← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18194

التعليق على الموطأ في تفسير لغاته وغوامض إعرابه ومعانيه

هشام بن أحمد الوقشي

Полный текст (937 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

بَيضَاءَ مِنْ عَسلِ ذِرْوَةٍ ضَرَبٍ ... شِيبَتْ بِمَاءِ القُلاتِ مِن عَرِمِ فَعَلَى هذَا يَجُوْزُ أَنْ يُسَمَّى كُلَّ جُزْءٍ مِنَ السَّاعَةِ سَاعَةً، وأَيضًا فَإِنَّا وَجدنَا العَرَبَ قَدْ أَوْقَعَتِ السَّاعَةُ عَلَى المُتَعَارَفِ المَشْهُوْرِ مِنْ أَمرها، وَأَوْقَعَتْها أَيضًا عَلَى مَا هُوَ جُزْءٌ مِنْها، وَعَلَى مَا يَحتَمِلُ الأمرَينِ جَمِيعًا. فَأَمَّا إِيقَاعُهُم إِيَّاها عَلَى المُتَعَارَفِ فَكَقَوْلهِم: نُمْتُ ثَلاثَ سَاعَاتٍ، ولَقِيتك، في السَّاعَةِ الأوْلَى مِنَ النَّهارِ أَوْ نحو ذلِكَ، وأَمَّا إِيقَاعُهُم إِيَّاها عَلَى الجُزْءِ فَقَوْلُهُم. اجْلِسْ مَعَنَا سَاعَةً قَصِيرَةً، وسَاعَةً صَغَيرَةً، فَقَد نَابَ هذَا مَنَابَ قَوْلهِم: بَعضُ سَاعَةٍ وجُزْءٌ مِنْ سَاعَة، ومَنَابَ سُوَيعَةٍ، ومِنْ ذلِكَ قَوْلُهُم: خَرَجْتُ فِي السَّاعَةِ الأوْلَى، وجَاءَ زَيدٌ في الثَّانِيَةِ، وَقَد عُلِمَ أن الخُرُوْجَ والقُدُوْمَ لَمْ يَكُوْنَا في الْسَّاعَةِ كُلها، وَإِثَّمَا كَانَا في جُزْءٍ مِنْها. وَمِنْ ذلِكَ قَوْلُهُم: تَحَدَّثنا سَاعَةً مِنَ اللَّيلِ أَوْ مِنَ النَّهارِ، فَإِنَّهم لَا يُرِيدُوْنَ السَّاعَةَ عَلَى الحَقِيقَةِ؛ لأنَّ ذلِكَ لَا يُعلَمُ إلَّا بِوَزْنِ الشمسِ وَتَعدِيلِهِا، إِنَّمَا يُرِيدُوْنَ الوَقْتَ مِنَ الزَّمَانِ، والقَطْعَةَ مِنَ اللَّيلِ، ولا يُبَالُوْنَ كَانَ أَكْثَرَ مِنَ السَّاعَةِ الحَقِيقِيّةِ أَم أَقَلَّ، كَمَا أَنّهُم قَالُوا (١): زَيدٌ يَخْرُجُ الآنَ، لَا يُرِيدُوْنَ الآنَ الحَقِيقِيَّ، وَلأنَّهُم يَجْعَلُوْنَ مَا قَرُب مِنْهُ آنًا، وعَلَى هذَا المَعنَى قَالُوا: كَانَ فُلانٌ يَنْظُرُ في عِلْمِ كَذَا، وَهُوَ السَّاعَةَ ينْظُرُ في كَذا، لَا يَخُصُّونَ سَاعَةً بِعَينها، وَقَد يَسْتعمِلُوْنَ اليَوْمَ مَكَانَ ذلِكَ فَيقُوْلُونَ: هُوَ اليَوْمَ يَقْرَأُ كَذَا، ولا

стр. 247

يُرِيدُوْنَ نَهارًا مُعَيَّنًا، وَقَد سَمَّى اللهُ القِيَامَةَ سَاعَةً، وَلم يُرِدْ السَّاعَةَ المَعرُوْفَةَ، وَمِنْ حُجَّةِ مَالِكٍ أَيضًا: أَنَّ الرَّوَاحَ والتَّهْجِيرَ لَا يُسْتعمَلانِ في الغُدُوِّ، وأَيضًا فَقَد رَوَى أَبُو هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ قَامَ عَلَى كُلِّ باب مِنْ أبْوَابِ المَسْجِدِ مَلائِكَةٌ يكتُبُوْنَ الناسَ الأَوَّلَ فالأوَّلَ، فَالمُهجِّرُ إلَى الجُمُعَةِ كَالمُهْدِي بَدَنَةً، والَّذي يَلِيهِ كالمُهْدِي بقرَةً ... " حَتَّى ذَكَرَ البَيضَةَ فَلَم يَذْكُر في هذَا الحَدِيثِ السَّاعَاتِ، وإِنَّمَا ذَكَرَ تَرتيبَ النَّاسِ في الإقْبَالِ، والمُهجّرُ لَا يُقَالُ لَهُ: مُبَكَّرٌ، وَكَذلِكَ المُبَكِّرُ لَا يُقَالُ لَهُ: مُهجَّر، وَكَذلِكَ الرَّوَاحُ هذَا المَعرُوْفُ مِنَ اللُّغَةِ، قَال لَبِيدٌ (١): وَإِنَّا وإِخْوَانًا لَنَا قَدْ تَتَابَعُوا ... لَكَلْمُغْتَدِي والرَّائِحِ المُتَهجِّرِ وَقَال عُمَرُ بنُ أَبِي رَبِيعَةِ (٢): أَمِنْ آلِ نُعمٍ أَنْتَ غَادٍ فَمُبْكِرُ .... غَدَاةَ غدٍ أَم رَائِح فَمُهجَّرُ وأَمَّا حَدِيثُ: "مَنْ بكَّرَ وابْتَكَرَ" فالتَّبْكِيرُ في اللِّسَانِ في ضَربَينِ: الخُرُوْجُ في بُكْرَة النَّهارِ، والتَّعجِيلُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ مِنْ لَيلٍ أَوْ نَهار، تَقُوْلُ: أَنَا أُبكِّرُ إلَيكَ العَشِيّة، وَمِنْه باكُوْرَةُ الفَاكِهةِ لاسْتِعجَالها قبلَ غَيرِها. قَال (٣):

стр. 248

بَكَرَتْ [تَلُوْمُكَ بَعدَوَهْنٍ في النَّدَى] (١) ... بَسَلٌ عَلَيكَ مَلامَتِي وعِتَابِي والوَهْنُ والمُوْهِنُ: مِقْدَارُ ثُلُثِ اللَّيلِ، قَال النَابِغَةُ (٢): * فَأَهْدَى لَهُ اللهُ الغُيُوْثَ البَوَاكِرَا * أَرَادَ: العَجَلَةُ في أَوَّلِ السَّنَةِ، وَعَكْسُهُ لَفْظَةُ الوَاجِبِ، فَقَال: العَرَبُ تَقُوْلُ يَجِبُ عَلَيكَ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا، ولا يُرِيدُوْنَ بِذلِكَ العرضَ واللُّزُوْمَ، وإِنَّمَا يُرِيدُوْنَ تَأكِيدَ الأمرِ عِنْدهُ وَحَضُّهُ عَلَيهِ، وأَنّه وَاجب في ذِكْرِ مَنْ يُرِيدُ بُلُوغ الكَمَالِ، قَال الشَّاعِرُ (٣): لَعَمرُكَ مَا حَقُّ امرِئٍ لا يَعُدُّلِي ... عَلَى نَفْسِهِ حَقًّا عَلَيهِ لَوَاجِبُ وَقَال آخرُ (٤):

стр. 249

إِذَا قُلْتَ فِي شَيءٍ نَعَم فَأَتِمَّهُ ... فَإِنَّ نَعَم دَينٌ عَلَى الحُرِّ وَاجِبُ أَرَادَ: وَاجِبٌ في الحُرّيَّةِ وَكَرَمِ الأخْلاقِ. - وَقَوْلُ أبِي هُرَيرَةَ [﵁]. "كغُسلِ الجَنابة" [٢] اعلَم أَنَّ تَشْبِيه الشَّيءِ بالشَّيءِ لا يَقْتَضِي المُمَاثَلَةَ لَهُ مِن جَمِيع الجهاتِ، وَلَو اقْتَضَى ذلِكَ لَكَانَ هُوَ هُوَ، ولَم يَكُنْ غَيرَهُ، فَقَوْلنا: زَيدٌ كَالأسَدِ إِنَّمَا يُرادُ بِهِ في الجُرأَةِ والشَّجَاعَةِ، وأَيضا فَقَدْ قَال أَبُو هُرِيرَةَ لِلْمَرأَةِ الَّتِي تَطيّبتْ لِلْمَسْجِدِ: اللهُ لَا يَقْبَلُ مِنْكَ حَتَّى ترجِعِي فَتَغْتَسِلِي كَغُسْلِكِ مِنَ الجَنَابَةِ. - والصَّوَابُ في قَوْلِهِ: "فَبِها وَنِعمَتْ": أَنْ يَكُوْنَ فعلًا مَاضِيًا لَحِقَتْهُ تَاءُ التّأنِيثِ، وَلَا وَجْة لِرِوَايَةِ مَنْ رَوَاهُ بالهاءِ؛ لأنَّهُ يُرِيدُ: نِعمَتِ الخُطَّةِ أَو الفَعلَةُ. - و"البدنَة": النَّاقَةُ الَّتِي تُهْدَى إِلَى البَيتِ، وتُسَمَّى البقَرَةُ بَدَنَة، وجمعُ البَدَنَةِ: بُدنٌ كَخَشَبَةٍ وخُشْبٌ، وأَكَمَةٍ وأُكْمٍ، ويَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ جَمعَ جَمع، جَمَعُوا بَدَنَةٍ عَلَى بَدَنٍ كَشَجَرَةٍ وشَجَرٍ، وجَمَعُوا بَدَنًا على بُدنٍ مِثْلَ أَسَدٍ وأُسْدٍ. وقِيلَ: إِنَّ البُدنَ جَمعُ بَدنٍ، وإِنَّ بَدَنًا لُغَةٌ في بَدَنَةٍ، وذلِكَ غَيرُ مَعرُوْفٍ. - و"الأقْرَنُ": ذُو القَرنَينِ. - و"المَقْبُرِيُّ" و"المَقْبَرِيُّ": مَعًا حَكَاهُمَا يَعقُوْبُ (١) في مَقْبُرَةٍ ومَقْبَرَة. - وَقَوْلُهُ: "أيَّة سَاعَةٍ": الألِفُ هُنَا لِلاسْتِفْهامِ، وَمَعنَاهُ: التَّوْبِيخُ لَهُ عَلَى تأخِيرِهِ والإنكَارِ بِفِغلِهِ مِثْل قَوْلهِ [تَعَالى] (٢): ﴿ءَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾ معنَاهُ التَّوْبِيخِ

