← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18194

التعليق على الموطأ في تفسير لغاته وغوامض إعرابه ومعانيه

هشام بن أحمد الوقشي

Полный текст (937 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

إِذَا أَحْوَجْتَهُ إِلَى أَنْ يَشْكُو، وأَشْكَيتُهُ: إِذَا شَكَا إِلَيكَ فَأزلْتَ عَنْهُ مَا يَشْكُوْهُ، قَال الزَّاجِزُ (١): تَمُدُّ بِالأعْنَاقِ أَوْ تَلْويهَا وتَشْتكي لَوْ أَنّنا نُشْكِيهَا مَسَّ حَوَايًا قَلَّمَا نُجْفِيهَا وَقَدْ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْله [ ﷺ ]: "اشْتكَتِ النَّارُ إلَى رَبِّها" فَجَعَلَهُ قَوْمٌ حَقِيقَةً، وقَالُوا: إِنَّ الله قَادِرٌ على أَنْ يُنْطِقَ كُلَّ شَيءٍ إِذَا شَاءَ، وجَعَلُوا جَمِيع مَا وَرَدَ مِنْ هَذَا ونَحْوهِ في القُرآنِ والحَدِيثِ علَى ظَاهِرِهِ (٢) [وَهُوَ الحَقُّ والصَّوَابُ إِنْ شَاءَ

стр. 142

اللهم (١)، كَقَوْلهِ: [تَعَالى] (٢): ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ ونَحْو ذلِكَ، وذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أنَّ هَذَا كُلَّهُ مَجَازٌ كَقَوْلِ عَنْتَرَةَ في فَرَسِهِ (٣): * وَشَكَا إِلَيَّ بِعَبْرَةٍ وَتَحَمْحُمِ * وَقَوْلُ الآخَرِ (٤):

стр. 143

تَشْكُو بِعَينٍ مَا أَكَلَّ رِكَابَهَا ... وَقِيلَ المُنَادِي أَصْبَحَ القَوْمُ أَدْلِجِي وَحَمْلُ الشَيءِ عَلَى ظَاهِرِهِ أَوْلَى حَتَّى يَقُوْمَ دَلِيلٌ عَلَى خِلافِهِ. - وَ"الفَيحُ": انْتِشَارُ الحَرِّ وَسُطُوْعُهُ. ومَعْنَى الإبْرَادِ: تأْخِيرُ الصَّلاةِ إِلَى أَنْ يَسْكُنَ الحَرّ ويُقَالُ: أَبْرَدَ القَوْمُ؛ إِذَا بَرَدَ عَلَيهِمُ الوَقْتُ، وانكسَرَتْ عَنْهُمْ شِدَّةُ الحَرِّ قَال الرَّاعِي (١): دَأَبْتُ إِلَى أن يَنْبُتَ الظِّلُّ بَعْدَمَا ... تَقَاصَرَ حَتَّى كَادَ في الآلِ يَمْصَحُ وَجِيفَ المَطَايَا ثُمَّ قُلْتُ لِصُحْبَتِي ... وَلَمْ يَنْزِلُوا أَبْرَدتُمُ فَتَروَّحُوا - وَمَعْنَى قَوْلِ الفُقَهَاءِ: يَنْتَابُ من البَعْدِ، أَي: يَقْصُدُ، يُقَالُ: انْتَابَهُ يَنْتَابُهُ انْتِيَابًا، وَهُوَ مُنْتَابٌ. - وَذَكَرَ أَنَّ عِكْرِمَةَ قَال لابْنِ عَبَّاس: أَرَأَيتَ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِي ﷺ في أُمَيَّةَ بنِ أَبِي الصَّلْتِ: "آمنَ شِعْرُهُ وَكفَرَ قَلْبُهُ"، فَقَال هُوَ حَقّ فَمَا أَنكرْتُمْ من

стр. 144

شِعْرِهِ؟ قُلْتُ: أَنكرْنَا قَوْلَه (١): وَالشَّمْسُ تَطْلُعُ كُل آخِرِ لَيلَةٍ ... حَمْرَاءَ يُصْبِحُ لَوْنُهَا مُتَوَرِّدُ لَيسَتْ بِطَالعَةٍ لَهُمْ في رَسْلَهَا ... إلَّا مُعَذَّبَةً وإِلَّا تُجْلَدُ فَمَا بَال الشَّمْسُ تُجْلَدُ؟ فَقَال: والَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَطُّ حَتَّى يَنْخَسَهَا سَبْعُوْنَ أَلْفَ مَلَكٍ فَيقُوْلُوْنَ لَهَا: اطلَعِي فَتَقُوْلُ: لَا أَطلُعُ عَلَى قَوْمٍ يَعْبُدُوْنَنِي مِنْ دُوْنِ اللهِ، فَيَأْتِيهَا مَلَكٌ مِنَ اللهِ فَيَأْمُرَهَا بالطُّلُوعْ فَتَسْتَقِلَّ لِضِيَاءِ بَنِي آدَمَ، فَيَأْتِيَهَا شَيطَانٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّهَا عَنِ الطُّلُوع فَتَطْلعَ بينَ قَرْنَيهِ فَيُحْرِقَهُ اللهُ تَحْتَهَا، ومَا غَرَبَتِ الشَّمْسِ قَطٌّ إِلَّا خَرَّتْ للهِ سَاجِدَةً، فَيَأْتِيَهَا شَيطَانٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّهَا عَنِ السُّجُوْدِ فَتَغْرُبَ بَينَ قَرْنَيهِ فَيُحْرِقَهُ اللهُ تَحْتَهَا، وَذلِكَ قَوْلُهُ: "مَا طَلَعَتْ إلَّا بينَ قَرْنَي الشَّيطَانِ ولَا غَرَبَتْ إلَّا بمنَ قَرْنَي الشَّيطَانِ" وَقَال قَوْمٌ: إِنَّه أَرَادَ بِقَرْنَي الشَّيطَانِ أُمَّةً تَعْبُدُ الشَّمْسَ وَتَسْجُدُ لَهَا عِنْدَ الطُّلُوع والغُرُوْبِ فَكَرِهَ [رَسُوْلُ اللهِ] ﷺ التّشبُّهَ بالكُفَّارِ. والقَرْنُ: الأُمَّةُ، قَال اللهُ [تَعَالى] (٢): ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ وأَضَافَ القَرْنَ إِلَى الشَّيطَانِ كَمَا يُقَالُ لِلْكُفَّارِ: حِزْبُ الشَّيطَانِ. وَقَال ﵇: "إذَا طَلعَتِ الشَّمْسُ فَاقْصُرُوا عَن الصَّلاةِ حَتَّى تَغِيبَ فَإنَّهَا تَطْلُعُ عَلَى قَرْنِ الشَّيطَانِ ويُصَلِّي لَهَا الكُفَّارُ، وَإذا عَدَلَ النّهارُ فَأَقْصِرُوا فَإنَّهَا سَاعَةٌ تَسْجُدُ فِيهَا جَهَنَّمُ" وإِلَى هَذَا التّأويلِ ذَهَبَ ابنُ قُتيبَةَ (٣)،

стр. 145

وعَلَيهِ أَهْلُ النَّظَرِ. [النَّهْيُ عَنْ دُخُولِ المَسْجِدِ برِيحِ الثُّوْمِ وتَغْطِيةِ الفَمِ] - وَذَكَرَ قَوْلُهُ: "يُؤْذِينا بِرِيحِ الثُّوْمِ" [٣٠]. فَقَال كَذَا (١) الرِّوَايَةُ بِإِثْبَاتِ اليَاءِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَلَا يَجُوْزُ في مِثْلِ هَذَا الجَزْمُ عَلَى جَوَابِ النَّهْيِ في قَوْلِ سِيبَوَيهِ (٢) وأَصْحَابِهِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُم: لَا تَدْنُ مِنَ الأسَدِ يَأكلُكَ، وَكَانَ الكِسَائِيُّ يُجيزُ في هَذَا كُلِّهِ الجَزْمَ. وَهُوَ غَلَطٌ، لأنَّه يَصِيرُ تَبَاعُدُهُ عَنِ الأسَدِ سَبَبًا لأكْلِ الأسَدِ إِيَّاهُ، وَكَذلِكَ يَصِيرُ تَبَاعُدُهُمْ عَن المَسْجِدِ سَبَبًا لإذَايَتِهِمْ لَهُ بِرِيحِ الثُّوْمِ. وَلَيسَ هَذَا مَوْضِعًا للتَّطْويلِ في التَّرْجِيحِ بَينَ القَوْلَينِ. - وَقَوْلُهُ: "يُؤْذِينا" يَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى خَبَرِ مُبْتَدَأ مُضْمَرٍ كَأَنَّهُ قَال: فَهُوَ يُؤذِينَا فَيَكُوْنُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلكَ: "يَأكلُكَ" في المَسْأَلةِ [السابقة]، ويَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ في "يَقْرَبُ" كَأَنَّهُ قَال: مُؤذِيًا لَنَا. - وَقَوْلُهُ: "جَبذ الثَّوْبَ" قَال: جَبَذَ وجَذَبَ جَبْذًا وَجَذْبًا بِمَعْنًى وَاحِدٍ (٣). - قَوْلُهُ: "عَنْ فِيهِ". المَشْهُوْرُ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ (٤) أَنُ تُسْتَعَمَلُ في حَالِ

