Полный текст (937 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
اشْتَرَكَ النِّسَاءُ والرِّجَالُ فِيه غَلَّبَ الرِّجَالُ، وَكَانَتْ مِن [ ... ] (١) -وَفِي بَعْضِ طُرِقِ الحَدِيثِ-: "أَلَا أَرَاكَ تَعْقِلُ" وَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُوْنَ "أَلَا" ههنَا هِيَ الَّتِي يُرَادُ بِهَا اسْتِفْتَاحُ الكَلَامِ، فَكَأَنَّهُ اسْتَفْتَحَ بِـ "أَلَا" ثُمَّ قَال: أَرَاكَ تَعْقِلُ أَمْرَ النِّسَاءِ، فَلَسْتَ أَهْلًا لِمُدَاخَلَتِهِنَّ.
والوَجْهُ الآخَرُ: أَنْ تَكُوْنَ "أَلَا" الَّتِي يُرَادُ بِهَا تَعْنِيفَ المَرْءِ نَفْسِهِ عَلَى غَفْلَتِهِ عَنْ أَمْرٍ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ ثُمَّ يَنْتَبِهَ لَهُ، كَالرَّجُلِ يَظُنُّ بِصَاحِبِهِ الجَمِيلَ ثمَّ يَرَى مِنْهُ مَا يُنكرُ فَتقُوْلُ: أَلَا أَعْلَمْ أَنَّ فُلَانًا عَدُوِّي فَاحْذَرْهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الآخَرِ: أَلَا أَرَى أَنَّ مَعِيَ رُمْحًا.
* ذَكَّرْتَنِي الطَّعْنَ وَكُنْتُ نَاسِيَا * (٢)
وَمَجَازُ "أَلَا" هَذِهِ أَنْ تَكُوْنَ بِمَعْنَى "هَلَّا" أَي: أَرَى أَنَّكَ تَعْقِلُ (٣)، فاعْلَمْ أَنَّكَ لَسْتَ مِنْ ﴿غَيرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ (٤) ويَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ "أَلَا" هَذِهِ هِيَ стр. 737
المُرَكَّبَةُ مِنْ حَرْفِ النَّفْي وَأَلِفِ الاسْتِفْهَامِ، وَمِنْ خَاصَّةِ النَّفْى إِذَا دَخَلَ عَلَيهِ أَلِفُ الاسْتِفْهَامِ أَنْ يَرْجِعَ تَقْرِيرًا كَقَوْلهِ [تَعَالى] (١): ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾.
[جَامِعُ القَضَاءِ وَكرَاهِيَتُهُ]
-[قَوْلُ أَبِي الدَّرْدَاءِ: هَلُمَّ إِلَى الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ] [٧]. اسْتَقْضَى عُمَرُ أَبا الدَّرْدَاءِ عَلَى دِمشْقَ، وَلَمْ يَزَلْ قَاضِيًا بِهَا حَتَّى مَاتَ زَمَانَ عُثْمَانَ، وَكَانَ سَلْمَانُ قَدْ نزَلَ المَدَائِنَ، وَكَانَا أَخَوَينِ بِمُؤاخَاة النَّبِي [ ﷺ ] بَينَهُمَا، وَكَتَبَ إِلَيهِ يَسْتَقْدِمُهُ لِيَسْتَعِينَ بِهِ. وَقَدْ قِيلَ في قَوْلهِ تَعَالى (٢): ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ إِنَّهَا دِمَشْقَ وفِلِسْطِينَ، وبَعْضِ الأُرْدُنّ. والمُقَدَّسَةُ: المُطَهَّرَةُ؛ أَي: تُطَهِّرُ النَّاسَ مِنَ الدُّنُوْبِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ بَيتَ المَقْدِسِ، وَمِنْ أَسْمَاءِ اللهِ: القَدُّوْسُ والقُدُّوْسُ (٣)؛ لأنَّه مُنَزَّهٌ عَنْ مُمَاثَلَةِ المَخْلُوْقِينَ.
- وَ [قَوْلُهُ: "أَنَّكَ جُعِلْتَ طَبِيبًا ... وإِنْ كُنْتَ مُتَطَبِّبًا". الطَّبيبُ: الحَاذِقُ بالطِّبِّ المُتأَصِّلُ فِيهِ، والمُتَطَبِّبُ: المُتَدَخِّلُ فِيهِ المُتَصَوِّرُ عَلَيهِ وَلَيسَ لَهُ بِأهلٍ.
- وَ [قَوْلُهُ: "قَدْ دَانَ مُعْرِضًا"] [٨]. يُقَالُ: إِدَّانَ الرَّجُلُ وَدَانَ وَاسْتَدَانَ: стр. 738
إِذَا أَخذَ بالدَّينِ. قَال أَبُو عُبَيدٍ (١): المُعْرِضُ: الَّذِي يُعْتَرِضُ النَّاسَ فَيَسْتَدِين مِمَّنْ أَمْكَنَهُ، قَال: وكلُّ شَيءٍ أَمْكَنَكَ مِنْ عِرْضِهِ فَهُوَ مُعْرِضٌ، حَكَى ذلِكَ عَنِ الأصْمَعِيِّ (٢). قَال ابنُ قُتيبَةَ (٣): لَمْ أَجِدْ أَحَدًا يُجِيزُ: أَعْرَضَ فُلَانٌ النَّاسَ: إِذَا اعْتَرَضَهُمْ، إِنَّمَا يُقَالُ: اعْتَرَضَهُمْ واسْتَعْرَضَهُمْ قَال: وَقَوْلُ الأصْمَعِيِّ: كُلُّ شَيءٍ أَمْكَنَكَ مِنْ عِرْضِهِ فَهُوَ مُعْرِضٌ فَلَيسَ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ حَدِيثُ الأُسَيفِعِ (٤) عَلَيهِ، والوَجْهُ في حَدِيثِ الأُسَيفِعِ: اسْتَدَانَ مُعْرِضًا عَنِ القَضَاءِ وَعَنِ النَّظَرِ في العَاقِبَةِ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُوْنَ مُعْتَرِضًا فَسَقَطَتْ التَّاءُ لِبَعْضِ النَّقَلَةِ.
قَال (ش): إِنَّ مُعْرِضًا بمَعْنَى اسْتَعْرَضَ، كَمَا يُقَالُ: أَوْقَدَ وَاسْتَوْقَدَ وأَجَابَ واسْتَجَابَ بِمَعْنًى، وَكَذَلِكَ: أَخْلَفَ واسْتَخْلَفَ: [وأَسْقَى واسْتَقَى] إِذَا اسْتَقَى المَاءَ، قَال الشَّاعِرُ (٥): стр. 739
* فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ *
- وَ [قَوْلُهُ: "فَأَصْبَحِ قَدْرِينَ بِهِ ... "] مَعْنَى "رِينَ بِهِ": غَلَبَهُ الدَّينُ، يُقَالُ: رِينَ بالرَّجُلِ رَينًا: إِذا وَقَعَ فِيمَا لَا قِبَلَ لَهُ بِهِ، وَكَذلِكَ كُلُّ مَا غَلَبَكَ وعَلَاكَ فَقَدْ رَانَ بِكَ، وَرَانَ عَلَيكَ، وَرَانَتْ بِهِ الخَمْرُ، وَرَانَ بِهِ النُّعَاسُ.
- وَ [قَوْلُهُ: "وآخِرُهُ حَرَبٌ"] الحَرَبُ: السَّلْبُ، بِفَتْحِ الرَّاءِ، يُقَالُ: حَرَبَ الرَّجُلُ مَا لَهُ، ويُقَالُ: أَفْلَسَ الرَّجُلُ إِفْلَاسًا، والعَامَّةُ تَقُوْلُ: أُفْلِسَ -بضَمِّ الهَمْزَةِ وكسْرِ اللَّامِ- وَهُوَ خَطَأٌ.
[مَا جَاءَ فِيمَا أفْسَدَ العَبِيدُ أَوْ جَرَحُوْا]
- وَ [قَوْلُهُ: "أَوْ حَرِيسَةٍ احْتَرَسَهَا"] [٨]. الحَرِيسَةُ: الشَّاةُ الَّتِي تُسْرَقُ لِلرَّاعِي فِي الجَبَلِ، يُقَالُ: حَرَسَهَا: إِذَا سَرَقَهَا.
стр. 740
(كِتَابُ الحُدُوْدِ) (١)
[مَا جَاءَ في الرَّجْمِ]
- قَوْلُهُ: "ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُ (٢) أَهْلَ العِلْمِ" [٦]. أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُفْتُوْنَ عَلَى عَهْدِ النَّبيِّ ﷺ ، وَكَانَ المُفْتُوْنَ عَلَى عَهْدِهِ سَبْعَةً؛ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وعُثْمَانُ، وعَلِيٌّ، وأُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، ومُعَاذُ بنُ جَبَلٍ، وزَيدُ بنُ ثَابِتٍ.
غَرَّبُ عُمَرُ رَبِيعَةَ بنَ أُمَيَّةَ (٣) إِلَى خَيبَرَ فَتَنَصَّرَ وَلَحِقَ بِهِرَقلَ، فَقَال عُمَرُ: لَا أُغرِّبَ مُسْلِمًا بَعْدَهُ.
- قَوْلُهُ: "فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيةُ الرَّجْمِ" [١]. كَذَا الرِّوَايَةُ، وَكَانَ الوَجْهُ: فَإِذَا تَحْتَهَا آيةُ الرَّجْمِ، أَي: تَحْتَ يَدِهِ، ومن رَوَاهُ: "فِيهَا" أَرَادَ: فِي التَّوْرَاةِ، وَيَجُوْزُ أَنْ يَعُوْدَ عَلَى اليَدِ، كَأَنَّهُ قَال: فَإِذَا فِي مَوْضِعِ يَد فَحَذَفَ المُضَافَ وأَقَامَ المُضَافَ إِلَيهِ مَقَامَهُ.
- وَ [قَوْلُهُ: "فَرَأَيتُ الرَّجُلَ يَحْنِيَ عَلَى المَرْاةِ"]. يُقَال: جَنَأَ الرَّجُلَ يَجْنَأ стр. 741
فَهُوَ أَجْنَأ: إِذَا احْدَوْدَبَ وَمَال وانْحَنَى. وأَمَّا يَجْنَى بِغَيرِ هَمْزٍ فَهِيَ الرِّوَايَةُ، والوَجْهُ مَا قُلْنَاهُ، وَلَوْ كَانَ مُخَفَّفُ الهَمْزَةِ مِنْ جَنَأ لَكَانَ يَجْنَا بالألفِ مِثْلَ قَرَأَ يَقْرَا إِذَا خُفِّفَ. وَرُويَ: "يَحْنِي" بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ (١) مِنْ حَنَيت عَلَيهِ: إِذَا عَطَفْتَ عَليه، وحَنَيتُ ظَهْرِي أَحْنِيهِ وَحَنَوْتُهُ أَحْنُوهُ (٢). وَرُوي "يُحَانِي عَلَيهَا".
