← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18194

التعليق على الموطأ في تفسير لغاته وغوامض إعرابه ومعانيه

هشام بن أحمد الوقشي

Полный текст (937 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

- وَقَوْلُهُ. "فَسَلَّمَ [بَعْضُ] (١) مَنْ لَهُ فيها الشُّفْعَةُ [بالدَّفْعِ للبَائِعٍ] "، هَكَذَا "بالدَّفْعِ لِلْبَائِعِ"، وَهُوَ غَلَطٌ، وإِنَّمَا الصَّوَابُ: لِلْمُشْتَرِي (٢)، ولا وَجْهَ لِذِكْرِ البَائِعِ هَهُنَا إلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ المُشْتَرِي؛ لأنَّ العَرَبَ تَقُوْلُ: بِعْتُ بِمَعْنَى اشْتَرَيتُ (٣). - وَ [قَوْلُهُ: "شُرَكَاؤُهُ غُيَّبٌ"] وَقَعَ في بَعْضِ النُّسَخِ "وشُرَكَاؤُهُ غَيبٌ" وفي بعضها: "غُيَّبٌ" وكِلاهُمَا صَحِيحٌ. - وَ [قَوْلُهُ]: "حَتَّى يَقْدَمُوا": مَفْتُوْحِ الدَّالِ لَا غَيرُ. - وَقَوْلُهُ: " [فَسَلَّمَ بَعْضُ] مَنْ لَهُ فِيهَا الشُّفْعَةُ". بالرَّفْعِ الرِّوَايَةُ، ومَفْعُوْلُ "سَلِّمَ" مَحْذُوْفٌ لِلْعِلْمِ [بِهِ] أَرَادَ بِهِ: سَلَّمَ حِصَّتَهُ أَوْ نَصِيبَهُ وَنَحْو ذلِكَ، والعَرَبُ تَحْذِفُ المَفْعُوْلَ اخْتِصَارًا، إِذَا لَمْ يَكُنْ في حَذْفِهِ إِشْكَالٌ كَقَوْلِ النَّابِغَةِ (٤): حَتَّى لَحِقْنَا بِهِمْ تَعْدِي فَوَارِسُنَا (٥) ... كَأَنَّنَا رُعْنَ قُفٍّ يَرْفَعُ الآلا أي: تَعْدِي فَوَارِسُنَا الخَيلَ.

стр. 667

[مَا لَا تَقَعُ فِيه الشُّفْعَةُ] -[قَوْلُهُ: "ولَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ ولَا فِي فَحْلِ النَّخلِ"] [٤]. قَال أَبُو عُبَيدٍ (١): فِي [حُكْمِ] (٢) عُثْمَانَ "وَلَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ وَلَا فَحْلِ النَّخْلِ" وَذلِكَ أَنْ يَكُوْنَ البِئْرُ بَينَ نَفَرٍ، وَلِكُلِّ نَفَرٍ مِنْهُم حَائِطٌ عَلَى حَدَّةٍ، وكُلُّهُمْ يَسْقِي حَائِطَهُ مِنْ هَذَا البِئْرِ، فَهُمْ شُرَكَاءٌ في السَّقْيِ مِنْهَا، وَلَا شَرِكَةَ بَينَهُمْ في النَّخْلِ، فَمَنْ بَاعَ حَائِطَهُ فلَيسَ لِشُرَكَائِهِ فِي البِئْرِ شُفْعَةٌ في الحَائِطِ بِسَبَبِ شَرِكَتِهِمْ في البِئْرِ، وَكَذلِكَ فَحْلُ النَّخْلِ يَكُوْنُ لِرَجُلٍ في حَائِطِ رَجُلٍ لَا شِرْكَ لهُ مَعَهُ إلَّا ذلِكَ الفَحْلَ فَإِنَّهُ إِنْ بَاعَ صَاحِبَ الحَائِطِ حَائِطَهُ فَلَا شُفْعَةَ لِصَاحِبِ الفَحْلِ مِنْ أَجْلِ فَحْلِهِ ذلِكَ، قَال ابنُ قُتَيبَةَ (٣): مَا قَالهُ أَبُو عُبَيدٍ (٤) خَارِجٌ عَنِ التِمَاسِ الحِيَلِ وَطَلَبَ المَخْرَجِ، وَلَوْ أَرَادَ عُثْمَانُ مَا تَأَوَّلَ أَبُو عُبَيدٍ لَقَال: لَا شُفْعَةَ في بِئْرٍ (٥) ولا فَحْلٍ، إِنَّمَا كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى مَا ذَهَبَ إِلَيهِ أَبُو عُبَيدٍ مِنَ الحِيلَة في التِمَاسِ المَخْرَج لَوْ كَانَ لَفْظُ الحَدِيثِ يُخَالِفُ مَذَاهِبَ الفُقَهَاءِ، إِنَّمَا الحَدِيثُ مُسْتَغْنٍ بِظَاهِرِهِ عَنْ تأْويلِ، إِنَّمَا أَرَادَ البِئْرَ تَكُوْنُ بَينَ قَوْمٍ فَيَبِيعَ أَحَدُهُم نَصِيبَهُ مِنْهُ، أَنّهُ لَا شُفْعَةَ فِيهِ لِشُرَكَائِهِ. وَكَذلِكَ الفَحْلُ، وإِنَّمَا كَانَ ذلِكَ؛ لأنَّهُمَا لَا يَحْتَمِلانِ القَسْمِ، وَكُلٌّ مَا لَمْ يَحْتَمِلِ القَسْمَ فَهَذَا حُكْمُهُ. قَال (ش): ذَهَبَ أَبُو عُبَيدٍ إِلَى أَنْ [مَعْنَى] "فِي" مَعْنَى البَاءِ تَقُوْلُ: زَيدٌ

стр. 668

بالكُوْفَةِ وَفِي الكُوْفَةِ، وأَنْشَدَ يَعْقُوْبُ: وخَضْخَضَ فِينَا البَحْرَ حَتَّى قَطَعْتُهُ ... عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ غُمَارٍ وَمِنْ وَحْلِ أَرَادَ: وَخَضْخَضَ بِنَا. وَإِنَّمَا يُقَالُ: فُلانٌ بَصِيرٌ بِكَذَا، وَقَدْ جَاءَ مَا تَأَوَّلَهُ أَبُو عُبَيدٍ مَنْصُوْبًا عَنْ عُثْمَانَ فِي رِوَايَةِ أَبَان (١) ابنُهُ عَنْهُ حَرْفًا بحَرْفٍ، وَكَانَ الأصْمَعِيُّ يَقُوْلُ: إِنَّمَا يُقَالُ: فُحَّالٌ النَّخْلِ، ولا يُقَالُ: فَحْلٌ [إِلَّا] لِلْحَيَوَانِ لَا غَيرُ (٢). وَمَا قَالهُ الأصْمَعِيُّ هُوَ الأكْثَرُ والأشْهَرُ، وفَحْلٌ [فِي النَّخْلِ] قَلِيلٌ أَنْشَدَ يَعْقُوْبُ (٣): تَأبَّرِي يَا خَيرَةَ الفَسِيلِ تَأَبَّرِي مِنْ حَنَذٍ فَشُوْلِي

стр. 669

إِذْ ظَنَّ أَهْلُ النَّخْلِ بالفُحُوْلِ -[وَقَوْلُهُ: "وَلَا فِي طَرِيقٍ صَلَحَ القَسْمُ فِيهَا"]. يُقَالُ: صَلُحَ وَصَلَحَ بِضَمِّ اللَّامِ وفَتْحِهَا والفَتْحُ أَفْصَحُ، وَيُرْوَى: "فِيهِ" و"فِيهَا" وَكِلاهُمَا جَائِزٌ. والطَّرِيقُ يُذَكَّر ويُؤَنَّثُ (١). - وَ [قَوْلُهُ]: "عَرْصَةِ الدَّارِ" بِفَتْحِ العَينِ لَا غَيرُ، وَسُمِّيَتْ عَرْصَةً؛ لأنَّ الصَّبْيَانَ يُعَرِّصُوْنَ فِيهَا، أَي: يَلْعَبُوْنَ. - وَ [قَوْلُهُ]: "الغَلَّةُ" مَفْتُوْحُ الغَينِ لَا غَيرُ. - وَقَوْلُهُ: "إلَى يَوْمِ يَثْبت ... " يَجُوْزُ "يَوْمَ" بالنَّصْبِ [ويَوْمِ] بالخَفْضِ. -[قَوْلُهُ]: "العِمَارَةُ" بِكَسْرِ العَينِ وَلَا تُفْتَحُ.

