← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18194

التعليق على الموطأ في تفسير لغاته وغوامض إعرابه ومعانيه

هشام بن أحمد الوقشي

Полный текст (937 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

ويَعْضُدُهُ، وَ"صَنْعَاءُ" مَمْدُوْدٌ لَا غَيرُ، وَهِيَ مِنْ بِلَادِ اليَمِنِ، والنَّسَبُ إِلَيهَا: صَنْعَانِيٌّ وصَنْعَاويٌّ. -[قَوْلُهُ: "حَتَّى تَفِيظَ نَفْسُهُ"] [١٥]. كَانَ الأَصْمَعِيُّ لَا يُجِيزُ: فَاضَتْ نَفْسُ الرَّجُلِ (١)، وَيَقُوْلُ: إِنَّمَا هُوَ فَاظَ الرَّجُلُ: إِذَا مَاتَ، فَاحْتُجَّ عَلَيهِ بِقَوْلِ

стр. 772

الشَّاعِرِ (١): اجْتَمَعَ النَّاسُ وَقَالُوا عُرْسُ ... فَفُقِئَتْ عَينٌ وَفَاضَتْ نَفْسُ وَقَال: إِنَّمَا هُوَ: "وَطَنَّ الضِّرْسُ" قَال: وإِنَّمَا الحُجَّةُ قَوْلُ رُؤْبَةَ (٢): * لَا يَدْفُنُوْنَ مِنْهُمُ مَنْ فَاظَا * وَأَجَازَ غَيرُ الأصْمَعِيِّ: فَاضَتْ نَفْسُهُ بالظَّاءِ والضَّادِ. قَال المُبَرِّدُ: كُلُّ العَرَبِ يَقُوْلُوْنَ: فَاضَتْ نَفْسُهُ -بالضَّادِ- إلا بَنِي ضَبَّة (٣) فَإِنَّهُمْ يَقُوْلُوْنَهُ بالظَّاءِ.

стр. 773

- وَ [قَوْلُهُ: "فِي النَّائِرَةِ تَكُوْنُ بَينَهُمْ"]. النَّائِرَةُ: الفِتْنَةُ والإِحْنَةُ، شُبِّهَتْ بالنَّارِ الهَائِجَةِ، وَلِذلِكَ، قَالُوا: طَفَئَتْ النَّائِرَةُ واشْتَعَلَتْ، كَمَا يَقُوْلُوْنَ في النَّارِ نَفْسِهَا، وَيُسَمُّوْنَ الحَرْبَ نَارًا قَال تَعَالى (١): ﴿[كُلَّمَا أَوْقَدُوا] نَارًا [لِلْحَرْبِ]﴾ لِلْفِتْنَةِ. [مَا جَاءَ في دِيَةِ السَّائِبَةِ وَجِنَايَتِهِ] - وَ [قَوْلُهُ: "هُوَ إِذًا كَالأَرْقَمِ"] [١٦] الأَرْقَمُ: نَوْعٌ مِنَ الحَيَّاتِ مُنَقَّطٌ، شُبِّهَ مَا فِيهِ مِنَ الآثَارِ بالرَّقْمِ في الثَّوْبِ. وَمَعْنَى: "إِنْ يُقْتَلْ يَنْقِمْ" أَنَّ بَعْضَ الحَيَّاتِ يقتُلُه الرَّجُلُ فَيَمُوْتُ، أَوْ يَنَالُهُ ضَرَرٌ فَيُتَجَنَّبُ قَتْلُهُ لِذلِكَ.

стр. 774

(كَتَاب القَسَامَة) (١) القَسَامَةُ: مُخَفَّفَةُ السِّينِ، وَحَقِيقَةُ القَسَامَةِ أَنَّهَا الأَيمَانُ، يُقَالُ: قُتِلَ فُلَانٌ بالقَسَامَةِ، أَي: بالأَيمَانِ، ثُمَّ يُسَمَّى القَوْمُ المُقْسِمُوْنَ قَسَامَةً مِنْ بَنِي فُلَانٍ، وَكَأنَّهَا مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ كَمَا قَالُوا: مَاءٌ غَوْر، وَرَجُلٌ عَدْلٌ، أَي: غَائِرٌ وَعَادِلٌ، وَهُوَ مِنَ المَصَادِرِ الشَّاذَّةِ الَّتِي جَاءَتْ عَلَى غَيرِ تَصْرِيفِ أَفْعَالِهَا؛ لأنَّ الفِعْلَ [أَقْسَمَ] يُقْسِمُ إِقْسَامًا، وَفَعَالةٌ، إنَّما حُكْمُهَا أَنْ تَأْتِيَ مِنَ الأَفْعَالِ الثُّلَاثِيَّةِ كَالسَّفَاهَةِ والصَّرَامَةِ، فَمَنْزِلَةُ القَسَامَةِ من الإِقْسَامِ كَمَنْزِلَةِ العَطَاءِ من الإعْطَاءِ، في أَنَّه جَاءَ عَلَى حَذْفِ الزِّيَادَةِ. [تَبْدِئَةُ أَهْلِ الدَّمِ في القَسَامَةِ] -[قَوْلُهُ: "فِي فَقِيرِ بِئْرٍ"] [١]. الفَقِيرُ: اسمٌ يَقَعُ عَلَى كُلِّ حُفْرَةٍ تُحْفُرُ في الأَرْضِ مِثْلِ البِئْرِ والعَينِ. (٢) والمُفْقِرَةُ والفُقْرَةُ: حُفْرَةٌ تُحْفَرُ في الأَرْضِ يُغْرَسُ فِيهَا فَسِيلُ النَّخْلِ، وَيُقَالُ لَهَا: فَقِيرٌ أَيضًا، وَهِيَ بِمَعْنَى مَفْقُوْرَةٍ، كَمَا يُقَالُ: امْرَأَةٌ قُتِيلٌ بِمَعْنَى مَقْتُوْلَةٍ. - وَ [قَوْلُهُ: "فَأَتَى يَهُوْدَ"] يَهُوْدُ: يَجُوْزُ فِيهِ الصرْفُ عَلَى أَنْ يَكُوْنَ جَمْعَ يَهُوْدِيٍّ، وَيَجُوْزُ تَرْكُ الصَّرْفِ عَلَى أَنْ يُرِيدَ بِهِ الأُمَّةَ أَو القَبِيلَةَ. - وَقَوْلُهُ: "وإِمَّا أَنْ يُؤْذَنُوا بِحَرْبٍ". رَوَاهُ عُبَيدُ الله بكَسْرِ الذَّالِ والوَجْهِ فَتْحُهَا؛

стр. 775

لأنَّه مِنْ قَوْلكَ: آذَنْتُ غَيرِي بالأَمْرِ أُوْذِنُهُ: إِذَا أَعْلَمْتُهُ، وَأَوْذِنَ هُوَ بالأمْرِ: إِذَا أُعْلِمَ بِهِ، وإِذَا كُنْتَ أَنْتَ العَالِمَ بِهِ قُلْتَ: آذَنْتُ بِهِ آذِنُ عَلَى مِثَال: أَعَلِمْتُ أَعْلِمُ. - وَقَوْلُهُ: "دَمَ (١) صَاحِبِكُمْ أَوْ قَاتِلِكُمْ" [٢]. فَإِنَّ هَذَا شَكٌّ من الرَّاوي لِلْحَدِيثِ، والصَّحِيحُ: "دَمَ صَاحِبِكُمْ" لأنَّه كَذَا وَقَعَ في حَدِيثِ أَبِي لَيلَى مِنْ غَيرِ شَكٍّ (٢)، والصَّاحِبُ ههنَا أَشْبَهَ؛ لأنَّه إِنَّمَا أَرَادَ القَتِيلَ اتَذِي قُتِلَ لَهُم. وأَمَّا مَنْ رَوَى: "قَاتِلِكُمْ" فَيَنْبَغِي أَنْ يُرِيدَ بِهِ دَمَ الَّذِي قَتَلَ صَاحِبِكُمْ، وَلكِنْ يَجِبُ عَلَى هَذَا أَنْ يَقُوْلَ: دَمَ قَاتِلِ صَاحِبِكُمْ، فَيُضِيفَ القَاتِلَ إِلَى صَاحِبِكُمْ المَقْتُوْلِ لَا إِلَيهِمْ، وَلكِنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا طَالِبِين للقَاتِلِ أَضَافَهُ إِلَيهِمْ لِذلِكَ، كَأَنَّه قَال: القَاتِلُ الَّذِي يَطْلُبُوْنَهُ، والعَرَبُ قَدْ تُضِيفُ الشَّيءَ إِلَى الشَّيءِ وإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ؛ إِذَا كَانَتْ بَينَهُمَا مُلَابَسَةٌ وعُلْقَةٌ، كَقَوْلهِ [تَعَالى] (٣): ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾: وَلَا مَقَامَ لله، وإِنَّمَا مَعْنَاهُ: مَقَامَهُ بَينَ يَدَي، وَمِثْلُهُ قَوْلُ زْهَيرٍ (٤): * فَأمْسَى رَهْنُهَا غَلِقَا * كَذَا رَوَاهُ السُّكَّرِيُّ (٥) فَأَضَافَ إِلَيهَا الرَّهْنَ وَلَيسَ هُوَ لَهَا، إِنَّمَا عَنَى بِهِ قَلبَهُ

