← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18194

التعليق على الموطأ في تفسير لغاته وغوامض إعرابه ومعانيه

هشام بن أحمد الوقشي

Полный текст (937 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

فَإِنَّ الخَمْرَ تَفْضَحُ شَارِبِيهَا ... وتَجْشَمُهُمْ مِنَ الأَمْرِ العَظِيمَا فَإِنْ دَارَتْ حُمَيَّاهَا تَعَلَّتْ ... طَوَالِعُ تُفْسِدُ الرَّجُلَ الحَلِيمَا - وَمِنْهُم: البُرْجُ بنُ مُسَهِّرٍ الطَّائيُّ (١)، سَكِرَ فَسَمعَ ابنَتَهُ تَبُوْلُ فَقَال. أَسْمَعُ شَخَّةً، فلابُدَّ أَنْ أَزُخُّهَا زَخَّةً، فَقَامَ إِلَيهَا فَوَطِئِهَا، فَلَمَّا صَحَا وَعَلِمَ بِذلِكَ اسْتَحْيَى، وَتَرَكَ شُرْبَهَا حَتَّى مَاتَ. والشَّخُّ: صَوْتُ البَوْلِ، والزَّخُّ: صَوْتُ النِّكَاحِ (٢).

стр. 807

- وَمِنْهُم: شَيبَةُ بنُ رَبِيعَةَ (١)، وعَبْدُ المُطَّلِبِ بنِ هِشَامٍ (٢)، وَوَرَقَةُ بنُ نَوْفِلٍ (٣)، ومَقِيسُ بنُ قَيسِ بنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيُّ (٤) [وَكَانَ سَكِرَ] فجَعَلَ يَخُطُّ بِبَوْلهِ

стр. 808

وَيَقُوْلُ: بَعِيرٌ أَوْ نَعَامَةٌ، فَلَمَّا صَحَا أُخْبِرَ فَأَقْسَمَ أَنْ لَا يَشْرَبَهَا أَبَدًا وَقَال: رَأَيتُ الخَمْرَ صَالِحَةً وَفِيهَا ... خِصَالٌ كُلُّهَا دَنَسٌ ذَمِيمُ فَلَا وَاللهِ أَشْرَبُهَا حَيَاتِي ... طِوَال الدَّهْرِ مَا طَلَعَ النُّجُوْمُ - وَمِنْهُم: عُبَيدُ اللهِ بنُ جَدْعَانَ (١) سَكِرَ فَجَعَلَ يُسَاورُ القَمَرَ، فَلَمَّا صَحَا أُخْبِرَ بِذلِكَ، فَخَجِلَ وَتَرَكَهَا، وَقِيلَ: بَلْ لَطَمَ نَدِيمَهُ فَأَصْبَحَتْ عَينُهُ مُخْضَرَّة، فَقَال: أَبَلَغَ بِيَ السُّكْرُ أَنْ أُوْذِيَ خَلِيلِي؟ ! فَتَرَكَهَا وَقَال: دعَ الآثَامِ لَا تَقْرَبْ حِمَاهَا ... فَفِي ذَاكَ الجَلَالةُ وَالسَّنَاءُ هَبِ الأدْيَانَ لَا تتَنْهَاكَ عَنْهَا ... أَمَا يَنْهَاكَ لُبُّكَ وَالحَيَاءُ

стр. 809

- وَمِنْهُمْ: عَفِيفُ بنُ مَعْدِي كَرَبِ [بنِ] عَمْرِو بنِ الأشْعَثِ بنِ قَيسٍ (١)، حَرَّمَهَا وَقَال: وَقَائِلَةٍ هَلُمَّ إِلَى التَّصَابِي ... فَقُلْتُ عَفَفْتُ عَنْ مَا تَعْلَمِينَا وَوَدَّعْتُ القِدَاحَ وَقَدْ أَرَانِي ... بِهَا في الدَّهْرِ مَشْغُوْفًا رَهِينًا وَحَرَّمْتُ المُدَامَ عَلَيَّ حَتَّى ... أَكُوْنَ بِقَعْرِ مَلْحُوْدٍ (٢) دَفِينَا - وَمِنْهُمُ: الأَسْلُوْمُ الهَمْدَانِيُّ (٣) وحَرَّمَ الزِّنَا وَقَال في ذلِكَ: سَالمْتُ قَوْمِي بَعْدَ طُوْلِ مَظَاظَةٍ ... وَالسِّلْمُ أَبْقَى في الأُموْرِ وأَعْرَفُ وَتَرَكْتُ شُرْبَ الرَّاحِ وَهْيَ أَثِيرَةٌ ... والمُوْمِسَاتِ وَتَرْكُ ذلِكَ أَشْرَفُ [وَعَفَفْتُ عَنْهُ يَا أُمَيمَ تَكَرُّمًا ... وَكَذَاكَ يَفْعَلُ ذُو الحِجَا المُتَعَفِّفُ] - وَالعَبَّاسُ بنُ مِرْدَاسٍ (٤): تَرَكَهَا فَقِيلَ لَهُ في ذلِكَ فَقَال: لَا أَشْرَبُ شَرَابًا أُصْبِحُ سَيِّدَ قَوْمِي وأُمْسِي سَفِيهَهُمْ. - وَسُوَيدُ بنُ عَدِيِّ بنِ عَمْرِو بنِ سَلَمَةَ (٥): حَرَّمَهَا وأَدْرَكَ الإسْلَامَ فَقَال:

стр. 810

تَرَكْتُ الشِّعْرَ واسْتَبْدَلْتُ مِنْهُ ... إِذَا دَاعِي ضِيَاءِ الصُّبْحِ قَامَا كِتَابَ اللهِ لَيسَ لَهُ شَرِيكٌ ... وَوَدَّعْتُ المُدَامَةَ والنَّدَامَى وَحَرَّمْتُ الخُمُوْرَ وَقَدْ أُرَانِي ... بِهَا سَدِكًا (١) وإِنْ كَانَتْ حَرَامَا - وَذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : "إِذَا لَمْ تَسْتَحْي اصْنع مَا شِئْتَ" (٢). فَقَال: العَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الأَمْرَ في بَعْضِ المَوَاضِعِ في مَعْنَى الشَّرْطِ؛ لِمَا بَينَهُمَا مِنَ المُضَارَعَةِ؛ لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَير وَاجِبٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُفْتَقِرٌ إِلَى جَوَابٍ، وَلَا فَرْقَ بَينَهُمَا غَيرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا شَرْطٌ لَفْظِيٌّ؛ والآخَرُ شَرْط مَعْنَويٌّ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْلَكَ: إِن تَجِئْنِي أُكْرِمْكَ، فَهَذَا شَرْطٌ لَفْظِيٌّ؛ لأنَّ فِيهِ أَدَاةُ الشَّرْطِ مَلْفُوْظًا بِهَا، وإِذَا قُلْتُ في الأَمْرِ: جِئْنِي أُكْرِمْكَ، فَلَيسَ في اللَّفْظِ أَدَاةٌ من أَدَوَاتِ الشَّرْطِ، لكنَّهَا مَوْجُوْدَةٌ فيه مِنْ طَرِيقِ المَعْنَى لَا مِنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ، فَإِنَّ التَّقْدِيرَ: جِئْنِي فَإِنْ تَجئْنِي أُكْرِمْكَ، فَلَمَّا كَانَتْ بَينَهُمَا هَذِهِ المُنَاسَبَةُ جَازَ أَنْ يَسُدَّ أَحَدُهُمَا مَسَدَّ الآخَرِ، فَمِمَّا سَدَّ فِيهِ الأمْرُ مَسَدَّ الشَّرْطِ قَوْلُهُ: "إِذَا لَمْ تَسْتَحِي فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ" كَأَنَّهُ قَال: إِذَا لَمْ تَسْتَحي صَنَعْتَ مَا شِئْتَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالى (٣): ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَو كَرْهًا

стр. 811

لَن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ وَمِثْلُهُ قَوْلُ كُثَيِّرٍ (١): أَسِيئي بِنَا أَوْ أَحْسِنِي لَا مَلُوْمَةٌ ... لَدَينَا وَلَا مَقْلِيَّةٌ إِنْ تَقَلَّتِ مَعْنَاهُ: إِنْ أَسَئْتِ أَوْ أَحْسَنْتِ لَمْ أَلُمْكِ؛ لأَنِّي رَاضٍ بِذلِكَ مِنْكِ، وَلَمْ يَأمُرُهَا بِأَنْ تُسِيءَ إِلَيهِ. وَلِلأَمْرِ مَعَانٍ كَثيرَةٌ في كَلَامِ العَرَبِ مِثْلِ الأمْرِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الإيجَابُ، والَّذِي يُرَادُ بِهِ الإبَاحَةُ، والَّذِي يُرَادُ بِهِ الوَعِيدُ، والَّذِي يُرَادُ بِهِ التَّعْجِيزُ، والَّذِي يُرَادُ بِهِ الشَّرْطُ وَغَيرُ ذلِكَ. وَقَدْ نَظَمَ حَبِيبُ بن أَوْسٍ (٢) مَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ فَقَال: يَعْيشُ المَرْءُ مَا اسْتَحْيَى بِخَيرٍ ... وَيَبْقَى العُوْدُ مَا بَقِيَ اللَّحَاءُ فَلَا وَاللهِ ما في العَيشُ خَيرٌ ... وَلَا الدُّنْيَا إِذَا ذهَبَ الحَيَاءُ إِذَا لَمْ تَخْشَ عَاقِبَةَ اللَّيَالِي ... وَلَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا تَشَاءُ

стр. 812

[كِتابُ حُسْن الخُلُقِ] (١) - قَوْلُهُ (٢): "وَضَعْتُ رِجْلِي في الغَرْزِ"] [١]. الغَرْزُ للرَّحْلِ: كَالرِّكَابِ للسَّرْجِ. [مَا جَاءَ في حُسْنِ الخُلُقِ] - ويُرْوَى: "حُسْنُ الأَخْلَاقِ" و"حَسَنُ الأَخْلَاقِ". - وَ [قَوْلُهُ: "بِئْسَ ابنُ العَشِيرَةِ"] [٤]. يُرْوَى: "بِئْسَ ابنُ العَشِيرَةِ"، وَ"بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ". [مَا جَاءَ في الغَضَبِ] - قَوْلُهُ: "عَلِّمْنِي (٣) كَلِمَاتٍ" [١١]. أَي: قُلْ لِي كَلَامًا قَلِيلًا، وَلَا تُكْثِرُ عَلَيَّ. - وَقَوْلُهُ: "لَا تَغْضَبْ". أَي: لَا تَغْضَبْ غَضَبًا يُخْرِجُكَ إِلَى غَيرِ الوَاجِبِ، فَحَذَفَ لَمَّا كَانَ في مَجْرَى الكَلَامِ دَلِيلٌ عَلَيهِ، وَمِثْلُهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (٤): ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزَنًا﴾ أي: وَزْنًا نَافِعًا. والغَضَبُ وإِنْ كَانَ خُلُقًا وغَرِيزَةً فَإِنَّ الإنْسَانَ يُمْكِنُةُ أَنْ يُغَالِبَهُ بِصَدِّه حَتَّى يَضْعُفَ، ويَطُوْلَ صَدُّهُ عَلَيه حَتَّى يَمْلِكَهُ ثُمَّ يَصْرِفَهُ