стр. 670

وَمِنْ (كِتَاب الأقْضِيَة) (١) [التَّرْغِيبُ فِي القَضَاءِ بالحَقِّ] -[قَوْلُهُ: "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ"] [١]. ذُكِرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِعِلْمِهِ في أَبِي سُفْيَانَ حِينَ اشْتَكَتْ هِنْدَ بِمسكاته "إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ". مَجَازُهُ: أَنَّه قَال لَهُ عَلَى جِهَةِ التَّوَاضُعِ، أَي: يُدْرِكُنِي مَا يُدْرِكُكُمْ حَتَّى يُؤَيِّدَنِي اللهُ بالوَحْيِ المُنَزَّلِ، وَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ في اللِّسَانِ في تَقْلِيلِ الشَّيءِ وتَحْقِيرِهِ، إِمَّا عَلى التَّواضِعِ أَوْ الذَّمِّ، فَأَمَّا الذَّمُّ فَقَوْلُكَ لِلرَّجُلِ: سَمَعْتَهُ يَتَّصِفُ بالكَرَمِ -إِنَّمَا وَهَبْتَ دِرْهَمًا. وَأَمَّا التَّوَاضُعُ فَكَالْحَدِيثِ، وَكَقَوْلهِ [تَعَالى]: (٢) ﴿[قُلْ] إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ [مِثْلُكُمْ]﴾. وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ في رَدِّ الشَّيءِ إِلَى حَقِيقَتِهِ، وذلِكَ إِذَا سَمِعْتَ قَوْمًا يَصِفُوْنَ شَخْصًا بالكَرَمِ والشَّجَاعَةِ والعِلْمِ، فَيَقُوْلُوْنَ: إِنَّمَا هُوَ شُجَاعٌ، أي: هَذِهِ صِفَتُهُ الحَقِيقِيَّةِ المَعْلُوْمَةِ، وَمِنْهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (٣): ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وَذَكَرَ الكُوْفِيُّوْنَ أَنَّهَا تَكُوْنُ بِمَعْنَى النَّفْيِ فِي قَوْلِهِ (٤):

стр. 671

أَنَا الضَّامِنُ الرَّاعِي عَلَيهِمْ وَإِنَّمَا ... يُدَافِعُ عَنْ أحْسَابِهِمْ أَنَا أَوْ مِثْلِي - وَ [قوْلُهُ: "أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ"] مَعْنَى أَلْحَنُ: أَفْطَنُ وأَحْذَقُ، واللَّحْنُ - بِفَتْحِ الحَاءِ - الحِذْقُ والفِطْنَةُ، ورُبَّمَا أَسْكَنُوا الحَاءَ، يُقَالُ: لَحَنَ يَلْحَنُ فَهُوَ لَحِينٌ، وَفِي الخَطَأ: لَحَنَ يَلْحَنُ فَهُوَ لاحِنٌ، والمَصْدَرُ لَحْنٌ، ورُبَّمَا فَتَحُوْهَا. وَيُقَالُ: فُلانٌ أَلْحَنُ مِنْ فُلانٍ فَيُحْتَمَلُ وَجْهَينِ؛ الخَطَأَ والحِذْقَ، وَمِنْهُ حَدِيثُ مُعَاويَةَ (١): أَنَّه سَأَلَ عَنْ ابنِ أَخِيهِ فَقِيلَ: ظَرِيفٌ عَلَى أَنّه يَلْحَنُ، أَي: يُخْطِئُ فَقَال: هُوَ أَظْرَفُ

стр. 672

لَهُ، ذَهَبَ إِلَى الفِطْنَةِ والحِذْقِ. وَ"لَعَلَّ" في هَذَا الحَدِيثِ لَيسَتْ بِرَجَاءٍ ولا طَمَع؛ لأنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِذلِكَ فِي هَذَا المَوْضِعِ وإِنَّمَا هُوَ لأمْرٍ يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ وأَنْ لَا يَقَعَ، هَذَا بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ يَقُوْلُ: رَأَيتُ مِنَ الأَمِيرِ جَفْوَةً، فَيَقُوْلُ لَهُ الآخَرُ: لَعَلَّهُ قَدِ اتَّصَلَ بِهِ عَنْكَ أَمْرٌ كَرِهَهُ. فَكَأَنَّهُ قَال: إِنَّ مِنَ المُمْكِنِ أَنْ يَكُوْنَ المُبْطِلُ مِنْكُمَا أَعْلَمَ بِمَقاطِعِ الكَلامِ مِنَ المُحِقِّ، وَدُخُوْلُ "أَنْ" في خَبَرِهَا قَلَّ مَا يَأْتِي إلَّا فِي الشَّعْرِ تَشْبِيهَّا بِـ"عَسَى" وَقَدْ تَقَدَّمَ. - وَقَوْلُهُ: "إنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ". وَهَذَا عَلَى المِثَالِ، لَمَّا كَانَ ذلِكَ يُؤَدِّيهِ إِلَى النَّارِ [صَارَ كَأَنَّهُ نَارٌ] وَمِثْلُهُ (١): "إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ". [الشَّهَادَاتِ] - قَوْلُهُ: "لأَمْرٍ مَا لَهُ رَأْسٌ ولَا ذَنَبٌ" [٤]. أَي: أَمْرٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا فَرْعَ؛ شَبَّهَ الأَصْلَ بالرَّأْسِ والفَرْعَ بالذَّنَبِ، وإِذَا نُفِيَ عَنِ الشَّيءِ أَنْ يَكُوْنَ لَهُ أَصْلٌ وفَرْعٌ فَقَدْ نُفِيَ أَنْ تَكُوْنَ لَهُ عَنْهُ حَقِيقةٌ وَثَبَاتٌ، أَلا تَرَى أَنَّ اللهَ شَبَّهَ التَّوْحِيدَ بِشَجَرَةٍ لَهَا أَصْلٌ، وَشَبَّهَ الشِّرْكَ بِشَجَرَةٍ لَيسَ لَهّ أَصْلٌ وَلَا فَرْعٌ فَقَال تَعَالى (٢): ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ﴾ يُرِيدُ: النَّخْلَةَ (٣)، والشَّجَرَةُ الخَبِيثَةُ:

стр. 673

الكُشُوْتَا (١) ويُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ: إِنَّه لَمْ يَأْمُرْ بِهِ إِمَامٌ فَيُتَّبَعُ أَمْرَهُ ويُقْتَدَى بِهِ؛ لأنَّ الإمَامَ والرَّجُلَ المَتْبُوْعَ يُجْعَلُ كالرَّأْسِ، ويُجْعَلُ المَتْبُوْعِينَ لَهُ كالذَّنَبِ، وَهُوَ مَشْهُوْرٌ في كَلامِ العَرَبِ. - وَ [قَوْلُهُ: "وَلَا يُؤْسَرُ رَجُلٌ ... "] مَعْنَى يُؤْسَرُ: يُحْبَسُ، أَصْلُ الأسْرِ: شَدُّ الشَّيءِ وإِحْكَامُهُ، يُقَالُ: مَا أَحْسَنَ مَا أَسَرَ قَتَبَهُ، أَي: شَدَّه وأَحْكَمَهُ، واسْمُ القَدِّ الَّذي يُشَدُّ بِهِ: الإسَارُ، وَمِنْهُ قِيلَ للأخِيذِ: أَسِيرٌ؛ لأنَّهُم كَانُوا يَشُدُّوْنَهُ بالإسَارِ، ثُمَّ اتُبِعَ فيه فَسُمِّيَ كُلُّ مُعْتَقَلٍ أَسِيرًا، وإن لَمْ يُشَدَّ بإِسَارٍ، وَمِنْهُ قِيلَ لِقَبيلَةِ الرَّجُلِ: أُسْرَةٌ؛ لأنَّه يَعْتَصِمُ بِهِمْ ويَجْتَمِعُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ [تَعَالى] (٢): ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾.

стр. 674

- وَفِي قَوْلِ عُمَرَ: "أَوْ قَدْ ظَهَرَ ذلِكَ" (١) دَلِيلٌ (٢) عَلَى مَنْ قَال: إِنَّ الشَّهَادَةَ فِي الحَوْدَبِ أَوَّلُ شَهَادَةِ زُوْرٍ شُهِدَ بِهَا فِي الإسْلَامِ، والحَوْدَبُ (٣): اسْمُ مَاءٍ بِطَرِيقِ مَكَّةَ. [القَضَاءُ في شَهَادَةِ المَحْدُوْدِ] - قَوْلُهُ: "الَّذِي يُجْلَدُ الحَدَّ ثُمَّ تَابَ وأَصْلَحَ" [٤]، كَذَا الرِّوَايَةُ، وَكَانَ الوَجْهُ أَنْ يَقُوْلَ: ثُمَّ يَتُوْبُ ويُصْلِحُ وَكَذلِكَ قَوْلُهُ: "هُوَ أحَبُّ مَا سَمِعْتُ إلَيَّ فِي ذلِكَ" [٢]. وَكَانَ الوَجْهُ: مَا سَمِعْتُ فِي ذلِكَ إِلَيَّ؛ لِئَلَّا يَحُوْلُ بَينَ الصِّلَةِ والمَوْصُوْلِ بِمَا لَيسَ مِنْهَا، وَلكِنَّهُ كَلامٌ فِيهِ تَسَامُحٌ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ العَرَبَ رُبَّمَا عَطَفَتْ المَاضِيَ عَلَى المُسْتَقْبَلِ، والمُسْتَقْبَلَ عَلَى المَاضِي، وعَلَى هَذَا تَأْويلُ النَّحْويِّينَ (٤) قَوْلَ العَرَبِ: "سِرْتُ حَتَّى أَدْخُلُهَا" بالرَّفْعِ، وأَنَّ المَعْنَى: سِرْتُ فَدَخَلْتُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالى (٥). ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ بالرَّفْعِ أَنَّ المَعْنَى: فَقَال الرَّسُوْلُ، وَكَذلِكَ قَوْلُهُ [تَعَالى] (٦): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في بَعْضِ الأقْوَالِ. وَقَدْ تَعْطِفُ العَرَبُ الفِعْلَ المَاضِي

стр. 675

عَلَى اسْمِ الفَاعِلِ وَهُوَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا في قَوْلِهِ [تَعَالى] (١): ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وَعَطَفُوا اسْمَ الفَاعِلِ عَلَى الفِعْلِ المُضَارِعِ في قَوْلهِ: (٢) بَاتَ يُغَشِّيهَا بِعَضْبٍ بَاتِرِ ... يَقْصُدُ فِي أَسْوُقِهَا (٣) وَجَائِرِ وَعَطَفُوا الفِعْلَ عَلَى المَصْدَرِ في قَوْلِ امْرِئِ القَيسِ: (٤) * ... وتَوْكَافٌ وتَنْهَمِلانِ * [القَضَاءُ باليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ] - قَوْلُهُ: "فَإنْ نَكَلَ وَأَبىَ أَنْ يَحْلِفَ"] [٧]. يُقَالُ: نَكَلَ عَنِ الأَمْرِ يَنْكُلُ بالفَتْحِ في المَاضِي وَالضَّمُّ في المُسْتَقْبَلِ، هَذَا هُوَ المَشْهُوْرُ، وَحَكَى قَوْمٌ أنَّه يُقَالُ: نَكِلَ يَنْكَلُ بالكَسْرِ في المَاضِي والفَتْحِ في المُسْتَقْبَلِ، وذلِكَ غَيرُ مَعْرُوْفٍ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ اللُّغَةِ يَجْعَلُوْنَه مِنْ لَحْنِ العَامَّةِ (٥).