стр. 776

فَالمَعْنَى: رَهْنُكِ عِنْدَهَا. وَمَنْ رَوَى: "صَاحِبِكُمْ" فَقَد يَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ بِهِ القَاتِلَ كَمَا يَقُوْلُ الرَّجُلُ لِلْحَاكِمِ هَذَا صَاحِبِي فَأَنْصِفْنِي مِنْهُ, أَي: هَذَا الجَانِي عَلَى والَّذِي أَطْلُبُهُ، وَلَيسَ يُرِيدُ أَنَّهُ صَدِيقُهُ. - وَ [قَوْلُهُ: "إلا أنْ يَنْكُلَ أَحَدٌ"]. يُقَال: نكَلَ يَنْكلُ: إِذَا جَبُنَ وتَأخَّر عَنِ اليَمِينِ، هَذِهِ هِيَ اللُّغَةُ الفَصِيحَةُ، وَحَكَى بَعْضُهُم: نكلَ يَنْكَلُ (١). - وَقَوْلُهُ: "إنَّمَا فُرِّقَ بَيْنَ ... " الرِّوَايَةُ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَهُوَ فِعْلٌ مَاضٍ (٢) و"أَنَّ ... " (٣) في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِهِ. وَقَوْمٌ يُسَكِّنُوْنَ الرَّاءَ مِنْ "فَرْقٌ" ويَرْفعُوْنَهُ، وَيُضِيفُوْنَهُ إِلَى "بَينَ" فَيَكُوْنُ "بَينَ" عَلَى هَذَا اسْمًا لَا ظَرْفًا، وَيَرْتَفِعُ "فَرْقٌ" بالابْتِدَاءِ، وَ"أَنَّ الرَّجُلَ ... " خَبَرُهُ. - وَ [قَوْلُهُ: "يُبَدَّؤُنَ بِهَا"]. الرِّوَايَةُ: "يُبَدَّؤُوْنَ" بالتَّشْدِيدِ يَدُلُّ عَلَيهِ قَوْلُهُ (٤): "إِنَّ المُبَدَّئِينَ" وَلَوْ كَانَ بالتَّخْفِيفِ لَقَال. إِنَّ المُبْدَأَ بِهِم. وَقَدْ رُويَتْ "يُبْدَؤُوْنَ" بالتَّخْفِيفِ وَهُوَ جَائِزٌ.

стр. 777

[كتابُ الجامِعِ] (١) كَانَ الوَجْهُ أَنْ يَقُوْلَ: "الجَامِعُ"؛ لِكَوْنهِ جَامِعًا لِفُنُوْن مِنَ العِلْمِ فَيَكُوْنُ الجَامِعُ صِفَةً لِلْكِتَابِ، وَلَا تَجُوْزُ إِضَافَةُ المَوْصُوْفِ إِلى صِفَتِهِ، وَقَدْ جَاءَتْ مِنْ هَذَا النَّوع أَلْفَاظٌ يَسِيرةٌ تُحْفَظُ وَلَا يُقَاسُ عَلَيهَا نَحْوَ: مَسْجِدِ الجَامِعِ، وَصَلَاةِ الأُوْلَى ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ (٢) ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ (٣). وأَهْلُ الكُوْفَةَ يَقُوْلُوْنَ في هَذِهِ الأشْيَاء: إِنَّ المَوْصُوْفَ أُضِيفَ إِلَى صِفَتِهِ لَاخْتِلَاف اللَّفْظَينِ. والبَصْرِيُّوْنَ لَا يَرَوْنَ ذلِكَ، وَيَجْعَلُوْنَ هَذِهِ المَحْفُوْظَاتِ كُلَّهَا صِفَاتٍ لِمَوْصُوْفَاتٍ مَحْذُوْفَاتٍ تَقْدِيرُهَا عِنْدَهُم: مَسْجدُ اليَوْمِ الجَامِعِ، وَصَلَاةِ السَّاعَةِ الأُوْلَى مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ، وَلَدَارِ الحَيَاةِ الآخِرَةِ، وحَبَّ النَّبْتِ الحَصِيدِ، وكِتَابُ الفَنِّ الجَامِعِ أَوْ العِلْمِ الجَامِعِ، وَمِثْلُهُ: "نِسَاءَ المُؤمِنَاتِ" عَلَى رِوَايَةِ مَنْ نَصَبَ النِّسَاءَ وأَضَافَهُنَّ إِلَى المُؤْمِنَاتِ، واسْتعْمَلَ مَالِكٌ ﵀ في كِتَابِهِ لَفْظَ "الجَامِعِ" مَرَّةً عَلى جِهَةِ الخُصُوْصِ في قَوْلهِ: "جَامِع الوَضُوْءِ"، و"جامِع الصَّلَاةِ" و"جَامع الزَّكَاةَ" ونَحْو ذلِكَ. ومَرَّة عَلى جِهَةِ العُمُوْمِ في "كِتَابِ الجَامِعَ" ولِذلِكَ لَمْ يُضفِ الجَامعَ هُنَا إِلى شَيءٍ يُخَصِّصُهُ به كَمَا فَعَلَ هُنَاكَ (٤).

стр. 778

[الدُّعَاءُ للمَدِينَةِ وأَهْلِهَا] - قَوْلُهُ ﷺ : "بَارِك لَهُمْ فِي مِكيَالِهِمْ" [١]. أَي: فِيمَا يَكِيلُوْنَهُ، وَلَمْ يُرِدِ البَرَكَةَ في الكَيلِ وَحْدَهُ، وَمِنْ شَأْنِ العَرَبِ أَنْ تَعْدِلَ عَنِ التَّصْرِيحِ بِذِكْرِ الشَّيء إِلَى مَا يُشِيرُ إِلَيهِ ويَدُلُّ عَلَيهِ، ويَرَوْنَ ذلِكَ أَبْلَغَ فِي المَعْنَى كَقَوْلهِمْ؛ فِدًى لَكَ ثَوْبِي وَرِدَائِي. يُرِيدُوْنَ [بالثَّوْبِ وَ] الرِّدَاءِ مَا اشْتَمَلَ عَليه مِنَ الذَّاتِ، وَيَقُوْلُوْنَ: فُلَانٌ عَفِيفُ الإزَارِ، وطَاهِرُ الجَيبِ، وَوَاسِعُ الصَّدْرِ، وَرَخِيُّ البَالِ، يُرِيدُوْنَ: مَا اشْتَمَلَ عَلَيهِ الإزَارُ مِنَ الفَرْجِ، وَسَلَامَةِ الصَّدْرِ والقَلْبِ منَ الغِشِّ، فَهَذَا وَجْهٌ. والوَجْهُ الآخَرُ: وَهُوَ أَنَّ الأشْيَاءَ الَّتِي تُكَالُ إِذَا بُوْرِكَ فِيهَا رَخَصَتْ أَسْعَارُهَا فَتَضَاعَفَتْ أَعْدَادُهَا حَتَّى يَبْتَاعَ الرَّجُلُ بِدِرْهَمٍ أَرْبَعَةَ أَكْيَالٍ مَكَانَ كَيلٍ وَاحِدٍ كَانَ يُبْتَاعُ بِهِ قَبْلَ ذلِكَ، فَلَمَّا كَانَتِ الأَكْيَالُ مُتَعَلِّقَة كَالمَكِيلِ صَارَ الدُّعَاءُ لِلْمِكْيَالُ دُعَاء للْمَكِيلِ، والعَرَبُ تَقُوْلُ: كِلْتُ، الدِّرْهَمَ كَمَا تَقُوْلُ: كِلْتُ الطَعَامَ فَيَسْتَعْمِلُوْنَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ في المَكِيلِ والمَوْزُوْنِ، وَلِهذَا سُمِّيَتْ دَرَاهِمَ المَدِينَةِ الكَيلَ، فَيقُوْلُوْنَ: بِعْتُ الثَّوْبَ بِعَشْرَةَ دَرَاهِمَ كَيلًا، وَهِيَ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا من الدَّرَاهِمِ الوَازِنَةِ، وأَرْبَعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا مِنَ الدَّرَاهِم الدَّخْلِ. والمِكْيَالُ يَكُوْنُ المِقْدَارُ الَّذِي يُوْزَنُ بِهِ، كَمَا يَكُوْنُ المَقْدَارَ الَّذِي يُكَالُ بِهِ، فَدُعَاؤُهُ ﷺ يَنْتَظِمُ المِكْيَال والمِيزَانَ، وأَيضًا فَإِنَّهُ قَال: "بَارَكَ اللهُ في مَدِينتِنا" وَلَمْ يَخُصَّ شَيئًا مِمَّا تَحْتَوي عَلَيهِ. أَمَّا قَوْلُهُ: المِيزانُ مِيزَانُ المَدِينَةِ، والمِكْيَالُ مِكْيَالُ مَكَّةَ، فَلَيسَ فِيهِ مَا يَنْفِي الكَيلَ عَنْ مَكَّةَ وَلَا الوَزْنَ عَنِ المَدِينةِ، وَلكِنَّه

