← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18194

التعليق على الموطأ في تفسير لغاته وغوامض إعرابه ومعانيه

هشام بن أحمد الوقشي

Полный текст (937 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وَكَم مِنْ حَرَّةٍ بَينَ المُنَقَّى ... إِلَى أُحُدٍ إِلَى جِلْبَابِ رِيمِ وَمِنْ عَينٍ مُكَحَّلَةِ المَآقِي ... بِلا كُحلٍ وَمِنْ كَشْحٍ هضِيمِ [صَلاة الضُّحَى] -[ثَمَانِ رَكْعَاتٍ] [٢٨]. يَجُوْزُ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ بالنُّون، وَ"ثَمَاني" باليَاءِ، وهُمَا لُغَتَانِ، وإِثْبَاتُ اليَاءِ أَفْصَحُ وأَقْيَسُ؛ لأنَّ اليَاءَ إِنَّمَا تُحْذَفُ مِنْ مِثْلِ هذَا في حالِ الرَّفْعِ وَالخَفْضِ، وتَثْبُتُ في حَالِ النصبِ، إِلَّا أَنَّ ثَعْلَبًا حَكَى أَنّها لُغَة، وأَنْشَدَ (١): لَها ثَنَايَا أَربَع حِسَانُ ... وأَربع فَثَغْرها ثَمَانُ -[قَوْلُهُ]: [زَعَمَ ابنُ أمِّي ......... ] [٢٨]. الزَّعمُ قَوْل يُخَالِطُهُ ظَنَّ واعتِقَاد فَرُبمَا كَانَ حَقًّا، ورُبَّمَا كَانَ بَاطِلًا، وَذَكَرَ المُطَرِّز (٢) أَنَّ الزَّعمَ قَدْ يُسْتَعمَلُ بِمَعنَى الحَقّ، وأَنْشَدَ لأميّة بنِ أَبِي الصَّلْتِ (٣): وإِني أَذِينٌ لَكُم أَنّهُ ... لسَيُنْجِزُكُم رَبُّكُمُ مَا زَعم وَلَم يُرِن أُمَيةُ مَا ذَهبَ إِلَيهِ المُطَرِّزُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ: بِمَا تكفَّلَ، مِنْ قَوْلهِم: أَنَا به زَعِيم أي: كَفِيل. - وَقَوْلها: "ابنُ أمِّي". وَلَم تَقُلْ: ابنُ أَبِي؛ لأنَّها أَرَادَتْ قُربَ المَنزلة، وإِظهارَ التَّحَفِّي واللُّطْفُ. والعَرَبُ تَسْتَعمِلُ ذلِكَ إِذَا أَرَادَتْ ذلِكَ المَعنَى، حَتَّى يَقُوْلُوا ذلِكَ لِمَنْ لَا قَرَابَةَ بَينَ القَائِلِ ذلِكَ وبَينَ المَقُوْل فيه، وقَد قِيل فِي قَوْل هارُوْن:

стр. 282

﴿يَبْنَؤُمَ﴾ (١): إِنَّمَا قَال ذلِكَ تَوَدُّدًا وتَلَطُّفًا؛ لإزَالةِ غَضَبِ عَلَى مَا جَرَتْ بهِ العَادَةُ، وَلم يَكُنْ مُوْسَى ابنَ أُمِّهِ، وإِنَّمَا خَصُّوا الأمَّ بِهذَا دُوْنَ الأبِ؛ لأنَّ مَنْزِلَتها عِنْدَ الابنِ ألْطَفُ، وَالابنُ إِلَيها أَميَلُ؛ لأنَّها وَضعَتْهُ كُرهًا، وَوَضَعَهُ الأبُ شَهْوَةٌ، وَعَلَى هذَا يَجْرِي كَلامُ العَرَبِ، قَال أَبُو زبيدٍ الطَّائِيُّ (٢):

стр. 283

يا بن أُمِّي .......... ... ................ البيت [جَامِعُ سَبْحَةِ الضُّحَى] قَوْلُهُ: "قُوْمُوا فَلأصَلِ لَكم" [٣١]. يَرْويهِ كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ: "فَلأُصَلِّي" باليَاءِ، ومِنْهُم مَنْ يَفْتَحُ اليَاءَ وَيَتَوَهَّمُ أنَّه مَنْصُوْبٌ عَلَى مَعنَى "كَي" وَلَوْ أَرَادَ مَعنَى "كَي" لَمْ يَجُزْ دُخُوْل الفَاءِ ههنَا، ومِنَ النَاسِ مَنْ يَفْتَحُ اللَّامَ ويُسَكِّنُ اليَاء يتَوَهَّمُهُ قَسَمًا، وذلِكَ غَلَطٌ؛ لأنَّه لَا وَجْه لِلْقَسَمِ ههنَا، وَلَوْ كَانَ قَسَمًا لَقَال: فَلأُصَلِّيَنَّ بالنُّوْنِ، وإِنَّمَا الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ: "فَلأُصَلِّ " بِكَسْرِ اللَّامِ عَلَى مَعْنَى الأمرِ، والأمرُ [إِذَا كَانَ لِلْمُتكلِّمِ] والغِائِبِ كَانَ بِاللَّامِ أَبَدًا، وإِذَا كَانَ للمُخَاطَبِ كَانَ باللَّامِ وَبِغَيرِ اللَّامِ. ويَجُوْزُ عِنْدِي أَنْ يَنْتَصِبَ عَلَى مَعنَى "كَي" وَلَا يَصِحُّ ذلِكَ عَلَى أَنْ تُجْعَلَ اللَّام مُتَعَلِّقَةً بـ "قُوْمُوا"؛ لأنَّ دُخُوْل الفَاءِ يَمْنَعُ مِنْ ذلِكَ، أَلا تَرَى أَنّه لَا يَجُوْزُ جِئْتُ فَلأُكْرِمَكَ، وَلكِنْ تَعَلُّقَها بِفِعلٍ مَخذُوْف دَل عَلَيهِ مَا فِي الكَلامِ، كَأَنَّهُ قَال: قُوْمُوا فَلأُصَلِّيَ لَكُم آمُرُكُم بالقِيَام، فَيَكُوْنُ مِثْلَ قَوْلهِ [تَعَالى] (١): ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ سَألتك أنْ تُرِيَني إِحيَاءَ المَوْتَى.

стр. 284

- وأمَّا: "يَرقَأ" [٣٢]. فالرِّوَايَةُ بِتَرْكِ الهمزةِ، وَذَكَرَ ابنُ دُرَيدٍ (١) أَنّهُ مَهْمُوْزٌ. [الرُّخْصَةُ فِي المرُوْرِ بينَ يَدَيِ المُصَلِّي] " الأتانُ" [٣٨]. الأنْثَى مِنَ الحَمِيرِ دُوْنَ الذَّكَرِ. ويُقَالُ للذَّكَرِ (٢): العَيرُ والمِسْحَلُ، ومَنْ قَال: أتَانَةٌ لِلأنثَى فَقَد غَلِطَ. - وَ"نَاهزْتُ": قَارَبْتُ، وَأَصلُ المُنَاهزَةِ: تَقَارُبُ الشَّيئَينِ حَتَّى يُنَاطِحَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَةُ، وَمِنْهُ نَاهزْتُ الشَّيءَ: إِذَا تناوَلْتُهُ بِيَدِكَ ونَهزْتُ الشَّيءَ: إِذَا دَفَعْتُهُ، وَصَبِيٌّ نَاهزَ: إِذَا قَارَبَ الفِطَامَ، وَمِنْهُ قِيلَ للشَّيءِ إِذَا أمكَنَ أَخْذُهُ: نُهزَةً. - وَقَوْلُهُ: "وأنَا يَوْمَئِذٍ": هذَا مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ العَرَبَ تَسْتَعمِلُ اليَوْمَ وَهم لَا يُرِيدُوْنَ بِهِ يَوْمًا وَاحِدًا، أَلا تَرَى أَنَّ مَعنَاهُ: وأَنَا في تِلْكَ المُدَّةِ وَمِثْلُهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (٣): ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي﴾. - و [قَوْلُهُ: "تَرتَعُ"] يُقَالُ: رَتَعَتِ المَاشِيَةُ تَرْتَعُ رُتُوْعًا: إِذَا سَرَحَت في المَرعَى. وَ"تَرتَعُ" في مَوْضِعِ نَصبٍ عَلَى الحَالِ، وتُسَمَّى حَالًا مُقَدَّرَةً؛ لأنَّه لَمْ يُرسِلْها في حَالِ رُتُوْعِها، وإِنَّمَا أَرسَلَها قَبْلَ ذلِكَ، ونَظِيرُهُ: أَرسَلْتُ زَيدًا يَضْرِبُ عمرًا؛ أَي: مُقَدِّرًا مِنْهُ ذلِكَ ومُرِيدًا لَهُ مِنْهُ ذلِكَ، ومِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالى (٤):

