← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18194

التعليق على الموطأ في تفسير لغاته وغوامض إعرابه ومعانيه

هشام بن أحمد الوقشي

Полный текст (937 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

رَوَاهُ: "تُحَرِّمُ" بالتَّاءِ جَعَلَهُ خَبَرًا عَن الرَّضَاعَةِ، وكَانَ عَلى معنَى التَّقْدِيمِ والتّأخِيرِ كَأَنَّهُ قَال: والرَّضَاعَةُ كُلُّها تُحَرِّمُ قَلِيلُها وكَثيرُها، فأَخْبَرَ عن المُبْدَلِ منْهُ وتَرَكَ البَدَلَ. [مَا جَاءَ في الرَّضَاعَةِ بَعدَ الكِبَر] - وَ [قَوْلُهُ: "وإنا فُضُلُ"] [١٢]. يُقَالُ: رَجُل فُضُل، وامرَأَة فُضُل، وَهُوَ التَّجَرُّدُ في ثِيَابِ التَّبذُّلِ والخِدمَةِ، والفِعلُ تَفَضَّلَ فَهُوَ مُتفَضِّل. وَقَال بَعضُهُم: الفُضُلُ: الَّتِي عَلَيها ثَوْبٌ وَاحِد وَلَا إِزارَ تَحتَهُ. وَقَال الخَلِيلُ (١): رَجُل فُضُل ومُتَفَضِّلٌ: إِذا تَوَشَّحَ بِثَوْبِهِ فَخَالفَ بَينَ طَرَفَيهِ عَلَى عَاتِقِهِ، ويُقَالُ: امرَأَة فُضُل وثَوْب فُضُل. [جَامعُ مَا جَاءَ في الرَّضَاعَةِ] - وَ [قَوْلُهُ: "لَقَد هممتُ أنْ أنْهى عَنِ الغِيلَةِ"] [١٦] الغَيلَةُ: المَصدَرُ (٢). والغِيلَةُ -بِكَسْرِ الغَينِ- الهيئَةُ كالجَلْسَةِ والجِلْسَةِ، ومَعنَاهُ: أَنْ تُرضِعَ المَرأَةُ

стр. 562

الصَّبِيَّ وَهِيَ حَامِلٌ، أَوْ يَطَأَها الرَّجُلُ وَهِيَ ترضِعُ، يُقَالُ: أَغَالتِ المَرأَةُ وأَغْيَلَتْ، ويُقَال لِذلِكَ اللَّبَنُ الغَيلُ، ويَكُوْنُ الغَيلُ أَيضًا الرَّضَاعَ. ويَزعُمُ الأطِبَّاءُ أَنَّ ذلِكَ اللَّبَنَ مُضر بالمَوْلُوْدِ. وكَانَتِ العَرَبُ تَنْهى [عَن] ذلِكَ، ويُعَيِّرُ بِهِ بعضُهُم بَعضًا. وَحُكِيَ عَنْ بعضِهِم (١): "إِنه ليُدرِكَ الفَارِسُ فَيدعثِرُهُ عَن فَرَسِهِ"، أَي: يَضرَعُهُ، وَفِي تَأبِينِ تأبَّطَ شَرًّا: " ... وَلَا سَقَيتُهُ غَيلًا" (٢).

стр. 563

(كِتَاب المكَاتَبِ) (١) [الحَمَالةُ في الكِتَابة] -[وَقَوْلُهُ: "إنَّ العَبِيدَ إذَا كُوتِبُوا جَمِيعًا" [٤]. وَقَعَ في بَعضِ النُّسَخِ (بابُ الحَمَالةِ في الكِتَابة): "إِنَّ العَبِيدَ إِذَا كَاتَبُوا" والمَعْنَى (٢) يَرجِعُ إِلَى شَيءٍ وَاحِدٍ، لأنَّ المُكَاتَبَةَ فِعْلٌ من اثْنَينِ فَصَاعِدًا، فَالعَبِيدُ مُكَاتَبُونَ وَمُكَاتِبُونَ وكَذلِكَ السَّادَةُ. - وَ [قَوْلُهُ: "فَإِنْ بعضَهم حُمَلاءُ"]. حُمَلاءُ: جَمعُ حَمِيل. - وَ [قَوْلُهُ: "أوْ عَجَزَ"]. عَجَزْتُ بِفَتح الجِيمِ لا غيرُ، [وَكَسْرُها خَطَأٌ، إِنَّمَا يُقَالُ عَجِزَ -بِكَسْرِ الجِيمِ-] (٣) عَجْزا: إِذَا عَظمَت عَجِيزَتُهُ، وهِيَ الكِفْلُ (٤). - وَ [قَوْلُهُ: "إِنْ أدَّاهُ المُكَاتَبُ عَتَقَ"]. عَتَقَ العَبْدُ يَعتُقُ وَيَعتِقُ عَتْقًا وَعَتَاقًا وعَتَاقَة: إِذَا تَخَلَّصَ مِنَ العُبُوْدِيَّةِ والرِّقِّ، وَيُقَالُ في الحُسْنِ والجَمَال: عَتَقَ يَعتَقُ عتقا -بضمِّ التَّاءِ- وعَتَاقَة، ولا يُقَال: عَتَاقًا بِغَيرِ هاء. ويُقَالُ في القدم: عَتِقَ وعَتُقَ يَعتُقُ فِيهما عِتْقًا وعُتْقًا، والكَسْرُ أَشْهرُ. ويُقَالُ: رَقَّ يَرق مثل فَرَّ يَفِرُّ.

стр. 564

ويُقَال: تَحَمَّلْتُ بالشَّيء وَحَمَلْتُ بِهِ كَقَوْلك: [تكلَّفْتُ بالشَّيءِ] (١) وكَلِفْتُ بِه، ومِنْه قِيلَ: حَمِيل وحَامل وكَفِيل وكَافِل. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُوْلُ: الكَتَابَةُ يَجْعَلُها كَالعَتَاقَةُ والقَطَاعَةُ، وَيَجْعَلُ الكِتَابَةُ -بِكَسْرِ الكَافِ- صِنَاعَةَ الكُتَّابِ. ويُروَى: "فَيَتَحَمَلُ" كَقَوْلكَ: يَتكفَّلُ. - وَقَوْلُهُ: "يَتَحَاصَّانِ" [٣]. يُحَاصُّ يُفَاعِلُ مِنَ الحِصَّةِ، وَهِيَ النَّصِيبُ، وأَصلُهُ يُحَاصصُ، فَأُدغِمَتْ إِحْدَى الصَّادَينِ في الأُخرَى، فَصَارَ مِثْلَ [قَوْلهِ تَعَالى]: ﴿وَلَا يُضارَّ كاتبٌ﴾ (٢) ويُقَالُ: حَاصصتُ الرَّجُلَ مَحَاصَّة وَحِصَاصًا. [القَطَاعَةُ فِي الكِتَابة] - و [قَوْلُهُ: "تُقَاطعُ مُكَاتِبِيها" [٥] القَطَاعَةُ والعَتَاقَةُ -بِفَتْحِ القَافِ والعَينِ بِلا خِلافٍ، وإِنَّمَا الخِلافُ في الكِتَابَةِ. - وَ [قَوْلُهُ: "بالذَّهبِ والوَرِقِ"]. الوَرِقُ -بِكَسْرِ الرَّاءِ-: المَال مِنَ الدَّرَاهِمِ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الحَيَوَانِ فَهُوَ وَرَقُ بِفَتْحِ الرَّاءِ (٣).

стр. 565

- و [قَوْلُهُ: "ثمَّ حَازَ ذلِكَ"]. وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابنِ وَضَّاح: حَازَ؛ أَي: قَبَضَ ذلِكَ بِحَاءٍ مِهْمَلَةٍ. ورِوَايَةُ عُبَيدِ اللهِ: جَازَ بِجِيمٍ مُعْجَمَةٍ (١) أَي: نَفَذَ وَتَمَّ. - و [قَوْلُهُ: بنِصفِ (٢) مَا تَفَضَّلَهُ بِهِ"] الرِّوَايَةُ: "تَفَضَّلَه بتشدِيدِ الضَّادِ. - وَقَوْلُهُ: " [أنْ] يُبدَّؤا [عَلَيه] ": بتَشْدِيدِ الدَّالِ. [جِرَاحُ المُكَاتَبِ] -[قَوْلُهُ: "يَجْرَحُ الرَّجُلَ جَرحًا] [٦] الجَرحُ: المَصدَرُ مِنْ جَرَحتُ، والجُرحُ: الاسْمُ، ويُجْمَعُ الجُرحُ عَلَى أَجْرَاع وجُرُوْع وَجِرَاح وَجِرَاحَةٍ، يُلْحَقُ فِيها تَاءُ التّأنِيثِ لِلْجَمَاعَةِ، كَمَا قَالُوا: فِحَالةٌ وجِمَالةٌ، وتُجْمَعُ جِرَاحَةٌ عَلَى جِرَاحَاتٌ، كَجِمَالةٍ جِمَالاتٍ، وقُرِئَ (٣): ﴿جمالتٌ صفرٌ﴾ و ﴿جِمَالاتٌ .. ﴾