- وَقَوْلُهُ: "إِنَّ الأَخِرَ" [٢]. صَوَابُهُ: قَصْرُ الهَمْزَةِ وكَسْرُ الخَاءِ، وَمَعْنَاهُ: الأرْدَأُ. وَقَوْلُهُ: "إنَّ المَسْأَلَةَ أخِرُ كَسْبِ الرَّجُلِ" أَي: أَرْدَأَهَا وشَرُّهَا. وَرُويَ: "آخِرُ" مَمْدُوْدًا، وَمَعْنَاهُ: إِنَّه إِذَا تَعَوَّدَ المَسْأَلةَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِيَكْتَسِبَ شَيئًا وَلَا لِيَحْتَرِفَ [فِي صِنَاعَةٍ].
ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُوْنَ هَذا اللَّفْظُ لَفْظَ مَاعِز (٣) كِنَايَةً عَنْ نَفْسِهِ، وأَنْ يَكُوْنَ لَفْظَ الرَّاوي كِنَايَةً عَنْ مَاعِزٍ، واسْتَقْبَحِ الرَّاوي أَنْ يَحْكِي قَوْلُهُ؛ إِنِّي: زَنَيتُ.
- وَقَوْلُهُ: "لَوْ سَتَرْتَهُ بِرِدَائِكَ" [٣]. لَمْ يُرِدِ الرِّدَاءَ المَلْبُوْسَ، وإِنَّمَا هُوَ مَثلٌ مَضْرُوْبٌ لِلْوقَايَةِ والسَّتْرِ. وأَصلُهُ أَنَّ العَرَبَ كَانَتْ إِذَا أَجَارَتْ رَجُلًا وَمَنَعَتْهُ стр. 742
أَلْقَى عَلَيهِ المُجِيرُ رِدَاءَهُ أَوْ غَيرَهُ من ثِيَابهِ، فَضُرِبَ ذلِكَ مَثَلًا لِكُلِّ مَنْ وَقَى رَجُلًا وَحَفِظَهُ وإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ رِدَاءٌ (١).
- وَ [قَوْلُهُ: "إذَا أُحْصِنَ"] [٨]. يُقَالُ: رَجُلٌ مُحْصَنٌ أَي: حَصَّنَهُ غَيرُهُ، وَمُحْصِنٌ؛ أَي: أَحْصَنَ نَفْسَهُ بِالنِّكَاحِ وَهُوَ مِنَ الحَصَانَةِ، وَبِنَاءٌ حَصِينٌ: يُحَصِّنُ مَا بِدَاخِلِهِ (٢)، وَمِنْهُ سُمِّيَ الحِصْنُ حِصْنًا، ويُقَالُ: حَصُنَتِ المَرْأَةُ حِصْنًا، وأُحْصِنَتْ إِحْصَانًا.
- وَ [قَوْلُهُ: "يُلَقِّنُهَا أَشْبَاهَ ذلِكَ لِتَنْزِعَ"] [٩]. يُقَالُ: نزعْتُ عَنِ الشَّيءِ أَنْزَعُ نُزُوْعًا: إِذَا تَرَكْتَهُ وأَعْرَضْتَ عَنْهُ، فَإِنْ دَلَفْت إِلَيهِ قُلْتَ: نَازَعْتُ إِلَيهِ مُنَازَعَةً ونِزَاعًا.
- وَ [قَوْلُهُ: "وتَمَّتْ عَلَى الاعْتِرَافِ"]. يُقَالُ: تَمَّ الرَّجُلُ عَلَى الشَّيءِ: إِذَا مَضَى عَلَيهِ وعَزَمَ وثَابَرَ عَلَيهِ.
- وَ [قَوْلُهُ: "أَنَاخَ بالأَبْطَحِ"] [١٠]: الأبْطَحُ؛ المَكَانُ السَّهْلُ المُنْبَطِحُ (٣).
- وَ [قَوْلُهُ: "ثُمَّ كَوَّمَ كُوْمَةً"]. الكُوْمَةُ (٤): - بِفَتْحِ الكَافِ وضَمِّهَا-: الكِدْسُ مِنَ التُّرَابِ أَو الرَّمْلِ، وَقَدْ كَوَّمتُهُ تَكْويمًا.
- وَ [قَوْلُهُ. "واسْتَلْقَى"]. أَكْثَرُ مَا يَسْتَعْمِلُ اللُّغَويُّوْنَ (٥) اسْتَلْقَى مَكَانَ اسْنَلْقَى، ويَقُوْلُوْنَ: اسْنَلْقَى خَطَأٌ، وَلَيسَ بِخَطَأٍ، لكِنَّهُ قَلِيلُ الاسْتِعْمَالِ، وَقَدْ стр. 743
حَكَى ابنُ الأعْرَابِيِّ أَنّهُ قَال لأعْرَابِيٍّ: أَتَعُوْدُ إِلَى البَادِيَةِ؟ ! فَقَال: أَمَّا مَا دَامَ السَّعْدَانُ مُسْنَلْقِيًا فَلَا. أَرَادَ أَنَّه لَا يَعُوْدُ إِلَيهَا أَبَدًا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ اسْنَلْقَى الرَّجُلُ: إِذَا رَمَى نَفْسَهُ إِلَى الأرْضِ كَيفَ مَا كَانَ، واسْتَلْقَى: إِذَا رَقَدَ عَلَى ظَهْرِهِ، فَمَعْنَى اسْنَلْقَى أَلْقَى نَفْسَهُ إِلَى الأرْضِ كَمَا يُقَالُ: اسْتَجَابَ بِمَعْنَى أَجَابَ، واسْتَوْقَدَ بِمَعْنَى أَوْقَدَ.
- وَ [أَمَّا] قَوْلُهُ: "وَضَرَبَ بِإِحْدَي يَدَيهِ عَلَى الأُخرَي". فَإِنَّ هَذا أَمْرٌ كَانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ إِذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يُنَبِّهَ غَيرَهُ عَلَى شَيءٍ يَسْتَدْعِيَ إِقْبَالهُ عَلَيهِ، وَرُبَّمَا فَعَلَهُ الرَّجُلُ إِذَا صَاحَ عَلَى شَيءٍ، وإِذَا تَعَجَّبَ مِنْهُ. وَقَال الشَّاعِرُ -في التَّصْفِيقِ بِمَعْنَى التَّنْبِيهِ-:
أَقَامُوا الدَّيدَبَانَ (١) عَلَى يَفَاعٍ ... وَقَالُوا لأَنْتُمُ الدَّيدَبَانِ
فَإِن أَبْصَرْتَ ضَيفًا مِنْ بَعِيدٍ ... فَصَفِّقْ بالبَنَانِ عَلَى البَنَانِ
تَرَاهُمْ خَشْيَةَ الأَضْيَافِ خُرْسًا ... يُصَلُّوْنَ الصَّلَاةَ بِلَا أَذَانِ
-[وَ] ذَكرَ قَوْلَ عُمَرَ: "إنَّ الأَمَةَ أَلْقَتْ فَرْوَتَهَا مِنْ وَرَاءِ الدَّارِ". الفَرَوْةُ جِلْدُ الرَّأْسِ، وَأَرَادَ بِهَا -هَهُنَا-: الخِمَارَ، سَمَّاهُ فَرْوَةً لِكَوْنهِ عَلَى الفَرْوَةِ، وَأَرَادَ بِوَرَاءِ الدَّارِ: خَارِجَهَا، وَمَعْنَى الحَدِيثِ: إِشَارَةٌ إِلَى كَثْرَةِ تَصَرُّفِهَا، وَعَدَمِ إِمْكَانِ تَثْقِيفِهَا، مَعَ عَدَمِ حَيَائِهَا وَقِلَّةِ تَسَتُّرِهَا.
[الحَدُّ في القَذْفِ والنَّفْي والتَّعْرِيضِ]
- وَذَكَرَ قَوْلَ أَبِي مَيمُوْنَةَ (٢): قَدِمْتُ المَدِينَةَ فَدَخَلْتُ المَسْجِدَ وَقَيَّدْتُ стр. 744
بَعِيرِي فَجَاءَ رَجُل فَحَلَّهُ فَقُلْتُ: يَا نَايِكَ أُمِّه، فَرَفَعَنِي إِلَى أَبِي هُرَيرَةَ -وَهُوَ خَلِيفَة لِمَرْوَانَ- فَضَرَبَنِي ثَمَانِينَ، قَال: فَرَكِبْتُ بَعِيرِي فَقُلْتُ:
لَعَمْرُكَ إِنِّي يَوْمَ أُضْرَبُ قَائِمًا ... ثَمَانِينَ سَوْطًا إِنِّنِي لَصبُوْرُ
وَإِنِّي لَرَكَّابٌ لِكُلِّ عَظِيمَةٍ ... وَإِنِّي عَلَى مَا أَشْتَهِي لَجَسُوْرُ
- وَقَدْ ذَكَرْنَا التَّعْرِيضَ واشْتِقَاقَهُ في بَابِ (الخُطْبَةِ) وَمَعَنَا زِيَادَةٌ وَهُوَ: أَنَّ قَوْمًا ذَهَبُوا إِلَى أَنَّه مُشْتَقٌّ من المِعْرَاضِ وَهُوَ سَهْمٌ لَا نَصْلَ لَهُ وَلَا رِيشَ يُرْمَى بِهِ الأعْرَاضُ، وَيُؤَيِّدُ ذلِكَ قَوْلُهُمْ في الأَقْوَالِ الَّتِي هَذِهِ سَبِيلُهَا: مَعَارِيضُ، وَفِي الحَدِيثِ (١): "إِنَّ في المَعَارِيض ... " الحَدِيثُ. والتَّعْرِيضُ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْفِي الرَّجُلُ عَنْ نَفْسِهِ أَمْرَّا وغَرَضُهُ أَنْ يُثْبِتَهُ لآخَرَ كَنَحْو مَسْأَلةِ مَالِكٍ، وَنَحْو قَوْلِ الشَّاعِرِ (٢): стр. 745
* ... وإِنَّا لَا نَخُطُّ عَلَى النَّمْلِ *
قَال أَصْحَابُ المَعَانِي: في هَذَا تَعْرِيضٌ بِرَجُل كَانَ أَخْوَالُهُ مَجُوْسًا، والنَّمْلُ: قُرُوْحٌ تَخْرُجُ في الجَنْبِ إِذَا خَطَّ عَلَيهَا وَلَدُ الرَّجُلِ مِنْ أُخْتِهِ بَرِأَتْ. والمَجُوْسُ تَنْكِحُ أَخَوَاتِهَا. والنَّوع الثَّانِي: أَنْ يَكُوْنَ بِألفَاظٍ مُشْتَرِكَةِ المَعَانِي يُوْهِمُ المُتكلِّمَ أنَّه أَرَادَ مَعْنًى مِنْهَا وَغرَضُهُ مَعْنًى آخَرُ، وَهُوَ يُسَمَّى اللَّحْنَ واللَّغْزَ كَقَوْلكَ: والله مَا أَخَذْتُ لَهُ غَفَارَةٌ، وأَنْتَ تُرِيدُ السَّحَابَةَ الَّتِي تكُوْنُ فَوْقَ سَحَابَةٍ أُخْرَى (١).