стр. 285

﴿خَالِصةً يوْمَ القيامةٌ﴾ ونَحوُهُ قَوْلُ عَمرِو بنِ معدِي كَرِبٍ (١): أَعرَضْتُ عَنْ تِذْكَارِهِ ... وَخُلِقْتُ يَوْمَ خُلِقْتُ جَلْدَا وَيَجُوْزُ أَنْ يُرِيدَ "لِتَرْتَعَ"، أَوْ "كَي تَرتَعَ" فَلَمَّا حَذَفَ النَّاصِبَ رَفَعَ، ومِنْهُ قَوْلُهُ [تَعَالى] (٢): ﴿أَفَغَيرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾، وقَال طرفة (٣): * أَلا أَيُّهذَا الزَّاجِرِي أَحضُرُ * [مَسْحُ الحَصباءِ فِي الصَّلاة] -[أهْوَى] [٤٢] فَرَّقَ بعضُ اللُّغَويِّينَ (٤) بَينَ قَوْلكَ: أَهْوَى وَهوَى، فَقَال: هوَى مِنْ فَوْق إِلَى أَسْفَلَ، وأَهْوَى: مِنْ أَسْفَلَ إِلَى فَوْقٍ، واحتَجَّ بِقَوْلهِ [تَعَالى] (٥): ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣)﴾، وهذَا غَلَط؛ لأنَّ مَعنَى ﴿أهْوَى (٥٣)﴾ في الآيةِ: أَسْقَطَ وأَهْلَكَ، فَهُوَ مَنْقُولٌ مِنْ هوَى الشَّيءُ وأَهْوَيتُهُ، كَمَا تَقُوْلُ: هلَكَ الشَّيءُ وأَهْلَكْتُهُ، والصَّحِيحُ أَنَّ أَهْوَى وَهوَى لُغَتَانِ بِمَعنًى (٦)، يُقَالُ: هوَيتُ

стр. 286

إِلَيهِ بالسَّيفِ وأَهْو [يتُ]، ويُروَى بَيتُ زهُير عَلَى الوَجْهينِ (١): * أَهْوَى لَها أَسْفَعُ الخَدَّينِ ... * ويُروَى: "هوَى" (٢)، وَقَال طَرَفَةُ (٣): وَأَهْوَى بِأَبْيَضِ ذِي رَوْنَقٍ ... خَشِيب يُرِيدُ بِهِ مَفْرِقِي وَقَال بَعضُهُم: هَوَى يَهْوي هُويًّا: إِذَا صَعَدَ، وهوَيًّا: إِذَا هبَطَ، وَقَال بَعضُهُم: الهويُّ والهُويُّ سَوَاءٌ، وأَمَّا قَوْلُهُم: جَلَسْنَا هويًّا مِنَ اللَّيلِ مَفْتُوْحُ الهاءِ لَا غَيرُ. [وَضْعُ اليَدَينِ إحدَاهُمَا عَلَى الأخرَى في الصَّلاةِ] - قَوْلُهُ: "فَإذَا لَمْ تَسْتَحِي فَاصْنع مَا شِئتَ" [٤٦] فِيه وَجْهانِ: - أحَدُهُمَا: أَنْ يَكُوْنَ أَمرًا مَحْضًا، وَهُوَ تأْويلٌ كَانْ يَذْهبُ إِلَيهِ جَرِيرُ بنُ عَبْدِ الحَمِيدِ (٤) -فِيمَا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيدٍ (٥) -. قَال: مَعنَاهُ: أَنْ يُرِيدَ الرجُلُ أَنْ يَعمَلَ

стр. 287

الخَيرَ فَيَدَعَهُ حَيَاءَ مِنَ النَّاسِ، كَأَنَّه يَخَافُ مَذْهب الرِّيَاءِ فَيقُوْلُ: فَلَا يَمنَعُكَ الحَيَاءُ مِنَ المُضِيِّ لِمَا أَرَدْتَ. قَال أَبُو عُبَيدٍ: والَّذِي ذَهبَ إِلَيهِ جَرِيرٌ مَعنًى صَحِيحٌ، وَهُوَ شَبِيهٌ بالحَدِيثِ الآخرِ: "إِذَا جَاءَكَ الشَّيطَانُ وأنْتَ تُصَلِّي فَقَال: إِنَّكَ تُرَائي فَزِدها طُوْلًا"، وَكَذلِكَ قَال الحَسَنُ: مَا أَحَدٌ أَرَانِي شَيئًا مِنَ الخَيرِ إلَّا سَارَ في قَلْبِهِ سَوْرَتَانِ فَإِذَا كَانَتِ الأوْلَى مِنْهُمَا للهِ فَلَا تَهِيدَنَّهُ الآخِرَةِ. أَي: لَا تَصْرِفَنَّهُ عَنْ مَا هُوَ فِيهِ، فَهذَا وَجْهٌ. - والوَجْهُ الآخِرُ: أَنْ يَكُوْنَ خَرَجَ مَخْرَجَ الأمرِ وَمَعنَاهُ الخَبَرُ والشَّرطُ، والمُرَادُ مِنْ لَمْ يَسْتَحيي صَنَعَ مَا شَاءَ، كَمَا قَال ﷺ : "مِنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيتبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النار" إِنَّمَا المَعْنَى: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا تَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ فَهُوَ خَبَرٌ وجَزَاءٌ وَرَدَ بِلَفْظِ الأمرِ، وَكَذلِكَ الأمرُ يَرِدُ بلَفْظِ الخَبَرِ في قَوْلهِ [تَعَالى] (١): ﴿يُرضعنَ أَولَادَهُنّ﴾ فَكَذلِكَ هذَا. وَمِنَ الأمرِ الَّذِي مَعنَاهُ الخَبَرُ والشَّرطُ قَوْلُهُ [تَعَالى] (٢): ﴿قُل أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرهًا﴾ مَعنَاهُ: إِنْ أَنْفَقْتم لَمْ يُقْبَلْ مِنكم، وَمِنْهُ قَوْلُ كُثيرٍ (٣): أَسِيئي بِنَا أَوْ أحسِنِي لا مَلُوْمَةٌ ... لَدَينَا ولا مَقْلِيّةٌ إِنْ تَقَلَّتِ لَمْ يَأْمُرَها بِالإسَاءَةِ إِلَيهِ والإحسَانِ، وإِنَّمَا أَخْبَرَ أنها إِنْ أَسَاءَتْ أَوْ أحسَنَتْ لَمْ يَلمها عَلَى فِعلِهِ.

стр. 288

- و"الاسْتِيناءُ": التّأخُّرُ، يُرِيدُ تأْخِيرِهِ إِلَى الوَقْتِ الَّذِي يَحِلُّ فيه الأكْلُ. - و"ينْمِي ذلِكَ" [٤٧]. أَي: يَرفَعُ، يُقَالُ: نَمَيتُ الحَدِيثَ: إِذَا حَدَّثْتَ بِهِ (١) عَلَى جِهةِ الخَيرِ والصَّلاحِ ونَمَّيتُهُ: إِذَا حَدَّثْتَ بِهِ عَلَى جِهةِ الشَّرِ والفَسَادِ، ونَمَى الخَيرُ إِلَينَا: إِذَا طَرَأ. قَال الشَاعِرُ (٢): ألم يَأْتِيكَ وَالأنْبَاءُ تَنْمِي ... بِمَا لاقَتْ لَبُوْنُ بني زِيَادِ [القُنُوْتُ في الصّبح] القُنُوْتُ: لَفْظَةٌ تُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ يَرجِعُ جَمِيعِها إِلَى أَصلٍ وَاحِدٍ. فالقُنُوْتُ: القِيَامُ، وَمِنْهُ: "أفْضَلُ الصَّلاةِ طُوْلُ القُنُوت". والقُنُوْتُ: الصَّلاةُ، ومِنْهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (٣): ﴿أمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ أَي: أَمَّنْ هُوَ مُصَلٍّ، فَسَمَّى الصَلاةَ قُنُوْتًا لِمَا فِيها مِنَ القِيَامِ، ومِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ : "مَثَلُ المُجَاهِدِ في سَبِيلِ الله كمَثَلِ القَانِتِ الصَّائِمِ" يعنِي: المُصَلَّى، والقُنُوْتُ: الدُّعَاءُ في الصَّلاةِ سُمِّيَ بِذلِكَ؛

стр. 289

لأنَّه في القِيَامِ يَكُوْنُ. والقُنُوْتُ: الإمسَاكُ عَنِ الكَلامِ، ومِنْهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (١): ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾، والقُنُوْتُ: الطَّاعَةُ والإقْرَارُ بالعُبُوْدِيّة، وَمِنْهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (٢): ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦)﴾. وقَد قِيلَ في قَوْلهِ: ﴿قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ مُطِيعِينَ. - قَوْلُهُ: "ونَخلَعُ ونَتْرُكُ مَنْ يكفُرُكَ" كَذَا وَرَدَتِ الروَايَةُ عَلَى إِعمَالِ الفِعلِ الثانِي وَهُوَ "نَتْرُكُ" وَتَعلِيقُ الأوَّلِ، فَإِن أعمَلْتَ الأوَّلَ قُلْتَ: ونَخْلَعُ ونَتْرُكُهُ مَنْ يَكْفُرُكَ. - قَوْلُهُ: "وَإلَيكَ نَسْعَى ونحفِدُ". قَدْ تَقَدَّمَ السَّعيُ. والحَفْدُ: هُوَ التَّصَرُّفُ في الخِدمَةِ، يُقَالُ: حَفَدَ يَحفِدُ فَهُوَ حَافِدُ: إِذَا خَدَمَ وتَصَرَّفَ بجدٍّ، ومِنْهُ قِيلَ لِلأعوَانِ: حَفَدَةٌ، وَاحِدُهُم حَافِدٌ مِثْلُ كَافِرٍ وَكَفَرَةٍ وَسَاحِر وسَحَرة [ ......... ] (٣) ويُقَالُ لأوْلادِ البنِينِ حَفَدة؛ لأنَّ بَعضُهُم يَحْفِدُ بَعضًا، ويُقَالُ: حَفَدَ البَعِيرُ يَحْفِدُ: إِذَا أَسْرَعَ، وأَحفَدَهُ رَاكِبُه (٤). و"الجِدُّ": ضِدُّ الهزْلِ، أَي: نَخَافُ عَذَابَكَ الحَقَّ الَّذِي لَا مِريَةَ فِيهِ والعَرَبُ تُسَمِّي مَا لا بُدَّ مِنْهُ وَلَا شَكَّ فِيهِ جِدًّا، فَعَذَابُ اللهِ لَا يَمتَرِي فِيهِ إلَّا الكُفَّارُ، قَال الرَّاجِزُ (٥):

стр. 290

إني إذَا مَا الأمرُ كَانَ جِدّا وَلَم أَجِدْ مِنْ اقْتِحَامٍ بُدّا لاقِي العِدَى في حَيَّةٍ عِرْبَدّا و"مُلْحِقٌ" بِكَسْرِ الحَاءِ، كَذَا الرِّوَايَةُ، وَهُوَ مَعْنَى لاحقٍ، يُقَالُ: لَحِقْتُهُ وأَلْحَقْتُهُ: إِذَا أَدرَكْتُهُ بِمَعَنى (١). ويَجُوْزُ مُلْحَقٌ -بِفَتْحِ الحَاءِ- عَلَى مَعْنَى إِنَّ الله أَلْحَقَهُ بِهِم فالله مُلْحِقٌ وَالعَذَابُ مُلْحَقٌ (٢).