стр. 566

وَزَعَمَ سِيبَويه أنه لَا يُقَالُ أَجْرَاحٌ (١) وأَجَازَهُ غَيرُهُ. - وَ [قَوْلُهُ: "تقَعُ فِيهِ العَقْلُ عَلَيهِ"]. في تَسْمِيَتِهم الدِّيَةُ عَقْلًا قَوْلانِ: - قِيلَ (٢): لأنَّ الإبِلَ كَانَتْ تُجْمَعُ وتُعقَلُ بِفِنَاءِ وَليِّ المَقْتُوْلِ، أَي: تُشَدُّ قَوَائِمُها بالعُقُلِ، والعُقُلُ -في الحَقِيقَةِ- إِنَّمَا هُوَ مَصدَرٌ مِنْ عَقَلْتُ البَعِيرَ وَغَيرِهِ عَقْلًا، ثُمَّ سُمِّيَ المَعقُوْلُ عَقْلًا بالمَصدَرِ كَمَا قَالُوا: دِرهمٌ ضَربُ بَلَد كَذَا أَي: مَضْرُوْبُ، ثُمَّ سُمِّيَ مَا يُؤخذُ مَكَانُ الإبِلِ مِنْ ذَهبٍ ودَرَاهِمَ عَقْلًا، عَلَى مَذْهبهم فِي تَسْمِيَةِ الشَّيء باسْمِ الشَّيءِ إِذَا كَانَ مِنْهُ بِسَبَبٍ. - وَالقَوْلُ الثَّانِي: لأنَّها تَعقِلُ الأيدِي؛ أَي تكفُّها عَنِ الاسْتِطَالةِ والتَّعَدِّي، فَفِي هذَا القَوْلِ مَجَازٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ تَسْمِيَةُ مَا لَيسَ مَصدَرًا بالمَصدَرِ، وَفِي القَوْلِ الأوَّلِ مَجَازَانِ، تَسْمِيَةِ مَا لَيسَ [مَصدَرًا] بِمَصدَرٍ، وَنَقْلُ الاسْمِ عَنْ مَا يَعقِلُ إِلَى مَا لَا يعقِلُ، والعَقْلُ فِي هذَا القَوْلِ مَصدَرٌ وَقَعَ مَوْح المَفْعُوْلِ كالنَّسْجِ

стр. 567

والضَّربِ. ويُسَمَّى مَا دُوْنَ الدِّيَةِ مِمَّا يُوخَذُ عَلَى الجِرَاحَاتِ أَرشًا، واشْتِقَاقُهُ مِنْ أَرَّشْتُ الشَّرَّ بَينَ القَوْمِ تَأْرِيشًا: إِذَا هيجته (١). - وَقَوْلُهُ: "فَإنْ هُوَ عَجَزَ عَنْ أدَاءِ عَقْلِ ذلِكَ الجَرحِ". هُوَ مَفْتُوْحُ الهمزَةِ الأوْلَى وَلَيسَ بِمَصدَرٍ حَقِيقَة، وَلكِنَّهُ اسْم موْضُوع مَوْضِعَهُ، [وَإِنَّمَا المَصدَرَ التّأديَةُ. والأدَاءُ مَفْتُوْحُ الهمزَةِ مُخَفَّف الدَّالِ قَال تَعَالى: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيهِ بِإِحْسَانٍ﴾] (٢). - وَ [قَوْلُهُ: "أوْ مَغضُوْبَ الجَسَدِ"]. يُقَالُ: عَضَبْتُ الشَّيءَ عَضْبًا فَأَنَا عَاضِبُ وَهُوَ مَعْضُوْب: إِذَا قَطَعتَهُ، وَمِنْهُ: سَيفٌ عَضْبٌ، وَيُسْتَعمَلُ ذلِكَ فِي القرنِ إِذَا كُسِرَ، فَإِنْ نَسَبْتَ ذلِكَ إِلَى الشَّيءِ المُنْقَطِعِ أَوْ المُنكسِرِ قُلْتَ: عَضِبَ عَضَبًا مِثْلُ غَضِبَ غَضَبًا، وَمِنْهُ كَبْشُ أَعْضَبُ وشَاة عَضْبَاءُ: إِذَا انكسَرَتْ قُرُوْنُها. [عِتْقُ المُكَاتَبِ إِذَا أدَّى مَا عَلَيهِ قَبْلَ مَحِلَّه] مَحِلُّ الشَّيءِ ومَحلُّهُ: وَقْتُهُ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ، وَكَذلِكَ مَوْضِعُه (٣) يُقَالُ: هُوَ مَحِلّ آخَرُ، ومَحَلّ آخَرُ، وقُرِئَ (٤): ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [﴿مَحِلَّهُ﴾] (٥)

стр. 568

بِكَسْرِ الحَاءِ وَفَتْحِها. -[قَوْلُهُ: "أنَّ مُكَاتَبًا كَانَ لِلفُرَافِصَةِ بنِ عُمَيرٍ الحَنَفِيِّ"] (١) [٩]. وَأمَّا فُرَافِصَةُ فَقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيهِ. وَحَكَى أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ الفَرَافِصَةُ -بِفَتْحِ الفَاءِ- اسمُ رَجُل، والفُرَافِصَةُ -بِضَمِّ الفَاءِ- الأسَدُ. وحَكَى ابنُ الأنْبَاريِّ (٢) عَنْ أَشْيَاخِهِ قَالُوا: كُلُّ مَا فِي العَرَب فُرَافِصَةُ -بِضَمِّ الفَاءِ- إلَّا فَرَافِصَةَ أبَا نَائِلَةَ امرَأَةِ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ [﵁] (٣) فَإِنَّهُ بِفَتْحِ الفَاءِ. وَقَال ابنُ قُتيبَةَ (٤): الفُرَافِصَةُ -بِضَم الفَاءِ- اسمُ رَجُل، ولا يَجُوْزُ فَتْحُها. وَكُلُّ مَا فِي العَرَبِ عُدَسٌ -بِفَتْحِ الدَّالِ- إِلَّا عُدُسُ بنُ يَزِيدَ (٥) بِضَمِّها، وكُلُّ مَا فِي العَرَبِ سَدُوْسٌ -بِفَتْحِ

стр. 569

السِّينِ- إِلَّا سُدُوْسُ بنُ أَصمَع في طَيِّئٍ (١)، فإنَّهُ بِضمّها، وكُلُّ مَا فِي العَرَب أَسْلَمُ (٢) -بِفتْحِ الهمزَةِ واللَّامِ- إلَّا أُسْلُمُ بنُ الحَافِ بنِ قُضَاعَةَ فَإِنَّه مَضْمُومُ الهمزَةِ واللَّامِ، وَكُلُّ مَا فِي العَرَبِ سَلْمَى -بِفَتْحِ السِّينِ- إلَّا [وَالِدُ] زُهيرِ بنِ أَبِي سُلْمَى (٣). [مِيرَاثُ المُكَاتَبِ إِذَا عَتَقَ] [قَوْلُهُ: "ثُمَّ يقْتَسِمَانِ مَا بقيَ بالسَّويَّةِ"] [١٠].السَّويَّةُ والسَّوَاءُ اسْمَانِ لَا مَصدَرَانِ، وإِنَّمَا المَصدَرُ الاسْتِوَاءُ، ويُسَمَّى بِهِ الشَّيءُ المُسْتَوي، وَلِذلِكَ قَالُوا لِلْعَدلِ والإنْصَافِ: سَوَاءٌ وَسَويّةٌ، وَيُقَالُ لِوَسَطِ الشَّيءِ: سَوَاءٌ؛ لأنَّه عَادِلٌ بينَ الطَّرَفَينِ ويُقَالُ للبَرذَعَة: سَويةٌ (٤)؛ لأنَّها تُسَويّ الحَمْلَ عَلَى الظَّهْرِ، وتُسْتَعمَلُ: سَوَاءٌ بِمَعنَى غَيرِ؛ لأنَّ اعتِدَال كُلِّ شَيءٍ مَوْجُوْدٍ، إِنَّمَا يَكُوْنُ بِأَنْ يَكُوْنَ لَهُ غَيرٌ؛ إِذْ كَانَتِ الوَحدَانِيّةُ المَحْضَةُ إِنَّمَا هِيَ للهِ تَعَالى.

стр. 570

-[قَوْلُهُ: "أوْ عَصَبةٍ"]. العَصَبَةُ: جَمعُ عَاصِبٍ، وأَصلُ العَصبِ جَمعُ الشَّيءِ مِنْ جَوَانِبِهِ وحَصرُهُ سُمُّوا بِذلِكَ؛ لإحَاطَتِهِم بالإنْسَانِ، يُقَالُ: عَصَبَ بِهِ القَوْمُ: إِذَا اجْتَمَعُوا حَوْلَهُ. - و [قَوْلُهُ: "وَيَصِيرَ مَوْرُوْثًا بالوَلَاءِ"]. الوَلاءُ مِنَ العِتْقَ، والمُوَالاتِ، وَلَا يَجُوْزُ قصرُهُ. [الوَصِيّةُ فِي المَكَاتَب] - قَوْلُهُ: "فَأَوْصَى لَهُ سَيِّدهُ (١) بالمَائة الدِّرهمِ" (٢) [١٥]. كَذَا الرِّوَايَةُ، وَهِيَ لُغَةٌ لِبَعضِ العَرَبِ يُجْرُوْنَ بَابَ العَدَدِ مُجْرَى بَابِ الحَسَنِ الوَجهِ فَيُدخِلُوْنَ الألِفَ واللَّامَ عَلَى الاسْمَينِ، واللُّغَةُ الفَصِيحَةُ إِدْخَالُ الألِفِ واللَّامِ عَلَى الثَّانِي [دُوْنَ الأوَّلِ ..... ] (٣) فَأَمَّا مَنْ أَدخَلها عَلَى الاسْمِ الأوَّلِ دُوْنَ الثَّانِي فَقَد أَخْطَأَ، وَذلِكَ لَا يَجُوْزُ. - وَقَوْلُهُ: فَضَمِنُوْهُ" يُقَالُ: ضَمِنَ يَضْمَنُ عَلَى مِثَال سَمعَ يَسْمَعُ. - قَوْلُهُ: "فَجُعِلَ (٤) لِتِلْكَ الألْفِ الَّتِي مِنْ أوَّلِ الكِتَابة". كَذَا الرِّوَايَةُ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي ذلِكَ النُّسَخُ، والأشْهرُ في الألْفِ التَّذْكِيرِ. ويَجُوْزُ تأْنِيثُهُ عَلَى المَعنَى

стр. 571

إِذَا عُبِّرَ بِهِ عَن مُؤَنَّثٍ فَقد قَال النَّحويُّونَ: إِذَا قُلْتَ: هذِهِ أَلْفٌ وأَنْتَ تُرِيدُ هذِهِ الدَّرَاهِم أَوْ هذهِ الصُّرَّةِ جَازَ ذلِكَ، والتَّذْكِيرُ لُغَةُ القرآنِ (١)، [قال تعالى] (٢): ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ فَذَكَّرَ وجَمَعَ (٣).