стр. 250

لِمَنْ ادَّعَى ذلِكَ عَلَى عَيسَى، وَقَد عَلِمَ اللهُ أَنَّ عِيسَى لَمْ يَقُلْ ذلِكَ. - وَقَوْلُهُ: "الوَضُوْءَ". الرِّوَايَةُ عَلَى لَفْظِ الخبَرِ، والصَّوَابُ: المَدُّ عَلَى الاسْتِفهامِ؛ لأنَّه تَوْبِيخٌ وتَعنِيفٌ كَالَّذِي قَبْله كَقَوْلهِ تَعَالى (١): ﴿ءآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ وكَقَوْلهِ تَعَالى (٢): ﴿السِّحْرُ إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ﴾ في حَرفِ أَبِي عَمرو، ومَجَازُهُ في العَرَبِيّةِ أَنّه مُبْتَدَأٌ مَحْذُوْفُ الخَبَرِ، لِمَا في الكَلامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيهِ، كَأَنَّهُ قَال: الوَضُوْءَ أَيضًا مِمَّا فَعَلْتَ، وَلَوْ نَصبَ لَكَانَ جَائِزًا، كَأَنَّهُ قَال: اتَّخَذْتَ الوَضُوْءَ مَعَ عِلْمِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بالغُسْلِ. - وَقَوْلُهُ: "مُعَجِّلًا أوْ مُؤَخِّرًا" [٥]. يَجُوْزُ فِيها الفَتْحُ والكَسْرُ، والفَتْحُ عَلَى

стр. 251

الصِّفَةِ لِمصدَرٍ مَحْذُوْفٍ، كَأَنَّهُ قَال اغْتَسَل مُعَجِّلًا أَوْ مُؤَخَّرًا، والكَسْرُ عَلَى الحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الفَاعِلِ في "اغتَسَلَ" ونَظِيرُهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ (١): وَتُسْقَى إِذَا مَا شِئْتَ غَيرَ مُصَردٍ ... بِزَوْرَاءَ في حَافَاتِها المِسْكُ كَانِعُ - ويُقَالُ: لَغَوْتُ أَلْغُو لَغْوًا، ولَغِيتُ أَلْغِي لَغًا، وهُوَ كُلُّ كَلامٍ فَاسِدٍ لَمْ يَقَع المَوْقِعَ الَّذِي تُحِبُّ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلهِم: لَغَتِ الطَّيرُ ولَغِيَتْ: إِذَا اخْتَلَطَتْ أَصوَاتُها، قَال العَجَّاجُ (٢): وَرُبَّ أَسْرَابٍ حَجِيجٍ كُظَّمِ عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ وَقَال آخَرُ (٣): * بَاكَرتُهُ قَبْلَ أَنْ تَلْغَى عَصَافِيرُهُ * ويُقَالُ: عَدَلْتُ الشَّيءَ عَدلًا، وعَدَّلْتُهُ تَعْدِيلًا: إِذَا سَوَّيتُهُ، والتّشدِيدُ فِيهِ أَكْثَرُ. [مَا جَاءَ في الإنْصَاتِ يَومَ الجُمُعَةِ والإمامُ يَخْطُبُ] - و"حَاذُوا بالمَناكِبِ" [٨]. أي: اجْعَلُوا بَعضَها لِبَعْضٍ، وتَقْدِيرُها:

стр. 252

حَاذُوا المَنَاكِبَ بالمَنَاكِبِ، فَحَذَفَ اخْتِصَارًا. - وَقَوْلُهُ: "فَحَصَبَهُمَا" [٩]. أي: رَمَاهُمَا بالحَصبَاءِ. وَسَمَتَ وَشَمَتَ مَعًا. (مَا جَاءَ في السَّعي يَوْمَ الجُمُعَةِ) - وَوَقَعَ في بَعْضِ النُّسَخِ: (مَا جَاءَ في السَّعي إِلَى الجُمُعَةِ)، وكِلاهُمَا جَائِزٌ وَاحتَجَّ مالِكٌ لِلسّعيِ بأنَّهُ العَمَلُ والتَّصَرُّفُ، وذلِكَ مَعرُوْفٌ في اللغَةِ كَثِيرٌ، قَال زهُيرٌ (١): سَعَا سَاعِيَا غَيظِ بنِ مُرَّة بَعدَمَا ... تَبَزَّلَ مَا بَينَ العَشِيرَةِ بالدَّمِ وإِنَّمَا يُرِيدُ أَنّهُمَا تَصَرَّفَا في الصُّلْحِ وإِطْفَاءِ نَائِرَةِ الحَرْبِ، وذلِكَ يَكُوْنُ بِمَشْيٍ وبِغَيرِ مَشْيٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ ابنِ همَّامٍ السَّلُوْليِّ (٢): وَسَاعٍ مِنَ السُّلْطَانِ يَسْعَى عَليهِمُ ... وَمُحْتَرِسِ مِنْ مِثْلِهِ وَهُوَ حَارِسُ وأَصْلُهُ -في اللُّغَةِ-: المَشْيُ عَلَى الأقْدَامِ، ثُمَّ يُسْتَعَارُ لِكُلِّ تَصَرُّفٍ سَوَاءً كَانَ مَعَهُ مَشْيٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ كَالجَرْيِ، إِنَّمَا أَصلُهُ في العَدْو ثُمَّ يُسْتَعمَلُ بِمَعنَى النَّظَرِ في الأموْرِ والتَّصَرُّفِ فِيها، فَيقالُ: فُلانٌ يَجْرِي مَجْرَىً حَسَنًا أَوْ قَبِيحًا، وَلَيسَ هُنَاكَ جَرْيٌ عَلَى قَدَمٍ، وَقدْ جَاءَ في كِتَابِ اللهِ السعيُ بِغَيرِ معنى العَمَلِ كَقَوْلهِ

стр. 253

تَعَالى (١): ﴿مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ أَي: تَمشِي مَشْيًا ضَعِيفًا؛ لأنَّه إِنَّمَا خُيِّلَ إِلَيهِ أَنها تَتَحَرَّكُ وَتَثِبُ، وَقَال تَعَالى (٢): ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ أَي: يُسْرِعُ في مَشْيِهِ، وَقَوْلُهُ [تَعَالى]: (٣) ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ يُحتَمَلُ العَمَلُ، ويُحتَمَلُ المَشْيُ، وَقَوْلُهُ [تَعَالى] (٤): ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨)﴾، وَقَوْلُهُ [تَعَالى] (٥): ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى﴾ يُحتَمَلُ أَيضًا المَشْيُ والعَمَلُ، ومِمَّا يَدُلُّ على أَنَّ السعيَ يَكُوْنُ بِرِفقٍ وبِغَيرِ رِفْقٍ قَوْلُهُم: فُلان يَسْعَى عَلَيَّ عِنْدَ السُّلْطَانِ، يُرِيدُ: التَّلَطُفُ لِيُغَيِّرَهُ عَلَيهِ، ومِثْلُ هذَا لَا يَكُوْنُ إلَّا بالرِّفْقِ والتّانِّي، لَا بالخَرَقِ والعَجَلَةِ، وكَذلِكَ بَيتُ زهُيرٍ المُتَقَدّمُ؛ لأنَّ السعيَ في الإصلاحِ بَينَ النَّاسِ إِنَّمَا يَكُوْنُ بالرِّفْقِ والتَّلَطُفِ، وَكَذلِكَ يُسَمُّوْنَ أَفْعَال الإنْسَانِ وَمَا تَصَرَّفَ فِيهِ بِمَشْيٍ كَانَ أَوْ بِغَيرِ مَشْيٍ مَسَاعِيَ، وَاحِدَتُها مَسْعَاةٌ، ولا يَخُصُّوْنَ بِذلِكَ مَا أُسْرِعَ فِيهِ دُوْنَ مَا تَرَفُّقٍ وتأَنٍ، وأَمَّا قَوْلُ زُهْير (٦): * سَعَى بَعدَهُم قَوْم لِكَي يُدرِكُوْهُمُ * فَإِنَّمَا أَرَادَ: الإسْرَاعَ في التَّصَرُّفِ؛ لأنَّهُ أَبْلَغُ فِي المَعنَى الَّذِي أَرَادَ، وَأَمَّا قَوْلُ

