← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18194

التعليق على الموطأ في تفسير لغاته وغوامض إعرابه ومعانيه

هشام بن أحمد الوقشي

Полный текст (937 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

- وَقَوْلُ مَالِكٍ: "يَضَعُ فِدْيَتَهُ حَيثُ شَاءَ؛ النُّسُكُ أو الصِّيامُ أو الصَّدَقَةُ" يَجُوْزُ فِيهَا النَّصْبُ عَلَى البَدَلِ مِنَ الفِدْيَةِ، والرَّفْعُ عَلى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ. - وَ"الحَفْنة" بِفَتْحِ الحَاءِ، وَقَدْ أُوْلِعَتِ العَامَّةُ بِكَسْرِهَا، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا إِذَا أُرِيدَ بِهَا هَيئَةُ الحَفْنِ، وَلَا وَجْهَ لِذلِكَ ههنَا لأنَّه إِنَّمَا أَرَادَ مَا يَمْلأُ كَفَّهُ مَرَّةً وَاحِدَةً. [جَامِعُ الحَجِّ] -[قَوْلُهُ: "افْعَلْ وَلَا حَرَجَ"] [٢٤٢]. الحَرَجُ: الإثْمُ، وأَصْلُهُ الضِّيقُ. والحَرَجُ: الشَّجَرُ يَشْتَبِكُ ويَضِيقُ حَتَّى يَتَعَذَّرُ السُّلُوكُ فيه. - وَ"الشَّرَفُ" [٢٤٣]: المَوْضِعُ المُشْرِفُ، وَبِهِ سُمِّيَ المَجْدُ شَرَفًا. - وَ"الآيِبُوْنَ": هُمُ الرَّاجِعُوْنَ. - وَ"المِحَفَّةُ": شِبْهُ الهَوْدَجِ إلَّا أَنّهَا مَكْشُوْفَةٌ غَيرُ مَسْتُوْرَةٍ، وهي مَكْسُوْرَةُ المِيمِ، وَأُجْرِيَتْ مُجْرى الآلاتِ كَالمِخَدَّةِ وَالمِسَلَّةِ. - وَ"الضَّبْعَانُ" [٢٤٤]: العَضدَان، وقِيلَ: وسَطُ العَضُدَينِ، الوَاحِدُ: ضَبْعُ (١). - وَقَوْلُهُ: "وَفِيهِ أصْغَرُ" [٢٤٥]. أي: أَذَلُّ، من الصَّغَارِ. - وَ"أدْحَرُ" مَعْنَاهُ: أَبْعَدُ، يُقَالُ: دَحَرْتُهُ دَحْرًا أَوْ دُحْوْرًا. - وَقَوْلُهُ. "لِمِا رُؤُيَ مِنْ تَنزُّلِ الرَّحْمَةِ". الصَّوَابُ: " [لِمَا] يَرَى" لأنَّه لَيسَ يُخْبِرُ عن شَيء قَدْ انْقَضى، إِنَّمَا يُخْبِرُ

стр. 492

أَنَّ هَذِه حَالهُ في كُلِّ أَيَّامِ عَرَفَةَ، وَالعَرَبُ قَدْ تَضَعُ المَاضِي مَكَانَ المُسْتَقْبَلِ، وبالعَكْسِ إِذَا كَانَ المَعْنَى مَفْهُوْمًا. - وَقَوْلُهُ: "أمَّا إنَّه ... ": يَجُوْزُ كَسْرُ "إِنَّ" عَلَى الاستِئْنَافِ، ويُجْعَلُ "أَمَا" استِفْتَاحُ كَلامِ مِثْل "أَلا". ويَجُوْزُ فَتْحُهَا بِجَعْلِهَا في تَأْويلِ المَصْدَرِ وَيَكُوْنُ مَوْضِعُهَا رَفْعًا عَلَى الابْتِدَاءِ، وَخَبَرُهُ في أَمَا وَ"أَمَا" ههنَا جَارِيَة مَجْرَى الظُّرْفِ عِنْدَ سِيبَوَيهِ كَأَنَّكَ قُلْتَ: أَحَقًّا إِنَّكَ ذَاهِبٌ، فانْتِصَابِ حَقٍّ عِنْدَهُ عَلَى الظَّرْفِ كأَنَّكَ قُلْتَ: أَفِي حَقٍّ ذَهَابُكَ، وَلَيسَ من الظُّرْفِ المَعدُودَةِ. وَأجَازَ غَيرُ سِيبَوَيهِ أَنْ يَكُوْنَ "حَقًّا" مَصْدرًا كَأَنَّه قَال: أَحُقُّ حَقًّا ذَهَابَكَ. [قَال الشَّاعِرُ: أَحَقًّا عِبَادَ اللهِ أَنْ لَسْتُ لاقِيًا ... يَزِيدُ طِوَال الدَّهْرِ ... فَـ "أَحَقًّا" -ههنَا- ظَرْفٌ، كَأَنَّهُ قَال: أَفِي حَق، وأَمَّا قَوْلُهُ: * فَتًى لَيسَ كالفِتيانِ إلَّا خِيَارِهِمْ * فَـ "خِيَارِهِمْ" بَدَلٌ مِنَ الفِتيانِ، وَهُوَ بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ كَأَنَّه قَال فَتًى لَيسَ إلَّا كَخِيَارِ الفِتيانِ] (١). -[وَقَوْلُهُ: "ويَزَعُ المَلائِكَةُ" يُهَيِّئهَا لِلْحَرْبِ، والوَازعُ: الَّذِي يُقَوِّمُ العَسْكَرَ، وَهُوَ مِثْلُ الشُرْطِيِّ. - وَ [قَوْلُهُ: "بينَ الأخشَبَينِ مِن مِنًى"] [٢٤٩] الأخْشَبَانِ (٢): جَبَلان

стр. 493

تَحْتَ العَقَبَةِ الَّتِي بِمِنًى، وَقَال الأصْمَعِيُّ: الأخْشَبُ: الجَبَلُ. - وَ"السَّرْح": شَجَرٌ يَطُوْلُ ويَرْتَفِعُ، وَاحِدَتُهُ سَرْحَةٌ. ومَعْنَى "نَفَحَ بِيَدِهِ" أَشَارَ بِهَا وَرَفَعَهَا، يُقَالُ: نَفَحَتِ الرِّيحُ، ونَفَحَ الطَّيبُ، ونَفَحَ الجَرْحُ: إِذَا دَفَعَ بالدَّمِ. وَمَعْنَى: "سُرَّ تَحْتَهَا"؛ أي: وُلِدُ فَقُطِعَتْ هُنَاكَ سِرَارُهُم. قَال الأصمَعِيُّ: يُقَالُ: تَعَلَّمْتُ العِلْمَ قَبْلَ أَنْ يُقْطَعَ سُرُّكَ وسُرَارُكَ، وَهُوَ مَا تَقْطَعُهُ القَابِلَةُ مِنْ بَطْنِ المَوْلُوْدِ. ولا يُقَالُ قَبْلِ أَن تُقْطَعَ: سُرَّتُكَ؛ لأنَّ السُّرَّةَ هِيَ الَّتِي تَبْقَى بَعْدَ القَطْعِ (١). ويُسَمَّى هَذَا الوَادِي: السِّرَرُ والسُّرَرُ (٢)، فَمَنْ كَسَرَ السِّينَ سَمَّاهُ بالذِي يُقْطَعُ مِنَ المَوْلُوْدِ، وَمَنْ ضمَّهَا سَقَاهُ بالَّذِي يَبْقَى. وَقَال ابنُ وَضَّاح: مَنْ قَال: السُّرَرُ، أَرَادَ: قُطِعَتْ سُرُرُهُمْ، وَمَنْ قَال: بالكَسْرِ أَرَادَ: إِنَّهُم بُشِّرُوا بالنُّبُوَّةِ فَسُرُّوا، وهَذَا غَيرُ مَعْرُوفٍ ولا صَحِيحٍ، والوَجْهُ مَا قَدَّمْنَا. -[وَ] قوْلُهُ: "هَلْ نَزَعَكَ غَيرُ ذلِكَ" [٢٥٢]. مَعْنَاهُ: حَرَّكَكَ وأَخْرَجَكَ، يُقَالُ: نزَعَ الرَّجُلُ إِلَى بَلَده: إِذَا حَنَّ إِلَيهِ. ومَعْنَى: "ائتَنَفَ" اسْتأْنَفَ. - وَ"الانْقِصَافُ" التّزَاحُمُ والتَّضَاغُطُ، مِنْ قَصَفْتُ العُوْدَ: كَسَرْتُهُ، كَأَنَّ

стр. 494

النَّاسَ يَكْسُرُ بَعْضُهُم بَعْضًا لِشِدَّةِ تزَاحُمِهِمْ. - وَقَوْلُهُ: "أو يَصْنَع ذلِكَ أحَدٌ" [٢٥٣]. الهَمْزةُ هُنَا للتَّقْرِيرِ والاسْتِفْهَامِ دَخَلَتْ عَلَى وَاو العَطْفِ كَقَوْلهِ [تَعَالى] (١): ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا﴾ وقَال الكِسَائِيُّ: هي "أَوْ" حُرِّكَتْ وَاوُهَا. - وَيقَالُ: "احتشَّ" (٢) الرَّجُلُ لِدَابَّتِهِ وحَشَّ: إِذَا جَمَعَ لَهَا الحَشِيشَ، وَهُوَ: مَا يَبُسَ مِنَ النَّبْت، وَمَا كَانَ مِنَ المَرْعَى أَخْضَر قِيلَ لَهُ: الخَلَى، وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ الحَشِيشَ يَقَعُ عَلَى المَرْعَى كُلِّهِ رَطْبِهِ ويَابِسِهِ، وهَذَا غَيرُ صَحِيحٍ؛ لأنَّ الاشْتِقَاقَ يُبْطِلُ ذلِكَ، والعَرَبُ تَقُوْلُ: حَشَّتْ يَدُهُ: إِذَا يَبُسَتْ، وحَشَّ الجَنِينُ في بَطْنِ أَمَّهُ فَهُوَ حَشِيش. [حَجُّ المَرْأةِ بِغَيرِ ذِي مَحْرَمٍ] - و"الصَّرُوْرَةُ" [٢٥٤] في الجَاهِلِيّةِ: الذي لَا يَقْرُبُ النِّسَاءَ- والَّذِي لَمْ يُحْصَرْ، وَأَمَّا في الإسْلامِ فَالَّذِي لَمْ يَحُجَّ خَاصَّةً، وَهُوَ يَقَعُ لِلذَّكَرِ والأُنْثَى وَالجَمْعِ وَالمُؤَنَّثِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ. وَالحَجُّ فَرِيضَةٌ لِقَوْلِ اللهِ : (٣) ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ﴾ ولِقَوْلهِ (٤): ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِر ... ﴾ وهَذِهِ الآية -وَإِنْ كَانَتْ في شَرْعِ إِبْرَاهيمَ الخَلِيلِ-

