَحْفَظَكَ، فَهُو فِعْل يَقَعُ بَيْنَ اثْنَيْنِ لَا يَتِمُّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا دُوْنَ الآخَرِ، بِمَنْزِلَةِ المُضَارَبَةِ والمُشَاتَمَةِ، ولا مَدْخَلَ لِهَذَا المَعْنَى فِي حَدِيْثِ عُمَرَ، ولا يُوصَفُ بِهِ اللهُ تَعَالى كَمَا لَمْ

стр. 110

يُوصَفْ بالأوَّلِ. - وَقَوْلُ عُمَرَ: "فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أضْيَعُ". هكَذَا رُويَ فِي هَذَا الحَدِيْثِ، وكَانَ الوَجْهُ أَنْ يُقَال: فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَشَدُّ إِضَاعَة؛ لأنَّ الفِعْلَ الزَّائِدَ عَلَى ثَلاثَةِ أَحْرُفٍ لا يُبْنَى مِنْهُ أَفْعَلَ، وَقَدْ أَجَازَهُ سِيْبَوَيهِ (١) فِيْمَا كَانَ أَوَّلَهُ الهَمْزَةُ خَاصَّةً، وجَاءَ كَثيْرًا فِي الكَلامِ والشِّعْرِ كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ (٢): وَمَا شَنَّتَا خَرْقَاءَ وَاهِيَتَا الكُلَى ... سَقَى بِهِمَا سَاقٍ وَلَمَّا تَبَلَّلا بِأضْيَعَ مِنْ عَيْنَيْكَ لِلْدَّمْعِ كُلَّمَا ... تَوَهَّمْتَ رَسْمًا أَوْ تَذَكَّرْتَ مَنْزِلا - وَقَوْلُهُ: "ثَلاثَةُ فَرَاسِخَ" [٨]. المَشْهُوْرُ في الفَرْسَخِّ أنه ثَلاثَةُ أَمْيَالٍ، وَزَعَمَ بَعْضُ اللُّغَويِّينَ أَنّه قَدْ يَكُوْنُ أَرْبَعةً، ولَيْسَ ذلِكَ بِمَعْرُوْفٍ، وَوَقَعَ فِي حَدِيْثِ مُوْسَى بنُ عُقْبَةَ (٣): "قَدْرُ مَا يَسِيْرُ الرَّاكبُ عَلَى الجَمَلِ الثّقَالُ فَرْسَخَيْنِ"،

стр. 111

والثَّقالُ -بِفَتْحِ الثَّاءِ-: الجَمَلُ البَطِيْءُ السَّيْرِ (١). فَأَمَّا الثفالُ -بِكَسْرِ الثَّاءِ- فَجِلْد يُجْعَلُ تَحْتَ الرَّحَى، قَال لَبِيْدُ بنُ رَبِيْعَةَ (٢):

стр. 112

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 113

فَبَاتَ السَّيْلُ يَرْكَبُ جَانِبَيْهِ ... مِنَ البَقَّارِ كَالعَمِدِ الثَّفَالِ - وَقَوْلُهُ: "إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ" [٧]. مَعْنَاهُ: مَالتْ، وكُلُّ شَيْءٍ مَال وانْحَرَفَ عَن الاعْتِدَالِ فَقَد زَاغَ، قَال اللهُ [ ] (١): ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. - و"الفَيْءُ": الظِلُّ إِذَا رَجَعَ مِن جَانِبِ المَغْرِبِ إِلَى جَانِبِ المَشْرِقِ، ولا يُقَالُ لَهُ قَبْلَ الزَّوَالِ فَيْءٌ حَتَّى يَنْقَلِبَ ويَرْجِعَ؛ لأنَّ هَذَا مَعْنَى الفَيْءِ في اللُّغَةِ، إِنَّمَا هُوَ الرُّجُوع، قَال اللهُ [ ] (٢): ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: تَرْجِعَ. - وَقَوْلُهُ: "مَا بيْنكَ وبيْنَ ثُلُثِ اللَّيْلِ" [٨]. كَذَا الرِّوَايَةُ، وَهُوَ كَلامٌ فِيْهِ مَجَازٌ؛ لأنَّه لَمْ يُرِدْ أَنْ يُحَدِّدَ مَا بَيْنَ المُخَاطبِ وَبَيْنَ ثُلُثِ اللَّيْلِ، كَمَا تَقُوْلُ: مَا بَيْنَكَ وبَيْنَ الحَائِطِ، وإِنَّمَا أَرَادَ مَا بَيْنَ وَقْتِكَ وبَيْنَ ثُلُثِ اللَّيْلِ، فَحَذَفَ المُضَافَ وَأَقَامَ المُضَافَ إِلَيْهِ مَقَامَهُ. ويُقَالُ: غَرَبَتِ الشَّمْسُ بِفَتْحِ الرَّاءِ، وقَدْ أُولِعَتِ العَامَّةُ بضَمِّهَا، وهُو خَطَأٌ، قَال اللهُ: [ ] (٣): ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ [ذَاتَ الشِّمَالِ]﴾. - وَقَوْلُهُ: "بِغَبشٍ": المَشْهُور من رِوَايَة يحيى بالشِّين المُعجمة، والمَشْهُوْرُ من رِوَايَةِ ابن بُكَيْرٍ بالسِّين المُهْمَلة، وهُمَا لُغتان جَيِّدَتَان، حَكَى اللُّغويُّونَ (٤):

стр. 114

غبَسَ اللَّيْلُ وأغْبَسَ، وغَبَشَ وأَغْبَشَ، وهو اخْتِلاطُ الضوْءِ والظُّلْمَةِ (١). - وَقَوْلُهُ: "ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى قُباء" [١١]. يَجُوزُ في "قُباء" الصَّرفُ على المَوضعِ والمَكَانِ، وتَركُ الصَّرْفِ على مَعْنَى البُقْعَةِ والأرْضِ (٢)، ويَدُلُّ علَى أنه مَمْدُوْدٌ قَوْلُ ابنِ الزِّبَعْرَى (٣):

стр. 115

حِيْنَ أَلْقَتْ بِقُبَاءٍ بَرْكَهَا ... واسْتَحَرَّ القَتْلُ فِي عَبْدِ الأشَلُّ - وَقَوْلُ عُمَرَ بن الخَطَّابِ: "فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ" ثَلاثًا: إِنَّمَا ذلِكَ عَلَى جِهَةِ التَّوكيدِ والإغْلاظِ في الدُّعَاءِ عَلَيْهِ، وخَصَّ الثَّلاثَةِ؛ لأنَّ أبا عُبَيْدَةَ (١) حَكَى أَنَّ العَرَبَ