стр. 676

- وَقَوْلُهُ: "وَأَنَّ العَبْدَ [إِذَا جَاءَ بشِاهِدٍ"]. مِثْلُ قَوْلِهِ [تَعَالى] (١): ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وَلَا يُجِيزُوْنَ فِيهِ الابْتِدَاءَ؛ لأنَّ الشَّرْطَ بِحُكْمِهِ أَنْ يَكُوْنَ بالأفْعَالِ، والكُوْفِيُّوْنَ يُجِيزُوْنَ فِيهِ الابْتِدَاءَ. - وَقَوْلُهُ: "وَإِنْ زَنَا وَأَحْصَنَ" الرِّوَايَةُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وَالصَّادِ، ويَجُوْزُ ضَمُّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الصَّادِ، وقُرِئَ: [قَوْلُهُ تَعَالى] (٢): ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾، ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ فلا وَقَرَؤُوا [قَوْلَهُ تَعَالى] (٣): ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾ [و] ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾. - وَ [قَوْلُهُ: "فَإذْ أَقَرُّ بِهَذَا فَلْيُقْرِرْ"] يَجُوْزُ: فَلْيُقِرَّ وَفَلْيُقْرِرْ. [مَا جَاءَ فِي شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ] - قَوْلُهُ: "أَوْ يُخَبَّبُوا" [٩]. أَي: يُعَلَّمُوا الخَبَّ، وَهُوَ المَكْرُ، ويُقَالُ للنَّمَّامِ والمُفْسِدِ بَينَ النَّاسِ: مُخَبِّبٌ، وَكَانَتِ الأُمَويَّة تُلَقِّبُ عَبْدُ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ خُبَيبًا، يُرِيدُوْنَ أَنَّ لَهُ مَكْرًا وَدَهَاءً، وَكَذلِكَ كَانُوا يُسَمُّوْنَ أَخَاهُ مُصْعَبًا فَكَانَا يُسَمَّيَانِ: الخُبَيبَينِ (٤).

стр. 677

[مَا جَاءَ في الحِنْثِ عَلَى مَنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ -] - وَقَوْلُهُ: "تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"] [١٠]. مَعْنَى: "فَلْيَتَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" فَلْيَنْزِلْ وليَتَّخِذْ، تَقُوْلُ: تَبَوَّأْتُ الدَّارَ مَنْزِلًا: إِذَا نَزَلْتَهَا واتَّخَذْتَهَا مَسْكَنًا وَ [قَوْلُهُ تَعَالى] (١): ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ يَعْنِي المَدِينَةَ وخَصَّ مَنْبَرَهُ بالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَ كُلُّ حَانِثٍ آثِمًا (٢) مُتَوَعِّدًا تَنْويهًا بِمَنْبَرِهِ وإِشَارَةً مِنْهُ إِلَى [أَنَّ] لِمَنْبَرِهِ مَزِيَّةً فِي ذلِكَ عَلَى سَائِرِ المَنَابِرِ، وَهَذَا مِنْ (٣) بَابِ قَوْلِهِ [تَعَالى] (٤): ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ وَمِنْ بَابِ [قَوْلِهِ تَعَالى] (٥) ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾. [مَا لَا يَجُوْزُ مِنْ غَلُقِ الرَّهْنِ] -[قَوْلُهُ: لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ"] [١٣]. غَلْقُ الرَّهْنِ في الفِقْهِ مَا قَالهُ مَالِكٌ، وأَمَّا في اللُّغَةِ فَهُوَ على وَجْهَينِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَأْبَى المُرْتَهِنُ مِنْ رَدِّهِ عَلَى الرَّاهِنِ، وَذلِكَ إِذَا كَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَلَى قِيمَةِ الدَّينِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَأْبَى الرَّاهِنُ أَنْ يَفكَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّ الرَّهْنَ أَنْقَصُ قِيمَةً مِنَ الدَّينِ. وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ أَغْلَقْتُ البَابَ. وَغَلِقَ الشَّيءُ: إِذَا نَشِبَ، فَمِنَ المَعْنَى الأوَّلِ بَيتُ

стр. 678

زهُيرِ بنِ أبِي سُلْمَى (١): وَفَارَقْتَكَ بِرَهْنٍ ......... ... .......................... البيت أَرَادَ أَنّهَا: مَلَكَتْ قَلْبَهُ وَلَمْ تَصْرِفْهُ عَلَيهِ، فَلَيسَ -هَهُنَا- لِلشَّرْطِ الَّذِي شَرَطَهُ الفُقَهَاءُ فِي الغَلْقِ ذِكْرٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ ابنِ دَارَةَ (٢): أَجَارَتَنَا مَنْ يَجْتَمِعْ يَتَفَرَّقِ ... وَمَنْ يَكُ رَهْنًا لِلْحَوَادِثِ يَغْلَقِ وَإِنَّمَا أَرَادَ تَعَذُّرَ تَخَلُّصهِ وامْتِنَاعِ فَكِّهِ. وَمِنَ المَعْنَى الثَّانِي: مَا حَكَاهُ أَهْلُ اللُّغَةِ [فِي قَوْلِ العَرَبِ] (٣): "أَهْوَنُ من قُعَيسٍ عَلَى عَمَّتِهِ" فَإِنَّ قُعَيسًا رَهَنَتْهُ عَمَّتُهُ في حُزْمَةِ بِقْلٍ وَأَبَتْ أَنْ تَفكَّهُ وَقَالتْ: غَلَقَ الرَّهْنُ، وأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَال: غَلْقُ الرَّهْنِ ضَيَاعُهُ فَلَا أَعْرِفُ ذلِكَ مَحْكِيًّا عَنْ

стр. 679

إِمَامٍ مِنَ اللُّغَويِّينَ، والرِّوَايَةُ: "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ" بِرَفْعِ القَافِ عَلَى لَفْظِ الخَبَرِ وَمَعْنَاهُ النَّهْيِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ [تَعَالى] (١): ﴿لَا يَمَسُّهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [وَ] ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ (٢) وَيُقَالُ: رَهَنْتُ الرَّهْنَ وأَرْهَنْتُهُ، وأَنْكَرَ الأصْمَعِيُّ أَرْهَنْتُهُ وَقَال: لَا يُقَالُ: أَرْهَنْتُ إِلَّا بِمَعْنَى: أَسْلَفْتُ، وَبِمَعْنَى: أذَقْتُ، فَاحْتُجَّ عَلَيهِ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ -ابنِ هَمَّامٍ السَّلُوْلِيِّ-: (٣) فَلَمَّا خَشِيتُ أَظَافِيرَهُمْ ... نَجَوْتُ وَأَرْهَنُهُم مَالِكَا فَقَال: إِنَّمَا الرِّوَايَةُ: "نَجَوْتُ وَأَرْهَنْتُهُم" كَمَا يُقَالُ: وبيت إليه وأَصُكُّ عَينَهُ، يُرِيدُ: إِنَّهُ فَعْلٌ مُضَارعٌ مَبْنِيٌّ عَلَى مُبْتَدَأ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحَالِ، كَأَنَّهُ قَال: نَجَوْتُ وَأَنَا أَرْهَنُهُمْ، أَي: نَجَوْتُ وَهَذَا حَالِي، وأَنْشَدَ غَيرُ الأصْمَعِيِّ - لِدُكَينٍ -: (٤)

стр. 680

لَمْ أَرَ بُؤْسًا مِثْلَ هَذَا العَامِ ... أَرْهَنْتُ فِيهِ لِلشَّقَا (١) خِيتَامِي [القَضَاءُ فِيمَنْ ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ] - وَقَوْلُهُ: "فَإِنْ تَابَ وَإلَّا قُتِلَ" [١٥]. جُمْلَتَانِ عُطِفَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى، وَحُذِفَ جَوَابُ الشَّرْطِ مِنَ الجُمْلَةِ الأوْلَى وَحْرَفُ الشَّرْطِ مِنَ الجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ، وَتَقْدِيرُ الكَلامِ: فَإِنْ تَابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، وإِنْ لَا يَتُبْ قُتِلَ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ عُتْبَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ (٢) فِي خُطْبَتِهِ: "فَأمَّا إِذَا أَبَيتُمْ إِلَّا الطَّعْنَ عَلَى الولايَةِ والشَّقْصَ للسَّلَفِ فَوَاللهِ لأقَطِّعَنَّ عَلَى ظُهوْرِكُمْ (٣) بُطُوْنَ السِّيَاطِ، فَإِنْ حَسَمْتْ دَاءَكُمْ وَإِلَّا السَّيفُ مِنْ وَرَائِكُمْ"، تَقْدِيرُهُ: فَإِنْ حَسَمْتُ دَاءَكُمْ فَهُوَ الَّذِي أُرِيدُ، وإِنْ لَا أَحْسِمُهُ فَالسَّيفُ مِنْ وَرَائِكُمْ. وَقَدْ تَحْذِفُ العَرَبُ الشَّرْطَ وَحْدَهُ أَوْ الجَوَابَ وَحْدَهُ، ثِقَةً