стр. 254

الأعْشَى (١): وَسَعَى لِكْنَدَةَ غَيرَ سعيِ مُوَاكِلٍ ... قَيسٌ فَضَرَّ عَدُوَّها وَبَنَى لَها فهذَا لا يَكُوْنُ إِلَّا سَعيًا ضَعِيفًا؛ لأنَّ المُوَاكِلَ: هُوَ الَّذِي يَتكِلُ عَلَى غَيرِهِ، وَلَا يَجِدُّ في السّعيِ، هذَه رِوَايَةُ الأصمَعِيِّ. وَرَوَى أَبُو عُبَيدَةَ: "سَعيَ غَيرِ مُوَاكَل" وَقَد بَيَّنَ في هذَا البَيتِ أَنَّ السَّعيَ يَكُوْنَ سَرِيعًا وغَيرَ سَرِيعٍ، وَقَال الشَّاعِرُ (٢): سَعَيتَ إِلَى الخَيرَاتِ سَعْيَ مُقَصِّرٍ ... فَأَقْبَلْتَ سُكِّيتًا وَغَيرُكَ سَابِقُ فَإِذَا ثَبَتَ هذَا لَمْ يَكُنْ فِي قِوْلهِ (٣): ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوْبِ السَّعيِ والإسْرَاعِ دُوْنَ التّأنِّي. وإِنْ جُعِلَ إِسْرَاعًا فَيَكُوْنُ إِسْرَاعًا بالنِّيّةِ والاعتِقَادِ عَلَى القَدَمِ كَمَا قَال مالك، وانْظُر مَا ذَكَرْنَاهُ في بَابِ (جَامِعِ الوَضُوْءِ) مِنْ قَوْلِ عُمَرَو بنِ مَسْعُوْدٍ، إلَّا أَنَّ الأظْهرَ مِنْ هذهِ المَسْأَلةِ أَنَّ الأكْثَرَ في كَلامِ العَرَبِ أَنْ يَكُوْنَ السَّعيُ بِمَعْنَى الإسْرَاعِ والشَّوَاهِدِ عَلَيهِ أَكْثَرُ كَنحو مَا قَدَّمنَاهُ، وكَقَوْلِ الشَّمَّاخِ -يَرثي عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ-: (٤)

стр. 255

فَمَنْ يَسْعَ أَوْ يركَبْ جَنَاحَي نَعَامَةٍ ... لِيُدرِكَ مَا قَدَّمتَ بالأمسِ يُسْبَقِ [مَا جَاءَ في السَّاعَةِ الَّتي فِي يَوْمِ الجُمُعَة] - وَذَكَرَ قَوْلَهُ: "قَائِم يُصَلِّي" [١٥]. قَال وَيُحتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بالصَّلاةِ: الدُّعَاءَ، ويُحتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بالقِيَامِ المُوَاظَبَةَ عَلَيهِ، مِنْ قَوْلهِم: فُلانٌ يَقُوْمُ بأمرِ فُلانٍ وحَوَائِجِهِ، أَي: يَسْعَى في ذلِكَ ويَنْظُرُ فِيهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ [تَعَالى] (١): ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. ومِنْهُ قَوْلُ الأعشَى (٢): يَقُوْمُ عَلَى الوَغْمِ في قَوْمِهِ ... فَيَعْفُوَ إِذَا شَاءَ أَوْ يَنْتَقم - قَوْلُهُ: "وأشَارَ [﵁] بِيدهِ يُقَلِّلُها" [١٥]. أي: يُصَغَّرُ مَدَّتها. والقِلَّةُ تَتَصرَّفُ في كَلامِ العَرَبِ عَلَى أَربَعَةِ مَعَانٍ: أحَدُها: ضِدُّ الكَثيرِ كَقَوْلهِ [تَعَالى] (٣): ﴿فِئَةِ قَلِيلَةٍ﴾. والثَّانِي: بِمعنَى الحَقَارَةِ والصِّغَرِ. وتكُوْنُ للكَثرةِ بِمَعنَى الجَلالةِ

стр. 256

والعِظَمِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّعبِيِّ (١) لِعَبْدِ المَلِكِ بنِ مَروَانَ -وَهُوَ يَعنِي مَلِكِ الرُّوْمِ-: "إِنَّمَا كَثُرَتْ في عَينهِ؛ لأنَّه لَمْ يَرَكَ" ومِنْهُ قَولُ العبَّاسِ بنِ مردَاس (٢): فَإِنْ أَكُ فِي شِرَارِكُمُ قَلِيلًا ... فَإنِّي في خِيَارِكُمُ كَثيرُ وَالثَّالِثُ: أَنْ تكُوْنَ بِمَعْنَى الفَقْرِ [تَقُولُ]: فُلانٌ يَشْكُو القِلَّةَ. وَالرَّابعُ: أَنْ تكوْنَ بِمَعْنَى النَّفْيِ، يُقَالُ: قَلَّ رَجُلٌ يَقُوْلُ ذلِكَ إِلَّا زَيدًا، أَي: مَا يَقُوْلُ ذلِكَ إلَّا زَيدا. - وَقَوْلُهُ: "وَمَا مِنْ دَابة إلا وَهِيَ مُصِيخَةٌ" [١٦]. أَي: مُسْتَمِعَةٌ، وهذِه مَسْألةٌ مِنَ العَرَبِيّة فِيها إِشْكَالٌ؛ لأنَّ قَوْلَهُ: "مِنْ دَابَّةِ" مَجْرُوْرٌ في مَوْضع رَفْعٍ بالابْتِدَاءِ، فَإِنْ جَعَلْتَ قَوْلَهُ: "وَهِيَ مُصِيخَةٌ" في مَوْضِعِ خَبَرِهِ كَانَ خَطَأ؛ لأنَّ

стр. 257

الجُمَلَ الوَاقِعَةَ مَوْقعَ الخَبَرِ لَا يَجُوْزُ دُخُوْلُ الوَاو عَلَيها، فَإِنْ جَعَلْتَها جملَةً في مَوْضِعِ نَصبٍ عَلَى الحَال بَقِيَ المُبْتَدَأُ بِلا خَبَر، وَلَم يَكُنْ في الكَلامِ عَامِل يَعمَلُ في هذهِ الحَال، وألا يَصحّ أَنْ يُقَال: إِنها حَال سَدَّتْ مَسَدَّ الخَبَرِ؛ لأنَّ الأحوَال لَا تَسُدّ مَسَدَّ الأخْبَارِ إِلَّا إِذَا كَانَ المُبْتَدَأُ مَصدَرًا أَوْ فِي تَأْويلِ المَصدَرِ؛ لأنَّه لَيسَ ههنَا عَامِل يَعمَلُ في الحَال؟ ! . والوَجْهُ -في ذلِكَ- أَنْ يُجْعَلَ خَبَرُ المُبْتَدَأ مَحْذُوْفًا، وَالجُملَةُ الَّتِي بعدَ "إِلَّا" في مَوْضِعِ نَصب عَلَى الحَال، مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في الخَبَرِ، وَيَكُوْنُ الخَبَرُ المُقَدَّرُ هُوَ العَامِلُ في هذهِ الحَالِ فَكَأَنَّهُ قَال: مَا دَابَّة مَوْجُوْدة إلَّا وَهِيَ مُصِيخة. وَإِنْ جَعَلْتَ الوَاوَ زَائِدَةً -عَلَى مَذْهبِ من يُجِيزُ زِيَادَتَها- كَانَتِ الجُملَةُ في مَوْضِعِ خَبَرٍ المُبْتَدَأ. و"الشَّفَقُ" [١٦] الإشْفَاقُ، قَال أَبُو شَجَرَةَ (١): مَا زَال يَضْرِبُني حَتَّى خَذَيتُ لَهُ ... وَحَال مِنْ دُوْنِ بَعضِ الرَّغْبَةِ الشَّفَقُ - و"التَّوْرَاة": فَوْعَلَة، وأصلُها وَوْرَيَةٌ، مِنْ وَرَى الزَّنْدُ يَرِي: إِذَا خَرَجَتْ مِنْهُ النَّارُ عِنْدَ القَدحِ، سُمِّيَتْ بِذلِكَ؛ لأنَّها نُوْر وَهُدًى، كَمَا قَال تَعَالى (٢): ﴿هُدًى وَنورٌ﴾ وَوَزنُها عِنْدَ الكُوْفِيِّينَ تَفْعِلَة وأَصلُها تَوْرِيَة، والتَّاءِ عِنْدَهُم زَائِدَ،