стр. 495

فَقَدْ تَوَجَّهَ الخِطَابُ بِهَا عَلَينَا لِقَوْلهِ : (١) ﴿ثُمَّ أَوْحَينَا إِلَيكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ وَقَال النَّبيُّ ﷺ : "بُنِيَ الإسْلامُ عَلَى خَمْسٍ ... " وَذَكَرَ الحَجَّ، وَلَا خِلافِ في ذلِكَ، هَذَا نَصُّ أَبِي الحَسَنِ في "التَّبْصِرَةِ". وَقَدْ جَعَلَ بَعْضُ العُلَمَاءِ تَرْكَ الحَجِّ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيه كَتَرْكِ الصَّلاةِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيهِا قَال النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ كَفَرَ" كَذلِكَ قَال [ ] في تَارِكِ الحَجِّ (٢): ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ﴾ وهَذِهِ زِيَادَةُ تَهْدِيدٍ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ تَخْصِيصٍ، وَقَدْ أَخَذَ ابنُ عَبَّاسٍ بِعُمُوْمِ الآيَةِ الوَارِدَةِ في المُنَافِقِينَ في الاتِّفَاقِ الوَاجِبِ خَاصَّةً دُوْنَ النَّفْلِ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيرُهُ عن ابنِ عَبَّاسٍ قَال: "مَنْ كَانَ له مَالٌ يُبَلِغُهُ حَجَّ بَيتِ رَبِّه أَوْ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَلَمْ يَفْعَلْ شَيئًا سَأَلَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ المَوْتِ"، فَقَال رَجُل: يا بْنَ عَبَّاسٍ. اتَّقَ الله إِنَّمَا سألَتِ الرَّجْعَةَ الكُفَّارُ؟ ! قَال سأَتْلُوا عَلَيكَ قُزآنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (٣) " والَّذِي ذَهَبَ إِلَيهِ ابنُ عَبَّاسٍ صحِيحٌ؛ لأنَّ الوَعِيدَ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بالوَاجِبِ دُوْنَ النَّفْلِ. فَإِنْ طُلِبَ منَ الحَاجِّ في الطَّرِيقِ أَوْ في دُخُوْلِ مَكَّةَ مَالًا فَقَال بَعْضُ

стр. 496

العُلَمَاءِ: لا يَدْخُلُ ولا يُعْطِيهِ ويَرْجِعُ، وَقَال ابنُ وَضَّاحٍ: يُعْطِي، ولا يَنْبَغِي أَنْ يَكُوْنَ فيه خِلافٌ فَإِنَ الرَّجُلَ بإِجْمَاعٍ مِنَ الأُمَّةِ يُجُوْزُ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ عِرْضَهُ مِمَّن يَنْتَهِكُهُ بِمَالِهِ، وَقَالُوا: مَا وَقَى بِهِ المَرْءُ عَرْضَهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ، فَكَذلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِيَ دِينَهُ مِمَّنْ مَنَعَهُ، وَلَوْ أَنَّ ظَالِمًا قَال: لا أُمْكِنُكَ مِنَ الوَضُوْءِ والصَّلاةِ إلَّا بِجُعْلٍ لَوَجَبَ عَلَيه أَنْ يُعْطِيَهُ عَلى (كَذا؟ ) (١). كَانَت الهِجْرَةُ وتَركُ الأمْوَالِ وَالأهْلِ والوَطَنِ لِلسَّلَفِ، وهي اليَومَ على مَنْ أَمِنَ في دَارِ الحَرْبِ بَاقِيَةٌ إلَّا شِرَاءُ الدِّينِ بتركِ المَالِ وَالأهْلِ والوَلَدِ، وَاللهُ ذَكَرَ الحَجَّ بأبْلَغِ أَلْفَاظِ الوُجُوْبِ حِينَ قَال: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ تأكِيدًا لِحَقِّهِ وتَعْظِيمًا لِحُرْمَتِهِ، ولا إِشْكَال في ذلِكَ، كَمَا أَشْكَلَ على كَثيرٍ مَعْنَى الأمْرِ والنَّهْي والخَبَرِ والاسْتخْبَارِ، فَيَجْعَلُوْنَ الخَبَرَ بِمَعْنَى الأمْرَ، وَهَذَا لَا يَجُوْزُ كَمَا لَا يَجُوْزُ عَكْسُهُ، وَهُوَ كَوْنُ الأمْر بِمَعْنَى الخَبَرَ، كَمَا لَا يَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بمَعْنَى النَّهْي، وَتَلَوْا بِذلِكَ قُرآنا قَالُوا: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ (٢) بِمَعْنَى اصْبِرُوا ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ (٣) [أي]: ازْرَعُوا و ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [أي]: آمِنُوا بالله، وَيَتَرَبَّصْنَ ﴿تَرَبُّصُ﴾ (٤) وَأَشْبَاهُ ذلِكَ، وَلِكُلِّ لَفْظَةٍ مِنَ الأمْرِ وَالنَّهْيِ وَالخَبَرِ والاسْتِخْبَارِ حَقَائِقُ يتَعَدَّدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا

стр. 497

بِحَقِيقَتِهِ، وَلِذلِكَ حَصَرُوا الكَلامَ إِلَى أَرْبَعَةٍ؛ خَبَرٌ وَأَمْرٌ، واسْتِخْبَارٌ وَرَغْبَةٌ، فَإِبْقَاءُ الأشيَاءِ عَلَى حَقَائِقِهَا فِي ذَوَاتِهَا وَتَرْكُ مَزْجِهَا بِغَيرِهَا أَثْبَتُ وَأَشْهَرُ وَأَجْلَى وَأَظْهَرُ. تمَّ النِّصْفُ الأوَّلُ من تَعْلِيقِ الشَّيخِ الفَقِيهِ الإمَامِ القُدْوَةِ المُتَفَنِّنِ أَبِي الوَليدِ هِشَامٍ الوَقَّشِيِّ ﵀ وَعَفَا عَنْهُ، وَهُوَ مُنْتَسَخٌ مِن مُبَيَّضَةٍ بِخَطِّ يَدِهِ وَقُوْبِلَ بِهَا فَصَحَّ بِعَوْنِ اللهِ فِي حَادِي وَعِشْرِين ذي القَعْدَةِ مِنْ عَامِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَسَبْعِمَائَةَ. وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطيِّبِينَ

стр. 498

التعليق على الموطأ في تفسير لغاته وغوامض إعرابه ومعانيه تأليف هشام بن أحمد الوقشي الأندلسي (٤٠٨ هـ - ٤٨٩ هـ) حققه وقدم له وعلق عليه الدكتور عبد الرحمن بن سليمان العثيمين مكة المكرمة - جامعة أم القرى [الجزء الثاني]

стр. 499

(ح) مكتبة العبيكان، ١٤٢١ هـ فهرسة مكتبة الْملك فَهد الوطنية أثْنَاء النشر الوقشي، هِشَام أَحْمد التَّعْلِيقُ عَلَى الْمُوَطَّأ فِي تَفْسِير لغاته وغوامضِ إِعرابه ومعَانيه تَحْقِيق عبد الرَّحْمَن سُلَيْمَان العثيمين - الرياض. ٥٧١ ص، ١٧ × ٢٤ سم. ردمك: ٠ - ٧٨٧ - ٢٠ - ٩٩٦٠ (مَجْمُوعَة) ٧ - ٧٨٩ - ٢٠ - ٩٩٦٠ (ج ٢) ١ - الحَدِيث - شرح. ٢ - الحَدِيث - مسانيد. أ- العثيمين، عبد الرَّحْمَن سُلَيْمَان (مُحَقّق). ب- العنوان ديوي ٢٣٦.٤ ... ٣٢٥٦/ ٢١ ردمك: ٠ - ٧٨٧ - ٢٠ - ٩٩٦٠ (مَجْمُوعَة) ٧ - ٧٨٩ - ٢٠ - ٩٩٦٠ (ج ٢) رقم الْإِيدَاع: ٣٢٥٦/ ٢١ الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للناشر الناشر مكتبة العبيكان الرياض - الْعليا - طَرِيق الْملك فَهد مَعَ تقاطع الْعرُوبَة ص. ب: ٦٢٨٠٧ - الرَّمْز: ١١٥٩٥ هَاتِف: ٤٦٥٤٤٢٤ - فاكس: ٤٦٥٠١٢٩