стр. 681

بِفِهْمِ المُخَاطَبِ، فَمِمَّا حُذِفَ مِنْهُ الجَوَابُ وَحْدَهُ قَوْلُ الشَّاعِرُ (١): * ...... إِنْ نَفَرَا * أَرَادَ: إِنْ نَفَرَ لَا أَمْلِكُ رَأْسَهُ، وَمِمَّا حُذِفَ مِنْهُ الشَّرْطَ وَحْدَهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ -هُوَ المُثقَّبُ- (٢): فَإِمَّا أَنْ تَكُوْنَ أَخِي بِحَقٍّ ... فَأَعْرِفُ مِنْكَ غَثِّي مِنْ سَمِينِي وَإِلَّا فَاطَّرِحْنِي ..... ... ...................... البيت مَعْنَاهُ: وَإِنْ لَا تَكُنْ أَخِي بِحَقٍّ فَاطَّرِحْنِي. وَمِثْلُهُ قَوْلُ القَائِلِ: اصْبِرْ وَإِلَّا فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ. - وَقَوْلُهُ: "مِنْ مُغْرِبه خَبَرٍ" (٣) [٦]. الصَّوَابُ كَسْرُ الرَّاءِ والإضَافَةِ، وَلَكِنَّ

стр. 682

أَبَا عُبَيدٍ (١)، فَتَحَ الرَّاءَ والإضافَةِ، وقَال. والأُمَويُّ (٢) يَفْتَحُهَا، وَغَيرُهُ يَكْسَرُهَا، وأَصْلُهَا مِنَ الغَرَبِ وَهُوَ البُعْدُ، وَمِنْهُ قِيلَ: دَارُ فُلانٍ غَرْبَةٌ، وَأَنْشَدَ: وَشَطَّ وَلْيُ النَّوَى إِنَّ النَّوَى قُذُفٌ ... تَيَّاحَةٌ غَرْبَةٌ بالدَّارِ أَحْيَانًا وَمِنْهُ قِيلَ: [شَأوٌ] مُغَرِّبٌ مُغْرِبٌ قَال الكُمَيتُ: أَعَهْدُكَ فِي أُولَى الشَّبِيبَةِ تَطْلُبُ ... عَلَى دَبَرٍ هَيهَاتَ شَأْوٌ مُغَرِّبُ وأَصْلُهُ: سَرَّقَ وغَرَّبَ: إِذَا صَارَ إِلَى الشَّرْقِ والغَرْبِ، ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ شَيءٍ أَبْعَدَ فِي الأَرْضِ ذَهَابًا: غَرَّبَ وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ إِلَى الغَرْبِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَذْهَبُ إِلَى [أَنَّ] مَعْنَاهُ: هَلْ فِيهِمْ مِنْ خَبَرٍ غَرِيب، وَ"مِنْ" زَائِدَةٌ كمَا يُقَالُ: هَلْ فِي الدَّارِ مِنْ رَجُلٍ. [القَضَاءُ فِيمَنْ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا] -[قَوْلُهُ: "فَلْيُعْطَ بِرُمَّتِهِ" [١٨]. والرُّمَّةُ: الحَبْلُ. وَقَوْلُهُ: "فَلْيُعْطَ" الصَّوَابُ فتْحُ الطَّاءِ، وَرَوَاهُ عُبَيدُ اللهِ بالكَسْرِ. وَهَذَا كَلامٌ جَرَى مَجْرَى

стр. 683

المَثَلِ (١) يُقَالُ للرَّجُلِ إِذَا أَمَرُوْهُ بِأن يُعْطَى الشَّيءُ بِجُمْلَتِهِ مِنْ غَيرِ أَنْ يُحْبَسَ مِنْهُ شَيءٌ: ادْفَعْهُ إِلَيهِ بِرُمَّتِهِ، وأَصْلُهُ: أَنَّ رَجُلًا بَاعَ مِنْ رَجُلٍ بَعِيرًا في عُنُقِهِ حَبْلٌ فَلَمَّا اسْتَوْجَبَهُ أَرَادَ السِّمْسَارُ أَنْ يَأْخُذَ الحَبْلَ مِن عُنُقِ البَعِيرِ، فَقَال لَهُ البَائِعُ: ادْفَعْهُ إِلَيهُ برُمَّتِهِ، فَصَارَ مَثَلًا. وَقِيلَ: إِنَّ أَصْلَهُ أَنَّ مَنْ شَأْنِ المَأْسُوْرِ والقَاتِلِ أَنْ يُوضَعَ في عُنُقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَبْلٌ يُقَادُ بِهِ. فَكَلامُ عَلِيَّ عَلَى هَذَا حَقِيقَة، وَعَلَى التّأْويلِ الأوَّلِ مَجَازٌ. - وَقَوْلُهُ: "أَنَا أَبُو حَسَنٍ". فَإِنْ هَذِهِ كَلِمَةٌ تَسْتَعْمِلُهَا (٢) العَرَبُ عِنْدَ الافْتِخَارِ؛ بِمَا يَعْمَلُهُ النَّاسُ مِنْ أمْرٍ أَوْ عِنْدَ ظَنٍّ يَظُنُّهُ فَيَصْدُقُ ظَنُّهُ، أَوْ أَمْرٍ يَرُوْعُهُ

стр. 684

حَتَّى يَأْتِيَ لَهُ مِنْهُ مُرَادُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَمْرِو بنِ العَاصِ -حِينَ بَلَغَهُ قَتْلُ عُثْمَانَ-: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ (١) إِذَا حَكَكْتُ قُرْحَةً أَدْمَيتُهَا؛ أَرَادَ إِنَّه كَانَ يَظُنُّ أَنَّه سَيُقْتَلُ، وَصدَقَ ظَنُّهُ. وَبَلَغَ مُعَاويَةَ أَنَّ بِطْرِيقًا في بِلادِ الرُّوْمِ يُؤاذِي المُسْلِمِينَ وَيَطْعَنُ عَلَيهِمْ ويُغْرِي بِهِمْ المَلِكَ فَبَعَثَ إِلَيهِ مُعَاويَةُ بِهَدِيَّةٍ فِيهَا خِفَافٌ حُمْرٌ ودُهْنُ بَانٍ، ثمَّ بَعَثَ إِلَيهِ بِثَانِيَةٍ وَثَالِثَةٍ حَتَّى عُرِفَتْ رُسُلُ مُعَاويَةَ بالاخْتِصَاصِ بِذلِكَ البِطْرِيقِ والنُّزُوْلِ عَلَيهِ، ثُمَّ كَتَبَ مُعَاويَةُ إِلَى ذلِكَ البِطْرِيقِ كِتَابًا يَشْكُرُهُ فِيهِ عَلَى مَا وَعَدَهُ مِنْ خُذْلانِ مَلِكِ الرُّوْمِ السَّعْيِ عَلَيهِ، وأَمَرَ رُسُلَهُ بَأَنْ تَتَعَرَّضَ لأنْ يُرَى الكِتَابُ، فاتَّصَلَ ذلِكَ بِمَلِكِ الرُّوْمِ فَطَلَبَ البِطْرِيقَ وأَرَاحَ اللهُ مِنْهُ المُسْلِمِينَ، فَبَلَغَ ذلِكَ مُعَاويَةَ، فَقَال: أَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَن، وَمِنْ ذلِكَ قَوْلُ أَبِي النَّجْمِ (٢):

стр. 685

* أَنَا أَبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي * [القَضَاءُ في المَنْبُوْذِ] -[قَوْلُهُ: "عَسَى الغُوَيرُ أَبْؤسًا"] (١). الغُوَيرُ: تَصْعيرُ غَارٍ. وأَبْؤُسٌ: جَمْعُ بَأْسٍ، وَهُوَ الشِّدَّةُ والمَكْرُوْهُ، وَمِنْهُ: لَا بَأس عَلَيكَ، أَي: لَا مَكْرُوْهَ، وأَصْلُ هَذَا المَثلِ: أَنَّ الزَّبَّاءَ قَتَلَتْ جُذَيمَةَ الأَبْرَشَ وَتَوَقَّعَتْ الغَدْرَ بِهَا طَلَبًا بِدَمِهِ فَاتَّخَذَتْ غَارًا تَحْتَ الأَرْضِ لِتَنْجُوَ فِيهِ إِنْ غُدِرَتْ، فَاتَّصَلَ بِهَا قَصِيرٌ اللَّخْمِيُّ فَلَمْ يَزَلْ يَنْصحُ لَهَا حَتَّى كَشَفَ عَلَى الغَارِ، وَكَانَ يَتَّجِرُ لَهَا ويُسَافِرُ، وَقَدْ اتَّفَقَ مَعَ عَمْرِو بنِ عَدِيٍّ عَلَى الغَدْرِ بالزَّبَّاءِ، وَكَانَ الأَبْرَشُ خَال عَمْرٍو، وَكَانَ [قَصِيرٌ]