стр. 779

نَسَبَ كُلَّ بَلَدٍ إلى مَا هُوَ الأغْلَبُ عَلَيهِ، وأَمَّا نَصُّهُ في الدُّعَاءِ عَلَى الصَّاعِ والمُدِّ وَقَدْ دَخَلَا في المِكْيَالِ فَعَلَى طَرِيقِ المُبَالغَةِ في العِنَايَةِ بِهِمَا والاهْتِبَالِ، وَذلِكَ في كَلَامِ العَرَبَ مَشهوْر يَقُوْلُوْنَ: أَبْلَغ إِخْوَانِي السَّلامَ وَفُلَانًا، وَمِنْ نَمَطِهِ قَوْلُهُ تَعَالى (١): ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ ... ﴾ ... الآية. [مَا جَاءَ في سُكْنَى المَدِينَةِ والخُرُوْجِ مِنْهَا] - وَقَوْلُهُ: " [اقْعُدِي] لُكَعُ (٢) " [٣] وَهْم مِنَ الرَّاوي، وإِنَّمَا هُوَ لَكَاعِ، ولُكَعُ إِنَّمَا يُقَالُ لِلْمُذَكَّرِ، وَمَعْنَاهُ الخَسِيسُ مِنَ الرِّجَالِ، وأَكْثَرُ مَا تُسْتَعْمَلُ هَاتَانِ اللَّفْظَتَانِ في النِّدَاءِ إلَّا أَنْ يَضطَرَّ شَاعِرٌ إِلَى غَيرِ ذلِكَ، قَال الحُطَيئَةُ: (٣) * ...... قَعِيدَتُهُ لَكَاعِ * وَقَدْ جَاءَتْ في غَيرِ النِّدَاءِ، وَفِي غَيرِ ضَرُوْرَةٍ، قَال رَسُوْلَ الله ﷺ : "يَأْتِي على النَّاسِ زَمَانٌ يَكُوْنُ أسْعَدُ الناسِ في الدُّنْيَا لُكَعَ بنَ لُكَعٍ". - وَ [قَوْلُهُ: "يَصْبِرُ عَلَى لأوَائِهَا"] [٣]. الَّلأْوَاءُ: الشِّدَّةُ، وأَصْلُهَا الهَمْزُ،

стр. 780

ثُمَّ يُخَفَّفُ، ويُقَالُ لَهَا أَيضًا: لَوْلَاءُ باللَّامِ، والأَوَّلُ أَشْهَرُ، والجُهْدُ: المَشَقَّةُ، والجَهْدُ الطَّاقَةُ، وَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ. بِدَلِيلِ قَوْلهِ [تَعَالى] (١): ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهُمْ﴾ قُرِئَ بالوَجْهَينِ. - وَقَوْلُهُ: " [إلا كِنْتُ لَهُ] شَهِيدًا". أَي: شَاهِدًا، بِمَا يَصْبِرُ عَلَيهِ مِنْ ضِيقِ العَيشِ وشَظَفِهِ. - وَقَوْلُهُ: "أَوْ شَفِيعًا" الأشْبَهُ بـ "أَوْ" هَهانَا أَنْ تَكُوْن بِمَعْنَى الوَاو (٢). - وَ [قَوْلُهُ: "يَنْصَعُ طِيبُهَا"] [٤]. مَعْنَى يَنْصَعُ: يَخْلُصُ، وَكُلُّ لَوْنٍ خَلَصَ مِنْ أَنْ يَشُوْبَهُ لَوْنٌ آخِرُ فَقَدْ نَصَعَ يُقَالُ: أَبْيَضُ نَاصِعٌ، وأَسْوَدُ نَاصِعٌ. - وَ [قَوْلُهُ: "إِنَّمَا المَدِينْةُ كَالكِيرِ"]. الكِيرُ: زِقُّ الحَدَّادِ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ، والكُوْزُ: القَرْنُ المَبْنِيُّ مِنَ الطِّينِ الَّذِي يُنْفَخُ فِيهِ بالكِيرِ. وخَبَثُ الحَدِيدِ والفِضَّةِ وَغَيرِهِمَا: مَا يَخْرُجُ مِنْهُمَا عِنْدَ التَّخْلِيصِ من الرَّدِيءِ الَّذِي لَا خَيرَ فِيهِ، وَفِيهِ لُغَتَانِ: خُبْثٌ وخَبَثٌ والرِّوَايَةُ بِفَتْحِ الخَاءِ والبَاءِ.

стр. 781

- الأكْلُ -في اللُّغَةِ-: اسْتِعَارَةٌ ومَجَازٌ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ: أَحَدُهَا: الهَلَاكُ والتَّلَفُ، وَمِنْهُ مَا وَرَدَ في هَذَا الحَدِيثِ، وَمِنْهُ قَوْلُ المُمَزَّقِ العَبْدِيِّ (١) -وَكَانَ عَمْرُو بنُ هِندٍ دَفَعَهُ إِلَى قَوْمٍ كَانُوا يَطْلُبُوْنَهُ بِثَأرٍ وحَكَّمَهُمْ فِيهِ فَاعْتَزَمُوا عَلَى تَقْطِيعِهِ إِرَبًا إِرَبًا، فَقَال-: إِذَا كُنْتُ مَأْكُوْلًا [فَكُنْ خَيرَ آكِلِي ... وإِلَّا فَأَدْرِكْنِي وَلَمَّا أُمَزَّقِ] فَبَلَغَ هَذَا البَيتُ عَمْرَو بنَ هِنْدٍ فَاسْتَرَدَّهُ مِنْهُم وَأَطْلَقَهُ فَسُمِّيَ المُمَزَّقَ (٢). والمَعْنَى الثَّانِى: السَّلْبُ، يُقَالُ: أُكِلَتِ القَافِلَةُ.

стр. 782

والثَّالِثُ: الغَيبَةُ، ومَنْهُ [قَوْلُهُ تَعَالى]: (١) ﴿أَنْ يَأَكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ [مَيتًا]﴾. - وَ [قَوْلُهُ: "يقُوْلُوْنَ يَثْرِبَ، وَهِيَ المَدِينَةُ"] [٥]. كَانَتِ المَدِينَةُ تُسَمَّى فِي القَدِيم يَثْرِبَ وأَثْرِبَ وطَيبَةَ وَطَابَةَ، وأَمَّا المَدِينَةُ فاسْمٌ إِسْلَامِيٌّ سَمَّاهَا بِهِ رَسُوْلُ الله ﷺ فَصَارَ عَلَمًا لَهَا، وَمَنْرلَتُهُ مِنَ الأسمَاءِ الأعْلَامِ مَنْزِلَةَ السِّمَاكِ، والدَّبِرَانِ، والعَبَّاس، والحَارِثِ مِمَّا جُعِلَ عَلَمًا وَفِيهِ الألِفُ واللَّامُ، وَلَا يُقَالُ لِغَيرِهَا المَدِينَةُ عَلَى الإطْلَاقِ، وَلكِنْ يُقَالُ: مَدِينَةُ كذَا عَلى الإضَافةِ عَلَى مَا يَتَعَرَّفُ بِهِ. - وَ [قَوْلُهُ: "فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبِسُّوْنَ"] [٧]. رِوَايَةُ ابنِ بُكَيرٍ: "يَبُسُّوْنَ" وفَسَّرَهُ يَسِيرُوْنَ مِنْ قَوْلهِ تَعَالى (٢): ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾، ومثله رَوَاهُ ابنُ القَاسِمِ، وفَسَّرَهُ: تَدَعُوْنَ. وَرَوَاهُ ابنُ وَهْب ومُطَرِّفٌ: "يَبِسُّونَ" جعلَاهُ مِنْ أَبْسَسْتَ النَّاقَةَ: إِذَا دَعَوْتَهَا لِلْحَلْبِ (٣). قَال (ش): "والعَرَبُ تَقُوْلُ ذلِكَ، [فَيَقُوْلُوْنَ] (٤): "لَا أَفْعَلُ ذلِكَ مَا أَبَسَّ عَبْدٌ بِنَاقَةٍ": ويُقَالُ: بَسَسْتَ النَّاقَةَ بَسًّا وأَبْسَسْتَهَا: إِذا زَجَرْتَهَا لِتَسُوْقَهَا. قَال الخَلِيلُ (٥): بَسْ: زَجْرٌ للبَغْلِ والحِمَارِ يُقَالُ: بَسْ بَسْ، يُقَالُ مِهُ: بَسَسْتُ