стр. 500

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلَّى الله على سيِّدنا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلهِ وسَلَّمَ ([كتَابُ] النِّكاح) (١) [مَا جَاءِ في الخطبَة] قَال كَثِيرٌ مِنَ اللُّغَويِّينَ: خَطَبْتُ المَرْأَةَ خِطْبَةٌ. وعَلَى المِنْبَرِ خُطْبَةً. وَقَال ثَعْلَبٌ (٢): الخُطْبَةُ -بالضَمِّ- اسمٌ لِمَا يُخْطَبُ به، والخطْبَةُ -بالكَسْرِ-: المَصْدَرُ. وَقَال ابن دُرُسْتُوَيه (٣): هُمَا اسْمَانِ لَا مَصْدَرَانِ، لكِنَّهُمَا وُضِعَا مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وَلَوْ اسْتُعْمِلَ مَصْدَرُهُمَا عَلَى القِيَاسِ لَخَرَجَ مَصْدَرُ مَا لَا

стр. 501

يَتَعَدَّى فِعْلُهُ مِنْهُمَا عَلَى فُعُوْلٍ، والمُتَعَدِّي عَلَى فَعْلٍ، وَقِيلَ فِي المتَّعَدِّي (١): خَطَبْتُ المَرْأَةَ خَطْبًا، وَفِي غَيرِ المُتَعَدِّي خُطُوْبًا، وَلكِنْ كُرِهَ اسْتِعْمَالُ ذلِكَ لِئَلَّا يَلْتَبِسُ، وَوُضِعَ غَيرُهُ مَوْضِعَهُ، قَال: والخِطْبَةُ: اسْمُ مَا يُخطَبُ بِهِ في النِّكَاحِ خَاصَّةً، وبالضَمِّ: مَا يُخْطَبُ بِهِ في كلِّ شَيءٍ، ودَلِيلُ ذلِكَ قَوْلُهُمْ: "كانَ رَسُوْلُ اللهِ [ ﷺ ] يُعَلِّمُنا الخطْبة فِي النكاحِ والحَاجَةِ" كَذَا رُويَ بالضَّمِّ. وقَال الزَّجَّاجُ (٢): الخُطْبَة -بالضَّمِّ- فِيمَا لهُ أَوَّلُ وآخرُ، فَدَلَّ على أَنَّ الخِطْبَةَ -بالكَسْرِ- في النِّكَاحِ؛ لأنَّه أمرٌ لا يَتَعَيَّنُ لَهُ أَوَّلُ ولا آخرُ. - و [قَوْلُهُ (٣): ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ [٣]. التَّعْرِيضُ: مَأْخُوْذٌ مِنْ تَعَرَّضَتِ الدَّابَّةُ فِي المَشْيِ: إِذَا أَخَذَتْ يَمِينًا وشِمَالًا، وتَرَكَتِ المَشْيُ عَلَى اسْتِقَامَة، وَمِنْهُ قَوْلُ عَبْدِ اللهِ ذِي البِجَادَينِ (٤) يُخَاطِبُ نَاقَةَ

стр. 502

النَّبِيِّ ﷺ : تَعَرَّضِي مَدَارِجًا وَسُوْمِي تَعَرُّضَ الجَوْزَاءِ للنُّجُوْمِ هَذَا أَبُو القَاسِمِ فَاسْتَقِيمِي فَمَعْنَى التَّعْرِيضِ عَلَى هَذا أَنْ يَعْدِلَ عَنْ مَا يُرِيدُهُ وَلَا يَقْصِدُ قَصْدَهُ. ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُوْنَ [مَأْخُوْذًا] مِنْ عُرْضِ الشَّيءِ وَهُوَ جَانِبُهُ. وأَعْرَضَ الشَّيءَ: إِذَا بَدَا لَكَ جَانِبُهُ وَلَمْ يَظْهَرْ جَمِيعُهُ، فَيَكُوْنُ مَعْنَى التَّعْرِيضُ: أَنْ يَظْهَرَ لَكَ بَعْضُ مَا تُرِيدُ. - وَ [قَوْلُهُ: "فَتَرْكَنَ إِلَيهِ"] [٢]. يُقَالُ: رَكِنَ يَرْكُنُ، ورَكَنَ يَرْكَنُ -بِضَمِّ الكَافِ وفَتْحِهَا في المُسْتَقْبَلِ- فالأوَّل: كَعَلِمَ يَعْلَمُ والثَّانِي: كَقَتَلَ يَقْتلُ، وَكَانَ الوَجْهُ: "فَتَرْكَنَ" بِفَتْحِ الكَافِ (١). -[وَقَوْلُهُ]: "وَيَتَّفِقَا عَلَى صَدَاقٍ". مَعْطُوْفٌ عَلَى [قَوْلُهُ: ] "أَنْ يَخْطِبَ" وَلكِنَ الرِّوَايَةَ وَرَدَتْ [بِحَذْفِ] (٢) النُّوْنِ. وإِثْبَاتُ النُّوْنِ [جَائِز] عَلَى القَطْعِ مِمَّا قَبْلَهُ. [اسْتِئْذَانُ البِكْرِ والأيِّمِ فِي أنْفُسِهِمَا] -[وَقَوْلُهُ: "والأَيِّمُ أحَقُّ بِنَفْسِهَا"] [٤]. الأيِّمُ: الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا، ثَيِّبًا كَانَتْ أَوْ غَيرَ ثَيِّبٍ.

стр. 503

- وَذَكَرَ قَوْلَ الدَّرَاوَرْدِيِّ (١) لِمَالِكٍ -في تَحْدِيدِ أَوَّلِ الصِّدَاقِ-: تَعَرَّقْتَ فِيهَا، أَي: صِرْتَ عِرَاقِيًّا. - وَذَكَرَ أَدْوَاءَ الفَرْجِ فَقَال: وَمِنْهَا "القَرَنُ" ويُقَالُ لَهُ: العَفَلَةُ، والعَفْلُ، وَهُوَ طُوْلُ البُظْرِ، يُقَالُ فِيهِ: امْرَأَةٌ عَفْلاءُ وقَرْنَاءُ وبَظْرَاءُ. والبَظْرُ: الخُنْتَبُ، وأَنْشَدَ (٢): ابْغُو لَهَا خَاتِنًا واشْرُوا لِخُنْتَبِهَا ... مَوَاسِيًا أَرْبَعًا فِيهِنَّ تَذْكِيرُ [مَا جَاءَ في الصَّدَاقِ والحَبَاءِ] فِي الصَّدَاقِ خَمْسُ لغَاتٍ: صَدَاقٌ وَصِدَاقٌ بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِهَا،

стр. 504

وَصُدُقَةٌ، وَصَدْقَةٌ وصُدْقَةٌ (١). واشْتِقَاقُهُ مِنْ صَدْقِ النَّظَرِ، وصَدَقِ اللِّقَاءِ، ورُمْحٌ صَدْقٌ: إِذَا كَانَ صُلْبًا (٢)؛ لأنَّ بِهِ يَكْمُلُ النِّكَاحُ ويَنْعَقِدُ، ومِنْهُ الصِّدْقُ فِي الحَدِيثِ؛ لأنَّ الصَّادِقَ عَلَى ثَبَاتٍ مِنْ أَمْرِهِ بِخِلافِ الكَاذِبِ. - و"الحِباءُ": العَطَاءُ الَّذِي يُخَصُّ بِهِ وَاحِدٌ دُوْنَ آخَرَ. - وَقَوْلُهُ: "سُوْرَةُ كَذَا وَسُوْرَةُ كَذَا" يَجُوْزُ في "سُوْرَةٍ" التَّنوينُ، وتُجْعَلُ (كَذَا) كِنَايَةً عَنْ صِفَةٍ، ويَجُوْزُ تَرْكُ التَّنوينِ، وتكوْنُ (كَذَا) كِنَايَةً عَنِ المُضَافِ؛ كَمَا تَقُوْلُ: سُوْرَةُ البَّقَرَةِ، وَهُوَ الوَجْهُ. - قَوْلُهُ: "لِسُوَرٍ سَمَّاهَا" كَلامٌ فِيهِ حَذْفٌ، كَأَنَّهُ قَال: قَال ذلِكَ لِسُوَرٍ سَمَّاهَا. - وَ [قَوْلُهُ: "أوْ مِنَ العَشِيرَةِ" [٩]. العَشِيرَةُ: القَبِيلَةُ؛ سُمِّيَتْ بِذلِكَ لِمُعَاشَرَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. والعَشِيرُ: الزَّوْجُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفَاعلٍ كَنَدِيمٍ وَجَلِيسٍ (٣). - وَ [قَوْلُهُ: "فَابْتَغَتْ أُمَّها"] [١٠]. ابْتَغَتْ: طَلَبَتْ، يُقَالُ: بَغَيتُ الشَّيءَ أَبْغِيهِ بُغَاءً: إِذَا طَلَبْتُهُ، فَإِنْ أَكْثَرْتَ من طَلَبِهِ قُلْتَ: ابْتَغَيتُ ابْتِغَاءً. - وَ [قَوْلُهُ: "مَنْ كَانَ، أبًا أوْ غَيرَهُ"] [١١]. رَوَى يَحْيَى: "مَنْ كَانَ، أَبًا أَوْ غَيرَهُمْ". وَرَوَى غَيرُهُ مِنَ الرُّوَاةِ: "أَوْ غَيرَهُ" بإِفْرَادِ الضَّمِيرِ (٤)، وَهُوَ الوَجْهُ؛