стр. 291

[العَمَلُ في جَامِعِ الصَّلاةِ] - قَوْلُهُ: "وَأسْوَأ السَّرِقَةِ" [٧٢]. مَنْ فَتَحَ الرَّاءِ جَعَلَهُ جَمعَ سَارِقٍ كَكَافِر وَكَفَرَةٍ، وَمَنْ رَوَاهُ بِكَسْرِ الرَّاءِ لَمْ تَصِحَّ رِوَايَتُهُ إلَّا عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، كَأَنَّه قَال: سَرِقَةُ الَّذِي، فَيَكُوْنُ نحوًا مِنْ قَوْلهِ [تَعَالى] (١): ﴿الحجُّ أَشهُرٌ معلُومَاتٌ﴾ أَرَادَ: حَجَّ أَشْهرٍ، أَوْ أَشْهُرُ الحَجِّ أَشْهُرٌ، وأَنْشَدَ سِيبَويهِ (٢):

стр. 292

وَشَرُّ المَنَايَا مَيِّتٌ بَينَ أَهْلِهِ ... كَهُلْكِ الفَتَى قَد أَسْلَمَ الحَيَّ حَاضِرُهْ أَرَادَ: مِيتَةَ مَيِّتٍ. - وَقَوْلُهُ: "اجْعَلُوا مِنْ صَلاتكُم فِي بيوتكُم" [٧٣]. مَنْ قال: إِنَّه أَرَادَ الفَرِيضَةَ فَـ "مِنْ" للتَّبْعِيضِ لَا يَجُوْزُ غَيرَ ذلِكَ. وَمَنْ قَال: أَرَادَ النَّوَافِلَ جَازَ أنْ تكوْنَ زَائِدَةً، وَجَازَ أَنْ تكوْنَ لِلْتَّبْعِيضِ. -[أوْمأ] [٧٤]. وَيُقَالُ: أَوْمَأ وَأَوْمَى لُغَتَانِ، ويُقَالُ: وَمَأو وَمَى ثُلاثيان (١). وَقَد حُكِيَ: أَوْبَأَ بالبَاءِ بِوَاحِدَةٍ، وَقَال بعضُهُم: أَوْمَأ -بالمِيمِ-: إِذَا أَشَارَ إِلَى قُدَّامٍ، وَأَوْبَأَ: إِذَا أَشَارَ إِلَى خَلْفٍ، قَال الفَرَزْدَقُ (٢): تَرَى النَّاسَ مَا سِرنَا يِسِيرُوْنَ خَلْفَنَا ... وَإِنْ نَحْنُ أَوْبَأنَا إِلَى النَّاسِ وَقَّفُوا [أأُصَلِّي فِي عَطَنِ الإبِلِ] [٧٩]. عَطَنُ الإبِلِ: مَبْرَكُها بِقربِ المَاءِ، وَهُوَ المَعطِنُ بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الطَّاءِ.

стр. 293

وَ"مُرَاحُ الغَنَمِ" وَالإبِلِ: المَوْضِعُ الَّذِي تَرُوْحُ إِلَيهِ بالعَشِيِّ عِنْدَ رُجُوْعِهَا مِنَ المَرْعَى. [جَامِعُ الصَّلاةِ] - وقوله: "يتعاقبون فِيكُمْ مَلائِكَة" [٨٢]. كَذَا يَرْويهِ المُحَدِّثُوْنَ (١)، وَهِيَ لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ، يُلْحِقُوْنَ الفِعْلَ عَلامَةَ التَّثْنِيّةِ وَالجَمْعِ إِذَا تَقَدَّمَ عَلَى الفَاعِلِ كَمَا يُلْحِقُوْنَهُ عَلامَةَ التّأنِيثِ، واللُّغَةُ الفَصِيحَةُ الإفْرَادُ. وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُ العُلَمَاءِ قَوْلَهُ تَعَالى (٢): ﴿وَأَسَرُّوْا النَّجْوَى [الذِينَ ظَلمُوا]﴾ عَلَى هَذهِ اللُّغَةِ، وأَنْشَدُوا: عَلَى ذلِكَ (٣):

стр. 294

يَلُوْمُوْنَنِي في اشْتِرَاءِ النَّخِـ ... ـيلِ أَهْلِي وَكُلُّهمُ يَعْذِلُ والتَّعَاقبُ والمُعَاقَبَةُ: المُدَاوَلَةُ. -[مُرُوا أَبَا بكرٍ فَلْيُصَلِّ للنَّاسِ] [٨٣]. وَقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في هَذِهِ اللَّامِ الَّتي في قَوْلهِ: "فَلْيُصَلِّ للنَّاسِ". - وَقَوْلُهُ: "بمنَ ظَهْرَانَي" [٨٤]. هَذَا الكَلامُ أَكْثَرُ مَا تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ بالتَّثْنِيَةِ فَيَقُوْلُوْنَ: فُلانٌ بَينَ ظَهْرِي النَّاسِ وبَينَ ظَهْرَانَيهِمْ بِنُوْنٍ مَفْتُوْحَةٍ، وإِنَّمَا خَصُّوا الظَّهْرَ دُوْنَ البَطْنِ؛ لأنَّ الظَّهْرَ: المَعُوْنَةَ، يُقَالُ: فُلانٌ يَأْوي إِلَى ظَهْرٍ أَي: إِلَى أَعْوَانٍ وأَنْصَارٍ؛ لأنَّ المَعُوْنَةَ تَكُوْنُ بالنُّفُوْسِ والأمْوَالِ. -[اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبري وَثَنًا يُعْبدَ] [٨٥]. الوَثَنُ: الصَنَمُ، والجَمْعُ: أَوْثَانٌ، [وَوُثُنٌ] وَوُثْنٌ كَأَسَدٍ وآسَادَ [وأُسُدٍ] وأُسْدٍ، وتهْمَزُ الوَاوُ أَيضًا؛ لانْضِمَامِهَا فَيُقَالُ: أُثُنٌ، قَرَأ بَعْضُ القُرَّاءِ (١): ﴿إِنْ يَعْبُدُوْنَ مِنْ دُونِ اللهِ إِلَّا أُثُنًا﴾.

стр. 295

- وَقَوْلُهُ: "رَأَى رَسُوْلُ الله ﷺ مُستلْقِيًا في المَسْجِدِ" [٨٧]. كَذَا رَوَاهُ أَهْلُ الحَدِيثِ، وأَنْكرَهُ بَعْضُ النَّحْويِّينَ، وَقَال: إِنَّمَا يُقَال: اسْنَلْقَى إِذَا رَقَدَ عَلَى قَفَاه، وَلَا يُقَالُ: اسْتَلْقَى، ومَنْ قَالهُ فَالوَجْهُ فيه أَنْ يَكُوْنَ بِمَعْنَى أَلْقَى، ومَجِيءُ اسْتَفْعَلِ بِمَعْنَى أَفْعَلَ عَزِيزٌ لَمْ يَرِدْ إِلَّا في أَلْفَاظٍ نَادِرَةٍ مِنْهَا قَوْلُهُ (١): ﴿استَوْقَدَ نَارًا﴾، وَمِنْهَا قَوْلُ كَعْبٍ الغَنَويِّ (٢): * وَدَاعٍ دَعَا ...... ... ......... البيت * أَرَادَ: فَلَمْ يُجِبْهُ.