стр. 783

وأَبْسَسْتُ فَيَكُوْنُ مَعْنَى يَبِسُّوْنَ يَزْجُرُوْنَ دَوَابَّهُمْ وَيَسُوْقُوْنَهَا، وَهَذَا كَلَامُ أَنْذَرَ فِيهِ بِمَا يَكُوْنُ بَعْدَهُ. - وَ [قَوْلُهُ: "العَوَافِي الطَّير والسِّبَاعِ"] [٨] العَوَافِي: مِنْ عَفْتَّ الشَّيءَ تَعْفُوْهُ: إِذَا قَصَدْتَهُ، يُقَالُ: عَفَاهُ يَعْفُوْهُ عَفْوًا واعْتَفَاهُ يَعْتَفِيهِ اعْتِفَاءً، فَهُوَ عَافٍ ومُعتَفٍ: إِذَا قَصَدَهُ، وَمِنْهُ قِيلَ للسَّائِلِ عَافٍ، وَلِذلِكَ سُمِّيَتِ الطَّيرُ والسِّبَاعُ عَوَافٍ بِقَصْدِهَا الشَّيءَ. - وَ [قَوْلُهُ: "فَيُغَذِّيَ"]. يُقَالُ: [غَذَى] وغَذَّى بِمَعْنَى: نرْلَ دَفْعَةً بَعْدَ دَفْعَةٍ، يُقَالُ: غَذَى بِبَوْلِهِ وغَذَّى: إِذَا قَطَعَهُ. - وَ [قَوْلُهُ: " .. أنَّه بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بنَ عَبْدِ العَزِيزِ حِينَ خَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ التَفَتَ إِلَيهَا فَبَكَى، ثُمَّ قال: يَا مَزَاحِمَ"] [٩]. خُرُوْجُ عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ عَنِ المَدِينَةِ لَمْ يَكُنْ رَغْبَةً عَنْهَا، وإِنَّمَا عَزَلَهُ الوَليدُ عَنْهَا، وَوَلَّى عُثْمَانَ بن يَحْيَى المُزَنِيَّ (١) سقَايَةَ الحَاجِّ، فَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ نَفَتِ المَدِينَةُ، وَلَا مِمَّنْ رَغِبَ عَنْهَا، وَلكِنَّهُ أَخْرَجَ كَلَامَهُ مَخْرَجَ الإشفَاقِ، ومُزَاحِمٌ مَوْلَاهُ (٢).

стр. 784

[مَا جَاءَ في تَحْرِيمِ المَدِينَةِ] - وَ [قَوْلُهُ: "هَذَا جَبلٌ يُحِبُّنَا ونُحِبُّهُ"] [١٠]. فِي قَوْلهِ: هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا ونُحِبُّهُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ (١): أَحَدُهَا: أَنْ تَكُوْن المُحَبَّةُ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا، وَلَيسَ يَبْعُدُ أَنْ يَخْلُقَ الله [تَعَالى] في الجَبَلِ مَحَبَّةً كَمَا خَلَقَ في الجِذْعِ حَنِينًا. والثَّانِي: أَنّه نَسَبَ المَحَبَّةَ إِلَى الجَبَلِ وَهُوَ يُرِيدُ أَهْلَهُ الأنْصَارَ، وَحَكَى سِيبَوَيهِ جَاءَتِ اليَمَامَةُ (٢)؛ أَي أَهْلُهَا، وَهُوَ شَائِعٌ مَشْهُوْرٌ. والثَّالثُ: أَنْ يَكُوْنَ المَعْنَى أنَّ الجِبَال لَو كَانَت مِمَّنْ تُحَبُّ لَأحْبَّنَا هَذَا الجَبَلُ كَمَا نَقُوْلُ: دُوْرنَا تَتَنَاظَرُ أَي: لَوْ كَانَ لَهَا أَعْيُنٌ لنظَرَ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ لَتَرَآى لِي نَارَاهمَا. - وَقَوْلُهُ: "إنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ" وفي حَدِيثٍ آخرَ: "إنَّ هَذَا البَلدَ حَرَّمَهُ

стр. 785

اللهُ"، وَمِثْلُهُ في القُرْآنِ (١). والَّذِي يَجْمَعُ بَينَ ذلِكَ أَنْ يُقَال: إِنَّ اللهَ حَرَّمَهَا عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ [﵇]، فَنَسَبَ التَّحْرِيمَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، وَمِنْهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (٢): ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)﴾ لَمَّا وَرَدَ عَلَى لِسَانِهِ. - وَ [قَوْلُهُ: "مَا بَينَ لَابتَيهَا"]. اللَّابَةُ: الحَرَّةُ، وَفِيهَا لُغَتَانِ: لَابةٌ ولُوْبَةٌ وَهِيَ أَرْضٌ سَوْدَاءُ الحِجَارَةِ، قَال ابنُ نَافِعٍ: واللَّابَتَان إِحْدَاهُمَا الَّتِي يَنْزِلُ بِهَا الحَاجَّ إِذَا رَجَعُوا مِنْ مَكَّةَ، وَهِيَ بِغَرْبِيِّ المَدِينَةِ، والأُخْرَى مِمَّا يَلِيهَا مِنْ سُوْقِ المَدِينَةِ، وَفِي قِبْلَةِ المَدِينَةِ حَرَّةٌ ثَالِثَةٌ، وَفِي جَوْفِهَا حَرَّةٌ رَابِعَةٌ، فَقَوْلُهُ: مَا بَينَ لَابَتَي المَدِينَةِ يَدْخُلُ فِيهِ مَا بَينَ الحَرَّةِ الشَّرْقِيَّةِ والغَرْبِيَّةِ، وَمَا بَينَ الحَرَّةِ الجَوْفِيَّةِ والقِبْلِيَّةِ. - وَ [قَوْلُهُ: "وَأنَا بالأسْوَافِ"] [١٣] الأسْوَافُ: مَوْضِعٌ بِنَاحِيَةِ البَقِيع مِنْ المَدِينَةِ (٣)

стр. 786

- وَ [قَوْلُهُ: "قَدْ اصْطَدْتَ نُهسًا"] النُّهَسُ: اليَمَامَةُ، ويُقَالُ: الصُّرَدُ (١). - وَ [قَوْلُهُ: "عَنْ مَالِكٍ عَن رَجُلٍ"]. الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُسَمِّهِ مَالِكٌ اسمُهُ شَرَحْبِيلُ بنُ سَعْدٍ (٢)، وَكَانَ عِنْدَهُ غَيرَ مَرضِيٍّ ولا ثِقَةٍ.

стр. 787

[مَا جَاءَ في وَبَاءِ المَدِينَةِ] -[قَوْلُهُ (١): أَلَا لَيتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيلَةً ... بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِياهَ مِجَنَّةٍ ... وَهَلْ يَبْدوَنْ لِي شَامَةٌ وطَفِيلُ]

стр. 788

الجَلِيلُ: هُوَ الثُّمَامُ. أَهْلُ الحِجَازُ يَقُوْلُوْنَ للتُّمَامِ: جَلِيلٌ، وَغَيرُهُم يَقُوْلُ: ثُمَامٌ، ويُرْوَى (١): "بِفَخِّ" مَكَانَ "بِوَادٍ". وَ"فَخٌّ" وَادٍ بِمَكَّةَ، وَهُوَ الَّذِي عَنَى النُّمَيرِيُّ بِقَوْلِهِ (٢): مَرَرْنَ بِفَخّ ثُمَّ رُحْنَ عَشِيَّةً ... يُلَبِّينَ للرَّحْمَن مُعْتَمِرَاتِ وشَامَةُ وطَفِيلٌ: جَبَلَان عَلى نَحْو ثَلَاثِينَ مِيلًا مِنْ مَكَّةَ، وشَامَةُ غَيرُ مَصْرُوْفٍ (٣) للتَّأنِيثِ والتَّعْرِيفِ إلَّا في ضَرُوْرَةِ الشِّعْرِ، ويُقَالُ لَهُ -أَيضًا-: شَابَةُ بالبَاءِ (٤)

стр. 789

وَمَنْ قَال: شَامِةُ بِكَسْرِ المِيمِ والتَّاءِ، فَقَدْ صَحَّفَ. وَ"مِجَنَّةُ" مَوْضِعٌ بِمَكَّةَ غَيرُ مَصْرُوْفٍ إلَّا في الضَّرُوْرَةِ (١). - وَقَولُهُ: " * وَقَدْ رَأيتُ المَوتَ ... * " [١٥]. الوَجْهُ فِيهِ: "لَقَدْ ... " وَلكِنْ هكَذَا جَاءَتِ الرِّوَايَةُ هَاهُنَا. ويُسَمَّى هَذَا عِنْدَ العَرُوْضِيِّينَ مَخْرُوْمًا (٢)، وَمَعْنَى الخَرْمِ: أنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوَّلِ البَيتِ جُزْءٌ لَا يَتِمُّ الوَزْنُ إلا بِهِ. وَهَذَا الرَّجَزُ

стр. 790

هُوَ لِعَمْرِو بن أُمَامَةَ أَخِي عَمْرِو (١) بنِ هِنْدٍ، وَكَانَ نزلَ بِمُرَادَ فَطَرَقُوْهُ لَيلًا، وَقَتَلُوْهُ، فَقَال عَمْرٌو وَهُوَ يُقَاتِلُهُمْ: لَقَدْ وَجَدْتُ المَوْتُ قَبْلَ ذَوْقُهُ إِنَّ الجَبَانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوْقِهِ كُلُّ امْرِئٍ مُقَاتِلٌ (٢) عَنْ طَوْقِهِ كَالثَّوْرِ يَحْمِي جِلْدَهُ بِرَوْقِهِ والمَوْتُ أَدْنَى مِنْ بَنَاتِ طَوْقِهِ وَيُرْوَى: "قَدْ خَشَوْتُ" وَمَعْنَى (٣): "حَتْفِهِ مِنْ فَوْقِهِ" أَن مَوْتَهُ يُقَدَّرُ مِنْ الله فَحَذَرُهُ