стр. 686

يُضَعِّفُ لَهَا الرِّبْحَ مِنْ مَالِ عَمْرٍو، ويُوهِمُهَا أَنَّه رَبِحَ، فَلَمَّا اطْمَأَنَّ إِلَيهَا أَتَاهَا بالجِمَالِ عَلَيهَا الصَّنَادِيقُ فِيهَا الرِّجالُ عَلَيهِمُ السِّلاحُ، وَتَقَدَّمَ إِلَيهَا وَقَال: اصْعَدِي وَانْظُرِي "قَدْ جِئْتُكَ بِمَا صَآىْ وَصَمَتْ" (١)، أَي: مِمَّا يَتَكَلَّمُ وَمَا لَا يَتكَلَّمُ، فَنَظَرْتْ إِلَى الجِمَالِ تَمْشِي مَشْيًا ضَعِيفًا لِثقَلِ مَا عَلَيهَا، فَقَالتْ: * مَا لِلْجِمَالِ مَشْيَهَا وَئِيدًا * ... الأبْيَات (٢). ثُمَّ رَأَتْ قِطْعَةً مِنْهَا، وَفِيهَا عَمْرُو بنُ عَدِيٍّ قَدْ تَرَكَتِ الطَّرِيقَ فَأَخَذَتْ نحوَ الغَارِ فَقَالتْ: "عَسَى الغُوَيرُ أَبْؤسًا" أَي: عَسَى الغَارُ الَّذِي اتَّخَذْنَاهُ للنَّجَاة سَيَأْتِينَا المَكْرُوْهُ مِنْ قِبَلِهِ، وَدَخَلَتِ الجِمَالُ إِلَى القَصْرِ، فَفُتِحَتِ الصَّنَادِيقُ وخَرَجَ الرِّجَالُ فَفَرَّتْ إِلَى الغَارِ، فَأَلْفَتْ فيه عَمْرَو بنَ عَدِيٍّ وَبِيَدِهِ السَّيفُ، فَقَالتْ (٣): "بِيَدِي لَا بِيَدِ عَمْرٍو" فَمَصَّتْ خَاتَمَهَا فَمَاتَتْ، فَصَارَ قَوْلُهَا مَثَلًا لُكُلِّ

стр. 687

مَا يُسْتَرَابُ بِهِ، ويُتَوقَّعُ أَنْ يَأْتِيَ المَكْرُوْهُ مِنْ مَوْضِعِ الأمْنِ والثَّقَةِ مِنْهُ. فَتُرَى عُمَر اتَّهَمَ أَبَا جَمِيلَةَ (١) بالمَنْبُوْذِ وَخَشِيَ أَنْ يَكُوْنَ لَهُ فيه عَمَلٌ وَوَرَاءَهُ رَمِيَّةٌ، فَلَمَّا أَثْنَى عَلَيهِ زَال ذلِكَ التَّوهُّمُ، وَقَدْ تَوَهَّمَ قَوْمٌ أَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا أَنكرَ المَنْبُوْذَ عَلَى أَبِي جَمِيلَةَ؛ لأنَّه ظَنَّ أَنَّه يُرِيدُ أَنْ يَفْرِضَ لَهُ، وَكَانَ عُمَرُ يَفْرِضُ لِلْمَنْبُوْذِ، فَظَنَّ أَنَّه أَخَذَهُ لِيَلِيَ أَمْرَهُ، وَيَأْخُذَ مَا يُفْرَضَ لَهُ فَيَصْنَعَ فيه مَا شَاءَ، فَقَال لَهُ: عَرَفْتُهُ أَنَّه رَجُلٌ صَالِحٌ فَتَرَكَ عُمَرُ ظَنُّهُ، وأَخْبَرَهُ بالحُكْمِ فِيهِ. والقَوْلُ عِنْدَنَا هُوَ الأوَّلُ. وانْتَصَبَ "أَبؤُسًا" عَلَى خَبَرِ "كَانَ" مُضْمَرَةً، كَأنَّهُ قَال: عَسَى الغُوَيرُ أَنْ يَكُوْنَ أَبْؤُسًا، وَهُوَ قَوْلُ الكِسَائِيُّ. قَال ابنُ كَيسَان (٢): مَعْنَاهُ عَسَى الغُوَيرُ أَنْ

стр. 688

يَبْأسَ بَأْسًا بَعْدَ بَأسٍ (١) يَذْهَبُ إِلَى (٢) أَنَّ انْتِصَابَهُ انْتِصَابُ المَصَادِرِ. وَقَال قَوْمٌ: مَعْنَاهُ: أَنَّ يُحْدِثَ أَبْؤُسًا فَهُوَ مَفْعُولٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ. وَقَال قَوْمٌ: مَعْنَاهُ: عَسَى الغُوَيرُ أَنَّ يَأتِيَ بِأَبْؤُسٍ، فلَمَّا حَذَفَ البَاءَ نَصَبَ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ الكُمَيتِ (٣): قَالُوا أَسَاءَ بَنُو كُرْزٍ فَقُلْتُ لَهُمْ ... عَسَى الغُوَيرُ بِأَبْآسٍ وأَغْوَارِ وَمِنَ النَّحْويِّينَ مَنْ يَذْهَبُ إِلَى أنَّ "عَسَى" فِي هَذَا المَثْلِ أُجْرِيَ مُجْرَى "كَانَ"

стр. 689

وَهُوَ مَذْهَبُ سِيبَويهِ (١). وَقَال الأَصْمَعِيُّ: أَصْلُ هَذَا المَثَلِ أَنَّ قَوْمًا آوَوا إِلَى غَارٍ فَانْهَارَ عَلَيهِمْ، أَوْ أَتَاهُمْ فِيهِ عَدُوٌّ فَقَتَلَهُمْ، فَصَارَ مَثَلًا لكُلِّ مَنْ يُخَافُ أنْ يَأْتِيَ مِنْهُ شَرٌّ. وَقَال ابنُ الكَلْبِيُّ: الغُوَيرُ: مَاءٌ مَعْرُوْفٌ لِكَلْبٍ (٢). - وَقَوْلُ عُمَرَ (٣): "أَكَذْلِكَ". مُبْتَدأٌ مَحْذُوْفُ الخَبَرِ، أَوَادَ كَذَاكَ هُوَ، وهَذَا التَّقْدِير للعَرِيفِ عَلَى مَا وَصَفَهُ بِهِ مِنَ العِفَّةِ. [القضاءُ بإلْحَاقِ الوَلَدِ بأَبِيهِ] -[قَوْلُهُ: ] "وَلِلعَاهِرِ الحَجَرُ" [٢٠]. قِيلَ: الرَّجْمُ، وقِيلَ: الخَيبَةُ، إِذْ لَا حَظَّ لَهُ فِي الوَلَدِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لِوُجُوْهٍ: مِنْهَا: أَنَّ الرَّجْمَ لَيسَ لِكُلِّ عَاهِرٍ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُحْصَنِ. وَمِنْهَا: أَنَّه رُويَ: "ولِلْعَاهِرِ الأثْلَبُ" وَهُوَ التُّرَابُ، قَاله بنُ الأعْرَابِيِّ وَغَيرُهُ. وَمِنْهَا: أَنَّ العَرَبَ إِنَّمَا تَسْتَعْمِلُ هَذَا إِذَا أَرَادُوا الخَيبَةَ لِلْرَّجُلِ مِمَّا أَمَّلَ، وأَنَّه لَا حَظَّ لَهُ فِيمَا أَرَادَ فَيَقُوْلُوْنَ: تُرْبٌ لَهُ وَجَنْدَلٌ، وتُرْبًا لَهُ وَجَنْدَلًا، والأكْثَرُ في كَلامِهِم النَّصْبُ [قَال الشَّاعِرُ] (٤): لَقَدْ أَلَّبَ الوَاشُوْنَ إِلْبًا لِبَينَنَا ... فَتُرْبٌ لأَفْوَاهِ الوُشَاةِ وَجَنْدَلُ

стр. 690

أَي: خَيبَةٌ لَهُمْ بِمَا أَمَّلُوا. وتَقُوْلُ أَيضًا: تُرَابٌ. قَال الشَّاعِرُ (١): أَرُوْحُ وَلَمْ أُحْدِثْ لِلَيلَى زِيَارَةً ... لَبِئْسَ إِذَنْ رَاعِي المَوَدَّةِ والأَصْلِ تَرَابٌ لأَهْلِي لَا وَلَا نِعْمَةً لَهُمْ ... لَشَرٌّ إِذَنْ مَا قَدْ تَعَبَّدَنِي أَهْلِي ويُقَالُ: أَثْلَبٌ وإِثْلِبٌ (٢)، قَال الشَّاعِرُ (٣): * تَكْسْو حَرُوْفَ حَاجِبَيهَا الأثْلَبَا * أَي: التُّرابُ. - قَوْلُهُ: "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ [بنَ زَمْعَةَ] ". قَال الطَّبَرِيُّ: هِيَ إِضَافَةُ مُلْكٍ وعُبُوْدِيَّةٍ. وَقَال الطَّحَاويُّ: هِيَ إضَافَةُ اخْتِصَاصٍ لَا عَلَي وَجْهِ المُلْكِ، وَلَا عَلَى النَّسَبِ، لَكِنْ كَمَا يُضَافُ اليَتِيمُ إِلَى مَنْ يُوْليهِ وَيَتَوَلَّى أَمْرَهُ. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: هِيَ إِضَافَةُ نَسَبٍ.