- وَ [قَوْلُهُ: "والخُلَفَاء هَلُمَّ جَرًا"] [١٧]. مَعْنَى (هَلُمَّ) أَقْبِلْ، والجَرُّ: سَيرٌ رَقِيقٌ، جَرَرْتَ الإبِلَ: إِذَا رَفَقْتَ بِهَا في المَشْيِ، وَتَركتَهَا تَرْعَى النَّبَاتَ في سَيرِهَا، والعَرَبُ تَسْتَعْمِلُهَا في الشَّيءِ الَّذِي يَسْتَمِرُّ ويَتَّصِلُ، وأَصْلُهَا أَنْ تُسْتَعْمَلَ في الأَمْرِ فَيُقَالُ: هَلُمَّ جَرًا، أَي: أَدْرَكْتُهُمْ جَارِّينَ لِهَذَا الحَكْمِ مُسْتَمِرِّينِ عَلَيهِ، كَأَنَّ المُتَقَدِّمَ مِنْهُمْ يَجُرُّ (٢) المُتَأخِّرَ الَّذِي يَأتِي بَعْدَهُ بَأَنْ يتَمَثَّلَ ذلِكَ وَلَا يُغَيِّرَهُ. стр. 746
- وَ [قَوْلُهُ: "لأبُوْءَنَّ عَلَى نَفْسِي"] [١٨]. يُقَالُ: بَاءَ الرَّجُلُ [بِذَنْبِهِ]: إِذَا اعْتَرَفَ بِهِ وَأَلْقَى بِيَدِهِ.
- وَذَكرَ قَوْلَ عَلِيٍّ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي شَكَت أنَّ زَوْجَهَا يُلِمُّ بِجَارَتهَا (١): "إِنْ كُنْتِ صَادِقَةً رَجَمْنَاهُ وإِنْ كُنْتِ كاذِبَةً جَلَدْنَاكِ، فَقَالتْ: رُدَّنِي إِلَى أَهْلِي غَيرَي نَغِرَةً". يُقَالُ: نَغَرَتِ القِدْرُ تَنْغِرُ، ونَغَرَتْ تَنْغَرُ: إِذَا غَلَتْ. وأَرَادَتْ: أَنَّ جَوْفَهَا تَغْلِي مِنَ الغَيظِ والغَيرَةِ.
وأُسَافُ: اسْمُ رَجُلٍ. والمُحَدِّثُوْنَ يَقوْلُوْنَ: هِلَالُ بنُ يَسَافٍ (٢) وأَبَى ذلِكَ أَهْلُ اللُّغَةِ، وَقَالُوا: هُوَ خَطَأٌ، وَلَيسَ عِنْدِي كَذلِكَ لِوَجْهَينِ:
أَحَدُهُمَا: اتِّفَاقُ المُحَدِّثِينَ عَلَى نَقْلِهِ باليَاءِ.
والثَّانِي: أنَّا وَجَدْنَا في اللُّغَةِ أَلْفَاظًا كَثيرَةً يَكُوْنُ بالهَمْزَةِ وباليَاءِ كَقَوْلهِمْ: يَرْقَان وأَرْقَان، ورُمْحٌ يَزَنِيُّ وأَزَنِيٌّ (٣)، وَيَسْرُوْعٌ وأَسْروْعٌ (٤)؛ لِدُوْدَةٍ يَكُوْنُ فِي الرَّمْلِ (٥). стр. 747
[مَا لَا حَدَّ فِيهِ]
- وَقَوْلُهُ: "لَتَأْتِيَنِّي بالبَيِّنَةِ" [٢٠]. يُروْى بنونين، وبنُونٍ وَاحِدةٍ مَكْسُوْرَةٍ مُشَدَّدَة، وباثْنَتينَ أَبْلَغُ في المَعْنَى، وَقَوْلُهُ: بالبَيِّنَة أَي: بالقِصَّةِ البَيِّنة الَّتي لَا إِشْكَال فِيهَا، ويُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بـ[البَيِّنَةِ] الشُّهُوْدَ، وَقِيلَ لَهُمْ بَيِّنَةٌ؛ لأنَّهم يُبَيِّنُوْنَ الأُمُوْرَ، الوَاحِدُ: بَيِّنٌ، مِثْلُ: قَيِّمٍ وَقَيِّمَةٍ، ذَهَبَ بالتَّأْنِيثِ إلى مَعْنَى الجَمَاعَةِ كَمَا قِيلَ من القَيِّمة. قَيِّمٌ، والعِلَّةُ في ذلِكَ أَنَّ الحُقُوْقَ لا تَبِينُ بِوَاحِدٍ، وإِنَّمَا باثْنَينِ فَصَاعِدًا، وإِنَّمَا يُقَالُ: رَجُلٌ بَيِّنٌ إِذَا كَانَ بَلِيغًا، وَقَوْمٌ أَبْيِنَاءُ، كَمَا يُقَالُ: هَيِّنٌ وأَهْونَاءُ، وَليِّنٌ وأَلْيِنَاءُ.
وَقَوْلُهُ: "بِأَحْجَارِكَ" (١). إِنَّمَا كَانَ أَضَافَهَا إِلَيهِ؛ إِذْ كَانَ يَسْتَحِقُّ الرَّجْمَ بِهَا، والعَرَبُ تُضِيفُ الشَّيءَ إِلَى الشَّيءِ إِذَا كَانَتْ بَينَهُمَا وَصْلَةٌ.
[مَا يَجِبُ فِيهِ القَطْعُ]
-[قَوْلُهُ: "قَطَعَ في مِجَنٍّ"] [٢١]. المِجَنُّ: التِّرْسُ؛ لأنَّه يُجِنُّ الَّذِي تَحْتَهُ أَي: يَسْتُرَهُ. جَنَّهُ اللَّيلُ وأَجَنَّهُ أَي: سَتَرَهُ.
- وَ [قَوْلُهُ: "حَرِيسَةُ الجَبلِ"] [٢٢]. الحَرِيسَةُ: الشَّاةُ تُسْرَقُ في الجَبَلِ.
- وَ [قَوْلُهُ: "المُرَاحُ أَو الجَرِينُ"]. المُرَاحُ-بِضَمِّ المِيمِ- المَوْضِعُ الَّذِي стр. 748
تُرَاحُ إِلَيهِ الإبِلُ مِنَ المَرْعَى؛ أي: تُرَدُّ إِذَا أَقْبَلَ اللَّيلُ، يُقَالُ: رَاحَتِ الإبِلُ وأَرَاحَهَا الرَّاعِي، فَإِنْ جَعَلْتَ المُرَاحَ مِنْ رَاحَ يَرُوْحُ فَتَحْتَ المِيمَ، وإِنْ جَعَلْتَهَا مِن أَرَاحَهَا الرَّاعِي ضَمَمْتَ المِيمَ، ومثله المُقَام بِضَمِّ المِيمُ مِنْ أَقَامَ يُقِيمُ، وَفَتْحُهَا مِنْ قَامَ يَقُوْمُ، قَال تَعَالى (١): ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ وَقَال [تَعَالى] (٢): ﴿مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦)﴾.
- وَ"الجَرِينُ" شِبْهُ الأنْدَرِ، وَجَمْعُهُ: جُرُنٌ، ويُقَالُ لَهُ: المِرْبَدُ، والجُوْخَانُ والمِسْطَحُ (٣).
- وَ [قَوْلُهُ: "أَنَّ سَارِقًا سَرَقَ في زَمَنِ عُثْمَان أُتْرُجَّةً"] [٢٣]. يُقَالُ: أُتْرُجَّةٌ والجَمْعُ: أُتْرُجٌّ، قَال الأصْمَعِيُّ: وَلَا يُقَالُ: تُرُنْجَةٌ، وَزَعَمَ أَبُو زَيدٍ أَنه يُقَالُ: تُرُنْجَةٌ وتُرُنْجٌ (٤)، قَال: وأُتْرُجَّةٌ وأُتْرُجٌّ أَفْصَحُ.
- وَقَوْلُ عَائشِةَ: "مَا طَال عَلَيَّ وَمَا نَسِيتُ"] [٢٤]. أَي: مَا طَال عَلَيَّ الأمْرُ فَتَرَكت ذِكْرَ الفَاعِلِ اخْتِصَارًا لِلْعِلْمِ بِهِ، وَمِثْلُهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (٥): ﴿حَتَّى تَوَارَتْ стр. 749
[جَامعُ القَطْعِ]
- وَ [قَوْلُهُ: "ثُمَّ يُسْتَعْدَى عَلَيهِ"] [٣٠]. يُقَالُ: اسْتَعْدَيتُ السُّلْطَانَ عَلَى فُلَانٍ واسْتَأْدَيتُهُ. ويُقَالُ: أَعْدِنِي عَلَيهِ وأدَّنِي عَلَيهِ، أَي: قَوِّنِي وأَعِنِّي (١).
- وَ [قَوْلُهُ: "أَخَذَ نَاسًا فِي حِرَابَةٍ"] [٣١]. الحِرَابَةُ -بالحَاءِ غَيرِ مُعْجَمَةٍ- السَّلْبُ، حَرَبْتُ مَالهُ أَحْرُبُهُ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: "خِرَابَةٍ" بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ، وَهِيَ سَرِقَةُ الإِبِلِ خَاصَّة، يُقَالُ: رَجُلٌ خَرِبٌ، وَقَوْمٌ خِرَابٌ، والأوَّلُ هُوَ الوَجْهُ.
- وَ [قَوْلُهُ: "أَو الصُّنْدُوْقِ .. أَوْ بالمِكْتَلِ"]. "الصُّنْدُوْقُ": التَّابُوْتُ (٢).
والمِكْتَلُ: شِبْهُ القُفَّةِ.
