Полный текст (937 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
الخَبَرِ وَمَعْنَاهُ الدُّعَاءُ، وَمِثْلُهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (١): ﴿وَالْوَالِدَتُ [يُرْضِعْنَ]﴾ وَقَوْلُهُم: "رَحِمَكَ اللهُ وعَافَاكَ".
- وَذَكَرَ قَوْلَ عُمَرَ: "مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ وَلَا لَقْلَقَةٌ" فَقَال: النَّقْعُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، وقِيلَ: وَضْعُ التُّرَابِ عَلَى الرَّأْسِ، وَقِيلَ شَقُّ الجُيُوبِ، واللَّقْلَقَةُ واللَّقَاقُ: شِدَّةُ الصَّوْتِ. والنَّقْعُ -في غير هَذَا-: طَعَامُ القُدُومِ من السَّفْرِ (٢).
- وَقَوْلُهُ: "فَتَمَسَّهُ النَّارُ" [٣٨].
- وَقَوْلُهُ: "فَيَحْتَسِبَهُمْ" [٣٩]. مَنُصُوْبَانِ عَلَى جَوَابِ النَّفْيِ، وَمَنْ رَفَعَهُمَا فَقَدْ أَخْطَأ.
- وَ [قَوْلُهُ]: "تَحلَّةَ القَسَمِ" [٢٧]. تَحْلِيلُهَا، يُقَالُ: حَلَّلتُهُ مِنْ يَمِينِهِ تَحْلِيلًا وتَحِلَّةَ. وَتَحَلَّلَ هُوَ: إِذَا خَرَجَ عَنْ مَا أَقْسَمَ عَلَيهِ بِاسْتِثناءٍ، أَوْ فِعْلِ مَا أَقْسَمَ عَلَيهِ.
-[قَوْلُهُ: "كَانُوا لَهُ جُنَّة مِنَ النَّارِ" [٣٩]: الجُنَّةُ: السِّتْرُ.
-[قَوْلُهُ: "يُصَابُ في حَامَّتِهِ"] [٤٠]: الحَامَّةُ: القَرَابَةُ. стр. 352
[جَامعُ الحِسْبَة في المُصِيبَة]
- قَوْلُهُ: "واعقِبْنِي خَيرًا مِنْها إلَّا فَعَلَ اللهُ بِهِ ذلِكَ" [٤٢].
- وَقَوْلُهُ - في أَوَّلِ الحَدِيث -: "مَنْ أصَابتهُ مُصِيبةٌ". ذَكَرَ جَمِيع الرُّوَاةِ إلَّا القَعْنَبِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: "مَا مِنْ أَحَدٍ تُصِيبُهُ ... " وَسَاقَ الحَدِيثَ.
قَال أَبو الوَليدِ هِشَامٌ (١): وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: إلا فَعَلَ اللهُ ذلِكَ بِهِ إيجَابٌ، وسَبِيلُهُ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَ نَفْيٍ يَتَقَدَّمُهُ، وَلَيسَ في رِوَايَةِ يَحْيَى وَلَا غَيرِهِ نَفْيٌ، اللَّهُمَّ إلا أَنْ يُقَال: إِنَّ رِوَايَةَ يَحْيَى -وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَفْيٌ- فَإِنَّهَا في تأْويلِ النَّفْيِ لأنَّ "مِنْ" شَرْط، والشَّرْطُ غَيرُ وَاجِبٍ، فَهُوَ يُضَارعُ النَّفْيَ؛ لأنَّه يَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ، ويَجُوْزُ أَنْ لَا يَكُوْنَ فَحُمِلَ عَلَى المَعْنَى، ولَهُ نَظَائِرُ كَثيرَةٌ مِنَ الشَّعْرِ.
- وَقَوْلُهُ: "وَاعْقِبْنِي خَيرًا مِنْهَا". أَي: اعْقِبَنِي مِنْهَا خَيرًا، أَي: اجْعَلْهَا أَنْ تُفْضِيَ بِي إِلَى خَيرٍ، فَيَكُوْنُ الخَيرُ ههنَا لَيسَ الَّذِي يُرَادُ بِهِ المُفَاضَلَةُ كَقَوْلهِ: زَيدٌ خَيرٌ مِنْ عَمْرِو، وَلكِنَّهُ الخَيرُ الَّذِي لَا يُرَادُ بِهِ المُفاضَلَةُ كَقَوْلكَ: مَا رَأَيتُ مِنْكَ خَيرًا قَطُّ، إِذَا لَمْ يُحْسِنْ إِلَيكَ، وَعَلَيهِ تأَوَّلَ بَعْضُهُم [قَوْلُهُ تَعَالى] (٢): ﴿نَأتِ بِخَير مِنْهَا﴾ أَي: نَأْتِ مِنْهَا بِخَيرٍ وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ "خَيرًا" ههنَا الَّتِي يُرَادُ بِهَا المُفَاضَلَةُ جَعَلْتَ المُصِيبَةَ هِيَ الشَّيءُ المُصَابُ بِهِ المَفْقُوْدُ، يُرِيدُ: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي في مُصِيبَتِي واعْقُبْنِي خَيرًا مِنْهَا، فَيَكُوْنُ نَحْوًا مِنْ قَوْلهِمْ: أَنْتَ أَكْرَمُ عَلَيَّ مِنْ أَنْ أَضُرَّكَ.
- وَقَوْلُهُ: "وَجَدَ عَلَيهَا" [٤٣]: مَعْنَاهُ: حَزِنَ. стр. 353
- وَ"الأسَفُ": الحَسْرَةُ والتَّلَهُّفُ.
- وَ"مَكَثَ": ومَكُثَ: لُغَتَانِ، وَقَرَأَ عَاصِمٌ [وَحْدَهُ] (١) بالفَتْحِ.
- وَقَوْلُهُ: "أَعَارُوْكِيهِ": مِنْ لُغَةِ بني عَامِرٍ، يَقُوْلُوْنَ: ضَرَبْتَنِيهِ ورَمَيتَنِيهِ وأَعْطَيَتكنِيهِ فَيُشْبِعُوْنَ كَسْرَةَ تَاءِ المُخَاطَبِ المُؤَنَّثِ، وَكَسْرَةُ كَافِهِ فَتَحْدُثَ بَعْدَهَا يَاءٌ [ ... ].
[ما جَاءَ فِي الاخْتِفَاءِ وَهُوَ النَّبَّاشُ]
هكَذَا وَقَعَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ في بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَهِيَ خَطَأٌ؛ لأنَّ الاخْتِفَاءَ مَصْدَرٌ و"النَّبَّاشُ" اسْمُ فَاعِلِ النَّبْشِ، ولَيسَ أَحَدُهُمَا الآخرَ فَيُفَسَّرُ بِهِ، الصَّوابُ: مَا جَاءَ في المُخْتَفِي وَهُوَ النّبَّاشُ، وَكَذَا رَوَينَاهُ عن ابنِ عَبْدِ البَرِّ، وَوَقَعَ في بَعْضِ النُّسَخِ: "مَا جَاءَ في الاخْتِفَاءِ وَهُوَ النِّبَاشُ" بِكَسْرِ النُّوْنِ. وهَذَا كَلَامٌ مُلْتَئِمٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ غَيرَ أَنِّي لَا أَحْفَظُ النِّبَاشَ بِكَسْرِ النُّوْنِ مَصْدَرًا لِـ "نبشَ"، إِنَّمَا المَصْدَرُ نَبْشًا. وسُمِّيَ النبَّاشُ مُخْتَفِيًا لاسْتِخْراجِهِ أَكْفَانَ المَوْتَى، يُقَالُ: خَفَيتُ الشَّيءَ واخْتَفَيتُهُ: إِذَا أَظْهَرْتُهُ، وأَمَّا أَخْفَيتُ - بالألِفِ - فَيَكُوْنُ الإظْهَارُ، ويَكُوْنُ السَّتْرُ. وَمَنْ قَرَأ (٢): ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ بِضَمّ الألِفِ جَازَ أَنْ يَكُوْنَ أُظْهِرُهَا стр. 354
لِقُرْبِهَا، وَجَازَ أَنْ يَكُوْنَ أُسِرُّهَا مِنْ نَفْسِي، فَكَيفَ أُطْلِعُكُمْ عَلَيهَا (١). ومَنْ قَرَأَ: ﴿أَخْفِيهَا﴾ - بِفَتْحِ الألِفِ - فَمَعْنَاهُ: أَظْهِرُهَا لَا غَيرُ. وأنْشَدَ لِزُهَيرٍ (٢):
خَفَاهُنَّ مِنْ أَنْفَاقِهِنَّ كَأَنَّمَا ... خَفَاهُنَّ وَدْقٌ مِنْ سَحَابٍ مُرَكَّبِ стр. 355
[جَامِعُ الجَنَائِزِ]
- وَقَوْلُهُ: "اللَّهُمَّ الرَّفِيق الأَعْلَى" [٤٦]، . الرِّوَايَةُ بالنَّصْب، والعَامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ، كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَا تَخْتَارُ فَقَال: اللَّهُمَّ اخْتَارُ الرَّفِيقَ الأعْلَى، وَلَوْ رَفَعَ لَكَانَ جَائِزًا عَلَى أَنّه تَخَيَّرَ فَقَال: اخْتِيَارِي الرَّفِيقَ الأعْلَى، وَمِثْلُهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (١): ﴿قُلِ الْعَفوَ﴾ بالرَّفْع والنَّصْب. و"الرَّفِيقُ" اسمٌ مُفْرَدٌ يُرَادُ بِهِ الجَمْعُ، قَال تعَالى (٢): ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ ورُبَّمَا جَاءَ فَعِيل وفَعُوْلٌ يُرَادُ بِهِمَا الجَمْعُ وَيَقَعَانِ لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، قَال تَعَالى (٣): ﴿كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا (١٠)﴾ وَقَال جَرِيرٌ (٤):
نَصَبْنَ الهَوَى ثُمَّ ارْتَمَينَ قلُوْبَنَا ... بَأَسْهُمِ أَعْدَاءٍ وَهُنَّ صَدِيقُ
- قَوْلُهُ: "إِنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أهْلِ الجَنَّةِ ... الحَدِيث" [٤٧].
تَقْدِيرُهُ: إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمَقْعَدُهُ مِنْ مَقَاعِدِ أَهْلِ الجَنَّةِ، فَحَذَفَ واخْتَصَرَ وَكَذَا في أَهْلِ النَّارِ.
- وَقَوْلُهُ: "حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ إلَيهِ (٥) يَوْمَ القِيَامَةِ". الهَاءُ من "إِلَيهِ" عَائِدَةٌ стр. 356
عَلَى المَقْعَدِ، ويَجُوْزُ أَنْ تَعُوْدَ عَلَى اللهِ وَفِيهِ بُعْدٌ.
- وأقَوْلُهُ: "تَأَكُلُهُ الأَرْضُ إلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ" [٤٨]. عَجْبُ الذَّنَبِ وعَجْمُهُ - عَلَى بَدَلِ البَاءِ مِيمًا -. هُوَ العَظْمُ الَّذِي في أَسْفَلِ فِقَارِ الظَّهْرِ. والنّسْمَةُ: الرُّوْحُ.