стр. 813

بِحَسَبِ إِرَادَتِهِ، وَبِهَذَا المَعْنَى فَارَقَ الإنْسَانُ البَهِيمَةَ، واسْتَوْجَبَ الثَّوَابَ والعِقَابَ. - وَقَوْلُهُ: "لَيسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ"] [١٢]. الصُّرَعَةُ: الَّذِي يَصْرَعُ الرَّجُلَ لِقُوَّتِهِ، بِفَتْحِ الرَّاءِ وضَمِّ الصَّادِ. وبإِسكَانِ الرَّاءِ الَّدي يَصْرَعُهُ الرَّجُلُ. وَمِثْلُهُ: لُعْنَة ولُعَنَةٌ، وسُبَّةٌ وسُبَبَةٌ، وسُخْرَةٌ وسُخَرَةٌ. وَمَعْنَى هَذَا الحَدِيثِ: أنَّ قُوَّةَ النَّفْسِ أَحْسَنُ مِنْ قُوَّةِ الجِسْمِ، وَلَيسَ في هَذَا الحَدِيثِ مَا يَنْفِي أَنْ يُسَمَّى الَّذِي يَصْرَعُ الرِّجَال صُرَعَةً وإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّ المَالِكَ لِنَفْسِهِ أَحْرَى بِأَن يُسَمَّى شَدِيدًا، وإِنْ كَانَ الصُّرَعَةُ يُسَمَّى كَذلِكَ. قَال أَبُو تَمَّامٍ يَمْدَحُ المَأْمُوْنَ (١): والصَّبْرُ بالأَرْوَاحِ يُعْرَفُ فَضْلُهُ ... صَبْرُ المُلُوكِ وَلَيسَ بالأجْسَامِ وَقَال آخرُ: صَبَرْتُ عَلَى مَا لَوْ تَحَمَّلَ بَعْضَهُ ... جِبَالُ شَرَوْرَى (٢) أَوْشَكَتْ تَتَصَدَّعُ [مَا جَاءَ في المُهَاجرَةِ] [قَوْلُهُ: "أنْ يُهَاجِرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ"] [١٣]. في رِوَايَةَ يَحْيَى: "يُهَاجِرُ" وفي

стр. 814

رواية غَيرِهِ "يَهْجُرُ" ويُهَاجِرُ: لَا يَكُوْنُ إلَّا مِنْ اثْنَينِ فَصَاعِدًا، والهَجْرُ فِعْلُ الوَاحِدِ. وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ الاهْتِجَارُ بِمَعْنَى المُهَاجَرَة يُقَالُ: اهتَجَرَ الرَّجُلَانِ (١) بِمَعْنَى اقْتَتَلَا. قَال عَبْدُ الرَّحْمن بنُ حَسَّانَ (٢): بُلِينَا بِهِجْرَانٍ وَلَمْ أَرَ مِثْلَنَا ... مِنَ النَّاسِ إِنْسَانَينِ يَهْتَجِرَانِ - وَ [قَوْلُهُ: "لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا"] [١٤]. التَّدَبُرُ: التَّقاطُعُ؛ لأنَّ المُتَقَاطِعَينِ يُوَلِّي كُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ دُبُرَهُ. والحَسَدُ نَوْعَانِ: مَحْمُوْدٌ، وَهِيَ المُنَافَسَةُ في الخَيرِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ ابنِ مَسْعُوْدٍ: "لَا حَسَدَ إلا في اثْنتينِ"، ومَذْمُوْمٌ، وهو أَنْ يَسُوْءَهُ مَا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَى أَخِيهِ ويَتَمَنَّى سَلْبَ نِعْمَتِهِ، فَهَذَا الحَسَدُ إِذَا لَمْ يَتْبَعُهُ بَغْيٌ وتَعَدٍّ فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. - وَ [قَوْلُهُ: "لَا تَجَسَّسُوا ولَا تَحَسَّسُوا"] [١٥]. التَّحَسُّسُ: التَّسَمُّعُ لِحِسِّ الشَّيءِ وَحَرَكَتِهِ. وَبِالجِيمِ: تَعَرُّفُ الأَخْبَارِ والبَحْثِ عَنْهَا. - وَ [قَوْلُهُ: "تَصَافَحُوا يَذْهَبُ الغِلُّ"] [١٦]. التَّصَافُحُ: أَنْ يُصَافِحُ الرَّجُلُ صَفْحَةَ كَفِّهِ في صَفْحَةِ كَفِّ صَاحِبِهِ، وَتَكُوْنُ مُعَانَقَةً وبِغَيرِ مُعَانَقَةٍ. - وَقَوْلُهُ: "إلا رَجُلًا" [١٧]. النَّصْبُ عَلَى الاسْتِثناءِ هُوَ الوَجْهُ، وأَمَّا الرَّفْعُ فَهُوَ خَطَأ، لَا وَجْهَ لَهُ، وَلَوْ خَفَضَهُ خَافِضٌ عَلَى الصَّفَةِ لِـ"كُلٍّ" [وَجَعَلَ "إلَّا" بمعنى "غَير"] أَو البَدَلِ مِثْهُ لَكَانَ غَيرَ مُمْتَنِعٍ فَيَكُوْنُ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ (٣):

стр. 815

وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوْهُ ... البيت - وَ [قَوْلُهُ: "أَوْ أَرْكُو هَذَينِ ... "] [١٨]. مَعْنَى "أَرْكُوا": أَرْجُوا (١)، وَمَعْنَاهُ كَمَعْنَى أَرْجَأْتُ الأَمْرَ وأَرْجَيتُهُ، وَكَأَنَّ صَاحبَ هَذِهِ اللُّغَةِ كَانَ أَلْثَغَ اللِّسَانِ فَصَيَّرَ الجِيمَ كَافًا كَمَا صَيَّرَهَا بَعْضُ اللُّثغْ قَافًا، فَقَال: اللُّقَامُ، أَرَادَ اللِّجَامَ. وَحَكَى اللُّغَويُّوْنَ: أَزْكَنْتُهُ (٢) الأمْرَ أي: أَلْزَمْتُهُ إِيَّاهُ فَيَكُوْنُ المَعْنَى عَلَى هَذا: أَلْزِمُوا هَذَينِ ذُنُوْبَهُمَا حَتَّى يَفِيئًا، أي: يَرْجِعَا إِلَى مَا كَانَا عَلَيهِ من التَّوَادِّ.