- وَ [قَوْلُهُ: "يُغْلَقَانِ"]. "الغَلَقُ": مَا يُغْلَقُ فِيهِ البَابُ، ويُسَمَّى أَيضًا البَابُ غَلَقًا.
- وَ [قوْلُهُ: بِمَنزلَةِ حَرِيسَةِ الجَبَلِ" (٣)]. "حَرَيسَةُ الجَبَلِ": السَّرِقَةُ نَفْسُهَا، يُقَالُ: حَرَسَ يَحْرِسُ حَرْسًا: إِذَا سَرَقَ، وَيَكُوْنُ المَعْنَى إِنَّهُ لَيسَ فِيمَا يُسْرَقُ مِنَ المَاشِيَةِ بِالجَبَلِ قَطْعٌ حَتَّى يُؤويهَا المُرَاحُ. قَال أَبُو عُبَيدٍ (٤): وَفِيهَا وَجْهٌ آخَرُ، стр. 750
وَهُوَ أَنْ تَكُوْنَ الحَرِيسَةُ هِيَ المَحْرُوْسَةُ. فَيُقُوْلُ: لَيسَ فِيمَا يُحْرَسُ في الجَبَلِ قَطْعٌ؛ لأنَّه لَيسَ بِمَوْضِعِ حِرْزٍ وَإِنْ حُرِسَ.
[مَا لَا قَطْعَ فِيهِ]
-[قَوْلُهُ: "فَخَرَجَ صَاحِبُ الوَدِيِّ يَلْتَمِسُ وَدِيَّهُ"] [٣٢]. حَدِيثُ رَافِعٍ لَيسَ فِيهِ ذِكْرٌ لِلْوَدِيِّ، وَلَيسَ الكَثَرُ مِنَ الوَدِيِّ في شَيءٍ، وإِنَّمَا الوَدْي: الفَسِيلُ وَهُوَ النَّخْلَةُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي تُغْرَسُ، وَلكِنَّ مَرْوَانَ وَرَافِعًا أَجْرَيَا الوَدِيَّ مَجْرَى الكَثَرِ والثَّمَرِ، وَلَوْلَا ذلِكَ لَمْ تَكُنْ حُجَّةٌ.
- وَ [قَوْلُهُ: "قَد اخْتَلَسَ مَتَاعًا"] [٣٤]. الخُلْسَةُ والاخْتِلَاسُ: أَخْذُ الشَّيءِ في سُرْعَةٍ، والخُلْسَةُ والدُّعْرَةُ وَاحِدٌ.
وسُئِلَ عَلِيٌّ عن الخلْسَةِ؟ فَقَال: تِلْكَ الدُّعْرَةُ المُعْلَنَةُ لَيسَ فِيهَا قَطْعٌ.
وأَصْلُ الدَّعْرِ: الدَّفْعُ، ومِنْهُ الحَدِيثِ: "دَعْرُ الأَصِفَّاءِ" أَي: ادْعَرُوْهُمْ وَلَا تُصَافوْهُمْ فِي القِتَالِ.
стр. 751
(كِتَابُ الأشْرِبَةِ) (١)
قَال أبُو مُوْسَى: خَمْرُ المَدِينَةِ مِنَ البُرِّ والتَّمْرِ، وَهُوَ الفَضِيخُ (٢) والسَّكَرُ (٣)، والبِتْعُ (٤)، وَهُوَ نَبِيذُ العَسَلِ - يَتَّخِذُهُ أَهْلُ مِصْرَ واليَمَنِ، ولأهْلِ اليَمَنِ стр. 752
المِزْرُ (١) -وَهُوَ مِنَ الشَّعِيرِ- وَهُوَ خَمْرُ الحَبَشَةِ. والسُّكُرْكَةُ (٢) مِنَ الذُّرَةِ، وَهِيَ الغُبَيرَاءُ (٣) الَّتِي نَهَى عَنْهَا رَسُوْلُ اللهِ [ ﷺ ]، وَقَال: "هِيَ خَمْرُ العَالِمِ"، فَقَدْ سُمِّيَتْ هَذِهِ الأشْرِبَةُ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا خَمْرًا. كَانَ المَشْهُوْرُ عِنْدَ العَرَبِ أَنَّ стр. 753
الخَمْرَ وَاقِعٌ عَلَى عَصيرِ العِنَبِ الَّذِي يُغْلِي ويَقْذِفُ بالزَّبَدِ بِغَيرِ نَارٍ. وأَمَّا المَطْبُوخُ فَإِنَّمَا كَانُوا يُسَمُّوْنَهُ الطِّلَا (١)، وَكَانُوا يُسَمُّوْنَ مَا اتُّخِذَ مِنَ التَّمْرِ: الفَضِيخُ والسَّكَرُ والكَسِيسُ (٢)، وما اتُّخِذَ مِنَ العَسَلِ: البِتْعُ، وَمَا اتُّخِذَ مِنَ الشَّعِيرِ: الجَعَةُ (٣)، وَمَا اتُّخِذَ مِنَ الذُّرَةِ: المِزْرُ والسُّكُرْكَة ويُطْلِقُوْنَ عَلَى جَمِيعِهَا اسمَ النَّبِيذِ (٤). стр. 754
وَكَانُوا رَبَّمَا سَمَّوا هَذ الأصْنَافَ كُلَّهَا خَمْرًا فَلَمَّا قَال تَعَالى (١): ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ ... ﴾ إذْ كَانَتْ نَائِبَةً مَنَابَ الخَمْرِ وَسَادَّةً مَسَدَّهَا، وَكَانَ مَعْنَى الخَمْرِ مَوْجُوْدًا فِيهَا، وَكَانَ مِنْهُم مَنْ لَا يُسَمِّيهَا خَمْرًا، فَلَمَّا قَال تَعَالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ ... ﴾ احتُمِلَ أَن يُريدَ الخَمْرَ المَشْهُوْرَةَ الَّتي لا خلافَ فِيهَا [ ... ] (٢) خَمْرًا، دُوْنَ غَيرِهَ مِمَّا قَدْ تُسَمَّى خَمْرًا وَقَدْ لا تُسَمَّى، واحْتُمِلَ أَنْ يُرِيدَ جَمِيع مَا يَقَعُ عَلَيهِ هَذَا الاسْم، فَأَوْضَحَ رَسوْلُ الله [ ﷺ ] هَذَا الإبْهَامَ بِأَنْ قَال: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ" أَي: حُكْمُهُ حُكْمُ الخَمْرِ، وَلِهذَا احْتِيجَ أَنْ يُقَال: إِنَّ الخَمْرَ يَكُوْنُ مِنَ التَّمْرِ والزَّبِيبِ والحِنْطَةَ والعَسَلِ والشَّعِيرِ، وَلَوْ كَانَ المَشْهُوْرُ أَنَّ هَذه الأَصْنَافَ تُسَمَّى خَمْرًا كَشُهْرَةِ تَسْمِيَةِ عَصِيرِ العِنَبِ إِذَا (٣) احْتِيجَ إِلَى هَذَا، وَلَكَانَ فِي تَحْرِيمِ الخَمْرِ كِفَايَةٌ، وَلكِنْ لَمَّا كَانَتْ تَحْتَمِلُهُ بَيَّنَ ذلِكَ رَسوْلُ اللهِ [ ﷺ ] كَمَا قَال تَعَالى (٤): ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ وَالدَّمُ﴾ احْتَمَلَ العُمُوْمَ واحْتَمَلَ الخُصُوْصَ فَأَوْضَحَ ذلِكَ النَّبيُّ [ ﷺ ] بِقَوْلهِ: "أُحِلَّتْ لَكُمْ مَيتَتَانِ وَدَمَانِ" وَهَذِهِ الآيةُ عَكْسُ آيةِ الخَمْرِ؛ لأنَّه خَصَّصَ فِي هَذِهِ الآيةِ مَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُوْنَ عُمُوْمًا، стр. 755
وعَمَّمَ في آيةِ الخَمْرِ مَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُوْنَ خُصُوْصًا.
والسُّكْرُ -في اللُّغَةِ- رَمْزُ الشَّرَابِ عَلَى العَمَلِ والبَأْسِ، سَوْرَتُهُ الدُّمَاغُ، وَكُلُّ شَيءٍ سَدَدْتَهُ فَقَدْ (١) سَكَرْتَهُ، وَمِنْهُ قِيلَ لِكُلِّ مَا سُدَّ بِهِ مَجَارِي المِيَاهِ: السُّكُوْرُ، وَاحِدُهَا سُكْرٌ -[بِضَمِّ] (٢) السِّينِ-، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالى (٣): ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ أَي: غُشِيَتْ شَيئًا أَزَال النَّظَرَ عَنْ حَقَائِقِهِ، وَسُمِّيَتِ الخَمْرُ خَمْرًا لِمُخَامَرَتهَا العَقْلَ؛ ولأنَّهَا تُخَمِّرُهُ وتَسْتُرُهُ؛ أَوْ لأنَّهَا تُخَمَّرُ وتُغَطَّى حَتَّى تُدْرِكَ، فَحَيثُ مَا وُجِدَتْ هَذِهِ المَعَانِي لَزِمَهَا اسْمُ الخَمْرِ.
عَرْفَجَةُ بنُ أَسْعَدَ (٤) المُتَّخِذُ الأنْفَ مِنَ الذَّهَبِ، إِذْ أُصِيبَ أَنْفُهُ يَوْمَ الكُلَابِ في الجَاهِلِيَّةِ، وتَخَتَّمَ البَرَاءُ بنُ عَازِبٍ (٥) بالذَّهَبِ.
وَكَانَ شُرَيحٌ القَاضِي (٦) يَقْضِي على حُلَّةِ أَسَدٍ. وَقَال ابنُ مَسْعُوْدٍ: شَهِدْنَا стр. 756
التَّحْرِيمَ وشَهِدْتُمْ، وشَهِدْنَا التَّحْلِيلَ وغَنِمْتُمْ.
- قَوْلُهُ: "مَا أَسْكَرَ الفَرَقُ مِنْهُ فَمِلْيءُ الكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ". والعَوَامُّ يَقُوْلُوْنَ فيه. "فَرْقٌ" بِسُكْوْنِ الرَّاءِ (١)، ويَذْهَبُوْنَ إِلَى أَنَّه ثَمَانِيَة وعِشْرُوْنَ (٢) رَطْلًا عَلَى مَا اصْطَلَحُوا عَلَيهِ في فرق الدُّوشَابِ، وإِنَّمَا هُوَ الفَرَقُ بِفَتْحِهَا وَهُوَ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا.