- وَ [قَوْلُهُ: "طَيرٌ تَعْلُقُ في شَجَرِ الجَنَّةِ"]. تَعْلُقُ: تَأكُلُ، عَلَقَتِ الإبِلُ تَعْلُقُ عَلْقًا، وإِبلٌ عَوَالِقُ: إِذَا مَدَّتْ أَفْوَاهَهَا وَرَعَتْ وَرَقَ الشَّجَرِ. وَمَنْ رَوَاهُ "تَعْلَقُ" بِفَتْحِ اللَّام فَهُوَ مِنْ عَلَقَتِ الإبِلُ تَعْلَقُ إِذَا قَرَّتْ أَعْيُنَهَا بالمَرْعَى واطْمَأَنَتْ فِيهِ، وَفِي الأمْثَالِ (١): "عَلِقَتْ مَرَاسِيهَا بِذِي الرَّمْرَامِ وألْقَت" يُضْرَبُ مَثلًا لِمَنْ وَجَدَ مَا يُوَافِقُهُ فَلَمْ يُفَارِقُهُ. والرَّمْرَامُ: نَبْتٌ تُحِبُّهُ الإبِلُ، فَإِذَا ظَفِرَتْ بِهِ لَمْ تُرِدْ مُفَارَقَتَهُ.
- وَ [قَوْلُهُ: "حَتَّى يُرْجِعَهُ اللهُ"]. يُقَالُ: رَجَعْتُ الشَّيءَ وأَرْجَعْتُهُ (٢)، وَمِنْهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (٣): ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ﴾.
- و [قَوْلُهُ: "ثُمَّ اذْرُوا نِصْفَهُ" [٥١]. وَيُقَالُ: ذَرَوْتُ الشَّيءَ في الرِّيحِ، وأَذْرَيتُهُ (٤) وذَرَّيتُهُ، وذَرَتِ الرِّيحُ الشَّيءَ وأَذْرَتْهُ. وَقَال قَوْمٌ: مَعْنَى أَذْرَتْهُ: قَلَعَتْهُ стр. 357
مِنْ أَصْلِهِ، وذَرَّتْهُ مُضَاعفًا: طَيَّرتْهُ (١).
- وَ [قَوْلُهُ: "مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّ فِيهَا جَدْعَاءَ؟ " [٥٢]. الجَمْعَاءُ: المُجْتَمِعَةُ الخَلْقِ، الَّتِي لَمْ يَنْقُصْ مِنْ خَلْقِهَا شَيءٌ، والجَدْعَاءُ: المَقْطُوْعَةُ الأُذُنِ، ويُسْتَعْمَلُ الجَدْعُ أَيضًا في الأنْفِ (٢).
- وَ [قَوْلُهُ: "يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا"] [٥٤]. ونَصَبُ الدُّنْيَا: تَعَبُهَا، وَفِعْلُهُ نَصِبَ يَنْصَبُ. стр. 358
ومن (كِتَاب الزَّكاة) (١)
الزَّكَاةُ: النَّمَاءُ، يُقَالُ: زكَا الزَّرْعُ يَزْكُو: إِذَا زَادَ ونَمَى، وَسُمِّيَتْ زكَاةً؛ لأنَّهَا تُنَمِّي المَال وتَقِيهِ مِنَ الآفاتِ، والزَّكَاةُ: الطَّهَارَةُ أَيضًا. يُقَالُ لِلْفَاضِلِ الطَّاهِرِ: زكِيٌّ، وَمِنْهُ: ﴿قَد أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ (٢) أَي: طَهَّرَهَا بالعَمَلِ الصَّالِحِ وذلِكَ رَاجِعٌ إِلَى النُّمُوِّ؛ لِأنَّ الزَّكِيَ الطَّاهِرَ يَجِلُّ ويَعْظُمُ في العُيُونِ.
[ما تجب فيه الزكاة]
-[وَقَوْلُهُ: "خَمْسَةُ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ" [١]. والصَّدقَةُ مِنَ الصِّدْقِ؛ لأنَّ مُخْرِجَهَا مُصَدِّقٌ بِمَا وُعِدَ عَلَيهَا مِنَ الثَّوَابِ أَو مِنْ قَوْلهِم: حَمَلَ عَلَى قِرْنِهِ فَصَدَقَ: إِذَا حَقَّقَ الحَمْلَةَ، فالمُتَصَدِّقُ مُقْدِمٌ عَلَى الصَّدَقَةِ مِنْ غيرِ خَوْفِ الفَقْرِ، كَمَا يَخَافُ البَخِيلُ المَانِعُ للصَّدَقَةِ؛ وَلأجْلِ هَذَا سُمِّيَ البُخْلُ جُبْنًا، والجُوْدُ شَجَاعَةً لَكنْ جُبْنُ البَخِيلِ مِنَ الزَّمَانِ (٣) وشَجَاعَةُ الجَوَادِ في الإقْدَامِ عَلَى الزَّمَانِ والحَمْلِ عَلَيهِ مَعَ عَدَمِ الخَوْفِ مِنْهُ. والصَّدَقَةُ والزَّكَاةُ: اسْمَانِ لِمَا يُخْرِجُهُ النَّاسُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ في وُجُوْهِ البِرِّ فَرْضًا كَانَ أَوْ نَفْلًا، غَيرَ أَنَّ الأغْلَبَ أَنْ يُسَمَّى مَا يُخْرَجُ مِنَ الحَيَوَانِ صَدَقَةً، стр. 359
وَمِنْ غَيرِهِ زكَاةً، وَقَدْ جَرَتِ العَادَةُ بِتَسْمِيَةِ الفَرْضِ زكَاةً، والتَّطَوُّع صدَقَةً.
- وَ [قَوْلُهُ: "وَلَيسَ فِيمَا دُوْنَ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ"]. الوَسْقُ: سُتُّونَ صَاعًا. وَالوَسْقُ -أَيضًا- وقْرُ البَعِيرِ. أَوْسَقْتُ البَعِيرَ: إِذَا أَوْقَرْتُهُ. والوسْقُ: العِدْلُ، والوَسَقُ -بِفَتحْ الوَاو- مُشْتَقٌّ مِنْ قَوْلهِمْ: وَسَقْتُ الشَّيءَ وَسَقًا: إِذَا ضَمَمْتَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ، واسْتَوْسَقْتِ الإبِلُ في السَّيرِ واتَّسَقَتْ: إِذَا انْضَمَّتْ وَتَتَابَعَتْ، وَمِنْهُ [قَوْلُهُ تَعَالى]: ﴿وَاللِّيلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)﴾ (١) أي: ضَمَّ وَجَمَعَ.
-[وَقَوْلُهُ: "وَلَيسَ فِيمَا دُوْنَ خَمْسٍ ذَوْدٍ مِنَ الإبِلِ صَدَقَةٌ"]. الذَّوْدُ: مَا بَينَ الثَّلَاثِ إِلَى العَشْرِ، وأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ في الإنَاثِ، وَزَعَمَ ابنُ الأعْرَابِيُّ أَنَّ الذَّوْدَ (٢): مَا بَينَ ثَلَاثَةٍ إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، وذلِكَ غَيرُ مَعْرُوْفٍ. قَال الفَرَّاءُ: والذَّوْدُ يَقَعُ عَلَى الوَاحِدِ، وأَنْشَدَ:
* فَإِنَّ عِدَّتَهَا ذَوْدٌ وَسَبْعُوْنَا *
وهَذَا أَيضًا غَيرُ مَعْرُوْفٍ، وَلَيسَ في البَيتِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنّه أَرَادَ وَاحِدًا وسَبْعِينَ (٣) دُوْنَ أَنْ يَزِيدَ أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ، بَلْ قَوْلُهُمْ: ثَلَاثُ ذَوْدٍ، وخَمْسُ ذَوْدٍ من أَدَلِّ دَلِيلٍ стр. 360
عَلَى أَنَّه لَا يَكُوْنُ لِلْوَاحِدِ؛ لأنَّ مَا دُوْنَ العَشَرَةِ لَا يُضَافُ إِلَى وَاحِدٍ، أَلَا تَرَى أَنّه لَا يُقَالُ خَمْسَةُ ثَوْبٍ، وَلَا أَرْبَعُ دَارٍ. والذَّوْدُ: مِنَ ذَادَ يَذُوْدُ: إِذَا دَفَعَ، وَكَأَنَّهُ مَصدَرٌ سُمِّي بِهِ. وَسُمِّيَتْ بِذلِكَ؛ لأنَّ الوَاحِدَ مِنَ الإبِلِ لَا كُلْفَةَ عَلَى الرَّاعِي مِنْهُ، وكَذلِكَ الاثْنَانِ، فَإِذَا بَلَغَتْ ثَلَاثَةً أَوْ أَكْثَرَ تَصَاوَلَتْ وَتَرَاجَمَتْ فاحْتَاجَ الرَّاعِي أَنْ يَذُوْدَ بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ.
- و [قَوْلُهُ: "لَيسَ فِيمَا دُوْنَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِن الوَرِقِ صَدَقَةٌ"]. الأُوْقِيَّةُ مُشْتَقٌ مِنَ الأوْقِ، وَهُوَ الثِّقَلُ، يُقَالُ: أَلْقَى على أَوْقَهُ، ويُقَالُ في جَمْعِهِ: أَوَاقِيَّ وأَوَاقٍ.
و"الوَرِقُ" المَالُ مِنَ الفِضَّةِ -بِكَسْرِ الرَّاءِ- الوَرَقُ - بِفَتْحِهَا -: المَالُ مِنَ الغَنَمِ وَالإِبِلِ، واشْتِقَاقُ الوَرِقِ مِنْ أَوْرَقَ الشَّجَرُ يُوْرِقُ، وجَعَلُوا المَال لِصَاحِبِهِ، كالوَرَقِ للشَّجَرِ، وَلِذلِكَ سَمَّوْهُ رِيشًا وَرِيَاشًا؛ لأنَّه يُنْهِضُ صَاحِبَهُ إِلَى مَا يُحِبُّ كَمَا يُنْهِضُ الرِّيشُ الطَّائرَ.
- و [قَوْلُهُ: "إِنَّمَا الصَّدَقَةُ في الحَرْثِ والعَينِ والمَاشِيَةِ" [٣]. "العَينُ": المَالُ النَّاضُّ مِنْ الذَّهَبِ وَالوَرِقِ. وعَينُ كُلِّ شَيءٍ خِيَارُهُ وأَفْضَلُهُ، والنَّاضُّ: أَفْضَلُ المَالِ وَخَيرُهُ.
- و"الحَرْثُ" مَصدَرٌ مُشْتَقٌّ مِنْ حَرَثْتُ أَحْرُثُ، ثُمَّ سُمِّيَ الشَّيءُ المَحْرُوْثُ حَرْثًا مَجَازًا، كَمَا أَنَّ العَدْلَ مَصدَرُ عَدَلَ يَعْدِلُ، ثمَّ يُقَالُ لِلرَّجُلِ العَادِلِ عَدْلٌ، و"الحَرْثُ" مُشْتَقٌّ مِنْ أحْرَثْتَ الدَّابَةَ: إِذَا أَضْعَفْتَهَا بِطُوْلِ السَّفَرِ، سُمِّيَ بِذلِكَ؛ لأنَّ الَّذِي يَحْرُثُ الأرْضَ يُوْهِنُهَا بالخَرْقِ لَهَا، ويُذْهِبُ صَلَابَتَهَا.
- و"المَاشِيَةُ": المَالُ مِنَ الحَيَوَانِ، مُشْتَقٌّ مِنْ مَشَى: إِذَا نَهَضَ يُرَادُ بِهِ نَمَاؤُهُ
стр. 361
وَتناسُلُهُ، يُقَالُ: مَشَى الرَّجُلُ وأَمْشَى، وَأَمْشَى الرَّجُلُ أَيضًا: إِذَا كَثُرَتْ مَاشِيَتُهُ (١).