стр. 116

كَانُوا يَسْتَحْسِنُوْنَ الثَّلاثَةَ إِذَا أَرَادُوا مَدْحًا أَوْ ذَمًّا ونَحْوَهُمَا، فَيقُولُوْنَ: أَجْوَادُ العَرَبِ ثَلاثَةٌ، وَشُجْعَانُهُم ثَلاثَةٌ، وَنَحْوُ ذلِكَ. وَمَعْلُوْمٌ أنّه كَانَ فِيْهم من الشُّجْعَانِ وَالأجْوَادِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا العَدَدِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُوْنَ جَرَى عَلَى قَوْلِ العَرَبِ في هَذَا. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّاعِرُ في قَوْلهِ (١): نَعَمْ فَاسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي ثُمَّتَ اسْلَمِي ثَلاثَ تَحِيَّات وإِنْ لَمْ تَكَلَّمِي (اشتِقَاقُ الصَّلَوَاتِ) الصَّلَوَاتُ أَصْلُهَا أَنْ تُضَافَ إِلى أَوْقَاتِهَا، فيقَالُ: صَلَّيْنَا صَلاةَ الظُّهْرِ، وصَلاةَ العَصْرِ، وكَذلِكَ سَائِرُها، ثُمَّ يَحذِفُوْنَ ذِكْرَ الصَّلاةِ اخْتِصَارًا فَيَقُوْلُوْنَ

стр. 117

صَلَّيْنَا الظُّهْرَ، وَصلَّيْنَا العَصْرَ، وَكَذلِكَ غَيْرُهَا، وَمَجَازُهُ عَلَى حَذْفِ المُضَافِ وإقَامَةِ المُضَافِ إِلَيْهِ مَقَامَهُ كَقَوْلهِ [تَعَالى] (١): ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾. ويَجُوْزُ أَن يَكوْنَ عَلَى مَعْنَى تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ باسمِ الشَّيْءِ إِذَا اتَّصَلَ بِه ولازَمَهُ، أَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا سَبَبٌ. - واشِتِقَاقُ "الصُّبح" من الصَّبَاحَةِ؛ وهي الجَمَالُ والحُسْنُ؛ سُمِّيَ بذلِكَ لإشْرَاقِهِ. ويجوزُ أَنْ يَكُونَ من قَولهم: شَيْءٌ أَصْبَحُ؛ إِذَا كَانَ فيه بَيَاضٌ وحُمْرَةٌ فيكونُ قد سُمِّيَ بذلِكَ لِلبَيَاضِ الَّذِي تُخَالِطُهُ الحُمْرَةُ في أَوَّلِ النَّهَارِ. - واشْتِقَاقُ "الفَجْرِ": من تَفَجُّرِ المَاءِ وظُهورِهِ مِنَ الأرْضِ، شَبَّهَ انْصِدَاعُه في الطلامِ بانْفِجَارِ المَاءِ. - و"الظُّهْرُ" و"الظَّهِيْرَةُ" -في اللُّغَةِ-: سَعَةُ الزَّوَالِ حِيْنَ يقوَى سُلْطَانُ الشَّمْسِ، فسُمِّيَتِ الصَّلاةُ ظُهْرًا؛ لأنَّهَا تُصَلَّى في ذلِكَ الوَقْتِ. وقِيْلَ: سُمِّيَتْ بِذلِكَ؛ لأنَّهَا أَوَّلُ صَلاة أُظْهِرَت. - و"العَصْرُ": العَشِيُّ، وبِذلِكَ سُمِّيَتِ الصَّلاةُ في المَشْهُوْرِ من أَقْوَالِ العُلَمَاءِ، قَال الحَارِثُ بنُ حِلَّزةَ -يَصِفُ نَعَامَةً- (٢):

стр. 118

آنَسَتْ نَبْأةَ وَأَفْزَعَهَا القُنَّاصُ ... عَصْرًا وَقَدْدَنَا الإمْسَاءُ ورُويَ عَنْ سَعِيْدِ بنِ جُبَيْرٍ (١) وأَبِي قِلابَةَ (٢) أَنّهُمَا قَالا: سُمِّيَتْ عَصْرًا لِتُعْصَرَ، أَرَادَا بذلِكَ تأَخيرُهَا، والأوَّلُ هُوَ المَعْرُوفُ. ويُقَالُ للصُّبْحِ وَالعَصْرِ: العَصْرَانِ (٣)، ومِنْهُ حَدِيْثُ عَبْدِ اللهِ بنِ فَضَالةَ (٤) عن أَبِيْه أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَال لَهٌ (٥): "حَافِظْ عَلَى العَصْرَيْنِ" قَال: وَمَا كَانَتْ من

стр. 119

لُغَتِنَا، وإِنَّمَا قِيْلَ لَهُمَا ذلِكَ؛ لأنَّ الغَدَاةَ والعَشِيَّ يُقَالُ لَهُمَا: العَصْرَانِ، قَال الشَّاعِرُ (١): وَأَمْطُلُهُ العَصْرَيْنِ حَتَّى يَمَلَّنِي ... وَيَرْضى بنصْفِ الدَّيْنِ والأنْفُ رَاغِمُ ويُقَالُ أَيْضا لِلَّيْلِ والنَّهَارِ: العَصْرَانِ، قَال حُمَيْدُ بنُ ثَوْرٍ الهِلالِيُّ (٢): أَرَى بَصَرِى قَدْ رَابَنيْ بَعْدَ صِحَّةٍ ... وَحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَصِحَّ وتَسْلَمَا وَلَا يَلْبَثُ العَصْرَانِ يَوْمًا وَلَيلَة ... إِذا طُلِبَا أَنْ يُدْرِكَا مَا تَيَمَّما

стр. 120

- وَمَعْنَى "غَرَبَتِ الشَّمْسُ": بَعُدَتْ فَلَمْ تُدرِكْهَا الأبْصَارُ، ومنه سُمِّيَ الغَرِيْبُ لِبُعدِهِ عَنْ أَهلِهِ. وَسُمِّيَ أَوَّلُ اللَّيْلِ عِشَاءً؛ لأنَّه يُعْشِي العُيُونَ فَلَا تَرَى شَيْئًا إلَّا عَنْ ضَعْفٍ مِنَ النَّظَرِ. - وَ"العَتَمَةُ مِنَ اللَّيْلِ": قَدْرُ ثُلُثِهِ، وبذلِكَ سُمِّيت الصَّلاةُ. وقِيْلَ: سُمِّيَت [عَتَمَة] (١) لتَأخُّرِهَا؛ من قَوْلهِمْ: فُلانٌ يَأْتِيْنَا ولا يُعْتِمُ؛ أَيْ: لَا يُؤَخّرُ، وَعَتَمَةُ الإبِلِ: رُجُوْعُهَا مِنْ مَراعَاهَا بَعْدَ مَا تُمْسِي، وَنَاقَةٌ عَاتِمٌ: إِذَا تأَخَّرَ حَمْلُهَا وأَبْطَأ، قَال الشَّاعِرُ -يَمْدَحُ قَوْمًا-: (٢) إِذَا غَابَ عَنكمْ أَسْوَدُ العَيْنِ كُنْتُمُ ... كِرَامًا وَأَنْتُم مَا أَقَامَ أَلائِمُ تَحَدَّثُ رُكْبَانُ الحَجِيْجِ بِلُؤمِكُمْ ... ويَقْرِي بِهِ الضَّيْفَ اللَّقَاحُ العَوَاتِمُ وَقَال أَصْحَابُ المَعَانِي في تَعْبِيْرِ هَذَيْنِ البَيْتينِ: أَسْوَدُ العَيْنِ: جَبَلٌ مَعْرُوْفٌ، يَقُوْلُوْنَ: لَا يكُوْنُونَ كِرَامًا حَتَّى يَزُوْلَ هَذَا الجَبَلُ عن مَوْضِعِهِ. وقَال بعضُهُم: إِنَّمَا أَرَادَ لا يكُوْنُوْنَ كِرَامًا مَا دَامَ فِيْكُم رَجُل أَسْود العَيْن، [وَهَذَا] (٣)