стр. 296

- قَوْلُهُ: "يُبَدُّوْنَ [فيهِ أهْوَاءَهُمْ قَبلَ] أَعْمَالِهِمْ" [٨٨]. كَذَا الرِّوَايَةُ بِغَيرِ هَمْزٍ، والقِيَاسُ: يُبَدِّؤُونَ -بالهَمْزِ- ولكِنَّهُ جَاءَ عَلَى لُغَةِ مَنْ يُبْدِلُ الهَمْزَةَ يَاءً مَحْضَةً، فَيَقُوْلُوْنَ في قَرَأْتُ: قَرَيتُ، وَفِي أَخْطَأتُ: أَخْطَيتُ، وكَثيرٌ مَا يَجِيءُ ذلِكَ في الشِّعْرِ، كَمَا قَال زُهَيرُ (١): جَرِيءٌ مَتَى يُظْلَمْ يُعَاقِبْ بِظُلْمِهِ ... سَرِيعًا وإِلَّا يُبْدَ بالظُّلْمِ يَظْلِمِ -[وَقَوْلُهُ]: "تُرَوْنَ ذلِكَ يُبْقِي" [٩١]. بِضَمِّ التَّاءِ من "تُرَوْنَ" والرِّوَايَةُ: "يُبْقِي" باليَاءِ باثْنَتينِ أَي: يَتْرَكَ ويُرْوَى: "يَبْقَى" بِفَتْحِ اليَاءِ. -[وَقَوْلُهُ: كَمَثَلِ نَهْرِ غَمْرٍ عَذْبٍ]. الغَمْرُ: المَاءُ الكَثِيرُ الَّذِي يَغْمُرُ مَنْ دَخَلَ فِيهِ، أَي يُغَطِّيهِ. - و"الدَّرَنُ": الوَسَخُ. -[وَقَوْلُهُ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ أنْ يَلْغَطَ] [٩٣]. اللَّغْطُ واللَّغَطُ: الكَلامُ المُخْتَلِطُ. يُقَال: لَغَطَ القَوْمُ وأَلْغَطُوا (٢). ومِنْ كَلامِهِم (٣): "الغَلَطُ تَحْتَ اللَّغَطِ" وَهُوَ مأخُوْذٌ مِن قَوْلهِمْ: لَغَطَ القَطَا وألْغَطَ: إِذَا صَاحَ وجَلَبَ، قَال الرَّاجِزُ (٤): وَمَنْهَلٍ وَرَدْتُهُ التِقَاطَا لَمْ أَلْقَ إِذْ وَرَدْتُهُ فُرَّاطا

стр. 297

إِلَّا الحَمَامَ الوُرْقَ والغَطَاطَا فَهُنَّ يُلْغَطْنَ بِهِ إِلْغَاطَا وَمَعْنَى التِقَاطًا: فُجَاءَةٌ. والفُرَّاطُ: القَوْمُ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ إِلَى المَاءِ. والوُرْقُ: الغُبْرُ الألْوَانِ. والغَطَاطُ: ضَرْبٌ مِنَ القَطَا. [جَامعُ التَّرْغِيبِ فِي الصَّلاةِ] قَوْلُهُ: "ثَائِرُ الرَّأْسِ" [٩٤]. أَي: قَائِمُ الشَّعْرِ غَيرُ مَتَرَجَّلٍ، يُقَالُ: ثَارَ شَعْرُهُ. وَلَيسَ لِطَلْحَةَ بنِ عُبَيدِ الله في "المُوَطَّأ" غَير حَدِيثِ [هَذَا] الثَّائِرِ، وَهُوَ ضِمَامُ بنُ ثَعْلَبَةَ، أَحَدُ بَنِي سَعْدِ بنِ بَكْرٍ (١). - وَقَوْلُهُ: "يَسْألُ عَنِ الإسْلامِ". أَرَادَ: عَنْ فَرَائضِ الإسْلامِ فَحَذَفَ

стр. 298

المُضَافَ وأَقَامَ المُضَافَ إِلَيهِ مَقَامَهُ، دَلِيلُ ذلِكَ قَوْلُهُ فِي الجَوَابِ: "خَمْسُ صَلَواتٍ" وَلَيسَ هَذَا جَوَابُ مَنْ قَال مَا الإسْلامُ؟ إِنَّمَا هُوَ جَوابُ مَنْ قَال: مَا فَرَائِضُ الإسْلامِ؟ . ويُرْوَى: "إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ" بِتَخْفِيفِ الطَّاءِ وَ"تَطَّوَّعَ" بتَشْدِيدِهَا، والأَصْلُ: تَتَطَوَّعُ. فَمَنْ خَفَّفَ حَذَفَ إِحْدَى التَّاءَينِ، ومَنْ شَدَّدَ ادْغَمَ التَّاءَ في الطَّاءِ، وَمِنْهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (١): ﴿الْمُطَّوّعِينَ﴾ وأَصْلُهُ: المُتَطَوِّعِينَ. - وَقَوْلُهُ: "أفْلَحَ": فَازَ بِالبَقَاءِ. - قَوْلُهُ: "قَافِيَةُ الرَّأسِ" [٩٥]: مُؤَخِّرَهُ، سُمِّيَتْ بِذلِكَ؛ لأنَّها تَقْفُو الإنْسَانَ، أي: تَتْبَعُهُ، وَمِنْهُ قَافِيَةُ الشِّعْرِ؛ لأنَّهَا آخِرُ البَيتِ. وأَكْثَرُ العُلَمَاءِ يَتَحَاشَى الكَلامَ في هَذَا الحَدِيثِ، ويَرَى التَّسْلِيمَ لَهُ، ومَجَازُهُ في كَلامِ العَرَبِ أَنَّ العَرَبَ تُسَمِّي الحَبْسَ عَنِ الأمْرِ وَالالْتِوَاءَ تَعْقِيدًا، وكُلُّ شَيءٍ لَوَيتَهُ وخَلَطْتَهُ فَقَدْ عَقَدْتَهُ، وَمِنه عُقَدُ السَّاحِرِ لِمَنْ يَسْحَرَهُ إِنَّمَا هُوَ تَحْبِيسُهُ إِيَّاهُ، وصَرْفُهُ عَمَّا كَانَ يَفْعَلُهُ، وَمِنْهُ تَعْقِيدُ الأيمَانِ، إِنَّمَا هُوَ تَأْكِيدُهَا حَتَّى لَا يَجِدُ الحَالِفُ مِنْهَا مَخْرَجًا إِلَّا بِالكَفَّارةِ. فَمَعْنَى قَوْلهِ: يَعْقِدُ الشَّيطَانُ أَي: يُثَبِّطُهُ ويَحْبِسُهُ، وخَصَّ الثَّلاثَ؛ لأنَّه يَعْقِدُهُ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، وَعَنِ الوَضُوْءِ، وَعَنِ الصَّلاةِ؛ وَلأنَّ الثَّلاثَ تُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في تأْكِيدِ الشَّيءِ وإِثْبَاتِهِ؛ وخَصَّ مُؤَخِّرِ الرَّأْسِ؛ لأنَّه يَكُوْنُ مَوْضِعَ الفِكْرِ وفي [ ... ] (٢) يَكُوْنُ [ ... ] (٢) النِّسْيَان؛ لِأَنَّ الدِّمَاغَ -فِيمَا ذَكَرَ الحُكَمَاءُ-

стр. 299

مَقْسُوْمٌ ثَلاثَةً فَمُقَدَّمُهُ لِلْقُوَّةِ المُتَخَيِّلَةِ، وأَوْسَطُهُ لِلْقُوَّةِ المُفكِّرَةِ، وآخِرُهُ لِلْقُوَّةِ الذَّاكِرَةِ، ونَظِيرُ هَذَا في المَجَازِ قَوْلُهُ ﷺ : "ذَاكَ رَجُلٌ بَال الشَّيطَانُ فِي أُذُنِهِ" ولَيسَ هُنَاكَ بَوْلٌ في الحَقِيقَةِ، ولَكِنْ لَمَّا أَفْسَدَ عَلَيهِ أَمْرَهُ شَبَّه ذلِكَ بالبَوْلِ الَّذِي يَقَعُ في الشَّيءِ فَيُفْسِدَهُ، وخَصَّ الأُذُنَ؛ لأنَّهُ المَوْضِعُ الَّذي يُنَاجَى مِنْهُ الإنْسَانَ حَتَّى يُخْدَعَ عَمَّا يَعْتَقِدُهُ، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ البَولَ بِمَعْنَى الفَسَادِ، قَال الرَّاجِزُ (١): إِذَا رَأَيتَ أَنْجُمًا مِنَ الأسَدْ جَبْهَتَهُ أَو الخَرَاةَ والكَتَدْ بَال سُهَيلٌ فِي الفَضِيخِ فَفَسَدْ وَطَابَ أَلْبَانُ اللَّقَاحِ فَبَرَدْ الفَضِيخُ: شَرَابٌ يُصْنَعُ مِنَ التَّمْرِ (٢)، ويَفْسُدُ عِنْدَ طُلُوْعِ سُهَيلٍ، فَلَمَّا كَانَ سُهَيلٌ يُفْسِدُهُ بِطُلُوعِهِ جَعَلَهُ كَأَنَّهُ قَدْ بَال فِيهِ، وَعَلَى هَذَا المَعْنَى يَتَوَجَّهُ قَوْلُ الفَرَزْدقِ

стр. 300

-فِي بَعْضِ الأقْوَالِ- (١): وإِنَّ الَّذي يَسْعَى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي ... ............... البيت أي يَسْعَى في إِدْخَالِ الفَسَادِ عَلَيهَا. وقِيلَ: مَعْنَاهُ: يَطْلُبُ أَخْذَ بَوْلِهَا، وهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لأنَّ بَوْلَ الأسَدِ يُصْرَفُ في بَعْضِ العِلاجَاتِ؛ لأَنَّ بَعْدَهُ مِنَ الشِّعْرِ مَا يَدُلُّ عَلَيهِ وَهُوَ: وَمِنْ دُوْنِ أَبْوَالِ الأُسُوْدِ بَسَالةٌ ... وَبَسْطَةُ أَيدٍ يَمْنَعُ الضَّيمَ طُوْلُهَا