стр. 505

لأنَّه يَعُوْدُ على الأبِ. وذَهَبَ يَحْيَى بِذلِكَ إِلَى الأبِ وغَيرِهِ، أَوْ جَعَلَ الأبَ بِمَعْنَى الآبَاءِ كَمَا قَال تَعَالى (١): ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ والأشْبَهُ أَنْ يَكُوْنَ غَلَطًا كَمَا غَلِطَ في قَوْلهِ: "فَلِزَوْجِهَا شَرْطُ الحِبَاءِ" وإِنَّمَا هُوَ شَطْرُ (٢). - و [قَوْلُهُ: "وَكانَ في وَلَاتةِ أبِيهِ"]. الولايَةُ: الإِمَارَةُ بالكَسْرِ لا غَيرُ، وَإِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى الوَلاءِ جَازَ فِيهَا الفَتْحُ والكَسْرُ، وبِذلِكَ قَرَأَتِ القُرَّاءُ (٣): ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيءٍ﴾ بِكَسْرِ الوَاو وفَتْحِهَا. - وَذُكِرَ أَنَّ العَجَّاجَ (٤) نكَحَ الدَّهْنَاءَ بنْتَ مِسْحَلٍ فعَجَزَ عَنِ افْتِضَاضِهَا فَاسْتَعْدَتْ عَلَيهِ الأمِيرَ وَقَالتْ: إنِّي مِنْه بِجُمْعٍ (٥)، فَقَال: كَذَبَتْ، إِنِّي لآخُذُهَا العُقَيلَي

стр. 506

والشَّغْزَبِيَّةَ، فَضَحَكَ الأمِيرُ، وقَال: اذْهَبَا فَقَدْ أَجَّلْتُكُمَا سَنَةً، فَرَجَعَ وَهُوَ يَقُوْل (١): أَظَنَّتِ الدَّهْنَا وَظَنَّ مِسْحَلُ ... أَنَّ الأمِيرَ بالقَضَا يُعَجِّلُ عَنْ كَسَلاتِي وَالحِصَانُ يَكْسِلُ ... عَن السِّفَادِ وَهُوَ طِرْفُ هَيكَلُ - كَانَ (٢) رُؤْبَةُ يُنْشِدُهُ "يَكْسَلُ" بِفَتْحِ اليَاءِ والسِّينِ- ثُمَّ جَعَلَ يُلاعِبُهَا ويُعَانِقُهَا وكثَّرَ مِنْ ذلِكَ فَقَالتْ: واللهِ لَا تَخْدَعُنِي بِضَمٍّ ... وَلَا بِتَقْبِيلٍ ولا بِشَمٍّ إِلَّا بِزَعْزَاع يُسَلِّي هَمِّي ... تَسْقُطُ مِنْهُ فتَخِي في كُمِّي العُقَيلِي والشَّغْزَبِيّةُ: أَنْ تَصْرَعَهَا عِنْدَ المُلاعَبَةِ. اعْتَقَلَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ: إِذَا أدْخَلَ رِجْلَيهِ بَينَ رِجْلَيهِ فَصَرَعَهُ. والفَتْخُ: خَوَاتِمُ أَصَابع الرِّجْلَينِ، والزَّعْزَاعُ: النِّكَاحُ بالحَرَكَةِ الشَّدِيدَةِ. [نِكَاحُ المُحَلِّلِ وَمَا أشْبَهَهُ] -[قَوْلُهُ: حَتَّى تَذُوْقَ العُسَيلَةَ"] [١٧]. وَذَكَرَ العُسَيلَةَ وَقَوْلَ الحَسَنِ،

стр. 507

فَقَال: الَّذِي تَقْتَضِيهِ اللُّغَةُ هُوَ أنَّ ذَوْقَ العُسَيلَةِ: النِّكَاحُ الَّذِي مَعَهُ الإنْزَالُ، يُقَالُ: عَسَلَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ (١)، والفَحْلُ النَّاقَةَ. -[وَقَوْلُهُ: "فَاعْتُرِضَ عَنْهَا"]. ويُقَالُ: اعْتُرِضَ الرَّجُلُ عَنْ أَهْلِهِ: إِذَا عَجَزَ عَنْ نِكَاحِهَا كَمَا يَعتَرِضُ لَهُ الشَّيءُ فَيَحُوْلَ بَينَهُ وبَينَ قَصْدِهِ، وَفِي مَعْنَاهُ: عُنِنَ الرَّجُلُ عَنِ امْرَأَتِهِ. ورَجُل عِنِّينٌ بَيِّنُ العِنِّينَةِ والتَّعَنِينِ. أَكْسَلَ الرَّجُلُ يُكْسِلُ في الجِمَاعِ، فَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ غَيرِ جِمَاع قِيلَ كَسَلَ يَكْسَلُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ. - وَ [قَوْلُهُ: "مِثْلَ هُدْبة الثَّوْبِ"]. يُقَالُ: هُدْبَةٌ وهُدُبَةٌ وهُدَّابَةٌ: وَهُوَ الخَيطُ الَّذِي يُتْركُ في طَرَفِ الثَّوْبِ ثُمَّ يُفْتَلُ، فَيَقَعُ عَلَيهِ اسْمُ الهُدْبِ مَفْتُوْلًا وغَيرَ مَفْتُوْلٍ، يُقَالُ: هَدَّبْتُ الثَّوْبَ فَهُوَ مُهَدَّبٌ. شبَّهَتْ ذَكَرَهُ في لِينهِ بالهُدْبَةِ. - وَوَقَعَ في بَعْضِ النُّسَح: "لَا يَحِلُّ لِزَوْجِهَا الأوَّلَ أنْ يُرَاجِعَهَا" [١٩]. وَهُوَ الوَجْهُ؛ لأنَّه فِعْلٌ لِلْمُرَاجَعَةِ، وَ"أَنْ يُرَاجِعَهَا" في موْضِعِ رَفْعٍ بِهِ، كَأَنَّهُ قَال: لَا يَحِلُّ لِزَوْجِهَا الأوَّلِ مُرَاجَعَتِهَا، وكَذلِكَ قَوْلُهُ: "هَلْ يَحِلُّ لِزَوْجِهَا الأوَّلِ أَنْ يُرَاجِعَهَا" وَقَدْ رُويَ: "تَحِلُّ" بالتَّاءِ في المَوْضِعَينِ، عَلَى أَنْ يَكُوْنَ في "تَحِلُّ" ضَمِيرٌ يَرْجِعُ عَلَى المَرْأَةِ، ويَجُوْزُ أَنْ تَجَعَلَ: "أَنْ يُرَاجِعَهَا" في مَوْضِعِ رَفْع عَلَى البَدَلِ مِنْهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ [تَعَالى] (٢): ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ﴾

стр. 508

قُرِئَ (١) باليَاءِ والتَّاء. [جَامع ما لا يجوز من النكاح] -[قَوْلُهُ: "وَضَرَبَ زَوْجَهَا بالمِخْفَفَةِ] [٢٧]. المِخْفَقَة: هِيَ الدُّرَّةُ (٢). [مَا جَاءَ في كَرَاهِيةِ إِصَابةِ الأخْتَينِ بملك اليَمينِ] - وَذَكَرَ قَوْلَ عُمَرَ: "مَا أحِبُّ أنْ أخْبُرَهُمَا جَمِيعًا" [٣٣]. فَقَال: إنَّمَا هُوَ كِنَايَة عَنِ الوَطْءِ، يُقَالُ: خَبَرْتُ الأرْضَ (٣): إِذَا حَرَثْتُهَا، وَخَابَرْتُ الرَّجُلَ مُخَابَرَةً: إِذَا زَارَعْتَهُ، والزَّارعُ: الخَابِرُ والخَبَّارُ والخَبِيرُ. فَسَمَّى عُمَرُ النِّكاحَ خَبْرًا كَمَا سَمَّاهُ اللهُ حَرْثًا، ويُقَالُ لِلْمَرْأَةِ: حَرْثٌ، قَال (٤): إِذَا أَكَلَ الجَرَادُ حُرُوْثَ قَوْمٍ ... فَحَرْثِي شَأنُهُ أَكْلُ الجَرَادِ - وَذَكَرَ أَنَّ "أَنَّى" تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى مِنْ أَينَ، وَمِنْهُ: (٥) ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ و ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٦).

стр. 509

- وَذَكَرَ حَدِيثُ قَبِيصَةَ بنِ ذُؤَيبٍ (١). [٣٤]. إِنَّمَا أَخْفَى ذِكْرَ عَلِيٍّ لِمَا تَوَقَّعَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، وَكَانَ قَبِيصَةُ مُدَاخِلًا لَهُمْ. - وَقَوْلُ عَلِيٍّ: "لَجَعَلْتهُ نَكَالًا" مِنْ نكلَ عَنِ الأمْرِ يَنكلُ: إِذَا جَبُنَ عَنْهُ وارْتَدَعَ، فَمَعْنَى نَكَّلْتُ بِهِ؛ أَي: عَاقَبْتُهُ مُعَاقَبَةً تُنكِّلُ غَيرَهُ أَنْ يَقْدمَ عَلى مِثْلِهِ (٢). [النَّهْيُ عَنْ أنْ يُصِيبَ الرَّجُلُ أمَةً كَانَتْ لأَبِيهِ] - قَوْلُهُ: "مُنْكَشِفًا" [٢٧]. الرِّوَايَةُ بِكَسْرِ الشِّينِ، وَكَانَ الوَجْهُ أَنْ يَكُوْنَ مُنكشِفًا عَنْهَا ثَوْبُهَا، وأَظُنُّهُ نُقْصَانًا وَقَعَ في الخَط، أَوْ يَكُوْنُ: مُنكَشَفًا عَنْهَا -بِفَتح الشِّينِ- فَيَكُوْنَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ القَائِلِ: انكشِفَ الثَّوْبُ عَنْ زَيدٍ، ثُمَّ يُحْذِفُ الثَّوْبُ فَيَقُوْلُ: انكشِفَ عَنْ زَيدٍ، يُقِيمُ المَصْدَرَ مَقَامَ الفَاعِلِ، كَأَنَّهُ قَال: انكشِفَ الانكشَافُ، أَوْ جَعَلَ المَجْرُوْرُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ كَقَوْلهِ [تَعَالى] (٣): ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ﴾.