стр. 816

[كِتَابُ اللِّبَاسِ] (١) [مَا جَاءَ في لُبس الثِّيابِ لِلْجَمَالِ بِهَا] -[قَوْلُهُ]: "جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيه ثِيَابَهُ" [٣]. لَفْظُهُ لَفْظُ الخَبَرِ وَمَعْنَاهُ الأمْرُ؛ أَي: لِيَلْبَس جَمِيع ثِيَابِهِ في المَوَاضِعِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلى التَّجَمُّلِ فِيهَا كَالجُمْعَةِ والعِيدَينِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الخَطِيبِ: فاتَّقَى عَبْدٌ رَبَّهُ، ونَصَحَ لِنَفْسِهِ، أَي: لِيَتَّقِ وَليَنْصَحْ. وَقَوْلُهُمْ: غَفَرَ اللهُ لَكَ، لَفْظُهُ لَفْظُ (٢) الخَبَرِ، ومَعْنَاهُ الدُّعَاءُ، وَمِثْلُهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (٣): ﴿وَالْوَالِدَتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ﴾. -[قَوْلُهُ: "فَوَجَدْتُ فِيهَا جَرْوَ قِثَّاءٍ"] [١]. الجَرْوُ: الصَّغِيرُ منَ القِثَّاءِ. [مَا جَاءَ في لُبْسِ الثِّيَابِ المُصَبَّغَةِ والذَّهَبِ] أَجَازَ التَّخَتُّمَ بالذَّهَبِ [جَمَاعَةٌ] وتَخَتَّم بِهِ حُذَيفَةُ بنُ اليَمَانِ (٤) وَطَلْحَةُ بنُ عُبَيدِ الله، وَسَعْدُ (٥) بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَنَسُ بنُ مَالِكٍ، وَجَابِرُ بنُ سَمُرَةَ، وإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وعَبْدُ اللهِ بنُ يَزِيدَ الخَطْمِيُّ (٦). ذَكَرَ ذلِكَ ابنُ أَبِي شَيبَةَ.

стр. 817

- وَقَوْلُ مَالِكٍ - في رِوَايَةِ ابن القَاسِمِ -: "أنَّ سُدَاهُ". تَقْدِيرُهُ: لأنَّ، هُوَ مَفْعُوْلٌ لَهُ، ويُسَمَّى أَيضًا مَفْعُوْلًا مِنْ أَجْلِهِ، والعَرَبُ تُظْهِرُ هَذِهِ اللَّام تَارَةً، وتَحْذِفُهَا تَارَةً، فَيَقُوْلُوْنَ: جِئْتكَ أَنَّكَ تُحِبُّ الخَيرَ، وَلأنَّكَ كَمَا قَال (١): وَمَا هَجَرَتْكَ النَّفْسُ يَا حَيُّ أَنَّهَا ... قَلَتكَ وَلَا أَنْ قَلَّ مِنْكَ نَصِيبُهَا وَلكِنَّهُمْ يَا أَمْلَحَ النَّاسِ أُوْلِعُوا ... بِقَوْلِ إِذَا مَا جِئْتُ هَذَا حَبِيبُهَا [مَا يُكْرَهُ للنِّسَاءِ لُبْسُهُ مِنَ الثِّيَابِ] -[قَوْلُهُ: "مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ"] [٧]. المَائِلَاتُ: هُنَّ اللَّاتِي إِذَا مَشَينَ مِلْنَ في أَعْطَافِهِنَّ وَتَبَخْتَرْنَ. والمُمِيلَاتُ: المُصْبِيَاتُ اللَّوَاتِي يُمِلْنَ إِلَيهِنَّ قُلُوْبِ الرِّجَالِ، أَوْ يَتبَرَّجْنَ فَيُمِلْنَ الخُمُرَ رُؤُوسِهِنَّ لتُنْظَرَ وُجُوهُهُنَّ وشُعُوْرُهُنَّ، والمَرْأةُ الجَمِيلَةُ تَتَعَرَّضُ لأنْ تُرَى وتَنْكَشِفَ. قَال ابنُ أَبِي رَبِيعَةَ (٢).

стр. 818

فَلَمَّا تَلَاقَينَا وَسَلَّمْتُ أَشَرَفَتْ ... وُجُوْهٌ زَهَاهَا الحُسْنُ أَنْ تَتَقَنَّعَا وَقَال أَبُو النَّجْمِ (١): مَائِلَةُ الخُمْرَةِ والكَلَامِ باللَّغْو بَينَ الحِلِّ والحَرَامِ يُرِيدُ مِزَاحُهَا مِنْهُ؛ لأنَّهَا تُطْمِعُ بِنَفْسِهَا فَتُظَنُّ قَرِيبَةً وَهِيَ بَعِيدَةٌ. وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ، وَذلِكَ: أَنْ يُجْعَلَ المُمِيلَاتُ مِنَ المِشْطَةِ المَيلَاءِ (٢)، وَهِيَ مِشْطَةٌ مَعْرُوْفَةٌ كُنَّ يُمِلْنَ فِيهَا العِقَاصَ وَهِي النَّوَاصِي. وَمِنْهُ حَدِيثُ ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ امْرَأَةً قَالتْ لَهُ: إِنِّي أَمْتَشَطُ المَيلَاءَ، فَقَال لَهَا عِكْرِمَةُ: رَأَسُكِ تَبَعٌ لِقَلْبِكِ، فَإِنْ صَلَحَ اسْتَقَامَ رَأْسُكِ. وَقَال أَبُو عُمَرَ بنُ عَبْدِ البَرِّ: المَائِلَاتُ عَن الحَقِّ، المُمِيلَاتُ أَهْوَاءَ أَزْوَاجِهِنَّ إِلَيهِنَّ (٣)، ولَا أعْلَمُ مِنْ أَينَ نَقَلَ هَذَا التَّفْسِيرَ؟ ! .

стр. 819

[مَا جَاءَ في إِسْبَالِ الرَّجلِ ثَوْبَه] - قَوْلُهُ: "الَّذِي يَجُرُّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ ... "] [٩]. يُقَالُ: "خِيَلَاءُ" - بِكَسْرَ الخَاءِ وضَمِّهَا - وَخَالٌ ومَخِيلَةٌ: كُلُّ ذلِكَ بِمَعْنَى التَّكَبُّرِ، والمَرَحُ والبَطَرُ نَحْوُهُ. وفي الحَدِيثِ: "إِنَّ النَّبِيَّ [ ﷺ ]، قَال لأبِي جَرِيٍّ جَابِرِ بنِ سُلَيمٍ (١): إِيَّاكَ المَخْيَلَةَ، فَقَال أَبُو جَرِيٍّ: نَحْنُ قَوْمٌ عَرَبٌ فَمَا المَخْيَلَةُ؟ قَال: سَبْلُ الإِزَارِ". -[قَوْلُهُ: "إزْرَةُ المُؤْمِنِ"] [١٢]. الإزْرَةُ: هَيئَةُ الإِزَارِ كَالجِلْسَةِ والرِّكْبَةِ. - وَقَوْلُهُ: "مَا أَسْفَلَ مِنْ ذلِكَ فَفِي النَّارِ". "أَسْفَلَ" مَنْصُوْبٌ عَلَى الظَّرْفِ،