стр. 121

عِنْدِي هو الصَّحِيْحُ؛ لأنَّه قَدْ رُويَ: "أَسْوَدُ الرَّأْسُ". وقَوْلُهُ: "ويَقْرِي ... " إلى آخرِهِ، اللَّقَاحُ: الإبِلُ ذَوَاتُ اللَّبَنِ، يُريدُ: إنَّ الرُّعَاةَ يَتشاغَلُون بذِكْرِ لُؤمِكُم عن حَلْبِ إِبلِهِمْ فَإِذَا طَرَقَ الضَّيْفُ وَجَدَ الألْبَانَ حَاضِرَةً فَقُرِيَ بِهَا، فَكَأَنَّ لُومَكُمْ هو الَّذِي قَرَاهُ؛ إِذْ كَانَ السَّبَبَ لِلْقَرِا. (وَقْتُ الجُمُعَةِ) في "الطَّنْفَسَةِ" ثَلاثُ لُغَاتٍ، كَسْرُ الطَّاءِ والفَاءِ، وفَتْحُهمَا، وكَسْرُ الطَّاءِ وفَتح الفَاءِ، وهيَ تُتَّخَذُ لِلْجُلُوْسِ عَلَيْهَا وللرُّكُوْبِ عَلَى الإبِلِ (١)، ويَدُلُّ على

стр. 122

ذلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ (١): أَتَتكَ العِيْسُ تَنفُخُ في بُرَاهَا ... تكَشَّفُ عَنْ مَنَاكِبِهَا القُطُوعُ قَال اللُّغَويُّوْنَ في تَفْسِيْرِهِ: القُطُوع: الطَّنَافِسُ. وَاحِدُهَا: قِطْعٌ بكَسْرِ القَافِ وسُكُوْنِ الطَّاءِ.

стр. 123

- و"الضُّحَى": إِذَا ضُمَّ أَوَّلُهُ قُصرَ، وإِذَا فُتِحَ أَوَّلُهُ مُدَّ، والضُّحَى مُؤَنّثَة، يُقَالُ: ارتفَعَت الضُّحَى، وتُصَغَّرُ: ضُحَيّ، ولَمْ يَقُوْلُوا: ضُحَيَّة؛ لِئَلَّا تَلْتَبِسُ بتَصْغِيْرِ ضَحْوَةٍ. - وَ"الضَّحَاءُ" -بِفَتْحِ الضَّاد- والمَدِّ مُذَكَّرٌ، وهو أَرْفَعُ منَ المَرْفُوْعِ الأوَّلِ المَقْصُورِ إلى قُربٍ من نِصْفِ النَّهَارِ. وكَذَا قَال صَاحِبُ كِتَابِ "العَيْنِ" (١). - و"الضَّحْوُ": ارْتِفَاعُ النَّهَارِ، والضُّحَى فُوَيْقَ ذلِكَ، والضَّحَاءُ: إِذَا امتَدَّ النَّهَارُ. قَال: والشَّمْسُ تُسَمَّى الضَّحَاءُ. وَقَال غَيْرُهُ (٢): الضَّحَاءُ مَفْتُوْحٌ مَمْدُوْدٌ للإبِلِ كَالوَرَاء لِلنَّاسِ، وأَنْشَدَ للنَّابِغَةِ الجَعْدِيِّ (٣): أَعْجَلَهَا أَقْدَحِيُّ الضَّحَاء ضُحًى ... ............ البيت وَرَوَيْنَاهُ في "المُوَطَّأ": "فَنَقِيْلُ قَائِلَةَ الضَّحَاء" مَفْتُوْحُ الأوَّلِ مَمْدُوْدًا، ومَعْنَاهُ

стр. 124

عَلَى رَأي المَالِكِيّةِ: أنَّهُم يَسْتَدرِكُوْن مَا فَاتَهم من قَائِلَةِ الضَّحَاءِ؛ لأنَّهُم كَانُوا يُهَجِّرُونَ يومَ الجُمَعَةِ فَلَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يَقِيْلُوا قَائِلَةَ الضَّحَاءِ حَتَّى يَنْصَرِفُوْا مِنَ الصَّلاةِ، فَيَسْتَدْرِكُوْا مَا فَاتَهُم مِنْ ذلِكَ، فَتَقْدِيْرُ الكَلامِ عَلَى هَذَا: فَنَقِيْلُ قَائِلَةَ الضَّحَاءِ الَّتي فَاتَتْنَا، أَو نَقِيْلُ القَائِلَةَ الَّتِي كَانَ يَجِبُ أَنْ نَقِيْلَهَا في الضَّحَاءِ فَحَذَفَ بعضَ الكَلامِ اخْتِصَارًا، والعَرَبُ تَفْعَلُ ذلِكَ كثيْرًا، فَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالى (١): ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ أي: وَزْنًا نافِعًا، وَلَمْ يُرِدْ نَفْيَ الوَزْنِ عَلَى الإطْلاقِ لِقَوْلهِ في آيةٍ أُخْرَى (٢): ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ فَأخبَرَ أَنَّ أَعْمَالهُم تُوْزَنُ ولكِنَّهُ وَزْنٌ لَا يَنْتِفِعُونَ بِهِ. وَقَالتِ الكِلابِيةُ (٣):

стр. 125

لَلِبْسُ عَبَاءَة وتَقَرَّ عَيْني ... .................. البَيْتُ المَعْنَى: مِنْ لِبْسِ الشُّفُوْفِ دُوْنَ قُرَّةَ عَيْنٍ، ولابُدَّ من تَقْدِيْرِ ذلِكَ وإلَّا لَمْ يَصِحَّ المَعْنَى، لأنَّ مَنْ لَبِسَ الشُّفُوْفَ وقَرَّتْ عَيْنُهُ خَيْرٌ مِمَّنْ لُبْسِ العَبَاءَة وقَرَّتْ عَيْنُهُ فِيْمَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ من المَعْنَى. فَإِنْ قِيَلَ: فَإِنَّ العَرَبَ لَا تَحْذِفُ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ في الَّذِي يَبْقَى من الكَلامِ دَلِيْلٌ عَلَى المَحْذُوفِ، أَوْ عَلَى المَعْنَى المُرَادِ كَمَا كَانَتْ مِنَ الدِّلالةِ في الآيةِ المَذْكُوْرَةِ والبَيْتِ، فَمَا دَلِيْلُكُمْ عَلَى أَنَّ هَذَا الحَدِيْثِ مِثْلُه؟ قُلْنَا: دَلِيْلَنَا عَلَى ذلِكَ ما قَد ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنهَا لَوْ كَانَتْ لِصَلاةِ العِيْدِ لَمْ يَجُزْ أَنْ تُصَلَّى بَعْدَ الزَّوَالِ، والمُجِيْزوْنَ لِصَلاتِهَا قَبْلَ الزَّوَالِ لا يَدْفَعُوْنَ جَوَازَهَا بَعْدَهُ، فَلَمَّا ثَبَتَ هَذَا، وكَانَ قَوْلُهُ: "لُمَّ نَرْجِعُ فَنقِيْلُ قَائِلَةَ الضَّحَاءِ" يُخَالِفُ ذلِكَ، حَمَلْنَاهُ عَلَى مَعْنَى الحَذْفِ؛ لِلاخْتِصَارِ الَّذِي قَدْ كَثُرَ وُرُوْدُهُ في الكَلامِ المَنْثُوْرِ والمَنْظُوْمِ. ويُقَالُ: قَال الرَّجُلُ يَقِيْلُ قَيْلُوْلَةً: إِذَا نَامَ في القَائِلَةَ، فَأمَّا البَيع فيُقَالُ