стр. 510

[نِكَاحُ المُتْعَةِ] -[قَوْلُهُ: "إِنَّ رَبِيعَةَ بنَ أمَيَّةَ"] [٤٢]. رَبِيعَةُ بنُ أُمَيَّةَ أَخُو صَفْوَانِ بنِ أُمَيَّةَ (١)، كَانَ مَوْصُوْفًا بِشِدَّةِ الصَّوْتِ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُبَلِّغُ النَّاسَ قَوْلَ النَّبِيِّ [ ﷺ ]، يَوْمَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، إِذْ كَانَ النَّبِيُّ [ ﷺ ] يَقُوْلُ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا، فَكَانَ هُوَ يَرْفَعُ بذلِكَ صَوْتَهُ. أُتِيَ بِهِ عُمَرُ سَكْرَانَ فَحَدَّهُ، فَأَنفَ مِنْ ذلِكَ وهَرَبَ إِلَى الرُّوْمِ، وتنَصَّرَ، فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ بَعَثَ إِلَيهِ أَبا الأعْوَرِ السُّلَمِيّ (٢) يَسْتَدْعِيهِ إِلَى الإِسْلامِ فَرَاجَعِهُ بَقَوْلِ النَّابِغَةِ (٣): حَيَّاكَ وَدٌّ (٤) فَإِنَّا لَا يَحِلُّ لنا ... لَهْوُ النِّسَاءِ وأَنَّ الدِّينَ قَدْ عَزَمَا

стр. 511

وَ"وَدٌّ" صنَمٌ، وإِنَّمَا ذَكَرَهُ إِشَارَةً لِمَا كَانَ عَلَيهِ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ مِنْ تَعْظِيمِ الأصْنَامِ وَعِبَادَتِهَا، وإِنْ كَانَ يُظْهِرُ النَّصْرَانِيّةَ. - وَذَكَرَ نَهْيَ النَّبيِّ ﷺ عنِ المُتْعَةِ يَوْمَ خَيبرَ. وَرُويَ: يَوْمَ الفَتْحِ، وَرُويَ: يَوْمَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، وَقِيلَ: عامَ أَوْطَاسٍ (١)، وَقِيلَ: عَامَ تَبُوْكَ. وَرُويَ: يَوْمَ عُمْرَةِ القَضَاءِ. وَرَجَّحَ رِوَايَةَ حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلَى مَا رَجَّحَهَا أَبُو دَاوُدَ، وَهُوَ حدِيثُ رَبِيع بنِ سَبْرَةَ (٢). - وَقَوْلُ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِب [﵁] (٣) لابنِ عَبَّاس: "إِنَّكَ لَتَايِهٌ" (٤) والتَّايِهُ: الضَّالُّ المُتَحَيِّرُ. - وَقَوْلُ جَابِرٍ تَمَتَّعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُوْلِ الله [ ﷺ ] وَخِلافَهِ أَبِي بَكْر، ونصْفِ

стр. 512

خِلافَةَ عُمَرَ، ثُمَّ نَهَى عُمَرُ عَنْهَا فِي شَأْنِ عَمْرِو بنِ حُرَيثٍ (١)، وَسُئِلَ ابنُ عَبَّاسٍ عَنْهَا: أَسِفَاح هِيَ أَمْ نِكَاح؟ فَقَال: لَا ذَا ولا ذَا، هِيَ مُتْعَةٌ كَمَا قَال تَعَالى. وَقَوْلُ ابنِ عَبَّاسٍ: يَرحَمُ اللهُ عُمَرَ مَا كَانَتْ المُتْعَةُ إلَّا رَحْمَةً مِنَ اللهِ، وَلَوْلا نَهْيُ عُمَرَ مَا زَنَى إلَّا شَقِيٌّ. - وَذَكرَ قَوْلَهُ: "نَهَى رَسُوْلُ اللهِ [ ﷺ ] عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ، وَعَنْ أكْلِ لُحُوْمِ الحُمُرُ الإنسِية (٢) يَوْمَ خَيبرَ" فَقَال: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُوْنَ يَوْمَ (٣) خَيبَرَ ظَرَفًا لِوُقُوع النِّهْيِ عَنِ اللُّحُوْمِ، وأَنَّ النَّهْيُ عَنِ المُتْعَةِ مُبْهَمُ الظَّرْفِ، وَقَوْلُ القَائِلِ: لَقِيتُ زَيدًا وعَمْرًا يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُوْنَ يَوْمَ الجُمُعَةِ ظَرْفًا لِلِقَائِهِمَا، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُوْنَ ظَرْفًا لِلِقَاءِ أَحَدِهِمَا. - وَذَكَرَ قَوْلَ ابنِ عُمَرَ: "هَلَّا تَزَمْزَمَ بِهَا زَمَنِ عُمَرَ". يَعْنِي ابنَ عَبَّاسٍ، وقَال: الزَّمْزَمَةُ [هِيَ] (٤): الانْقَاضُ باللِّسَانِ في الحَنَكِ مَعَ إِطْبَاقِ الفَمِ نَحْوَ مَا تَفْعَلِ

стр. 513

الفُرْسُ، وَقِيلَ: هُوَ تَحْرِيكَ الشَّفَتينِ مِنْ غَيرِ كَلامٍ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ زَمْزَمُ؛ لأنَّ الفُرْسُ زَمْزَمَتْ عَلَيهَا، قَال الشَّاعِرُ: زَمْزَمَتِ الفُرْسُ عَلَى زَمْزَمِ ... وذلِكَ في سَالِفِهَا الأقْدَمِ - وَذَكَرَ قَوْلَ سَعِيدِ بنِ جُبيرٍ لابنِ عَبَّاسٍ في المُتْعَةِ؛ وأنَّ الشُّعَرَاءَ قَدْ قَالتْ في ذلِكَ (١): قَال المُحَدِّثُ لَمَّا طَال صُحْبَتُهُ ... يَا صَاحِ هَلْ لَكَ في فُتيا ابنِ عَبَّاسٍ فِي بَضَّةٍ رَخْصَةِ الأطْرَافِ آنِسَةٍ ... تَكُوْنُ مَثْوَاكَ حَتَّى مَرْجِعَ النَّاسِ فَقَال: مَا أَحْلَلْتُ مِنْهَا إلَّا مَا أحَلَّ اللهُ مِنَ المَيتة. - اذْكُرُ قَوْلُ هِنْدٍ: "يَا أهْلَ مَكَّةَ عَلَيكُم الحِمِّيتَ الدَّسِمَ فَاقْتُلُوْهُ" الحِمِّيتُ: الزِّقُّ يُدْبَغُ بِرُبِّ التَّمْرِ لِيَحْفَظَ (٢) السَّمْنَ مِنَ التَّغَيُّرِ، الدَّسِمُ: الَّذِي قَدْ عَلاهُ

стр. 514

الدَّسَمُ، شَبَّهَهُ بِهِ في كثرةِ لَحْمِهِ مَعَ جُبْنهِ وخَوَرِهِ. تَسْألنِي عَنْ بَعْلِهَا أَيَّ فَتًى ... خِبٌ جروزُ (١) وإِذا جَاعَ بَكى لَا حَطَبَ القَوْمَ وَلَا القَوْمَ سَقَى ... كَأَنَّهُ غِرَارَةٌ مَلآيَ حَثَى (٢) الحَثَى: دِقَاقُ التبِّنِ. [نِكَاحُ المُشْرِكِ إِذَا أسْلَمَتْ زَوْجَتُهُ قَبْلَهُ] - قَوْلُهُ: " [إنَّ] هَذَا وَهْبُ بنُ عُمَيرٍ" (٣). يَجُوْزُ رَفْعُ "وَهْبٍ" عَلَى خَبَرِ "إِنَّ"

стр. 515

ونَصْبُهُ عَلَى البَدَلِ أوْ عَطْفِ البَيَانِ، وَيَكُوْنُ الخَبَرُ: جَاءَنِي. - وَ [قَوْلُهُ: "بحُنينَ"]. وَقَعَ في الرِّوَايَةِ: "حُنَينَ" غَيرَ مُنْصَرَفٍ، ذَهَبِ بِهِ إلى الأرْضِ والبُقْعَةِ، وَمَنْ صَرَفَهُ ذَهَبَ بهِ إلى المَوْضِعِ، وَهُوَ أَشْبَهُ قَال [تَعَالى] (١): ﴿وَيَوْمَ حُنَينٍ﴾ (٢). - وَوَقَعَ في رِوَايةَ يَحْيى: "ثُمَّ رَجَعَ". ولا مَعْنَى لِذِكْرِ الرُّجُوع ههنَا، وَرَوَى غَيرُهُ: "خَرَجَ" (٣) وأَظُنُّهُ: "زَحَفَ" فَصَحَّفَهُ الرَّاوي، وَمَعْنَاهُ: نَهَضَ لِلْقِتَالِ، يُقَالُ: زَحَفَ القَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ. - وَقَوْلُهُ: "حَتَّى أسْلَمَ صَفْوَانُ". هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ القَائِلِ: لَا تُقِمْهُ مَنْ مَوْضِعِهِ (٤) حَتَّى يَقُوْمَ عَلَى اخْتِيَارِهِ، مَعْنَاهُ، اتْرُكْهُ حَتَّى يَقُوْمَ عَلَى اخْتِيَارِهِ، وَلَيسَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلكَ: مَا عَاقَبْتُ زَيدًا حَتَّى اسْتَحَقَّ العِقَابَ؛ لأن هَذَا يُوْجِبُ أَنْ يَكُوْنَ إِسْلامُ صَفْوَانَ سَبَبًا مُوْجِبًا للتَّفْرِقَةِ بَينَهُ وَبَينَ امْرَأَتِهِ، كَمَا [كَانَ] (٥)