стр. 791

لا يُنْجِيهِ. وَقَوْلُهُ: * كُلُّ امْرِئٍ مُقَاتِلٌ (١) عَنْ طَوْقِهِ * أَي: مُدَافِعٌ (١) عَنْ نَفْسِهِ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ، والطَّوْقُ والطَّاقُ لُغَتَانِ. وَبَنَاتُ الطَّوْقِ: الأوْدَاجُ. وَالطَّوْقُ - هَاهُنَا - طَوْقُ الثَّوْبِ، يُقَالُ: "هُوَ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِنْ بَنَاتِ طَوْقِهِ"، وَ"مِنْ حَبْلِ وَرِيدِهِ". - وَ [قَوْلُهُ: "عَلَى أَنْقَابِ المَدِينَةِ"] [١٦]. الأنْقَابُ: الطُّرُفُ في الجَبَلِ وَاحِدُهَا نَقْبٌ، والأشْهَرُ فِي جَمْعِهَا: نِقَابٌ؛ لأنَّ فَعْلًا لَا يُجْمَعُ عَلَى أَفْعَالٍ إلَّا نَادِرًا (٢). -[قَوْلُهُ: "وانْقُلُ حُمَّاهَا واجْعَلْهَا بالجُحْفَةِ"] [١٤]. إِنَّمَا دَعَا بِنَقْلِ الحُمَّى إِلَى الجُحْفَةِ (٣)؛ لأنَّهَا كَانَتْ لِلْمُشْرِكِينَ. [مَا جَاءَ في إِجْلَاءِ اليَهُودِ مِنَ المَدِينَةِ] -[قَوْلُهُ: "لَا يَجْتَمعُ دِينَانِ في جَزِيرَةِ العَرَبِ"] [١٨]. قَال الأصْمَعِيُّ (٤):

стр. 792

جَزِيرَةُ العَرَبِ مِنْ أَقْصَى عَدَنِ اليَمَنِ إِلَى رِيفِ العِرَاقِ في الطُّوْلِ، وأَمَّا في العَرْضِ فَمِنْ جُدَّة (١) وَمَا وَالاهَا مِنْ سَاحِلِ البَحْرِ إِلَى أَطْرَافِ الشَّامِ أَتَمّ نَوَاحِيهَا، وَقَال أَبُو عُبَيدَةَ: جَزِيرَةُ العَرَبِ مَا بَينِ حَفْرِ أَبِي مُوْسَى إلَى أَقْصَى اليَمَنِ في الطُّوْلِ، وأَمَّا في العَرْض مَا بَينَ رَمْلِ يَبْرِينَ إلى مُنْقَطَعِ السَّمَاوةِ. والحَفَرُ: أَي: الشَّيءُ المَحْفُوْرُ، والحَفْرُ - بإِسْكَانِ الفَاءِ - المَصْدَرُ كالهَدَمُ والهَدْمُ. - وَ [قَوْلُهُ: "قِاتَلَ اللهُ اليَهُوْدَ"] [١٧]. مَعْنَى قَاتَلَ اللهُ اليَهُوْدَ، أَي: قَتَلَهُمُ اللهُ، وإِنْ كَانَ الأشْهَرُ أَنْ لَا يُسْتَعْمَلَ فَاعَلَ إلَّا في اثْنَينِ فَصَاعِدًا، فَقَدْ جَاءَتْ أَلْفَاظٌ بِخِلَافِ ذلِكَ مِثْلُ طَارَقْتُ النَّعْلَ - وَعَافَاكَ اللهُ. وَقِيلَ: مَعْنَى قَاتَلَ اللهُ: لَعَنَ اللهُ، وإِنَّمَا شَاعَ ذلِكَ؛ لأنَّ أَصْلَ المُقَاتَلَةِ المُحَارَبَةُ، وَلَا تكوْنُ إلَّا عَنْ مُنَابَذَةٍ وَمُبَاعَدَةٍ، واللَّعْنُ مَعْنَاهُ: الإبْعَادُ (٢). - وَ [قَوْلُهُ: "فَفَحَصَ عَنْ ذلِكَ عُمَرُ ... "] [١٨]. مَعْنَى فَحَصَ عَنْ ذلِكَ: كَشَفَ عَنْهُ وَبَحَثَ وَمِنْهُ سُمِّيَ الفَحْصُ فَحْصًا؛ لانْكِشَافِهِ. - وَ [قَوْلُهُ: حَتَّى أَتَاهُ الثّلَجُ"]. الثَّلَجُ - بِفَتْحِ اللَّامِ - مَصْدَرُ ثَلَجَتْ نَفْسِي بالشَّيءِ: إِذَا سَكَنَتْ إِلَيهِ (٣) وَوَثِقَتْ بِهِ وَثَلَجَث نَفْسِي بالشَّيءِ؛ أَي: سرَّت بِهِ، ويُسَمَّى السُّرُوْرُ بالنَّفْسِ ثَلَجًا؛ لأنَّ المُهْتَمَّ بالشَّيءِ يَعْتَرِيهِ حِدَّةٌ ويَجِدُ حُرْقَةٌ فَإِذَا

стр. 793

وَصَلَ إِلَىَ مَا يُرِيدُ ذِهَبَتْ تِلْكَ الحُرْقَةُ، فَيُقَالُ عِنْدَ ذلِكَ بَرَدَتْ نَفْسُهُ، وفُلَانٌ يَجِدُ بُرْدَ النَّفْسِ، ويَابُرْدَهَا عَلَى الفُؤَادِ [قَال]: أَرَّقَنِي اللَّيلَةَ بُرْغُوْثٌ ثَقِفْ يَبِيتُ بَينَ مَرْفَقَيَّ يَخْتَلِفْ يَقفِزُ القَفْزَةَ كالفَهَدِ اللَّقِفْ يَا بُرْدَهَا عَلَى الفُؤَادِ لَوْ يَنِفْ - وَ [قَولُهُ: "مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ"] الوَرِقُ - بِكَسْرِ الرَّاءِ - المَالُ مِنَ الدَّرَاهِمَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ حَيَوانٍ كالإِبِلِ والبَقَرِ والغَنَم فَهُوَ وَرَقٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ (١). - وَ [قَوْلُهُ: "وَحِبَالٍ وأَقْتَابٍ"]. الأقْتَابُ: جَمْعُ قَتَبٍ، وَهُوَ نَحْوَ البَرْدَعَة للبَعِيرِ. - وَ [قوْلُهُ: "وأَجْلَاهُمْ مِنْهَا"]. يُقَالُ: جَلَوْتُ القَوْمَ عَن المَوْضِعِ أَجْلِيهِمْ: إِذَا طَرَدتُهُمْ. - وَذَكَرَ قَوْلَهُ: "الهَدْمَ الهَدْمَ والدَّمَ الدَّمَ (٢) ". فَقَال: كَانَتِ العَرَبُ إِذَا اختَلَفَتْ أَوْ خَالفَتْ غَيرَهَا تَقُوْلُ. الدَّمَ الدَّمَ، والهَدْمَ الهَدْمَ، أَي تَطْلُبُ بِدَمِي وأَطْلُبُ، بِدَمِكَ، وَمَا هَدَمْتَ مِنَ الدِّمَاءِ هَدَمْتُ. وَقَال أَبُو عُبَيدَةَ (٣) إِنَّمَا هُوَ

стр. 794

[الهَدَمَ الهَدَمَ واللَّدَمَ اللَّدَمَ] (١) بِفَتْحِ الدَّالِ، أَي: حُرْمَتِي مَعَ حُرْمَتِكُمْ وَبَيتِي مَعَ بَيتِكُمْ. وأَصْلُ الهَدَمِ: مَا انْهَدَمَ. ويُسَمَّى مَنْزِلُ الرَّجُلِ هَدَمًا لانْهِدَامِهِ، ويَجُوْز (٢) أَنْ يَكُوْنَ الهَدَمُ القَبْرَ، سُمِّيَ بِذلِكَ لأنَّهُ يُحْفَرُ ثُمَّ يُرَدُّ تُرَابُهُ فِيهِ فَهُوَ هَدَمُهُ، فَمَعْنَاهُ عَلَى هَذَا: مَقْبَرِي مَقْبَرُكُمْ، أَي: لَا أَزَالُ حَتَّى أَمُوْتَ عِنْدَكُمْ، وَقَوَّى هَذَا قَوْلُهُ: "بَلِ المَحْيَا مَحْيَاكُمْ والمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ" (٣). واللَّدَمُ: الحَرَمُ (٤)، جَمْعُ لَادِمٍ مِثْلُ حَارِسٍ وَحَرَسٍ، وسُمِّيَ أَهْلُ الرَّجُلِ وبسَاؤُهُ لَدَمًا؛ لأنَّهُنَّ يَلْتَدِمْنَ عَلَيهِ إِذَا مَاتَ، أَي: يَلْطُمْنَ خُدُوْدَهُنَّ واللَّدْمُ مِثْلُ اللَّطْمِ فَكَأَنَّهُ قَال: حَرَمِي مَعَ حَرَمِكُمْ. - وَ [قَوْلُهُ: "حَتَّى إِذَا كَان بِسَرْغَ"] [٢٢]. سَرْغُ: مَوْضِعٌ بَينَهُ وبَينَ المَدِينَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَرْحَلَةً (٥) فِيمَا ذَكَرَ ابنُ وَضَّاحٍ وَغَيرُهُ، ويُرْوَى بالعَينِ والغَينِ،