стр. 258

وَالألِفُ مُنْقَلِبَةٌ من يَاءٍ. - قَوْلُهُ: "لَا تُعمَلُ المُطِي". أَي: لَا يُسَافَرُ عَلَيها، يُقَالُ: أَعلَمتُ النَّاقَةَ: إِذَا صرَفْتَها في العَمَلِ، وتُسَمَّى يَعمُلَة، والذَّكر يَعمُلٌ، قَال الشَّاعِرُ: إِذْ لَا أَزَالُ عَلَى أَقْتَادِ نَاجِيَةٍ ... وَجْنَاءَ يَعمُلَةِ أَوْ يَعمُلٍ جَمَلُ وسُمِّيَتْ مَطِيَّةً؛ لأنَّه مِنْ [المَطْو؛ لأنَّ مَطَاها] (١) وَهُوَ ظَهْرها يُركَبُ، وقِيلَ: سُمِّيت مَطِيَّةً؛ لأنَّها يُمْطَى بِها في السَّيرِ أَي: يُمَدُّ، قَال أَبُو كَبْشَةَ (٢): * مَطَوْتُ بِهِم ...... * - و"إِيلِيَاءُ": اسْمُ بَيتِ المَقْدِسِ (٣). - وَقَوْلُهُ: "كَذَبَ كعب" الكَذِبُ على أَربَعةِ أَوجُهٍ: أحَدُها: ضدُّ الصِّدقِ المَنْهِيِّ عَنْه إِلَّا لِمَعَارِضِ إِبَاحَةٍ. وَالثَّانِي: بمَعنَى الغَلَطِ والخَطَأ، ومِنْهُ قَوْلُهُ: كَذَبَ كَعبٌ، وكَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَقْوْلُ سَعْدِ بنِ حَسَنٍ في طَلاق العَبْدِ: كَذَبَ جَابِرُ بنُ زَيد ومِنْهُ قَوْلُ

стр. 259

أَبِي طَالِبٍ (١): * كَذَبْتم وبَيتِ الله يُبْزَى مُحَمَّدٌ * أي: أَخْطَأتم، ويُبْزَى: يُقْهرُ ويُغْلَبُ، وَمِنْهُ قَوْلُ معنِ بنِ أَوْسٍ (٢): وإنِّي أَخُوْكَ الدَّائِمُ العَهْدَ لم أَحُلْ ... إِن ابْزَاكَ خَصمٌ أَوْ نَبَا بِكَ مَنْزِلُ والثَّالثُ: الرُّجُوع عَنِ القِرنِ في الحَربِ، يُقَال: حَمَلَ عَلَى قِربهِ فَكَذَبَ. إِذَا رَجَعَ وَلم يَصدُقُ الحَملَةَ، وَحَمَلَ فصَدَقَ: إِذَا لَمْ يَرْجِع. والرَّابعُ: بِمَعنَى الإغْرَاءِ بالشَّيءِ والإيجَاب لَهُ، تَقُوْلُ العَرَبُ: كَذَبَكَ الحَجَّ؛ أي: عَلَيكَ الحَجَّ، وكَذَبَكَ الحَج؛ أَي: أمكَنَكَ وتَهيأَ لَك ولَم يَغِبْكَ، وفي الحَدِيثِ: "كذَبَكُم قَتَادَةَ"، وَقَال عَنْتَرَةُ (٣): كَذَبَ العَتِيقُ وَمَاءَ شَنٍّ بَارِدا ... إِنْ كُنْتَ سَائِلَتِي غَبُوْقا فاذْهبِي ويُروَى: "العَتِيق" مَرفُوْعًا ومَنْصُوْبا. [الهيئةُ وتَخَطِّي الرِّقَابِ] " التَّخَطِّي": غَيرُ مَهْمُوز؛ لأنَّه مِنْ تَخَطَى يتَخَطَّى تَخَطِّيًا، مِنَ الخَطْوَةِ ومَنْ همَزَهُ فَقَد أَخْطَأَ، إِنَّمَا يُهْمَزُ لَوْ كَانَ مِنَ الخَطَأ، تَقُوْلُ: تَخَطَّأت لِفُلانٍ في

стр. 260

المَسْأَلةِ وَتَخَاطَأْتُ، أَي أَظْهرتُ لَهُ أَنّكَ مُخْطِئ، وَلَسْتَ كَذلِكَ. و"ومهْنَة" [١٧]. يَجُوْزُ كَسْرُ المِيمِ وَفَتْحُها، فَمَنْ فَتَحَ أَرَادَ المصدَرَ، وَمَنْ كَسَرَ أرَادَ الهيئَةَ، وأَنكرَ (١) الأصمَعِيُّ كَسْرَ المِيمِ، وَحَكَى اللِّحيانِيُّ. مَهنْتُ القَوْمَ أَمهنهم مَهْنَةً وَمِهْنَةً ومَهْنًا ثَلاثُ لُغَاتٍ: إِذَا خَدَمتَهم، وَلَم يُفَرِّقْ بَينَهُمَا وحَقِيقَتُهُمَا في صِنَاعَةِ النَّحو أَنَّ المَهْنَ المَصدَرُ الدَّالُ عَلَى النَّوع المُجَرَدِ مِنَ الكِمِّيّةِ والكَيفِيةِ. والمَهْنَةُ -بِفَتْحِ الفَاءِ-: المَرَّةُ الوَاحِدَةُ الدَّالَّةُ عَلَى الكِمِّيّةِ، والمِهْنَةُ -بِكَسْرِ الفَاءِ-: الهيئَةُ والكَيفِيةُ. - و"الحَرَام" [١٧]: المُحرِمُ، وجمعُهُ: حُرُمٌ، وَمِنْهُ: [قَوْلُهُ تَعَالى] (٢): ﴿وَأَنتُم حُرُمٌ﴾. - وَ"الحَرَّة" [١٨]: كُلُّ أَرضٍ سَوْدَاءُ ذَاتُ حِجَارَةٍ كَأَنّها مَحرُوْقَة (٣)، وَجَمعُها: حَرَّاتٌ، وَحِرَارٌ، وَحَرُّوْن، وَأَحَرُّوْنَ. وحِرَارُ العَرَبِ المَشْهُوْرَةِ خَمْسٌ (٤): حَرَّةُ بني سُلَيمٍ، وحَرَّةُ لَيلَى، وحَرَّةُ رَاجِلٍ، وحَرَّةُ واقِمٍ بالمَدِينَةِ،

стр. 261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 262

وحَرَّةُ النَّارِ لِبني عَبْسٍ.

стр. 263

[كِتابُ الصَّلاةِ في رَمَضَان] (١) [التَّرغِيبُ في الصَّلاةِ في رَمَضَان] - و"الأوْزَاعُ": الجَمَعَاتُ المُتَفَرِّقَةُ مِنَ النَّاسِ لَا واحِدَ لَها مِنْ لَفْظِها. - و"الرَّهْطُ": مِنَ الثَّلاثَةِ إِلى العَشَرَةِ. - ويَجُوْزُ في قَوْلهِ: "وَإِنِّي لأرَانِي" فَتْحُ الهمزَةِ، ويَكُوْنُ مِنَ رَأَيتُ، وضَمُّها ويَكُوْنُ مِنْ أَرَيتُ (٢). - وَ"البِدعَةُ": كُلُّ شَيءٍ مُحدَث لَمْ يَتَقَدّم لَهُ نَظِير، يُقَال مِنهُ: أَبْدَعَ وابتَدَعَ: إِذَا أَتَى بِمَا لَمْ يُسْبَقْ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعلٍ، وَمِنْهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (٣): ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ﴾ أَي: خَالِقُها عَلَى غَيرِ مِثَالٍ مُتَقَدِّمٍ (٤). والبِدعَةُ بِدعَتَانِ؛ بِدعَة مَحمُوْدَة حَسَنَة كَجَمعِ أَبِي بَكْرٍ القُرآنَ، وجَمعِ عُثْمَانَ النَّاسَ علَى مُصحَف وَاحِدٍ، وجَمعُ عُمَرَ النَّاسَ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ (٥)، فَمِثْلُ هذِهِ البِدَعِ (٦) يُؤجَرُ

стр. 264

عَلَيها مُبْتَدِعُها الَّذِي ابْتَدَعَها، وَفِي مَعنَى ذلِكَ جَمِيع مَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الاحتِيَاطِ في الدِّينِ، وأمَّا البِدعَةُ المَذْمُوْمَةُ فَكُل مَا يُصَادِمُ السُّنَنَ الثَّابِتةَ ويُنَاقِضُها (١)، وَفَي مَعنَاها مَا يُوْقعُ الإشْكَال في الدِّينِ، والتّشويشِ عَلَى المُسْلِمِينَ في أعمَالِهمْ وعَقَائِدِهم كَالكَلامِ في القَدَرِ، وخَلْقِ الأفْعَالِ، وهذِهِ البِدَعُ يَأثمُ مُبْدِعها ويَكُوْنُ عَلَيهِ وزْرُ مَنْ ضَلَّ بِها، وَفِي مِثْلِ هذَا يَقُولُ الشَّاعِرُ (٢): وَخَيرُ أُمُوْرِ النَّاسِ مَا كَانَ سُنَّةٌ ... وَشَرُّ الأمورِ المُحدَثَاتُ البَدَائِعُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵇: "ألَا إِنَّ كُلَّ محدَثَةٍ بدعَةٌ، وكُلَّ بِدعَةٍ ضَلالةٌ". - وَقَوْلُهُ: "يقْرأ بالمِئِينِ" [٤]. القُرآنُ على أَربَعَةِ أَقْسَامٍ: - السَّبع الطِّوَالُ، وَهِيَ مِنَ البَقَرَةِ إِلَى بَرَاءَةَ؛ لأنَّهم كَانُوا يَقْرَؤُوْنَ بَرَاءَةَ والأنْفَال سُوْرَةً وَاحِدَةً.