عُمَرُ، وابنُ مَسْعُوْدٍ، والأعْمَشُ، والنَّخَعِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والبَرَويُّ (٣) وأَبُو وَائِلٍ (٤)، وَعَاصِمُ بن أَبِي النُّجوْد (٥)، ومُحَمَّدُ بنُ رَافِع (٦)، لَا يَجُوْزُ أَنْ يُقَالُ في هَؤلاءِ يَشْرَبُوْنَ المُسْكِرَ عَلَى تَأْويلٍ، كَمَا لَا يَجُوْزُ أَنْ يُقَال في ابنِ عَبَّاس، وجَابرٍ وعَطَاءٍ، وابنِ جُبَيرٍ ونَحْوهِم مِمَّن أَجَازَ المُتْعَةَ إِنَّهُم أَجازُوْهَا عَلَى تأْويلٍ. стр. 757
[كِتَابُ العُقُوْل] (١)
[ذِكرَ العُقُول]
-[قَوْلُهُ: "إِذَا أُوْعِيَ جَدْعًا"] [١]. الجَدْع: قَطْعُ الأنْفِ أَو الأُذُنِ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ في غَيرِهِمَا مِنَ [الأَعْضَاءِ] (٢) وهو في الأَنْفِ أَشْهَرُ مِنْهُ في الأُذُنِ، وَوَقَعَ في بَعْضِ النُّسَخِ: "أَنْ يُجَبَّ" وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَمَعْنَاهُ: اسْتُؤْصِلَ.
[مَا جَاءَ في دِيَةِ العَمْدِ إِذَا قبلت وجناية المَجْنُوْنِ]
وَ [قَوْلُهُ: "بِنْتُ مَخَاضٍ ... بِنْتُ لَبُونِ .. حِقَّةٌ ... جَذَعَةٌ"] [٢]. يُقَالُ لِوَلَدِ النَّاقَةِ أَوَّلَ سَنَةٍ حُوَارٌ، وحِوَارٌ بضمِّ الحَاءِ وكَسْرِهَا (٣)، ويُقَال له في [الثَّانِيَة] (٢) ابنُ مَخَاضٍ؛ لأنَّ أَمَّهُ مِنَ المَخَاضِ وَهِيَ الحَوَامِلُ، وأَصْلُ [مَخَاضٍ] مَاخِضَة مِنْ غَيرِ لَفْظِهَا، وَلَا يُقَالُ: مَخَاضَة. ويُقَالُ لَهُ في السَّنَةِ الثَّالِثَةِ: ابنُ لَبُوْنٍ؛ لأنَّ أُمَّهُ ذَاتُ لَبَن، ويُقَالُ لَهُ في السَّنَةِ الرَّابِعَةِ: حِقٌّ؛ لاسْتِحْقَاقِهِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيهِ ويُرْكَبَ، стр. 758
والأُنْثَى حِقَّة. ويُقَالُ لَهُ في السَّنَةِ الخَامِسَةِ: جَذَعٌ، والأُنْثَى جَذَعَةٌ، والجَمْعُ: جِذَاعٌ، وجِذْعَانٌ. ثُمَّ يُلْقِي ثَنِيَّتَهُ في السَّنَةِ السَّادِسَةِ فَيُقَالُ: أَثْنَى، ثُمَّ يُلْقِي رُبَاعِيَتَهُ في السَّنَةِ السَّابِعَةِ فَيُقَالُ لَهُ: رَبَاعٌ، ثُمَّ يُلْقِي السّنَّ الَّتِي بَعْدَ الرُّبَاعِيَةِ في السَّنَةِ الثَّامِنَةِ فَيُقَالُ لَهُ: سَدْسٌ، والجَمِيع: سُدْسٌ وسُدُسٌ، ويُقَالُ لَهُ أَيضًا: سَدَسٌ بِفَتْحِهِمَا، والجَمْعُ أَسْدَاسٌ، ثُمَّ يَفْطُرُ نَابهُ في التَّاسِعَةِ فَهُوَ بَازِلٌ، والبَازِلُ في الإبِلِ كَالقَارِحُ في الخَيلِ (١) قَال جَرِيرٌ (٢):
* ... صَوْلَةَ البُزْلِ القَنَاعِيسِ *
وَهِيَ العِظَامُ، وَاحِدُهَا: قِنْعَاسٌ (٣)، فَإِذَا أَتَى عَلَيهِ بَعْدَ ذلِكَ عَامٌ فَهُوَ مُخْلِفٌ، وَلَيسَ لَهُ اسمٌ بَعْدَ الإخْلَافِ، وإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ: مُخْلِفٌ عَامًا، ومُخْلِفٌ عَامَينِ فَمَا زَادَ، ثُمَّ لَا يَزَالُ كَذلِكَ حَتَّى يَهْرَمَ فيُسَمَّى عَوْدًا، قَال الرَّاجِزُ (٤): стр. 759
* عَوْدٌ عَلَى عَوْدٍ عَلَى عَوْدٍ خَلِفْ *
أَي: شَيخٌ مُسِنٌّ، عَلَى جَمَل مُسِنٌّ، عَلَى طَرِيقٍ قَدِيمٍ قَدْ طَال سُلُوْكُهُ.
[دِيَةُ الخَطَأ في القَتْلِ]
- قَوْلُهُ: "فَنَزَي فِيهَا" (١) [٤]. قَال قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ (٢): هَذَا تَصْحِيفٌ، وإِنَّمَا هُوَ فَنَزَفَ، أَي: جَرَى مِنْهَا دَمٌ كَثيرٌ ضَعَّفَهُ، ويَجُوْزُ عِنْدِي أَنْ لَا يَكُوْنَ تَصْحِيفًا؛ لأنَّه يُقَال: نَزَا يَنْزُ ونَزْوًا: إِذَا وَثَبَ، وَقَصْعَةٌ (٣) نَازِيَةٌ ونَزِيَّة: إِذا كَانَ لَهَا جَوْفٌ كَبِيرٌ. وَنَزَا السِّعْرُ يَنْزُو: إِذَا ارْتَفَعَ وَتَجَاوَزَ حَدَّهُ، فَيَكُوْنُ المُرَادُ أَنَّ الأصْبُعَ وَرِمَتْ وانْتفَخَتْ انْتِفَاخًا مُفْرِطًا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّه مِنَ النُّزَاءِ، وَهِيَ عِلَّةٌ تأْخُذُ المَعِزَ (٤) стр. 760
فَتبوْلُ الدَّمَ فَتَمُوْتُ ويُسَمَّى النُّقَازُ أَيضا، يُقَال مِنْهُ: نزَتِ المَاعِزَةُ تَنْزِي فَهِيَ مُنْزِيَةٌ.
[عَقْلُ الجَنِينِ]
- وَ [قَوْلُهُ: "فَقَضَى فِيهِ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ بُغَرَّةٍ: عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ"] [٥ , ٦]. العَبْدُ وَالوَليدةُ تَفْسِيرٌ لِلْغُرَّةِ، وَسُمِّيَتْ غُرَّةً؛ لتَشْبِيهِهَا بِغُرَّةِ الفَرَسِ، أَي: إِنَّهَا جَمَالٌ لِمَالِكِهَا وَزَينٌ لَهُ. أَوْ مِنْ قَوْلهِمْ: فُلَانٌ غَرِيرٌ بِهَذَا الأَمْرِ، أَي كَفِيلٌ بِهِ؛ لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَتكفَّلُ بأَمْرِ مَوْلَاهُ.
- وَ [قَوْلُهُ: "وَمِثْلُ ذلِكَ بَطَلْ"] [٦]. رُويَ (بَطَلٌ) و"يُطَلُّ" (١) الأوَّلُ من البُطْلَانِ، والثَّانِي من طَلَّ دَمُهُ فَهُوَ مَطْلُوْلٌ: إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ قَوَدٌ وَلَا عَقَلٌ.
-[قَوْلُهُ ﷺ : "إنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الكُهَّانِ" كَرِهَ النَّبِيُّ [ ﷺ ] سَجْعَ حَمْلِ ابنِ مَالِكٍ (٢) هَذَا؛ لِمَا يَبْدُو عَلَيهِ مِنْ التَّكَلُّفِ، وَلَيسَ كُلُّ سَجْعٍ مُسْتَحْسَنًا، وَلِذلِكَ قِيلَ: البَلَاغَةُ: [العالية] أَنْ يَكُوْن اللَّفْظ فَصِيحًا، والمَعْنَى صَحِيحًا، ولَا يَكُوْنُ مَجَازُهُ تَقْصِيرًا، وَلَا إِطْنَابهُ تَطْويلًا، وأَنْ يَكُوْنَ حُسْنُ وَصْلِةِ تَابِعًا стр. 761
لِقَطْعِهِ، وَمَعَانِيهِ غير تَابِعَةٍ لسَجْعَهُ، وَلَا يُفْسِدُهُ التَّعَسُّفُ، وَلَا يَنْقُصُ بِهَاءَهُ التَّكَلُّفُ. فَمَعْنَى قَوْلِهِ: "أَنْ يَكُوْنَ مَعَانِيهِ غَيرَ تَابِعَةٍ لِسَجْعِهِ" أَنَّ المُتكلِّفَ لِلْسَّجْعِ يَتكلَّفُ المَعَانِي مِنْ أَجْلِهِ فَتَأْتِيَ مَعَانِيهِ قَلِقَةً، وأَلْفَاظُهُ مُسْتكرَهَةً، والحَسَنُ الطَّبْعِ أَحْمَد عَرْضِهِ تَامَّة المَعَانِي، فَإِنْ اتَّفَقَ لَهُ السَّجْعُ أَتَى بِهِ، فَكَانَ زَائِدًا فِي حُسْنِ أَلْفَاظِهِ، وَإِنْ رَأَى فِيهِ كُلْفَةً تَرَكَهُ، أَلَا تَرَى قَوْلَهُ ﷺ لِجَرِيرِ بنِ عَبْدِ الله (١) -حِينَ اسْتَوْصَفَهُ مَنْزِلَهُ: فَسَجَعَ لَهُ-: "إِذَا قُلْتَ فَأَوْجِزْ، وإِذَا بَلَغْتَ حَاجَتكَ فَلَا تَتكلَّفْ" فَيَجِيءُ سَجْعُهُ تَابِعًا لِمَعَانِيهِ. وَهكَذَا سَجْعُ الكُهَّانِ أَكْثرُهُ تَكَلُّفٌ.
- وَقَوْلُهُ: "مَا [لَا] شَرِبَ وَلَا أَكَلْ" (٢) أَي: مَا لَمْ يَشْرَبْ وَلَمْ يَأْكُلْ، وَكَذلِكَ إِلَى آخِرِ الحَدِيثِ، والعَرَبُ تَصِلُ "لَا" بالفِعْلِ المَاضِي فَيَنُوْب ذلِكَ مَنَابَ وَصْلِ "لَمْ" بالفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ فَمِنْ ذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالى (٣) ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّي﴾ أَي: لَمْ يُصَدِّقْ وَلَمْ يُصَلِّ، وَقَوْلُ أَبِي خِرَاشِ (٤):
* وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا ألَمَّا *
أَي: لمْ يُلِمَّ.