стр. 795

وفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكْوْنِهَا. -[وَقَوْلُهُ: "قَال ابنُ عَبَّاسٍ: فَقَال عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: ادْعُ لِيَ المُهَاجِرِينَ الأوَّلِينَ"]. المُهَاجِرُوْنَ الأوَّلُوْنَ: مَنْ صَلَّى القِبْلَتَينِ، وهَاجَرَ قَبْلَ الفَتْحِ. وَقَوْلُ ابنِ عَبَّاسٍ (١): فَقَال عُمَرُ: ادْعُ لِيَ ... كَذَا وَقَعَ هُنَا، وَفِي المَوْضِعَينِ الآخَرَينِ: "ادعوا" وَهُوَ صَحِيحٌ أَيضًا؛ لأنَّ مِنَ المُمْكِنِ أَنْ يَكُوْنَ عُمَرُ أَمَرَ مَنْ بِحَضْرَتِهِ بالدُّعَاءِ فَتَسَرَّعَ ابنُ عَبَّاسٍ فَدَعَاهُمْ، وَقَدْ رُويَ: "فَدَعوْهُمْ" وَهُوَ أَبْيَنُ فِيمَا أَرَدْنَاهُ. - وَ [قَوْلُهُ: "مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيشٍ"]. يُقَالُ: مَشْيَخَةٌ وَمِشِيخَةٌ، وَكَانَ ابنُ دُرَيدٍ (٢) يَسْتَضْعِفُ مَشْيَخَةً؛ لأنَّهَا جَاءَتْ عَلَى غَيرِ قِيَاسٍ، وَكَانَ القِيَاسُ: مَشَاخَةٌ كَمَنَارَةٍ وَمَثَابَةٍ ونَظِيرُهَا في الشُّذُوْذِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ (٣): ﴿لَمَثْوَبَةٌ﴾ وَقَوْلُهُمْ في اسمِ رَجُل: مَكْوَزَةٌ (٤). - وَفِي بَعْضِ طُرُقِ الحَدِيثِ: إِنَّ أصْحَابَ مُحَمَّدٍ قُرْحَان فَلَا يُقْدَمُ بِهِم عَلَي هَذَا الوَبَاء. والقُرْحَانُ الَّذِي لَمْ يُصِبْهُ مَرَضٌ (٥)، وأَكْثَرُ مَا يُقَالُ في

стр. 796

الجُدَرِيِّ فَيُقَالُ: صَبِيٌّ قُرْحَانٌ، وصِبْيَانٌ قُرْحَانٌ، فلَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ، ورُبَّمَا ثُنِّيَ وجُمِعَ. - وَأَمَّا قَوْلُهُ: "فِرَارًا". فَمَعْنَاهُ أَتِفِرُّ فِرَارًا، وَهَذَا أَلِفُ الإنْكَارِ والتَّوْبِيخِ، كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ: أَقِيَامًا والنَّاسُ قُعُوْدٌ. - وَ [قَوْلُهُ: "لَوْ غَيرَكَ قَالهَا يَا أَبَا عُبَيدَةَ"]. جَوَابُ "لَوْ" مَحْذُوْفٌ، كَأَنَّهُ أَرَادَ: لعَزَّرْتُهُ، لأدَّبْتُهُ عَلَى الجَهْلِ، وأَمَّا أَنْتَ فَغَيرُ مَعْذُوْرٍ. - وَذَكَرَ قَوْلَ النّبَيِّ [ ﷺ ]: "إذَا مَرَّ أحَدُكُمْ بِطُرْبَالٍ مَائلٍ فَلْيُسْرِعِ المَشْيَ، وأَنَّهُ كَانَ إِذَا مَرَّ بِهَدَفٍ مَائِلٍ أَوْ صَدَفٍ مَائلٍ أَسْرَعَ المَشْيَ". فَقَال: الصَّدَفُ، والهَدَفُ والطُّرْبَالُ: كُلُّ (١) بِنَاءٍ عَالٍ مُشْرِفٍ.

стр. 797

- و [قَوْلُهُ: "الطَّاعُوْنُ رِجْزٌ"] [٢٣] الرِّجْزُ - هُنَا - هُوَ العَذَابُ. - قَوْلُهُ: "فَلَا تَخرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ" "فِرَارًا" هُنَا يَنْتَصِبُ (١) عَلَى أَحَدِ وَجْهَينِ (٢). أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُوْنَ مَفْعُوْلًا مِنْ أَجْلِهِ كَأَنَّهُ قَال: لَا تَخْرُجُوا لِلْفِرَارِ، ومِنْ أَجْلِ الفِرَارِ. والثَّانِي: أَنْ يَكُوْنَ مَصْدَرًا وَقَعَ مَوْقعَ الحَالِ كَقَوْلهِ: جِئْتُهُ رَكْضًا، وأَخَذْتُ العِلْمَ سَمْعًا وَسَمَاعًا، أَي: رَاكِضًا وَسَامِعًا، فَكَأَنَّهُ قَال: لَا تَخْرُجُوا فَارِّينَ، فالنَّهْي إِذًا إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى الخُرُوْجِ عَلَى جِهَةِ الفِرَارِ [فَإِنْ كَانَ خُرُوْجًا عَلَى غَيرِ جِهَةِ الفِرَارِ] لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَرَجٌ. وأَمَّا رِوَايَةُ أَبي النَّضْرِ (٣): "لَا يُخْرِجُكُمَا إلا فِرَار مِنْهُ" بالرَّفْعِ والنَّصبِ فَلَا

стр. 798

تَصِحُّ عَلَى ظَاهِرِهَا، لأنَّكَ إِنْ جَعَلْتَهُ كَلَامًا مُنْقِطِعًا مِنَ الحَدِيثِ لَمْ يَصِحَّ لَهُ مَعْنًى، ولَا إعْرَابٌ، وإِنْ وَصَلْتَهُ بالحَدِيثِ صَارَ التَّقْدِيرُ: وإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا إِذَا كَانَ لَا يُخْرِجُكُمْ إلا فِرَارًا مِنْهُ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ لَهُ مَعْنًى وَلَا إِعْرَابٌ، سَوَاءً رَفَعْتَ الفِرَارَ أَوْ نَصَبْتَهُ، وَلَا تَصِحُّ هَذِهِ الرِّوَايَةُ إلا عَلَى أَنْ يَكُوْنَ سَقَطَ مِنَ الحَدِيثِ شَيءٌ، كَأَنَّ الحَدِيثَ إِنَّمَا كَانَ: وإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا إِذَا كَانَ لَا يُخْرِجُكُمْ إلا الفِرَارُ مِنْهُ، فَإِذَا زِيدَتْ هَذِهِ الزِّيَادَة صَحَّ مَعْنَى الحَدِيثِ (١)، وَجَازَ في إِعْرَابِهِ وَجْهَانِ الرَّفْعُ والنَّصْبُ، والرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ يُخْرِجُكُمْ، والنَّصْبُ عَلَى أَنْ يُضْمَرَ في "يُخْرِجُكمْ" ضمِيرًا فَاعِلًا يَرْجِع إِلَى الطَّاعُوْنِ، كَأَنَّهُ قَال: إِذَا كَانَ لَا يُخرجُكُمْ الطَّاعُوْنُ إلا فِرَارًا مِنْهُ فَيَنْتَصِبُ "فِرَارًا" عَلَى أَنّه مَفْعُوْلٌ مِنْ أَجْلِهِ، أَوْ عَلَى أَنّه مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الحَالِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَرَوَى بَعْضُهُمْ: إلا فِرَار مِنْهُ، أَي: إِفْرَارُ الطَّاعُوْنِ إِيَّاكُمْ، أَي: لَا يَحْمِلَنكُّمْ

стр. 799

الطَّاعُوْنُ عَلَى الفِرَارِ مِنْهُ كَمَا تَقُوْلُ: لَا يَحْمِلَنَّكَ إِفْرَارُ النَّاسِ إِيَّاكَ علَى الفِرَارِ وَ"لَا" في هَذِهِ الرِّوَايَةِ نَهْيٌ لَا نَفْيٌ. وَيُقَالُ: فَرَّ الرَّجُلُ مِنَ الأمْرِ يَفِرُّ فِرَارًا، وأَفْرَرْتُهُ أَنَا إِفْرَارًا أَي: جَعَلْتُهُ أَنْ يَفِرَّ. - وَ [قَوْلُهُ: "لَبَيتٌ برُكْبَةَ أَحَبُّ إِلَيَّ"] [٢٦]. رُكْبَةُ: مَوْضِعٌ بَينَ مَكَّةَ والطَّائِفِ (١). وقِيلَ: مَوْضِعُ بشِقِّ اليَمَنِ.