стр. 126

فيه: قَالهُ البَيع، وأَقَالهُ البَيع، وَكَثيْرٌ مِنَ اللُّغَويِّيْنَ [يَقُوْلُوْنَ]: أَقَال -بالألِفِ- في البَيع، وَلَا يُجِيْزُ قَال إِلَّا في نَوْمِ القَائِلَةِ. - وَ"مَلَلُ": مَوْضِعٌ (١) قَرِيْبٌ مِنَ المَدِيْنَةِ، يُصْرَفُ إِذَا ذُهِبَ بِهِ إِلَى المَوْضِعِ والمَكَانِ ويُمْنَعُ مِنَ الصَّرْفِ إِنْ ذُهِبَ بِهِ إلى البُقْعَةِ والأرْضِ، أَنْشَدَ الخَلِيْلُ:

стр. 127

مَاذَا تَذَكَّرْتَ منْ زَيْدِيَّةٍ ... بَيْضَاءَ حَلَّت جَنُوْبَ مَلَلْ - و"التهجِيْرُ": السَّيْرُ فِي الهَاجِرَةِ، وَهِيَ القَائِلَةُ، يُقَالُ: هَجَّرَ الرَّجُلُ أيُهَجِّرُ، تَهْجِيْرًا فَهُوَ مُهَجِّر، وهَجَّرَ النَّهارُ [يُهَجِّرُ] تَهْجِيْرًا: إِذَا اشْتَدَّ حَرُّهُ، قَال امْرُؤُ القَيْسِ (١): * ... إِذَا صَامَ النَّهَارُ وهَجَّرَا * وَمَعْنَى غَشَى الطِّنْفَسَةَ، أَيْ: غَطَّاهَا. (مَا جَاءَ في دُلُوْكِ الشَّمْسِ وغَسَقِ اللَّيْلِ) وَاخْتُلِفَ في الدُّلُوْكِ فَرُويَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ أَنّه الغُرُوْبُ، وَكَذلِكَ [رُويَ] عَنِ ابنِ مَسْعُوْدٍ، وَقَال ابنُ عُمَرَ هُوَ: الزَّوَالُ، وَكِلاهُمَا صَحِيْحٌ حَكَاهُ أَهْلُ اللُّغَةِ (٢)، ولكِنَّ الأظْهَرَ مِنْ قَوْلهِ تَعَالى (٣): ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [أَنْ يَكُوْنَ] الزَّوَال؛ وَلِذلِكَ اخْتَارَ مَالِكٌ هَذَا القَوْل: لأنَّا إِذَا جَعَلْنَا الدُّلُوْكَ في الآيةِ

стр. 128

زَوَال الشَّمْسِ كَانَتِ الآيةُ مُتَضَمّنَة لِلصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، وإِذَا كَانَ الدُّلُوْكُ فيها لِلْغُرُوْبِ خَرَجَتْ صَلاةُ الظُّهْرِ والعَصْرِ مِنَ الآيةِ، فَلِذلِكَ كَانَ قَوْلُ مَنْ قَال إِنَّ الدُّلُوْكَ في الآية بِمَعْنَى الزَّوَالِ أَلْيْقَ بتفسِيْر الآيةِ، وإِنْ كَانَ الدُّلُوْكُ بِمَعْنَى الغُرُوْبِ غَيْرَ مَدْفُوع في الشَّمْسِ وَغَيْرِهَا مِنَ الكَوَاكِبِ، وَهُوَ فِي الشَّمْسِ أَشْهَرُ، قَال الرَّاجِزُ (١): هَذَا مَقَامُ قَدَمَيْ رَبَاحِ لِلشَّمْسِ حَتَّى دَلَكَتْ بَرَاح وَقَال ذُو الرُّمَةِ -يَصِفُ إِبلًا-: (٢) مَصَابِيْحُ لَيْسَتْ بِاللَّوَاتِي تَقُوْدُهَا ... نُجُوْمٌ وَلَا بالآفِلاتِ الدَّوَالِكِ

стр. 129

ولا أَحْفَظُ الدُّلُوْكَ فِي غَيْرِ الشَّمْسِ إلَّا فِي هَذَا البَيْتِ. ومَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ المُرَادَ بالدُّلُوكِ المَذْكُوْرِ في الآية مَغِيْبُ الشَّمْسِ فَقَوْلُهُ يَقْتَضِي أَنْ يُرِيدَ بإِقَامَةِ الصَّلاةِ لِغَسَقِ اللَّيْلِ صلاةَ العِشَاءِ وَحْدَهَا. (جَامعُ الوُقُوْتِ) -[قَوْلُهُ]: "وُتِرَ أهْلَهُ وَمَالهُ" [٢١]. الصَّوَابُ: نَصْبُ الأهْلِ وَالمَالِ، وَهكَذَا رَوَيْنَاهُ في "المُوَطَّأ" وغَيْرِهِ، ومَنْ رَفَعَهُ فَقَدْ غَلِطَ؛ لأنَّ مَعْنَاهُ: أُصِيْبَ بِمَالِهِ وَأَهْلِهِ (١)، وسُلِبَ أَهْلَهُ وَمَالهُ، فَفِي "وُتِرَ" ضَمِيْرٌ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنّه اسْمُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَ"أَهْلَه" مَنْصُوْبٌ؛ لأنَّهُ مَفْعُوْلٌ ثَانٍ. وَ"وُتِرَ" استُعْمِلَ مُتَعَدِّيًا إلَى مَفعُوْلٍ وَاحِدٍ، وإِلَى مَفْعُوْلَيْنِ، فَمِنَ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُوْلَيْنِ قَوْلُهُ تَعَالى: (٢) ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالكُمْ (٣٥)﴾ وهَذَا هُوَ المَذْكُوْرُ في الحَدِيْثِ، وَالمُتَعَدِّي إلى مَفْعُوْلٍ وَاحِدٍ قَوْلُهُم: وَتَرْتُ الرَّجُلَ: إِذَا أَصَبْتَهُ بِوتْرٍ؛ وذلِكَ أَنْ تَقْتلَ لَهُ حَمِيْمًا يَطْلُبُكَ بِهِ، ومِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ (٣):