стр. 572

(كِتَاب المُدَبَّرِ) (١) [جِرَاحُ المُدَبَّر] - قَوْلُهُ: "ويقاصُّهُ [بِجِرَاحِهِ] " [٧]. هُوَ يُفَاعِلُهُ مِنَ القِصَاصِ، وأَصلُهُ يُقَاصِصُهُ فَأُدغِمَتِ الصَّادُ الأوْلَى وفي الثَّانِيَةِ، يُقَالُ: قَاصَصتُهُ أُقَاصُّهُ مُقَاصَّةً وَقِصَاصًا (٢). -[قَولُهُ: "قَدْ شَجَّ رَجُلًا حُرًّا مُوْضِحَةً"]. المُوْضِحَةُ مِنَ الشِّجَاجِ هِيَ الَّتِي تُوْضِحُ عَن العَظْمِ، أَي: تُظْهِرُ وَضَحَهُ، وَهُوَ بَيَاضَهُ. [مَا جَاءَ في جِرَاحِ أمِّ الوَلَدِ] - قَوْلُهُ: "إِن عَقْلَ ذلِكَ الجَرْح ضَامِنٌ عَلَى سَيِّدها فِي مَالِهِ" [٨]. أَي: وَاجِبٌ عَلَيهِ وَلازِم لَهُ، وَهُوَ مَأْخُوْذٌ مِنْ ضَمَانِ الشَّيءِ؛ لأنَّ مَنْ ضَمِنَ شَيئًا لَزِمَهُ فَاسْتعمِلَ الضَّمَانُ بِمَعنَى اللُّزُوْمِ والوُجُوبِ. يَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ مَأْخُوْذًا من قَوْلهِم: رَجُلٌ ضَمِنٌ عَلَى [أَهْلِه] ضَمَانَةً وَضَامن: إِذَا كَانَ كَلًّا عَلَيهِم (٣). - وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: "عَجَلَنِي العِتْقُ" بالنُّونِ (٤)، وَفِي بَعضِها: "عجَلَ

стр. 573

لِي" وكَذَا رَوَينَاه عن أَبي عُمَرَ، والأصلُ اللَّام، وإِنَّمَا تُحذف مَجَازًا وتَخْفِيفًا، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: زِنْ لِي [وَكِلْ لِي] ثُمَّ يَحْذِفُوْنَ اللَّامَ فَيقُوْلُوْن: زِنِّي وكِلْنِي، ومنه [قَوْلُهُ تَعَالى] (١): ﴿كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾. - قَوْلُ مَالِكٍ [﵀]: "يَثْبُتُ العِتْقُ"، و"صَارَت الخَمسُوْنَ دِينارًا"، و"ثَبتَت حُرمَتَه" [٢]. كَذَا الرِّوَايَةُ، وَكَانَ الأحسَنُ أَن يَجْعَلُ الأفْعَال كُلَّها بِلَفْظِ الفِعْلِ المُضارعِ أَوْ المَاضِي، وَلكنَّ العَرَبَ رُبَّمَا استَعملت أَحَدَهُمَا مَكَانَ الآخَرِ. قَوْلُهُ: "حَتَّى يُؤْيَسَ مِنَ المَالِ الغَائِبِ". كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُبَيدِ اللهِ (٢) وجَمَاعَةٍ سِوَاهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَوَقَعَ في بَعْضِ الروَايَاتِ: "حَتَّى يتبَيَّنَ" (٣) وهكَذَا رَوَاهُ ابنُ وَضَّاحٍ، وكَذَا وَجَدتُهُ في كِتَابِ أَبِي عُمَرَ (٤). والوَجْهُ فِي هذهِ الرِّوَايَةِ أنْ تُجْعَلَ "مِنْ" زَائِدَةً عَلَى مَا مَذْهب الأخْفَش و [ابن] الأنْبَارِيِّ؛ لأنَهُمَا حَكَيَا أَنَّ "مِنْ" تزادُ في الكَلامِ الوَاجِبِ وَذلِكَ خَطَأٌ عِنْدَ سِيبَويهِ وأَصحَابِهِ (٥)، وإِنَّمَا تزادُ عِنْدَهُم في النَّفْي كَقَوْلكَ: مَا جَاءَنِي مِنْ رَجُلٍ، وَأَظُنَّه تَصْحِيفًا، وَوَقَعَ في الرِّوَايَةِ: "يُؤيَسَ مِنْ" أوْ لَعَلَّهُ كَانَ: حَتَّى يَتبَيَّنَ أَمرُ المَالِ الغَائِبِ فَسَقَطَتْ الألِفُ مِنْ "أَمرِ" (٦).

стр. 574

(وَمِنْ كِتَاب العِتْقِ) (١) [مَنْ أعتَقَ شِركًا لَهُ فِي مَملُوْكٍ] -[قَوْلُهُ: "مَنْ أعتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ" [١]. أَصلُ الشِّركِ أَنْ يَكُوْنَ مصدَرًا مِنْ شَرِكْتُهُ فِي الأمرِ أَشْرَكُهُ، ثُمَّ سُمِّيَ الشَّيءُ المُشْتَرِكُ فِيهِ شُرَكَاءُ، كَمَا تُسَمِّى الأشْيَاءَ بالمَصَادِرِ. -[قَوْلُهُ: "يُعْتِقُ سَيِّدهُ مِنْهُ شِقْصًا"]. الشِّقْصُ -بِكَسْرِ الشِّينِ-: النَّصِيبُ مِنَ الشَّيءِ (٢). - وَ [قَوْلُهُ: "وَأنَّ العَبْدَ الَّذِي يَبُتُّ سَيِّدُهُ"]. يُقَالُ: بَتَّ الشَّيءَ يَبُتُّهُ وَيَبِتُّهُ بِضَمِّ البَاءِ وَكَسْرِها. وَذُكِرَ عِنْدَ حَمَّادِ بنِ أَبِي سُلَيمَان (٣) حَدِيثَ القرعَةِ في العَبِيدِ،

стр. 575

فَقَال: هذَا قَوْل الشَّيخِ، فَقَال لَهُ مُحَمَّدُ بنُ ذَكْوَانَ (١): مَنِ الشَّيخُ؟ فَقَال: إبْلِيسُ، قَال مُحَمَّد: وُضِع (٢) القَلَمُ عَنِ المَجْنُوْنِ حَتَّى يَفِيقَ، يُعَرِّضُ بِجُنُوْن كَانَ يَعْتَرِي حَمَّادًا. (صِفَةُ القُرعَةِ في العَبِيد) أَن تكْتَبَ أَسْمَاؤُهُم في رقَاعٍ، وتُوْضَعَ كُلُّ رُقْعة مِنها في بدقةٍ من طِينٍ، وتَقْسَمَ العَبِيدُ أَثْلاثًا، ثُمَّ يؤمَرَ منْ لَمْ يُشَاهِد كَتْبَ تِلْكَ الرِّقَاعِ فَيُخْرِجْ رُقْعَةَ كُلِّ حُر، وَإِنْ لَمْ يَسْتَوُوا فِي القِيمَةِ عُدِلُوا، وَضَمِّ القَلِيلُ مِنَ الثَّمَنِ إِلَى الكَثيرِ، وَجُعِلُوا أثْلاثًا أُخرَى قَلُّوا أَوْ كَثُروا، إلَّا أَنْ يَكُوْنُوا عَبْدَينِ، فَإِنْ وَقَعَ العِتْقُ عَلَى جُزءٍ فِيهِ عِدَّةُ رَقِيقٍ أَقَلَّ مِنَ الثُّلُثِ أُعِيدَتِ القرعَة بينَ السَّهْمَين البَاقِيَينِ، فَأَيُّهُمِ وَقَعَ عَلَيهِ عتَقُوا فِي الثُّلثِ. وَذَكَرَ ابنُ جُرَيج (٣) عَنْ سُلَيمَانَ بنِ مُوْسَى (٤) أنَّه قَال: رَاجعتُ مَكْحُوْلًا (٥)