- وَقَوْلُهُ: "حَتَّى يَزَايِلَ بَطْنَ أُمِّهِ". لَا يَجُوْزُ هَمْزُ "يُزَايِلَ" لأنَّ يَاءَهَا أَصْلِيَّةٌ، стр. 762
وإِنَّمَا تُهْمَزُ اليَاءُ الزَّائِدَةُ والمُنْقَلِبَةُ مِنْ حَرفٍ زَائِدٍ.
- وَ [قَوْلُهُ: "ونَرَى أَنَّ في جَنِينِ الأَمَةِ .. "]: "نُرَى" من رَأى و"نَرَى" من أَرَى.
[مَا جَاءَ في عَقْلِ العَينِ إِذَا ذَهَبَ بَصَرُهَا]
-[قَوْلُهُ: "وسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ شَتْرِ العَينِ وحِجَاجِ العَينِ"، يُقَالُ: شَتَرَتِ العَينُ تَشْتُرُ شَتْرًا: إِذَا نَسَبْتَ الانْشِقَاقَ إِلَيهَا، فَإِنْ نَسَبْتَهُ إِلى إِنْسَانٍ فَعَلَ ذلِكَ قُلْتَ: شَتَرَهَا يَشْتُرُهَا شَتْرًا، ويُقَالُ -مِنَ الأوَّلِ-: عَينٌ شَتْرَاءُ، وجَفْنٌ أَشْتَرُ. وَمِنَ الثَّانِي: عَينٌ مَشْتُوْرَهٌ وَجَمْنٌ مَشْتُوْرٌ (١).
وَ"حِجَاجُ العين" و"حَجَاجُهَا": العَظْمُ الَّذِي عَلَيهِ الحَاجِبَانِ، وجَمعُهُ: أَحِجَّةٌ، وَهُوَ مَفْتُوْحٌ وَمَكْسُوْرٌ، وَقَدْ ذَكَرَهُ يَعْقُوْبُ في بابِ "فِعَال" و"فَعَال" (٢)، وأَدْخَلَ هَذِهِ الكَلِمَةَ بِعَينِهَا.
- وَ [قَوْلُهُ: "في العَينِ القَائِمَةِ والعَوْرَاءِ"]. العَينُ القائمةُ: هي الَّتي صُوْرَتُهَا صُوْرَةُ العَينِ الصَّحِيحَةِ غَيرَ أَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَرَى بِهَا شَيئًا (٣). стр. 763
[مَا جَاءَ في عَقْلِ الشِّجَاجِ (١)]
الشِّجَاجُ لَا تَكونُ إلَّا في الرَّأْسِ والوَجْهِ، وَلَا يُقَالُ لِمَا في الجَبْهَةِ: شِجَاجٌ، وإِنَّمَا يُقَالُ: جِرَاحٌ. وَكَانَ [مَالِكٌ] لَا يَرَى أَنَّ اللِّحْيَ الأسْفَلَ والأنْفَ مِنَ الرَّأْسِ. والشِّـ]ـجَاجُ عَلَى نَوْعَينِ:
- نَوع فِيهِ عَقْلٌ [مُسَمَّى] وَهِيَ أَرْبَعُ شِجَاجٍ:
"المُوْضِحَةُ" (٢) وَهِيَ الَّتِي تُوْضِحُ عَنْ العَظْمِ، أَي تُبْدِي وَضَحَهُ، وَهُوَ بَيَاضُ العَظْمِ.
وَبَعْدَهَا (٣): "الهَاشِمَةُ" وَهِيَ الَّتِي تَهْشِمُ العَظْمَ وتَرُضَّهُ.
ثُمَّ "المُنَقِّلَةُ" وَهِيَ الَّتِي تُخْرِجُ عِظَامًا صِغَارًا شُبِّهَتْ تِلْكَ العَظَامُ بالنَّقْلِ؛ وَهِيَ صِغَارُ الحِجَارَةِ. وَبَعْضُ المَالِكِيَّةِ يَجْعَلُ "الهَاشِمَةَ" و"المُنَقِّلَةُ" سَوَاءً، стр. 764
وَذلِكَ غَلَطٌ، وَكَيفَ يَصِحُّ هَذَا وَفِي "الهَاشِمَةِ" عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ عِنْدَ جُمْهُوْرِ الفُقَهَاءِ، وَفِي "المُنْقِلَةِ" خَمْسَ عَشْرَةَ؟ ! .
ثُمَّ بَعْدَ المُنْقِلَةِ: "المَأْمُوْمَةَ" (١) وَهِيَ "الآمَّةُ" فَمَنْ سَمَّاهَا آمَّة فَلأنَّهَا أَمَّتِ الدِّمَاغَ، أَي: قَصَدَتْهُ، وَمَنْ سَمَّاهَا مَأْمُوْمَةً أَرَادَ: أَنَّ الشَّاجَّ أَمَّ بِهَا أمَّ الدِّمَاغِ (٢) أَي: قَصدَه بِهَا.
وَأَمَّا "الجَائِفَةُ" (٢) فَلَيسَتْ مِنَ الشِّجَاجِ، وَهِيَ الَّتِي تَبْلُغُ الجَوْفَ وَتَكُوْنُ في الظَّهْرِ والبَطْنِ.
وأَمَّا الشجَاجُ الَّتِي تَكُوْنُ دُوْنَ "المُوْضِحَةِ" فَأَوَّلُهَا.
"الحَارِصَةُ" وهِيَ الَّتي تَحْرِصُ الجِلْدَ، أَي: تَشُقُّهُ، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ قَوْلِهِ: حَرَصَ القَصَّارُ الثَّوْبَ، وَمِنَ العَرَبِ مَنْ يُسَمِّيهَا: "الحَرْصَةَ" (٣).
ثُمَّ "الدَّامِيَةُ"ويُقَالُ لَهَا: "الدَّامِعَةُ" وَهِيَ الَّتيِ يَسِيلُ مِنْهَا دَمٌ، وَمِنَ النَّاسِ (٤) مَنْ فَرَّقَ بَينَهُمَا فَجَعَلَ "الدَّامِيَةَ" هِيَ الَّتِي تَدْمَى مِنْ غَيرِ أَنْ يَسِيلَ مِنْهَا دَمٌ، وَجَعَلَ "الدَّامِعَةَ" الَّتِي يَسِيلُ مِنْهَا دَمٌ، كَمَا يَسِيلُ الدَّمْعُ مِنَ العَينِ. стр. 765
ثُمَّ: "البَاضِعَةُ" وَهِيَ الَّتِي تَشُقُّ اللَّحْمَ بَعْدَ اللَّحْمِ شَقًّا خَفِيفًا.
ثُمَّ "المُتَلَاحِمَةُ" وَهِيَ الَّتِي أَمْعَنَتْ في اللَّحْمِ (١).
ثُمَّ "السِّمْحَاقُ" (٢) وَهِيَ الَّتِي بَينَهَا وَبَينَ العَظْمِ قِشْرَةٌ رَقِيقَةٌ، وَكُلُّ قِشْرَةٍ رَقِيقَةٍ فَهِيَ سِمْحَاقٌ، ويُقَالُ: عَلَى ثُرْبِ الشَّاةِ سمَاحِيقُ مِنْ شَحْمٍ، وَعَلَى السَّمَاءِ سَمَاحِيقُ من غَيمٍ، أَي: شَيءٌ رَقِيقٌ (٢). ويُقَالُ لَهَا أَيضًا: "المِلْطَاءُ" (٣) بالمَدِّ، و"المِلْطَى" بالقَصْرِ و"المِلْطَاةُ" بالتَّاءِ. وَشَكَّ أَبُو عُبَيدٍ في المِلْطَاءِ فَقَال: لَا أَدْرِي أَهِيَ مَقْصُوْرَةٌ أَمْ مَمْدُوْدَةٌ وَقَال الخَلِيلُ (٤) بالمَدِّ عَلَى وَزْنِ حِرْبَاءَ. فَهَذِهِ الشِّجَاجُ لَيسَ فِيهَا عَقْلٌ مُسَمًى.
[عَقْلُ الأسْنَانِ]
في فَمِ الإنْسَانِ أَرْبَعُ ثَنَايَا، وأَرْبَعُ رُبَاعِيَاتٌ، الوَاحِدَةُ: رُبَاعِيَةٌ مُخَفَّفَةُ اليَاءِ، وأَرْبَعَةُ أَنْيَابٍ، وأَرْبَعَةُ ضَوَاحِكُ، واثْنَتَا عَشْرَةَ رَحًى، ثَلَاثٌ فِي كلِّ شِقٍّ، стр. 766
وأَرْبَعَةُ نَوَاجِذُ وَهِيَ أَقْصَاهَا، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُسَمِّي الضِّوَاحِكَ نَوَاجِذَ، وَيُسَمَّيَ الأَرْحَاءَ أَضْرَاسًا وطَوَاحِنَ، وَجَمِيعُهَا عَلَى اخْتِلَافِ أَسْمَائِهَا تُسَمَّى أَسْنَانًا. وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: "فِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ" فَلَزِمَ أَنْ يَكُوْنَ حُكْمُهَا كُلُّهَا في الدِّيَةِ سَوَاء، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَقَوْلُ مَرْوَانَ لابنِ عَبَّاسٍ يَقْتَضِي أَنَّ مَا فِي مُقَدَّمِ الفَمِ، يُقَالُ لَهُ: أَسْنَانٌ لَا أَضْرَاسٌ، فَتكُوْنُ الأَسْنَانُ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ اثْنَتَي عَشْرَةَ سِنًّا، أَرْبَعُ ثَنَايَا، وأرْبَعُ رُبَاعِيَاتٌ، وَأَرْبَعَةُ أَنْيَابٍ، وَيَكُوْنُ مَا بَقِيَ الأَضْرَاسُ عَلَى هَذَا عُشْرُوْنَ، فَيَكُوْنُ أَوَّلَهَا الضَّوَاحِكُ وَمَا وَرَاءُهَا إِلَى أَقْصَى الفَمِ، وَعَلَى هَذَا الرَّأي يَتَوَجَّهُ قَوْلُ سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ أنَّ الدِّيَةَ تَنْقُصُ في قَضَاءِ عُمَرَ، وتَزِيدُ في قَضَاءِ مُعَاويَةَ؛ لأنَّ عُمَرَ قَضَى في الأَضْرَاسِ بِبَعِيرٍ بَعِيرٍ، والأَضْرَاسُ عَلَى هَذَا عُشْرُوْنَ، فَتكوْنُ جُمْلَتُهَا عُشْرُوْنَ بَعِيرًا. وَحَكَى في الأَسْنَانِ في كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ، وَهِيَ اثْنَتَا عَشْرَةَ سِنًّا، فَجُمْلَةُ دِيَتِهَا سُتُّوْنَ بَعِيرًا، فَإِذَا أَضَفْنَاهَا إِلَى عِشْرِينَ كَانَتْ ثَمَانِينَ بَعِيرًا، فَتنقُصُ من الدِّيَةِ الكَامِلَةِ عُشْرُوْنَ، وَسَوَّى مُعَاويَةُ بَينَهَا كُلَّهَا فَجَعَلَ في كُلِّ وَاحِدَةٍ خَمْسًا، فَيَكُوْنُ الوَاجِبُ في دِيَتِهَا كُلِّهَا مَائَةً وَسِتِّينَ، فَتَزِيدُ على دِيَةِ الإنْسَانِ ستِّينَ بَعِيرًا، فَرَأيُ ابنُ المُسَيِّبِ أَنْ يُجْعَلَ في كُلِّ ضِرْسٍ بَعِيرَانِ لِتكوْنَ دِيَةُ الأضْرَاسِ أَرْبَعِينِ، وَدِيَةُ الأسْنَانِ سِتِّينَ، فَلَا تَزِيدُ علَى المَائَةِ ولَا تَنْقُصُ مِنْهَا.
والظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ أَنَّه اعْتَقَدَ أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ [ ﷺ ] في كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ من الإبِلِ أَنَّه إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ مَا فِي مُقَدَّمِ الفَمِ مِنَ الأسْنَانِ دُوْنَ الأْضَرَاسِ، فَلِذلِكَ فَرَّقَ بَينَ حُكْمِ السِّنِّ والضَّرْسِ، وَلَا يَلْزَمُ هَذَا؛ لأنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في ذلِكَ
стр. 767
حُكُمٌ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ السِّنِّ وَوَجَدْنَا العَرَبَ تُسَمِّي الجَمِيعَ (١) أَسْنَانًا. ويُشْبِهُ أَنْ يَكُوْنَ ابنُ المُسَيِّبِ اعتَقَدَ في الأَسْنَانِ مِثْلُ ذلِكَ فَلِذلِكَ قَال مَا قَال. وَمَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ في "مُوَطَّئِهِ" عَنْ سعِيدٍ غَلَطٌ لَا يَصِحُّ إِذَا حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لأنَّه لَمْ يَذْكُرِ الأسْنَانَ إِنَّمَا ذَكَرَ الأَضْرَاسَ، وإِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ. وَقَدْ جَاءَ مَا ذَكَرَهُ مُفْسَّرًا في رِوَايَةِ ابنِ عُيَينَةَ (٢) انْظُره في الطُّرَّةِ (٣) فَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ غَلَطٌ، وَأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَرَى أَنَّ الأسْنَانَ غَيرُ (٤) الأَضْرَاسِ عَلَى مَا أَشَارَ إِلِيهِ مَرْوَانُ.
[مِيرَاثُ العَقْلِ والتَّغْلِيظُ فِيهِ]
-[قَوْلُهُ: "أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أحَيحَةُ بنُ الجُلَاحِ (٥) "] [١١]. أَحَيحَةُ بنُ الجُلَّاحِ لَمْ يُدْرِكِ الزَّمَانَ الَّذِي سُمِّيَتْ فِيهِ الأنْصَارُ أَنْصَارًا؛ لأنَّ هَذَا الاسْمِ وَقَعَ عَلَى الأَوْسِ والخَزْرَجِ بَعْدَ ظُهُورِ الإسْلَامِ، وإِنَّمَا أَرَادَ عُرْوَةُ (٦) أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللهُ في الإسْلَامِ أَنْصَارًا، فَسَمَّاهُم بِمَا آل إِلَيهِ أَمْرُهُم آخِرًا. والعَرَبُ تُسَمِّي الشَّيءَ بِمَا آلَ إِلَيهِ، كَتَسْمِيَتِهِمْ الكَبْشَ ذبِيحًا قَبْلَ أَنْ يُذْبَحَ، وَضَحِيَّهً قَبْلَ أَنْ يُضَحَّى [بِهِ].
- وَقَوْلُ عُرْوَةَ: "وَلِذلِكَ: لَا يَرِثُ قَاتلُ مَنْ قَتَلَ" أَرَادَ أَنَّ هَذَا الفِعْلَ стр. 768
الوَاقِعَ في الجَاهِلِيَّةِ أَوْجَبَ أَنْ يُنْهَى عَنْهُ في الإسْلَامِ، وَكَانَ قِصَّةُ أُحَيحَةُ مَشْهُوْرَةٌ فِي ذلِكَ الوَقْتِ، فَذَكَرَتِ الأَنْصَارُ ذلِكَ للنَّبِي ﷺ فَكَانَ سَبَبًا للنَّهْيِ؛ عُقُوْبَةً لَهُ لاسْتِعْمَالِهِ المِيرَاثَ.
- وَ [قَوْلُهُ: "فَقَال أخْوَالُهُ: كَنَّا أهْلَ ثُمِّهِ وَرَمِّهِ"]. أَهْلُ ثَمِّهِ وَرَمِّهِ؛ أَهْلُ حَضَانَتِهِ وَتَرْبِيَتِهِ، ويُقَالُ (١): ثَمَمْتُ الشَّيءَ وَرَمَمْتُهُ: إِذَا أَصلَحْتُهُ. وَقَال قَوْمٌ: الثَمُّ: الرَّطْبُ، وَالرَّمُّ: اليَابِسُ، أَي: كُنَّا المُسْتَوْلينَ عَلَى أَمْرِهِ كُلِّه؛ لِأَنَّ النَّبْتَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُوْنَ رَطْبًا أَوْ يَابِسًا، فَضُرِبَ مَثَلًا لاسْتِغْرَاقِ الشَّيءِ واسْتِيفَائِهِ، كَمَا يُقَالُ: مَا تَرَكَ لَهُ رَطْبًا وَلَا يَابِسًا، أَي: مَا تَرَكَ لَهُ شَيئًا. ويُرْوَى: "ثَمِّهِ وَرَمِّهِ" وَ"ثُمِّهِ وَرُمِّه" فَمَنْ فَتَحَهُمَا جَعَلَهُمَا مَصْدَرَينِ، وَمَنْ ضمَّهُمَا جَعَلَهُمَا اسْمَينِ. وَيُرْوَى: "عَمَمِّهْ" وَهُوَ الأشْهَرُ، وَ"عُمُمَّهْ " بِضَمِّ العَينِ والمِيمِ الأُوْلَى وتَشْدِيدِ стр. 769
المِيمِ الثَّانِيَةِ، والمُرَادُ بذلِكَ عِظَمُ الخَلْقِ، وَكَمَالُ الجِسْمِ، قَال الشَّاعِرُ (١):
* فَرْعَاءُ مَمْكُوْرَةٌ في فَرْعِهَا عَمَمُ *
وَوَقَعَ في رِوَايَةِ يَحْيَى (٢). "غَلَبَنَا عَلَيهِ حَقُّ امْريءٍ" وَمَعْنَاهُ. لَمْ نَنْتَفِعْ بِتَرْبِيَتِهِ، وَلَا مَا تَوَلَّينَا مِنْ حضَانَتِهِ وَمَا يَجْمَعُنَا وَإِيَّاهُ مِنَ القَرَابَةِ.
[جَامِعُ العَقْلِ]
-[قَوْلُهُ: جَرْحُ العَجْمَاءِ جُبَارٌ"] [١٢] العَجْمَاء: البِهِيمَةُ، سُمِّيَتْ عَجْمَاءَ؛ لامْتِنَاعِهَا مِنَ الكَلَامِ. وَمِنْهُ قِيلَ لِصَلَاةِ النَّهَارِ: عَجْمَاءُ. والجُبَارُ: الهَدْرُ الَّذِي لَا دِيَةَ فِيهِ ولَا أَرْشَ، واشْتِقَاقُهُ من أَجْبَرْتُهُ عَلَى الشَّيءِ: إِذَا أَكْرَهْتُهُ عَلَيهِ؛ لأنَّ المَجْنِيَّ عَلَيهِ مُجْبَرٌ عَلَى تَرْكِ الدِّيَةِ. وَيَجُوْزُ أَنْ يَكُوْنَ مُشْتَقًّا مِنَ الجَبَّارُ مِنَ النَّخْلِ، وَهِيَ الَّتِي فَاتَت اليَدَ بُسُوْقًا (٣)، فَكَأَنَّ المَعْنَى: إِنَّ الدِّيَةَ مُمْتَنِعَةٌ لَا يُوْصَلُ إِلَيهَا.
- وَ [قَوْلُهُ: والبِئْرُ جُبَارٌ"] في البِئْرِ الجُبَارِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أنَّهَا البِئْرُ العَادِيَّهُ الَّتِي لَا يُعْلَمُ لَهَا صَاحِبٌ يَقَعُ فِيهَا الشَّيءُ فَذلِكَ (٤) هَدْرٌ. стр. 770
والثَّانِي: أَنَّهَا البِئْرُ المُتَمَلَّكَةُ يَقَعُ فِيهَا شَيءٌ فَلَا ضَمَانٌ عَلَى مَالِكِهَا.
والثَّالِثُ: أَنَّهَا البِئْرُ المُسْتَأْجَرُ عَلَى حَفْرِهَا فَتَسْقُطُ عَلَى الأَجِيرِ الحَافِرِ فَهِيَ هَدْرٌ.
- وَ [قَوْلُهُ: "الَّذِي جَبَذَهُ الدِّيةَ"] يُقَالُ: جَبَذَ وجَذَبَ بِمَعْنىً.
- وَ [قَوْلُهُ: "كَانُوا أَهْلَ دِيوَان أَوْ مَقْطُوْعَينَ"]. المَقْطُعون: هُمُ الَّذِينَ لَا دِيوَانَ لَهُمْ، يُقَالُ: رَجُلٌ مُقْطَعٌ، وَهُوَ الَّذِي يُفْرَضُ لِنُظَرَائِهِ ولا يُفْرَضُ لَهُ، وَأَهْلُ الدِّيوَانِ: هُمُ الَّذُينَ يُرْزَقُوْنَ من بَيتِ المَالِ.