стр. 146

إِفْرَادِهَا بالمِيمِ فَيُقَالُ: فَمٌ، وَمِنَ العَرَبِ مَنْ يَضُمَّ الفَاءَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْسُرُهَا، فَإِذَا أُضِيفَتْ استُعْمِلَتْ بِحُرُوْفِ اللّينِ فَيمالُ: فُوْهُ وَفَاهُ وَفِيهِ، ورُبَّمَا اسْتَعْمَلُوْهَا في حَالِ الإضَافَةِ بالمِيمِ، قَال الرَّاجِزُ (١): كَالْحُوتِ لَا يَرْويهِ شَيءٌ يَلْقُمُهْ يَصْبِحُ ظَمْآنَ وَفِي البَحْرِ فَمُهْ

стр. 147

[كِتَابُ الطَّهَارَةِ] (١) [العَمَلُ في الوَضُوْءِ] -[وَقَوْلُهُ تَعَالى] (٢): ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾. وَذَكَرَ أَبُو الوَلِيدِ الوَقَّشِيُّ (٣) ﵀

стр. 148

قَوْلَ الشَّافِعِيِّ إِنَّ البَاءَ عِنْدَهُ للتَّبْعِيضِ فَقَال (١): هَذَا خَطَأٌ، وإِنَّمَا البَاءُ للإلْصَاقِ، وَمَا قَالهُ الشَّافِعِيُّ غَيرُ مَعْرُوْفٍ في كَلامِ العَرَبِ، ومَعْنَى قَوْلهِ [تَعَالى] (٢): ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ أَلْصِقُوا المَسْحَ بِرُؤُوْسِكُمْ، وَيَجُوْزُ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً للتَّأْكيدِ كالَّتِي في قَوْلهِ تَعَالى (٣): ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾، وقَال الرَّاجِزُ (٤):

стр. 149

* نَضْرِبُ بالسَّيفِ ونَرْجُو بالفَرَجْ * - وَذَكَرَ (١) قَوْلَ مَالِكٍ في إِدْخَالِ المِرْفَقَينِ في الوَضُوْءِ فَقَال: وَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ تَعَالى (٢): ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوالهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (٣) فَمَا بَعْدَ "إِلَى" في هَذَينِ المَوْضِعَينِ دَاخِلٌ فِيمَا قَبْلَهَا، وَهِي بِمَنْزِلَة "مَعَ"، قَال: وحَكَى يَعْقُوْب (٤) وَغَيرُهُ: أَنَّ "إِلَى" تَكُوْن بِمَعْنَى "مَعَ" وَتَقُوْل العَرَبُ: إِنَّ فُلانًا لَظَرِيفٌ عَاقِلٌ إِلَى حَسَبٍ ثَابِتٍ، أَي: مَعَ حَسَبٍ، وأَنْشَدَ لِذِي الرُّمَّة (٥): بِهَا كُلُّ خَوَّارٍ إِلَى كُلِّ صَلْعَةٍ ... [ضَهُوْلٌ] وَرَفْضُ المُذْرَعَاتِ القَراهِبِ أَي: مَعَ كُلِّ صَلْعَةٍ.

стр. 150

وَحُجَّةُ مَنْ قَال بِخِلافِ قَوْلِ مَالِكٍ، قَوْلُهُ [تَعَالى] (١): ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ واللَّيلُ لَيسَ بِدَاخِلٍ في الصِّيَامِ، وَالقَوْلُ الأوَّلُ أَصَحُّ؛ لأنَّ مَا بَعْدَ "إِلَى" إِنَّمَا يَمْتَنِعُ مِنَ الدُّخُوْلِ فِيمَا قَبْلَهَا إِذَا كَانَ مِن غَيرِ جِنْسِهِ. وأَمَّا إِذَا كَانَ مِن جِنْسِهِ فَبَابُهُ، أَنْ يَكُوْنَ دَاخِلًا فِيمَا قَبْلَهُ حَتَّى يَقُوْمَ دَلِيلٌ عَلَى غَيرِ ذلِكَ، أَلا تَرَى أَنَّ البَصْرِيِّينَ قَدْ أَجَازُوا ضَرَبْتُ القَوْمَ حَتَّى زَيدٍ ضَرَبْتُهُ بالخَفْضِ، وَقَالُوا: يُجْعَلُ ضَرَبْتُهُ تَوْكِيدًا، بَعْدَ مَا مَضَى كَلامُكَ عَلَى الخَفْضِ، ولَوْلَا أَنَّ زَيدًا قَدْ دَخَلَ في المَضْرُوْبِينَ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَكُوْنَ تَوْكِيدًا، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّ مَا بَعْدَ "إِلَى" لَمَّا كَانَ قَدْ يَجُوْزُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِيمَا قَبْلَهُ، وَقَدْ يَجُوْزُ أَنْ لَا يَكُوْنَ، كَانَ إِدْخَالُ المِرْفَقَينِ في الغَسْلِ أَحْوَطَ وأَرْفَعَ للشُّبْهَةِ، والخِلافُ في الكَعْبَينِ كَهُوَ في المِرْفَقَينِ، وَذَكَرَ أَنَّ الوَاوَ العَاطِفَةَ لا تُعْطِي رُتْبَةً إِذَا لَمْ يَكُنْ في الكَلامِ دَلِيلٌ عَلَى ذلِكَ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ اللهِ تَعَالى (٢): ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ وفي مَوْضِعَ آخَرَ (٣): ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ﴾، وَقَال أَبُو كَبْشَةَ (٤):

стр. 151

* وَأَرْدَفَ أَعْجَازًا وَنَاءَ بِكَلْكَلِ * وإِنَّمَا يُرْدِفُ بِأعْجَازٍ بَعْدَ أَنْ يَنُوْءَ بِكَلْكَلِهِ، وَهَذَا اتِّفَاقٌ عَنِ البَصْرِيِّينَ والكَوْفِيِّينَ. وَقَال ثَعْلَبٌ (١): الوُضُوء -بِضَمِّ الوَاو- الفِعْلُ، وبِفَتْحِهَا: المَاءُ، وهو قَوْلٌ مَشْهُوْرٌ عَنِ الكُوفِيِّينَ. وأَمَّا سِيبَوَيهِ وأَصْحَابُهُ فَقَالُوا: بالفَتْحِ في المَصْدَرِ والمَاءِ جَمِيعًا، وذَكَرُوا أَنَّ المَصَادِرَ حُكْمُهَا أَن تَجِيءَ على فُعُوْلٍ -بِضَمِّ الفَاءِ- كالقُعُودِ ونَحْوهِ، والأسْمَاءُ بالفَتْحِ، إلَّا أَسْمَاء شَذَّتْ عَنِ المَصَادِرِ فَجَاءَتْ مَفْتُوْحَةَ الأوَّلِ وَهِيَ: الوَضُوْءُ، والطَّهُوْرُ، والوَلُوع، والوَقُوْدُ، والوَزُوْعُ، كَمَا شَذَّت أَشْيَاءٌ مِنَ الأسْمَاءِ فَجَاءَتْ بالضَمِّ كالسُّدُوْسِ والعُكُوْفِ، الأُتِيِّ، وقَال الأَصْمَعِيُّ (٢): الوُضُوْءُ -بالضَمِّ- لَيسَ في كَلامِ العَرَبِ (٣)، وَإِنَّمَا هُوَ قِيَاسٌ

стр. 152

قَاسَهُ النَّحْويُّوْنَ، والوَضُوْءُ: مِنَ الوَضَاءَةِ، وَهِيَ: الحُسْنُ والنَّظَافَةُ، [يُقَالُ] رَجُلٌ وَضِيءُ الوَجْهِ، وكُلُّ عُضْوٍ غَسَلْتَهُ فَقَدْ وَضَّأتَهُ. - و"الاسْتِجْمَارُ": التَّمَسُّحُ بالأَحْجَارِ، وَهِيَ الجِمَارُ (١)، وبِهِ سُمِّيَتْ جِمَارُ مَكَّةَ، ويُقَالُ: جَمَّرَ الرَّجُلُ تَجْمِيرًا: إِذَا رَمَى بالجِمَارِ، وَوَاحِدَةُ الجِمَارِ جَمْرَةٌ. - و"الاسْتِنْثَارُ": أَخْذُ المَاءِ بالأَنْفِ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ من النُّثْرَةِ، وَهِيَ الأنْفُ كَأَنَّهُ أَخَذَ المَاءِ بالنُّثْرَةِ، فَهُوَ عَلَى هَذَا بِمَنْزِلَةِ الاسْتِنْشَاقِ سَوَاء، وقِيلَ:

стр. 153

الاسْتِنْثَارُ: رَمْيُ المَاءِ مِنَ الأنْفِ بَعْدَ استِنْشَاقِهِ، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنْ قَوْلهِمْ: نَثَرْتُ الشَّيءَ نَثْرًا: إِذَا رَمَيتَهُ مُتَفَرِّقَّا، وَيُقَالُ نَثَرَتِ الدَّابَّةُ نَثرًا ونَثيرًا إِذَا عَطَسَتْ، قَال ذُو الرُّمَّةِ -يَصِفُ حُمُرَ وَحْشٍ وَرَدَتِ المَاءَ- (١): فَمَا أَفْجَرَتْ حَتَّى أَهَبَّ بِسُدْفَةٍ ... عَلاجِيمَ عَينَا ابْنَي صُبَاحٍ نَثيرُهَا يُرِيدُ: إِنَّها أَيقَظَتِ الضَّفَادعَ بِأَصْوَاتِ أُنُوفِهَا. وَهَذَا القَوْلُ الثَّانِي أَشْبَهُ بالاسْتِنْثَارِ المَذكُوْرِ في الوَضُوْءِ؛ ولأنَّه قَدْ جَاءَ في حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِي ﷺ : "إِذَا تَوَضَّأ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخَرِهِ مِنَ المَاءِ ثُمَّ لِيَنْثُرْ" دَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الاسْتِنْثَارَ غَيرُ الاسْتِنْشَاقِ (٢). - وأَصْلُ "المَضْمَضَةُ": الغَسْلُ. يُقَالُ: مَضْمَضَ إِنَاءَهُ وَمَصْمَصَهُ، بالضَّادِ والصَّادِ المُهْمَلَةِ: إِذَا غَسَلَهُ، حَكَى ذلِكَ يَعْقُوْبُ (٣)، ويَقَالُ: تَمَضْمَضَ النَّوْمُ في عَينَيهِ: إِذَا بَدَا وَلَمْ يَتَمَكَّنْ، قَال الرَّاجِزُ (٤): وَصَاحِبٍ نَبَّهْتُهُ لِيَنْهَضَا إِذِ الكَرَي فِي عَينِهِ تَمَضمَضَا

стр. 154

فَقَامَ عَجْلانَ وَمَا تَأَرَّضَا يَمْسَحُ بالكَفَّينِ وَجْهَا أَبْيَضَا - وَذَكَرَ خَفْضُ الأرْجُلِ في قَوْلِهِ تَعَالي (١): ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾، فَقَال:

стр. 155

وَفِي ذلِكَ قَوْلانِ، زَعَمَ قَوْمٌ أَنّه خَفْضٌ عَلَى الجِوَارِ، كَمَا قَال امْرُؤُ القَيسِ (١): * صَفِيفَ شِوَاءٍ أَوْ قَدِيرٍ مُعَجَّلِ * وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُوْلَ: "أَوْ قَدِيرًا"، وَكَمَا قَال زهُيرٌ (٢): * ... سَوَافِي المُوْرِ والقَطْرِ * وَقَال النَّابِغَةُ (٣): لَمْ يَبْقَ إلَّا أَسِيرٌ غَيرُ مُنْقَلِبٍ ... أَوْ مُوْثَقٍ في حِبَالِ القَدِّ مَسْلُوْبِ وَقِيلَ: إِنَّ الأرْجُلَ مَعْطُوْفَةٌ عَلَى الرُّؤُوسِ عَلَى مَا يَنْبَغِي مِنَ العَطْفِ. فَإِنْ قِيلَ: كَيفَ يَصِحُّ عَطْفُهَا عَلَى الرُّؤُوْسِ، والرُّؤُوْسُ مَمْسُوْحَةٌ وَالأرْجُلُ مَغْسُوْلَةٌ؟ . فَالجَوَابُ عَن ذلِكَ مِنْ وَجْهَينِ، كِلاهُمَا مُقْنِعٌ. أَحَدُهَا (٤): أَنَّ العَرَبَ قَدْ تَعْطِفُ الشَّيءَ عَلَى الشَّيءِ وإِن اخْتَلَفَ مَعْنيَاهُمَا

стр. 156

إِذَا كَانَ لَهُمَا وَجْهٌ يَجْتَمِعَانِ فيه كَقَوْلِ الرَّاجِزُ (١): * شَرَّابُ أَلْبَانٍ وَتَمْرٍ وأَقِطْ * والتَّمْرُ وَالأقِطُ يُؤكَلَانِ وَلَا يُشْرَبَانِ، وَلَكِنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ في أَنَّ كُلَّ وَاحدٍ غِذَاءٌ يُغْتَذَى [بِهِ] (٢)، وَكَذلِكَ قَوْلُ الآخَرِ (٣): [يَا ليتَ زَوُجَكِ قَدْ غَدَا] ... مُتَقَلِّدًا سَيفًا وَرُمْحًا والرُّمْحُ لا يُتَقَلَّدُ، ولكِنَّ الرُّمْحَ قَدْ يُشَارِكَ السَّيفَ؛ في أنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَحْمُوْلٌ، فَكَذلِكَ الأَرْجُلُ والرُّؤُوْسُ وإِنِ اخْتَلَفتْ في أنَّ بَعْضَهَا مَمْسُوْحٌ وبَعْضَهَا مَغْسُوْلٌ فَقَدِ اتَّفَقَتْ فِي أَنَّ المَسْحَ والغَسْلَ كِلَاهُمَا طَهَارَةٌ. والآخَرُ: أَنَّ وَاوَ العَطْفِ إِنَّمَا تُشْرِكُ الثَّانِي مَعَ الأوَّلِ بِنَوع الفِعْلِ وَجِنْسِهِ، لَا فِي كَيفِيَّتِهِ ولَا كَمِّيَّتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: ضَرَبْتُ زَيدًا وعَمْرًا جَازَ أَنْ تَضْرِبَ أَحَدَهُمَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً، والآخَرُ عِشْرِينَ ضَرْبَةً فَيَخْتَلِفُ مِقْدَارُ الضَّرْبَينِ وكَيفِيَّتُهُمَا، ولا يُبْطِلُ ذلِكَ عَطْفُ أَحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ. وكَذلِكَ يَجُوْزُ أَنْ تَضْرِبَ أَحَدَهُمَا قَائِمًا والآخَرَ قَاعِدًا فَتَخْتَلِفُ الكَيفِيَّتَانِ، وكَذلِكَ إِذَا قُلْتَ: أَعْطَيتُ زَيدًا عَمْرًا جَازَ أَنْ تَسْتَوي العَطِيَّتَانِ، وَجَازَ أَنْ تَخْتَلِفَا في القِلَّةِ والكَثْرَةِ، فتُعْطِي أَحَدَهُمَا دِرْهَمًا والآخَرَ مَائَةَ دِرْهَمٍ. والعَرَبُ رُبَّمَا استَعْمَلَتْ المَسْحَ بمَعْنْى الغَسْلِ، قَال الرَّاجِز (٤):

стр. 157

* أشْلَيتُ عَنْزِي وَمَسَحْتُ قَعْبِي * والقَعْبُ: القِدْحُ، يُرِيدُ إِنَّه غَسَلَ قِدْحَهُ لِيَحْلِبَ. وَقَدْ حَكَى أَبُو زَيدٍ (١) أَنَّ العَرَبَ تَقُوْلُ: تَمَسَّحْتَ لِلصَّلَاةِ: إِذَا تَوَضَّأَتَ لَهَا، فَلَمَّا كَانَتِ الوَاوُ إِنَّمَا تُوْجِبُ الشَّرِكَةَ في نَوع الفِعْلِ وَجِنْسِهِ لَا فِي كَيفِيَّتِهِ وكَمِّيَّتِهِ، وَكَانَ النَّضْحُ والغَسْلُ كِلَاهُمَا (٢) يُسَمَّى مَسْحًا عُطِفَتِ الأَرْجُلُ عَلَى الرُّؤُوْسِ، وإِنْ اخْتَلَفَتْ الكَمِّيَّتَانِ والكَيفِيَّتَانِ، كَمَا جَازَ أَنْ يُقَال: أَعْطَيتُ زَيدًا وعَمْرًا في المَسْأَلةِ المَذْكُوْرَةِ؛ لأنَّ النَّضْحَ جُزْءٌ مِنَ الغَسْلِ، كَمَا أَنَّ الدِّرْهَمَ جُزْءٌ من المَائِةِ، فَهَذَا أَحْسَنُ تَأْويلٍ حُمِلَتْ عَلَيهِ؛ لأنَّه جَارٍ مَجْرَى كَلَامِ العَرَبِ الفَصِيحِ الذِي لَا يُمْكِنُ أَحَدٌ دَفْعَهُ، فَأمَّا حَمْلُهُ عَلَى الجِوَارِ فَهُوَ غَلَطٌ؛ لأنَّهُ لَا خِلَافَ بَينَ النَّحْويِّينَ في أنَّ الخَفْضَ عَلَى الجِوَارِ خَارِجٌ عَنِ القِيَاسِ، دَاخِلٌ في بَابِ الشُّذُوْذِ، وَجمِيع مَا أَنْشَدُوْهُ عَلَى أَنَّه مَخْفُوْضٌ عَلَى الجِوَارِ أَوْ حَكَوْهُ يُمْكِنُ تَأْويلُهُ عَلَى غَيرِ مَا قَالُوْهُ، وإِنَّمَا غَلِطَ مَنْ غَلِطَ في هَذَا؛ لأنَّهم لَمَّا سَمِعُوا النَّحْويِّينَ يَقُوْلُوْنَ: الوَاوُ تُشْرِكُ الأوَّلَ مَعَ الثَّانِي لَفْظًا ومَعْنَى، ظَنُّوا أَنَّه يَلْزَمُ مِنْ ذلِكَ تَسَاويهِمَا فِي الكَمِّيَّة والكَيفِيَّةِ، فَهَذَا مَا يَقْتَضِيهِ لِسَانُ العَرَبِ، وقَدْ جَاءَ في حَدِيثِ الصُّنَابِحِيُّ (٣) "خَرَجَتْ الخَطَايَا مِنْ