стр. 820

كَقَوْلهِ [تَعَالى] (١): ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ وَلَوْ قِيلَ: مَا أَسْفَلَ (٢) مِنْ ذلِكَ، وَمَا انْسَفَلَ مِنْ ذلِكَ لَكَانَ وَجْهًا لَوْلَا الرِّوَايَةُ. وَمَعْنَى ذلِكَ: مَا تَحْتَ ذلِكَ مِنَ الجِسْمِ فَفِي النَّارِ، وَهُوَ نَحْوَ قَوْلهِ [تَعَالى] (٣): ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾ وَإِنَّمَا الكَاذِبُ صَاحِبُهَا. وَقَدْ سُئِلَ نَافِعٌ عَنْ هَذَا فَقَال: وَمَا تَحْتَ (٤) الثِّيَابِ فَحُكُمُهَا حُكْمُهُ. وسُئِلَ سَالِمُ بنُ عَبْدِ اللهِ عَنْ ذلِكَ هَلْ هُوَ في الإزَارِ خَاصَّةً؟ فَقَال: بَلْ وَفِي القَمِيصِ والرِّدَاءِ والعِمَامَةِ، وَقَدْ قَال ﷺ : "لَا يَنْظُرُ اللهُ إلى مَنْ تَحْتَ ثَوْبِهِ خُيَلَاء"، وَهَذَا عَامٌّ في كُلِّ ثَوْبٍ. [مَا جَاءَ في الانْتِعَالِ] -[قَوْلُهُ. "أَتَدْرِي مَا كَانَتْ نَعْلَا مُوْسَى [﵇] " [١٦] الحَسَنُ ومُجَاهِدٌ: كَانَتْ نَعْلَا مُوْسَى مِنْ جُلُوْدِ البَّقَرِ، وإِنَّمَا أُمِرَ بُحلْعِهَا لِيُبَاشِرَ بَرَكَةَ الأرْضِ بِقَدَمِهِ (٥).

стр. 821

- و [قَوْلُهُ تَعَالى (١): ﴿بالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. مَنْ ضَمَّ الطَّاءِ مِنْ "طُوَى" جَعَلَهُ اسمَ الوَادِي، ومَنْ كَسَرَهَا فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا لُغَةٌ في "طُوَى". والثَّانِي: أَنْ يَكُوْنَ مَعْنَاهُ المُقَدَّسَ مَرَّتَينِ (٢)، واحْتَجُّوا بِقَوْلِ عَدِيِّ بنِ زَيدٍ (٣). أَعَاذِلُ إِنَّ اللَّوْمَ في غَيرِ كُنْهِهِ ... عَلَيَّ طُوًى من غَيِّكِ المُتَرَدِّدِ ويُرْوَى: "عَلَيَّ ثُنًى" ومَعْنَاهُ بِمَعْنَى طُوًى. - وَقَوْلُهُ: "مَا كَانَتَا ... ". هكَذَا الرِّوَايَةُ عَلَى لُغَةِ أَكَلُوْنِي البَرَاغِيثُ، وَهِيَ غَيرُ فَصِيحَةٍ، وَكَانَ الوَجْهُ: مَا كَانَتْ. [مَا جَاءَ فِي لُبس الثِّيَابِ] -[قَوْلُهُ: "رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ"]: السِّيَرَاءُ: ضَرْبٌ مِنَ الثِّيَابِ المُخَطَّطَةِ (٤)،

стр. 822

ويُقَالُ: إِنَّهَا ثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ بالقَزِّ وَكَذلِكَ فَسَّرَهَا ابنُ شِهَابٍ. وَقَال الطُّوْسِيُّ: هي ضَرْبٌ من البُرُوْدِ، ويُقَالُ لَهُ: "أَمْرَعْتَ فانزِل" (١) وَمَعْنَى ذلِكَ: وَجَدْتَ مَكَانًا مُمْرِعًا، أَي: مُخْصِبًا، شبَّهُوا الألْوَانَ المُخْتَلِفَةَ في الثَّوْبِ بالمَكَانِ المُخْصبِ الَّذِي فيه أَنْوَاعُ الزَّهْرِ، قَال (٢): * وَمَا شُمْتَ من خَزٍّ وَأَمْرَعْتَ فانْزِلِ * واخْتَلَفَ اللُّغَويُّون والفُقَهَاءُ في السِّيَرَاءِ هَلْ هُوَ حَرِيرٌ وَحْدَهُ، أَوْ بَعْضُهُ حَرِيرٌ، وبَعْضُهُ غَيرُ حَرِيرٍ فَقَال الخَلِيلُ (٣): لَيسَ بِحَرِيرٍ مَحْضٍ، وأَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى أَنَّه حَرِيرٌ مَحْضٌ، وأَجْمَعَ الفُقَهَاءُ علَى أَنَّه لَا يَجُوْزُ للرِّجَالِ لِبَاسُ الحَرِيرِ المَحْضِ الَّذي لَا يُخَالِطُهُ غَيرُهُ، وَهُوَ الَّذِي يُشِيرُ [إِلَيهِ] المُصَنِّفُ. واخْتَلَفُوا في القَلِيلِ مِنْهُ يَكُوْنُ في الثَّوْبِ نَحْوَ القَلَمِ واللَّوْقِ (٤)، وفي الثَّوْبِ يَكُوْنُ سُدَاهُ حَرِيرًا، ولُحْمَتُهُ