стр. 516

اسْتِحْقَاقُ زَيدٍ العِقَابَ سَبَبًا مُوْجِبًا لِعِقَابِهِ، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ "حَتَّى" بِمَعْنَى "حِينَ" فِي قَوْله (١): "حَتَّى تَمَلُّوا" أَي: حِينَ، إِنَّمَا جَازَ اسْتِعْمَالُهَا بِمَعْنَى الحِينِ؛ لأنَّهَا تُسْتَعْمَلُ غَايَةً في الزَّمَانِ تَقُوْلُ: جَلَسْتُ حَتَّى الطهْرِ؛ أَي: حَتَّى هَذَا الحِينِ، فَلَمَّا كَانَتْ تُسْتَعْمَلُ في الحِينِ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيهِ الفِعْلُ سَدَّتْ مَسَدَّهُ؛ أَي: لَا يَملُّ عِنْدَ الغَايَةِ الَّتِي يَقَعُ المَلَلُ مِنْكُمْ. وَبِمَعْنَى "كَي" تَقُوْلُ: صَلَّيتُ حَتَّى يَغْفِرَ اللهُ [لِي]. وَلَهَا مَعْنًى آخَرُ وَهُوَ قَوْلُكَ: لَا تُمَازِحُهُ حَتَّى يَغْضَبَ أَي: لَا تَبْلُغُ بِمُمَازَحَتِهِ حَدَّ الغَضَبِ. - وَ [قَوْلُهُ: "حَتَّى الهِجْرَةِ"] الهِجْرَةُ: هَيئَةُ الهَجْرِ كَالجِلْسَةِ والرِّكْبَةِ، وَسُمِّيَتْ هِجْرَةً؛ لأنَّ الرَّجُلَ كان يَهْجُرُ فِيهَا قَوْمَهُ وَيُقَاطِعُهُمْ، وكَذلِكَ سُمِّيتُ مُهَاجَرَةً ومُرَاغَمَةً، قَال [الله] تَعَالى (٢): ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا [كَثِيرًا وَسَعَةً] (٣)﴾ والمُرَاغَمُ: مصدَرٌ جَاءَ عَلَى مِثَالِ المَفْعُوْلِ بِمَعْنَى المُرَاغَمَةِ، كَمَا قَالُوا: المُقَاتَلُ بِمَعْنَى المُقَاتَلَةِ. وَتَوْجيهُهُ رِدَاءَهُ (٤) أَمْرٌ كَانَتِ العَرَبُ تَفْعَلَهُ في الجَاهِلِيةِ كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ خَفَارَةَ (٥) رَجُلٍ وَتَأَمِينَهُ مِمَّا يَخَافُ، وَأَنْ يَعْلَمَ النَّاسُ [أنَّهُ] في كَنَفِهِ، أَلْقَى

стр. 517

عَلَيهِ رِدَاءَهُ أَوْ ثَوْبًا مِن ثِيَابِهِ، فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ أَحَدٌ، قَال أَبُو خِرَاشٍ (١): وَلَمْ أَدْرِ مَنْ أَلْقَى عَلَيهِ رِدَاءَهُ ... عَلَى أَنّه قَدْ سُلَّ مِنْ مَاجِدٍ مَحْضِ وبَلَغَ سُلَيمَانُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ أَنَّ وَكِيعَ بنَ الدَّوْرَقِيّة التَّمِيمِيُّ (٢) أَوْقَعَ بِقُتيبَةَ بنِ مُسْلِمٍ بِخُرَاسَان، فَخَطَبَ بِمَكَّةَ وَذَكَرَ غَدْرَ بَني تَمِيمٍ، وَسُرْعَتَهُمْ إلى إِثَارَةِ

стр. 518

الفِتَنِ، فَقَامَ الفَرَزْدَقُ [فَـ]ـبَسَطَ رِدَاءَهُ وَقَال: رِدَائي رَهْنٌ لأمِيرِ المُؤمِنِينَ بِوَفَاءِ بَني تَمِيمٍ، والَّذي نُقِلَ عَنْهُم كَذِبٌ، فَمَا انْقَضَتْ إلَّا مُدَّةٌ يَسِيرَةٌ حَتَّى أتتْهُ بَيعَةُ وَكِيع وَبني تَمِيمٍ، فَسُرِّيَ عَن سُلَيمَانَ فَقَال الفَرَزْدَقُ (١): أتانِي وَأَهْلِي بالمَدِينَةِ وَقْعَةٌ ... لآلِ تَمِيمٍ أَقْعَدَتْ كُلَّ قَائِمِ كَأَنَّ رُؤُوْسَ النَّاسِ إذْ سَمِعُوا بِهَا .... مُشَدَّخَةً هَامَاتُهَا بالأمَايمِ وَمَا بَينَ مَنْ لَمْ يُعْطِ سَمْعًا وَطَاعَة ... وَبَينَ تَمِيمٍ غَيرُ حَزِّ الحَلاقِمِ فِدًى لِسُيُوفٍ مِنْ تَمِيمٍ وَفَى بِهَا ... رِدَائِي وَجَلَّتْ عَنْ وُجُوْهِ الأهَاتِمِ فَلَمَّا كَانَ أَمْرًا مَعْرُوْفًا عِنْدَ العَرَبِ بَعَثَ إِلَيهِ بِرِدَائِهِ لِيُؤَمِّنَهُ وَتَطِيبَ نَفْسُهُ. [مَا جَاءَ في الوَلِيمَة] لَيسِ في حَدِيثِ الخَيَّاطِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَن طَعَامَهُ كَانَ طَعَامَ وَلِيمَةٍ، وَقَدْ تأمَّلْتُهُ فِي المُصَنَّفَاتِ فَلَمْ أَجِدْ دَلِيلًا عَلَى ذلِكَ. طَعَامُ الوَليمَةِ: العُرْسُ والإمْلاكُ

стр. 519

-وَهُوَ العَقْدُ-. وَقَال الشَّافِعِيُّ (١): وَلِيمَةُ العُرْسِ، وَوَلِيمَةُ الخِتَانِ والنَّفَاسِ، وَمَا حَدَثَ [فِي] السُّرُوْرِ وَاجِبٌ، وَمَا قَالهُ لَيسَ بمَعْرُوْفٍ فِي اللُّغَةِ، وإِنَّمَا الوَليمَةُ مَا ذَكَرْنَاهُ (٢). وَطَعَامُ الخِتَانِ يُسَمَّى الإعْذَارَ (٣)، وطَعَامُ الخُرْسِ يُقَالُ لَهُ: طَعَامُ النَّفَاسِ (٤)، ومَا تُطْعَمُه النُّفَسَاءُ: خُرْسَةٌ (٥)، خَرَسْتُ تَخْرِيسًا. والنَّقِيعَةُ (٦): طَعَامُ القَادِم من سَفَرِهِ. والنَّقِيعَةُ: الشَّاةُ وَنَحْوَهَا (٧)، رَوَى الزُّبَيرُ، عَنْ نَافِعٍ،

стр. 520

عَنِ ابنِ عُمَرَ، عَن النَّبِي [ ﷺ ]: "إذَا دَعَى أحَدُكُمْ أخَاهُ فَلْيُجِبْهُ عُرْسًا كانَ أوْ دَعْوَةً" وَهَذَا حَدِيثُ مَالِكٍ بِعَينهِ، فَخَصَّ مَالِكٌ في رِوَايَتِهِ الوَليمَةَ، وَمَعْنَى: "عُرْسًا كانَ أوْ دَعْوَةً" أَي: دَعْوَةً عَنْ عُرْسٍ، فَحَذَفَ الصِّفَةَ؛ لأنَّ الدَّعْوَةَ يمُوْنُ عُرْسًا وغَيرَ عُرْسٍ، وإِلَّا فَلَا أَعْلَمَ خِلافًا بَينَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الدَّعْوَةَ تَشْمَلُ العُرْسَ وَغَيرَ العُرْسِ. وَرَوَى مُوْسَى بنُ عُقْبَةَ حَدِيثَ نَافِعٍ فَقَال: "أجِيبُوا الدَّعْوَةَ إذَا دُعِيتُمْ" وَلَمْ يَخُصَّ. - "مَهْيَمُ" (١) كَلِمَة يَمَنِيّةٌ، يُرِيدُوْنَ بِهَا مَا الأمْرُ وَمَا الشَّأْنُ؛ فَيُقِيمُوْنَهَا مَقَامَ حَرْفِ الاسْتِفْهَامِ والشَّيءُ المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ، وَمِثْلُهَا فِي الألْفَاظِ المُفْرَدَةِ الَّتِي وُضِعَتْ مَوْضِعَ الجُمَلِ: "بَجَلْ" وَ"حَسْبُكَ". - وَ [قَوْلُهُ: "زِنَةُ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ"]. النَّوَاةُ: زِنَةُ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ، وَقَال ابنُ حَنْبَلٍ: ثَلاثَةُ دَرَاهِمٍ وثُلث، وَقِيلَ: النَّوَاةُ -عِنْدَ أَهْلِ المَدِينَةِ- رُبْعُ دِينَارٍ. وقَال أَبُو عُبَيدٍ (٢): مَعْنَى الحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ: أَنّه أَرَادَ قَدْرَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ كَانَتْ قِيمَتُهَا خَمْسَةَ دَرَاهِمٍ، وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ ذَهَبٌ، وإِنَّمَا هِيَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ لِتُسَمَّى نَوَاةً، كَمَا سُمِّيَتْ الأرْبَعُوْنَ دِرْهَمًا أُوْقِيّةً، والعُشْرُوْنَ دِرْهَمًا نَشًّا. و"الدُّبَّاءُ": القَرْعُ (٣).