стр. 301

[كِتَابُ العِيدَينِ] (١) (الأَمْرُ [بالصَّلاةِ] قَبْلَ الخُطْبَةِ في العِيدَينِ) قَال كَثِيرٌ مِنَ اللُّغَويِّين: خَطَبَ عَلَى المِنْبَرِ خُطْبَةً، بِضَمِّ الخَاءِ، والمَرْأةُ خِطْبَةً بِكَسْرِهَا. وَقَال ثَعْلَبٌ (٢): خِطْبَةٌ -بِكَسْرِهَا- المَصْدَرُ، وبِضَمِّهَا: اسمُ مَا يُخْطَبُ بِهِ. وقَالَ ابنُ دُرُسْتَوَيهِ (٣): هُمَا اسْمَانِ لا مَصْدَرَانِ وَلكِنَّهُمَا وُضِعَا مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وَلَوْ اسْتُعْمِلَ مَصْدَرُهُمَا عَلَى القِيَاسِ لَخَرَجَ مَصْدَرُ مَا لَا يَتَعَدَّى فِعْلُهُ مِنْهُمَا عَلَى فُعُوْلٍ -بِضَمِّ الفَاءِ- فَيَقُوْلُ: جَعَلْتُهُ خُطُوْبًا، ومَصْدَرُ المُتَعَدِّي: عَلَى فَعْلٍ فَيُقَالُ: خَطَبَ خَطْبًا، ولكِنْ تُرِكَ اسْتِعْمَالُ ذلِكَ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ وَوُضِعَ غَيرُهُ مَوْضِعَهُ فَأَغْنَى عَنْهُ ولَمْ يَلْتَبِسْ بِشَيءٍ، قَال: والخِطْبُ -بِكَسْرِ الخَاءِ- اسمُ مَا يُخْطُبُ بِهِ في النِّكَاحِ خَاصَّةً، وبالضَمِّ: اسمُ مَا يُخْطَبُ بِهِ في كُلِّ شَيءٍ. ورُويَ عَنْهُ ﵇: إِنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ خُطْبَةَ النِّكاحِ والحَاجَةِ.

стр. 302

رَوَاهُ أَهْلُ الحَدِيثُ بِضَمِّ الخَاءِ. - قَوْلُهُ: "إِنَّ هَذَينِ يَوْمَانِ ... " إِلَى آخِرِ الكَلامِ. [٥]. كَلامٌ فِيهِ حَذْفٌ واخْتِصَارٌ تَقْدِيرُهُ: أَحَدُهُمَا يَوْمُ فِطْرِكُمْ، أَوْ أَوَّلُهُمَا يَوْمُ فِطْرِكُمْ فَحَذَفَ؛ لأنَّ قَوْلَهُ: "والآخَرُ" يَدُلُّ عَلَيهِ؛ لأنَّ الآخَرَ لا يُسْتَعْمَلُ إلَّا بَعْدَ أَوَّلٍ يَتَقدَّمُ ذِكُرُهُ، ألا تَرَى أَنَّكَ لَوْ قُلْتَ: مَرَرْتُ بِرَجُلَينِ زَيدٌ وآخَر عَمْرٌ ولم يَجُزْ إلَّا عَلَى الحَذْفِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وإِنَّمَا الوَجْهُ؛ أَحَدُهُمَا زَيدٌ، والآخَرُ عَمْرٌو، ونَظِيرُهُ قَوْلُ عَبِيدٍ (١): جَعَلَتْ لَهَا عُوْدَينِ مِنْ ... نَشَمٍ وآخَرُ مِنْ ثُمَامَهْ تَقْدِيرُهُ: عُوْدَينِ عُوْدًا مِنْ نَشَمٍ، والآخرَ مِنْ ثُمَامَة؛ لأنَّكَ إِنْ لَمْ تُقَدِّرْهُ كَذَا وَعَطَفْتَ "آخرَ" عَلَى "عُودَينِ" كَانَتِ الأعْوَادُ ثَلاثَةً، وَقَدْ قَال أَصْحَابُ المَعَانِي: إِنَّمَا هُمَا عُوْدَانِ.

стр. 303

وَقَوْلُهُ: "يَوْمٌ تَأكُلُوْنَ". الصَّوَابُ تَنْوينُ "يَوْمٌ"، وَكَذلِكَ رَوَينَاهُ، و"تَأْكُلُوْنَ" في مَوْضِعِ الصِّفَةِ للْيَوْمِ، كَمَا أَنَّ الجُمْلَةَ المَذْكُوْرَةَ بَعْدَ اليَوْمِ في قَوْلِهِ [تَعَالى] (١): ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي ... ﴾ إلى آخِرِهِ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِيَوْمٍ، ومَنْ رَوَى: "يَوْمُ" بِرَفْعِ المِيمِ فَحَذَفَ التَّنْوينَ فَقَدْ أَخْطَأَ؛ لِأَنَّ اليَوْمَ عَلَى هَذه الرِّوَايَةِ يَكُوْنُ مُضَافًا إِلَى الجُمْلَةِ، وَلَا يَجُوْزُ ذلِكَ في هَذَا المَوْضِعِ؛ لِأَنَّ في الجُمْلَةِ ضَمِيرًا يَرْجِعُ إِلَى اليَوْمِ فَإِذَا أَضَافَ اليَوْمَ إِلَى مَا فِيهِ ضَمِيرُهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَال: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ حَسَنٍ وَجْهِهِ، فَأَضَافَ الشَّيءَ إِلى نَفْسِهِ، وَلِهَذَا لَمْ يُجِزِ النَّحْويُّوْنَ: زَيدٌ حَسَنُ العَينِ مِنْهُ، وَأَنكرُوا رِوَايَةَ مَنْ رَوَى بَيتَ طَرَفَةَ (٢): رَحِيبُ قِطَابِ الجَيبِ مِنْهَا رِفِيقةٌ ... بِجَسِّ النَّدّمَى بَضَّةُ المُتَجَرَّدِ بإضَافةِ "رَحِيبٍ" إلى "القِطَابِ" وقَالُوا: الصَّوَابُ: "رَحِيبٌ قِطَابُ الجَيبِ".

стр. 304

[كِتَابُ صَلاةِ الخَوْفِ] (١) [صَلاةُ الخَوْفِ] - قَوْلُهُ: [يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ] [١]. غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ سَنَةَ خَمْسٍ (٢)، ومَعْنَى: "ذَاتِ الرِّقَاعِ "أَنَّه جَبَلٌ فِيهِ أَلْوَانٌ مُخْتَلِفَةٌ حُمْرٌ وسُوْدٌ وبِيضٌ، وبِهِ سُمِّيَ ذَاتَ الرِّقَاعِ، وأنِّثَ عَلَى مَعْنَى الأرْضِ والبُقْعَةِ، أَو الأكَمَةِ أَو الهَضَبَةِ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذلِكَ لِلرَّايَاتِ المُخْتَلِفَةِ الألْوَانِ. وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذلِكَ؛ لأنَّ كَثيرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ مشَوا حَتَّى تَفَطَّرَتْ أَقْدَامُهُم بالدَّمِ، فَكَانُوا يَشُدُّوْنَ عَلَيهَا الخِرَقَ. -[وَقَوْلُهُ]: "صَفَّتْ [طَائِفَةٌ] ". أي: اصْطَفَّتْ، وهَذَا الفِعْلُ أَحَدُ الأَفْعَالِ الَّتِي جَاءَتْ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ قَبْلَ النَّقْلِ وبَعْدَهُ، لِأَنَّه يُقَالُ: صَفَّ القَوْمُ: إِذَا صَارُوا صَفًّا وَصَفَفْتُهُمْ أَنَا أَصُفُّهُمْ، وَلَمْ يَقُوْلُوا: أَصْفَفْتُهُمْ، وَكَذلِكَ صَفَّتِ البُدْنُ والطَّيرُ فَهِيَ صَوَافُّ وصَافَّاتٌ وَصَافَّةٌ. -[وَقَوْلُهُ]: "وُجَاهَ العَدُوِّ": المَكَانُ المُقَابِلُ لِوُجُوْهِهِمْ. يُقَالُ: جَلَسْتُ

стр. 305

وُجَاهَهُ وتُجَاهَهُ ومُوَاجَهَتَهُ. والمُوَاجَهُ مَصْدَرٌ أُجْرِيَ أُجْرَيَ الظُّرُوْفِ، وأَمَّا الوُجَاهُ والتُّجَاهُ فَظَرْفَان صَحِيحَان. - وَقَوْلُهُ: "صَلُّوا رِجَالًا" [٣]. أي: رَجَّالةٌ (١) وَاحِدُهُمْ رَجِلٌ، ويُجْمَعُ عَلَى رِجَالٍ، ورُجَّالٍ، وَرَجْلٍ (٢) ورِجْلَةٍ (٣)، ورَجِلٍ أَيضًا. وبِهِ قَرَأ حَفْصٌ في سوْرَةِ "الإسْرَاءِ" (٤) وَقَالُوا أَيضًا: رِجِلٌ بِكَسْرِ الرَّاءَ والجِيمَ، وقَرَأَ ابنُ أَبِي لَيلَى (٥): ﴿وَرِجْلِكَ﴾ وَقَالُوا أَيضًا للَّذي يَمْشِي عَلَى قَدَمَيهِ رَجُلٌ بِلَفْظِ الرَّجُلِ (٦)

стр. 306

الَّذِي يُرَادُ بِه الإنْسَان، وَبِهِ فُسِّرَ قَوْلُ الهُذَلِيِّ (١): أَقُوْلُ لَمَّا أَتَانِي ثَمَّ مَصْرَعُهُ ... لا يَبْعَدِ الرُّمْحُ ذُو النَّصْلَينِ وَالرَّجُلُ