стр. 576

في هذَا فَقُلْتُ لَهُ: إِنْ كَانَ ثَمَنُ (١) عَبْدِ أَلْفَ دِينَارٍ وأَصَابَتْهُ القرعَةُ ذَهبَ المَالُ؟ فَقَال مَكْحُوْل: قِفْ عِنْدَ أَمرِ رَسُوْل اللهِ [ ﷺ ] قَال ابنُ جُرَيج: قُلْتُ لِسُلَيمَانَ: الأمرُ يَسْتَقِيمُ عَلَى مَا قَال مَكْحُوْلٌ، قَال: وَكَيفَ؟ قُلْتُ: يُقَامُوْنَ قِيمَةَ عَدل فَإِنْ اللَّذَانِ أُعتِقَا عَلَى الثلثِ أُخِذَ مِنْهُم الثلثُ وإِنْ نَقَصَ عَتَقَ مَا بَقِيَ أَيضا بالقُرعَةِ، وَإِنْ فَضَلَ عَلَيهِ أُخِذَ مِنْهُ، فَقَال سُلَيمَانُ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ رَسُوْل اللهِ ﷺ أَقَامَهم، وَهذَا الَّذِي قَالهُ ابنُ جَرَيج هُوَ وَجْهُ العَمَلِ فِي ذلِكَ، وَقَوْلُ سُلَيمَان إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُقِمِ العَبِيدَ عَنْ صَحِيحٍ؛ لأنَّهُ جَزَّأَهم ثَلاثَةَ (٢) أَجْزَاءٍ فَدَلَّ ذلِكَ عَلَى أَنه عَدَلَهُم بالقِيمَةِ. سُمِّيَتْ أَقْلامُ القُرعَةِ أَقْلامًا؛ لأنَّها تُسَوِّي كَمَا يُقْلَمُ الظُّفُرُ. [مَنْ أعتَقَ رَقِيقًا لَا يَملِكُ مَالًا غَيرَهُم] - قَوْلُهُ: "فَأَعْتَقَ (٣) ثُلُثَ تِلْكَ العَبِيدِ" [٣]. كَذَا الرِّوايَةُ (٤)، وَفِيها مُتَضَادَّانِ، وَهُمَا: تَأْنِيثُ الإشَارةِ عَلَى مَعنَى الجَمَاعَةِ، وإِفْرَادُ الخِطَابِ بالكَافِ عَلَى مَعنَى الجَمعِ، كَمَا قَال تَعَالى (٥): ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ﴾ والمُخَاطَبُوْنَ بالكَافِ والمِيمِ في ﴿عَنكُم﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ هو هُمُ المُخَاطَبُوْنَ بِقَوْلهِ:

стр. 577

﴿ذَلِكَ﴾ بأَعيَانِهم فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُقَال "ذلِكُم" وَفِي الحَدِيثِ: "تلْكُم". كَمَا قَال تَعَالى. (١) ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ﴾ وَلَكِنَّ العَرَبَ تَفْعَلُ هذَا بـ "ذلِكَ" خُصُوْصًا دُوْنَ غَيرِهِ، وعَلَى المَعنَى قَال: "فَأمَرَ أبان بنُ عُثْمَانَ (٢) بِتِلْكِ الرَّقِيقِ فَقُسِمَتْ". فإِنْ قِيلَ: لَعَلَّهُ أَرَادَ نِسَاءً فَلِذلِكَ أَنّثَ؟ . قِيلَ: يمنَعُ مِنْ هذَا التَّوَهُّم قَوْلُهُ: "ثُمَّ أَسْهمَ عَلَى أَيِّهِم" فَذَكَّرَ الضَّمِيرَ، وَلَم يَقُلْ "أَيِّهُنَّ"، وَكَذلِكَ قَوْلُهُ: "فَيَعتِقُوْنَ" وَلَم يَقُلْ: "فَيَعتِقْنَ". فَإِنْ قِيلَ: فِي قَوْلهِ: "تِلْكَ" إِشَارَةٌ إِلَى حَاضِرٍ مُشَاهدٍ والعَبِيدُ المَذْكُوْرُوْنَ غَيبٌ فَكَيفَ جَازَ ذلِكَ؟ . فالجَوَابُ: أَنَّ العَرَبَ تُجْرِي الشَّيءَ إِذَا وَرَدَ ذِكْرُهُ فِي لَفْظِ المُتكلِّمِ مُجْرَى مَا قَدْ حَضَرَ شَخْصُهُ، فَيَقُوْلُ القَائِلُ مِنْهُم: لَقِيتُ رَجُلَّا فقَتَلْتُهُ، وَكَانَ هذَا الرَّجُلُ مِنْ بني تَمِيم، أَوْكَانَ ذلِكَ الرَّجُلُ مِنْ بني تَمِيم، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالى (٣): ﴿ذَلِكَ الكتاب﴾ إِشَارَةً إلَى الكِتَابِ الَّذِي كَانُوا وُعِدُّوَا بِهِ في كُتُبِ اللهِ القَدِيمَةِ، وَقَوْلُهُ تَعَالى (٤): ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ أَجْرَى مَا (٥) جَرَى ذِكْرُهُ فِي الكَلامِ مَجْرَى الحَاضِرِ، وَقَد يُشَارُ أَيضًا إِلَى الشَّيءِ المُتَوَقَّعِ المُنْتَظَرِ إِذَا قَرُبَ حُضُوْرُهُ فَيُجْرى مُجْرَى الحَاضِرِ فَيقالُ: هذَا

стр. 578

الشِّتَاءُ مُقْبِلٌ، وَهذَا الأمِيرُ قَائِمٌ، وَفِي الوثائِقِ: هذَا مَا اشْتَرَى، وَما شهِدَ عَلَيهِ الشُّهُوْدُ، وَهذهِ كُلُّها مَجَازَاتُ يَدُوْرُ عَلَيها كَلامُ العَرَبِ (١). - وَقَوْلُهُ -في حَدِيثِ رَبِيعَةَ-: "فَأَعْتَقَ رَقِيقًا لَهُ كلَّهُم" [٤] النَّحويُّوْنَ لَا يُجِيزُوْنَ: رَأَيتُ قَوْمًا كُلَّهُم؛ لأنَّ التأكِيد بـ "كُلِّهِم" [و] بـ "أَجْمَعِين" إِنمَا يَكُوْنُ لِلْمَعَارِفِ، وأَجَازَ الكُوْفِيُّوْنَ تَأْكِيدَ النكِرَةِ إِذَا كَانَتْ مَعرُوْفَةَ المِقْدَارِ كَقَوْلكَ: قَبَضْتُ دِرهمًا كُلَّهُ، ودِرهمَينِ كِلَيهِمَا، وَلَم يُجِيزُوا قَبَضتُ دَرَاهمَ كُلَّها؛ لأنَّها مَجْهُوْلَةُ المِقْدَارِ، وهذَا كُلُّهُ خَطَأٌ عِنْدَ البصرِيِّينَ (٢). والوَجْهُ فِي الحَدِيثِ أَنْ يُجْعَلَ "كُلُّهُم" بَدَلًا مِنَ الرَّقِيقِ لَا تَأْكِيدًا؛ لأنَّ "كُلًّا" قَدْ تُسْتَعمَلُ فِي كَلامِ العَرَبِ غَيرُ تَابِعٍ لِمَا قَبْلَهُ عَلَى مَعْنَى الاَّأْكِيدِ، فَيُقَال: كُل القَوْمِ ذَاهِبُوْنَ، وَجَاءَنِي كُلُّ القَوْم، فيُسْتَعمَلُ اسمًا غَيرَ تَابعٍ يُبْتَدَأُ بِهِ، وَيَلِي العَوَامِلَ، قَال تَعَالى (٣): ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَينَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾ وَقَال [تَعَالى] (٤): ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ وَلَوْ قَال قَائِل: إِن "كُلهُم" في الحَدِيثِ تأْكِيدٌ لـ"رَقِيقٍ" عَلَى أَنْ يَكُوْنَ "لَه" في مَوْضِعٍ الصِّفَةِ لـ"رَقِيقٍ" والنكِّرَةُ إِذَا وُصِفَتْ قَرُبَتْ مِنَ المَعرِفَةِ لَكَانَ قَوْلًا، وَلكِنَّهُ ضعِيفٌ مُسْتكرَهٌ مَوْضُوع غَيرَ مَوْضِعِهِ، وَالوَجْهُ مَا قُلْنَاهُ.

стр. 579

[عِتقُ أمّهاتِ الأَوْلَادِ ... ] - قَوْلُهُ: "وَهُوَ يَسْتمتِعُ مِنْها" [٦]. كَذَا الرِّوَايَةُ عَلَى مَعنَى يَنَالُ مُتْعَتَهُ مِنْها، وَلَوْ قَال: وَهُوَ يَسْتَمتِعُ بِها لَكَانَ أَصوَبَ. - قَوْلُهُ: "لَا تَجُوْزُ عَتَاقَةُ المُوَلَّى عَلَيهِ [فِي] مَالِهِ" [٧]. سَقَطَ ذِكْرُ المَالِ فِي بَعضِ النُّسَخِ، وَكِلاهُمَا صَحِيحٌ (١) فَمَنْ ذَكَرَ المَال فَمَعنَاهُ المَحجُوْرُ عَلَيهِ مَالُهُ، يُقَالُ: حُجِرَ عَلَى الرَّجُلِ مَالُهُ: إِذَا مُنِعَ مِنْهُ. [مَا يَجُوْزُ مِنَ العِتْقَ فِي الرِّقَابِ الوَاجِبةِ] - وَ [قَوْلُهُ: "فَأَسِفْتُ عَلَيها"] [٨] لأسَفُ عَلَى ضَربَين؛ الأسَفُ: الحُزْنُ [المُفْرِطُ]، والأسَفُ: الغَضَبُ، فَإِنْ جَعَلْتَ الأسَفَ هُنَا بِمَعنَى الحُزْنِ كَانَ الضَّمِيرُ في "عَلَيها" يَرجِعُ إِلَى الشَّاة، وإِنْ جَعَلْتـ[ـه]، بِمَعنَى الغَضَبِ عَادَ عَلَى الجَارِيَةِ. - قَوْلُهُ: "وَكنْتُ مِنْ بنَي آدَمَ" هذَا مِنَ الأشْيَاءِ الَّذِي يُوْضَعُ فِيها السَّبَبُ مَكَانَ المُسَبَّبِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ إِنَّ الطَّيشَ اعتَرَاهُ كَمَا يَعتَرِي النَّاسَ، فَذَكَرَ البَشَرِيّة الَّتِي هِيَ سَبَبُ النَّقْصِ المَانِعَةُ مِنَ الكَمَالِ وَاكْتَفَى بِها عَنِ المُسَبَّبِ، وَهذَا مِثَالُ قَوْله ﵇: "إنَّمَا أنَا بشرٌ يَعتَرِيه مَا يَعتَرِي البشَرَ مِنَ الغَلَطِ والسَّهْو" فَذَكَرَ البَشَرِيَّةَ المُسَبِّبَةَ لِذلِكَ. وَإِنَّمَا قَال: "وَكُنْتُ" فَأَتَى بِلَفْظِ المَاضِي؛ لأنَّه أَرَادَ: حَزِنْتُ وَغَضِبْتُ؛ لأنِّي مِنْ بني آدَمَ، فَذَكَرَ المَاضِي مِنَ الكَوْنِ؛ لأنَّهُ كَانَ سَبَبًا لِوُقُوع أَمرٍ قَدْ مَضَى، وَقَد يُخْبَرُ بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، إِذا جُعِلَ مُقَدَّمَةً لِشَيءٍ فِيهِ