стр. 265

- وَمئِينَ، وَهِيَ مَا وَلِيَ الطِّوَال، وسُمّيَتْ مِئِينَ؛ لأنَّ في كُلِّ سُوْرَة مائةُ آيةِ أَوْ مَا يقْرُبُ مِنْها. - والمَثَانِي، مَا وَلِيَ المِئِينَ، كَأنَّ المِئِينَ مَبَادِي، وهذهِ مَثَانِي لَها، وَقَد تُسَمَّى سُوَرَ القُرآنِ كُلِّه مَثانِيَ؛ لأنَّ الأنْبَاءَ والقَصَص تُثنَى فِيهِ، ومِنْهُ قَوْلُهُ [تَعَالى] (١): ﴿مُّتَشَبِها مثانَي﴾. والنَّوْعُ الرَّابعُ: "المُفَصَّلُ" وَأَوَّلُهُ ﴿قَ﴾ فِي مُصحَفِ عُثْمَان، وَ ﴿الرّحمَن (١)﴾ في مُصحَفِ ابنِ مَسْعُوْدٍ. - وبُزُوْغُ الفَجْرِ: أَوَائِلُهُ.

стр. 266

[كتَابُ صَلاة اللَّيل] (١) [مَا جَاءَ في صَلاةِ اللَّيل] - " النُّعاسُ" [٣]. نَوْمٌ خَفِيفٌ لا يَبْلُغُ الاسْتِغْرَاقَ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَدِي بنِ الرِّقَاعِ (٢): وَكَأَنّها بَينَ النِّسَاءِ أَعَارها ... عَينَيهِ أَخوَر مِنْ جَاذِر جَاسِمِ وَسْنَانُ أَقْصَدَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ ... فِي عَينهِ سِنَةٌ وَلَيسَ بِنَائِمِ وقولُ امْرِئِ [القَيسِ] (٣) /: * فَإِمَّا تَريني لَا أُغَمِّضُ سَاعَة *

стр. 267

والرُّقَادُ: الاسْتِغْرَاقُ، وكَذلِكَ النَّوْمُ بِدَلِيلِ قَوْلِ عَدي: "وَلَيسَ بِنَائِمِ" وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالى (١): ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. - ويقَالُ: "كَرَاهِية" و"كَرَاهة" [٤] بِيَاءٍ وبِغَيرِ يَاءٍ [لُغَتَان] فَصِيحَتَانِ. - وَقَوْلُهُ: "لَا يَمَلُّ" [٤]. فِيه تأْويلان: أَحَدُهُمَا: عَلَى مَذَاهِبِ العَرَبِ في تَسْمِيَةِ المُجَازَاةِ عَلَى الشَّيءِ باسْمِ الشَّيءِ المَجْزَيِّ عَلَيهِ فَسَمَّى -ههنَا- المُجَازَاةَ عَلَى المَلَلِ [مَللًا والمَعنَى] لَا يَمتَنعُ من مُجَازَاتِكُم وَثَوَابِكُم حَتَّى تَمَلُّوا العَملَ وَمِنْهُ: [قَوْلُهُ تَعَالى]: (٢) ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ وَ [قَوْلُهُ تَعَالى]: ﴿فَمَنِ اعتَدَى عَلَيكُم .. ﴾ الآيةُ (٣). ومِنْهُ قَوْل عَمرِو بنِ كُلْثُوْمٍ (٤): أَلا لَا يَجْهلنَّ أَحَدٌ عَلَينَا ... فنَجْهلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا وإِنَّمَا جَازَ أَنْ يُسَمِّيَ الشَّيءَ باسْمِ مَا جُزِيَ عَلَيهِ لِمَا بَينَهُمَا مِنَ التَّشَابُهِ وإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَينِ في حَقِيقَةِ المَعْنَى. والتّأويلُ الثَّانِي: فَإِنَّ الله لَا يَمَلُّ حَتَّى إِذَا مَلَلْتم فَيَكُوْنُ كقَوْلهِم: هذَا الفَرَسُ لَا يَنْقَطِعُ جريُهُ حَتَّى يَنْقَطِعَ جَريُ الخَيلِ، وفُلانٌ لا يَضْعُفُ عَنِ الخِصَامِ حَتَّى يَضعُفَ الخُصُوْمُ، المُرادُ: إِنَّ الفَرَسَ لَا يَنْقَطِعَ جَرْيُهُ إِذَا انْقَطَعَ جَرْيُ الخَيلِ، ولَيسَ المُرَادُ إِنَّ جَريَهُ يَنْقَطِعَ عِنْدَ انْقِطَاع جَزي الخَيلِ، وَلَوْ كَانَ كَذلِكَ

стр. 268

لَمْ يَكُنْ فيه مدحٌ، وكَذلِكَ الخَصمُ. وَمِنْ هذَا قَوْلُ الشَّنْفَرَى (١): صَلِيَتْ مِنِّي هُذَيلٌ بِخِرقٍ ... لا يَمَلُّ الشَّرَّ حَتَّى يَمَلُّوا فَإِنْ قِيلَ: "حَتَّى" مَعنَاها الغَايَةُ فَكَيفَ يَصِحُّ تَقْدِيرُها بِـ "إِذَا"؟ . فالجَوَابُ: أَنَّ التقدِيرَ الَّذي قَدَّرنَاهُ إِنَّمَا هُوَ جِهةِ التَّلْخِيص لِلْمَعنَى والتقرِيبِ لَهُ، وَمعنَى الغَايَةِ مَوْجُوْدٌ فِيها لَمْ تَنْتَقِلْ عَنْهُ؛ لأنَّ تَمثيلَنَا بالفَرَسِ إِنَّمَا مَعنَاهُ: إِنَّ جَرْيَهُ يتمَادَى إِلَى أَنْ يَنْقَطِعَ جَرْيُ الخَيلِ وَهُوَ بَاقٍ عَلَى جَريِهِ، وَكَذلِكَ الخصمُ، وَهذَا المَعنَى مَوْجُوْدٌ في الحَدِيثِ؛ لأنَّ أفْعَال العِبَادِ تَنْقَطِعُ وَيَدخُلُها النَّقْصُ والتَّغَيُّرُ، وأَفْعَالُ الله مُتَّصِلَةٌ دَائِمةٌ لا انْقِطَاعَ لَها وَلَا تَغَيُّرَ، وَلِذلِكَ يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَتكلَّفَ مِنَ العَمَلِ مَا يَطِيقُ، إِذْ لَا قُدرَةَ لِلْمَخْلُوْق عَلَى مُنَاهضَةِ الخَالِقِ تَبَارَكَ، الَّذِي لَا يُمَاثَلُ في أَمرٍ، ولا يُنَاهضُ فِي فِعلٍ. وَلِـ"حَتَّى" مَعنًى ثَالِثٌ مِنْ مَعَانِيها، وَهُوَ قَوْلُ القَائِلِ: لَا أُسلِمُ زَيدًا حَتَّى يُضْرَبَ، أَي: لَا أُسْلِمُهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى حَالِ الضَّربِ وَلكِنَّنِي استنقِذُهُ قَبْلَ ذلِكَ، وَلَم يُرِن أَنْ يُسْلِمَهُ إِذَا ضُرِبَ؛ لأنَّه إِذَا حَمَاهُ قَبْلَ الضَّرْبِ فَأَحرَى أَنْ يحمِيَهُ عِنْدَ الضَّربِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: لَا يُسْلِمُوْنَ الغَدَاةَ جَارَهُمُ ... حَتَّى يَزِلَّ الشِّرَاكَ عَنْ قَدَمِهْ وَلَيسَ لِهذَا الوَجْهِ مدخَلٌ في تَفْسِيرِ الحَدِيثِ، وإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ تَتْمِيمًا لِلْكَلامِ فِي

стр. 269

مَعَانِي "حَتَّى". - ويقَالُ: "كلِفْتُ الأَمرَ أكْلَفُهُ" [٤]. إِذَا تكَلَّفْتُهُ، قَال حَاتِم (١): وَإِني لأعطِي سَائِلِي وَلَرُبَّمَا ... أُكَلَّفُ مَا أَسْتَطِيع فَأكلَفُ - العَرضُ: خِلاف الطُّوْلِ، والعُرضُ: النَّاحِيَةُ، وَصَوَابه (٢) فَتْحُ العَينِ. "الشَّنُّ" [١١] (٣). القربَةُ البَالِيَةُ، يُقَالُ: شَنّ وَشَنَّة: لِلَّتِي يَبُسَتْ وأَخْلَقَتْ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّابِغَةِ (٤): * ... خَلْفَ رِجْلَيهِ بَشَنِّ * - ومِنْهُ قَوْلُ الحَجَّاجِ (٥): "مَا يُقعقَعُ لِي بالشِّنَانِ" مَغنَى هذَا أَنَّ الجَمَلَ إِذَا حُرِّكَ الشَّنُّ خَلْفَهُ نَفَرَ وَفَرَّ، فَيُضْرَبُ مَثَلًا لِلْجَبَانِ الَّذِي يَفْزَعُ من مَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْزَعَ مِنْهُ. وَرِوَايَةُ عُبَيدِ اللهِ: "بِشَنٍّ مُعَلَّقَةٍ" وَرَوَاهُ غَيرُهُ: "مُعَلَّقٍ" وَهُوَ الصوَابُ (٦)؛