[الزكاة في العين من الذهب والورق]
-[قَوْلُهُ: "وَكَانَ أبُو بكرٍ إِذَا أعْطَى النَّاسَ أُعْطِيَاتِهِمْ" [٤]. الأُعْطِيَاتُ: جَمْعُ أُعْطِيَةٍ، وأُعْطِيَةُ: جَمْعُ عَطَاءٍ فَهُوَ جَمْعُ الجَمْعِ، والعَطَاءُ: يَجُوْزُ أَن يَكُوْنَ اسْمًا للشَّيءِ المُعْطَى، ويَكُوْنُ مَصْدَرًا بِمَعْنَى الإعْطَاءِ، وإِنَّمَا يَأْتِي ذلِكَ في الشِّعْرِ كَقَوْلِ القُطَامِيِّ (٢):
* وَبَعْدَ عَطَائِكَ المَائَةَ الرِّتَاعَا *
- وَقَوْلُهُ: "ثَمَانِيَةُ دِرْهَمٍ بِدِينَارٍ" [٧]. كَلَامٌ فيه حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: ثَمَانِيَةُ دِرْهَمٍ مِنْهَا بِدِينَارٍ، وَلَابُدَّ مِنْ هَذَا التَّقْدِيرِ؛ لِيَعُوْدَ مِنَ الجُمْلَةِ عَائِدٌ إِلَى المُبْتَدَأ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ العَرَبِ: الشَّاءُ شَاةٌ بِدِرْهَمٍ أَي: شَاةٌ مِنْهَا بِدِرْهَمٍ.
- وَقَوْلُهُ: "مِنْ يَوْمِ زُكِّيَتْ". يَجُوْزُ في "يَوْمِ" النَّصبُ بِنَاءً عَلَى الفَتْحِ لإضَافَتِهِ إِلَى الجُمْلَةِ، والخَفْضُ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ في نَفْسِهِ من الإعْرَابِ، ومِثْلُهُ: стр. 362
﴿مِن عَذَابِ يَومِئِذٍ﴾ (١) مَخْفُوْضُ المِيمِ ومَنْصُوْبًا، وَمَنْ خَفَضَ المِيمَ ونَوَّنّهُ لَزِمَهُ أَن يُقَدِّرَ في الكَلَامِ ضَمِيرًا مَحْذُوْفًا يَعُوْدُ عَلَى اليَوْمِ، تَقْدِيرُهُ: مِنْ يَوْمِ زكِّيَتْ فيه؛ لأنَّ قَوْلَهُ: "زكِّيِتْ فِيهِ" صِفَة لِلْيَوْمِ فَلَزِمَ أَنْ يَكُوْنَ فِيهَا عَائِدٌ إِلَى المَوْصُوْفِ، وَمِنْهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (٢): ﴿يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾ وَكَذلِكَ مَا في هَذَا البَابِ مِنْ مِثْلِ هَذَا كَقَوْلكَ: "مِنْ يَوْمِ أَفَادَهَا" و"مِنْ يَوْمِ يَقْبِضَهُ".
- وَقَوْلُهُ: "فَلَا زَكَاةَ عَلَيهِ" أَرَادَ: عَلَيهِ فِيهَا فَحَذَفَ "فِيهَا".
[زَكَاةُ المَعَادِنِ]
المَعْدَنُ مِنْ قَوْلهِمْ: عَدَنَ بالمَكَانِ يَعْدِنُ عَدْنًا وعُدُونًا: إِذَا أَقَامَ بِهِ، وسُمِّيَ بِذلِكَ لإقَامَةِ الجَوَاهِرِ بِهِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِمَأْلُفِ الثَّوْرِ الوَحْشِيِّ مَعْدِنٌ بِكَسْرِ الدَّالِ، ومن قَال: مَعْدَن أَوْ مِعْدَنٌ - بِفَتْحِ الدَّالِ، أَوْ بِكَسْرِ المِيمِ - فَقَدْ أَخْطَأ؛ لأنَّهُ مَفْعِلٌ مِثل مَضْربٍ من ضَرَبَ.
- "القَبلِيَّةُ" مَوْضِعٌ (٣). стр. 363
- و"الفُرُعُ" مَوْضِعُ (١) بِضَمِّ الرَّاءِ، ويُقَالُ: بإِسْكَانِهَا، ويُحْتَمَلُ وَجْهَينِ:
أَحَدُهُما: أَنْ يَكُوْنَ جَمْعَ فَرُوْعٍ، وهو الصَّعُوْدُ مِنَ الأرْضِ فَيَكُوْنُ كَرَسُوْلٍ وَرُسُلٍ.
وَيَجُوْزُ: أَنْ يَكُوْنَ جَمْعَ فَارعٍ، وَهُوَ المُشْرِفُ مِنَ الأرْضِ كَبَازِلٍ وبُزُلٍ.
ويَجُوْزُ: أَنْ يَكُوْنَ جَمَعَ فَرْعَةٍ -وَهِيَ رَأْسُ الجَبَلِ- عَلَى فِرَاعٍ، وَجَمَعَ فِرَاعِ [على] فُرُعٌ كَكِتَابٍ وكُتُب وَحِمَارِ وحُمُرٌ.
- وَ"النَّيلُ": العَطَاءُ [ ... ]. стр. 364
- وَقَوْلُهُ: "قَطَعَ ... " يُقَالُ قَطَعَ السُّلْطَانُ لِفُلَانٍ وأَقْطَعَ كَذَا، فَتكوْنُ الهَمْزَةُ مُعَاقِبَةً اللَّامَ، والأشْهَرُ: أَقْطَعَهُ.
[زكَاةُ المِيرَاثِ]
- قَوْلُ مَالِكٍ: "وَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاةَ مَالِهِ أَنَّهُ" [١٦]. كَذَا الرِّوَايَةُ، والوَجْهُ: فَإِنَّهُ، كَمَا قَال تَعَالى (١): ﴿فَشُدُّوْا الْوَثَاقَ﴾.
- وَ [قَوْلُهُ: "وتَبدِّي الوَصَايَا"]. يُقَالُ: بَدَّأتُ الشَّيءَ وَبَدَأَتُ بِهِ، وَلَا يَجْتَمِعْ التَّشْدِيدُ والبَاءُ. ويَجُوْزُ بِدَأْتُهُ بالتَّخْفِيفِ. وأَوْصى وَوَصَّى: لُغَتَانِ.
- وَقَوْلُهُ: "مِنْ يَوْمِ بَاعَهُ" [٦١]. يَجُوْزُ فيه مَا جَازَ في قَوْلكَ: "مِنْ يَوْم زكِّيَتْ" وَقَدْ مَضَى.
[زَكَاةُ العُرُوْضِ]
- " العَرْضُ" مِنَ المَالِ: مَا لَيسَ بِنَقْدٍ، واشْتِقَاقُهُ مِنْ عَارَضْتُ الشَّيءَ بالشَّيءِ: إِذَا قَابَلْتُهُ به، أَوْ مِنْ عَرَضَ الشَّيءُ يَعْرُضُ: إِذَا اتَّسَعَ؛ لِأنَّ المُرَادَ بِهِ نَمَاءُ النَّقْدِ وكَثْرَتُهُ، أَوْ مِنْ عَرَضَ لَهُ الأمْرُ يَعْرِضُ؛ لأنَّ المَزَادَ بالبَيع والشِّرَاءِ نَمَاءٌ لِلنَّقْدِ [والسِّلِعِ] سَبَبٌ؛ لِذلِكَ، فَهُوَ كَالشَّيءِ يَعْرِضُ والمُرَادُ غَيرُهُ.
-[قَوْلُهُ: "وَكَانَ زُرَيقٌ عَلَى جَوَازُ مِصْرَ"] [٢٠]. وجَوَازِ مِصْرَ أَنّهُ كَانَ (٢) لَا يَجُوْزُهَا أَحَدٌ إلَّا بِرُقْعَةٍ. стр. 365
-[قَوْلُهُ: "مِمَّا يُدِيرُوْنَ مِنَ التِّجَارَاتِ"]. وإِدارَةُ التِّجَارَةِ: تَصْرِيفُهَا ومُعَالجَتُهَا ابْتِغَاءَ الفَضْلِ.
-[قَوْلُهُ: "وَلَا مِثْل الجِدَادِ"] والجِدَادُ: مَصْدَرُ جَدَدْتُ التَّمْرَ: إِذَا صَرَمْتُهُ.
-[قَوْلُهُ: "ولَا يَنُضُّ لِصَاحِبِهِ مِنْهُ شَيءٌ"]. النَّضُّ والنَّاضُّ: المَالُ الصَّامِتُ مِنَ الدَّنَانِيرِ والدَّرَاهِمِ، واشْتِقَاقُهُ مِنْ نَضَّ المَاءُ يَنُضُّ: إِذَا خَرَجَ مِنْ حَجَرٍ، واسْمُ ذلِكَ المَاءُ: النَّضُّ والنَّضِيضُ، وَجَمْعُهُ: أَنِضَّة ونَضَائِضُ، وفُلَان يَسْتَنِضُّ مَعْرُوْفَ فُلَانٍ: إِذَا اسْتَخْرَجَهُ شَيئًا بَعْدَ شَيءٍ والنَّضِيضُ أَيضًا: القَلِيلُ مِنَ المَطَرِ.
[مَا جَاءَ في الكَنْزِ]
- وَ [قَوْلُهُ: "شُجَاعًا أقْرَعَ لَهُ زَبِيبتَانِ". [٢٢] الشُّجَاعُ: الحَيَّةُ الَّتِي تُوَاثِبُ الفَارِسَ وَالرَّاجِلَ، ويَقُوْمُ عَلَى ذَنَبِهِ. وقِيلَ: هُوَ الثُّعْبَانُ.
- وَ"الأَقْرَعُ": الَّذِي يَتَمَعَّطُ شَعْرُهُ لِكَثرةِ مَا جَمَعِ مِنَ السُّمِّ.
- وَ"الزَّبِيبتانِ": النُّكْتَتَانِ السَّوْدَاوَانِ اللَّتَانِ فوْقَ عَينَيهِ، وَهُوَ أَخْبَثُ مَا يَكُوْنُ. وَقِيلَ: هُمَا الزَّبَدَتَانِ اللَّتَانِ يَكُوْنَانِ في الشَّدْقَينِ إِذَا غَضِبَ الإنْسَانُ أَو أَكْثَرَ الكَلَامَ حَتَّى يُزْبِدَ فَمُهُ يُقَالُ: زَبَّ فَمُ الرَّجُلِ.
- وَوَقَعَ في بَعْضِ النُّسَخِ. "مُثِّل لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ" ونَصْبُهُ على الحَالِ المُوَطِّئَةِ، كَأَنَّهُ قَال: مُثِّل لَهُ مِثْلَ شُجَاع أَقْرَعَ. فَحَذَفَ المُضَاف وَأَقَامَ المُضَافَ إِلَيهِ مَقَامَهُ، ومثله قَوْلهُ: "يَتَمثَّل لِيَ المَلكُ رَجُلًا". أَي: مِثْلَ رَجُلٍ.
[صَدَقَةُ المَاشِيَةِ]
-[قَوْلُهُ: "ابْنَةَ مَخَاضٍ ... "] [٢٣]. ابنُ مَخَاضٍ وابنَةُ مَخَاضٍ الَّذِي قَدْ
стр. 366
أَكْمَلَ سَنَةً ودَخَلَ في الثَّانِيَةِ؛ لأنَّ أُمَّهُ فِيهَا مِنَ المَخَاضِ وَهِيَ الحَوَامِلُ، فَإِذَا دَخَلَ في الثَّالِثَةِ فَهُوَ "ابنُ لَبُوْنٍ" و"ابْنَةُ لَبُوْنٍ"، لِأنَّ أُمَّهُ ذَاتُ لَبَن، فإِذَا دَخَلَ في الرَّابِعَةِ فَهُوَ "حِقٌّ" والأنْثَى "حِقَّة"؛ لأنَّه يَسْتَحِقُّ الحَمْلَ عَلَيهِ، فَإِذَا دَخَلَ الخَامِسَةَ فَهُوَ "جَذَعٌ" وَ"جَذَعَةٌ" و"الطَّرُوْقَةُ" هِيَ الَّتِي يَطْرُقُهَا الفَحْلُ، يُقَال: طَرَقَ الفَحْلُ النَّاقَةَ يَطْرُقُهَا طَرْقًا، ويُقَال لِلفَحْلِ إِذَا كَثُرَ ذلِكَ مِنْه: "طَرُوْقٌ".