стр. 691

وَذَكَرَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ قَائِفًا، ولِذلِكَ مَا اجْتَزَأَ بِقَوْلِ قَايفٍ وَاحِدٍ، اسْتِظْهَارًا علَى فَرَاسَةِ نَفْسِهِ، وإِنَّمَا (١) قَوْمًا أَتَوْهُ يَدَّعُوْنَ أَنَّهُمْ (٢) مِنْ قُرَيشٍ لِيُثْبِتَهُمْ فِيهِمْ، فَنَظَرَ إِلَى وُجُوْهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ ثُمَّ قَال: صُفُّوا العُطُفَ عَلَى مَنَاكِبِكُمْ، وَهِيَ الأرْدِيَةُ، وَاحِدُهَا عِطَافٌ، ثُمَّ قَال: أَدْبِرُوا وأَقْبِلُوا، ثُمَّ قَال: لَيسَتْ بِأَكُفِّ قُرَيشٍ وَلَا شَمَائِلِهَا، إِنَّمَا أَنْتُمْ (٣) مِنْ بَنِي فُلانٍ، وأَكْثَرُ مَا يَتَفَرَّسُ (٤) القَافَةُ في الوُجُوْهِ، والأَكُفِّ، والأقْدَامِ، والحَرَكَاتِ، والأخْلاقِ، وقَال بَعْضُ الشُّعَرَاءِ -يُرِيدُ مَنْ نَفَاهُ عَنْ أَبِيهِ-: وَقَدْ كَتَبَ الشَّيخَان لِي فِي صَحِيفَتِي ... شَهَادَةَ حَقٍّ أَخْضَعَتْ كُلَّ بَاطِلِ أَرَادَ بالشَّيخَينِ: أَبَوَيهِ، وَبِصَحِيفَتِهِ: وَجْهُهُ، وَقَال آخَرُ (٥): أَرِقُّ لأرْحَامٍ أُرَاهَا قَرِيبَةً ... لِحَارِ بنِ كَعْبٍ لا لِجَرْمٍ وَرَاسِبِ وَأَنَّا نَرَى أَقْدَامَنَا فِي نِعَالِهِمْ ... وَآنافنَا بَينَ بَينَ اللِّحَا والحَوَاجِبِ وأَخْلاقَنَا إِعْطَاءَنَا وإِبَاءَنَا ... إِذَا مَا أَبَينَا لَا نُدِرُّ لِعَاصِبِ - ويُقَالُ: زَمْعَةٌ وَزَمَعَةٌ: لُغَتَان (٦). وَمَعْنَى: "فَتَسَاوَقَا" سَاقَ بَعْضُهَا بَعْضًا،

стр. 692

وَقَوْلُهُ. "يَا عَبْدُ بنَ زَمْعَةَ" يَجُوْر في "عَبْدٍ" النَّصْبُ والرَّفْعُ، أَمَّا ابنُ فَمَنْصُوْبٌ لَا غَيرُ عَلَى حَدِّ قَوْلِ العَرَبِ. يَا زَيدُ بنَ عَمْرٍو، يَا زَيدُ بنَ عَمْرٍو. و"العَاهِرُ": الزَّانِي، عَهَرَ الرَّجُلُ: إِذَا زَنَى بِحُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ. ويُقَال: سَاعَى الرَّجُلُ الأمَةَ يُسَاعِيهَا مُسَاعَاة وَسِعَاءً: إِذَا زَانَاهَا، وَلَا تَكُوْنُ المُسَاعَاتُ إلَّا في الإمَاءِ خَاصَّةً، واشْتِقَاقُهُ مِنَ السَّعْيِ، أَي. سَعَى إِلَيهَا وَسَعَتْ إِلَيهِ. والمَرْأَةُ تُسَمَّى لِبَاسًا، وفِرَاشًا، يُكْنَى عَنْهَا بِهِ، وَكَذلِكَ يُكْنَى عَنْهَا بالمَضْجَعِ، والمَرْكَبِ، والمَطِيِّةِ، وإِنَّمَا ذلِكَ على التَّمْثيلِ والتَّشْبِيهِ، قَال تَعَالى (١): ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ وَقَال النَّابِغَةُ (٢): إِذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى جِيدَهَا ... تَثنَّتْ عَلَيهِ فَكَانَتْ لِبَاسَا وَقَال آخَرُ: إِذَا افْتَخَرَ الأقْوَامُ يَوْمًا بِفُرْشِهِم ... فَإِنَّ ابْنَةَ البَكْرِيِّ خَيرُ فِرَاشِ وَقَال آخَر: عَلَى مَطَايَا بُرَاهَا فِي مَسَامِعِهَا ... مِنْ حَيثُ مَا ارْتَحَلُوا بَاتُوا يَحُلُّوْنَا والبُرَى: حِلَقٌ مِنْ صُفْرٍ تُجْعَلُ في أُنُوْفِ الإبِلِ، وَاحِدُهَا بُرَةٌ، فَجَعَلَ النِّسَاءِ مَطَايَا: لأنَّهَا تُمْتَطى كالإبِلِ، إِلَّا أَنَّ الإبِلَ بُرَاهَا في أُنُوْفِهَا، وَهَذ بُرَاهَا في آذَانِهَا، إِشَارَةً إلى الشُّنُوْفِ والقِرَطَةِ، وَقَال حُجَيَّةُ بنُ المُضَرِّبِ (٣):

стр. 693

ذَكَرْتُ بِهمْ عِظَامَ مَنْ لَوْ أَتَيتُهُ ... حَرِيبًا لآسَانِي عَلَى كُلِّ مَرْكَبِ وَقَال آخَرُ: فَلَمَّا بَلَغْنَا الأُمَّهَاتُ وَجَدْتُمُ ... بَنِي عَمِّكُمْ كَانُوا كِرَامَ المَضَاجِعِ - وَ [قَوْلُهُ: "فَمَكَثَتْ عِنْدَ زَوْجِهَا"] [٢١]. يُقَال: مَكُثَ وَمَكَثَ، فَمِنْ مَكُثَ -بِضَمِّ الكَافِ- يَكُوْنُ اسمُ الفَاعِلِ: مكِيثًا (١)، وَمِنْ مَكَثَ - بِفَتْحِ الكَافِ -[يَكُوْنُ] اسمُ الفَاعِل: مَاكِثٌ، والضَّمُّ أَشْهَرُ، وَعَلَيهِ القُرَّاءُ إلَّا عَاصِمًا وَحْدَهُ (٢). -[قَوْلُهُ: "فَأُهْرِيقَتْ عَلَيهِ الدِّمَاءُ فَحَشَّ وَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا"] الفُقَهَاءُ يَقُوْلُوْنَ: فَأُهرِيقَتْ عَلَيهِ الدِّمَاءُ فَحُشَّ وَلَدُهَا في بَطْنِهَا، والصَّوَابُ: فَأَهْرَاقَتْ عَلَيهِ وَحَشَّ؛

стр. 694

لأنَّ "أَهْرَاقَ" لَا يَتَعَدَّى إلَى مَفْعُوْلَينِ، وَإِنَّمَا يَتَعَدَّى إِلَى وَاحِدٍ، يُقَالُ: أَرَاقَ الرَّجُلُ المَاءَ، وَهَرَاقَهُ، وأَهْرَاقَهُ ثَلاثَ لُغَاتٍ، فَإِذَا صُرِفَ إِلَى صِيغَةِ [مَا] لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ قِيلَ: أُرِيقَ وهُرِيقَ، وأُهْرِيقَ المَاءُ، والوَجْهُ مَنْ رَوَى: "أُهْرِيقَ" أَنْ يَرْفَع الدِّمَاءَ، لَا وَجْهَ لِرِوَايَةِ غَيرِ هَذَا، وإِنْ كَانَ وَجْهُهُ مُسْتكرَهًا بَعِيدًا (١). وَحَشَّ النَّبْتُ فَهُوَ حَشِيشٌ، وَحَاشٌّ: إِذَا أَيبَسَ، وأَلْقَتِ النَّاقَةُ وَلَدًا حَشِيشًا. - وَقَوْلُهُ: "أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنِي .. " "أَمَا" - هَهُنَا - مُخَفَّفَةُ المِيمِ، والنَّحْويُّوْنَ يُجِيزُوْنَ فَتْحَ الهَمْزَةِ في "أَنَّ" فِي هَذَا المَوْضِعِ وَكَسْرَهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهَا. -[قَوْلُهُ: كَانَ يُلِيطُ أَوْلَادَ الجَاهِلِيَّةِ بمَنِ ادَّعَاهُمْ] [٢٢]. لاطَ الشَّيءَ بالشَّيءِ: إِذَا لَصَقَ، والْتَطْتُهُ أَنَا إِلاطَةً، وَلاطَ حُبُّة بقَلْبِي يَلِيطُ وَيَلُوْطُ: إِذَا تَعَلَّقَ، وَهُوَ ألْيَطُ بِقَلْبِي وَأَلْوَطُ، وأَبى الفَرَّاءُ أَلْوَطُ إِلَّا مِنَ اللِّيَاطَةِ (٢). - وَقَوْلُهُ: "هَذَا لأَحَدِ الرَّجُلَينِ" أَي: وَأَشَارَتْ لأَحَدِ الرَّجُلَينِ، واللَّامُ - هَهُنَا - بِمَعْنَى "إِلَى"، وَهُوَ كَلامٌ أَخْرَجَ الرَّاوي بَعْضَهُ عَلَى حِكَايَةِ قَوْلهَا، وَذلِكَ قَوْلُهَا: "يَا لَيتَنِي" وَسَائِرُهُ عَلَى جِهَةِ الإخْبَارِ عَنْهَا. وَيُرْوَى: "حَبْلٌ" [وَ] "حَمْلٌ" وَهُمَا سَوَاء.