стр. 270

لأَنَّ الشَّنَّ مُذَكَّرٌ وَلكِنَّهُ أَنَّثَ الضَّمِيرَ عَلَى مَعنَى القِربَةِ. والرِّوَايَةُ أَيضًا: "فَتَوَضَّأ مِنْها"، والصَّوابُ مَا ذَكرنَاهُ في تَذْكِيرِهِ. - وَقَوْلُها: "فَلَا تَسألْ عَنْ حُسْنهِنَّ وَطُوْلِهِنَّ". هذا كَلامٌ تسْتَعمِلُهُ العَرَبُ عِنْدَ تعظِيمِ الشَّيءِ والإفْرَاطِ في مَنحِهِ، فَيَقُوْلُوْنَ: لاَ تَسأَلْ عَنْ كَرَمِ فُلانٍ، ولَه مَعنيان: أحَدُهُمَا: أَنَّ كَرَمَهُ مَشْهُوْرٌ تُغْنِي شُهْرَتُهُ عَنِ السُّؤالِ عَنْهُ. والآخرُ: لَا تَسْأل عَنْ صِفَةِ كَرَمِهِ فَهُوَ أَشْنَعُ مِنْ أَنْ يُقْدَرَ عَلَى وصفِهِ لِجَوَازِهِ الحَدَّ، وَمِنْ [هذَا] المَغنَى قَوْلُ أَبِي النَّشْنَاشِ (١):

стр. 271

وَسَائِلةٍ بالغَيبِ عَنِّي وَسَائِلٍ ... ومَنْ يَسْأَلِ الصَّعلُوْكَ أَينَ مَذَاهِبُهْ و"الفُسْطَاطُ" [١٢] ضَرب مِنَ الأبنيَةِ، وفي "العَينِ" (١): الفُسْطَاطُ: مُجْتَمَعُ أَهْلِ الكُوْرَةِ حَوْلَ جَامِعِها. وَقَال ابنُ قُتيبَةَ: كُلُّ مَدِينَةٍ جَامِعَةٍ فهِيَ فُسْطَاطٌ، ومِنْهُ قِيلَ لِمَدِينَةِ [مِصرَ الَّتِي بَنَاها] عَمْرُو بنُ العَاصِ الفُسْطَاطُ. وقَال غَيرُهُ (٢): إِنَّمَا قِيلَ ذلِكَ؛ لأنَّ عمرَو بنَ العَاصِ ضَرَبَ فِيها أَقْبِيَةً حِينَ نزَلَ فَسُمِّيَ المَكَانُ بِاسْمِ أَقْبِيَتِهِ. ويُقَالُ لِلْجَمَاعَةِ الكَثيرَةِ -وإِنْ كَانُوا في أَمصَارٍ كَثيرَةٍ - فُسْطَاط؛ كأنّهُم يُسَمُّوْنَ باسمِ أَمصَارِهِم، وَذَهبَ بالوَاحِدِ مَذْهبَ الجَمِيع، ومِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ : "عَلَيكُم بالجَمَاعَةِ فَإنَّ يَدَ اللهِ عَلَى الفُسْطَاطِ" وفِيهِ سِتُّ لُغَات، فُسْطَاطٌ، بِضَمِّ الفَاء وكَسْرِها، وفُسْتَاط، وفِسْتَاط وفُسَّاط، وفِسَّاط حَكَاها يَعقُوْبُ (٣).

стр. 272

(في الأمر بالوتْر) أَهْلُ العَالِيَةِ (١) يَقُوْلُوْنَ: وَتْرٌ في العَدَدِ -بِفَتْحِ الفَاءِ- وفي الذَّحلِ: وتْرٌ -بِكَسْرِ الفاء- ويَقْرَؤُوْنَ [قَوْلَهُ تَعَالى] (٢): ﴿وَالشَّفعِ وَالوَترِ (٣)﴾ بِفَتْحِها. وتَمِيمٌ يَقُوْلُوْنَ

стр. 273

فِيهِمَا مَعًا وتْرٌ -بِكَسْرِ الفَاءِ- ويَكْسُرُوْنَ وَاو الوتْرِ، وتَصرِيف الفعل من الوترِ الَّذي هُوَ العَدَدُ (١) أَوْتَرْتُ أوترُ إِيتَارًا، وَمِنَ الذِي هُوَ الذَّحلُ: وَتَرتُهُ أَتِرُهُ وَتْرًا وترَةً (٢). - وقَوْلُهُ: "اسْتِخفَافًا" [١٤]: بالنَّصبِ، عَلَى وَجْهِينِ: أحَدُهُمَا: أَنْ يَكُوْنَ مَصدَرًا وُضِعَ مَوْضِعَ الحَالِ؛ كَأنَّهُ قَال مُسْتَخِفًا بِحَقِّهِنَّ فَيَكُوْنُ مِنْ بَابِ: جِئْتُهُ رَكْضًا وَعدوًا، أي: رَاكِضًا وَعَادِيًا. والثاني: أَنْ يَكُوْنَ مَفْعُوْلًا مِنْ أَجْلِهِ. - وَ"الأسوة، الإسْوة" [١٥]: القُدوَة (٣). - قَوْلُهُ: "وَالسَّمَاءُ مُغْيِمَةٌ" وَ [يروَى] (مُغِيمَةٌ) [١٩]. يُقَال: أَغَامَتْ، وَغَامَتْ، وغَيَّمَت، وتَغَيَّمَتْ (٤).

стр. 274

[كِتَابُ صَلاةِ الجَمَاعَة] (١) [فَضْلُ الجَمَاعَةِ عَلَى صَلاةِ الفَذِّ] الفَاذُّ وَالفَذُّ (٢): الفَردُ، وَيُقَالُ: كَلِمَةٌ فَاذَّةٌ وَفَذَّةٌ: إِذَا كَانَتْ شَاذَّةً عَنْ نَظَائِرِها. - قَوْلُهُ [ ﷺ ] (٣): "فَأُحرِقَ" ويروَى: "فَأحَرِّقَ" [٣]. وهُمَا لُغَتَان: أَحرَقْتُ وَحَرَّقْتُ -رُبَاعِيًّا مُضَاعَفًا-، وَبالهمزَةِ والتَّشدِيدِ أَبْلَغُ في المعنَى. - "أوْ مِرمَاتَينِ" [٣] [يُروى] بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِها. وَفِي "العَينِ" (٤): المَرمَاةُ: [سَهْم] (٥) يتَعَلَّمُ بِهِ الرّميُ. والمَرمَاةُ: مَا بَينَ ظِلْفَي الشَّاةُ، وهو غَيرُ مَعرُوْفٍ (٣)، وَقَد أَنكرَهُ أَبُو عُبَيدٍ (٦)، وَقَال بَعضُهُم: المَرمَاةُ: حَدِيدة شِبْهُ

стр. 275

السِّنَانِ كانُوا يَجْعَلُوْنَها غَرَضًا، وَهذَا أَيضًا غَيرُ مَعرُوْف، والمَشْهُوْر في هذه اللَّفْظَةُ أَنها السَّهْمُ الَّذِي يُرمَى بِهِ. والمَرمَاةُ -بِفَتْحِ المِيمِ-: الغَرَضُ الَّذِي يُرمَى إِلَيهِ، وهو المَرمَى أَيضًا. - وَقَوْلُهُ: "إلَّا صَلاةَ المَكْتُوْبة" [٤]. فَمَنْ رَواهُ هكَذا فَقِيَاسُهُ عِنْدَ البصرِيِّينَ أَنْ يَكُوْنَ أَرَادَ: إِلَّا صَلاةَ الفَرِيضَةِ المَكْتُوْبَةِ، فَحَذَفَ المَوْصُوْفَ وأَقَامَ الصِّفَةَ مَقَامَهُ. وهكَذَا قَوْلُهُ [تَعَالى] (١): ﴿وَحَبَّ الحصِيد (٩)﴾ أَي: وَحَبَّ النَّبْتِ الحَصِيدِ، وَكَذلِكَ [قَوْلُه تعالى] (٢): ﴿وَلَدَارُ الآخِرَةِ﴾ أي: وَلَدَارُ الحَيَاةِ الآخِرَةِ، ونحوَ هذَا التقدِيرِ، كَرَاهِيَةَ أَن يُضِيفُوا المَوْصُوْفَ إِلَى صِفَتِهِ. والكُوْفِيُّون: يُجِيزُوْنَ في مِثْلِ هذَا وَأَشْبَاهِهِ [أَن يُضَافَ المَوْصُوْفُ] إِلِى صِفَتِهِ وَهُوَ خَطَأ في القِيَاسِ (٣). [ما جَاء في العَتَمَةِ والصُّبح] - وَ"الهدم" [٦]-بِتَسْكِينِ الدَّالِ-: مَصدَرُ هدمتُ، والهدَمُ: اسمُ الشَّيءِ