стр. 521

[جَامِع النكاحِ] - وَ [قَوْلُهُ: "فَلْيَأخُذْ بذِرْوَةِ سَنَامِهِ"] [٥٢]. الذِّرْوَةُ والذُّرْوَةُ (١): أَعْلَى كُلِّ شَيءٍ، والسَّنَامُ: الحَدَبَةُ، وخَصَّهُ بِقَوْلهِ: عَلَى ذُرْوَةِ كُلِّ بَعِيرٍ شَيطَان، والإبِلُ تُشَبَّهُ بالشَّيَاطِينِ. -[قَوْلُهُ: "فَلْيَأخُذْ بِناصِيتهَا"]. والنَّاصِيَةُ: مُقَدَّمُ الرَّأْسِ، وخَصَّهَا؛ لأنَّ العَرَبَ تُعَبِّرُ عَنْ مِلْكِ الشَّيءِ والقُدْرَةِ عَلَيهِ بِأَنْ يَقُوْلُوا: آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ [تَعَالى] (٢): ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾ وشَبَّهَ بِهَا عَطَاءَ النَّاسِ، ويُنْسَبُ إِلَيهَا الخَيرُ والشَّرُّ، والنَّاكِحُ والمُتَسَرِّي رَاغِبَانِ في أَنْ يُمَلِّكَهُمَا اللهُ مَا نكحَا وتَسَرَّيَا، وَجَعَلَهُمَا مُتَصَرِّفينِ تَحْتَ إِرَادَتِهِمَا. رَوَى الشَّعْبِيُّ أَنَّ رَجُلًا أتى إلى عُمَرَ فَقَال: إِنَّ ابْنَةً لي وُلِدَتْ في الجَاهِلِيّةِ وأَسْلَمَتْ فَأَصَابَتْ حَدًّا فَعَمَدَتْ إِلَى الشَّفْرَةَ فَذَبَحَتْ نَفْسَهَا، فَأَدْرَكْتُهَا وَقَدْ قَطَعَتْ بَعْضَ أَوْدَجِهَا، فَدَاوَيتُهَا فَبَرِئَتْ، ثُمَّ نَسَكَتْ وأَقْبَلَتْ عَلَى القُرْآن فَحَفِظَتْهُ، وَهِيَ الآنَ تُخْطَبُ إِلَيَّ، أَفَأُخْبِرُ مِنْ شَأْنِهَا بالَّذِي كَانَ؟ فَقَال عُمَرُ:

стр. 522

أتعْمَدُ إِلَى سِتْرٍ سَتَرَهُ اللهُ فَتكشِفَه؟ ! لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّكَ ذَكَرْتَ شَيئًا مِنْ أَمْرِهَا لأجْعَلَنَّكَ نكالًا لأهْلِ الأبْصَارِ، بَلْ أَنكحْهَا إِنكاحَ العَفِيفَةِ المُسْلِمَةِ. - وَقَوْلُهُ: "مَا لكَ وَلِلْخَبَرِ". يُرِيدُ: مَا لكَ وَلِذِكْرِ الخَبَرِ، فَحَذَفَ المُضَافَ، أَوْ مَا لكَ وَلِلْخَبَرِ بِمَا كَانَ، فَيَكُوْنُ فِيهِ عَلَى هَذَا التّأويلِ الآخَرِ مَجَازَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنه حَذَفَ بَعْضَ الكَلامِ. والثَّانِي: أنَّه أَقَامَ الخَبَرَ الَّذِي هُوَ اسْمٌ مَقَامَ الإخْبَارِ الَّذِي هُوَ مَصْدَرٌ، كَمَا وَضَعَ المَتَاعَ مَوْضِعَ التَّمْتِيع في قَوْلهِ [تَعَالى] (١): ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ وَالوَجْهُ الأوَّلُ إِنَّمَا فِيهِ مَجَازٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ حَذْفُ المُضَافِ فَهُوَ أَوْلَى. - وَقَوْلُهُ: "أحْدَثَتْ". كِنَايَةٌ عَنْ زَنَتْ، كَمَا كَنَّى بِقَوْله [تَعَالى] (٢): ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾. - وَقَوْلُهُ: "كادَ أنْ يَضْرِبهُ". كَذَا وَقَعَ في بَعْضِ النُّسَخِ، والنَّحْويُّوْنَ يَأْبَوْنَ اجْتِمَاعَ "كَادَ" مَعَ "أَنْ" إلَّا في ضَرُوْرَةِ الشِّعْرِ (٣)، وَرَأَيتُهُ في كِتَابِ أَبِي

стр. 523

عُمَر (١): "كَادَ يَضْرِبَهم" بإِسْقَاطِ "أَنْ". -[قَوْلُهُ]: "فآثَرَ الشَّابَّةَ (٢) عَلَيهِا" [٥٧]. [أَي: فَضَّلَهَا] (٣)، يُقَالُ: أَثْرَةٌ، وإِثْرَةٌ، وأَثَرَةٌ (٤). - وَ [قَوْلُهُ]: "نَاشَدَتْهُ الطَّلاقَ". سَأَلتْهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَطَلَبَتْ مِنْهُ، نَاشَدْتُكَ اللهَ ونَشَدْتُكَ؛ أَي: سَألتك بالله.

стр. 524

(كِتَابُ الطَّلاقِ) (١) - ذَكرَ قَوْلَهُ [تَعَالى] (٢): ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾. فَقَال: العَرَبُ تَعْنِي بالمَرَّةِ: الوَقْتَ مِنَ الزَّمَانِ، وتَعْنِي بِهَا أَيضًا: المَصْدَرَ، فَإِذَا قَال القَائِلُ: لَقِيتُ زَيدًا مَرَّة جَازَ أَنْ يُرِيدَ وَقْتًا وَاحِدًا، وَجَازَ أَنْ يُرِيدَ لَقْيَةً وَاحِدَةً. [مَا جَاءَ في البتَّةِ] [طَلاقُ] (٣) البَتَّةُ مِنْ بَتَّ الحَبْلَ: إِذَا قَطَعَهُ، وانْبَتَّ مَا بَينَ القَوْمِ، أَي: انْقَطَعَ، ويُقَالُ: بَتَّ عَلَيهِ القَضَاءَ وَأبتَّهُ: إِذَا فَصَلَهُ، والبَتَّةُ: مَصْدَر لَا يُسْتَعْمَل إِلَّا بالألِفِ واللامِ عِنْدَ سِيبَوَيهِ (٤) وأَصْحَابِهِ. وَزَعَمَ الفَرَّاءُ أَنّه يُسْتَعْمَلُ مُعَرَّفًا وَمُنكَّرًا. وَ [قوْلُهُ: إنِّي طَلَّقْتُ امْرَأتِي ثَمَانِي تَطْلِيقَاتٍ"] [٢]. ثَمَانِي تَطْلِيقَاتٍ، وثَمَانِ تَطْلِيقَاتٍ بإِثْبَاتِ اليَاءِ وحَذْفِهَا لُغَتَانِ جَائِزَتَانِ. - وَ [قَوْلُهُ: لا تُلْبِسُوْنَ عَلَى أنْفسُكُمْ "]. يُقَالُ: لَبَسَ الأمْرَ يَلْبِسُهُ: إِذَا خَلَطَهُ وأَبْهَمَهُ، وَكَانَ الوَجهُ: "لَا تَلْبِسُوْنَ" عَلَى مَعْنَى النَّفْيِ؛ لأنَّ قَوْلَهُ: "نَتَحَمَّلُهُ عَنكمْ" يَمْنَعُ أَنْ يَكُوْنَ مَجْزُوْمًا عَلَى النَّهْيِ. وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ

стр. 525

القَائِلِ (١): لَا يَسَعُنِي شَيءٌ [وَيَعْجَزُ عَنْكَ، أَي: لَا يَسَعُنِي شَيءٌ] وَيَكُوْنَ مِنْهُ أَنْ يَعْجَزَ عَنْكَ، وَلَا تَلْبِسُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَيَكُوْنُ مِنَّا أَنْ نَتَحَمَّلَهُ عَنكُمْ. [مَا جَاءَ في الخَلِيّة والبَرِيّةِ (٢) .. ] -[قَوْلُهُ: "حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِك"] [٤]. أَصْلُ هَذ الكَلِمَةِ: "حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ" أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُسَرِّحَ نَاقَتَهُ أَلْقَى حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا، لِئَلَّا تَطَأَهُ وتَعْثُرَ فِيهِ ثُمَّ يُرْسِلَهَا تَذْهَبَ حَيثُ شَاءَتْ، وَكَانَتِ العَرَبُ تُطَلِّقُ بِهَذ الكَلَمَةِ. والغَارِبُ: أَعْلَى السَّنَامِ، وَيَكُوْنُ أَيضًا أَعْلَى الكَتِفَينِ والظَّهْرِ (٣). والمَجَادِيحُ (٤): نُجُوْمٌ كَانَتِ العَرَبُ تَنْسِبُ إِلَيهَا الأنْوَاءَ، وَذَكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ الدَّبِرَانَ يُقَالُ لَهُ: مِجْدَحٌ ومُجْدَحٌ (٥). [مَا لَا يَبِينُ مِنَ التَّمْلِيكِ] - و [قَوْلُهُ: "خَطَبَتْ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ" [١٤]. مَجَازُهُ في العَرَبِيّةِ عَلَى وَجْهَينِ:

стр. 526

أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ: عَلَى لِسَان عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَمَا يُقَالُ: فُلان تَكَلَّمَ عَلَى لِسَانِ فُلانٍ، فَحَذَفَ المُضَافَ وأَقَامَ المُضَافَ إِلَيهِ مَقَامَهُ. والآخَرُ: أَنْ يَكُوْنَ "عَلَى" بِمَعْنَى اللَّامِ (١). -[وَقَوْلُهُ: [وَ] مِثْلِي يُفْتَاتُ عَلَيهِ؟ ] [١٥]. زَعَمَ يَعْقُوْبُ (٢) أَنّه إِنَّمَا يُقَالُ: أَفْتَأَتَ عَلَيهِ بالهَمْزِ؛ وَلَا يُقَالُ بِغَيرِ هَمْزٍ، وَمَا قَالهُ لَيسَ بِصَحِيحٍ؛ لأنَّه لَوْ كَانَ مَهْمُوْزًا كَمَا زَعَمَ لَجَازَ تَسْهِيلُهُ كَمَا يُسَهَّلُ كُلُّ مَهْمُوْزٍ، وَكَيفَ وَقَوْلُ النَّاسِ أَفْتَاتَ [-بِغَيرِ هَمْزٍ-] صَحِيحٌ؟ ! عَلَى أَنْ يَكُوْنَ افْتَعَلَ مِنْ فَاتَ الأمْرُ. وَكَانَ الوَجْهُ: أَمِثْلِي -فِي المَوْضِعَينِ- بِهَمْزَةِ الاسْتِفْهَامِ وَلَا يَحْذِفُوْنَهَا إلَّا مَعَ "أَمْ" في المَشْهُوْرِ مِنْ كَلامِهِمْ؛ لأنَّ "أَمْ" تَدُلُ عَلَيهَا، وَرُبَّمَا حُذِفَتْ دُوْنَ ذِكْرِ "أَمْ" اتّكَالًا عَلَى فَهْمِ المُخَاطَبِ. - وَذَكَرَ قَوْلَ ابنِ عَبَّاسٍ: "خَطَّأَ اللهُ نَوْءَهَا". فَقَال: العَرَبُ تَنْسِبُ الأنْوَاءَ إِلَى مَنَازِلِ القَمَرِ السَّاقِطَةِ في المَغْرِبِ، وبَعْضُهُمْ كَانَ يَنْسِبُهَا إِلَى الطَّالِعَةِ في المَشْرِقِ، والأوَّلُ أَشْهَرُ، وَمَعْنَى النَّوْءِ: سُقُوْطُ نَجْمٍ وطُلُوع آخَرُ، مِنْ نَاءَ الطَّالِعُ

стр. 527

يَنُوْءُ: إِذَا نَهَضَ بِثُقْلٍ، فَإِذَا سَقَطَ وَلَمْ يُحْدِثْ شَيئًا قِيلَ: خَوَى وأَخْوَى وأَخْفقَ، فَضُرِبَ مَثلُهُ لِلْخَيبَةِ فَقَالُوا: خَطَّأَ اللهُ نَوْءَهَا لِمَنْ دَعَوا عَلَيهِ بالخَيبَةِ. - وَ [قَوْلُهُ]: "قَوْلُ الثّقَفِي: بِفِيكِ الحَجَرُ" (١) [١٣]. هَذِهِ اللَّفْظَةُ تُسْتَعْمَلُ عَلَى ثَلاثَةِ مَعَانِي: أَحَدُهَا: خَيبَةُ المَدْعُوِّ عَلَيهِ، أَوْ مَنْ يُقَالُ لَهُ ذلِكَ، وأَنّهُ لَا حَظَّ لَهُ فِيمَا أَرَادَهُ [إلَّا] الحِجَارَةَ فَيَقُوْلُوْنَ: بِفِيهِ الحَجَرُ، والجَنْدَلُ، والكَثكَثُ والكِثكِتُ، والأثْلَبُ، والإِثْلِبُ، والبَرَى، والتُّرْبُ، وَهُوَ أَحَدُ التّأْويلاتِ في قَوْلهِ: "ولِلْعَاهِرِ الحَجَرُ". والمَعْنَى الثَّانِي: يُرِيدُوْنَ بِهِ هَلاكَ المَقُوْلِ لَهُ ذلِكَ، وذلِكَ أَنَّ المَصْرُوْعَ يَلْقَى بِوَجْهِهِ التُّرَابَ والحِجَارَةَ، وَمِنْهُ في المَعْنَى: أَرْغَمَ اللهَ أنْفَهُ، وَ [قَوْلُ الشَّاعِرِ]: * ...... لِلْيَدَينِ ولِلْفَمِ (٢) *

стр. 528

والمَعْنَى الثَّالِثُ: يُرِيدُوْنَ بِهِ الغَيظَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ مَعَهُ المُغْتَاظِ عَلَى الانْتِصَارَ، لأنَّ الكَلْبَ يُرْمَى بالحَجَرِ فَيَعَضُّ عَلَيهِ مِنْ شِدَّةِ الغَيظِ، وَلَهُمْ مِنْ هَذَا المَعْنَى أَمْثَالٌ مِنْهَا: "هُوَ يَحْذِفُ نَابَهُ"، وَ"يَعَضُّ عَلَيهِ الأنَامِلُ" وَ"يَعَضُّ عَلَيهِ الأرَمّ" (١). وَهِيَ الأسنَانُ، وَقِيلَ: الأصَابعُ، وَقِيلَ: الحِجَارَةُ. فَمَعْنَى هَذَا الأخِيرِ مِنَ المَعَانِي أغَاضَكَ اللهُ غَيضًا لَا تَقْدِرُ عَلَى الانْتِصَارِ. وإِنَّمَا سَكَتَ

стр. 529

الثَّقَفِيُّ عِنْدَ الأوْلَى؛ لأنَّهُ رَضِيَ بِهَا وَأَرَادَهَا. وتكلَّمَ في الأخرَى لَمَّا تكلَّمَ يُرِيدُ: خَيبَةَ أَمَلِهَا مِمَّا أَرَادَتْ؛ لأنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِذلِكَ وَلَا أَرَادَهُ. - تَزْويجُ عَائشِةَ [وَ] حَفْصَةَ [١٤، ١٥]. التّزويجُ وإِن كَانَ وَاقِعًا عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ فَغَيرُ مُمْتَنِع أَنْ يُسَمَّى كُلُّ مَا كَانَ مِنْهُ بِسَبَبٍ تَزْويجًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَقْدًا، فَتكوْن عَائِشَةُ أَمِرَتْ بِذلِكَ وخطَبَتْ وَتَكَلَّمَتْ في الصَّدَاقِ، وَلَمْ تَلِ عَقْدَهُ، وَقَدْ وَجَدْتُهُمْ يَنْسِبُوْنَ الفِعْلَ إِلَى مَنْ أَمَرَ بِهِ وَمَنْ رَضِيَهُ، كَمَا يَنْسِبُوْنَهُ إِلَى مَنْ فَعَلَهُ، فَيقُوْلُوْنَ: كَتَبَ الأمِيرُ بِكَذَا، وَبَنى المَلِكُ كَذَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ [تَعَالى] (١): ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ وَإِنَّمَا فَعَلَ ذلِكَ آبَاؤُهُمْ، وأَهْلُ دِينهِمْ، فَلَمَّا تَابَعُوْهُمْ وَرَضُوا بِفِعْلِهِمْ نَسَبَ القَتْلَ إِلَيهِمْ. [الإيلاء] آلى الرَّجُلُ يُوْلي إِيلاء فَهُوَ مُوْلٍ، والمَحْلُوْفُ عَلَيهِ مُوْلَى عَلَيهِ، والمَحْلُوْفُ بِهِ مُوْلَىً بِهِ، ويُقَالُ لِليَمِينِ: أَلِيَّة وَأَلْوَةٌ وَإِلْوَةٌ وَأُلْوَةٌ (٢). - وَذَكرَ قَوْلَهُ [تَعَالى] (٣): ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ فَقَال: يُحْتَملُ أَنْ يَكُوْنَ "مِنْ" بِمَعْنَى "عَلَى" كَمَا جَاءَتْ "عَلَى" بِمَعْنَى "مِنْ" في قَوْلهِ [تَعَالى] (٤): ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾ أي: مِنَ النَّاسِ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُوْنَ التقدِيرُ: الَّذِينَ يُؤْلُونَ

стр. 530

لَهُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصَ فَيَكُوْنُ "مِنْ" مُعَلَّقَةٌ بالاسْتِقْرَارِ (١) الَّذِي دَلَّتْ عَلَيهِ اللَّامُ لَا بِالإيلاءِ، كَمَا تَقُوْلُ لِلْمُطَلِّقِ مِنْ زَوْجَتِهِ أَنْ تَعْتَدَّ، أَي: هَذَا وَاجِبٌ لَهُ عَلَيهَا. ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُوْنَ عَدَّوا ﴿يُؤْلُونَ﴾ بـ"مِنْ" حَمْلًا عَلَى المَعْنَى؛ لأنَّه إِذَا آلَى مِنْهَا فَقَدْ انْفَصَلَ مِنْهَا وَتَبَرَّأ (٢)، فَيَكُوْنُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلهُ (٣): إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيرٍ ... لَعَمْرُ اللهُ أَعْجَبني رِضَاهَا فَعَدَّى الرِّضَى بـ "عَلَى" لأنَّه بِمَعْنَى الإقْبَالِ؛ فَإِذَا رَضِيَ عَنْهُ أَقْبَلَ عَلَيهِ". - وَ [قَوْلُهُ: "وَإِمَّا أنْ تَفِيءَ"] [١٧]. الفَيءُ: الرُّجُوع، فَاءَ يَفِيءُ: إِذَا رَجَعَ. - وَ [قَوْلُهُ: "عَلَيهَا الرَّجْعَةُ"] [١٨] يُقَالُ: رَجْعَةٌ يُرِيدُوْنَ المَصْدَرَ، وَرِجْعَة يُرِيدُوْنَ الهَيئَةَ. - وَ [قَوْلُهُ: "مِنْ مَرَض أوْ سَجْنٍ"] [١٩]. السِّجْنُ: البَيتُ الَّذِي يُسْجَنُ فِيهِ، والسَّجْنُ: المَصْدَرُ، وهَوَ أَلْيَقُ بِهَذَا المَوْضِعِ، وَإِنْ كُسِرَتْ فِيهِ لَمْ تَمْتَنِعِ. (الظِّهَارُ) - ظَاهَرَ (٤) الرَّجُلُ مِنِ امْرَأَتِهِ، وَتَظَاهَرَ، وتَظَهَّرَ بِمَعْنًى، وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا (٥).
следующие страницы →