стр. 307

[كِتَابُ صَلاة الكُسُوْفِ] (١) (العَمَلُ في كُسُوْفِ الشَّمْسِ) الكُسُوْفُ والخُسُوْفُ سَوَاءٌ، وَهُمَا يَكُوْنَانِ في الشَّمْسِ والقَمَرَ جَمِيعًا، وَلَا وَجْهَ لِمَنْ فَرَّقَ بَينَهُمَا فَجَعَلَ أَحَدَهُمَا للشَّمْسِ والآخَرَ للْقَمَرِ، وَقَدْ سَوَّى مَالِكٌ بَينَهُمَا إِذْ جَعَلَ التَّرْجَمَةَ بالكَافِ وخَرَّجَ تَحْتَهَا بالخَاءِ، والاشْتِقَاقُ يُوْجِبُ أَنْ يَكُوْنَ الخُسُوْفُ بالخَاءِ أَشَدُّ مِنَ الكُسُوْفِ؛ لأنَّ الخُسُوْفَ مُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلِهِمْ: خَسَفَتْ عَينُ الرَّجُلِ: إِذَا ذَهَبَ نُوْرُهَا وخَسَفَتْ عَينُ المَاءِ: إِذَا غَارَ مَاؤُهَا، أَوْ سَقَطَتْ جَوَانِبُهَا عَلَى مَائِهَا فَطُمِسَتْ، وانْخَسَفَتْ بِهِمُ الأرْضُ. والكُسُوْفُ مُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلِهِم: بَيتٌ كَاسِفٌ: إِذَا غَيَّرَهُ الدُّخَانُ، وَلَوْنٌ كَاسِفٌ: إِذَا لَمْ يَكُنْ مُشْرِقًا؛ وفُلانٌ كَاسِفُ الوَجْهِ: إِذَا كَانَ عَبُوْسًا، ويَجُوْزُ أَنْ يُجْعَلَ الكُسُوْفُ -بالكَافِ- مِنْ كَسَفْتُ الشَّيءَ: إِذَا قَطَعْتُهُ فَيَكُوْنُ مَعْنَاهُ: إِنَّ نُوْرَهَا اقْتُطِعَ مِنْهَا فَيَكُوْنُ نَحْوًا مِنْ مَعْنَى الخُسُوْفِ عَلَى هَذَا. ويُقَالُ في تَصْرِيفِ الفِعْلِ مِنْهُمَا: خَسَفَتْ تَخْسِفُ وَكَسَفَتْ تَكْسِفُ بِكَسْرِ العَينِ فِيهِمَا في مُسْتَقْبَلِهِمَا، وهَذَانِ مِنَ الأفْعَال الَّتِي إِذَا نُقِلَتْ عَن فَاعِلِهَا لَمْ تَدْخُلْ عَلَيهَا أَدَاةُ النَّقْلِ كَمَا تَدْخُلُ الأفْعَال في قَوْلكَ: دَخَلَ الرَّجُلُ وأَدْخَلْتُهُ، وَلكِنَّكَ تَقُوْلُ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ

стр. 308

وكَسَفَهَا اللهُ وخَسَفَتْ وَخَسَفَهَا اللهُ، كَمَا تَقُوْلُ: هَجَمْتُ عَلَى العَدُوِّ وهَجَّمْتُ غَيرِي، ولِهَذَا جَازَ أَنْ يُقَال في حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ : لَا يَخْسِفَانَ ولا يُخْسَفَان، ولِذلِكَ قَالُوا: شَمْسٌ كَاسِفَةٌ ومَكْسُوْفَةٌ وخَاسِفَةٌ ومَخْسُوْفَةٌ، قَال جَرِيرٌ (١): * الشَّمْسُ طَالِعَةٌ لَيسَتْ بِكَاسِفَةٍ * - وَقَوْلُهُ: "مَا مِنْ أحَدٍ أغيَرُ مِنَ اللهِ". يَجُوْزُ فِي "أَغْيَرُ" الرَّفْعُ والنَّصْبُ فَإِنْ جَعَلْتَ "مَا" تَمِيمِيَّةً رَفَعْتَ، وإِنْ جَعَلْتَهَا حِجَايَّةً نَصَبْتَ وَ"مِنْ" زَائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ في الوَجْهَينِ. ويَجُوْزُ إِذَا فَتَحْتَ الرَّاءَ مِنْ "أَغْيَر" أَنْ تَكُوْن في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى الصِّفَة لـ"أَحَدٍ" على اللَّفْظِ، وكذلِكَ يَجُوزُ إِذَا رَفَعْتَ الرَّاءَ مِنْ "أَغَيرُ" أَنْ تَكُوْنَ

стр. 309

صِفَةً لِـ"أَحَدٍ" عَلَى المَوْضِعِ، والخَبَرُ في الوَجْهَينِ مَحْذُوْفٌ كَأَنَّه قَال: مَا أَحَدٌ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ مَوْجُوْدًا، وَ"مَا" مَحْمُوْلَةٌ عَلَى اللُّغَتينِ المَذْكُوْرَتَينِ. - وَ [قَوْلُهُ]: "تَكَعْكَعْتُ" [٢]. يَعْنِي: تَأَخَّرْتُ، مِنْ قَوْلهِمْ: كَعَّ وَتَكَعْكَعَ وَكَاعَ: إِذَا ارْتَدَعَ عَنِ الشَّيءِ وَجَبُنَ عَنْه. وأَنكرَ الأَصْمَعِيُّ كَاعَ، وَحَكَاهُ غَيرُهُ. قَوْلُهُ: "فَلَمْ أرَ كَاليَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ": كَلامٌ تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ فَيَقُوْلُوْنَ: مَا رَأَيتُ -كَاليَوْمِ- رَجُلًا، والرَّجُلُ والمَنْظَرُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُشَبَّهَا باليَوْمِ، والنَّحْويُّون يَقُوْلُوْنَ: مَا رَأَيتُ كَرَجُلِ أَرَاهُ اليَوْمِ رَجُلًا، وكَذلِكَ: فَلَمْ أَرَ كَمَنْظَرٍ رَأَيتُهُ اليَوْمَ مَنْظَرًا وتَلْخِيصُهُ: مَا رَأَيتُ كَرِجُلِ اليَومِ رَجُلًا وكَمَنْظَرِ اليَوْمِ مَنْظَرًا فَحَذَفَ المُضَافَ وأَقَامَ المُضَافَ إِلَيهِ مَقَامَهِ، وجَازَتْ إِضَافَةُ الرَّجُلِ والمَنْظَرِ إِلَى اليَوْمِ لِوَقُوعِهِمَا فِيهِ كَمَا يُضَافُ الشَّيءُ إِلَى مَا يَلْتَبِسُ بِهِ ويَتَّصِلُ، ومِنْة قَوْلُ جَرِيرٍ (١): يَا صَاحِبَيَّ دَنَا الرَّحِيلُ فَسِيرًا ... لا كَالعَشِيَّةِ زَائِرًا وَمَزُوْرِا أَرَادَ: لَا أَرَى زَائِرًا ومَزُوْرًا كَزَائِرِ ومَزُورَيهِمَا (٢) العَشِيَّةَ. وفي المَنْظَرِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تُريدَ المَكَانَ المَنْظُوْرَ إِلَيهِ. والثَّانِي: أَنْ تُرِيدَ الشَّيءَ المَنْظُوْرَ إليه، فَيَكُوْنُ مِن المَصَادِرِ الَّتي تُوْضَعُ

стр. 310

مَوْضِعَ المَفْعُوْلاتِ، كَقَوْلهِمْ: دِرْهَمٌ ضَرْبُ الأمَيرِ، وَثَوْبٌ نَسْجُ اليَمَنِ. - قَوْلُهُ: "فَرَأيتُ أَكْثَرَ أهْلِهَا النِّسَاءَ" [٢٤]. هَذِهِ حُجَّةُ مَنْ يَرَى الرُّؤْيَةَ -ههنَا- رُؤْيَةَ عِلْمٍ؛ لأنَّه عَدَّى الرُّؤْيَةَ إلى مَفْعُوْلَينِ، وَرُؤْيَةُ العَينِ إِنَّمَا تَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُوْلٍ وَاحِدٍ، والَّذِي عَلَيهِ مَشْيَخَةُ أَهْلِ السَّنة أَنَّهَا رُؤْيَةُ عَينٍ. فَإِنْ قِيلَ: كَيفَ يَصِحُّ ذلِكَ، والكَلامُ لَا يَصِحُّ بِذِكْرِ المَفْعُوْلِ [الأوَّلِ] دُوْنَ الثَّانِي؟ فَفِي ذلِكَ وَجْهَانِ: أحَدُهُمَا: أَنْ تَكُوْنَ الرُّؤْيَةُ ههُنَا بِمَعْنَى الظَّنِّ وَالحُسْبَانِ لَا بِمَعْنَى العِلْمِ؛ لِأَنَّ رُؤْيَةَ القَلْبِ تَنْقَسِمُ ثَلاثَةَ أَقْسَامٍ؛ تَكُوْنُ بِمَعْنَى العِلْمِ، وتَكُوْنُ بِمَعْنَى الظَّنِّ والحُسْبَانِ فَتَعَدَّى في هَذَينِ الوَجْهَينِ إِلَى مَفْعُوْلَينِ، ويَكُوْنُ بِمَعْنَى الاعْتِقَادِ فَتَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُوْلٍ وَاحِدٍ، والشَّاهِدُ عَلَى ذلِكَ قَوْلُهُ [تَعَالى] (١): ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ... ﴾ الآية، أَي: يَظُنُّونَهُ بَعِيدًا وَنَعْلَمُهُ قَرِيبًا، والرُّؤْيَةُ الَّتِي بِمَعْنَى الاعْتِقَادِ قَوْلُكَ: فُلانٌ يَرَى رَأْيَ مَالِكٍ، أَوْ رَأَيَ أَبِي حَنِيفَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ السَّمَوْأَلِ (٢): وَإِنَّا لَقَوْمٌ مَا نَرَى القَتْلَ سُبَّةً ... إِذَا مَا رَأَتْهُ عَامِرٌ وَسَلُوْلُ تأوَّلَهُ ابنُ جِنِّي (٣) عَلَى مَعْنَى الاعْتِقَادِ؛ [إِذْ] إِنَّ العِلْمَ لَا يَخْتَلِفُ، إِنَّمَا تَخْتَلِفُ