стр. 276

المُتَهدِّمِ، والحَدِيثُ يَحتَمِلُ الوَجْهينِ، والرِّوَايَةُ بِسُكُوْنِ الدَّالِ، وأَنْشَدَ أَبُو زَيد (١): تَمشِي إِذَا زُجِرَت عَنْ سَوْأةٍ [قُدُمًا] ... كَأَنّها هدَم في الجَفْرِ مُنْقَاضُ والجَفْرُ: البِئْرُ غَيرُ مَطْوية. والمُنْقَاضُ: الَّذِي يَنْقَعِرُ مِنْ أَصلِهِ. يَصِف امرَأَة فَاجِرَة لَا يَقْدِرُ أَحَد أَن يُمسِكَها عَنْ سَوْءَةٍ، كَمَا لَا يمسَكُ هدَمُ البِئْرِ. [صَلاة الإمَامِ وَهُوَ جَالِس] - فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيمَنُ" [١٦]. الجَحشُ: الخدشُ، وَالألَمُ يحدُثُ في العُضْو عَنْ صدمَة وَضَغْط. - وَقَوْلُهُ: "أنْ كَمَا أنْتَ" [١٨]. أَي: أَنِ ابْقَ كَمَا أَنْتَ، وامكُثْ كَمَا أَنْتَ، فَحَذَفَ، وتَقْدِيرُهُ عَلَى مَذْهبِ الكِسَائِيُّ: كُنْ كَمَا أَنْتَ. ولا يُجِيزُهُ سِيبَوَيهِ، وَأَجَازَ الفَارِسِيُّ أَنْ تكُوْنَ "مَا" هُنَا بِمَعنَى "الَّذِي" أَوْ تكُوْنَ كَافَّة كَالَّتِي في قَوْلهِ [تَعَالى] (٢): ﴿كَمَا لَهُم آلهةٌ﴾ وَخَبَرُ المُبْتَدَأ في الوَجهينِ مَحذُوْف تَقْدِيرُهُ: كَمَا أَنْتَ عَلَيهِ. وَيَجُوْزُ أَنْ يكُوْنَ "مَا" مُؤَكِّدة كَالَّتي في [قَوْلهِ تَعَالى] (٣): ﴿عَمَّا قَليل﴾ فَيَكُوْنُ مَوْضِعُ "أَنْتَ" خَبَرًا كَمَا حَكَى الفَرَّاءُ والأخْفَشُ أَنَّ العَرَبَ تَقُوْلُ: مَا أَنَا كَأَنْتَ، وَمَا أَنْتَ كَأَنَا فَيُوْقِعُوْنَ ضَمِيرَ الرَّفْعِ في مَوْضِعِ ضَمِيرِ الجَرِّ. [الصَّلاة الوُسْطَى] - وَقَوْلُ عَائشِةَ: "وَصَلاةِ العَصرِ" [٢٥]. قِيلَ: إِنَّ الوَاوَ زَائِدَ كَزِيَادَتها

стр. 277

فِي قَوْلهِ (١): إِلَى المَلِكِ القَرمِ وابْنِ الهمـ ... ـام وَلَيثُ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَم أَرَادَ: ابنَ الهُمَامِ، لَيثَ الكَتِيبَةِ، وهذَا غَيرُ صَحِيح؛ لأنَّ هذَا إِنَّمَا يَأْتِي في الصِّفَاتِ كَقَوْلكَ: مَرَرْتُ بِزَيد العَاقِلِ والظَّرِيفِ والكَرِيمِ، وجَاز ذلِكَ؛ لأنَّ كُلَّ صِفَةٍ تُفِيدُ مَا لَا تُفِيدُ الثَّانِية، وَلَا خِلافَ بَينَ النحويِّينَ أَنّكَ لَوْ قُلْتَ: مَرَرتُ بِزَيدٍ وَزَيدٍ وَهُمَا شَخْصٌ وَاحدٌ لَمْ يَجُزْ. وَقَال قَوْم: دُخُوْلُ الوَاو هُنَا لَا تَدُلُّ على أَنّها غَيرُ الوُسْطَى كَمَا لَمْ تَدُلَّ الوَاوُ في قَوْلهِ [تَعَالى] (٢): ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾، ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال﴾ (٣) عَلَى أَنّهُمَا لَيسَا مِنَ المَلائِكَةِ، وَعَلَى أَنَّ النَّخْلَ والرُّمَّانَ لَيسَا مِنَ الفَاكِهةِ، وَإِنَّمَا هذَا عَلَى سَبِيلِ الإشَارَةِ والتّعظِيمِ. وَالعَرَبُ تَخُصُّ الشَّيءَ بالذِّكْرِ تَنْويهًا بِهِ، وتَعْظِيمًا لِقَدرِهِ. ويُقَوِّيّ هذَا أَنَّ الصَّلَوَاتِ في الآيَةِ قَدْ دَخَلَتْ فِيها الصَّلاةُ الوُسْطَى [وَخَصَّ] الصَّلاةَ الوُسْطَى تَنْويهًا لَها، ثُمَّ أَعَادَ ذِكْرَها مَرَّة أُخْرَى، بِقَوْلهِ: "وَصَلاةِ العَصرِ" تأَكِيدًا لِلْمَثُوْبَة. - وَ"الوُسْطَى": فُعلَى من التَّوَسُّط بينَ الشَّيئَينِ، وعَلَى هذَا تكُوْنُ كُلُّ

стр. 278

صَلاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ وُسْطَى؛ لأنَّ قَبْلها صَلاتَينِ وَبَعدها صَلاتَينِ. وَقَد يَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ مِنْ قَوْلهِم: فُلانٌ أَوْسَطُ قَوْمِهِ: إِذَا كَانَ أَشْرَفَهُم حَسَبًا، فَإِذَا أَضَافُوْهُ لَمْ يثنُّوْهُ وَلم يَجْمَعُوهُ، ولَم يُؤَنِّثُوْهُ، وإِذَا أَفْرَدُوْهُ عَنِ الإضَافَةِ قَالُوا: هُوَ الأوْسَطُ، وَهِيَ الوُسْطَى، وَثنَّوا وَجَمَعُوا، وَيُقَالُ في هذَا المَعْنَى هُوَ وَسَطُ وَجْهِهِ، ومنه [قَوُلُهُ تَعَالى] (١): ﴿أُمَّة وسطًا﴾ وأَصلُ هذَا: "إِنَّ خَيرُ الأمُوْرِ أَوْسَطُها" يُضرَبُ لِذلِكَ مَثَلًا (٢)، قَال زُهيرٌ (٣): هُمُ وَسَطٌ يَرضَى الأنامُ بحكُمِهِم ... إِذَا طَلَعَتْ إِحدَى اللَّيَالِي بِمُعظِمِ وَإِذَا حُمِلَتَ الصَّلاةُ الوُسْطَى عَلَى هذَا التّأويلِ كَانَ أَشْبَة بِمَعنَاها، وَلَم يَصِحَّ أَنْ تكُوْنَ كُل صَلاةٍ.

стр. 279

[كِتَابُ قصرِ الصلاةِ في السَّفَرِ] (١) [الجَمعُ بينَ الصَّلاتَينِ في الحَضَرِ والسَّفَرِ] - " تَبِصُّ" [٢]. بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ، وبِضَادٍ مُعجَمَةٍ وهو الصَّوَابُ، ومَعْنَاهُ: أَنه كَانَ يَنْبُعُ مِنْها مَاءٌ قَلِيلٌ، يُقَالُ: بضَّ الحَجَرُ يبضُّ: إِذَا رَشَحَ [مِنْهُ المَاءُ]، وَكَذلِكَ بَضَّتِ البِئْرُ، وَبَضَّ الجُرحُ، قَال ابنُ القَاسِمِ (٢): قال لِي مالكٌ: وَهُوَ البَضَضُ وَالبَصَصُ أَيضًا، فَمَنْ رَوَى تَبِضُّ بِضَادٍ مُعجَمَةٍ أَرَادَ: تَجْرِي، وَبِصَادٍ مُهْمَلَةٍ أَرَادَ: لَمَعَانَ المَاءِ وَقِلَّتَهُ. وَرَوَاهُ القَعنَبِيُّ بِضَادٍ مُعجَمَةٍ (٣). [مَا يَجِبُ فِيهِ قَصرُ الصَّلاةِ] -[رِيمُ] [١١]. اخْتُلِفَ في مَسَافَةِ رِيمٍ من المَدِينَةِ، فَقَال مالك: [نحوٌ مِنْ أَربَعَةِ] بُرُدٍ، وقَال ابنُ شِهابٍ ثَلاثُوْنَ مِيلًا، وَرِيمُ هذَا مَكْسُوْرُ الرَّاء (٤)، ويَجُوْزُ

стр. 280

صَرفُهُ إِذَا ذُهِبَ بِهِ إِلَى المَوْضِعِ، وتَرَكُ صَرفهِ إِذَا ذُهِبَ بِهِ إِلَى الأرضِ، قَال الشَّاعِرُ (١):