стр. 695

[القَضَاءُ فِي عِمَار المَوَاتِ] عِمَارَةُ الأَرْضِ: مَكْسُوْرَةُ العَينِ، وَمَنْ فَتَحَهَا فَقَدْ أَخْطَأَ. والمَوَاتُ - بِفَتْحِ المِيمِ -: الأَرْضُ الَّتِي لا عِمَارَةَ فِيهَا، والمَوْتَانُ: الطَّاعُوْنُ مِثْلُ المَوَاتِ، يُقَالُ: وَقَعَ في النَّاسِ مَوْتَانُ وَمَوَاتٌ، ويُقَالُ: أَرْضٌ مَيتٌ - سَاكِنَةُ اليَاءِ -: دُوْنَ مَاءٍ، قَال تَعَالى (١): ﴿بَلْدَةً مَيتًا﴾ وَمَا مَاتَ مِنَ الحَيَوَانِ دُوْنَ دَاءِ فَهُوَ مَيتة، فَأَمَّا المَيِّتُ والمَيِّتَةُ بِتَشْدِيدِ اليَاءِ فَيَصْلُحَانِ (٢) فِي كُلِّ شَيءٍ مِنْ حَيَوَانٍ وَغَيرِهِ، وَمَا كَانَ مِنْهَا لِلْمُذَكَّرِ أُسْقِطَتْ مِنْهُ التَّاءُ، وَمَا كَانَ مِنْهُ لِلْمُؤَنَّثِ أُثْبِتَتْ فِيهِ التَّاءُ، وَكَذلِكَ مَايِتٌ وَمَايِتَةٌ. وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ المَيتَ - بِسُكُوْنِ اليَاءِ - يُسْتَعْمَلُ في مَنْ مَاتَ وَقَضَى نَحْبَهُ، وأَمَّا المَيِّتُ - مُشَدَّدُ اليَاءِ - فَيُسْتَعْمَلُ فِي مَنْ لَمْ يَمُتْ بَعْدُ وَهُوَ مُنْتَهٍ لأنْ يَمُوْتَ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ [تَعَالى]: (٣) ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ أي: إِنَّكَ سَتَمُوْتُ وإِنَّهُمْ سَيَمُوْتُوْنَ، وَهَذَا خَطَأٌ مِنْ وَجْهَينِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَيِّتًا وَمَيتًا لَيسَ بَينَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ تَخُفِيفِ اليَاءِ وتَثْقِيلِهَا، كَمَا يُقَالُ: هَينٌ وهَيِّنٌ، وَلَينٌ وَلَيِّنٌ، فَكَمَا أَنَّ التَّخْفِيفَ فِي هَذَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِمَا مَعْنًى عَلَى مَعْنَاهَا قَبْلَ التَّخْفِيفِ فَكَذلِكَ مَيتٌ وَمَيِّتٌ. والوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ العَرَبَ لَمْ تُفَرِّقْ بَينَهُمَا في الاسْتِعْمَالِ، وَمَنْ أَبْيَنِ ذْلِكَ قَوْلُهُ: (٤)

стр. 696

لَيسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيتِ ... إِنَّمَا المَيتُ مَيِّتُ الأحْيَاءِ إِنَّمَا المَيتُ مَنْ يَعِيشُ كَئِيبًا ... كَاسِفا بَالُهُ قَلِيلَ الرَّجَاءِ وَقَال ابنُ قُنْعَاسٍ الأسَدِيُّ (١): أَلا [يَا] لَيتِني وَالمَرْءُ مَيتٌ ... وَمَا يُغْنِي مِنَ الحَدَثَانِ لَيتُ فَجَعَلَ المَيتُ - بالتَّخْفِيفِ (٢) - لِمَا يَمُوْتُ فِي المُسْتَقْبَلِ كَمَا تَرَى.

стр. 697

وَقَال الآخَرُ: أَتَشْمَتُ مِنْ مَوْتي أَتَانَا حِمَامُهَا ... وَمَا النَّاسُ إلَّا مَيِّتٌ وابْنُ مَيِّتِ -[وَقَوْلُهُ: "لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ"] [٢٦]. الرِّوَايَةُ: "لِعرْقٍ ظَالِمٍ" عَلَى الصِّفَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذلِكَ تَفْسِيرُ مَالِكٍ هَذِهِ، وَقَدْ رُويَ بالإضَافَةِ عَلَى أَنْ يَكُوْنَ العِرْقُ الأصْلَ، والمُرَادُ بِهِ: وَلَيسَ لأصْلٍ يُوْصلُهُ ظَالِمٌ في أَرْضِ غَيرِهِ حَقٌّ يَسْتَوْجِبُهُ، وَهَذا هُوَ الأَصْلُ والمُرَادُ بِهِ، وإِنْ نُوُّنَ [جُعِلَ "ظَالِمٌ" صِفَةً لَهُ عَلَى] (١) هَذا المَعْنَى كَمَا قَال [تَعَالى]: (٢) ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾ فَنَسَبَ ذلِكَ إِلَيهَا، وَإِنَّمَا الكَاذِبُ والخَاطِئُ صَاحِبُهَا. (٣) - وَذَكر تبليغَ إلى الجرر فَقَال: الجَرر والجرار سَوَاءٌ (٣). [القضَاءُ في المِيَاهِ] - وَ [قَوْلُهُ: "فِي سَيلِ مَهْزُوْزٍ - بالرَّاء - وَمُذَينِيبُ"] [٢٨]. مَهْزُوْزٌ ومُذَينيبُ: وَادِيَانِ مِنْ أَوْدِيَةِ المَدِينَةِ (٤)، يَنْحَدِرَانِ (٥) إِلَى نَاحِيَةِ بَنِي قُرَيظَة، قَال الشَّاعِرُ: آلَيتُ إِسلامَكُمْ يَا هِنْدُ مَا طَلَعَتْ ... شَمْسٌ وَسَال مُذَينِيبٌ وَمَهْرُوْزُ -[قَوْلُهُ: "لِيَمْنعَ بِهِ الكَلأ"] [٢٩]. الكلأُ: مَقْصُوْرٌ وَمَهْمُوْزٌ: اسمٌ يَقَعُ عَلَى جَمِيعِ

стр. 698

النَّبَاتِ، أَخْضَرُهُ ويَابِسُهُ (١). - قَوْلُهُ: "لَا يُمْنعُ نَقْعُ البِئْرِ" [٣٠]. النَّقْعُ: المَاءُ المُجْتَمِعُ في البِئْرِ وَغَيرِهَا مِنَ الأَرْضِ، والجَمْعُ: أَنْقُعٌ وَنِقَاعٌ، وَمِنْهُ: "إِنَّهُ لَشَرَّابٌ بِأَنْقُعٍ" (٢) يُقَالُ للرَّجُلِ المُجَرِّبِ لِلأُمُوْرِ، يُرَادُ بِهِ: قَدْ سَافَرَ وَشَرِبَ المِيَاهَ المُخْتَلِفَةِ. وَرَوَى بَعْضُهُمْ: "نَفْعُ بِئْرٍ" بالفَاءِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ. [القَضَاءُ في المِرْفَقِ] المِرْفَقُ: كُلُّ مَا ارْتَفَقَ بِهِ الإنْسَانُ وَكَانَتْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ، وَيُقَالُ: مِرْفَقٌ ومَرْفَقٌ وقُرِئَ بِهِمَا: ﴿مَرْفَقًا﴾ (٣). -[قَوْلُهُ: "لَا ضَرَرَ ولَا ضِرَارَ"] [٣١]. والضَّرَرُ: فِعْلُ الوَاحِدِ، والضِّرَارُ

стр. 699

فِعْلُ الاثْنَينِ فَصَاعِدًا، بِمَنْزِلَةِ القِتَالِ والخِصَامِ، فَكَأَنَّهُ نَهَى عَنْ أَنْوَاعِ الضُّرِّ، وأَمَرَ أَنْ لَا يُضَارَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الرَّجُلَينِ صَاحِبَهُ عَلَى جهَةِ المُجَازَاةِ، وَلَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بالضَّرَرِ، عَلَى أَنَّ المُجَازَاةَ دُوْنَ تَعَدٍّ جَائِزَةٌ بِنَصِّ القُرْآنِ (١)، وَقَال الحَسَنُ: الضَّرَرُ: مَالكَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ، وَعَلَى غَيرِكَ فِيه مَضَرَّةٌ، والضِّرَارُ مَا لَيسَ لَكَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ، وَعَلَى غَيرِكَ فِيهِ مَضَرَّةٌ، وَقَدْ قِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَذلِكَ (٢) لَا يَصِحُّ لِمَعْنيَينِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ اللُّغَةَ تَدُلُّ عَلَى خِلافِ ذلِكَ. والثَّانِي: أَنَّ كَلامَهُ [ ﷺ ] كُلَّهُ (٣) حِكَمٌ لَيسَ فِيهِ حَشْوٌ وَلَا لَغْوٌ، وَلَا لَفْظُ لَا مَعْنَى لَهُ، وإِذَا أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ لِكُلِّ لَفْظٍ مَعَنًى يَخُصُّهُ كَانَ أَوْلَى وأَصَحَّ. - وَ [قَوْلُهُ: "في حَائِطِ جَدِّه رَبيعٌ لِعَبْدِ الرَّحْمن بنِ عَوْف"] [٣٤]. الرَّبِيع: السِّقَايَةُ، وَجَمْعُهُ: رُبْعَانٌ وأَرْبُعَةٌ. وَقَال ابنُ قُتَيبَةَ: يُجْمَعُ رَبِيعٌ: - الكَلأُ - عَلَى أَرْبُعَةٌ، وَرَبِيعٌ - الجَدْوَلُ -: أَرْبُعَاءٌ. والجَدْوَلُ أَكْبَرُ مِنَ الرَّبِيع، وَكَذلِكَ الخَلِيجُ. - وَ [قَوْلُهُ: لَا يَمْنعُ أَحَدُكُمْ جَارَ خَشَبَةً يَغرِزُهَا في جِدَارِهِ"] [٣٢]. يُرْوَى. "خَشَبَةً" عَلَى الإفْرَادِ، وَ"خَشَبَهُ" عَلَى الجَمْعِ (٤). و[قَوْلُهُ: "بَينَ أَكْتَافِهِمْ"]. يُرْوَى: "بَينَ أَكْتَافِهِمْ" بالتَّاءِ، وَهُوَ الوَجْهُ.