стр. 158

رِجْلَيهِ إذَا غَسَلَهُمَا" وَهَذَا إِفْصَاحٌ بِغَسْلِ الأرْجُلِ. [وَضُوْءَ النَّائِمِ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ] - وَذَكَرَ: "إِذَا نَامَ أحَدُكُم مُضْطَجِعًا" [١٠]. فَقَال (١): ورُويَ "مُضَّجِعًا" وهُمَا لُغَتَان، وحُكِيَتْ لُغَةٌ أُخْرَى وَهِيَ "مُطَّجِعٌ" بِطَاءٍ، ولُغَةٌ رَابِعَةٌ شَاذَّة: "مُلْطَجِعٌ" باللَّامِ والطَّاءِ غَيرِ مُعْجَمَةٍ، قَال الرَّاجِزُ (٢):

стр. 159

لَمَّا رَأَى أَنْ لَا دَعَهْ ولَا شِبِعْ مَال إِلَى أَرْطَاةِ حِقْفٍ فَالْطَجَعْ وَقَوْلُهُ [تَعَالى] (١): ﴿إذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾: تأْويلُهُ: إِذَا أَرَدْتُمُ القِيَامَ، فَتَرَكَ ذِكْرَ الإرَادَةِ وهي السَّبَبُ واكتَفَى بِذِكْرِ المُسَبَّبِ عَنْهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ [تَعَالى] (٢): ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ ومِثْلُهُ (٣): ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ أَي: أَرَدْنَا إِهْلَاكَهَا؛ لأنَّ مَجِيءَ البَأْس إِنَّمَا يَكُوْنُ قَبْلَ الهَلَاكِ، وَقَال ابنُ جِنِّي (٤) مَعْنَاهُ: إِذَا تَأَهَّبْتُمْ لِلصَّلَاةِ، ونَظَرْتُمْ في أَمْرِهَا، وَلَيسَ يُرَادُ بالقِيَامِ هُنَا المُثُوْلُ الَّذِي هُوَ ضِدُّ القُعُوْدِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلهِمْ: قُمْتُ بالأمْرِ: إِذَا تَوَلَّيتَهُ ونَظَرْتَ فِيهِ كَقَوْلِ

стр. 160

الأعْشَى (١) يَقُومُ عَلَى الوَغْمِ فِي قَوْمِهِ ... فَيَعْفُو إِذَا شَاءَ أَوْ يَنْتَقِمْ فإِذَا كَانَ التَّأويلُ عَلَى هَذَا لَمْ يَحْتَجُ إِلَى تَقْدِيرِ الإرَادَةِ، وَلَا وُضِعَ مُسَبَّبٌ مَوْضِعَ سَبَبٍ، وهَذَانِ التَّأويَلَانِ خِلَافُ مَا قَالَهُ زَيدُ بنُ أَسْلَمَ (٢)؛ لأنَّه جَعَلَهُ قِيَامًا مِنَ النَّوْمِ. - وَ"الكَعْبَانُ" عِنْدَ العَرَبِ: العُقْدَتَانِ اللَّتَانِ في أَسْفَلِ السَّاقِ عَنْ يَمِينِ القَدَمِ وَشِمَالِهَا، وَكُعُوْبُ القَنَاةِ: عِقَدُهَا. وَفِي الحَدِيثِ: "أَقْبَلَ عَلَينَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ بوَجْهِهِ وَقَال: أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، فَلَقَدْ رَأَيتُ الرَّجُلَ يُلْزِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ" وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الكَعْبَ فِي ظَهْرِ القَدَمِ فَقَدْ أَخْطَأَ. وَكَانَ هُشَيمٌ (٣) يَقُوْلُ: المُغِيرَةُ بنُ أَبِي بَرْزَةَ بِفَتْحِ البَاءِ والزَّاي (٤).

стр. 161

- و"الطَّهُوْرُ": بِفَتْحِ الطَّاءِ (١) سَوَاءً أَرَدْتَ بهِ المَصْدَرَ أَو المَاءَ، ويُقَالُ لِلإنَاءِ الَّذِي يُتَطَهَّرُ مِنْهُ: مِطْهَرَةٌ بِكَسْرِ المِيمِ؛ لأنَّه آلةٌ لَلْمَاءِ، وَالغَالِبُ عَلَى الآلَاتِ كَسْرُ الأوَائِلِ نَحْوَ: المِحْلَبِ لِلْقِدْحِ الَّذِي يُحْلَبُ فِيهِ، وَالمِكْتَلِ لِلْقُفَّةِ، والمِفْتَحِ، ويُقَالُ: مَطهَرَةٌ -بالفَتْحِ- لأنَّهَا مَكَانُ المَاءِ قَدْ تَضَمَّنَتْهُ فَهِيَ جَارِيَةٌ مَجْرَى الأَمْكِنةِ، وَالمَكَانُ إِذَا جَاءَ عَلَى صِيغَةِ مَفْعَلٍ [فَهُوَ] الثُّلَاثِيُّ كَالمَقْعَدِ والمَذْهَبِ. ويُقَالُ: طَهَرَتِ المَرْأَةُ وطَهُرَتْ -بِفَتْحِ الهَاءِ وَضَمِّهَا- إِذَا انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ، فَهِيَ طَاهِرٌ بغَيرِ هَاءٍ، فَإِذَا أَرَدْتَ الطَّهَارَةَ من العُيُوْبِ قُلْتَ [طَاهِرَةٌ -بالهَاءِ-] قَال الكُوْفِيُّونَ: إِنَّمَا [كَانَ] ذلِكَ لأنَّهَا مُنْفَرِدَةٌ، والطُّهْرُ مِنَ الحَيضِ لَا يَشْرَكُهَا فِيهِ المُذَكَّرُ، فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى فَرْقٍ بَينَهَا وَبَينَ المُذَكَّرِ، ويَشْتَرِكُ مَعَهُ في الطَّهَارَةِ مِنَ العُيُوْبِ، وهَذَا خَطَأٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لأنَّا قَدْ وَجَدْنَا صِفَاتٍ كَثيرَةً يَشْتَرِكُ فِيهَا المُذَكَّرُ والمُؤنَّثُ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَينَهُمَا كَامْرَأَةٍ عَاشِقٍ ورَجُلٍ عَاشِقٍ وجَمَلٍ ضَامِرٍ ونَاقَةٍ ضَامرٍ، قَال ذُو الرُّمَّة (٢): وَلَوْ أَنَّ لُقْمَانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ ... لِعَينَيهِ مَيٌّ حَاسِرًا كَادَ يَبْرَقُ والقَوْلُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ فِي هَذَا أَنَّ مَا جَاءَ مِنْ صِفَاتِ المُؤَنَّثِ -بالهَاءِ- فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الفِعْلِ، وَمَا جَاءَ مِنْهُ بِغَيرِ هَاءٍ فَإِنَّهُ عَلَى مَعْنَى النَّسَبِ. [الطَّهُوْرُ لِلْوَضُوْءِ] - وَقَوْلُهُ [﵇]: "الحِلُّ مَيتَتُهُ" [١٢]. يُقَالُ: حِلٌّ وحَلَالٌ كَمَا يُقَالُ:

стр. 162

فِي ضِدَّهِ: حِرْمٌ وَحَرَامٌ، ويُقَالُ في الحَيَوَانِ مَيتَةٌ بالهَاءِ، وفي الأَرْضِ: مَيتٌ -بِغَيرِ هَاءٍ- قَال [الله] تَعَالى (١): ﴿إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً﴾ وَقَال [سُبْحَانَهُ] (٢): ﴿بَلْدَةً مَيتًا﴾. - وَمَعْنَى "سَكَبْتُ": صَبَبْتُ. - وَ"أصْغَى". أَمَال، وَكُلُّ شَيءٍ أَصْغَيتُهُ فَقَدْ أَمَلْتَهُ. وَ"الرَّكبُ" جَمْعُ رَاكِبٍ، وأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ في الإبِلِ، وَهُوَ عِنْدَ سِيبَوَيهِ اسْمٌ لِلْجَمَعِ، وَهُوَ عِنْدَ الأخْفَشِ جَمْعٌ، والدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ سِيبَوَيهِ قَوْلُهُم في تَصْغِيرِهِ: رُكَيبٌ، قَال الرَّاجِزُ (٣): بَنَيتُهُ بِعُصْبَةٍ مِنْ مَالِيَا أَخْشَى رُكَيبًا أَوْ رُجَيلًا عَادِيَا