стр. 130

إِذَا وَتَرْتَ امْرَءًا فاحْذَرْ عَدَاوَاتَهُ ... مَنْ يَزْرَعِ الشَّوْكَ لَا يَحْصُدْ بِهِ عِنبَا وَلَو قَال قَائِلٌ: إِنَّ قَوْلَهُ: "وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَاله" مِنَ المُتَعدِّي إِلَى وَاحِدٍ، وإنَّه مِنْ بَابِ قَوْلهِمْ: سَفِهَ نَفْسَهُ وَغَبِنَ رَأْيَهُ مَا كَانَ بَعِيْدًا؛ لأنَّ الوترَ يُسْتَعْمَلُ في جَمِيع أَنْوَاعِ الظُّلْمِ وإِنْ كَانَ أَصْلُهُ القَتْلَ. وأَهْلُ البَصْرَةِ يَنْصِبُوْنَ هَذَا عَلَى تَقْدِيْرِ سُقُوْطِ حَرْفِ الجَرِّ كَأَنَّه قَال: سَفِهَ فِي نَفْسِهِ، وغَبِنَ فِي رَأْيِهِ، فَيَكُوْنُ التقدِيْرُ عَلَى هَذَا: فَكَأَنَّمَا وُتِرَ في أَهْلِهِ وَمَالِهِ. وَالكُوْفِيُّوْنَ يَنْصِبُوْنَ عَلَى التَّمْيِيزِ، والتَّمْيِيزُ عِنْد البَصْرِيِّيْنَ لا يَكُوْنُ مَعْرِفَة. وَالوَجْهُ الَّذي بَدَأْتُ بِهِ أَحْسَنُ عِنْدِي. وفَسَّرَ أَبُو عُبَيْدٍ هَذَا الحَدِيْثِ في "غَرِيْبِهِ" فَقَال (١): قَال الكِسَائيُّ: هُوَ مِنَ الوترِ، وَهُوَ: أَنْ يَجْنِيَ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ جِنَايَةً، يَقْتل لَه قتِيْلًا، أَوْ يَذْهَبُ بِمَالِهِ وأَهْلِهِ، فَيُقَالُ: قَدْ وَتَرَ فُلانٌ فُلانًا أَهْلَهُ ومَالهُ. [قَال أَبُو عُبَيْدٍ]: يَقُوْلُ: فَهَذَا الَّذِي فَاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي قَدْ وترَ فَذُهِبَ بأَهْلِهِ وَمَالِهِ. قَال أَبُو عُبَيْدٍ: وَقَال غَيْرُ الكِسَائِيِّ: وترَ أَهْلَهُ وَمَالهُ، يَقُوْلُ:

стр. 131

نُقِصَ أَهْلُهُ وَمَالهُ وبَقِيَ فَرْدًا، وَذَهَبَ إِلَى قَوْلِ اللهِ تَعَالى (١): ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالكُمْ (٣٥)﴾ أَي: لَنْ يَنْقُصَكُمْ، يُقَالُ: وَتَرْتُهُ حَقَّهُ إِذَا نَقَصْتُهُ، قَال: وَأَحَدُ القَوْلَيْنِ قَرِيْبٌ مِنَ الآخَرِ. - وَفِي رِوَايَةِ ابنِ بُكَيْرٍ: "فَلَقِيَ رَجُلًا عِنْدَ خَاتَمَةِ البلاطِ": يُرِيْدُ: الطَّرِيْقَ المُبَلَّطَ بِالحِجَارَةِ، وَهُوَ المَفْرُوْشُ بِهَا، وَهُوَ نَاحِيَةُ الزَّوْرَاءِ (٢). ويُقَالُ لِلْحِجَارَةِ المَفْرُوْشَةِ بِلاطٌ، وَالبِلاطُ: الأرْضُ المَلْسَاءُ، قَال ذُو الرُّمَّةِ (٣): يئنُّ إلى مَسِّ البَلاطِ كَأنَّمَا ... يَرَاهُ الحَشَايَا فِي ذَوَاتِ الزخَارِفِ - و"التَّطْفِيف" -فِي لِسَانِ العَرَبِ-: الزِّيَادَةُ عَلَى العَدْلِ والنُّقْصَانُ مِنْهُ، وقَوْلُ مَالِكٍ: وَيُقَالُ: لِكُلِّ شَيْءٍ وَفَاءٌ وتَطْفِيْفٌ، يُرِيْدُ إِنَّ هَذِهِ تَدْخُلُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مَذْمُوْمٍ زِيَادَة ونُقْصَانًا، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يَذْهَبُ إِلَى أنَّ التَّطْفِيْفَ يَكُوْنُ بِمَعْنَى الزِّيَادَةِ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيْثِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ (٤): "سَابَقَ رَسُوْلُ اللهِ [ ﷺ ] بمنَ الخَيْلِ وَكُنْتُ يَوْمَئِذٍ فَارِسًا فَسَبقتُ الناسَ وَطَفَّفَ بِي الفَرَسُ مَسْجِدَ بنَي زُرَيْقٍ" تَوَهَّمُوْهُ بِمَعْنَى جَاوَزَ، ولَيْسَ يَلْزَمُ مَا قَالُوْهُ، وإِنَّمَا أَرَادَ: إِنَّ الفَرَسَ وَثَبَ بِهِ حَتَّى كَادَ يُسَاوي المَسْجِدَ، والمَشْهُوْرُ مِنَ التَّطْفِيْفِ إِنَمَا هُوَ النُقْصَانُ. قَال أَبُو عُبَيْدٍ (٥):