-[وَقَوْلُهُ: "وَفِي سَائِمَةِ الغَنَمِ"]. السَّائِمَةُ: اسْمٌ يَقَعُ عَلَى مَا يَسْرَحُ مِنَ المَاشِيَةِ وَيَرْعَى، وَالسَّوْمُ: الذَّهَابُ في كُلِّ وَجْهٍ. سَامَ الجَرَادُ يَسُوْمُ.
- و [قَوْلُهُ: "وَلَا ذَاتُ عُوَارٍ"]. والعُوَارُ والعَوَارُ - بِضَمِّ العَينِ وفَتْحِهَا -: العَيبُ، والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مُسْتَقْبَحٍ: أَعْوَرَ، والكَلِمَةُ القَبِيحَةُ: العَوْرَاءُ.
-[وَقَوْلُهُ: "بَينَهُمَا بالسَّويَّةِ"]. السَّويَّةُ: العَدْلُ والإِنْصَافُ، وَهِيَ مِنْ الاسْتِوَاءِ.
-[وَقَوْلُهُ: "وَفِي الرِّقَةِ"]. الرِّقَةُ: الوَرَقُ، وأَصْلُهَا: ورْقَةٌ، فَحُذِفَتْ الوَاوُ كَمَا حُذُفِتْ منْ عِدةٍ وَزِنَةٍ.
-[وَقَوْلُهُ: "رُبعُ العُشْرِ"]. ويُقَالُ: رُبُع ورُبْعٌ، وكَذلِكَ في كُلِّ كَسْرٍ إلَى العُشُرِ.
[مَا جَاءَ فِي صَدَقَةِ البَقَرِ]
-[قَوْلُهُ: "أَخَذَ مِنْ ثَلَاثِينَ بَقَرَة تَبِيعًا" [٢٤]. يُقَال لِوَلدَ البَقَرَةِ في أَوَّلِ سَنَةٍ: تَبِيعٌ، وَتِبِيعٌ في لُغَةِ بَنِي كِلَابٍ، فَإذَا دَخَلَ في الثَّانِيَةِ فَهُوَ جَذَعٌ، وفي الثَّالِثَةِ: ثَنِيٌّ، وفي الرَّابِعَةِ: رَبَاعٌ، وفي كِتَابِ "العَينِ" (١) التَّبِيعُ: العِجْلُ مِنْ стр. 367
أَوْلَادِ البَقَرِ. وأَوْلَادُ الضَّأْنِ وَالمَعِزِ في أَسْنَانِهَا كَأَوْلَادِ البقَرِ، إلَّا أَنَّ وَلَدَ الضَّأْنِ أَوَّلَ سَنَةِ يُقَالُ لَهُ: حَمَلٌ، وَوَلَدُ المَعِزِ جَدْيٌ، ثُمَّ تَنْقُلُهُمَا في الأسْنَانِ كَنَقْلِ أَوْلَادِ البَقَرِ. ويُقَالُ: ضَأْنٌ، وضَئِينٌ وضِئِينٌ، وأَضْؤُنٌ، وأَضْآنٌ، والوَاحِدَةُ: ضَائِنَةٌ. وَيُقَالُ: مَعْزٌ، ومَعِزٌ، ومِعْزَى، وأَمْعُوْزٌ، ومَعِيزٌ، والوَاحِدَةُ: مَاعِزَةٌ، والذَّكَرُ: مَاعِز. والعِرَابُ: العَرَبِيّةُ. والبُخْتُ (١): إِبلٌ بجِهَةِ خُرَاسَان يَزْعُمونَ أَنَّهَا تَوَلَّدَتْ بَينَ العِرَابِ والفَوَالِجِ. والفَوَالِجُ (٢): إِبل لِكُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهَا سَنَامَانِ. والوَاحِدُ: فَالِجٌ، وَوَاحِدُ البُخْتِ: بُخْتِيٌّ. و"الجَوَامِيسُ" بَقَرٌ بِنَاحِيَةِ مِصْرَ تَعُوْمُ في النِّيلِ وتَخْرُجُ إِلَى البَرِّ، وَلِكُلِّ بَقَرَةٍ مِنْهَا قَرْن وَاحِدٌ (٣)، والوَاحِدُ: جَامُوْسٌ.
- وَ"النِّصَابُ" أَصْلُ المَالِ، وأَصْلُ كُلِّ شَيءٍ.
- وَ"النَّوَاضِحُ": الإبِلُ الَّتِي تُخْرِجُ المَاءَ مِنَ البِئْرِ. والغَرْبُ: الدَّلْوُ العَظِيمَةُ.
- وَقَوْلُهُ: "عَلَى رَاعِيَينِ". مَعْنَاهُ: مَقْسُوْمَةٌ عَلَيهِمَا، فَلِذلِكَ جَازَ اسْتِعْمَالُ стр. 368
"عَلَى" ويَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ "عَلَى بِمَعْنَى "عِنْدَ" كَقَوْلكَ: لِي عَلَى فُلَانٍ كَذَا، أَي: عِنْدَهُ. ويَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ بِمَعْنَى "مَعَ".
- وَقَوْلُهُ: "فَإنْ كَانَتِ الضَّأْنِ هِيَ أَكْثَرُ". يَجُوْزُ في "أَكْثَرَ" النَّصْبُ عَلَى أَنْ يَكُوْنَ "هِيَ" فَصْلًا، ويَجُوْزُ الرَّفْعُ عَلَى الابْتِدَاءِ وَالخَبَرِ ونَظِيرُهُ: "فَإِنْ كَانَتْ الإبِلُ هِيَ أَكْثَرُ".
- وَقَوْلُهُ: "أَخَذُوا أَيَّتُهُمَا شَاءَ". إِنَّمَا ثَنَّى الضمِيرَ وإِنْ كَانَ قَبْلَهُ جَمْعًا حَمْلًا علَى مَعْنَى الصِّنْفَينِ أَو النَّوْعَينِ، وَكَذلِكَ قَوْلُهُ في الإبِلِ العِرَابِ والبُخْتُ يُجْمَعَانِ. و"مِنْ يَوْمِ أَفَادَهَا" مِثْلُ "مِنْ يَوْمِ زكِّيَتْ".
[صَدَقَةُ الخُلَطَاءِ]
الخَلِيطُ: المُخَالِطُ: فَعِيلٌ بمَعْنَى مُفَاعِلٍ، مِثْلُ شَرِيكٍ ونَدِيمٍ وشَرِيبٍ وأَكِيل، وَمِنْهُ: ﴿عَلَى كُلِّ شَيءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾ (١) أَي: مُحَاسِبًا.
- و"المَرَاحُ " و"المُرَاحُ" -بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّهَا-: المَوْضِعُ الَّذِي تَرُوْحُ الإبِلُ إِلَيهِ، فَمَنْ فَتَحَ المِيمَ جَعَلَهُ مِنْ رَاحَ يَرُوْحُ، ومَنْ ضَمَّه جَعَلَهُ من أَرَاحَ الرَّجُلُ إِبَلَه يُرِيحُ: إِذَا رَدَّهَا مِنَ المَرْعَى، ويَكُوْنُ المَرَاحُ مَصْدَرًا، أَوْ يَكُوْنُ اسمَ المَكَانِ الَّذِي تَرُوْحُ إِلَيهِ المَاشِيَةُ.
- وَقَوْلُهُ: "فَصَاعِدًا": أَي: فَزَائِدًا عَلَى ذلِكَ، ولَا يَجُوْزُ فِيهِ غَيرُ النَّصْبِ، ولَا يُسْتَعْمَلُ بالوَاو، وإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ بالفَاءِ أَوْ بِـ "ثُمَّ".
- وَ [قَوْلُهُ: فَإذَا أَظَلَّهُمَا المُصَدِّقُ"]. أَظَلَّهُمَا: غَشِيَهُمَا، وَفَاجَأَهُمَا، стр. 369
وأَصْلُهُ أَنْ يَقْرُبَ الشَّيءُ مِنَ الشَّيءِ حَتَّى يَقَعَ عَلَيهِ ظِلَّهُ.
[مَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ السَّخَلِ في الصَّدَقَةِ]
" السَّحلَةُ": وَلَدُ الشَّاةِ والمَاعِزَةِ حِينَ تَضَعُهُ أُمُّه، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وهو البَهْمَةُ -أَيضًا- بِفَتْحِ البَاءِ - وجَمْعُ سَخْلَةٍ: سَخَلٌ وسِخَالٌ وسَخْلَاتٌ، وبَهْمَةٌ وبَهْمٌ وبِهَامٌ وبَهْمَاتٌ.
- وَ"الأَكُوْلَةُ" الشَّاةُ الَّتِي تُسَمَّنُ لِتُأْكَلَ، ولَيسَتْ بِسَائِمَةٍ. وَرَوَاهُ بَعْضُهُم: "الأَكِيلَةُ" وذلِكَ خَطَأٌ؛ إِنَّمَا الأكِيلَةُ المَأْكُوْلَةُ، كَأَكِيلَةِ السَّبُعِ، ولَيسَتْ الأَكِيلَةُ مِمَّا تُسَمَّن لِتُؤْكَلَ.
- وَ"الرُّبَى": القَرِيبَةُ العَهْدِ بالولَادَةِ فَهِيَ تُرَبَّى وَجَمْعُهَا: رُبَابٌ بِضَمِّ الرَّاءِ. وأَمَّا الرِّبَابُ - بِكَسْرِ الرَّاءِ - فَإِنَّهَا المُدَّةُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيهَا فِيهَا هَذَا الاسْمُ، وذلِكَ مَا بَينَ ولَادَتِهَا إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ لَيلَةٍ. ويُقَالُ: هِيَ في رِبَابِهَا.
و"المَاخِضُ": الحَامِلُ الَّتِي شَارَفَتِ الولَادَةَ. و"المِخَاضُ" و"المَخَاضُ" بكسر المِيمِ وفَتْحِهَا: وَجَعُ الولَادَةِ، فَإِذَا أَرَدْتَ الإبِلَ الحَوَامِلَ قُلْتَ: مَخَاضٌ لَا غَيرُ، وَاحِدُهَا: مَاخِضٌ. وَقَال الأصْمَعِيُّ: لَا وَاحِدَ لَهَا مِنْ لَفْظِهَا وَلكِنْ يُقَالُ لِلْوَاحِدَةِ مِنْهَا خَلِفَةٌ وَمَا قَالهُ غَيرُ صحِيحٍ. وغِذَاءُ الغَنَمِ: صِغَارُهَا، وَاحِدُهَا: غَذِيٌّ؛ لأنَّه يُغْذَّى باللَّبَنِ، وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى [مَفْعُوْلٌ] (١) كَقَتِيلٍ بِمَعْنَى مَقْتُوْلٍ. وفي قَوْلهِ: "غِذَاءٌ" شُذُوْذٌ عَنْ مَا جَرَى عَلَيهِ الاسْتِعْمَالُ، وذلِكَ أَنَّ فَعِيلًا إِنَّمَا يُجْمَعُ عَلَى فِعَالٍ بِكَسْرِ الفَاءِ إِذَا كَانَ في مَعْنَى فَاعِلٌ كَكَرِيم وكِرَامٍ وَشِبْهِهِ. وإِذَا стр. 370
كَانَ بِمَعْنَى مَفْعُوْلٍ لَمْ يُجْمَعْ عَلَيهِ، لَا يُقَالُ: قَتِيلٌ وَقِتَالٌ، ولَا جَرِيحٌ وجِرَاحٌ. وإِنَّمَا يُقَالُ: قَتِيلٌ وقَتْلَى، وجَرِيحٌ وجَرْحَى. وَقَدْ جَاءَ من ذلِكَ شَيءٌ قَلِيلٌ شَذَّ عَنِ الجُمْهُوْرِ وَهُوَ فَصِيلٌ وفِصَالٌ، وسَيفٌ صَقِيلٌ وسُيُوْفٌ صِقَالٌ، والوَجْهَ في هَذَا أَنْ يُقَال: إِنَّهُمْ جَعَلُوا غَذيًّا بِمَعْنَى مُغْتَذٍ، وَفَصِيلًا بِمَعْنَى مُنْفَصِلٍ، وصَقِيلًا بِمَعْنَى مُنْصَقِلٍ؛ لِأنَّكَ تَقُوْلُ: غَذَوْتُهُ فَاغْتَذَى، وَفَصَلْتُهُ فانْفَصَلَ، وصَقَلْتُهُ فانْصَقَلَ فَتنسِبَ الفَعْلِ إِلَيهِ كَنِسْبَتِهِ إِلَى الفَاعِلِ فَجَرَى لِذلِكَ مَجْرَى كَرِيمٍ وَظَرِيفٍ.