стр. 580

فَائِدَةٌ. ويُروَى إِنَّ رَجُلًا قَال لأخِيهِ (١): لأهْجُرَنَّكَ، فَقَال: كَيفَ تَهْجُرُني وأَبُوْنَا وَاحِد؟ فَقَال: أَبُوْكَ أَبِي وَأَنْتَ أَخِي وَلكِنْ ... تَفَاضَلَتِ الطَّبِائِعُ والظُّرُوْفُ وَأُمُّكَ حِينَ تُنْسَبُ أُمُّ صدقٍ ... وَلكِنَّ ابْنَها طَبعٌ سَخِيفُ فَقَوْلُهُ: "أَبُوكَ أَبِي وأَنْتَ أَخِي" كَلام لَو انْفَرَدَ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَة، وَلكن لمَّا جَعَلَهُ مُقَدِّمَةً لِمَا بعدَهُ أَفَادَ. -[قَوْلُهُ: "عَنِ المَقْبُرِيِّ"] [١٠]. يُقَالُ: المَقْبُرِيُّ (٢) -بِفَتْحِ البَاءِ وضَمِّها (٣) - كَمَا يُقَال: مَقْبَرَةٌ ومَقْبُرَةٌ. - وَقَوْلُهُ: "يَجْزِئُ [عَنْهُ] ". الوَجْهُ فِيهِ فَتْحُ اليَاء وتركُ الهمزَةِ، يُقَال: جَزَى عَنِّي يَجْزِي: إِذَا قَضَى عَنِّي الوَاجِبَ، فَإِذَا أَردتَ مَعَ الكِفَايَةِ قُلْتَ: أَجْزَأَنِي

стр. 581

يُجْزِأُنِي (١) رُبَاعِيٌّ مَهُمُوْزٌ. [مَصِيرُ الوَلَاءِ لِمَنْ أعتَقَ] -[قَوْلُهُ: "خُذِيها واشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ"] [١٧]. اختَلَفَ النَّاسُ فِي مَعنَى قَوْلهِ ﷺ . "اشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلاءَ". فَقَال الطَّحَاويُّ (٢): أَظْهِرِي لَهُم الوَلاءَ؛ لأنَّ الاشتِرَاطَ فِي كَلامِ العَرَبِ: الإظْهارُ وَأَنْشَدَ (٣):

стр. 582

فَاشْرَطَ فِيها نَفْسَهُ وَهُو مُعصِمُ ... وَأَلْقَى بِأَسْبَابٍ لهُ وَتَوَكَّلا قَال: وَيُحتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ: اشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلاءَ الَّذِي يُوْجِبُهُ عِتَاقُكِ، يُرِيدُ إِنَّ الوَلاءَ لَكِ لَا لَهُم، قَال: ذَهبَ بَعضُ النَّاسِ إِلَى (١): أَنَّ مَعْنَى "لَهُم": عَلَيهِم، قَال، ذلِكَ: عَبْدُ المِلِكَ بنِ هِشَامٍ النحويُّ (٢)، قَال عَبْدُ المَلِكِ: وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ [تَعَالى] (٣): ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ أَي: فَعَلَيها. وَكَانَ مُحَمَّدُ بنُ شُجَاعٍ (٤) يُحمِلُ ذلِكَ عَلَى مَعْنَى الوَعِيدِ الَّذِي ظَاهِرُهُ الأمرُ وَبَاطِنُهُ النَّهْيُ، كَقَوْلهِ [تَعَالى] (٥): ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ﴾ وَبِقَوْلهِ [تَعَالى] (٦): ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ وَمَعنَاهُ: الوَعِيدُ لَهُم عَلَى

стр. 583

عَمَلِهِ أَنْ يَفْعَلُوه (١)، وَلَيسَ عَلَى إِطْلاقِهِ، أَلا تَرَى أَنّه قَدْ أتْبَعَ ذلِكَ صعُوْدَهُ عَلَى المِنْبَرِ ونَهْيُهُ عَنْ ذلِكَ. قَال (ش): "أَمَّا قَوْلُ مَنْ قَال إِنَّ "لَهُم" بِمَعْنَى "عَلَيهِم" (٢) فَلَيسَ لي (٣) في هذَا المَوْضع وإِنْ كَانَ جَائِزًا في غَيرِهِ لِوجهينِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَسَاقَ الحَدِيثِ تَجَرُّدَهُ وَمُرَاجَعَةُ أَهْلِ بَرِيرَةَ (٤) في ذلِكَ. والثَّانِي: أَنَّ اللَّامَ لَا تُسْتَعمَلُ بِمَعنَى "عَلَى" إلَّا فِي المَوَاضِعِ الَّتِي لَا إِشْكَال فِيها وَلَا التِبَاسَ، وأَمّا فِي مَوْضِعَ يَلْتَبِسُ فِيه الشَّيءُ بِضِدِّهِ فَلَا يَصِحُّ ذلِكَ فِيه، أَلا تَرَى أَنَّ قَوْلَهم: "اشْتَرِطِي لَهُم" ضِدَّه اشْتَرِطِي عَلَيهِم، وَلَيسَ ذلِكَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلهِ [تَعَالى] (٥): في ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ ولا كَقَوْلهِ [تَعَالى] (٦): ﴿لهمُ اللَّعنَةُ﴾؛

стр. 584

لأنَّ هَذَا مَوْضِعٌ قَدْ أُمِنَ فيه اللَّبْسُ، أَوْ دَلَّ عَلَيهِ مَعْنَى الكَلام. وَقَوْلُ مُحَمَّدِ بنِ شُجَاعٍ أَشْبَهُ مَا يُحْمَلُ عَلَيهِ الكَلامُ الحَدِيث (١). وَفِيهِ عِنْدي وَجْهٌ آخَرُ: أَنْ يَكُوْنَ أَرَادَ بِذلِكَ أَنْ يُعْلِمَنَا أَنَّ اشْتِرَاطَ المُشْتَرِطِ لِمَا لَا يَجُوْزُ لَا يَجْعَلُهُ جَائِزًا، فَكَأَنَّهُ قَال: اتْرُكِيهِم عَلَى اشْتِرَاطِهِمْ فَإِنَّ ذلكَ لَا يَنْتَفِعوْنَ بِهِ، وَإِلَى نَحْو هَذَا أَشارَ الطَّحَاويُّ في قَوْلهِ المُتَقَدِّمِ، وتَفْسِيرِهِ اشْتَرِطِي: لِتُظْهِرِي يَعْضُدُ (٢) هَذَا التّأويلُ. - قَوْلُهُ: "لَا يَمْنَعنَّكَ ذلِكَ فَإنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ" [١٨]. أَي: لَا تَمْتَنِعِي مِنْ شِرَائِهَا مِنْ أَجْلِ شَرْطِهِمْ فَإِنهُمْ لَا يَنْتفعُوْنَ بِه، فَلَمَّا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ شَرِائِهَا مَعَ ظَاهِرِ شَرْطِهِمْ صَارَ ذلِكَ كَإِبَاحَةِ الشَّرْطِ لَهُمْ، وإِنْ كَانَ لَا إِبَاحَةَ هُنَاكَ. وَقَال أَبُو عُمَرَ النَّحْويُّ (٣) مَعْنَاهُ. اشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلاءَ فَإِنَ اشْتِرَاطَهُمْ إِيَّاهُ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ اشْتِرَاطَهُمْ لَا يَجُوْزُ غَيرُ نَافِعٍ لَهُمْ وَلَا جَائِزٍ، وَهَذَا يَنْحُو نَحْوَ مَا قُلْنَاهُ قَبْلَهُ، لكِنَّ قَوْلَهُ: "بَعْدَ عِلْمِهِمْ أَنَّ ذلِكَ لَا يَجُوْزُ" غَيرُ صَحِيحٍ؛ لأنَّ أَهْلَ بَرِيرَةَ لَوْ عَلِمُوا بِذلِكَ لَمْ يَشْتَرِطُوْهُ، وَإِنَّمَا تَوَهَّمُوا أَنَّ ذلِكَ يَجُوْزُ لَهُمْ (٤)، وَلَمْ يَتَحَقَّقُوا امْتِنَاعَهُ إلَّا بِخُطْبَتِهِ ﷺ .