стр. 132

الطَّفُّ: أَنْ يَقْرُبَ الإنَاءُ مِنَ الامْتِلاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمْتَلأَ، يُقَالُ: هُذَا طَفُّ المِكْيَالِ، وطِفَافُهُ: إِذَا كَادَ يَمْتَلأَ، ومِنْهُ التَّطْفِيْفُ في الكَيْلِ إِنَّمَا هُوَ نُقْصَانُهُ إِذَا لَمْ يَمْلأْهُ إِلَى شَفَتِهِ. وَقَال الكِسَائيُّ: إِنَاءٌ طَفَّانٌ هُوَ الَّذِي لَمْ يَبْلُغِ الكَيْلُ طِفَافَهُ، وأَطْفَفْتُ الإنَاءَ. وَقَال أَبُو زَيْدٍ: طَفَفُهُ وطِفَافُهُ سَوَاء (١)، وَعَطَاءٌ طَفِيْفٌ أَيْ: نَزْرٌ، وَفِي حَدِيْثِ سَلْمَانَ: "الصَّدَقَةُ مِكْيَالٌ فَمَنْ وَفَّى وُفِّيَ لَهُ، ومَنْ طَفَّفَ فَقَدْ سَمِعْتُمْ ما قَال اللهُ في المُطَفِّفِيْنَ" وفي الحَدِيْثِ (٢) أَيْضًا: "كلكُمْ بنُو آدَمَ طَفُّوا الصَّاعِ لا تَمْلَؤُوهُ، لَيْسَ لأَحَدٍ فَضْلٌ عَلَى أحَدْ إلَّا [بالتَّقْوَى] ". فَإِنْ قَال قَائِلٌ: إِنَّ قَوْلَهُ [تَعَالى (٣)]: ﴿وَيلٌ للمُطَفِّفِينَ (١) ... ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ، قَدْ دَلَّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ؛ لأنَّهُ سَمَّاهُم مُطَفِّفِيْنَ، ثُمَّ وَصَفَهُمْ بأَنَّهُمْ يَأخُذُوْنَ بالزِّيَادَةَ ويُعْطُوْنَ بالنُّقْصَانِ، فَمِنْ أَيْنَ أَنكرْتَ أَنْ يَكُوْنَ التَّطْفِيْفُ زِيَادَة ونُقْصَانًا، ويَكُوْنُ مَحْصُولُ مَعْنَاهُ الخُرُوْجَ عَنِ الاعْتِدَالِ؟ فَالجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أحَدُهُمَا: أَنَّ جَمِيع مَا قَدَّمْنَاهُ إِنَّمَا هُوَ بمَعْنَى النُّقْصَانِ. والثَّانِي: أَنَّ الزّيَادَةَ الَّتِي يَأْخُذُوْنَهَا لأَنْفُسِهُم تَرْجِعُ بالنُّقْصَانِ عَلَى مَنْ يُعَامِلُهُم، فَقَدْ صَارَ الجَمِيع يَعُوْدُ إِلَى مَعْنَى النُّقْصَانِ. - أمَّا قَوْلُهُ: "مَنْ أخَّرَ الصَّلاةَ نَاسِيًا أو سَاهِيًا" [٢٣]، فَقَدْ فَرَّقَ قَوْمٌ بينَ

стр. 133

السَّهْو والنِّسْيَانِ، وعَلَى هَذَا بَنَى مَالِكٌ كَلامَهُ، فَقَالُوا: النِّسْيَانُ عَدَمُ الذِّكْرِ. والسَّهْوُ: الغَلَطُ والغَفْلَةُ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أنَّهُمَا سَوَاءٌ، والقَوْلُ الأوَّلُ أَظْهَرُ. - ويقَال: غُمِيَ عَلَى الرَّجُلِ وأُغْمِيَ عَلَيْهِ، لُغَتَانِ مَشْهُوْرَتَانِ. (النَّوْمُ عَنِ الصَّلاةِ) - قَوْلُهُ: "حِيْنَ قَفَلَ مِنْ خَيْبرَ" [٢٥]. مَعْنَاهُ: رَجَعَ، يُقَالُ (١): قَفَلَ مِنْ سَفَرِهِ يَقْفُلُ قُفُوْلًا وقَفْلًا. ويُقَال: سَرَى يَسْرِي سُرىً، وأَسْرَى إِسْرَاءً (٢): إِذَا

стр. 134

سَارَ لَيْلًا، ويُرْوَى بَيْتُ النَّابِغَةِ (١) عَلَى وَجْهَيْنِ:

стр. 135

* سَرَتْ عَلَيْهِ مِنَ الجَوْزَاءِ سَارِيَةٌ * "وَأَسْرَتْ". ويُقَالُ: عَرَّسَ المُسَافِرُ تَعْرِيْسًا ومُعَرَّسًا: إِذَا نزَلَ في آخرِ اللَّيْلِ للرَّاحَةِ: مِثْلُ مَزَّقْتُ الشَّيْءَ تَمْزِيْقًا ومُمَزَقًا، وَقَدْ يَكُوْنُ المُعَرَّسُ المَوْضِعُ الَّذِي يُعَرَّسُ فِيْهِ، قَال امْرُؤُ القَيْسِ (١): * وَجَدْتُ مَقِيْلًا عِنْدَهُمْ وَمُعَرَّسًا * وَقَدْ يُقَالُ في هَذَا المَعْنَى أَعْرَسَ [يُعْرِسُ] إِعْرَاسًا ومُعَرَّسًا، وهُوَ قَلِيْل، قَال كَعْبُ بنُ مَالِكٍ الأنْصَارِيُّ (٢): جَاؤُوا بِجَيْشٍ لَوْ قِيْسَ مُعْرَسُهُ ... مَا كَانَ إلَّا كَمُعْرَسِ الدُّئِلِ - وَقَوْلُهُ: "اكلْأ لَنا الصُّبْح": أي: ارقُبْهُ وَارْعَهُ، يُقَالُ: كَلأَهُ يَكْلَؤُهُ كَلاءَةً، ومِنْهُ يُقَالُ: اذْهَبْ في كَلاءَةِ الله (٣).

стр. 136

- وَقَوْلُهُ: "فَبَعَثُوا رَوَاحِلَهُمْ": أي: حَرَّكُها للسَّيْرِ. والرَّوَاحِل: الإبل الَّتي يُسَافَرُ عَلَيْهَا، وَاحِدَتُهَا رَاحِلَةٌ، سُمِّيَتْ رَاحِلَة؛ لأنَّها تَرْحَلُ بِصَاحِبِهَا مِنْ مَوْضِع إِلَى مَوْضِع. - وَقَوْلُهُ [تَعَالى] (١): ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾: تأَوَّلَهُ كَثيْرٌ مِنَ المُفَسِّرِيْنَ عَلَى أَنّه أَرَادَ: أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلاةَ إِذَا ذَكَرَهَا. وَقَال غَيْرُ هَؤلاءِ: مَعْنَاهُ: أَقِمِ الصَّلاةِ لِتَذْكُرَني فِيْهَا، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ (٢)، وَهَذَا القَوْلُ أَلْيَقُ

стр. 137

بالآيةِ، وأَشْبَهُ بِمَعْنَاهَا، ولَو أَرَادَ ذِكْرَ الصَّلاةِ عَلَى مَا ذَهَبُوا إليه .. (١) وأَمَّا قِرَاءَةُ مَنْ (٢) قَرَأَ: ﴿لِذِكْرِي﴾ فَهُوَ أَشْبَهُ بالتّأَويْلِ الأوَّلِ، وَكَأَنَّه أَرَادَ لِذِكْرَاهَا، فَنَابَتْ الألِفُ وَاللَّامُ مَنَابَ الضَّمِيْرِ، وَهَذَا عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الكُوْفِييْنَ في قَوْلهِمْ: زَيْدٌ أَمَّا المَالُ فَكَثيِرٌ، وعَمْرٌو أَمَّا الخَلْقُ فَحَسَن عَلَى تَقْدِير: أَمَّا مَالُهُ وأَمَّا خُلُقُهُ وأَمَّا رِوَايَةُ ابنِ بُكَيْرٍ فَقَال. "يَا بِلالُ فَقَال: بِلالُ" فَمَعْنَاهُ: يَا بِلالُ مَا هَذَا الَّدي فعَلْتَ؟ ! أَو يَا بِلالُ: أَيْنَ الَّذِي أَمَرْتُكَ بِهِ؟ فَحَذَفَ بَعْضَ الكَلامِ اخْتِصَارًا حِيْنَ فُهِمَ المَعْنَى، وكَرَّر النِّدَاءَ مَرَّتَيْنِ مُبَالغَةً في الإنكارِ، والتَّقْدِيْرُ: فَقَال يَا بِلالُ فَقَال يَا بِلالُ فأسقط حَرْفَ النِّدَاءِ من الثَّانِي كَمَا قَال تَعَالى (٣): ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي﴾. - وَقَوْلُهُ: "وَقَدْ رَأى مِنْ فَزَعِهِمْ" [٢٦]. تَقْدِيرُهُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي الحَسَنِ الأخْفَشِ (٤): وَقَدْ رَأَى فَزَعَهُم وَ"مِنْ" زَائِدَةٌ؛ لأنَّهُ يُجِيْزُ زِيَادَةَ "مِنْ" في الكَلامِ الوَاجِبِ، وحَكَى عَنِ العَرَبِ: "قَدْ كَانَ مِنْ مَطَرٍ" أَيْ: قَدْ كَانَ مَطَرٌ، وحَكَى الكِسَائيُّ نَحْوًا مِنْ ذلِكَ، وَسِيْبَوَيْهِ وَمَنْ يَرَى رَأَيَهُ لَا يُجِيْزِوْنَ زِيَادَةَ "مِنْ" إلَّا في النَّفْي والاسْتِفَهَامِ كَقَوْلكَ: مَا جَاءَنِي من رَجُلٍ، وهَلْ خَرَجَ مِنْ رَجُل، ويَتَأَوَّلُوْنَ