- وَقَوْلُهُ: "يَعُدُّ عَلَى النَّاسِ بالسَّخَلِ" [٢٦]. هَذِهِ البَاءُ هِيَ البَاءُ الَّتِي تنوْبُ مَنَابَ وَاو الحَالِ كَقَوْلكَ: جَاءَ زَيدٌ بِثيَابِهِ، أَي: جَاءَ وثيَابُهُ عَلَيهِ، والتَّقْدِيرُ: يَعُدُّ الغَنَمَ والسَّخَلَ فِيهَا، فَحَذَفَ المَفْعُوْلَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالى: (١) ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾، أَي: تُنْبِتُ نباتُهَا والدُّهْنُ فِيهِ في بَعْضِ الأَقْوَالِ، وَقَدْ قِيلَ في مِثْلِ هَذَا إِنَّ البَاءَ زَائِدَةٌ، ونَظِيرُهُ: [قَوْلُهُ تَعَالى] (٢): ﴿أَلَيسَ [ذَلِكَ] بِقَادِرٍ﴾ (٣) و ﴿أَلَيسَ اللَّهُ بِكَافٍ﴾ (٤).
[النَّهْيُ عَنْ التَّضْيِيقِ عَلَى النَّاسِ في الصَّدَقَةِ]
- و [قَوْلُهُ: "فَرَأى فِيهَا شَاةً حَافِلًا"] [٢٨]. الحَافِلُ: الَّتِي امْتَلأَ ضَرْعُهَا مِنَ اللَّبَنِ، وَكَانَ الوَجْهُ: "حَافِلَةً"، وَلكِنْ جَاءَ هَذَا عَلَى مَعْنَى النَّسَبِ أَي: ذَاتُ حَفلٍ كامْرَأةٍ عَاشِقٍ وحَاسِرٍ، ونَاقَةٍ ضَامِرٍ، فَإِذَا بَنَوا ذلِكَ عَلَى الفِعْلِ أَلْحَقُوْهُ стр. 371
الهَاءِ فَقَالُوا: عَاشِقَةٌ وحَافِلَةٌ.
- وَ [قَوْلُهُ: "لَا تَأْخُذُوا حَزَرَاتِ المُسْلِمِينَ"]. الحَزَرَاتُ: خِيَارُ المَالِ، وَاحِدَتُهَا حَزْرَةٌ بِسُكُوْنِ الزَّاي، وَأَضَافَهَا إِلَى الأنْفُسِ (١) لأنَّ الأنْفُسَ تُشْفِقُ عَلَيهَا стр. 372
وتَتَوَجَّعُ لأخْذِهَا، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ حَزَرَ اللَّبَنُ: إِذَا اشْتَدَّتْ حُمُوْضَتُهُ وَقَال ابنُ بُكَيرٍ عَنِ اللَّيثِ (١): الحَزَرَاتُ: وَجَعُ القَلْبِ [ ... ].
- وَ [قَوْلُهُ: "نَكِّبُوا عَنِ الَّطعَامِ"]. مَعْنَى "نكِّبُوا" اعدِلُوا، يُقَال: نكَبَ عَنِ الطَّرِيقِ ونكَّبَ، ويُقَالُ نكِبَ نَكْبًا. وأَرَادَ بالطَّعَامِ ذَاتِ اللَّبَنِ، أَي: اتْرُكُوا ذَاتِ اللَّبَنِ، وكَذَا فَسَّرَهُ أَبُو قُرَّةَ عَنْ مَالِكٍ (٢).
[آخِذُ الصَّدَقَةِ وَمَنْ يَجُوزُ لَهُ أخْذُهَا]
-[قَوْلُهُ: "لِرَجُلٍ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ"] [٢٩]. اخْتُلفَ في الفَقِيرِ والمِسْكِينِ (٣) فَقِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ. وَقَال قَادَةُ: الفَقِيرُ: المُحْتَاجُ المُزْمِنُ، والمِسْكِينُ: المُحْتَاجُ стр. 373
الَّذِي لَا زَمَانَةَ بِهِ. وقَال ابنُ عَبَّاسٍ: الفُقَرَاءُ من المُسْلِمِينَ، والمَسَاكِينَ: مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَقَال الضَّحَّاكُ: الفُقَرَاءُ من المُهَاجِرِينَ. والمَسَاكِينَ مِنَ الأَعْرَابِ. وَقَال مُجَاهِدٌ والزُّهْرِيُّ الفَقِيرُ الَّذِي لا يَسْأَلُ، والمِسْكِينُ السَّائِلُ. وهَذَهِ كلُّهَا لَا يَقُوْمُ عَلَى شَيءٍ مِنْهَا دَلِيلٌ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا لُغَةٍ، إِذْ لَا وَجْهَ لاعتِبَارِ الصِّحَّةِ والزَّمَانَةُ، والسُّؤَالُ وغيرُ السُّؤَالِ في التفْرِقَةِ بَينَهَا، وإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْتبَرَ أَيُّهُمَا أَحْسَنُ حَالًا، وهَذَا أَمْرٌ قَدْ تنازَعَ النَّاسُ فِيه، فَقَال قَوْمٌ: الفَقِيرُ أَحْسَنُ حَالًا مِن المِسْكِينِ، وهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَاب مَالِكٍ، وأَحَدُ قَوْلَي الشَّافِعِيِّ، وَقَالُوا: الفَقِيرُ الَّذِي لَهُ البُلْغَةُ، والمِسْكِينُ: الًّذِي لَا شَيءَ لَهُ واحْتَجُّوا بِبَيتِ الرَّاعِي (١)، وبِقَوْلهِ [تَعَالى] (٢): ﴿[مِسْكِينًا] ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ وبأَنَّهُ مِفْعِيلٌ من السُّكُوْنِ وعَدَمِ الحَرَكَةِ. وقَال آخَرُوْنَ: العَكْسُ، ومِمَّنْ قَال بِذلِكَ الأَصْمَعِيُّ، وبِهِ قَال أَبُو حَنِيفَةَ وأَصْحَابهُ واحْتَجُّوا بأَصْحَابِ السَّفِينَةِ (٣)، وبِأنَّ الفَقِيرَ مِنْ كَسْرِ الفِقَارِ، ومَنْ كُسِرَ فِقَارُه فَلَا حَيَاةَ لَهُ، وبِقَوْلِ الشَّاعِرِ (٤):
هَلْ لَكَ في أَجْرٍ عَظِيمٍ تُؤْجَرُهْ
تُغِيثُ مِسْكِينًا كَثيرًا عَسْكَرُهْ
عَشْرُ شِيَاهٍ سَمْعُهُ وبَصَرُهْ стр. 374
فَجَعَلَ لَهُ عَشْرَ شِيَاهٍ، والأوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ، ولَا حُجَّةَ فِيمَا احتَجَّ بِهِ هَؤُلَاءِ؛ لِأنَّه لَيسِ مِنْ شَرْطِ الإضَافَةِ أَن يُرَادَ بِهَا المِلْكَ في كُلِّ مَوْضِعٍ، فَإِنَّ العَرَبَ تُضِيفُ الشَّيءَ إِلَى الشَّيءِ وتَنْسِبُ إِلَيهِ لِمَا بَينَهُمَا مِنَ المُلَابَسَةِ والمُجَاوَرَةِ، فَيَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ الله تَعَالى نَسَبَهَا إِلَيهِمْ لِتَوَلِّيهِمْ أَمْرَهَا، كَمَا تُنْسَبُ الدَّابَّةُ إِلَى الَّذِي يَخْدِمُهَا وَقَدْ قَال [الله] تَعَالى (١): ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ولَا مَقَامَ لله، وإِنَّمَا هُوَ لِلعَبْدِ بَينَ يَدَي رَبِّه، وإِنَّمَا المَعْنَى: مَقَامَهُ بَينَ يَدَيهِ أَوْ عِنْدَهُ، ويُرْوَى بَيتُ زُهَيرٍ (٢):
* ... فَأَمْسَى رَهْنُهَا غَلِقَا *
أي: رَهْنُهَا عِنْدَنَا، ويَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ سَمَّاهُمْ مَسَاكِينَ؛ لأنَّهُ عَلَى جِهَةِ التَّرَحُّمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: "مِسْكِينٌ مِسْكِينٌ مَنْ لَا زَوْجَ لَهُ" قَالُوا: وإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ؟ قَال: "وإِنْ كانَ ذَا مَالٍ" وفي قَوْلهِمْ أَيضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ المِسْكِينَ عِنْدَهُم إِنَّمَا كَانَ الَّذِي لَا مَال لَهُ وَلِذلِكَ سَأَلُوْهُ.
وأَمَّا البَيتُ فَمَعْنَاهُ: "عَشْرُ شِيَاهٍ سَمْعُهُ وبَصَرُهُ" لَوْ وُهِبَتْ لَهُ، فَحَذَفَ مَا لَا يَتِمَّ الكَلَامُ إلَّا بِهِ لِعِلْمِ السَّامِعِ بِمُرَادِهِ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يُريدَ: مُلْكَ عَشْر شياهٍ أَوْ هِبَةَ عَشْرِ شِيَاهٍ سَمْعُهُ وبَصَرُهُ، فَحذَفَ المُضَافَ.