стр. 800

[كِتَابُ القَدَرِ] (١) [النَّهْيُ عَنِ القَوْلِ بالقَدَرِ] [قَوْلُهُ: "ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّتَهُ"] [٢]. مَسَحَ اللهُ ظَهْرَ آدَمَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ الذُّرِّيَّةَ، فَقَدْ كَانَ في تِلْكَ الذُّرِّيَّةَ أَبْنَاؤُهُ، وأَبْنَاءُ أَبْنَائِهِ، إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، فَإِذَا أَخَذَ مِنْ أَوَّلِيكُمُ العَهْدَ فَقَدْ دَخَلَ في ذلِكَ جَمِيع بَنِي آدَمَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُهُ [تَعَالى] (٢): ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ... ﴾ الآية. والسُّجُوْدُ إِنَّمَا كَانَ قَبْلَ خَلْقِنَا وتَصْويرِنَا، وإِنَّمَا جَازَ ذلِكَ؛ لأنَّه حِينَ خَلَقَ آدَمَ خَلَقَنَا في صُلْبِهِ، فَكَأَنَّ خَلْقَ آدَمَ خَلْقٌ لَنَا. - وَقَوْلُهُ: "حَتَّى العَجْزُ والكَيِسُ" [٤]. يَجُوْزُ رَفْعُ العَجْزِ والكَيَسِ عَطْفًا عَلَى "كُلِّ"، ويَجُوْزُ خَفْضُهُمَا عَلَى الغَايَةِ. [جَامِعُ مَا جَاءَ في أهْلِ القَدَرِ] - قَوْلُهُ: "لِتَسْتَفْرَغَ صَحْفَتَهَا" [٧]. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في غَيرِ "المُوَطَّأ": "لِتَكْتَفِيءَ" ومَعَنَاهُمَا وَاحِدٌ، يُقَالُ: كَفَأْتُ الإِنَاءَ وأَكْفَأتُهُ: إِذَا قَلَبْتُهُ (٣)، وهَذَا

стр. 801

كَلَامٌ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّمْثيلِ والاسْتِعَارَةِ، وحَقِيقَتُهُ: لَا تَسْألِ المَرْأَةُ زَوجَهَا طَلَاقَ أخْتِهَا لتَسْتَجِرَّ حَظَّهَا مِنْهُ إِلَى نَفْسِهَا، وتَنْفَرِدَ بِهِ دُوْنَهَا، وَلَيسَ هُنَاكَ صَحْفَةٌ وإِنَّمَا هُوَ مَجَازٌ. - وقَوْلُهُ: "وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنهُ الجَدُ"] [٨]. الجَدُّ: الحَظُّ. والجِدُّ: الانكمَاشُ (١). ومَعْنَى رِوَايَةِ الفَتْحِ: أَنَّ مَنْ كَانَ سعِيدًا في الدُّنْيَا جَلِيلَ القَدْرِ فِيهَا لَمْ يَنْتَفِعْ بِذلِكَ في الآخِرَةِ، وإِنَّمَا يَنْتَفِعُ بِمَا قَدَّمَهُ مِنَ العَمَلِ الصَّالِحِ؛ لِأنَّ الدُّنْيَا بالأمْوَالِ، والآخِرَةِ بالأعْمَالِ. ومَعْنَى رِوَايَةِ الكَسْرِ أَنَّ الإنْسَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَاءِ حُقُوْقِ اللهِ وإِنْ جَدَّ في العَمَلِ الصَّالِحِ، إلا أنْ تُدْرِكَهُ رَحْمَةُ اللهِ، قَال رَسُوْلُ الله [ ﷺ ]، : "لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةِ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ، قِيلَ: ولَا أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟ قَال: وَلَا أَنَا، إلَّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي الله بُرَحْمَتِهِ". وقِيلَ: مَعْنَاهُ: إِنَّه لَا يَنْفَعُ أَحَدٌ اجْتِهَادَهُ في طَلَب الرِّزْقِ إِنَّمَا مَا قُدِّرَ وقُسِّمَ، وهَذَا التَّفْسِيرُ غَيرُ صَحِيحٍ؛ لِأنَّه لَوْ أَرَادَ المَدَّ في طَلَبِ الرّزْقِ لَقَال: "فيه" وَلَمْ يَقُلْ: "مِنْهُ"، وَقَدْ رُويَ: "مِنْكَ الجِدُّ" بِكَسْرِ الجِيمِ (٢)، وهَذَا يبعده عن تَفْسيره، وإِنَّمَا الوَجْهُ في كَسْرِ الجِيمِ مَا قَدَّمْنَاهُ. - وَ [قَوْلُهُ: "لَا يَعْجَلُ شَيءٌ أَنَاهُ وَقَدَّرَهُ"] [٩]. رِوَايَةُ يَحْيَى بنِ يَحْيَى: "لَا يَعْجَلُ شَيءٌ إِنَاهُ وَقَدَرَهُ" [-بِفَتح اليَاءِ الجِيمِ وكَسْرِ الهَمْزَةِ-، ] أَي: لَا يَسْبِقُ وَلَا يَتَقَدَّمُ مِنْ قَوْلهِ [تَعَالى] (٣): ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤)﴾. والإناءُ: الوَقْتُ،

стр. 802

قَال تَعَالى. (١) ﴿غَيرَ نَاظِرينَ إِنَاهُ﴾ والمَعْنَى. لَا يَسْبِقُ وَقْتَهُ الَّذِي قَدَّرَ كَوْنَهُ فِيهِ. وَرَوَاهُ قَوْمٌ: "وَلَا يُعْجَلُ شَيءٌ آنَاهُ وَقَدَرَهُ"، اعتَقَدُوا في آنى فِعْلٌ مَاضٍ من قَوْلِ العَرَبِ: آتَيتُ الشَّيءَ إِينَاءً: إِذَا أَخَّرْتُهُ، وَمَعْنَاهُ عَلَى هَذَا: لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى تَعْجِيلِ شَيءٍ أَخَّرَهُ اللهُ، كَمَا لَا يَسْتَطِيع تَأْخِيرَ شَيءٍ قَدَّمَهُ اللهُ، وفي رِوَايَةِ القَعْنَبِيِّ: "لَا يَعْجَلُ شَيئًا آنَاهُ وَقَدَّرَهُ"، عَلى أَنْ يَكُوْنَ آنَاهُ فِعْلًا مَاضِيًا، وفي "يُعْجَلُ" ضَمِيرُ فَاعِل يَرْجِعُ إلى اللهِ، وَمَعْنَاهُ عَلَى هَذَا: إِنَّ اللهَ وَقَّتَ لِلأَشيَاءِ مَوَاقِيتَ، فَهُوَ تَعَالى لَا يُقَدِّمُ مِنْهَا شَيئًا قَبْلَ وَقتِهِ وَلَا يُؤَخِّرُ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: "لَا يُعْجِلُ شَيئًا إِنَاهُ وَقَدَّرَهُ" فَالإنَى عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ اسمٌ لَا فِعْلٌ، وتَفْسِيرُهُ كَتَفْسِيرِ فَتْحِ اليَاءِ والجِيمِ (٢). [مَا جَاءَ فِي الحَيَاءِ] - وَ [قوْلُهُ: "دَعْهُ فَإنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ"] [١٠]. لَمَّا (٣) كَانَ الحَيَاءُ يَرْدعُ صَاحِبَهُ عَنِ القَبَائِحِ وَيَصُدُّهُ عَنِ الفَوَاحِشِ كَمَا يَفْعَلُ الإيمَانُ، كَانَ كَأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ مَشَابَهَتُهُ إِيَّاهُ في فِعْلِهِ. والحَيَاءُ مِنْ مَحَاسِنِ الأَخْلَاقِ، والإيمَانُ لَا يَصِحُّ إلا بالتِزَامِ الأخْلَاقِ الجَمِيلَةِ واطِّرَاحِ الذَّمِيمَةِ، وَلِذلِكَ قَال ﷺ : "بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَحَاسَنَ الأَخْلَاقِ" فَلِذلِكَ صَارَ كَأَنَّهُ شعْبَةٌ مِنَ الإيمَانِ.

стр. 803

وَقَدْ حَرَّمَ قَوْمٌ عَلَى أَنْفُسِهِمُ الحمْرَ في الجَاهِلِيَّةِ حَيَاءً وَخجَلًا مِنْ أَنْ يَفْعَلُوا فِعْلًا يُعَابُوْنَ بِهِ، فالتَزَمُوا مِنْ كَرِيمِ الأخْلَاقِ بالحَيَاءِ مِثْلَ مَا أَوْجَبَهُ الإيمَانُ فِمِمَّنْ حَرَّمَ ذلِكَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى بنيهِ: الوَليدُ بنُ المُغِيرَةَ المُخْزُوْمِيُّ (١)، ثُمَّ وَجَدَ رِيحَهَا مَرَّةً مِنْ ابْنِهِ هَاشِمٍ فَجَلَدَهُ الحَدَّ. وَمِنْهُمْ عَامِرُ بنُ الظَّرِبِ العَدْوَانِيُّ (٢)، وَقَال في ذلِكَ:

стр. 804

إِن أَشْرَبِ الخَمْرَ أَشْرَبْهَا لِلَذَّتَهَا ... وإِنْ أَدَعْهَا فَإِنِّي مَاقِتٌ قَالِي [لَوْلَا اللَّذَاذَةُ والفِتْيَانُ لَمْ أَرَهَا ... وَلَا رَأَتْنِيَ إلا مِنْ مَدى الغَالِي] (١) مُحِلَّةٌ (٢) للْفَتَى مَا ليسَ في يَدِهِ ... دهَابَةٌ بِعُقُوْلِ القَوْمِ والمَالِ أَقْسَمْتُ بِاللهِ أَسْقِيهَا وَأَشرَبُهَا ... حَتَّى يُمَزِّقُ تُرْبُ القَبْرِ أَوْصَالِي مورثة القَوْمِ أَضْغَانًا بِلَا إِحَنٍ ... مُزرية بالفَتَى ذِي النَّجْدَةِ الخَالِي وَمِنْهُمْ: قَيسُ بنُ عَاصِمٍ المَنْقِرِيُّ (٣)، غَمَزَ عُكْنَ ابْنَتِهِ وَهُوَ سَكْرَانُ، فَلَمَّا صَحَا