стр. 311

الاعتِقَادَاتُ و"سُبَّةً" عَلَى هَذَا حَالٌ لا مَفْعُوْلٌ ثَانٍ. ونَحْنُ نَتَأَوَّلُهُ عَلَى مَعْنَى الظَّنِّ، ونَجْعَلُ "سُبَّةً" مَفْعُوْلًا ثَانِيًا، ومَفْعُوْلُ الرُّؤْيَةِ الثَّانِيَةِ مَحْذُوْفٌ؛ لِدِلالةِ الأُوْلَى عَلَيهِ، كَأَنَّهُ قَال: إِذَا مَا رَأَتْهُ عَامِرٌ وَسَلُوْلٌ سُبَّةً. والظَنُّ لائِقٌ بحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ جِدًّا، كَأَنَّهُ قَال: فَظَنَنْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ لِكَثرةِ مَا رَأَيتُ فِيهَا مِنْهُنَّ، وهَذَا أَحَدُ الوجْهَينِ. والثَّانِي: أَنْ يَكُوْنَ رُؤْيَةَ عَينٍ، وتَجْعَلُ "النِّسَاءَ" بَدَلًا مِنْ "أَكْثَر" فَيَكُوْنَ كقَوْلِكَ: رَأَيتُ أَخَاكَ زَيدًا وأَنْتَ تُرِيدُ رُؤْيَةَ عَينٍ، أَلا تَرَى أَنَّ قَوْلَكَ رَأَيتُ أَخَاكَ لَا يَتِمُّ إِلَّا إِذَا كَانَ لِلْمُخَاطَبِ أَخَوَانِ حَتَّى تَقُوْلَ زَيدًا أَوْ عَمْرًا ونَحْوَ ذلِكَ، وكَذلِكَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ زَيدٍ، فالبَدَلُ يَحْتاجُ إِلَى المُبْدَلِ مِنْهُ كَاحْتِيَاجِ المَفْعُوْلِ الأوَّلِ إِلَى الثَّانِي فِيمَا يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُوْلَينِ. وأَمَّا رِوَايَةَ يَحْيَى: "ويَكْفُرْنَ العَشِيرَ" بوَاوٍ، فَإِنَّهُ أَثْبَتُ لَهُنَّ الكُفْرَينِ، كُفْرَ العَشِيرِ، وكُفْرَ اللهِ، وذلِكَ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفٍ تَقْدِيرُهُ: يَكْفُرْنَ بِاللهِ ويَكْفُرْنَ

стр. 312

بالعَشِيرِ، والعَرَبُ تَحْذِفُ المَعْطُوْفَ عَلَيهِ اخْتِصَارًا: إِذَا كَانَ فِي اللَّفْظِ دَلِيلٌ عَلَيهِ كَقَوْلِ القَائِلِ لِصَاحِبِهِ: مَرْحَبًا فَيقُوْلُ الآخَرُ: بِكَ وأَهْلًا وَسَهْلًا، يُرِيدُ: وَبِكَ مَرْحَبًا وأَهْلًا؛ لَكِنَّهُ حَذَفَ المُوْجِبَ لِتَقَدُّمِهِ في كَلامِ مَنْ تُخَاطِبُ. وأَمَّا رِوَايَةُ غَيرِ يَحْيَى فَبِغَيرِ وَاوٍ. والعَشِيرُ -هُنَا-: الزَّوْجُ، وَكُلُّ مَنْ يُعاشِرُكَ فَهُوَ عَشِيرٌ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُوْنَ العَشِيرُ فَعِيلًا بِمَعْنَى مُفَاعِلَ بِعَينٍ مَفْتُوْحَةٍ وَمَكْسُوْرَةٍ؛ لأنَّ المُعَاشَرَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا مِنْ اثْنَينِ كَجَلِيسٍ وأَكِيلٍ وشَرِيبٍ، ومِنْهُ قَوْلُهُ [تَعَالى] (١): ﴿حَسِيبًا﴾ أَي: مُحَاسِبًا. - وَقَوْلُهُ: "عَائِذًا باللهِ" [٣]. في نَصْبِهِ ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُوْنَ مَنْصُوْبًا عَلَى الحَالِ المُؤَكِّدَةِ النَّائِبَةِ مَنَابَ المَصْدَرِ السَّادَةِ مَسَدَّهُ، والعَامِلُ فِيه مَحْذُوْف كَأَنَّهُ قَال: أَعُوْذُ باللهِ عَائِذًا؛ وَلَمْ يَذْكُرِ الفِعْلَ؛ لأنَّ الحَال نَائِبَةٌ عَنْهُ. والثَّانِي: أَنْ يَكُوْنَ مَصْدَرًا جَاءَ عَلَى مِثَالِ فَاعِلٍ كَقَوْلهِمْ: عُوفِيَ عَافِيَةً وفُلِجَ فَالِجًا، والأوَّلُ مَذْهَبُ سِيبَوَيهِ (٢)، والثَّانِي: مَذْهَبُ المُبَرَّدِ. والقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنه انْتَصَبَ لِوُقُوْعِهِ مَوْقعَ الفِعْلِ المُضَارعِ، وَهُوَ رَأْيُ بَعْضِ الكُوْفِيِّيِّنِ، زَعَمَ أَنَّ وُقُوع اسمِ الفَاعِلِ مَوْقعَ الفِعْلِ المُضَارعِ يُوْجِبُ لَهُ النَّصْبَ، كَمَا أَنَّ وُقُوْعَ المُضَارعِ مَوْقعَ اسمِ الفَاعِل يُوْجبَ لَهُ الرَّفْعُ، وعَلَى هَذَا كَانَ يَتأوَّلُ قَوْلَهُ تَعَالى (٣): ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ وَذَكَرَ سِيبَوَيهِ أَنَّ مِنَ

стр. 313

العَرَبِ مَنْ يَرْفَعُ فَيَقُوْلُ: عَائِذٌ باللهِ عَلَى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، كَأَنَّهُ قَال: أَنَا عَائِذٌ، وبالنَّصْبِ الرِّوَايَةُ في "المُوَطَّأ" وهُوَ الأكْثَرُ في اللِّسَانِ [ ... ] (١). [مَا جَاءَ في صَلاةِ الكُسُوْفِ] - قَوْلُ أسْمَاء: "فَقُلْتُ: آيةٌ؟ " [٤]. الرِّوَايَةُ بالرَّفْعِ عَلَى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ كَأَنَّهُ قَال: هَذِهِ آيةٌ، وبالنَّصْبِ عَلَى مَعْنَى أَرَى آيةً، لَوْ رُويَ. - وَقَوْلُهَا (٢): "أنْ نَعَمْ" [٤]. "أَنَّ" هَذَا هِيَ الَّتِي تُسَمَّى العَبَّارَةَ (٣)، تُفَسِّرُ مَا قَبْلَهَا وتُعَبِّرُ عَنِ المَعْنَى الَّذِي قُصِدَ بِهِ كَقَوْلهِ تَعَالى (٤): ﴿أَنِ امْشُوا﴾ وَلَا تَقَعُ "أَنْ" هَذِهِ إلَّا بَعْدَ كَلامٍ مَعْنَاهُ كَمَعْنَى القَوْلِ؛ لأنَّ إِشَارَتَها بِرَأسِهَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلهَا: نَعَمْ، وَكَذلِكَ انْطِلاقِهِمْ فِيهِ بمَعْنَى أَنَّهُمْ قَال بَعْضُهُم لِبَعْضٍ: امْشُوا، وأَهْلُ الكُوْفَةِ لَا يَعْرِفُوْنَ "أَنْ" هَذِهِ ويُقَدِّرُونَ مَعَهَا حَرْف جَرٍّ كَأَنَّه قَال: بِأَنْ امْشُوا، وبِأَنْ نَعَمْ، وَلَا مَوْضِعَ لَهَا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ. وَ [قَوْلُهَا: "حَتَّى تَجَلَّانِي الغَشْيُ "]. أصْلُ "تَجَلَّانِي" تَجَلَّلَنِي بِثَلاثِ