-[وَقَوْلُهُ: "لَوْ مَنعوْنِي عِقَالًا"] [٣٠]. العِقَالُ: صَدَقَةُ عَامٍ، قَالهُ الكِسَائِيُّ (٣)، стр. 375
واخْتَارَهُ أَبُو عُبَيدٍ وأَنْشَدَ (١):
* سَعَى عِقَالًا ... البيت *
وقِيلَ العَقَالُ: أَنْ يَأْخُذَ المُصَدِّقُ الفَرِيضَةَ بِعَييهَا، فَإِذَا أُخِذَ الثَّمَنَ قِيلَ: أَخَذَ نَقْدًا، وأَنْشَدَ (٢):
* أَتَانَا أَبُو الخَطَّابِ ... [ ... ] *
وَقِيلَ: أَرَادَ بالعِقَالِ مَا يُعْقَلُ بِهِ البَعِيرُ، وهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ (٣)؛ لأنَّهُ إِنَّمَا ذَهَبَ стр. 376
إِلَى التَّحْقِيرِ والتقليلِ مُبَالغَةً كَقَوْلِ القَائِلِ: لَوْ مَنَعْتَنِي حَبَّةً مَا تَرَكْتُهَا عِنْدَكَ، وَوَاللهِ لَا تَرَكْتُ عِنْدَكَ مِنْ حَقِّي جَنَاحَ بَعُوْضةٍ، أَي: مَا يَزِنُ الحَبَّةَ وجَنَاحَ البَعُوْضَةِ. وَقَال قَوْمٌ: مَعْنَاهُ: لَوْ كَانَ لِي عِنْدَهُمْ عِقَالًا يُعْقَلُ بِهِ البَعِيرُ ثُمَّ مَنَعُوْنِي إِيَّاهُ لَجَاهَدْتُهُمْ عَلَيهِ. وَرُويَ أَنَّ مُحَمَّدَ بنَ مَسْلَمَةَ (١) كَانَ عَامِلًا عَلَى الصَّدَقَةِ في زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ يَأْمُرُ الرَّجُلَ إِذَا جَاءَ بِفَرِيضَتينِ أَنْ يَأْتِيَ بِعِقَالِهِمَا وقِرَانِهِمَا. وَرُويَ أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ كَانَ يَأْخُذُ مَعَ كُلِّ فَرِيضَةٍ عِقَالًا وَرَوَاءً فَإِذَا جَاءَتْ إِلَى المَدِينَةِ بَاعَهَا ثُمَّ تَصَدَّقَ بِتِلْكَ العُقُلِ. والأرْويَةِ، قَال الوَاقِدِيُّ (٢): هَذَا رَأْيُ مَالِكٍ وَابنِ أَبِي ذِئْبٍ (٣). стр. 377
- وَقَوْلُهُ: عَنْ عُمَرَ "فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَقَاءَ" [٣١]. لَيسَ مِنَ التَّرْجَمَةِ في شَيءٍ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَوَجْهُ تَعَلُّقِهِ بالبَابِ أَنَّ فِيهِ تَشْدِيدًا في أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ إلا لِمَنْ نَصَّ عَلَيهِ رَسُوْلُ الله ﷺ [أَلَا تَرَاهُ لَمْ يَسْتَجِزْ تَرْكَ اللَّبَنِ في جَوْفِهِ وإِنْ كَانَ شَرِبَ غَيرَ مُتَعَمِّدٍ لِذلِكَ؛ ليُرِيَ الَّذي سَقَاهُ إِيَّاهُ وَمَنْ حَضَرَهُ مَا في ذلِكَ مِنَ الإغْلَاظِ. وظَاهِرُ هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ الَّذِي سَقَاهُ اللَّبَنَ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ فَيَكُوْنُ سَبِيلُهُ سَبِيلَ مَنْ بَرَّهُ. و"اسْتَقَاء": اسْتَدْعَى القَيءَ.
[زَكاةُ مَا يُخْرَصُ مِنْ ثِمَارِ النَّخِيلِ والأعْنَابِ]
-[قَوْلُهُ: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ والعُيُوْنُ والبَعْلُ العُشْرُ ... "] [٣٣]. يُقَالُ لِمَا سَقَتِ السَّمَاءُ: عِذْيُّ، وعَثَرِيٌّ، وَلِمَا كَانَ مِنَ الأنْهَارِ والعَينِ: غَيل وَسَيحٌ، وَلِمَا شَرِبَ بِعُرُوْقِهِ مِنْ ثَرَى الأرْضِ وَرُطُوبَتِهَا ونَدَاهَا مِنْ غَيرِ سَقْيِ سَمَاءٍ وَلَا غَيرِهَا لَا عُيُونِ، وَلَا مَاءٍ مُسَرَّبٍ، وَلكنَهُ يسْتَمِدُّ مِنْ رُطُوبَةَ الثَّرَى، ويَمْتَصُّ من نَدْوَتِهِ: بَعْلٌ، هَذَا قَوْلُ الأصْمَعِيِّ (١)، وَقَال الكِسَائِيُّ: البَعْلُ: العِذْيُ بِعَينِهِ (٢)، وَفِي حَدِيث بِشْرٍ هَذَا: مَا هُوَ في قَوْلِ الأصْمَعِيِّ؛ لأنَّه جَعَلَ مَا سقَتْهُ السَّمَاءُ والعَيُونُ صنْفًا، وَجَعلَ البَعْلَ صنْفًا آخَرَ.
- وَ"السَّقْيُ" مَصْدَرُ سَقَيتُ، و"السِّقْيُ" -بِكَسْرِ السِّينِ-: المَاءُ الَّذِي يُسْتَقَى بِهِ، وسُمِّيَ المَسْقِيَّ أَيضًا سِقْيًا - بالكَسْرِ - كَالرِّعْيِ للنَّبَاتِ الَّذِي يُرْعَى. стр. 378
و"النَّضْحُ "السَّقْيُ بالسَّوَانِي والدَّوَالِي وَهِيَ الخِطَّارَاتُ، والغَرْبُ: الدَّلْوُ العَظِيمَةُ.
- ويُقَالُ: "عُشُرٌ" و"عُشْرٌ" (١) و"عَشِيرٌ" وَكَذلِكَ جَمِيع الأجْزَاءِ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى العُشُرِ إلا الرُّبْع فَإِنَّهُم لَا يَقُوْلُوْنَ فِيه: رَبِيعٌ، إِنَّمَا يُقَالُ: رُبْعٌ ورُبُعٌ لَا غَيرُ.
و"الجَعْرُوْرُ" و"مِصْرَانُ الفَارِ" ويُقَال أَيضا: "مِعَى الفَارِ" وَ"عَذْقُ ابنُ حُبَيقٍ" ويُقَالُ: "خُبَيقٌ" بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ، كُلُّهَا أَنْوَاعٌ من تَمْرِ الحِجَازِ و"العَذْقُ" النَّخْلَةُ كُلُّهَا بِفَتْحِ العَينِ، والعِذْقُ - بِكَسْرِ العَينِ - كِبَاسُهَا، والكِبَاسَةُ: العُنْقُودُ مِنَ التَّمْرِ خَاصَّةً.
- و"البُرْدِيُّ" - بِضَمِّ البَاءِ -: تَمْرٌ وَسَطٌ (٢)، والبُرْنِيُّ: صِنْفٌ جَيِّدٌ مِنْهُ.
- وَ"الخِرْصُ" و"الخَرْصُ": مَصْدَرَانِ: وَقِيلَ: الخِرْصُ - بِكَسْرِ الصَّادِ - المَخْرُوْصُ نُفَسُهُ، والخَرْصُ - بِفَتْحِهَا -: التَّخْمِينُ والحَزْرُ والتَّقْدِيرُ الَّذِي لَيسَ مَعَهُ يَقِينٌ، يُقَال: خَرَصَ الرَّجُلُ وتَخَرَّصَ: إِذَا قَال بِالظَّن (٣).
- وَ"الرُّطَبُ" (٤): التَّمْرُ الَّذِي أَدْرَكَ وَصَلَحَ للأَكْلِ، يُقَالُ مِنْهُ: أَرْطَبَ النَّخْلُ فَهُوَ مُرْطِبٌ. والرَّطّبُ: النَّبَاتُ الأخْضَرُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ. стр. 379
- و"الرَّطَبُ" - بِفَتْحِ الرَّاءِ -: ضِدُّ اليَابِسِ مِنْ كُلِّ شَيءٍ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ في قَوْلهِ: "فَأَمَّا مَا لَا يُأْكَلُ رَطْبًا وإِنَّمَا يُؤكَلُ بَعْدَ حَصَادِهِ"، وَقْوُلُهُ: "إِنَّ مِنَ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ يُؤكَلُ رُطَبًا" فَهُوَ مَفْتُوْحُ الطَّاءِ.
- و"الثَّمَرُ": اسْمٌ لِحَمْلِ كُلِّ شَجَرَةٍ، يُقَالُ: شَجَرٌ مُثْمِرٌ: إِذَا طَلَعَ ثَمَرُهُ، وثَامِرٌ: إِذَا نَضَجَ ثَمَرُهُ. والتَّمْرُ: اسْمٌ لِحَمْلِ النَّخل (١) خَاصَّةً بنُقْطَتَينِ، وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ عَلَيهِ هَذَا الاسْمُ بَعْدَ يُبْسِهِ، وَمِنْهُ تَمَّرْتُ اللَّحْمَ: إِذَا قَدَّدْتُهُ وجَفَّفْتُهُ، يُقَالُ: اتْمَرَتِ النَّخْلَةُ باثْنَتينِ فَوْقِهَا: إِذَا حَمَلَت التَّمْرَ.
- ويُقَالُ: "جَدَدْتُ النَّخْلَ" أَجُدُّهُ جَدًّا وجِدَادًا، وَقَدْ أَجَدَّ التَّمْرُ: "إِذَا حَانَ أَنْ يُجَدَّ. وتَكَرَّرِ لِمَالِكٍ في هَذَا البَابِ قَوْلُهُ: "إنَّمَا عَلَى أَهْلِهَا فِيهَا الزَّمَانَةُ" (٢) مَرَّتَينِ (٣)، وكَانَ الوَجْهُ إِسْقَاطُ الثَّانِي، وَلكِنَّ العَرَبَ قَدْ كَرِّرُ اللَّفْظَ المُسْتَغْنَى عَنْهُ تَوْكِيدًا لِلْكَلَامِ، وَمِنْهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (٤): ﴿وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩)﴾ ومِنْهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (٥): ﴿أَنَّهُمَا فِي الْنَّارِ خَالِدَينِ فِيهَا﴾ وَفي كَلَامِ مَالِكٍ أَيضا أَنَّه حَمَلَ بَعْضَ الضَّمَائِرِ عَلَى لَفْظِ "مَا" في قَوْلهِ: "فَأَمَّا مَا لَا يُؤْكَلُ ... " فَذَكَّرهَا وَحَمَلَ بَعْضُهَا عَلَى المَعْنَى فَأَنَّثهَا، وذلِكَ كَثيرٌ في الكَلَامِ. стр. 380
- ويُقَالُ: "حِصَادٌ" وَ"حَصَادٌ" (١).
- وَ"الذَّرَةُ": الحَبَّةُ الَّتِي تُسَمَّى: الجَاوُرسَ (٢) الهِنْدِيَّ، ومِنْهَا أَبْيَضُ وأَسْوَدُ.
- وَفِي "الأوُزُّ" سِتُّ لُغَاتٍ أَرُزٌ، وأُرْزٌ، وأَرُزٌ، وَرُزُّ، وَرُنْزٌ (٣).
- و"اللُّوبِيَاءُ" مَمْدُوْدَةٌ لَا غَيرُ، وتُسَمَّى الدُّجْرَ (٤).
- و"الأَكْمَامُ" الأَغْشِيَةُ الَّتِي يَكُوْنُ فِيهَا الزَّرْعُ والثَّمَرُ، وَاحِدُهُ كُمٌّ، ويُقَالُ: أَكِمَّةٌ وكَمَائِمٌ أَيضًا. وَوَاحِدُهَا: كِمَامٌ - بِكَسْرِ الكَافِ -. ويُقَالُ: ثَمَر مُكَمَّمٌ: إِذَا كَانَ في غِشَائِهِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الحَائِطِ في "كِتَابِ الصَّلَاةِ" ويُقَالُ لَهُ -أَيضًا- حَدِيقَةٌ؛ لإحْدَاقِهِ بِمَا فِيهِ من الثَّمَرِ وغَيرِهِ. стр. 381
[مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنَ الثِّمَارِ]
-[قَوْلُهُ: "وَمَا يُحْصَدُ مِنْهُ أرْبَعَةُ أوْسُقٍ مِنَ القِطْنِيَّةِ"] [٣٦]. "القِطْنِيَّةُ" - بِكَسْرِ القَافِ مُشَدَّدَةَ اليَاءِ - لُغَة شَامِيّةٌ، وَهِيَ مِنَ الأسْمَاءِ الَّتِي جَاءَتْ على صُوْرَةِ المَنْسُوْبِ وَلَمْ يُنْسَبْ إِلَى شَيءٍ، وَمِنْهُ الكُرْسِيُّ، واشْتِقَاقُهَا من قَطَنَ بالمَكَانِ: إِذَا عَمَرَهُ، وتُسَمَّى: الخِلَفَةَ بالفَاءِ بِوَاحِدَةِ وكَسْرِ الخَاءِ (١).