стр. 585

(كِتَابُ البَيع) (١) [مَا جَاءَ فِي بيعِ العُرْبانِ] - قَوْلُهُ: "أنَّ رَسُوْلَ الله ﷺ نَهَى عَنْ بيع العُرْبانِ (٢)] [١]. يُقَالُ: عُرْبَانٌ،

стр. 586

وعُرْبُوْنٌ، وأُرْبَان، وأَرْبُوْنُ (١)، ولا يُقَالُ (٢): عَرَبُوْنَ -بِفَتْحِ الرَّاءِ-، وَلَا أَرَبُوْنَ ولا رَبُوْنَ، ويُقَالُ: عَرْبَنْتُ وأَرْبَنْتُ في السِّلْعَةِ، وَهِيَ مَكْسُوْرَةُ السِّين لَا غَيرُ، وَهُوَ اسمٌ يَقَعُ عَلَى كُلِّ مَا يُتجَرُ بِهِ، والجَمعُ سِلَعٌ مِثْل كِسرةٍ وكِسَرٍ. والسَّلْعَة -بِفَتْحِ السِّينِ-: الغُدَّةُ تكوْنُ في العُنُقِ (٣)، وَجَمْعُهَا (٤): سِلاعٌ، وسَلَعَاتٌ كجَفْنَةٍ وَجِفَانٍ وَجَفَنَاتٍ، ويُقَالُ: أَسْلَعَ الرَّجُلُ يُسْلِعُ إِسْلاعًا: إِذَا كَثُرَتْ سِلَعهُ. - وَقَوْلُهُ: "فِيمَا نُرَى" مَنْ جَعَلَهْ مِنْ أَرَيتُ ضَمَّ النُّوْنَ، وَمَن جَعَلَهُ مِن رَأَيت فَتَحَ النُّوْنَ. -[وَقَوْلُهُ]: "فَمَا أَعْطَيت لَكَ باطِلًا". نَصْبًا عَلَى الحَالِ. وَ"لَكَ" خَبَرُ المُبْتَدَأ، كَما تَقُوْلُ: المَالُ لَكَ مَوْهُوْبًا. وَرُويَ: "بَاطِلٌ" -بالرَّفْعِ- عَلَى خَبَرِ

стр. 587

المُبْتَدَأ (١)، [تَقُوْلُ: المَا] لُ لَكَ مَوْهُوْبٌ (٢) كَمَا تَقُوْلُ: المَالُ لَكَ مَوْهُوْبًا. - وَقَوْلُهُ: "فَلَا يَأحُذَنَّ" (٣). يَجُوْزُ تَشْدِيدُ النُّوْنِ وَتَخْفِيفُهَا (٤). - وَقَوْلُهُ: "أوْ نَاقص أوْ تَامُّ أوْ حَيٌّ أوْ مَيِّتٌ". كَذَا الرِّوَايَةُ، وَكَانَ الوَجْهُ أَنْ تكُوْنَ "أَمْ" مَذْكُوْرَةً في جَمِيعِهَا وَأَلفُ الاسْتِفهَامِ، وَهذَا مُوَضَّحٌ (٥). - وَ [قَوْلُهُ: "أنْ يُقِيلَهُ"] يُقَالُ: أَقَالهُ البَيعَ (٦)، هَذَا هُوَ المَشْهُوْرُ، وَحُكِيَ: قُلْتُهُ البَيعَ، وَهُوَ شَبِيه بالغَلَطِ، والمُبْتَاعُ -بِضَمِّ المِيمِ لَا غَيرُ. - وَ [قَوْلُه: "قَيلَ أنْ يَحِلَّ"]. يُقَالُ: حَلَّ يَحِلُّ -بكَسْرِ الحَاءِ في المُسْتَقْبَلِ-: إِذَا وَجَبَ، وَمِنْهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (٧): ﴿أَنْ يَحِلَّ عَلَيكُمْ غَضَبٌ﴾ وَلَا

стр. 588

يُقَال: حَلَّ يَحُلُّ -بِضمِّ الحَاءِ في المُسْتَقْبَلِ- إلَّا مِنَ النُّزُوْلِ في المَكَانِ. - وَقَولُهُ: "فَصَارَ أنْ (١) رَجَعَتْ" "أَنْ" مَعَ مَا بَعْدَهَا بِتَأْويلِ المَصْدَرِ، وَهِيَ هَهُنَا في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى خَبَرِ "صارَ" كَأَنَّهُ قَال: فَصَارَ البَيعُ رُجُوع سِلْعَتِهِ إِلَيهِ. [مَا جَاءَ في الشَّرْطِ في مَالِ المَمْلُوْكِ] - قَوْلُ النَّبِيَّ ﷺ : "فَمَالُهُ (٢) لِلْبائعٍ" [٢]، . قَدْ يُضَافُ الشَّيءُ إِلَى الشَّيءِ عَلَى وَجْهِ الاتِّصَالِ والمُلابَسَةِ، لَا عَلَى مَعْنَى المِلْكِ يُقَالُ: هَذِه دَابَّةُ فُلانٍ السَّايِسُ، وَهَذِهِ سَفِينَةُ فُلانٍ النُوتِيُّ (٣)، فَيُضافَانِ إِلَيهِمَا لِتَوَلِّيهِمَا خِدْمَتَهُمَا، وَقَال ابنُ عَبَّاسٍ لِبَعْضِ اليَمَانِيّةِ: لَكُمْ في السَّمَاءِ نَجْمُهَا، يَعْنِي سُهَيلًا، وَمِنَ الكَعْبَةِ رُكْنُهَا يَعْنِي اليَمَانِيَّة، وَمِنَ السُّيُوْفِ صَمِيمُهَا، يَعْنِي صمْصَامَةَ عَمْرِو بن مَعْدِي كَرِبٍ، وهَذِه الأمُوْرُ لَيسَتْ بِمِلْكٍ لأحَدٍ، ومِنْهُ [قَوْلُ اللهِ تَعَالى] (٤). ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ وَلَا مَقَامَ للهِ، وَلَا هُوَ مِنْ صِفَاتِهِ، وإِنَّمَا المَقَامُ لِلْعَبْدِ، أَي: مَقَامَه عُنْدِي. - قَوْلُهُ: "إلَّا أنْ يَشْتَرِطَهُ" وَقَعَ في بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: "إلا أَنْ يَشْترطَ لِغَيرِهَا" وَفِي بَعْضُهَا بالهَاءِ، فَمَنْ رَواهُ بالهَاءِ قَال: الظَّاهِرُ مِنْهُ اشْتِرَاطُهُ كُلُّهُ؛ لأنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إِلَى المَالِ كُلِّهِ بِلَفْظِ العُمُوْمِ، وَإِذَا لَمْ يَظْهَرِ الضَّمِيرُ لَم يَكنْ في

стр. 589

الكَلامِ مَا يُوْجِبُ العُمُوْمِ فَاحْتَمَلَ الكُلَّ، واحْتَمَلَ البَعْضَ، وبِهَذَا تَعَلَّقَ ابنُ القَاسِمِ (١) في قَوْلهِ: لَا يَجُوْزُ اشْتِرَاط بَعْضِ المَالِ، وَإِنَّمَا يَجُوْزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَهُ كُلَّهُ أوْ يَدَعَهُ كُلَّهُ. وَمَن رَوَاهُ بِلا هَاءٍ قَال: الظّاهِرُ مِنْهُ أَنَّ للمُبْتَاعِ أَنْ يَشْتَرِطَهُ كُلَّهُ أَوْ بَعْضه، وَبِهَذَا تَعَلَّقَ أَشْهَبُ (٢) في قَوْلهِ: إِنَّ لَهُ اشْتِرَاطُ الكُلِّ أَو البَعْضِ، وَمَا قَالُوْهُ غَيرُ لازِمٍ؛ لأنَّ العَرَبَ قَدْ تُخْرِجُ اللَّفْظَ مَخْرَجَ العُمُوْمِ وَمُرَادُهَا الخُصُوْصُ كقوله [تَعَالى] (٣): ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ﴾ وَلَمْ يَقُلْ ذلِكَ جَمِيع النَّاسِ، ولا

стр. 590

جُمَعَ لَهُمْ جَمِيع النَّاسِ، وكَذلِكَ سُقُوْطُ الضَّمِيرِ لَا يُوْجِبُ حُكْمًا آخرَ غَيرَ حُكْمِ ظُهُوْرِهِ، أَلا تَرَى أَنَّ قوْلَكَ: لَقِيتُ إِخْوتكَ مُسَاوٍ لِقَوْلهِ: الَّذِينَ لَقِيتُهُم إِخْوتُكَ. وَقَوْلُهُ [تَعَالى] (١): ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ مُسَاوٍ في المَعْنَى لِقَوْلهِ: بَعَثَهُ، فَإِذَا كَانَ هكَذَا، لَمْ يَكُنْ في ظُهُوْرِ الضَّمِيرِ وَلَا في سُقُوْطِهِ دَلِيل، وَكَانَ الأظْهَرُ يَجُوْزُ اشْتِرَاطُ الجَمِيع أَو البَعْضِ (٢). [مَا جَاءَ فِي العُهْدَةِ] -[قَوْلُهُ: "في الأيَّامِ الثَّلاثَةِ"] [٣]. إنَّمَا خَصَّ الثَّلاثَةَ في العُهْدَةِ؛ لأنَّ المَدِينَةَ كَثيرَةُ الحُمَّى، والحُمَّى الرَّبعُ تَتبَيَّنُ في ثَلاثٍ (٣). والعُهْدَةُ: يُحْتَمَلُ أَنْ تكُوْنَ مُشْتَقَّةً مِنْ قَوْلهِمْ: في هَذَا الشَّيءِ عُهْدَةٌ؛ إِذَا كَانَ فِيهِ فَسَادٌ لَمْ يُحْكَمْ، وَلَمْ يُسْتَوْثَقْ مِنْهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تكُوْنَ مُشْتَقَّةً (٤) مِنَ العَهْدِ والمَعْهَدِ وَهُوَ المَوْثقُ، وَمَنْ تَعَهُّدِ الشَّيءِ وَتَعَاهُدِهِ، وَهُوَ تَفَقُّدُهُ والاحْتِفَاظُ بِهِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلذِّمِّيِّ: مُعَاهِدُ بِكَسْرِ الهَاءِ وَفَتْحِهَا؛ لأنَّه أُعْطِيَ الأمَانَ واسْتَوْثقَ لِنَفْسِهِ. وَقَال الخَلِيلُ (٥): العُهْدَةُ: كِتَابُ الشِّرَاءِ.