стр. 823

غَيرُ حَرِيرٍ. ويَجُوْزُ أَنْ يُقَال: حُلَّةٌ سِيَرَاءُ فَتكوْن سِيَرَاءُ صِفَةً لِحُلَّةٍ وإِنْ شِئْتَ تَفْسِيرًا وتَمْيِيزًا، ويَجُوْزُ أنْ تَقُوْلَ: حُلَّةُ سِيرَاءَ على الإضَافَةِ من غَيرِ تَنْوينٍ، كَمَا تَقُوْلُ: ثَوْبُ خَزٍّ، وَثَوْبٌ خَزٌّ، وَهَذَا قِيَاسٌ مُسْتَمِرٌ في جَمِيع الأجْنَاسِ. قَال (١): ذَرْ عَنْكَ لَوْمِي إِنَّه إِغْرَاءُ ... والقَلْبُ حَيثُ الحُلَّةُ السّيَرَاءُ - وَ [قَوْلُهُ: "مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ". الخَلَاقُ: النَّصِيبُ وَالحَظُّ. - قَوْلُهُ: "قَدْ رَقَعَ بَينَ كَتِفَيهِ بِرُقَعٍ". ويُرْوَى: "بِرقَاعٍ". "بَينَ" في هَذَا المَوْضِعِ اسمٌ للفُرْجَةِ المُنْفَرِجَةِ بَينَ الكَتِفِ إِلَى الكَتِفِ، وَلَيسَ بِظَوْفٍ، وانْتِصَابُهَا انْتِصَابَ المَفْعُوْلِ بِهِ، كَمَا تَقُوْلُ: سَدَدْتُ بَينَ الحَائِطَينِ، وهو اسمٌ يَجْرِي بِوُجُوْهِ الإعْرَابِ، قَال أَبُو الأسْوَدِ (٢): يُدِيرُوْنَنِي عَنْ سَالِمٍ وَأُدِيرُهُمْ ... وَجِلْدَةُ بَينَ العَينِ وَالأَنْفِ سَالِمُ

стр. 824

[كِتَابُ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ -] (١) [مَا جَاءَ في صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ -] -[قَوْلُهُ: "لَيسَ بالطَّويلِ البَائِنِ"] [١]. الطَّويلُ البَائِنُ: هو المُفْرِطُ [في] الطُّوْلِ. - وَ [قَوْلُهُ: "لَيسَ بالأبْيضَ الأمْهَقِ"] الأمْهَقُ: هُوَ الَّذِي يُفْرِطُ بَيَاضِهِ حَتَّى يَصِيرَ كَالبَرَصِ. وَ [قَوْلُهُ: "وَلَا بِالآدَم"]. والآدَمُ منَ الرِّجَالِ: الأسْمَرُ اللَّوْنِ، وَمِنَ الإبِلِ: الأبْيَضُ اللَّوْنِ، ومن الظِّبَاءِ: الأسْوْدُ الظَّهْرِ الأبْيَضُ البَطْنِ. -[قَوْلُهُ: "وَلَا بالجَعْدِ القَطَطِ"]. القَطَطُ: الشَّدِيدُ الجُعُوْدَةِ، والسَّبْطُ: ضِدُّهُ. ويُقَالُ: سَبَطٌ وسَبْطٌ. [مَا جَاءَ في صِفَةِ عِيسَى بنِ مَرْيَمَ ﵇ والدَّجَالِ] - قَوْلُهُ: "أَرَانِي اللَّيلَةَ" [٢]. كَلَامٌ فيه حَذْفٌ واخْتِصَارٌ، والتَّقْدِيرُ: كُنْتُ أَرَانِي، وَمِثْلُهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (٢): ﴿وَاتَّبَعُوْا مَا تَتْلُوا الْشَّيَاطِينُ﴾ أَي: مَا تَلَتْهُ، وهَذَا مَذْهَبُ الكِسَائِيِّ (٣)، وَعَلَى هَذَا تُأُوِّلَ قَوْلُ الرَّاجِزِ (٤):

стр. 825

جَارِيَةٌ في رَمَضَانَ المَاضِي تُقَطِّعُ الحَدِيثَ بالإيمَاضِ أَي: كانَت تُقَطِّع. والبَصْريُّوْنَ لَا يُجِيزُوْن هَذَا وَيَذْهَبُوْنَ فِيهِ إِلَى أَنّهَا حَالٌ مَحْكِيَّةٌ تَقْدِيرُهُ: -عَلَى مَذْهَبِهِم- كأَنِّي الآنَ أَرَى نَفْسِي عِنْدَ الكَعْبَةِ، كَمَا تَقُوْلُ: كَأنَّي أَنْظُرُ إِلَى كَذَا، تُرِيدُ إِنَّكَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ في حَالِكَ الَّتِي تُخْبِرُ فِيهَا بِمَا رَأَيتَهُ، وأَمَّا قَوْلُ زُهَيرٍ (١): أَرَاني إِذَا مَا بُتُّ بُتُّ عَلَى هَوًى ... وَأنِّي إِذَا أَصْبَحْتُ أَصْبَحْتُ غَادِيَا فَهُوَ يُشْبِهُ هَذَا في أَنَّه أَخْبَرَ عَنْ حَالِهِ الَّتي هُوَ فِيهَا، وَلَكنْ يُخَالِفُهُ في أَنَّهُ لَا يَحْكِي حَالًا مَاضِيَةً، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّه فَهِمَ أَمْرَ الزَّمَانِ، وَجَعَلَ في مَرْتَبَةِ مَنْ يَرَاهُ بِعَينِ البَصِيرَةِ. وَهَذِهِ الرُّؤية الَّتِي ذَكَرَهَا كَانَتْ رُؤْيَةَ نَوْمٍ، وذلِكَ بَيِّنٌ في حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ: "بَينَا أَنَا أَطُوْفُ بالكَعْبَةِ ... " الحديث.