- وَقَوْلُهُ: "في كُلِّ زَرْعِ مِنَ الحُبُوْبِ كُلِّهَا يُحْصَدُ". كَذَا وَقَعَ في الرِّوَايَاتِ: "كُلِّهَا" بالهَاءِ، وكَانَ ابنُ وَضَّاحٍ (٢) يَقُوْل: "كُلِّ مَا" بالمِيمِ.
[مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ مِنَ الفَوَاكِهِ]
-[قَوْلُهُ: "الرُّمَانُ والفِرْسِكُ والتِّينُ"] والفِرْسِكُ: الخَوْخُ (٣). стр. 382
-[وَقَوْلُهُ: "وَلَا فِي القَضْبُ"] والقَضْبُ: الرَّطْبَةُ، وتُسَمَّى أَيضًا الفِصْفِصَةُ، وأَصْلُهَا بالفَارِسِيَّةِ الفِسْفِست (١) -بكَسْرِ الفَاءين-، ويُقَالُ لِمَزْرَعَتِهِ: المِقْضَابُ.
- و"البَقْلُ" اسْمٌ يَقَعُ عَلَى كُلِّ عُشْب نبَتَ من بِزْرٍ، ولَا يَخْرُجُ من أَرُوْمَةٍ بَاقِيَةٍ كَذَا قَال أَبُو حَنِيفَة، وَقَال صَاحِبُ "العَينِ" (٢) البَقْلُ: مَا لَيسَ بِشَجَرٍ دَقٍّ وَلَا جَلٍّ. والفَرْقُ مَا بَينَ البَقْلِ ودَقِّ الشَّجَرِ أَنَّ البَقْلَ إِذا رُعِيَ لَمْ يَبْقَ لَهُ سَاقٌ، والشَّجَرُ يَبْقَى لَهُ سَاقٌ وإِنْ دَقَّ.
- و"الحُمَّصُ" و"البَاقِلَاء": و"البَاقِلَّى": إِذَا شَدَّدْتَ اللَّامَ قَصَرْتَ وإِذَا خَفَّفْتَ مَدَدْتَ وَهُوَ الفُوْلُ واللُّوْبِيَا واللُّوْبَاءِ، وهو الدُّجْرُ. وَذَكَرَ الحُمَّصُ (٣) وَقَال: وهو البُلُسُ (٤)، ومنْهُ الحَدِيثُ: "مَنْ أَحَبَّ أنْ يَرِقَّ قَلْبُهُ فَلْيُدْمِنْ أَكْلَ البُلُسِ" стр. 383
و"التُّرْمُسُ (١) ": هو البَسِيلَةُ، و"المَاشُ (٢) ": هُوَ المَنْجُ والبَنْجُ بِلُغَةِ العَامَّةِ (٣).
- وَقَوْلُ مَالِكٍ في هَذَا البَابِ: "لَيسَ في شَيءٍ مِنَ الفَوَاكِهِ كُلِّهَا صَدَقَةٌ، الرُّمَانُ والفِرْسَكُ" كَلَامٌ فيه نَظَرٌ؛ لأنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ العُمُوْمِ، ويَلْزَمُ عَلَى ظَاهِرِهِ أَنْ لَا يَكُوْد النَّخْلُ والعِنْبُ مِنَ الفَاكِهَةِ وهَدا رَأْيُ قَوْمٍ مِنَ المُفَسِّرينَ قَالُوا: لَا стр. 384
تُسَمَّى النَّخْلَةُ فَاكِهَةً لِقَوْلهِ [تَعَالى] (١): ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ فَكَانَ يَجِبُ لِمَالِكٍ إِنْ كَانَ اعْتَقَدَ هَذَا المَذْهَبَ أَنْ لا يَذْكُرَ الرُّمَّانَ في هَذَا البَابِ؛ لأنَّه قَدْ خَرَجَ مِنَ الفَاكِهَةِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ كَخُرُوْجِ النَّخْلِ، وإِنْ كَانَ اعْتَقَدَ أَنَّ إِفْرَادَ النَّخلِ والرُّمَّانِ في الآيَةِ لَا يُوْجِبُ خُرُوْجَهُمَا عَنِ الفَاكِهَةِ، وإِنَّمَا القَصدُ بإِفْرَادِهِمَا التَّنْويهُ، فَقَدْ كَانَ يَجِبُ عَلَيهِ أَنْ لَا يَقُوْلَ: لَيسَ في شَيءٍ مِنَ الفَوَاكِهِ صَدَقَةٌ؛ لأنَّ في النَّخْلِ صَدَقَةً، وهي بَعْضُ الفَوَاكِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ كَلَامُهُ عُمُوْمًا أَرَادَ بِهِ الخُصُوْصَ، ويَنْبَغِي أَنْ تُجْعَلَ "مِنْ" في قَوْلهِ في التَّرْجَمَةِ: "مَا لَا زكَاةَ فيه منَ الفَوَاكِهِ" لِبَيَانِ الجِنْسِ، ولَا تُجْعَل للتَّبْعِيضِ؛ لأنَّ ذلك يُوجِبُ أَنْ يَكُوْنَ في بَعْضِ البَقْلِ والقَضْبِ زكَاة كَمَا في بَعْضِ الفَوَاكِهِ، والصَّحِيحُ أَنَّ الفَاكِهَةَ اسم لِكُلِّ ثَمَرَةٍ يُتَنَعَّمُ بأَكْلهَا مَا خَلَا الحُبُوْبَ المُقْتَاتَةَ والبَقُوْلَ؛ لأنَّها مُشْتَقَّةٌ من فَاكَهْتُ الرَّجُلَ إِذَا مَازَحتُهُ بمُلَحِ الكَلَامِ. ورَجُلٌ فَكِهٌ وفَاكِهٌ: إِذَا كَانَ في نِعْمَةٍ من عَيشِهِ قَال [اللهُ] تَعَالى (٢): ﴿فَاكِهِينَ﴾ أي: نَاعِمِينَ مُعْجَبِينَ.
- "الظَّهْرُ" الإبِلُ الَّتِي تَحْمِلُ الأثْقَال، وَهُوَ اسْمٌ للْجَمْعِ، يُقَالُ ظَهَرَ الحِمْلُ ظَهَارَةً: إِذَا قَويَ عَلَى الحَمْلِ فَهُوَ ظَهِيرٌ، وأَرَادَ بالظَّهْرِ هَهُنَا: الإبِلُ الَّتِي كَانَ حَمَى لَهَا عُمَرُ الحِمَى.
- قَوْلُهُ: "وَهِيَ عَمْيَاءُ" كَلَامٌ فيه حَذْف، كأَنَّه قَال: إِذَا دَفَعَهَا إِلَيهِمْ وَهِيَ عَمْيَاءُ، وَلَوْ قَال: أَوْ هِيَ عَمْيَاءُ فَزَادَ الهَمْزَةَ لَكَانَ أَلْيقَ بالكَلَامِ؛ لأنَّ هَذِهِ الهَمْزَةَ стр. 385
للتَّقْرِيرِ كَقَوْلهِ [تَعَالى] (١): ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ [الأعراف: ٨٨] وَلكِنْ كَذَا جَاءَتِ الرِّوَايَةُ.
- وَقَوْلُهُ: "يَقْطُرُوْنَهَا بالإبِلِ" أَي: يَقُوْدُونَهَا مَعَهَا، والقَطْرُ: الشَّقُّ والنَّاحِيَةُ، القِطَارُ من الإِبِلِ: الجَمَاعَاتِ الَّتِي تَسِيرُ، يُقَالُ: قَطَرَ فِي الأرْضِ قُطُورًا: إِذَا ذَهَبَ.
- وَقَوْلُهُ: "ضَرَبَ الجِزْيَة" [٣٦]. أَي: جَعَلَ وَصَيَّرَ، فَلِذلِكَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُوْلَينِ كَمَا تَعَدَّى في قَوْلهِ [تَعَالى] (٢)؛ ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلًا أَصْحَابَ﴾ ومَنْ قَال إِنَّ ﴿أَصْحَابَ﴾ بَدَلًا مِنْ ﴿مَثَلًا﴾ ذَهَبَ إِلَى مِثْلِ ذلِكَ في هَذَا الحَدِيثِ فَجَعَلَ "أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ" بَدَلًا مِنَ الجِزْيَةِ.
و"الذِّمَّةُ": العَهْدُ، سُمِّيَ بِذلِكَ؛ لِأنَّ مَنْ يَخْنُهُ ذُمَّ.
و"النِّعَمُ": اسمٌ يَقَعُ عَلَى الإبِلِ، ولَا يَقَعُ عَلَى النَّقَرِ، ولَا عَلَى الْمَعِزِ وَلَا عَلَى الضَّأْنِ، فَإِذَا اختَلَطَتْ بالإبِلِ قِيلَ لِجَمِيعِهَا نَعَمٌ.
- وَقَوْلُهُ: "إنَّ علَيهَا وَسْمُ الجِزْيَةِ" يُرِيدُ عَلَامَتَهَا. وَسَمْتُ الشَّيءَ وَسْمًا إِذَا كَوَيتُهُ، وَالمِيسَمُ: أثرُ الكَيِّ، وَجَمْعُهُ: مَوَاسِمُ. وَالمِيسَمُ: المَكْوَى.
- و"الجِزْيةُ": مُشْتَقَّةٌ مِنْ جَزَيتُهُ عَنْ كَذَا أَجْزِيهِ: إِذَا كَافَأتُهُ، سُمِّيَتْ بِذلِكَ؛ لأنَّهَا مُكَافَأةٌ يُكَافَئُوْنَ بِهَا عَنْ إِقْرَارِهِمْ عَلَى أَحْوَالِهِمْ وَتَرْكَ حَرْبِهِمْ.
- و"الجَزُوْرُ": النَّاقَةُ الَّتي تُنْحَرُ. وأَمَّا "الجَزَرَةُ" فَهِيَ مِنَ الغَنَمِ
- وَقَوْلُهُ: "فَدَعَى عَلَيهَا المُهَاجِرِينَ". الوَجْهُ: "إِلَيهِ" وإِنَّمَا جَازَ اسْتِعْمَالُ "عَلَى" مَكَانَ "إِلَى"؛ لأنَّ المَعْنَى دَعَاهُمْ للاجْتِمَاعِ عَلَيهِ. стр. 386
- و"الصَّغَارُ والصَّغرُ": الإذْلَالُ.
- "العُشُوْرُ": جَمْعُ عُشْرٍ كَجُنْدٍ وجُنْوْدٍ، وبُرْدٍ وبُرُوْدٍ. ويُقَالُ: عَشَرْتُ الدَّرَاهِمَ عَشْرًا وعُشُوْرًا: إِذَا كَانَتْ عَشَرَةً فَأَخَذْتَ مِنْهَا وَاحِدًا، وعَشَّرْتُهَا -بِتَشْدِيدِ الشَّينِ-: إِذَا كَانَتْ دُوْنَ العَشَرَةِ فَكَمَّلْتَهَا عَشَرَة، قَال الخَلِيلُ (١): العُشُوْرُ: نُقْصَانٌ، والتَّعْشِيرُ: تَمَامٌ، ويُقَالُ: عَشَرْتُ القَوْمَ أَعْشُرُهُمْ: إِذَا أُخَذْتَ عُشرَ أَمْوَالِهِمْ، وأَعْشِرُهُمْ -بِكَسْرِ الشَّينِ-: إذَا صِرْتَ لهم عَاشِرًا.