стр. 138

قَوْلَهُمْ: قَدْ كَانَ مِنْ مَطرٍ أَنّها "مِنْ" الَّتي يُرَادُ بِهَا التَّبْعِيْضِ، وَفِي الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيْرُهُ: قَدْ كَانَ صَوْبٌ مِنْ مَطَرٍ، أَوْ جُزْءٌ ونَحْوٌ ذلِكَ، ويَجِبُ أَن يَكُوْنَ تَقْدِيْرُ الحَدِيْثِ على مَذْهَب سِيْبَوَيْهِ: وَقَدْ رَأَى مَا عَظُمَ عَلَيْهِ مِنْ فَزَعِهِمْ، أَوْ دَائِرًا مِنْ فَزَعِهِمْ مَا عَظُمَ عَلَيْهِ، ونَحْوَ ذلِكَ، فَحَذَفَ بَعْضَ الكَلامِ اخْتِصَارًا، كَمَا حَذَفَ مِنْ قَوْلهِ: "يَا بِلالُ" والعَرَبُ تَحْذِفُ من الكَلامِ مَا لَا يتِمُّ المَعْنَى إلَّا بِهِ إِذَا فُهِمَ المُرَادُ كَقَوْلهِ تَعَالى (١): ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ المَعْنَى: فَحَلَقَ؛ لأنَّه لَا تَلْزَمُهُ فِدْيَةٌ إِلَّا أَنْ يَحْلِقَ، وَكَذلِكَ قَوْلُه (٢): ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ المَعْنَى: واللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ فَعِدَّتُهُنَّ كَذلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ النَّمِرِ بنِ تَوْلَبٍ (٣):

стр. 139

* فَسَوْفَ تُصَادِفُهُ أَيْنَمَا * يُرِيْدُ: أَيْنَمَا ذَهَبَ، وَهُوَ كَثيْرٌ جِدًّا. - وَقَوْلُهُ: "فَلَمْ يَزَلْ يُهَدِّيْهِ كَمَا يُهَدِّي الصَّبِيَّ" فَإِنَّمَا رَوَيْنَاهُ بِتشدِيْدِ الدَّالِ ويَجُوْزُ: "يُهْدِيْهِ كَمَا يُهْدِي"، بسُكُونِ الهَاءِ وتَخْفِيْفِ الدَّالِ، وهُمَا لُغَتَان. هَدَّأتُ الصَّبِيَّ وأَهْدَأَتُهُ كَمَا يُقَالُ: كَرَّمْتُ الرَّجُلَ وأَكْرَمْتُه (١)، قَال عَدِيُّ بنُ زَيْدٍ العِبَادِيُّ (٢) -في التَّخْفِيْفِ-:

стр. 140

شَئِزٌ جَنْبِي كَأنِّي مُهْدَأٌ ... جَعَلَ القَينُ عَلَى الدِّفِّ إِبَرْ وَرَوَاهُ قَوْمٌ: "كَأنِّي مَهْدأ"، -بِفَتْحِ المِيمِ والنَّصْبِ علَى الظَّرْفِ، أَي: كَأَنِّي بَعْدَ هَدْءِ مِنَ اللَّيل، وَهُوَ نَحْوٌ مِنْ ثُلُثِهِ. [النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ بالهَاجِرَةِ] - وَذَكَرَ (١) حَدِيثِ خَبَّابِ بنِ الأرَتِّ: "شَكَوْنَا إِلَى رَسُوْلِ الله ﷺ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فَلَمْ يُشْكِنا". فَقَال هَذ اللَّفْظَةُ مِنَ الأضْدَادِ (٢)، يُقَالُ: أَشْكَيتُ الرَّجُلَ:

стр. 141

إِذَا أَحْوَجْتَهُ إِلَى أَنْ يَشْكُو، وأَشْكَيتُهُ: إِذَا شَكَا إِلَيكَ فَأزلْتَ عَنْهُ مَا يَشْكُوْهُ، قَال الزَّاجِزُ (١): تَمُدُّ بِالأعْنَاقِ أَوْ تَلْويهَا وتَشْتكي لَوْ أَنّنا نُشْكِيهَا مَسَّ حَوَايًا قَلَّمَا نُجْفِيهَا وَقَدْ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْله [ ﷺ ]: "اشْتكَتِ النَّارُ إلَى رَبِّها" فَجَعَلَهُ قَوْمٌ حَقِيقَةً، وقَالُوا: إِنَّ الله قَادِرٌ على أَنْ يُنْطِقَ كُلَّ شَيءٍ إِذَا شَاءَ، وجَعَلُوا جَمِيع مَا وَرَدَ مِنْ هَذَا ونَحْوهِ في القُرآنِ والحَدِيثِ علَى ظَاهِرِهِ (٢) [وَهُوَ الحَقُّ والصَّوَابُ إِنْ شَاءَ

стр. 142

اللهم (١)، كَقَوْلهِ: [تَعَالى] (٢): ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ ونَحْو ذلِكَ، وذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أنَّ هَذَا كُلَّهُ مَجَازٌ كَقَوْلِ عَنْتَرَةَ في فَرَسِهِ (٣): * وَشَكَا إِلَيَّ بِعَبْرَةٍ وَتَحَمْحُمِ * وَقَوْلُ الآخَرِ (٤):