стр. 281

وَكَم مِنْ حَرَّةٍ بَينَ المُنَقَّى ... إِلَى أُحُدٍ إِلَى جِلْبَابِ رِيمِ وَمِنْ عَينٍ مُكَحَّلَةِ المَآقِي ... بِلا كُحلٍ وَمِنْ كَشْحٍ هضِيمِ [صَلاة الضُّحَى] -[ثَمَانِ رَكْعَاتٍ] [٢٨]. يَجُوْزُ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ بالنُّون، وَ"ثَمَاني" باليَاءِ، وهُمَا لُغَتَانِ، وإِثْبَاتُ اليَاءِ أَفْصَحُ وأَقْيَسُ؛ لأنَّ اليَاءَ إِنَّمَا تُحْذَفُ مِنْ مِثْلِ هذَا في حالِ الرَّفْعِ وَالخَفْضِ، وتَثْبُتُ في حَالِ النصبِ، إِلَّا أَنَّ ثَعْلَبًا حَكَى أَنّها لُغَة، وأَنْشَدَ (١): لَها ثَنَايَا أَربَع حِسَانُ ... وأَربع فَثَغْرها ثَمَانُ -[قَوْلُهُ]: [زَعَمَ ابنُ أمِّي ......... ] [٢٨]. الزَّعمُ قَوْل يُخَالِطُهُ ظَنَّ واعتِقَاد فَرُبمَا كَانَ حَقًّا، ورُبَّمَا كَانَ بَاطِلًا، وَذَكَرَ المُطَرِّز (٢) أَنَّ الزَّعمَ قَدْ يُسْتَعمَلُ بِمَعنَى الحَقّ، وأَنْشَدَ لأميّة بنِ أَبِي الصَّلْتِ (٣): وإِني أَذِينٌ لَكُم أَنّهُ ... لسَيُنْجِزُكُم رَبُّكُمُ مَا زَعم وَلَم يُرِن أُمَيةُ مَا ذَهبَ إِلَيهِ المُطَرِّزُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ: بِمَا تكفَّلَ، مِنْ قَوْلهِم: أَنَا به زَعِيم أي: كَفِيل. - وَقَوْلها: "ابنُ أمِّي". وَلَم تَقُلْ: ابنُ أَبِي؛ لأنَّها أَرَادَتْ قُربَ المَنزلة، وإِظهارَ التَّحَفِّي واللُّطْفُ. والعَرَبُ تَسْتَعمِلُ ذلِكَ إِذَا أَرَادَتْ ذلِكَ المَعنَى، حَتَّى يَقُوْلُوا ذلِكَ لِمَنْ لَا قَرَابَةَ بَينَ القَائِلِ ذلِكَ وبَينَ المَقُوْل فيه، وقَد قِيل فِي قَوْل هارُوْن:

стр. 282

﴿يَبْنَؤُمَ﴾ (١): إِنَّمَا قَال ذلِكَ تَوَدُّدًا وتَلَطُّفًا؛ لإزَالةِ غَضَبِ عَلَى مَا جَرَتْ بهِ العَادَةُ، وَلم يَكُنْ مُوْسَى ابنَ أُمِّهِ، وإِنَّمَا خَصُّوا الأمَّ بِهذَا دُوْنَ الأبِ؛ لأنَّ مَنْزِلَتها عِنْدَ الابنِ ألْطَفُ، وَالابنُ إِلَيها أَميَلُ؛ لأنَّها وَضعَتْهُ كُرهًا، وَوَضَعَهُ الأبُ شَهْوَةٌ، وَعَلَى هذَا يَجْرِي كَلامُ العَرَبِ، قَال أَبُو زبيدٍ الطَّائِيُّ (٢):

стр. 283

يا بن أُمِّي .......... ... ................ البيت [جَامِعُ سَبْحَةِ الضُّحَى] قَوْلُهُ: "قُوْمُوا فَلأصَلِ لَكم" [٣١]. يَرْويهِ كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ: "فَلأُصَلِّي" باليَاءِ، ومِنْهُم مَنْ يَفْتَحُ اليَاءَ وَيَتَوَهَّمُ أنَّه مَنْصُوْبٌ عَلَى مَعنَى "كَي" وَلَوْ أَرَادَ مَعنَى "كَي" لَمْ يَجُزْ دُخُوْل الفَاءِ ههنَا، ومِنَ النَاسِ مَنْ يَفْتَحُ اللَّامَ ويُسَكِّنُ اليَاء يتَوَهَّمُهُ قَسَمًا، وذلِكَ غَلَطٌ؛ لأنَّه لَا وَجْه لِلْقَسَمِ ههنَا، وَلَوْ كَانَ قَسَمًا لَقَال: فَلأُصَلِّيَنَّ بالنُّوْنِ، وإِنَّمَا الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ: "فَلأُصَلِّ " بِكَسْرِ اللَّامِ عَلَى مَعْنَى الأمرِ، والأمرُ [إِذَا كَانَ لِلْمُتكلِّمِ] والغِائِبِ كَانَ بِاللَّامِ أَبَدًا، وإِذَا كَانَ للمُخَاطَبِ كَانَ باللَّامِ وَبِغَيرِ اللَّامِ. ويَجُوْزُ عِنْدِي أَنْ يَنْتَصِبَ عَلَى مَعنَى "كَي" وَلَا يَصِحُّ ذلِكَ عَلَى أَنْ تُجْعَلَ اللَّام مُتَعَلِّقَةً بـ "قُوْمُوا"؛ لأنَّ دُخُوْل الفَاءِ يَمْنَعُ مِنْ ذلِكَ، أَلا تَرَى أَنّه لَا يَجُوْزُ جِئْتُ فَلأُكْرِمَكَ، وَلكِنْ تَعَلُّقَها بِفِعلٍ مَخذُوْف دَل عَلَيهِ مَا فِي الكَلامِ، كَأَنَّهُ قَال: قُوْمُوا فَلأُصَلِّيَ لَكُم آمُرُكُم بالقِيَام، فَيَكُوْنُ مِثْلَ قَوْلهِ [تَعَالى] (١): ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ سَألتك أنْ تُرِيَني إِحيَاءَ المَوْتَى.

стр. 284

- وأمَّا: "يَرقَأ" [٣٢]. فالرِّوَايَةُ بِتَرْكِ الهمزةِ، وَذَكَرَ ابنُ دُرَيدٍ (١) أَنّهُ مَهْمُوْزٌ. [الرُّخْصَةُ فِي المرُوْرِ بينَ يَدَيِ المُصَلِّي] " الأتانُ" [٣٨]. الأنْثَى مِنَ الحَمِيرِ دُوْنَ الذَّكَرِ. ويُقَالُ للذَّكَرِ (٢): العَيرُ والمِسْحَلُ، ومَنْ قَال: أتَانَةٌ لِلأنثَى فَقَد غَلِطَ. - وَ"نَاهزْتُ": قَارَبْتُ، وَأَصلُ المُنَاهزَةِ: تَقَارُبُ الشَّيئَينِ حَتَّى يُنَاطِحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَةُ، وَمِنْهُ نَاهزْتُ الشَّيءَ: إِذَا تناوَلْتُهُ بِيَدِكَ ونَهزْتُ الشَّيءَ: إِذَا دَفَعْتُهُ، وَصَبِيٌّ نَاهزَ: إِذَا قَارَبَ الفِطَامَ، وَمِنْهُ قِيلَ للشَّيءِ إِذَا أمكَنَ أَخْذُهُ: نُهزَةً. - وَقَوْلُهُ: "وأنَا يَوْمَئِذٍ": هذَا مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ العَرَبَ تَسْتَعمِلُ اليَوْمَ وَهم لَا يُرِيدُوْنَ بِهِ يَوْمًا وَاحِدًا، أَلا تَرَى أَنَّ مَعنَاهُ: وأَنَا في تِلْكَ المُدَّةِ وَمِثْلُهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (٣): ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي﴾. - و [قَوْلُهُ: "تَرتَعُ"] يُقَالُ: رَتَعَتِ المَاشِيَةُ تَرْتَعُ رُتُوْعًا: إِذَا سَرَحَت في المَرعَى. وَ"تَرتَعُ" في مَوْضِعِ نَصبٍ عَلَى الحَالِ، وتُسَمَّى حَالًا مُقَدَّرَةً؛ لأنَّه لَمْ يُرسِلْها في حَالِ رُتُوْعِها، وإِنَّمَا أَرسَلَها قَبْلَ ذلِكَ، ونَظِيرُهُ: أَرسَلْتُ زَيدًا يَضْرِبُ عمرًا؛ أَي: مُقَدِّرًا مِنْهُ ذلِكَ ومُرِيدًا لَهُ مِنْهُ ذلِكَ، ومِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالى (٤):

стр. 285

﴿خَالِصةً يوْمَ القيامةٌ﴾ ونَحوُهُ قَوْلُ عَمرِو بنِ معدِي كَرِبٍ (١): أَعرَضْتُ عَنْ تِذْكَارِهِ ... وَخُلِقْتُ يَوْمَ خُلِقْتُ جَلْدَا وَيَجُوْزُ أَنْ يُرِيدَ "لِتَرْتَعَ"، أَوْ "كَي تَرتَعَ" فَلَمَّا حَذَفَ النَّاصِبَ رَفَعَ، ومِنْهُ قَوْلُهُ [تَعَالى] (٢): ﴿أَفَغَيرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾، وقَال طرفة (٣): * أَلا أَيُّهذَا الزَّاجِرِي أَحضُرُ * [مَسْحُ الحَصباءِ فِي الصَّلاة] -[أهْوَى] [٤٢] فَرَّقَ بعضُ اللُّغَويِّينَ (٤) بَينَ قَوْلكَ: أَهْوَى وَهوَى، فَقَال: هوَى مِنْ فَوْق إِلَى أَسْفَلَ، وأَهْوَى: مِنْ أَسْفَلَ إِلَى فَوْقٍ، واحتَجَّ بِقَوْلهِ [تَعَالى] (٥): ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣)﴾، وهذَا غَلَط؛ لأنَّ مَعنَى ﴿أهْوَى (٥٣)﴾ في الآيةِ: أَسْقَطَ وأَهْلَكَ، فَهُوَ مَنْقُولٌ مِنْ هوَى الشَّيءُ وأَهْوَيتُهُ، كَمَا تَقُوْلُ: هلَكَ الشَّيءُ وأَهْلَكْتُهُ، والصَّحِيحُ أَنَّ أَهْوَى وَهوَى لُغَتَانِ بِمَعنًى (٦)، يُقَالُ: هوَيتُ
следующие страницы →