стр. 163

[مَا لَا يَجِبُ مِنْهُ الوَضُوءُ] - و"القَلْسُ": بسُكُوْنِ اللَّامِ- مَصْدَرُ قَلَسَ يَقْلُسُ: إِذَا خَرَجَ إِلَى فَمِهِ أَوْ حَلْقِهِ (١) شَيءٌ مِمَّا في جَوْفِهِ طَعَامًا كَانَ أَوْ مَاءً، وإِذَا أَرَدْتَ اسمَ الشَّيءِ الخَارِجِ قُلْتَ: قَلَسٌ مثل الهَدْمِ، تُرِيدُ المَصدَرَ. والهَدَمُ: اسمُ الشَّيءِ المُتَهَدِّمِ. - وأما "القَيئُ" فيَكُوْنُ المَصْدَرُ مِنْ قَاءَ يَقِيئُ، ويَكُوْنُ الشَيءُ الَّذي يُتَقَيَّأُ بِلَا فَرْقٍ بَينَهُمَا فِي اللَّفْظِ، وهَذَا مِمَّا سُمِّيَ بِهِ الشَّيءُ بِفِعْلِهِ الَّذِي يَفْعَلُهُ كَقَوْلهِمْ لِلْعَينِ: طَرْفٌ ولَحْظٌ، ولْلأُذُنِ: سَمْعٌ، وَإِنَّمَا هِيَ في الحَقِيقَةِ مَصَادِرُ مِنْ قَوْلكَ: طَرَفَ وَلَحَظَ وسَمِعَ. [تَرْكُ الوَضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ] - " الصَّهْبَاءُ" [٢٠]. أَرْضٌ بِجِهَةِ خَيبَرَ (٢)، والسَّهْبَاءُ: بِئْرٌ لِبِنَي سَعْدٍ. والسَّهْبَاءُ: -أَيضًا- بِئْرٌ لِسَعِيدِ بنِ العَاصِي (٣). - و"السَّويقُ" [٢٠]. طَعَامٌ يُتَّخَذُ مِنْ قَمْحٍ يُحْرَقُ أَوْ شَعِيرٍ (٤)، ثُمَّ يُدَقُّ فَيَكُوْنُ شبِيهُ الدَّقِيقِ، فَإِذَا احْتِيجَ إِلَى أَكْلِهِ ثُرِّيَ، أَي: بُلَّ بِلَبَنٍ أَوْ مَاءٍ أَوْ رُبٍّ

стр. 164

ونَحْو ذلِكَ، وَقَال قَوْمٌ: هُوَ الكَعْكُ. - و"أَبَانٌ" [٢٢]. إِنْ جَعَلْتَ هَمْزَتَهُ أَصْلِيَّةً وأَلِفَهُ زَائِدَةً كَأَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ أَبَّنْتُ الرَّجُلَ تَأْبِينًا: إِذَا مَدَحْتَهُ بَعْدَمَوْتهِ، أَوْ مِنْ أبَنْتُهُ: إِذَا اتَّهَمْتَهُ بِسُوْءٍ (١) فَهُوَ مَصْرُوْفٌ؛ لأنَّ وَزْنَهُ فَعَالٌ بِمَنْزِلَةِ أَدَاءٍ، فَإِنْ جَعَلْتَهُ فِعْلًا مَاضِيًا سُمِّيَ بِهِ حَكَيتَهُ إِنْ اعتَقَدْتَ أَنَّ فِيهِ ضَمِيرًا فَاعِلًا، وأَجْرَيتَهُ مَجْرَى مَا لا يَنْصَرِفُ إِنْ اعْتَقَدْتَ أَنَّهُ لَا ضَمِيرَ فِيهِ، والَّذِي رَوَينَا فيه الصَّرْفُ. [جَامِعُ الوَضُوءِ] - و"الاسْتِطَابَةُ" [٢٧]. الاستِنْجَاءُ. يَقُالُ: استَطَابَ الرَّجُلُ استِطَابَةً، وأَطَابَ إِطَابَةً، قَال الأَعْشَى (٢): يَا رَخَمًا قَاظَ عَلَى مَطْلُوبِ يُعْجِلُ كَفَّ الخَارِئِ المُطِيبِ

стр. 165

وَيُرْوَى (١): "عَلَى يَنْخُوبِ". - وَقَوْلُهُ ﵇: "أَوَلَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ ثَلَاثَةَ أحْجَارٍ" [٢٧]. هَذِهِ الوَاوُ عِنْدَ سِيبَوَيهِ (٢) وأَصْحَابِهِ وَاوُ العَطْفِ دَخَلَتْ عَلَيهَا أَلِفُ الاسْتِفْهامِ، فَأَحْدَثَتْ في الكَلَامِ ضَرْبًا مِنَ التَّقْرِيرِ، وَقَدْ تَكُوْنُ للاسْتِفْهَامِ الَّذِي لا تَقْرِيرَ فيه، وَقَدْ تُحْدِثُ في الكَلَامِ مَعْنَى التَّوْبِيخِ كَقَوْلهِ [تَعَالى] (٣): ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ [بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ]﴾ (٤) وَهِيَ تُسْتَعْمَلُ عَلَى وَجْهَينِ: أَحَدُهِمَا: تَقْرِيرُ المُخْبِرِ عَلَى بَعْضِ مَا أَخْبَرَ بِهِ (٥). والثَّانِي: عَطْفُ كَلَامِ المُخَاطَبِ عَلَى كَلَامِ المُحَدِّثِ. أَمَّا التَّقْرِيرُ فَمِثْلِ أَنْ يَقُوْلَ قَائِلٌ: جَاءَنِي زَيدٌ وَقَال لِي كَذَا وَكَذَا، فَيقُوْلُ لَهُ المُخَاطَبُ: أَوَ قَال لَكَ هَذَا؟ فَتَسْتفْهِمُهُ عَنْ بَعْضِ كَلَامِهِ وَيَتْركَ بَعْضَهُ. وأَمَّا العَطْفُ: فَكَقَوْلِ القَائِلِ: جَاءَنِي زَيدٌ، فَيقُولُ المُخَاطَبُ: أَوَ أَقَامَ؟ كَأَنَّهُ أَرَادَ عَطْفَ القِيَامِ عَلَى المَجِيئِ الَّذِي نَطَقَ بِهِ المُخْبِرِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ عَلَى ثِقَةٍ

стр. 166

فاسْتمهَمَهُ عَنْهُ، وَقَدْ يَكُوْنُ مِنْهُ عَلَى ثِقَةٍ وَيَسْتَفْهِمُهُ علَى جِهَةِ التَّقْرِيرِ أَو التَّوْبِيخِ أَوْ نَخو ذلِكَ مِنَ المَعَانِي، وَزَعَمَ بَعْضُ النَّحْويِّينَ أَنَّ الوَاوَ في هَذ المَوَاضِعَ زَائِدَةٌ (١)، وَزَعَمَ بَعْضُهُم (٢) أَنَّها "أَوْ" حُرِّكَتْ وَاوُهَا، وَلَا وَجُهَ لِدُخُوْلِ "أَوْ" في هَذِهِ المَوَاضِعَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا الوَاوُ العَاطِفَةُ كَمَا قَال سِيبَوَيهِ: أَنَّا وَجَدْنَاهُمْ قَدْ أَدْخَلُوْهَا عَلَى فَاءِ العَطْفِ في نَحْو قَوْلهِ [تَعَالى] (٣): ﴿أَفَكُلَمَا جَآءكُمْ﴾ وَعَلَى "ثُمَّ" في نَحْو قَوْلهِ [تَعَالى] (٤): ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾ ومَعْنَى قَوْلهِ: "أَوَلَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ": أَوليسَ يَجِدُ أَحَدُكُمْ، فَهُوَ كَلَامٌ مَعْنَاهُ التَّقْرِيرُ كَقَوْلهِ تَعَالى (٥): ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾. - ويُقَالُ: مَقْبُرَةٌ ومَقْبَرَةٌ (٦). - وَقَوْلُهُ ﵀: "وَإنَّا إنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُوْنَ" [٢٨]، . فِيهُ وَجْهَان: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُوْنَ أَرَادَ لَاحِقُوْنَ في الإِيمَانِ، لَا في المَوْتِ، تَوَقِّيًا مِنَ الفِتنةِ