стр. 143

تَشْكُو بِعَينٍ مَا أَكَلَّ رِكَابَهَا ... وَقِيلَ المُنَادِي أَصْبَحَ القَوْمُ أَدْلِجِي وَحَمْلُ الشَيءِ عَلَى ظَاهِرِهِ أَوْلَى حَتَّى يَقُوْمَ دَلِيلٌ عَلَى خِلافِهِ. - وَ"الفَيحُ": انْتِشَارُ الحَرِّ وَسُطُوْعُهُ. ومَعْنَى الإبْرَادِ: تأْخِيرُ الصَّلاةِ إِلَى أَنْ يَسْكُنَ الحَرّ ويُقَالُ: أَبْرَدَ القَوْمُ؛ إِذَا بَرَدَ عَلَيهِمُ الوَقْتُ، وانكسَرَتْ عَنْهُمْ شِدَّةُ الحَرِّ قَال الرَّاعِي (١): دَأَبْتُ إِلَى أن يَنْبُتَ الظِّلُّ بَعْدَمَا ... تَقَاصَرَ حَتَّى كَادَ في الآلِ يَمْصَحُ وَجِيفَ المَطَايَا ثُمَّ قُلْتُ لِصُحْبَتِي ... وَلَمْ يَنْزِلُوا أَبْرَدتُمُ فَتَروَّحُوا - وَمَعْنَى قَوْلِ الفُقَهَاءِ: يَنْتَابُ من البَعْدِ، أَي: يَقْصُدُ، يُقَالُ: انْتَابَهُ يَنْتَابُهُ انْتِيَابًا، وَهُوَ مُنْتَابٌ. - وَذَكَرَ أَنَّ عِكْرِمَةَ قَال لابْنِ عَبَّاس: أَرَأَيتَ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِي ﷺ في أُمَيَّةَ بنِ أَبِي الصَّلْتِ: "آمنَ شِعْرُهُ وَكفَرَ قَلْبُهُ"، فَقَال هُوَ حَقّ فَمَا أَنكرْتُمْ من

стр. 144

شِعْرِهِ؟ قُلْتُ: أَنكرْنَا قَوْلَه (١): وَالشَّمْسُ تَطْلُعُ كُل آخِرِ لَيلَةٍ ... حَمْرَاءَ يُصْبِحُ لَوْنُهَا مُتَوَرِّدُ لَيسَتْ بِطَالعَةٍ لَهُمْ في رَسْلَهَا ... إلَّا مُعَذَّبَةً وإِلَّا تُجْلَدُ فَمَا بَال الشَّمْسُ تُجْلَدُ؟ فَقَال: والَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَطُّ حَتَّى يَنْخَسَهَا سَبْعُوْنَ أَلْفَ مَلَكٍ فَيقُوْلُوْنَ لَهَا: اطلَعِي فَتَقُوْلُ: لَا أَطلُعُ عَلَى قَوْمٍ يَعْبُدُوْنَنِي مِنْ دُوْنِ اللهِ، فَيَأْتِيهَا مَلَكٌ مِنَ اللهِ فَيَأْمُرَهَا بالطُّلُوعْ فَتَسْتَقِلَّ لِضِيَاءِ بَنِي آدَمَ، فَيَأْتِيَهَا شَيطَانٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّهَا عَنِ الطُّلُوع فَتَطْلعَ بينَ قَرْنَيهِ فَيُحْرِقَهُ اللهُ تَحْتَهَا، ومَا غَرَبَتِ الشَّمْسِ قَطٌّ إِلَّا خَرَّتْ للهِ سَاجِدَةً، فَيَأْتِيَهَا شَيطَانٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّهَا عَنِ السُّجُوْدِ فَتَغْرُبَ بَينَ قَرْنَيهِ فَيُحْرِقَهُ اللهُ تَحْتَهَا، وَذلِكَ قَوْلُهُ: "مَا طَلَعَتْ إلَّا بينَ قَرْنَي الشَّيطَانِ ولَا غَرَبَتْ إلَّا بمنَ قَرْنَي الشَّيطَانِ" وَقَال قَوْمٌ: إِنَّه أَرَادَ بِقَرْنَي الشَّيطَانِ أُمَّةً تَعْبُدُ الشَّمْسَ وَتَسْجُدُ لَهَا عِنْدَ الطُّلُوع والغُرُوْبِ فَكَرِهَ [رَسُوْلُ اللهِ] ﷺ التّشبُّهَ بالكُفَّارِ. والقَرْنُ: الأُمَّةُ، قَال اللهُ [تَعَالى] (٢): ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ وأَضَافَ القَرْنَ إِلَى الشَّيطَانِ كَمَا يُقَالُ لِلْكُفَّارِ: حِزْبُ الشَّيطَانِ. وَقَال ﵇: "إذَا طَلعَتِ الشَّمْسُ فَاقْصُرُوا عَن الصَّلاةِ حَتَّى تَغِيبَ فَإنَّهَا تَطْلُعُ عَلَى قَرْنِ الشَّيطَانِ ويُصَلِّي لَهَا الكُفَّارُ، وَإذا عَدَلَ النّهارُ فَأَقْصِرُوا فَإنَّهَا سَاعَةٌ تَسْجُدُ فِيهَا جَهَنَّمُ" وإِلَى هَذَا التّأويلِ ذَهَبَ ابنُ قُتيبَةَ (٣)،

стр. 145

وعَلَيهِ أَهْلُ النَّظَرِ. [النَّهْيُ عَنْ دُخُولِ المَسْجِدِ برِيحِ الثُّوْمِ وتَغْطِيةِ الفَمِ] - وَذَكَرَ قَوْلُهُ: "يُؤْذِينا بِرِيحِ الثُّوْمِ" [٣٠]. فَقَال كَذَا (١) الرِّوَايَةُ بِإِثْبَاتِ اليَاءِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَلَا يَجُوْزُ في مِثْلِ هَذَا الجَزْمُ عَلَى جَوَابِ النَّهْيِ في قَوْلِ سِيبَوَيهِ (٢) وأَصْحَابِهِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُم: لَا تَدْنُ مِنَ الأسَدِ يَأكلُكَ، وَكَانَ الكِسَائِيُّ يُجيزُ في هَذَا كُلِّهِ الجَزْمَ. وَهُوَ غَلَطٌ، لأنَّه يَصِيرُ تَبَاعُدُهُ عَنِ الأسَدِ سَبَبًا لأكْلِ الأسَدِ إِيَّاهُ، وَكَذلِكَ يَصِيرُ تَبَاعُدُهُمْ عَن المَسْجِدِ سَبَبًا لإذَايَتِهِمْ لَهُ بِرِيحِ الثُّوْمِ. وَلَيسَ هَذَا مَوْضِعًا للتَّطْويلِ في التَّرْجِيحِ بَينَ القَوْلَينِ. - وَقَوْلُهُ: "يُؤْذِينا" يَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى خَبَرِ مُبْتَدَأ مُضْمَرٍ كَأَنَّهُ قَال: فَهُوَ يُؤذِينَا فَيَكُوْنُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلكَ: "يَأكلُكَ" في المَسْأَلةِ [السابقة]، ويَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ في "يَقْرَبُ" كَأَنَّهُ قَال: مُؤذِيًا لَنَا. - وَقَوْلُهُ: "جَبذ الثَّوْبَ" قَال: جَبَذَ وجَذَبَ جَبْذًا وَجَذْبًا بِمَعْنًى وَاحِدٍ (٣). - قَوْلُهُ: "عَنْ فِيهِ". المَشْهُوْرُ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ (٤) أَنُ تُسْتَعَمَلُ في حَالِ
следующие страницы →