стр. 700

وَيُرْوَى بالنُّوْنِ وَلَيسَ بِصَحِيحٍ. والأَكْتَافُ: النَّوَاحِي مِنْ كُلِّ شَيءٍ. والعُرَيضُ: تَصْغِيرُ عرضٍ، وَهُوَ الوَادِي (١). [القَضَاءُ فِي الضَّوَارِي والحَرِيسَةِ] اخْتَلَفَتْ نُسَخُ "المُوَطَّأ" في تَرْجَمَةِ بَابِ القَضَاءِ في "الضَّوَارِي والحُرَيسَةُ" فَوَقَعَ في نُسْخَةِ مُعَاويَةَ (٢) عَلى عُبَيدِ الله، قَال ابنُ وَضَّاح: الضَّوَالُّ. ووَقَعَ في كِتَابِ أَبِي عُمَرَ وغَيرِهِ: الضَّوَارِي وفَسَّرَهُ فَقَال في "الاسْتِذْكَارِ": "الضَّوَارِي: مَا ضَرَي الأذَى. والحُرَيسَةُ: المَحْرُوْسَةُ مِنَ المَاشِيَةِ في المَرْعَى، قَال الخَطَّابِيُّ: وَقَال أَهْلُ اللُّغَةِ: الحَرِيسَةُ مِنَ المَوَاشِي: مَا أَدْرَكَهُ اللَّيلُ فِي المَرْعَى مِنْ غَيرِ أَنْ يُؤْويَهِ الرَّاعِي ويَصْرِفَهُ إِلَى مَكَانِهِ الَّذِي يَبِيتُ فِيهِ، وتُسَمِّيه العَرَبُ: حَرِيسَةَ الجَبَلِ. وأَمَّا الضَّوَالُّ فَمَعْنَاهَا المُهْمَلَةُ الَّتِي لَا صَاحِبَ مَعَهَا، والَّتِي خَلَتْ مِنْ أَخِصَّائِهَا وَرُعَاتِهَا. - وَقَوْلُهُ: "ضَامِنٌ عَلَى أَهْلِهَا" [٣٧]. أي: مُوْجِبٌ عَلَيهِمْ العَزْمَ؛ لأنَّ

стр. 701

الضَّمَانَ إِيجَابٌ وإِثْبَاتٌ. ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُوْنَ مِنْ قَوْلهِمْ: هُوَ ضَمِنٌ عَلَى أَهْلِهِ، وَضَمْنٌ عَلَيهِمْ وَضَامِنٌ عَلَيهِمْ (١)؛ أَي: كَلٌّ عَلَيهِمْ يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ، فَيَكُوْنُ مَعَنَى ضَامِنٌ عَلَيهِمْ: عَائِذٌ عَلَيهِمْ وَلازِمٌ لَهُم، وَتأَوَّلَهُ قَوْمٌ عَلَى أَنَّهُ مَضْمُوْنٌ عَلَيهِمْ، وَجَعَلُوا فَاعِلَهُمَا بِمَعْنَى مَفْعُوْلٍ، كَدَافِنٍ بِمَعْنَى مَدْفُوْنٍ، وَهَذِهِ الأوْجُهُ الثَّلاثَةُ مُتَقَارِبَةٌ في المَعْنَى. - وَذَكَرَ النَّفَشَ فَقَال: النَّفَشُ لَا يَكُوْنُ إِلَّا باللَّيلِ، هَذَا قَوْلُ جَمِيعْ أَهْلِ اللُّغَةِ (٢)، يُقَالُ: نَفَشَتِ الإبِلُ نَفْشًا، وأَنْفَشَهَا صَاحِبُهَا إِنْفَاشًا، قَال الرَّاجِزُ (٣): إِجْرِشْ لَهَا يَا بْنَ أَبِي كِبَاشِ فَيَا لَهَا اللَّيلَةَ مِنْ أَنْفَاشِ أَمَّا "الهَمَلُ" فَقَال بَعْضُهُم هُوَ بالنَّهَارِ خَاصَّةً، وَقَال قَوْمٌ: يَكُوْنُ لَيلًا وَيَكُوْنُ نَهَارًا. في حَرِيسَةِ الجَبَلِ غَرَامَاتٌ مِثْلُهَا وجَرَارَاتٌ وَلَا قَطْعَ، يُحْتَجُّ بِهَذَا لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ في تَضْعِيفِ القِيمَةِ عَلَى مَوَالِي العَبِيدِ، وَإِنْ كَانَ القُرْآنُ يُعَارِضُهُ، يَرْويهِ عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ (٤) عنْ أَبيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ [ ﷺ ].

стр. 702

[القَضَاءُ فِيمَا يُعْطَى العُمَّالُ] -[قَوْلُهُ: "حُلِّفَ الصَّبَّاغُ"] [٣٨]. تَسْمِيَةُ الصَّبَّاغِ غَسَّالًا غَيرُ مَعْرُوْفٍ في اللُّغَةِ. [القَضَاءُ في الحَمَالةِ والحَوَلِ] " الإحَالةُ": المَصْدَرُ، والحَوَالةُ والحَوَلُ: اسْمٌ، وَسُمِّيَتْ بِذلِكَ لأنَّهَا تَحُوْلُ وتَنْتَقِلُ (١) مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَمِنْهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (٢): ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ أَي: تَحَوُّلًا، وَكَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيةِ يُسَوُّونَ بَينَ الحَوَالةِ والكَفَالةِ فِي

стр. 703

أَحْكَامِهِمْ، ولِذلِكَ قَال زُهَيرٌ (١): * وَسِيَّان الكَفَالةُ وَالتَّلاءُ * و"التَّلاءُ": الحَوَالةُ، أَتْلَيتُ فُلانًا عَلَى فُلانٍ: إِذَا أَحَلْتَه عَلَيهِ (٢)، وَعَلَى هَذَا جَاءَ مَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ (٣) وابنِ أَبِي لَيلَى (٤) وابنِ شُبْرُمَةَ (٥) في التَّسْويَةِ بَينَهُمَا.

стр. 704

[القَضَاءُ فِيمَنِ ابْتَاعَ ثَوْبًا وَبِهِ عَيبٌ] -[قَوْلُهُ: "وَبِهِ عَيبٌ مِنْ حَرْقٍ"] [٣٨]. إِذَا كَانَ فِي الثَّوْبِ أثرٌ مِنْ دَقِّ القَصَّارِ أَوْ الكَمَّادِ فهُوَ حَرَقٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ، فَإِنْ كَانَ مِنَ النَّارِ فَهُوَ [بِتَسْكِينِ] (١) الرَّاءِ (٢)، قَال الشَّاعِرُ (٣) - فِي حَرَقٍ -: شَيبٌ تُغَرُّبِهِ كَيمَا تَغُرَّبِهِ ... كَبَيعِكَ الثَّوْبَ مَطْويًّا عَلَى حَرَقِ

стр. 705

وَقَال فِي الحَرْفِ: مَنْ جَالسَ القَينَ لَمْ تَعْدِمْ مَلابِسُهُ ... حَرْقًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَرْقٌ فَتَدْخِينُ - قَوْلُهُ: "فَهُوَ رَدٌّ عَلَى البَائِعِ". القِيَاسُ: فَهُو مَرْدُوْدٌ، وَلكِنَّ هَذَا مِمَّا وُضِعَ المَصْدَرُ فِيهِ مَوْضِعَ المَفْعُوْلِ كَمَا قَالُوا: دِرْهَمٌ ضَرْبُ الأَمِيرِ (١). -[قَوْلُهُ: "أَوْ عَوَارٌ"، العَوَارُ، والعُوَارُ: العَيبُ وَالفَسَادُ. - وَ [قَوْلُهُ: "إنْ شَاءَ أَنْ يَغْرَمَ"] يُقَالُ: غَرَمَ يَغْرِمُ بِفَتْحِ الرَّاءِ في المَاضِي وَكَسْرِهَا فِي المُسْتَقْبَلِ، مِثْلُ ضَرَبَ يَضْرِبُ وَغَرِمَ يَغْرَمُ مِثْلُ عَلِمَ يَعْلَمُ. - وَ [قَوْلُهُ: "أَو الصَّبْغُ"]. الصَّبْغُ -بِفَتْحِ الصَّادِ- المَصْدَرُ، والصُّبغ: اسمُ مَا يُصبَغُ بِهِ. [مَا لَا يَجُوْزُ مِنَ النَّحْلِ] النِّحْلَةُ والنَّحْلُ: العَطِيَّةُ الَّتِي لَا يُطْلَبُ عَلَيهَا مُكَافَأةٌ، وَهُمَا جَمِيعًا مَصْدَرَانِ قَال تَعَالى (٢): ﴿صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ أَي: هِبَةٌ مِنَ الله وَفَرِيضَةٌ عَلَى الأزْوَاجِ. - وَقَوْلُهُ: "أَكُلُّ وَلَدِكَ [نَحَلْتَهُ] " [٣٩]. يَجُوْزُ في "كُلٍّ" الرَّفُعُ والنَّصْبُ، فَمَنْ رَفَعَ فَلاشْتِغَالِ الفِعْلِ عَنْهُ بِضَمِيرِهِ، وَمَنْ نَصَبَ فَبِإِضْمَارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ هَذَا الظَّاهِرُ، كَأَنَّهُ قَال: أَنَحَلْتَ كُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ، والاخْتِيَارُ النَّصْبُ؛ لأنَّ الاسْتِفْهَامَ بالفِعْلِ أَوْلَى إِذَا دَخَلَ عَلَى جُمْلَةٍ فِيهَا فِعْلٌ واسمٌ ما لمْ يَعْرِضْ عَارِضٌ يَمْنَعُ مِنْ ذلِكَ.
следующие страницы →