стр. 167

في الدِّينِ كَمَا قَال إِبْرَاهِيمُ (١): ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، هو وَكَمَا قَال يُوْسُفُ (٢): ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا [وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ]﴾ (٣)، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْويلِ قَولُهُ [ ﷺ ]: "يَا مُقَلِّبَ القُلُوْبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى طَاعَتِكَ". وَالوَجْهُ الآخَرُ (٤): أَنَّ العَرَبَ قَدْ تُشَبِّهُ "إِنْ" الَّتِي لِلْشَّرْطِ بـ "إِذَا" الزَّمَانِيَّةِ كَمَا تُشَبِّهُ "إِذَا " في بَعْضِ المَوَاضِعِ بـ "إِنْ"؛ لِأَنَّ "إِذَا" تُضَارِعُ "إِنْ" في أَنَّها تَحْتَاجُ إِلَى جَوَابٍ، والشَّيئَانِ إِذَا تَضَارَعَا فَقَدْ يُحْمَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، فَمِمَّا شُبِّهَتْ فِيهِ "إِنْ " بـ "إِذَا" قَوْلُهُ [تَعَالى] (٥): ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾، وَقَوْلُ الشَّاعِرِ (٦): فَإِنْ لَا يَكُنْ جِسْمِي طَويلًا فَإِنَّنِي ... لَهُ بالفِعَالِ الصَّالِحَاتِ وَصُوْلُ وَطُوْلُ جِسْمِهِ شَيءٌ قَدْ وُجِدَ وَكَانَ، ولَيسَ مِمَّا يُمْكِنْ أَنْ يَكُوْنَ وَأَنْ لَا يَكُوْنَ فَيَصِحُّ الشَّرْطُ بِه، وإِنَّمَا أَرَادَ: فَإِذَا لَمْ يَكُنْ، وَمِمَّا شُبِّهَتْ فِيهِ "إِذَا" بـ "إِنْ" قَوْلُ

стр. 168

[أَوْسِ بنِ حَجَرٍ] (١): إِذَا أَنْتَ لَمْ تُعْرِضْ عَنِ الجَهْلِ والخَنَا ... أَصَبْتَ حَلِيمًا أَوْ أَصَابَكَ جَاهِلُ وإِعْرَاضُهُ عَنِ الجَهْلِ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَكُوْنَ، ويُمْكِنُ أَنْ لَا يَكُوْنَ، وهَذَا مِنْ مَوَاضِعِ "إِنْ" لَا مِنْ مَوَاضِعِ "إِذَا"؛ لأنَّ "إِذَا" إِنَّمَا بَابُهَا أَنْ تُسْتَعْمَلَ في الأُمُوْرِ الَّتِي وُقُوْعُهَا مَضْمُوْنٌ كَقَوْلِهِ: إِذا احْمَرَّ البُسْرُ فَأتِنِي، وإِذَا كَانَ اللَّيلُ فَالْقَنِي. - والفَرَطُ والفَارِطُ: الَّذِي يُقَدِّمُهُ القَوْمُ أَمَامَهُم إِذَا أَرَادُوا وُرُودَ المَاءِ ليُصْلحَ الأرْشِيَةَ لَهُمْ، ويَمْدُرَ الحَوْضَ، ويَسْتَقِيَ المَاءَ، فضُرِبَ مَثلًا لِكُلِّ مَنْ تَقَدَّمَ، ومِنْهُ فِي الدُّعَاءِ لِلطَّفْلِ "اجْعَلْه لنَا فَرَطًا" أي: أَجْرًا نَرِدُ عَلَيهِ، ومِنْهُ قَوْلُ القُطَامِيِّ (٢): فَاسْتَعْجَلُوْنَا وَكَانُوا مِنْ صِحَابَتِنَا ... كَمَا تَعَجَّلَ فُرَّاطٌ لِوُرَّادِ - و"الغُرَّةُ": بَيَاضٌ فَوْقَ الدِّرْهَمِ يَكُوْنُ فِي الجَبْهَةِ (٣)، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ فَهُوَ قُرْحَةٌ. - و"التَّحْجِيلُ" [٢٨]. بَيَاضٌ يَبْلُغُ نِصفَ الوَظِيفِ أو ثُلُثَهُ أَوْ ثُلُثيهِ بَعْدَ أَنْ يَتَجَاوَزَ الأرْسَاغَ، وَلَا يَبْلُغُ الرُّكْبَتينِ والعُرْقُوْبَينِ، ولَا يَكُوْنُ التَّحْجِيلُ وَاقِعًا بِيَدٍ أَوْ يَدَينِ حَتَّى يَكُوْنَ مَعَهَا رِجْل أَوْ رِجْلَانِ.

стр. 169

- و"الدُّهْمُ": الشَّدِيدة الخُضْرَةِ حَتَّى تُشْبِهِ السَّوَادَ. - و"البُهْمُ": جَمْعُ بَهِيمٍ، وَهُوَ الَّذِي لَا شِيَةَ فِيهِ وَلَا وَضَحَ أَيَّ لَوْنٍ كَانَ، والأَصْلُ بُهُمٌ، فَسَكِّنَ لِتَتَابُعِ الضَّمَّتَينِ كَعُنُقٍ وَعُنْقٍ. - و"فَليُذَادَانَّ" "فَلْيَدْفَعَنَّ" و"لْيَمْنعنَّ": اللَّامُ لَامُ القَسَمِ، كَأَنَهُ قَال: فَواللهِ لَيُذَادَنَّ، أَي: إِنَّ هَذَا سَيَكُوْنُ لَا مَحَالةَ، وَكَذلِكَ كُلُّ فِعْلٍ مُضَارعٍ تَدْخُلُ أَوَّلِهِ اللَّامُ مَعَ النُّوْنِ الثَّقِيلَةِ أَو الخَفِيفَةِ فَإِنَّمَا هُوَ عَلَى نِيَّهِ القَسَمِ كَقَوْلهِ [تَعَالى] (١): ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ﴾ (٢)، ويُرْوَى (٣): "فَلَا يُذَادَنَّ" عَلَى مَعْنَى النَّهْيِ، وذلِكَ أَنَّ العَرَبَ قَدْ تُوْقِعُ النَّهْيَ عَلَى الفِعْلِ ومُرَادُهَا غَيرَهُ، إِذَا كَانَ أَحَدُ الفِعْلَينِ مُتَعَلِّقًا بالآخَرِ يُوْجَدُ بِوُجُوْدِهِ ويَرْتَفِعُ بارْتفِاعِهِ، فَتَقُوْلُ لِلرَّجُلِ: لَا يَضْرِبَنَّكَ زَيدٌ، ولَا يَأْكُلَنَّكَ الأسَدُ، أَي: لَا تَتَعَرَّضَ لِذلِكَ الشَّيءِ، بَأَنْ تَفْعَل (٤) فِعْلًا يُؤدِيكَ إِلَيهِ؛ وَذلِكَ أَنَّ التَّعَرُّضُ لِضَرْبِ زَيدٍ، وأَكْلِ السَّبُعِ إِيَّاهُ هُوَ السَّبَبُ المُوْجِبُ لِلضَّرْبِ، وَالأكْلُ وَالضُّرْبُ مُسَبَّبَانِ عَنْهُ، فَإِذَا لَمْ يَقَعِ السَّبَبُ لَمْ يَقَعِ المُسَبَّبُ، وَمِنْ هَذَا البَابِ قَوْلُهُ [تَعَالى] (٥): ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ﴾ وَلَيسَ (٦) المَوْتُ بِفِعْلٍ لَهُم فَيُنْهَوا عَنْهُ، ولكِنَّهُ السَّبَبُ الَّذِي مِنْ أَجْلِ تَوَقُّعِهِ

стр. 170

يَجِبُ عَلَى الإنْسَانِ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الإسْلَامِ، ويُقَدِّمَ الأعْمَال المَرْضِيَّةَ، والمَعْنَى: لَا يَجِدَنَّكُمُ المَوْتُ إِذَا جَاءَكُم إِلَّا عَلَى هَذ الحَالِ، ونَظِيرُ هَذَا قَوْلُ النَّابِغَةِ (١): * لَا أَعْرِفَنْ رَبْرَبًا ... البيت * فَأَوْقَعَ النَّهْيَ عَلَى نَفْسِهِ وهو يُرِيدُ المُخَاطَبِينَ، والمَعْنَى: لَا تَتَعَرَّضُوا لأَنْ أُعْرِفَكُمْ هكَذَا. ويُروى: "لأَعْرِفَنَّ" عَلَى القَسَمِ كَأَنَّهُ قَال: واللهِ لأعْرِفَنَّ هَذَا و [مثله قَوْلُهُ تَعَالى]: (٢) ﴿لَّيَكُوُننَّ﴾، ومِنْهُ قَوْلُ عَبِيدِ بنِ الأبْرَصِ (٣): لَا أَعْرِفَنَّكَ بَعْدَ المَوْتِ تَنْدُبُنِي ... وَفِي حَيَاتِيَ مَا زَوَّدْتَنِي زَادِي وَيُرْوَى: "لأَعْرِفَنَّكَ". - قَوْلُهُ: "هَلُمَّ": هَذِهِ اللُّغَةُ الفَصِيحَةُ [القُرَشِيَّة] (٤)، لَا يُلْحِقُوْنَ "هَلُمَّ" ضَمِيرَ الاثْنَينِ، ولَا الجَمَاعَةِ ولا المُؤَنَّثِ ويَدَعُوْنَهَا مُفْرَدَةً عَلَى كلِّ حَالٍ؛ لأنَّها مُرَكَّبَةٌ مِنْ "هَا" الَّتِي هِيَ للتَّنْبِيهِ و "لُمَّ" الَّتِي بِمَعْنَى الأمْرِ فَغَلَبَ عَلَيهَا مَعْنَى الحَرْفِيَّةِ وشِبْهِهَا، وعَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ جَاءَ القُرْآنُ قَال اللهُ تَعَالى (٥): ﴿هَلُمَّ إِلَينَا﴾