стр. 826

- وَ [قَوْلُهُ]: "فَرَأَيتُ رَجُلًا آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ"]. وَصْفُهُ عِيسَى بالأَدْمَةِ، وَقَدْ وَصَفهُ ابنُ زمل في حَدِيثِ رُؤْيَاهُ بالبَيَاضِ (١) وكَذلِكَ في حَدِيثِ نزوْلِهِ إِلَى الأرْضِ فَقَال ﷺ . "رَجُلٌ مَرْبُوْعٌ إلَى الحُمْرَةِ والبَيَاضِ" فاعْلَمْ أَنَّ الأُدْمَةَ تَكُوْنُ شَدِيدَةً فَتُقَارِبُ السَّوَادَ، وَتَكُوْنُ يَسِيرَةَ فَلَا يَخْرُجُ اللَّوْنُ بِهَا عَنِ البَيَاضِ خُرُوْجًا كَثيرًا، والبَيَاضُ قَدْ يَكُوْنُ كَثيرًا فَيُقَالُ: أَبْيَضُ نَاصِعٌ، وَقَدْ يَكُوْنُ غَيرَ نَاصِعٍ، فَيُقَالُ: أَبْيَضُ أَكْهَبُ. والحُمْرَةُ قَدْ تَكُوْنُ خَالِصَةً فَيُقَالُ: أَحْمَرُ عَضْبٌ، وَقَدْ تَكُوْنُ كُدْرَة فَيُقَالُ: أَحْمَرُ أَكْلَفُ، وَقَدْ يُخَالِطُهَا سَوَادٌ فَيُقَالُ: أَحْمَرُ أَدْبَسُ. وَيُقَوِّي هَذَا أَنّهُمْ قَالُوا: إِلَى الحُمْرَةِ والبَيَاضِ، وَلَمْ يَقُوْلُوا: أَحْمَرُ أَبْيَضُ على الإطْلَاقِ. -[قَوْلُهُ: "أعْوَرِ اليُمْنَى"]. اخْتُلِفَ في عَوَرِ الدَّجَّالِ في أَيِّ عَينَيهِ هُوَ (٢)؟ فَفِي حَدِيثِ سَمُرَةَ: اليُسْرَى، وفي حَدِيثِ حُذَيفَةَ - كَذلِك، خرَّجه مُسْلِمٌ - وفي سَائِرِ الأحَادِيثِ: اليُمْنَى. وَالمَسِيحُ الدَّجَّالُ عَلَى لَفْظِ المَسِيحِ عِيسَى بنِ مَرْيَمَ،

стр. 827

وَسُمِّيَا بذلِكَ لِجَوَلَانِهِمَا في الأرْضِ. وقيلَ: سُمِّي عِيسَى مَسِيحًا (١) لِحْسْنِ وَجْهِهِ. والمَسِيحُ - في اللُّغَةِ - الجَمِيلُ الوَجْهِ. والمِسْحُ: قِطَعُ الفِضَّة، وقِيلَ: سُمَّيَ بذلِك؛ لأنَّه مُسِحَ عِنْدَ وَلَادَتِهِ بالدُّهْنِ، وقَيلَ: ... - وَ [قَوْلُهُ: "كَالعِنَبَةِ الطَّافِيَةِ"]. الطَّافِيَةُ: الَّتي تَثُوْرُ عَلَى غَيرهَا مِنْ حَبِّ العُنقود. وقيل: "المَسِيحُ" مُعَرَّبُ مشيحا بالعَبْرَانِيَّة (٢). وقيلَ (٣): سُمِّيَ المَسِيحُ؛ [لأنَّه مَمسُـ]ـوحَ العَينِ. وقيلَ: المَسِيحُ: الكَذَّابُ، والدَّجَّالُ: الكَذَّابُ. وقيلَ: المُمَوِّهُ المُمَخْرِقُ. و"الدَّجَّالُ" - في اللُّغَةِ - مَاءُ الذَّهَبِ الَّذِي يُطْلَى بِهِ الشَّيءُ، سُمِّيَ الدَّجَّالُ

стр. 828

بذلِكَ؛ لأنَّه يُحَسِّنُ البَاطِلَ. ويُقَال -أَيضًا-: دَجَلْتُ البَعِير: إِذَا طَلَيتَهُ بالقَطِرَانِ فَسُمِّيَ دَجَّالًا؛ لأنَّه يُغَيِّر النَّاس بِشَرِّهِ، كَمَا يُقَالُ: أَلْمَحَنِي فُلان بِشَرٌ. - قَوْلُهُ: "فَإذَا أنا بِرَجُلٍ". العَرَبُ تَقُوْلُ: خَرَجْتُ فَإِذَا زَيد يَأكلُ، وخَرَجْتُ فَإِذَا أَنَا بِزَيدٍ يَأْكُلُ. فَيَذْكُرُوْنَ البَاءَ تَارَةً، ويَحْذِفوْنَهَا تَارَةً، فَإِذَا ذَكَرُوا بَعْدَ "إِذَا" ضَمِيرَ مُتكَلّم أَوْ مُخَاطَبٍ أَوْ غَائِبٍ، لَمْ يَكُنْ بُد مِنْ ذِكْرِ البَاءِ. تَقُوْلُ: خَرَجْتُ فَإِذَا أَنَا بِزَيدٍ يَأْكُلُ، وخَرَجَ عَمْرٌو فَإِذَا هُوَ بِخَالِدٍ (١) يَنْتَظِرُهُ، فَيَجِبُ أَنْ نَنْظُرَ في هَذِهِ البَاءِ بِمَ تَتَعَلَّقُ في المَسْأَلتينِ؟ وَلِمَ لَمْ يَكُنْ بُدّ مِنَ البَاءِ مَعَ ذِكْرِ الضَّمَائِرِ؟ وَهَلِ البَاءُ في مِثْلِ هَذِهِ المَسَائِلِ بِمَنْزِلَتِهَا في قَوْلهِمْ: خَرَجْتُ فَإِذَا زَيد بالفَرَسِ وَاقِفًا؟ وَهَذِه المَسَائِلُ لَا تَلِيقُ بِهَذَا المَوْضِعِ (٢). [مَا جَاءَ في السُّنَّة في الفِطْرَةِ] -[قَوْلُهُ: "خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَة"] [٣]. قَال أَبُو حَاتِم: الفِطْرَةُ ابتِدَاءُ الخِلْقَةِ، فالإنْسَانُ مَفْطُوْرٌ لَيسَ عليه شَارِبٌ، ولا لِحْيَةٌ، ولا عَانةٌ، ولا شَعْر إِبطٍ، وفُطُوْرُهُ: ظُهُوْرُهُ من بَطْنِ أُمّه، فَأُمِرَ بِنَتْفِ هَذ الأشْيَاءِ وَإِزَالتِهَا؛ ليَكُوْنَ علَى الفِطْرَةِ، أَي: عَلَى أَصْلِ الخِلْقَةِ، طَاهِرًا مِنَ الأدْنَاسِ، وَهَذَا يَنْتَقِضُ بالاخْتِتَانِ، فَلَيسَ الإنْسَانُ مَفْطُوْرًا بِهِ (٣). والأشْبَهُ أَنْ يُرَادَ بالفِطْرَةِ: الدِّينِ؛ لأنَّ الإسْلامَ يُسَمَّى فِطْرَةً