- و"النَّبَطُ": جِنْسٌ مِنَ العَجَمِ يَسْكُنُوْنَ بالشَّامِ والعِرَاقِ (٢)، ومَنْزِلَتُهُمْ هُنَاكَ مَنْزِلَةُ القِبْطِ بِمِصْرَ، ويُقَالُ لَهُمْ أَيضًا: نَبِيطٌ، وسُمُّوا نبَطًا ونَبِيطًا: لإنبَاطِهِم المِيَاهَ стр. 387
وَمِنْ (كِتَابِ الصِّيَامِ) (١)
[مَا جَاءَ في الرُّخْصَةِ في القُبْلَةِ لِلصَّائِمِ]
-[قَوْلُهُ: "فَوَجَدَ في ذلِكَ"]. وَجَدَ يَجِدُ وَجْدًا: إِذَا حَزِنَ، ومَوْجِدَةً: إِذَا غَضِبَ. وَوَقَعَ في بَعْضِ النُّسَخِ: "إلا أخْبَرْتِيهَا" وهي لُغَةٌ لِبَنِي عَامِرٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ في "الجَنَائِزِ".
-[قَوْلَهَا: "وَإنْ كانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ لَيُقَبِّلُ بَعْضُ أزْوَاجِهِ"]. "وإِنْ كانَ لَيُقِبِّلُ" وَقَدْ تَقَدَّمَ في ذِكْرِ "الصَّلَاةِ". وفي رِوَايَةِ عُبَيدِ اللهِ: أَنَّ عَائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنّهَا قَالتْ، مِنَ القَائِلَةِ. وفي بَعْضِهَا: "كَانَتْ".
[مَا جَاءَ في التّشدِيدِ في القُبْلَةِ للصَّائِمِ]
وَفِي"المُوَطَّأ": "لِنَفْسِهِ" وفي غَيرهِ: "لإرْبِهِ" أَو"لأرَبِهِ" والإرْبُ: الدَّهَاءُ وَجَوْدَةُ العَقْلِ، والإرْبُ -أَيضًا- العُضْوُ، ويَكُوْنُ -أَيضًا- جَمْعَ إِرْبَةٍ كَسِدْرَةٍ وسِدْرٍ. والإرْبَةُ: الحَاجَةُ قَال [الله] تَعَالى (٢): ﴿غَيرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ ويَمْكِنُ أَنْ يَكُوْنَ لُغَةً في الأرَبِ كَمِثْلٍ ومَثلٍ، وَشِبْهٍ وَشَبَهٍ، وأَمَّا مَنْ رَوَاهُ: "لأرَبِهِ" بِفَتح الرَّاءِ والهَمْزَةِ: فالحَاجَةُ، هكَذَا يَكُوْنُ مَعْنَاهُ لا غَيرُ. стр. 388
وَذَكَرَ أَبُو الوَليدِ هِشَامٌ (١) حَدِيثَ: "لَيسَ مِنَ البِرِّ الصِّيَامُ في السَّفَر". فقَال: احْتَجَّ بِهِ أَهْلُ الظَّاهِرِ بِأَنْ قَالُوا: إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنَ البِرِّ فَهُوَ إِذًا مِنَ الإثْمِ. قَال: ولَا حُجَّةَ في هَذَا؛ لأنَّ هَذَا خُصُوْصٌ خَرَجَ بِلَفْظِ العُمُوْمِ، وَإِنَّمَا قَالهُ ﷺ في رَجُل رَآهُ وَهُوَ صَائِمٌ قَدْ ظُلِّلَ عَلَيهِ وَهُوَ يَجُوْدُ بِنَفْسِهِ، وأَيضًا فَإِنَّ نَفْي النَّفْي لا يَلزَمُ مِنْه إِثْبَاتُ ضِدّهِ وخِلَافِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَكَ: لَيسَ زَيد مِنَ الرِّجَالِ لا يُوْجِبُ أَنَّ زَيدًا خَارِجٌ مِنْ نَوْعِهِم، وإِنَّمَا أَرَادَ: لَيسَ في الكَمَالِ بِحَيثُ يَسْتَحِقُّ هَذَا الاسْمِ عَلَى الكَمَالِ، والعَرَبُ تُخْرِجُ الكَلَامَ مَخْرَجَ النَّفْيِ ويُرِيدُوْنَ أَنّه لَيسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي فَيَقُوْلُونَ: مَا قُلْتُ شَيئًا، أَي شَيئا يَجِبُ قَوْلُهُ، أَوْ شَيئًا يَنْتمعُ بِه، وَمِنْهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (٢): ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾، ومِنْهُ قَوْلُهُ [تَعَالى] (٣): ﴿وَمَا رَمَيتَ إِذْ رَمَيتَ﴾ وَهُوَ قَدْ أَوْجَبَهُ بِقَوْلهِ: ﴿إِذْ رَمَيتَ﴾ فَفِي الحَدِيثِ على هَذَا وَجْهَان:
أحَدُهُمَا: لَيسَ مِنَ البِرِّ المُلْزِمِ الصِّيَامُ في السَّفَرِ، فَحَذَفَ الصِّفَةَ كَمَا قَال: "لَيسَ المِسْكِينُ بالطَّوَّافِ" أَي لَيسَ المِسْكِينُ الشَّدِيدُ المَسْكَنَةِ".
والثَّاني: لَيسَ مِنَ البِرِّ الصِّيَامُ المُؤَدِّي إِلَى هَذ الحَالِ، فَفِي هَذَا الوَجْهِ حَذْفُ صِفَةِ الصّيَامٍ، وفي الأوَّلِ حَذْفُ صِفَةِ البِرِّ.
- وَذَكَرَ قَوْلهُ [تَعَالى] (٤): ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾. وَقَوْلَ عَلِي: "مَنْ أدْرَكَهُ الشَّهْرُ وَهُوَ مُسافرٌ فَعَلَيهِ عِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَرَ، وَمَنْ أدْرَكَهُ وَهُوَ مُقِيمٌ فَعَلَيهِ стр. 389
صِيَامُهُ سَافَرَ أَوْ لَمْ يُسَافِرْ". قَال: وتأْويلُهُ عندَ غَيرِهِ: فَمَنْ شَهِدَ مِنكمُ الحَضَرَ (١) في الشَّهْرِ، فالشَّهرُ عَلَى هَذَا مَنْصُوْبٌ انْتِصَابَ الظَّرْفِ لا انْتِصَابَ المَفْعُوْلِ، وحَذَفَ المَفْعُوْلَ وهو الحَضَرُ (٢)، ولَا يَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ الشَّهْرُ مَفْعُوْلًا؛ لأنَّه يَلْزَمُ مِنْ ذلِكَ أَنْ يَصُوْمَهُ الحَاضِرُ والمُسَافِرُ؛ لأنَّهُمَا مَعًا يَشْهَدَانِ الشَّهْرَ. قَال: والأجْوَدُ أَنْ يَكُوْنَ من قَوْلهِمْ: شَهِدَ زَيدٌ: إِذَا حَضَرَ، فَيَكُوْنُ مَعْنَاهُ: فَمَنْ حَضَرَ مِنكمْ في الشَّهْرِ، وشَهِدَ هَذَا غَيرُ مُتَعدٍّ إلى المَفْعُوْلِ، ومِنْهُ قَوْلُهُ [تَعَالى] (٣): ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أَي: حَاضِرٌ بِلُبِّه وفِكْرِهِ. ولَمْ يُعَدِّهِ إلى مَفْعُوْلٍ، وأَيضًا فَإِنَّ مَنْ شَهِدَ بَعْضَ الشَّهْرِ في الحَضَرِ لا يُقَالُ إِنَّه شَهِدَ الشَّهْرَ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ العَرَبَ تَضَعُ العُمُوْمَ مَوْضِعَ الخُصُوْصِ، وبالعَكْسِ، فَمَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُوْنَ مَنْ شَهِدَ بَعْضَهُ أَنْ يُقَال: شَهِدَ الشَّهْرَ كَمَا تَقُوْلُ: لَقِيتُ القَوْمَ وأَنْتَ وإِنَّمَا لَقِيتَ بَعْضَهُمْ.
قِيلَ لَهُ: يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ هَذَا التّأويلِ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ وإِفْطَارُهُ وَهُوَ قَدْ خَرَجَ في رَمَضَان. قَال: وَقَدْ يَجُوْزُ أنْ يَكُوْنَ المُرَادُ بالآيةِ مَا قَالهُ عَلِيٌّ ثُمَّ نَسَخَهُ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا ابنُ شِهَابٍ بِقَوْلهِ -عَقِبَ الخَبَرِ في الموطَّأ-: وَكَانُوا يَأْخُذُوْنَ بالأحْدَثِ، فَالأحْدَثِ مِنْ أَمْرِهِ ﷺ .
- "الصِّيَام" و"الصَّوْمُ": الإمْسَاكُ (٤)، ومِنْهُ قِيلَ لِلْسُّكُوْتِ: صَوْمٌ؛ لأنَّه стр. 390
إِمْسَاكٌ عَنِ الكَلَامِ وَبِذلِكَ فُسِّرَ [قَوْلُهُ تَعَالى] (١): ﴿نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ ويُقَالُ صَامَ الفَرَسُ: إِذَا وَقَفَ وأَمْسَكَ عَنِ المَرْعَى (٢)، وصَامَ النَّهَارُ: إِذَا قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ.
- و"الفِطْرُ" مِنْ فَطَرْتُ الشَّيءَ؛ إِذَا ابْتَدَأْتُهُ، كَأَنَّه ابتَدَأَ حَالِةً أُخْرَى غَيرَ الصِّيَامِ، وَمِنْهُ خَبَرُ ابنِ عَبَّاسٍ: كُنْتُ لا أَدْرِي مَا مَعْنَى "فَاطِر" حَتَّى اختَصَمَ إلَيَّ أَعْرَابِيَّانِ في بِئرٍ، فقَال أَحَدُهُمَا: أَنَا فَطَرْتُهَا أَي: ابْتَدَأْتُهَا. وَبِهِ فَسَّر قَوْلَهُ [تَعَالى] (٣): ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾ أَي: مُبْتَدِؤُهَا، وَمِنْهُ فَطِيرُ الخُبْزِ؛ لأنَّه استُعْجِلَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْتَمِرَ.
- وَ"رَمَضَانَ" مِنَ الرَّمْضِ وهو أَنْ تَحْتَرِقَ الرِّجْلَان من شِدَّة الحَرِّ. ويُقَالُ لِلْحِجَارَةِ المَحْمِيّةِ مِنَ الشَّمْسِ: رَمْضَاءُ، وَسُمِّيَ رَمَضَانُ بذلِكَ وإِنْ كَانَ يَكُوْنُ في أَشْهُرِ الحَرِّ والبَرْدِ؛ لأنَّ فَرْضَ صِيَامِهِ (٤) نزلَ في أَشْهُرِ الحَرِّ فَلَزِمَتْهُ الإسْمِيّةَ ولَمْ تَنْتَقِلْ بانتِقَالِهِ، كَمَا سُمِّيَتْ سَائِرُ الشُّهُوْرِ بِمَعَانٍ وَقَعَتْ في وَقْتِ التَّسْمِيَةِ، ثُمَّ لَزِمَتْ، وجَمْعُ رَمَضَان: رَمَضَانَاتٌ ورَمَضَانين ورِمَاضٌ وأَرْمِضَةٌ (٥) على следующие страницы →