стр. 805

أُخْبِرَ بِذلِكَ فَتَرَكَهَا حَيَاءً وَقَال: لَعَمْرُكَ إِنَّ الخَمْرَ مَا دُمْتُ شَارِبًا ... لَسَالِبَتِي مَالِي ومُذْهِبَةٌ عَقْلِي وَتَارِكَتِي مِنَ الضِّعَافِ قَوَائِمٍ ... وَمُورثَتِي حَرْبَ الصَّدِيقِ بِلَا نَبْلِ وَمِنْهُم: صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ بنُ مُحْرِثٍ الكِنَانِيُّ (١) وَقَال في ذلِكَ: رَأَيتُ الخَمْرَ صَالِحَة وَفِيهَا ... خِصَالٌ تُفْسِدُ الرَّجُلَ الكَرِيمَا فَلَا وَاللهِ أَشْرَبُهَا حَيَاتِي ... وَلَا أَدْعُو لَهَا أَبَدًا نَدِيمًا

стр. 806

فَإِنَّ الخَمْرَ تَفْضَحُ شَارِبِيهَا ... وتَجْشَمُهُمْ مِنَ الأَمْرِ العَظِيمَا فَإِنْ دَارَتْ حُمَيَّاهَا تَعَلَّتْ ... طَوَالِعُ تُفْسِدُ الرَّجُلَ الحَلِيمَا - وَمِنْهُم: البُرْجُ بنُ مُسَهِّرٍ الطَّائيُّ (١)، سَكِرَ فَسَمعَ ابنَتَهُ تَبُوْلُ فَقَال. أَسْمَعُ شَخَّةً، فلابُدَّ أَنْ أَزُخُّهَا زَخَّةً، فَقَامَ إِلَيهَا فَوَطِئِهَا، فَلَمَّا صَحَا وَعَلِمَ بِذلِكَ اسْتَحْيَى، وَتَرَكَ شُرْبَهَا حَتَّى مَاتَ. والشَّخُّ: صَوْتُ البَوْلِ، والزَّخُّ: صَوْتُ النِّكَاحِ (٢).

стр. 807

- وَمِنْهُم: شَيبَةُ بنُ رَبِيعَةَ (١)، وعَبْدُ المُطَّلِبِ بنِ هِشَامٍ (٢)، وَوَرَقَةُ بنُ نَوْفِلٍ (٣)، ومَقِيسُ بنُ قَيسِ بنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيُّ (٤) [وَكَانَ سَكِرَ] فجَعَلَ يَخُطُّ بِبَوْلهِ

стр. 808

وَيَقُوْلُ: بَعِيرٌ أَوْ نَعَامَةٌ، فَلَمَّا صَحَا أُخْبِرَ فَأَقْسَمَ أَنْ لَا يَشْرَبَهَا أَبَدًا وَقَال: رَأَيتُ الخَمْرَ صَالِحَةً وَفِيهَا ... خِصَالٌ كُلُّهَا دَنَسٌ ذَمِيمُ فَلَا وَاللهِ أَشْرَبُهَا حَيَاتِي ... طِوَال الدَّهْرِ مَا طَلَعَ النُّجُوْمُ - وَمِنْهُم: عُبَيدُ اللهِ بنُ جَدْعَانَ (١) سَكِرَ فَجَعَلَ يُسَاورُ القَمَرَ، فَلَمَّا صَحَا أُخْبِرَ بِذلِكَ، فَخَجِلَ وَتَرَكَهَا، وَقِيلَ: بَلْ لَطَمَ نَدِيمَهُ فَأَصْبَحَتْ عَينُهُ مُخْضَرَّة، فَقَال: أَبَلَغَ بِيَ السُّكْرُ أَنْ أُوْذِيَ خَلِيلِي؟ ! فَتَرَكَهَا وَقَال: دعَ الآثَامِ لَا تَقْرَبْ حِمَاهَا ... فَفِي ذَاكَ الجَلَالةُ وَالسَّنَاءُ هَبِ الأدْيَانَ لَا تتَنْهَاكَ عَنْهَا ... أَمَا يَنْهَاكَ لُبُّكَ وَالحَيَاءُ

стр. 809

- وَمِنْهُمْ: عَفِيفُ بنُ مَعْدِي كَرَبِ [بنِ] عَمْرِو بنِ الأشْعَثِ بنِ قَيسٍ (١)، حَرَّمَهَا وَقَال: وَقَائِلَةٍ هَلُمَّ إِلَى التَّصَابِي ... فَقُلْتُ عَفَفْتُ عَنْ مَا تَعْلَمِينَا وَوَدَّعْتُ القِدَاحَ وَقَدْ أَرَانِي ... بِهَا في الدَّهْرِ مَشْغُوْفًا رَهِينًا وَحَرَّمْتُ المُدَامَ عَلَيَّ حَتَّى ... أَكُوْنَ بِقَعْرِ مَلْحُوْدٍ (٢) دَفِينَا - وَمِنْهُمُ: الأَسْلُوْمُ الهَمْدَانِيُّ (٣) وحَرَّمَ الزِّنَا وَقَال في ذلِكَ: سَالمْتُ قَوْمِي بَعْدَ طُوْلِ مَظَاظَةٍ ... وَالسِّلْمُ أَبْقَى في الأُموْرِ وأَعْرَفُ وَتَرَكْتُ شُرْبَ الرَّاحِ وَهْيَ أَثِيرَةٌ ... والمُوْمِسَاتِ وَتَرْكُ ذلِكَ أَشْرَفُ [وَعَفَفْتُ عَنْهُ يَا أُمَيمَ تَكَرُّمًا ... وَكَذَاكَ يَفْعَلُ ذُو الحِجَا المُتَعَفِّفُ] - وَالعَبَّاسُ بنُ مِرْدَاسٍ (٤): تَرَكَهَا فَقِيلَ لَهُ في ذلِكَ فَقَال: لَا أَشْرَبُ شَرَابًا أُصْبِحُ سَيِّدَ قَوْمِي وأُمْسِي سَفِيهَهُمْ. - وَسُوَيدُ بنُ عَدِيِّ بنِ عَمْرِو بنِ سَلَمَةَ (٥): حَرَّمَهَا وأَدْرَكَ الإسْلَامَ فَقَال:

стр. 810

تَرَكْتُ الشِّعْرَ واسْتَبْدَلْتُ مِنْهُ ... إِذَا دَاعِي ضِيَاءِ الصُّبْحِ قَامَا كِتَابَ اللهِ لَيسَ لَهُ شَرِيكٌ ... وَوَدَّعْتُ المُدَامَةَ والنَّدَامَى وَحَرَّمْتُ الخُمُوْرَ وَقَدْ أُرَانِي ... بِهَا سَدِكًا (١) وإِنْ كَانَتْ حَرَامَا - وَذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : "إِذَا لَمْ تَسْتَحْي اصْنع مَا شِئْتَ" (٢). فَقَال: العَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الأَمْرَ في بَعْضِ المَوَاضِعِ في مَعْنَى الشَّرْطِ؛ لِمَا بَينَهُمَا مِنَ المُضَارَعَةِ؛ لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَير وَاجِبٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُفْتَقِرٌ إِلَى جَوَابٍ، وَلَا فَرْقَ بَينَهُمَا غَيرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا شَرْطٌ لَفْظِيٌّ؛ والآخَرُ شَرْط مَعْنَويٌّ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَكَ: إِن تَجِئْنِي أُكْرِمْكَ، فَهَذَا شَرْطٌ لَفْظِيٌّ؛ لأنَّ فِيهِ أَدَاةُ الشَّرْطِ مَلْفُوْظًا بِهَا، وإِذَا قُلْتُ في الأَمْرِ: جِئْنِي أُكْرِمْكَ، فَلَيسَ في اللَّفْظِ أَدَاةٌ من أَدَوَاتِ الشَّرْطِ، لكنَّهَا مَوْجُوْدَةٌ فيه مِنْ طَرِيقِ المَعْنَى لَا مِنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ، فَإِنَّ التَّقْدِيرَ: جِئْنِي فَإِنْ تَجئْنِي أُكْرِمْكَ، فَلَمَّا كَانَتْ بَينَهُمَا هَذِهِ المُنَاسَبَةُ جَازَ أَنْ يَسُدَّ أَحَدُهُمَا مَسَدَّ الآخَرِ، فَمِمَّا سَدَّ فِيهِ الأمْرُ مَسَدَّ الشَّرْطِ قَوْلُهُ: "إِذَا لَمْ تَسْتَحِي فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ" كَأَنَّهُ قَال: إِذَا لَمْ تَسْتَحي صَنَعْتَ مَا شِئْتَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالى (٣): ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَو كَرْهًا
следующие страницы →