стр. 171

وبَنُو تَمِيمٍ يُجْرُونَهَا مَجْرَى الفِعْلِ فَيقُوْلُوْنَ: هَلُمَّ يَا رَجُلُ لِلْمُفْرَدِ المُذَكَّرِ، وهَلُمَّا يَا رَجُلَانِ، وهَلَمُّوا يَا رِجَالُ، وهَلِمِّي يا امْرَأَةُ، وهَلمُمْنَ يَا نِسَاءُ. - "السُّحْقُ": هُوَ: البُعدُ، مَضْمُوْمُ الحَاءِ وسَاكِنُهَا، لُغَتَانِ. أَسْحَقَهُ الله إِسْحَاقًا: أَبْعَدَهُ، ومَكَانٌ سَحِيقٌ: بَعِيدٌ. - و"المَقَاعِدُ": المَصَاطِبُ كَانَتْ حَوْلَ المَسْجِدِ، يُقعَدُ عَلَيهَا، وَقِيلَ: كَانَتْ حِجَارَةً بِقُرْبِ دَارِ عُثْمَانَ وَاحِدُهَا مَقْعَدٌ والمَقْعَدُ: اسمٌ لِكُلِّ مَكَانٍ يُقْعَدُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مَكَانًا يُقَامُ فِيهِ عَلَى الأقْدَامِ قِيلَ لَهُ: مَقَامٌ، [وَقَدْ يُسَمَّى مَقْعَدًا]. قَال اللهُ تَعَالى (١): ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ [مَقَاعِدَ]﴾ وَقَدْ قِيلَ مَعْنَاهَا هَهُنَا -أَعْنِي فِي الآيَةِ-: مِنْ قَوْلكَ: قَعَدَ فُلَانٌ لِفُلانٍ: إِذَا أَعَدَّ لَهُ مَا يَقْعُدُ عَلَيهِ، قَال الشَّاعِرُ (٢): لأصحَبَنْ ظَالِمًا حَرْبًا رُبَاعِيَّةً ... فَاقْعُدْ لَهَا وَدَعَنْ عَنْكَ الأظَانِينَا وَقَدْ يَجُوْزُ أَنْ تكوْنَ المَقَاعِدُ في الآيةِ مِنْ قَوْلهِمْ: قَعَدَ عَلَى الفَرَسِ والنَّاقَةِ واقْتَعَدَهُمَا: إِذَا رَكِبَهُمَا ويُقَالُ لِلْفَرَسِ الَّذِي يُتَّخَذُ لِلْرُّكُوْبِ: قِعْدَةٌ، قَال النَّابِغَةُ (٣):

стр. 172

قُعُوْدًا عَلَى آلِ الوَجِيهِ وَلَاحِقٍ ... يُقِيمُونَ حَوْليَّاتِهَا بالمَقَارعِ -[قَوْلُهُ]: "فَآذَنَهُ بِصَلَاةِ العَصْرِ" [٢٩]. أَعْلَمَهُ بِحْضُوْرِ وَقْتِهَا، يُقَالُ: آذَنْتُهُ بالأَمْرِ إِيذَانًا؛ أي: أَعْلَمْتُهُ وآذَنَ هُوَ بِهِ، أي: عَلِمَ. - و"الزّلَفُ": السَّاعَاتُ، وَاحِدُهَا زلْفَةٌ، وَسُمِّيَتْ بِذلِكَ مِنَ الازْدِلَافِ وَهُوَ القُرْبُ، وَالسَّاعَاتُ يَقْرُبُ بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ويَتَّصِلُ بِهِ، والزُّلْفَى إِلَى الله [سُبْحَانُهُ]: القُرْبَةُ إِلَيهِ، ومِنْهُ المُزْدَلَفَةُ. - وَ"الأَشْفَارُ": حُرُوْفُ الأَجْفَانِ وأَطْرَافُهَا الَّتِي يَنْبُتُ عَلَيهَا الشَّعْرُ، وَاحِدَتُهَا: شُفْرٌ وشَفْرٌ، شُفْرُ كُلِّ شَيءٍ حَرْفُهُ، كَذلِكَ شَفِيرُهُ، وَمِنْهُ شُفْرُ الرَّحِمِ، وشَفِيرُ الوَادِي، وَقَدْ يُسَمَّى الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الشَّفْرِ شَفْرًا، سُمِّيَ بِمَنْبَتِهِ مِنْ بَابِ تَسْمِيةِ الشَّيءِ باسْمِ الشَّيءِ إِذَا كَانَ مِنْهُ بِسَبَبٍ، كقَوْلهِمْ لِلْمَرأَةِ: ظَعِينَةٌ، وإِنَّمَا الظَّعِينَةُ: الهَوْدَجُ يُظْعَنُ بِهَا فِيهِ، وَقِيلَ: بَلْ الضَّعِينَةُ لِلْمَرْأَةِ، ويُسَمَّى الهَوْدَجُ بِهَا. والظَّاهرُ مِنْ حَدِيثِ الضُّنَابِحِيِّ (١) أَنَّه أَرَادَ بالأَشْفَارِ: الشَّعْرُ، لَا حَرُوْفُ الأَجْفَانِ. - وَقَوْلُهُ: "رَأَيتُ رَسُوْلَ الله ﷺ وَحَانَتْ صَلَاةُ العَصْرِ" [٣٢]. المَعْنَى: وَقَدْ حَانَتْ، وَلَابُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ "قَدْ" ههنَا؛ لأنَّ الجُمْلَةَ في مَوْضِعِ الحَالِ؛ لأنَّه إِنَّمَا أَرَادَ: رَأَيتُ رَسُوْلَ اللهِ [ ﷺ ]، فِي هَذِهِ الحَالِ، والمَاضِي لَا يَصْلُحُ أَنْ يَقَعَ حَالًا إِلَّا أَنْ تكُوْنَ مَعَهُ "قَدْ" مُظْهَرَةً أَو مُضْمَرَة (٢)، وَلِذلِكَ قَال النَّحْويُّونَ فِي قَوْلهِ

стр. 173

تَعَالى (١): ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾: قَدْ حَصِرَتْ. - وَ"الخَطْوَةُ" و"الخُطْوَةُ" [٣٣]. المَصْدَرُ مِنْ خَطَوْتُ، وَهِيَ المَرَّةُ الوَاحِدَةُ مِنَ الخَطْو. وفَرَّقَ الفَرَّاءُ بَينَهُمَا فَقَال: بالفَتْحِ المَصْدَرُ، وبالضَمِّ مَا بَينَ القَدَمَينِ (٢). - و"السَّعْيُ" المَشْيُ سَرِيعًا كَانَ أَوْ غَيرَ سَرِيع لكِنَّهُ فِي هَذَا الحَدِيثِ بِمَعْنَى السُّرْعَةِ، وكَثيرٌ مِنَ النَّاسِ يَعْتَقِدُوْنَ أنَّه السَّيرُ السَّرِيع خَاصَّةً، والدَّلِيلُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ قَوْلُهُ [تَعَالى] (٣): ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، وَقَوْلُهُ [تَعَالى] (٤): ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وَقَوْلُهُ: سَعَى فُلَانٌ في الأَمْرِ يَجُوْزُ أَنْ يَكُوْن بإسْرَاعٍ وغَيرِ إِسْرَاع، وَقَال [تَعَالى] (٥): ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾، وَقَوْلُهُ [تَعَالى] (٦): ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨)﴾ وَمَا رُويَ عَنْ عُمَرَ وابنِ مَسْعُوْدٍ من قِرَاءَتِهِمَا (٧): ﴿فامْضُوْا

стр. 174

إلى ذِكْرِ اللهِ﴾، وَقَوْلهِمَا لَوْ قَال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ لَسَعَيتُ حَتَّى يَسْقُطَ رِدَائِي، قِيلَ لَهُ: قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُوْنَ لُغَةُ عَمَرُ وَقَوُمِهِ استِعْمَالُ السَّعْي بِمَعْنَى العَدْو، فَالعَرَبُ تَخْتَلِفُ لَغَاتُهُم حَتَّى إِنَّ الجَوْنَ عِنْدَ بَعْضِهِمُ الأَسْوَدُ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمُ الأَبْيَضُ (١)، وأَنَّ العَنْوَةَ عِنْدَ خُزَاعَةَ: الصُّلْحُ والمُسَالمَةُ، وعِنْدَ سَائِرِ العَرَبِ القَهْرُ والغَلَبَةُ (٢)، قَال كَثَيِّرٌ -وهُوَ خُزاعِيٌّ-:

стр. 175

فَمَا أَسْلَمُوهَا عَنْوَةً عَنْ مَوَدَّةٍ ... وَلكِنْ بِحَدٍّ المَشْرَفِيِّ اسْتَقَالهَا - وَقَوْلُهُ: "وَلَنْ تُحْصُوَا" [٣٦]. الإحْصَاءُ فِي هَذَا المَوْضِعُ بِمَعْنَى القُدْرَةِ والطَّاقَةِ، كَقَوْلِهِ [ ] (١): ﴿[عَلِمَ] أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ﴾، وَقَوْلِهِ ﷺ : "مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةِ". وَحَقِيقَةُ الإحْصَاءِ: إِحَاطَةُ العِلْمُ بالشَّيءِ حَتَّى لَا يَشِذَّ عَنْهُ شَيءٌ، وَذلِكَ مِمَّا يَشُقُّ في أَكْثَرِ الأُمُوْرِ وَيَتَعَذَّرُ، فَضُرِبَ مَثَلًا في عَدَمِ الطَّاقَةِ والعَجْزِ عَنِ الشَّيءِ. - "نَعَمْ" و"نَعِمْ": لُغَتَانِ، والوَجْهُ أَنْ يُقَال هُنَا: نَعِمْ -بِكَسْرِ العَينِ- وبالكَسْرِ (٢) [لُغَةُ عُمَر بنِ الخَطَّابِ ... ] لأنَّ الرُّوَاةَ رَوَوا أَنَّ أَعْرَابِيَّةً وَقَفَتْ عَلَى عُمَرَ وأَنْشَأَتْ تَقُوْلُ (٣):

стр. 176

يَا عُمَرَ الخَيرِ رُزِقْتَ الجَنَّهْ اكْسُ بَنَاتِي وأُمُّهُنَّهْ وأَرْدُدْ عَلَينَا إِنَّ إِنَّ إِنَّهْ أَقْسَمْتُ بِاللهِ لَتَفْعَلَنَّهْ فَقَال عُمَرُ: نَعِمْ نَعِمْ نَعِمْ، وَكَانَ مِنْ لُغَتِهِ الكَسْرُ. [العَمَلُ في الرُّعَاف] يُقَالُ: رَعَفَ ورَعُفَ (١) يَرْعُفُ ويَرْعَفُ رَعْفًا رُعَافًا، وَهُوَ المَشْهُوْرُ،

стр. 177

وَحُكِيَ في المَاضِي رَعُفَ وَرَعِفَ بالرَّفْعِ والكَسْرِ، ولَا يُقَالُ: رُعِفَ على صِيغَةِ مَا لَمْ يُسَمِّ فَاعِلُهُ، وَكَانَ الأصْمَعِيُّ يَقُوْلُ: رَعَفَ، ولَا يُجِيزُ غَيرَ ذلِكَ، وَهُوَ القِيَاسُ بِدَلِيلِ قَوْلهِم في المَصْدَرِ: رُعَافٌ؛ وفُعَالٌ إِنَّمَا يَأْتِي مِنْ فَعَلَ المَفْتُوحِ العَينِ كَالسُّعَالِ وَالنُّبَاحِ وَالصُّرَاخَ، وَلَا يَكَادُ يُوْجَدُ مِنْ فَعِلَ المَكْسُوْرِ العَينِ وَلَا المَضْمُوْمِهَا (١) بِهَذَا المِثَالِ. ويُرْوَى أَنَّ سِيبَوَيهِ قَال لِحَمَّادِ بنِ سَلَمَةَ مَا تَقُوْلُ في رَجُلٍ رَعُفَ في الصَّلَاةِ؟ فَقَال لَهُ حَمَّادٌ: لَحَنْتَ يَا سِيبَوَيهِ! لَا تَقُلْ: رَعُفَ -بِضَمِّ العَينِ- إِنَّمَا قُلْ: رَعَفَ -بِفَتْحِ العَينِ- فَخَجَلَ سِيبَوَيهِ، وَقَال: سَأقرَأُ عِلْمًا لَا تُلَحِّنُنِي فِيهِ، ونَهَضَ إِلَى الخَلِيلِ فَشَكَى إِلَيهِ قِصَّتَهُ، فَقَال الخَلِيلُ: رَعَفَ هي الفَصِيحَةُ، ورَعُفَ لُغَةٌ غَيرُ فَصِيحَةٍ أَعْنِي بِضَمِّ العَينِ، وَلَزِمَ سِيبَوَيهِ الخَلِيلَ فَكَانَ سَبَبَ بَرَاعَتِهِ في صِنَاعَةِ النَّحْو (٢) وأَصْلُ الرَّعْفِ: التَّقَدُّمُ وَالسَّبْقُ، يُقَالُ: رَعَفَ

стр. 178

الفَرَسُ الخَيلَ (١): إِذَا تَقَدَّمَهَا. وقِيلَ لَهُ: رُعَافٌ؛ لأنَّه دَمٌ يَنْدُرُ مِنَ الأنْفِ وَيَنْدَفِعُ، قَال الأَعْشَى (٢): بِهِ تَرْعُفُ الألْفُ إِذْ أُرْسِلَتْ ... غَدَاةَ الصَّبَاحِ إِذَا النَّقْعُ ثَارَا - وَقَوْلُ عُمَرَ: "ولَا حَظَّ في الإسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ" [٥١]. يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّه لَا كَبِيرَ حَظٍّ لَهُ في الإسْلَامِ، وَلَمْ يَنْفِهِ عَنْهُ جُمْلَة، كَقَوْلِهِ ﷺ : "لَا صَلَاةَ لِجَارِ المَسْجِدِ إلَّا في المَسْجِدِ"، و"لَا إيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ" وَنَحْو ذلِكَ مِمَّا أُرِيدَ [بِهِ] نَفْيُ الكَمَال والتَّمَامَ لا نَفْيَ الأَمْرِ كُلِّهِ. والعَرَبُ تَحْذِفُ الصِّفَةَ وَهِيَ تُرِيدُهَا إِذَا فُهِمَ المَعْنَى، فَتَقُوْلُ: فُلَانٌ رَجُلٌ وَهَذَا ثَوْبٌ، أَي: رَجُلٌ كَامِلٌ، وَثَوْبٌ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُقَال لَهُ ثَوْبٌ، ولَا يُرِيدُوْنَ أَنَّه وَاحِدٌ مِنَ الرِّجَالِ وَالثِّيَابِ؛ لأنَّ ذلِكَ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ (٣):

стр. 179

أَمَا وَأَبِي الطَّيرِ المُرِبَّةِ بالضُّحَى ... عَلَى خَالِدٍ لَقَدْ وَقَعْنَ عَلَى لَحْمِ أي: عَلَى لَحْمٍ جَلِيلٍ. - وَقَوْلُهُ: "مِنَ اللَّيلَةِ الَّتِي طُعِنَ فِيهَا" [٥١]. أَي: "صُبْحًا" مِنَ اللَّيلَةِ، فَحَذَفَ اخْتِصَارًا، كَقَوْلكَ: اشْتَرَيتُ مِنَ الثِّيَابِ. تُرِيدُ ثَوْبًا مِنَ الثِّيَابِ ونَحْوُهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ (١): كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيشٍ ... يُقَعْقَعُ خَلْفَ رجْلَيهِ بِشَنِّ أَرَادَ: كَانَّكَ جَمَلٌ مِنْ جِمَالِ بَنِي ... ويَشْهَدُ لِهذَا التَّأْويلِ قَوْلُهُ: "وَأَيقَظَ عُمَرُ لِصَلَاةِ الصُّبحِ". ويَجُوْزُ أَنْ تكُوْنَ "مِنْ" بِمعْنَى "في"، كَمَا قَال امْرُؤُ القَيسِ (٢):

стр. 180

* ... فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالِ * أَي: مِنْ. - و"يَثْعَبُ": ينْفَجِرُ. ثَعْبُ المَاءِ، ومَثْعَبُ الحَوْضِ: الثُّقْبُ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهُ المَاءُ. [الرُّخْصَةُ في تَرْكِ الوَضُوْءِ مِنَ المَذْيِ] - و"المَذْيُ": مَا يَخْرُجُ من الذَّكَرِ عِنْدَ المُدَاعَبَةِ. - و"الوَدْيُ": مَا يَخْرُجُ مِنْهُ بَعْدَ البَوْلِ. - و"المَنِيُّ": مَا يَخْرُجُ عِنْدَ الجِمَاعِ، يُقَالُ: مَنَى وأَمْنَى، وأَوْدَى، وَوَدَى، ومَذَى، وأَمْذَى. وَقَدْ أُنكِرَ أَوْدَى. ورَأَيتُ الأبْهَرِيَّ (١) قَدْ حَكَى أَنَّهُ يُقَالُ: وَذَى بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ، وَلَا أَعْلَمُ مِنْ أَينَ قَالهُ؟ وَقَال المُطَرِّزُ في "اليَوَاقِيتِ" (٢):
следующие страницы →