стр. 591

[العَيبُ في الرَّقِيقِ] والرَّقِيقُ: اسْمٌ يَقَعُ (١) عَلَى العَبِيدِ المُسْتَرَقِّينِ وَاحِدُهُم وَجَمْعُهُم مُذَكَّرُهُم ومُؤَنَّثهم حَسَنُهُم وقَبِيحُهُم، يُقَالُ مِنْهُ: رَقٍّ الرَّجُلُ رِقًا فَهُوَ رَقِيقٌ كَمَا يُقَالُ: عَتَقَ فَهُوَ عَتِيقُ: إِذَا لَمْ يُجْرَ عَلَى الفِعْلِ، فَإِنْ أُجْرِيَ عَلَى الفِعْلِ قِيلَ: عَاتِقٌ، وَكَذلِكَ كَانَ يَجِبُ في اسْمِ الفَاعِلِ مِنْ رَقَّ أَنْ يُقَال: رَاقٌ، لكِنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: رَقِيقٌ لِلوَاحِدِ والجَمِيع، وَيجْمَعُ أَرقَّاءَ. وَقَوْلُهُ: "رَقِيقٌ" أَرَادَ الجَمَاعَةَ وَلِذلِكَ أَنَّثَ، وَلَوْ أَرَادَ الجَمْعَ لَذَكَّرَ فَقَال: "وَجْهُ ذلِكَ" (٢). وَمِثْلُهُ: [قَوْلُهُ تَعَالى] (٣): ﴿وَإِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ و ﴿إِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ ونَظِيرُ الرَّقِيقِ في كَوْنِهِ مَرَّةً جَمْعًا وَمَرَّةً وَاحِدًا: الصَّدِيقُ والرَّفِيقُ، قَال تَعَالى (٤): ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ وَقَال جَرِيرٌ (٥):

стр. 592

نَصبْنَ الهَوَى ثُمَّ ارْتَمَينَ قُلُوْبَنَا .... بِأَعْيُنِ أَعْدَاءٍ وَهُنَّ صَدِيقُ - وقَوْلُهُ: "باعَنِي عَبْدًا" [٤]. مَعْنَاهُ: بَاعَ مِنِّي عَبْدًا، وَلَكنَّ العَرَبَ تَتْرُكَ ذِكْرَ "مِنْ" اخْتِصارًا وَهُوَ أَكْثَرُ كَلامِهَا، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالى (١): ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾. - وقَوْلُهُ: "فَيؤاجِرُهُ". الوَجْهُ فِيهِ الهَمْزُ، وأَكْثَرُ اللُّغَويِّينَ يُنْكِرُ تَرْكَ الهَمْزِ؟ لأنَّهُ يُفَاعِلُ مِنَ الأجْرِ. وحَكَى الأخْفَشُ أَنَّ تَخْفِيفَ الهَمْزَةِ لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ (٢). - و [قَوْلُهُ: "أو الغَلَّةِ"]. الغَلَّةُ- بِفَتْحِ الغَينِ لَا غَيرُ، يُقَالُ مِنْهُ: أَغلَّتِ الأرْضُ فَهِيَ مُغِلَّةٌ [قَال الرَّاجِزُ: ] (٣) قَدْ جَاءَ سَيلُ جَادَ مِنْ أَمْرِ لَّهْ ... يَحْرِدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلِّهْ وَمَنْ قَال: "الغِلَّةِ" بِكَسْرِ الغَينِ فَقَدْ أَخْطَأَ.

стр. 593

[مَا يَفْعَلُ في الوَلِيدَةِ إِذَا بِيعَتْ ... ] - ذَكَرَ قَوْلَ ابنِ عُمَرَ: "لَا يَطَأ الرَّجُلُ وَلِيدَةً إلَّا وَلِيدَةً إنْ شَاءَ باعَهَا ... الحَدِيثُ" [٦]. ظَاهِرُهُ إِنَّمَا نَهَى عَنِ الوَطْءِ لا عَنِ الشِّرَاءِ، وَيَجُوْزُ لِمَنْ لَمْ يُجِزِ الشِّرَاءِ أَنْ يَقُوْلَ: إِنَّ الشَّيئَينِ إِذَا تَعَلَّقَ أَحَدُهُمَا بالآخِرِ تَعَلُّقَ السَّبَبِ بالمُسَبَّبِ والأشْيَاءُ المُتَلازِمَةِ فَرُبَّمَا أَوْقَعَتِ العَرَبُ الشَّيءَ عَلَى أحَدِهِمَا والمُرَادُ النَّهْيُ عَنْهُمَا جَمِيعًا (١)، كَأَنَّهُ قَال: لَا يَكُوْنُ مِنكمْ سُؤَالٌ فَيَكُوْنُ إِلْحَافٌ، وإِثْبَاتُ السُّؤَالِ الَّذِي لَا إِلْحَافَ فِيهِ، وَلكِنَّهُ نَفَاهُمَا جَمِيعًا كَأَنَّهُ قَال: لَا يَكُوْنُ مِنْكُمْ سُؤَالٌ فَيَكُوْنُ إِلْحَافٌ (١). [مَا جَاءَ في ثَمَرِ النَّخُلِ يُباعُ أصْلُهُ] -[قَولُهُ: "مَنْ باعَ نَخلًا قَدْ أبِّرَتْ فَثَمَنُهَا لِلْبائعِ"] [٩]. أَبْرُ النَّخْلِ: هُوَ تَلْقِيحُهَا، يُقَالُ: أَبَرَ النَّخْلَ يَأبُرُهُ وَيَأبِرُهُ أَبْرًا، وأَبَارًا، وأَبَّرَهُ تَأبيرًا (٢)، ويُسْتَعْمَلُ ذلِكَ في سَائِر الثِّمَارِ والزَّرْعِ وَلَا يُخَصُّ بِهِ النَّخْلُ دُوْنَ غَيرِهِ، والآَبِرُ: هُوَ المُلَقِّحُ، والمُوْتَبِرُ: هُوَ الَّذِي يَسْتَدْعِي إِلَى تَوْبِيرِ نَخْلِهِ (٣)، ورُبَّمَا اسْتُعِيرَ الأبْرُ في كُلِّ شَيءٍ مُصْلَحٍ وإِنْ لَمْ يَكُنْ شَجَرًا وَلَا زَرْعًا، وَلِذلِكَ قَال الأصْمَعِيُّ: في تَأْويلِ قَوْلِ النَّبيِّ ﵇ (٤): "خَيرُ

стр. 594

المَالِ سِكَّةُ مَأبُوْرَةٌ، أوْ مُهْرَةٌ مَأمُورَةُ" -إِنَّ المُرَادَ بالسِّكَةِ هاهُنَا السّكَّةُ الَّتِي يُحْرَثُ بِهَا الأرْضُ وَمَأْبُوْرَةٌ: مُصْلَحَةُ لِلْحَرْثِ، وأَمَّا أَبُو عُبَيدٍ (١) فَقَال: السِّكَّةُ: السَّطْرُ مِنَ النَّخْلِ، وَكُلُّ شَيءٍ مُصْطَفٌ مِنَ الثَّمَرِ أَوْ دُوْرٍ أَوْ حَوَانِيتٍ فَهُوَ سِكَّةٌ، والمَأْمُوْرَةُ: الكَثيرَةِ الوَلدِ. وَمَعْنَى تَلْقِيحُ النَّخْلِ: أَنَّ فِيهَا ذُكْوْرًا وإناثًا، فَيُؤخَذُ مِنْ طَلْعِ الذَّكَرِ فَيُدْخَلُ بَينَ طَلْعِ الإنَاثِ فَيُصْلُحُ حَمْلُهَا وَلَا يَفْسُدُ، وَإِذَا لَمْ يُفْعَلْ ذلِكَ لَمْ يُنْتَفَعْ بِحَمْلِ النَّخْلَةِ، ويُقَالُ لِلذَّكَرِ الَّذِي يُلَقَّحُ بِهِ: الفُحَّالُ (٢) وَلِطَلْعِهِ: الضِّبَابُ، والإغْرِيضُ، والوَليع، قَال الشَّاعِرُ (٣):