стр. 314

لامَات فَاسْتُثْقِلَ اجْتِمَاعُهُنَّ فَأبْدَلَ من اللَّامِ الثَّالِثةِ يَاءً وانْقَلَبَتْ أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا كَتَظَنّى وتَسَنَّى، والأصْلُ: تَضَنَّنَ وتَسَنَّنَ. و"الغَشْيُ" سَاكِنُ الشّينِ، مَصْدَرُ غُشِيَ عَلَيهِ، وَكَانَ قِيَاسُ هَذِهِ الكَلِمَةِ: غَشْوٌ؛ لأنَّ أَصْلَ اليَاءِ في غَشِيَ واوٌ فَأُبْدِلَتْ لانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا فَكَانَ يَنْبَغِي لَمَّا ذَهَبَتِ العِلَّةُ أَنْ تُرَدَّ إلى أَصْلِهِ كَمَا تَقُوْلُ: غُزِيَ غَزْوًا، غَيرَ أَنَّهُمْ جَعَلُوْهُ مِنَ البَدَلِ اللَّازِمِ مَعَ ذَهَابِ العِلَّةِ المُوْجِبَةِ لَهُ كَقَوْلهِم: عِيدٌ وأَعْيَادٌ، ورِيحٌ أَرْياحٌ في لُغةِ بني أَسَدٍ، والفُقَهَاءُ يَرْوُوْنَهُ: الغَشِيَّ بِكَسرِ الشِّينِ وتَشْدِيدِ اليَاءِ؛ فإِنْ كَانَ مَحْفُوْظًا مِن وَجْهٍ صَحِيحٍ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُوْنَ مَصْدَرًا جَاءَ عَلى فَعِيلٍ كَالنَّذِيرِ والنَّكِيرِ، وأَكْثَرُ مَا يَأْتِي هَذَا النَّوعُ مِنَ المَصَادِرِ في الأَصْوَاتِ كَالنَّهِيقِ والصَّهِيلِ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُوْنَ فَعِيلًا بِمَعْنَى فَاعِلٍ كَعَلِيمٍ بِمَعْنَى عَالِمٍ، كَأَنَّها أَرَادَتْ بالغَشْيِ الغَاشِي، ولا أَحْفَظُهُ إلَّا سَاكنَ الشِّينِ. - وَقَوْلُهَا: "فَحَمِدَ اللهَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ ". تُرِيدُ: حِينَ فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ لكِنَّهَا حَذَفَتْ مَا لَا يَتِمُّ الكَلامُ إِلَّا بِهِ، وَذلِكَ جَائِزٌ إِذَا كَانَ فِيمَا بَقِيَ دَلِيلٌ علَى مَا حُذِفَ. - وَقَوْلُهَا: "مِثْلَ أو قَرِيبًا". التَّقْدِيرُ: مِثْلُ فِتنةِ الدَّجَالِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ فَحَذَفَ المُضَافَ إِلَيهِ، وَلِذلِكَ لَمْ يُنَوِّنْ مِثْلًا، ونَحْوُهُ مَا حَكَاهُ الفَرَّاءُ (١) مِنْ قَوْلِ العَرَبِ: قَطَعَ اللهُ يَدَ وَرِجْلَ مَنْ قَالهُ، أَي. يَدَ مَنْ قَالهُ وَرِجْلَ مَنْ قَالهُ،

стр. 315

وَعَلَى هَذَا كَانَ يَحْمِلُ المُبَرَّدُ قَوْلَهُمْ: يَا زَيدُ زَيدُ عَمْرٍو؛ إِلَّا أَنَّه مُخَالِفٌ لِهَذَا مِنْ بَعْضِ الجِهَاتِ. و"الدَّجَّالُ": الكَذَّابُ، المُمَوِّهُ، المُحَسِّنُ للبَاطِلِ، ويُقَالُ لِمَا يُذَهَّبُ بِهِ السُّيُوفَ أَوْ يُفَضَّضُ دَجَّالٌ، وَبِهِ سُمِّيَ الدَّجَّالُ؛ كَأَنَّه يَمَوِّهُ البَاطِلَ ويحَسِّنُهُ حَتَّى يُظَنَّ أَنّهُ حَقٌّ، ويُقَالُ: دَجَلَ يَدْجُلُ، واشْتِقَاقُهُ مِنْ دَجَلْتُ الشَّيءَ: إِذَا سَتَرْتُهُ وَغَطَّيتُهُ، قَال ابنُ دُرَيدٍ (١): وَمِنْهُ سُمِّيَتْ دِجْلَةَ كَأَنَّهَا حِينَ فَاضَتْ عَلَى الأرْضِ سَتَرَتْ مَكَانَهَا مِنْهَا، وقِيلَ: هُوَ مِنْ دَجَلْتُ في الأرْضِ: [إِذَا] ضَرَبَتُ فِيهَا وطَبَّقْتُهَا. وقِيلَ: هُوَ مِنْ دَجَلْتُ البَعِيرَ إذَا طَلَيتُهُ بالقَطِرَانِ (٢) كَأَنَّهُ يُنَفِّرُ النَّاسَ بِشَرِّهِ. - وَقَوْلُهُ: "وَإنْ كُنْتَ لمُؤْمِنًا". قَدْ مَضَت فِي قَوْلِ عَائِشَة: "إِنْ كَانَ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ". جَمِيع العَرَبِ تَقُوْلُ: أَلا يَأْلُو: إِذَا قَصَّرَ، إِلَّا هُذَيلا فَإِنَّهَا تَجْعَلُهَا بِمَعْنَى الاستِطَاعَةِ (٣).

стр. 316

رُويَ عَن جَعْفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ (١) أَنَّه قَال: هُمَا لِلْكَافِرِ مُنْكرٌ ونَكِيرٌ؛ لإنْكَارِهِ مَا يَسْأَلانِهِ عَنْهُ ولِلْمُؤْمِنِ مُبَشِّرٌ وبَشِيرٌ، وسُمِّيا مُنكَرًا ونَكِيرًا؛ لأنَّ العَبْدَ يُنْكِر مَا يَسْأَلانِهِ عَنْهُ، ويُنكرُ المَلَكَانِ عَلَيهِ مَا يَقُولُهُ، فَنكِيرٌ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفْعِلٌ كَألَيمٌ وَوَجِيعٌ؛ لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ السَّائِلِ والمَسْؤُولِ فَاعِلٌ ومَفْعُوْلٌ.

стр. 317

[كِتابُ الاسْتِسْقَاءِ] (١) (مَا جَاءَ في الاسْتِسْقَاءِ) [قَوْلُهُ]: "اللَّهُمَّ اسْقِ" [٢]. يُرْوَى بالقَطْعِ مِنْ أَسْقَيتُ، وبالوَصْلِ مِنْ سَقَيتُ. قَال بَعْضُهُمْ: سَقَيتُ الرَّجُلَ: إِذَا نَاوَلْتَهُ المَاءَ، والأَرْضَ: أَرْسَلَتُ فِيهَا المَاءَ، وأَسْقَيتُهُ: جَعَلْتَ لَهُ سُقْيًا، وَهُوَ المَاءَ الَّذي يُسْقَى بِهِ، وأَسْقَيتُهُ [أَيضًا]: دَعَوْتُ لَهُ بالسُّقْيَا، وَقَال بَعْضُهُم: سَقَى وأَسْقَى بِمَعَنًى، وأَنْشَدَ لِلَبِيدٍ (٢): سَقَى قَوْمِي [بني مَجْدٍ] ... ................. البيت

стр. 318

- و"البَهِيمَةُ": اسمٌ مُفْرَدٌ يُرَادُ بِه النَّوع كُلُّهُ كَقَوْلِهِ [تَعَالى] (١): ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ و ﴿إِنَّ الْإِنَسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢). - "وبلَدَكَ المَيِّتِ "يَجُوْزُ تَشْدِيدُ اليَاءِ وتَخْفِيفُهَا. - ويُرْوَى: "تَقَطَّعَتْ" و"انْقَطَعَتْ" [٣]. وبالنُّوْنِ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا فِي هَذَا المَوْضِعِ. - وَقَوْلُهُ: "اللَّهُمَّ ظُهُورَ الجِبالِ". أي: اخْصُصْ بِهِ ظُهُوْرَ الجِبَالِ، أَوْ أَمْطِرْهُ، فَحَذَفَ لِما كَانَ فِيمَا بَقِيَ دَلِيلٌ عَلَى مَا أُلْقِيَ. وَمِنْهُ قَوْلُ المُؤَذِّنِ: الصَّلاةُ رَحِمَكُم الله، أَي: عَلَيهُمُ الصَّلاةَ. - و"الآكامُ": الكُدَا، وَاحِدُهَا أَكَمَةٌ [ ... ]. - وَقَوْلُهُ: "فانْجَابَت" أي: انْفَرَجَتْ، وهو انْفَعَلَتْ من جُبْتُ القَمِيصَ: إِذَا فَتَحْتُ جَيبَهُ، والشَّيءَ: إِذَا خَرَقْتَهُ. [الاسْتِمْطَارُ بالنُّجومِ] - " الحُدَيبِيَة" [٤] (٣) مُخَفَّفَةُ اليَاءِ- مَوْضِعٌ بَينَ الحِلِّ والحَرَمِ، كَذَا قَيَّدَهُ

стр. 319

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 320

أَبُو عَلِيٍّ البَغْدَادِيّ، وكَانَ الكِسَائِيُّ يُشَدِّدُهَا، وَكَانَ الأصْمَعِيُّ: يُنكِرُ ذلِكَ [ ... ]. - و [سَمَاءٌ]: السَّمَاءُ المَطَرُ؛ سُمِّيَ بِذلِكَ لأنَّه مِنَ السَّمَاءِ يَنْزِلُ (١)، وقَال أَبُو عُبَيدَةَ (٢): مَطَرَ في الرَّحْمَةِ، وأَمْطَرَ فِي العَذَابِ، واحْتَجَّ بِقَوْلهِ [تَعَالى] (٣):
следующие страницы →