- وَ [قَوْلُهُ: "إلَّا الفِرْيَةُ". الفِرْيَةُ: بِكَسْرِ الفَاءِ لَا غَيرُ، والجَمْعُ فِرًى كَلِحْيَةٍ ولِحًى.
- وَ [قَوْلُهُ: "بَينَ ظَهْرَانَي قَوْمٍ"]. ظَهْرِيٌّ وظَهْرَانِيٌّ وَاحِدٌ. يُقَالُ: لَطَخَهُ بِشَرٍّ، خَفِيفُ الطَّاءِ، ويُقَالُ: لَطَحْتُهُ بالحَاءِ غَيرِ المُعْجَمَةِ أَيضًا بِمَعْنًى وَاحدٍ، قَال الشَّاعِرُ (١):
أَتَلْطُخُنِي بَعِرِّكَ يَابْنَ بِشْرٍ ... وَذلِكَ مِنْ عَجِيبَاتِ الأُمُوْرِ
[مَا جَاءَ في الغِيلَةِ والسِّحْرِ]
-[قَوْلُهُ: "قَتْلَ غِيلَةٍ"] [١٣] الغِيلَةُ: الغَدْرُ والمَكْرُ، يُقَالُ: غَالهُ يَغُوْلُهُ، واغْتَالهُ يَغْتَالُهُ.
- وَ [قَوْلُهُ: "لَوْ تَمَالأَ عَلَيهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ"]. يُقَالُ: تَمَالأ القَوْمُ عَلَى الأَمْرِ تَمَالُؤًا. إِذَا تَعَاوَنُوا عَلَيهِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْجَمَاعَةِ: مَلأٌ، لأنَّ بَعْضَهُمْ يُعِينُ بَعْضًا стр. 771
ويَعْضُدُهُ، وَ"صَنْعَاءُ" مَمْدُوْدٌ لَا غَيرُ، وَهِيَ مِنْ بِلَادِ اليَمِنِ، والنَّسَبُ إِلَيهَا: صَنْعَانِيٌّ وصَنْعَاويٌّ.
-[قَوْلُهُ: "حَتَّى تَفِيظَ نَفْسُهُ"] [١٥]. كَانَ الأَصْمَعِيُّ لَا يُجِيزُ: فَاضَتْ نَفْسُ الرَّجُلِ (١)، وَيَقُوْلُ: إِنَّمَا هُوَ فَاظَ الرَّجُلُ: إِذَا مَاتَ، فَاحْتُجَّ عَلَيهِ بِقَوْلِ стр. 772
الشَّاعِرِ (١):
اجْتَمَعَ النَّاسُ وَقَالُوا عُرْسُ ... فَفُقِئَتْ عَينٌ وَفَاضَتْ نَفْسُ
وَقَال: إِنَّمَا هُوَ: "وَطَنَّ الضِّرْسُ" قَال: وإِنَّمَا الحُجَّةُ قَوْلُ رُؤْبَةَ (٢):
* لَا يَدْفُنُوْنَ مِنْهُمُ مَنْ فَاظَا *
وَأَجَازَ غَيرُ الأصْمَعِيِّ: فَاضَتْ نَفْسُهُ بالظَّاءِ والضَّادِ. قَال المُبَرِّدُ: كُلُّ العَرَبِ يَقُوْلُوْنَ: فَاضَتْ نَفْسُهُ -بالضَّادِ- إلا بَنِي ضَبَّة (٣) فَإِنَّهُمْ يَقُوْلُوْنَهُ بالظَّاءِ. стр. 773
- وَ [قَوْلُهُ: "فِي النَّائِرَةِ تَكُوْنُ بَينَهُمْ"]. النَّائِرَةُ: الفِتْنَةُ والإِحْنَةُ، شُبِّهَتْ بالنَّارِ الهَائِجَةِ، وَلِذلِكَ، قَالُوا: طَفَئَتْ النَّائِرَةُ واشْتَعَلَتْ، كَمَا يَقُوْلُوْنَ في النَّارِ نَفْسِهَا، وَيُسَمُّوْنَ الحَرْبَ نَارًا قَال تَعَالى (١): ﴿[كُلَّمَا أَوْقَدُوا] نَارًا [لِلْحَرْبِ]﴾ لِلْفِتْنَةِ.
[مَا جَاءَ في دِيَةِ السَّائِبَةِ وَجِنَايَتِهِ]
- وَ [قَوْلُهُ: "هُوَ إِذًا كَالأَرْقَمِ"] [١٦] الأَرْقَمُ: نَوْعٌ مِنَ الحَيَّاتِ مُنَقَّطٌ، شُبِّهَ مَا فِيهِ مِنَ الآثَارِ بالرَّقْمِ في الثَّوْبِ. وَمَعْنَى: "إِنْ يُقْتَلْ يَنْقِمْ" أَنَّ بَعْضَ الحَيَّاتِ يقتُلُه الرَّجُلُ فَيَمُوْتُ، أَوْ يَنَالُهُ ضَرَرٌ فَيُتَجَنَّبُ قَتْلُهُ لِذلِكَ. стр. 774
(كَتَاب القَسَامَة) (١)
القَسَامَةُ: مُخَفَّفَةُ السِّينِ، وَحَقِيقَةُ القَسَامَةِ أَنَّهَا الأَيمَانُ، يُقَالُ: قُتِلَ فُلَانٌ بالقَسَامَةِ، أَي: بالأَيمَانِ، ثُمَّ يُسَمَّى القَوْمُ المُقْسِمُوْنَ قَسَامَةً مِنْ بَنِي فُلَانٍ، وَكَأنَّهَا مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ كَمَا قَالُوا: مَاءٌ غَوْر، وَرَجُلٌ عَدْلٌ، أَي: غَائِرٌ وَعَادِلٌ، وَهُوَ مِنَ المَصَادِرِ الشَّاذَّةِ الَّتِي جَاءَتْ عَلَى غَيرِ تَصْرِيفِ أَفْعَالِهَا؛ لأنَّ الفِعْلَ [أَقْسَمَ] يُقْسِمُ إِقْسَامًا، وَفَعَالةٌ، إنَّما حُكْمُهَا أَنْ تَأْتِيَ مِنَ الأَفْعَالِ الثُّلَاثِيَّةِ كَالسَّفَاهَةِ والصَّرَامَةِ، فَمَنْزِلَةُ القَسَامَةِ من الإِقْسَامِ كَمَنْزِلَةِ العَطَاءِ من الإعْطَاءِ، في أَنَّه جَاءَ عَلَى حَذْفِ الزِّيَادَةِ.
[تَبْدِئَةُ أَهْلِ الدَّمِ في القَسَامَةِ]
-[قَوْلُهُ: "فِي فَقِيرِ بِئْرٍ"] [١]. الفَقِيرُ: اسمٌ يَقَعُ عَلَى كُلِّ حُفْرَةٍ تُحْفُرُ في الأَرْضِ مِثْلِ البِئْرِ والعَينِ. (٢) والمُفْقِرَةُ والفُقْرَةُ: حُفْرَةٌ تُحْفَرُ في الأَرْضِ يُغْرَسُ فِيهَا فَسِيلُ النَّخْلِ، وَيُقَالُ لَهَا: فَقِيرٌ أَيضًا، وَهِيَ بِمَعْنَى مَفْقُوْرَةٍ، كَمَا يُقَالُ: امْرَأَةٌ قُتِيلٌ بِمَعْنَى مَقْتُوْلَةٍ.
- وَ [قَوْلُهُ: "فَأَتَى يَهُوْدَ"] يَهُوْدُ: يَجُوْزُ فِيهِ الصرْفُ عَلَى أَنْ يَكُوْنَ جَمْعَ يَهُوْدِيٍّ، وَيَجُوْزُ تَرْكُ الصَّرْفِ عَلَى أَنْ يُرِيدَ بِهِ الأُمَّةَ أَو القَبِيلَةَ.
- وَقَوْلُهُ: "وإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ". رَوَاهُ عُبَيدُ الله بكَسْرِ الذَّالِ والوَجْهِ فَتْحُهَا؛ стр. 775
لأنَّه مِنْ قَوْلكَ: آذَنْتُ غَيرِي بالأَمْرِ أُوْذِنُهُ: إِذَا أَعْلَمْتُهُ، وَأَوْذِنَ هُوَ بالأمْرِ: إِذَا أُعْلِمَ بِهِ، وإِذَا كُنْتَ أَنْتَ العَالِمَ بِهِ قُلْتَ: آذَنْتُ بِهِ آذِنُ عَلَى مِثَال: أَعَلِمْتُ أَعْلِمُ.
- وَقَوْلُهُ: "دَمَ (١) صَاحِبِكُمْ أَوْ قَاتِلِكُمْ" [٢]. فَإِنَّ هَذَا شَكٌّ من الرَّاوي لِلْحَدِيثِ، والصَّحِيحُ: "دَمَ صَاحِبِكُمْ" لأنَّه كَذَا وَقَعَ في حَدِيثِ أَبِي لَيلَى مِنْ غَيرِ شَكٍّ (٢)، والصَّاحِبُ ههنَا أَشْبَهَ؛ لأنَّه إِنَّمَا أَرَادَ القَتِيلَ اتَذِي قُتِلَ لَهُم. وأَمَّا مَنْ رَوَى: "قَاتِلِكُمْ" فَيَنْبَغِي أَنْ يُرِيدَ بِهِ دَمَ الَّذِي قَتَلَ صَاحِبِكُمْ، وَلكِنْ يَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ يَقُوْلَ: دَمَ قَاتِلِ صَاحِبِكُمْ، فَيُضِيفَ القَاتِلَ إِلَى صَاحِبِكُمْ المَقْتُوْلِ لَا إِلَيهِمْ، وَلكِنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا طَالِبِين للقَاتِلِ أَضَافَهُ إِلَيهِمْ لِذلِكَ، كَأَنَّه قَال: القَاتِلُ الَّذِي يَطْلُبُوْنَهُ، والعَرَبُ قَدْ تُضِيفُ الشَّيءَ إِلَى الشَّيءِ وإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ؛ إِذَا كَانَتْ بَينَهُمَا مُلَابَسَةٌ وعُلْقَةٌ، كَقَوْلهِ [تَعَالى] (٣): ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾: وَلَا مَقَامَ لله، وإِنَّمَا مَعْنَاهُ: مَقَامَهُ بَينَ يَدَي، وَمِثْلُهُ قَوْلُ زْهَيرٍ (٤):
* فَأمْسَى رَهْنُهَا غَلِقَا *
كَذَا رَوَاهُ السُّكَّرِيُّ (٥) فَأَضَافَ إِلَيهَا الرَّهْنَ وَلَيسَ هُوَ لَهَا، إِنَّمَا عَنَى بِهِ قَلبَهُ следующие страницы →