стр. 595

يُطِفْنَ بِفُحَّالٍ كَأَنَّ ضِبَابَهُ ... بُطُوْنُ المَوَالِي يَوْمَ عِيدٍ تَغَدَّتِ ورُبَّمَا قِيلَ لَهُ: فَحْلٌ (١) كَمَا يُقَالُ في الحَيَوَانِ، وَهُوَ قَلِيلٌ. وَذَكَرَ مَنْ أَعْسَى (٢) النَّخْلَ أَنَّ الفُحَّال رُبَّمَا قَابَلَ اتِّجِاهَ الأُنثَى وَكَانَ في مَوْضِع يَتَّصِلُ بِهَا نَسِيمُ الرِّيحِ الهَابَّةِ عَلَيهِ، فَتَصْبُوا إِلَيهِ كَمَا تَصْبُوا المَرْأةُ إِلَى الفَحْلِ، فَلَا (٣) يَنْفَعَهَا تَلْقَحُ إلَّا مِنْهُ. وَكَذلِكَ تَلْقِيحُ التِّينِ، فَإِنَّ فِيهَا ذُكُوْرًا وَإنَاثًا كَمَا في النَّخْلِ، وَمِنْهَا مَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَلْقِيحٍ، وَهَذَا الصِّنْفُ مِنَ الثِّمَارِ بِمَنْزِلَةِ المَرْأَةِ الَّتِي لا تَرْغبُ في الرِّجَالِ. وأَمَّا الزُّرُوْعُ ونَحْوُهَا مِمَّا لَا يُعْلَمُ لَهُ ذَكَرٌ ولا أُنْثَى فَإِنَّ مَعْنَى الأَبارِ فِيهِ والتَّلْقِيحِ هُوَ ظُهُوْرُ صَلاحِهِ وانْعِقَادِ ثَمَرِهِ، وأَنْ يَصِلَ في حَدٍّ تُؤْمَنُ عَلَيهِ الآفَاتُ. واشْتِقَاقُ التَّلْقِيحِ مِنْ قَوْلهِمْ: لَقَحَتِ النَّاقَةُ: إِذَا حَمَلَتْ، وأَلْقَحَهَا الفَحْلُ، ولَقَّحَهَا صَاحِبُهَا تَلْقِيحًا: إِذَا حَمَلَ عَلَيهَا، وَلِذَا قَالُوا: أَلْقَحَتِ الرِّيحُ السَّحَابَ: إِذَا جَمَعَتْهُ وحَرَّكَتْهُ حَتَّى يُمْطِرَ قَال تَعَالى (٤): ﴿[وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ] لَوَاقِحَ﴾. الحُكْمُ في الثَّمَرِ لِمَنْ أبَّرَ قَدْ كَانَ مَعْرُوْفًا في الجَاهِلِيّةِ، وَكَانَ ذلِكَ مِنْ

стр. 596

بَقَايَا كُتُبِ الأنْبيَاءِ، يُرْوَى أَنَّ مَالِكَ بنَ العَجْلان الأنْصَارِيَّ (١) كَانَ يُتحِفُ أَبَا جُبَيلَةَ المَلِكَ (٢) عِنْدَ نزوْلِهِ بهِمْ بِتَمْرِ نَخْلَةٍ شَرِيفَةٍ كَانَتْ، فَغَابَ مَالِكٌ يَوْمًا فَقَال أَبُو جُبَيلَة: جُدُّوْهَا فَإِنَّ مَالِكًا قَدْ أَتْحَفَنَا بِتَمْرِهَا مَرَّةً، فَجَدَّهَا، فَلَمَّا جَاءَ مَالِكٌ أُخْبِرَ بِذلِكَ فَجَاءَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى أَبِي جُبَيلَةَ وأَنْشَدَ: جَدَدْتَ جَنَي نَخْلَتِي طَالِبًا ... وَكَانَ الثِّمَارُ لمَنْ قَدْ أَبَرْ

стр. 597

فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ [ ﷺ ] إِلَى المَدِينَةِ أَخْبَرَتْهُ الأنْصَارُ بِهَذَا الخبَرِ فَقَال [النَّبِيُّ] ﷺ : "صَدَقَ، والثِّمَارُ لِمَنْ أَبر إلَّا أَنْ يَشْتَرِطُهُ المُشْتَرِي" (١). [النَّهْيُ عَنْ بيع الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا] - وَ [قَوْلُهُ: "لَا يَبِيع ثِمَارَهُ حَتَّى تَطْلُعَ الثُريَّا"] [١٣]. مَعْنَى طُلُوع الثُّرَيَّا طُلُوْعُهَا بالغَدَاةِ في الحَرِّ، وَبالعِشَاءِ في البَرْدِ، وذلِكَ لِثَلاثَ عَشْرَةَ تَخْلَى مِنْ شَهْرَا مايه، ولِذلِكَ قَال سَاجِعُ العَرَبِ (٢): "طَلَعَ النَّجْمُ غُدَيَّهْ، وابْتَغَى الرَّاعِي شُكَيَّهْ" [شُكَيَّةٌ]: تَصْغِيرُ شَكْوَةٍ، وَهِيَ القِرْبَةُ، يُرِيدُ: إِنَّ الرَّاعِي يَتَّخِذُ قُرْبَةً يَحْمِلُ فِيهَا المَاءَ؛ لأنَّ المِيَاهَ في ذلِكَ الوَقْتِ تَقِلُّ في بِلادِ العَرَبِ (٣). وَقَال السَّاجِعُ -في طُلُوْعِهَا في فَصْلِ البَرْدِ عِنْدَ العِشَاءِ- (٤): "طَلَعَ النَّجْمُ عِشَاءً وابْتَغَى الرَّاعِي كِسَاءً".

стр. 598

والنَّجْمُ: اسمٌ للثُّرَيَّا مَخصُوْصٌ بِهَا، يُقَالُ: طَلَعَ النَّجمُ وَغَابَ النَّجْمُ يَعْنُوْنَ الثُّريَّا (١). ورَوَوَى قَاسِمُ بنُ أَصْبَغَ (٢)، عَنِ ابنِ وَضَّاحٍ، عَنْ ابنِ أبي شَيبَةَ، عَنْ عَفَّانَ، عَنْ وَهْبٍ قَال: (أَنَا) عِسْلُ (٣) بنُ سُفْيَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال (٤): "مَا طَلَعَ النَّجْمُ صُبْحًا قَطُّ وتَقُوْمُ عَاهَةُ إلَّا رُفِعَتْ أوْ خَفَّتْ"، وَمِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ عِسْل، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَا طَلَعَ النَّجْمُ قَطُّ وَفِي الأرضِ شَيءٌ مِنَ العَاهَةِ إلَّا رُفِع" وَهَذَا عَلَى الخُصُوْصِ في الثِّمَارِ والنَّبَاتِ؛ لأنَّ العَرَبَ كَانَتْ تَقُوْلُ: مَا بَينَ طُلُوع الشَّمْسِ وغُرُوْبِهَا أَمْرَاضٌ وَوَبَاء وَعَاهَاتٌ في النَّاسِ والحَيَوَانِ، ولذلِكَ قَال طَبِيبُ

стр. 599

العَرَبِ (١): اضْمَنُوا لِي مَا بَينَ مَغِيبِ الثُّريَّا وطُلُوْعِهَا أضْمَنُ لَكُمِ سَائِرَ السَّنَةِ، وَكَانُوا يَقُوْلُوْنَ: غَرْبُهَا أعْوَهُ مِنْ شَرْقِهَا، ويُرْوَى: "أَعْيَهُ" أَي: أَشَدُّ عَاهَةً. وَكَتَبَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى الحَجَّاجِ بنِ ذُؤَيبٍ عَامِلُهُ: إِذَا طَلَعَتِ الثُّرَيَّا فَقَدْ حَلَّ بَيع النَّخْلِ. قَال الأصْمَعِيُّ: إِنَّمَا قَال ذلِكَ لأنَّ الثُّرَيَّا لَا تَطْلُعُ إلا عَلَى حَمْرَاءَ أَوْ صَفْرَاءَ (٢) مِنَ البُسْرِ، يُرِيدُ: أَنَّ النَّخْلَ يُزْهِي حِينَئِذٍ، وَمَعْنَى إِزْهَائِهِ وَزَهْوهِ: ظُهُوْرُ الحُمْرَةِ فِيهِ والصُّفْرَةِ. -[قَوْلُهُ: "والأمْرُ عِنْدَنَا في بيعِ البِطِّيخِ والقِثَّاءِ والخِرْبِزِ والجَزَرِ"]. الخِرْبِزُ: نَوع مِنَ البَطِّيخِ (٣)، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ كُلَّ بِطيخٍ خِرْبِزًا، وكَلامُ مَالِكٍ يَقْتَضِي أَنّه لَيسَ البِطِّيخَ نَفْسَهُ، وَلِذلِكَ عَطَفَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ، وَلَوْ كَانَا عِنْدَهُ نَوْعًا وَاحِدًا لاكْتفى بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا، ويُقَالُ: طبِّيخٌ وبِطِّيخ بِكَسْرِ البَاءِ لَا غَيرُ، وقِثَّاءُ وقُثَّاءُ بِضَمّ القَافِ، وَتَخْفِيفِ الثَّاءِ (٤)، وَقَرَأَ يَحْيَى بنُ يَعْمُرَ (٥):

стр. 600

﴿وَقِثَّائِهَا﴾ هو بِضَمِّ القَافِ. - ويُقَالُ: جِزَرٌ بِكَسْرِ الجِيمِ، وَجَزَرٌ، وَهِيَ الإسْفِنَارِيَّةُ (١) وتُسَمَّى الأسطفلين، وَهِيَ لُغَة شَامِيّة. [مَا جَاءَ فِي بَيعِ العَرِيَّة] والعرية: النَّخْلَةُ يُعْطِيهَا الرَّجُلُ الفَقِيرَ (٢)، قَال سُوَيدُ بنُ صَامِتٍ
следующие страницы →