стр. 829

أَيضا، كَمَا يُسَمَّى ابْتِدَاءُ الخِلْقَةِ، وكُلُّ شَيء فَطَرْتَهُ فَقَدْ بَدَأْتَهُ، يُقَالُ: فَطَرْتُ البِئْرَ: إِذَا ابْتَدَأْتَ حَفْرَهَا، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا: "بُنِيَ الإسْلامُ عَلَى النَّظَافَةِ" ويُرْوَى: "عَلَى الطهَارة" وجَعَلَ الشِّرْكَ نَجَاسَة، وَهَذَا يُوْجِبُ أَنْ يكوْنَ النَّجَاسَةُ في البَاطِنِ كَمَا تكوْنُ في الظَّاهِرِ؛ لأنَّ المُشْرِكَ إِنَّمَا نَجَاسَتُهُ بِسُوْءِ اعْتِقَادِهِ، وإِنْ كَانَ طَاهِرَ البَدَنِ. - وَ [قَوْلُهُ: "كَانَ إبْرَاهِيمُ أوَّلَ النَّاسِ ضَيف الضَّيفَ وأوَّلُ النَّاسِ اخْتَتَنَ"] [٤]. اختَتَنَ إِبْرَاهِيمُ بالقَدُّوْمِ -مُشَدَّدًا- وهو ابنُ مَائةٍ وعِشْرِينَ سَنة، وَعَاشَ بَعْدَ ذلِكَ ثَمَانِينَ سَنَةً. والقَدُّوْمُ: مَوْضِع (١). - ويُقَالُ: زَنَقَ الرجُلُ إِبطَهُ يزنُقُه زنْقًا: إِذَا نَتفهُ. واسْتَحَدَّ اسْتِحْدَادًا، واستَعَانَ اسْتِعَانَة: إِذَا حَلَقَ عَانَتَهُ. وانْتَوَرَ انْتِوَارًا، وتنوَّرَ تنوُّرا، وانْتَارَ انْتِيَارًا: كُل ذلِك من النُّوْرَةِ. وَقَال ثَعْلَبٌ (٢): لَا يُقَالُ: تَنَوَّرَ إلَّا إِذَا نَظَرَ إِلَى النَّارِ، وأَما مِنَ النَّوْرَةِ فَلَا. [النَّهْيُ عَنِ الأكلِ بالشِّمَالِ] - قَوْلُهُ: "فَإنَّ الشَّيطَانَ يَأكُلُ بِشِمَالِهِ" [٤]. العَرَبُ تَنْسِبُ الفِعْلَ إِلَى مَنْ

стр. 830

أَمَرَ بِهِ وَرَضِيَهُ كَمَا تَنْسِبُهُ إِلَى مَنْ عَمِلَهُ وَتَوَلَّاهُ، فَالشَّيطَانُ يَرْتَضِي للإنْسَانِ هَذِهِ الأشيَاءَ ويَأْمُرُهُ بِهَا؛ لِيُوْقِعَهُ في المَكْرُوْهِ، وَعَلَيهِ يُحْمَلُ كُلُّ مَا جَاءَ مِن هَدا كَنَهْيِهِ عن أَنْ يَشْرَبَ الإنْسَانُ مِنْ مَقْبَضِ القِدْحِ؛ لأنَّهَا كَفْلُ الشَّيطَان، والكَفْلُ: المَركَبُ. وقِيلَ: إِنَّ الشَّيطَانَ في هَذِه الأحَادِيثِ إِنَّمَا يُعْنَى بِهِ مَرَدَةُ الإنْسِ وفُسَّاقُهُم، وَهُمْ يُسَمَّوْنَ شيَاطِينَ تَشْبِيهًا بِشَيَاطِينِ الجِنِّ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى التَسْلِيمِ، وتَرْكِ الخَوْضِ في مِثلِ هَذِهِ الأحَادِيثِ. - وَ [قَوْلُهُ: "وَأنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ"]. اشْتِمَال الصَّمَّاء: أَنْ يشْتَمِلَ الرجُلُ بِثَوْبِهِ فَيُجَلِّلَ بِهِ جَسَدَهُ كُلَّهُ، وَلَا يَرْفَعُ مِنْهُ جَانِبًا يُخْرجَ مِنْهُ يَدَهُ. والصَّمَّاءُ: صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوْفٍ، أَي: اشْتَمَلَ الاشْتِمَالةَ الصَّمَّاءَ، وَمِثْلُهُ: رَجَعَ القَهْقَرَى، وَقَعَدَ القُرْفُصاءَ. وَقَال أَهْلُ العَربِيَّةِ: هِيَ مَصَادِرُ رَجَعَتْ مِنْهَا أَنّهَا نُعُوْتٌ (١) لِمَصَادِرَ مَحْذُوْفَةٍ. والصَّمَّاءُ: مِنْ قَوْلهِمْ: صَمَمْتُ الكُوةَ؛ إِذَا سَدَدْتُهَا، وَكَذلِكَ صَمَمْتُ القَارُوْرَة، ويُقَال لِمَا تُشَدُّ بِهِ: الصِّمَامُ، وَمِنْهُ اشْتُقَّ الصَّمَمُ في الأذُنِ، وَمِنْهُ قِيلَ للدَّاهِيَةِ الَّتي لا يُقْدَرُ على تَلافِيهَا وإِصْلاحِهَا: صَمَامِ وصَماءُ؛ لانْسِدَاد أَبْوَابِ الحِيَلِ إلى مُعَانَاتِهَا، فَلَمَّا كَانَ الإنْسَانُ يُجَلِّلُ جَسَدَهُ بِثَوْبِهِ ولا يَتْرُكُ مِنْه فُرْجَةً يُخْرجُ مِنْهَا يَدَهُ شُبِّهَ ذلِكَ بالشَّيءِ المَسْدُوْدِ. و"الاحْتِباءُ" الاشْتِمَال. [مَا جَاءَ في المَسَاكينِ] -[قَوْلُهُ: "فَمَا المِسْكِينُ يَا رَسُوْلَ اللهِ؟ "] [٧]. الغَالِبُ عَلَى "مَا" الاسْتِفْهَامِ عَنْ مَا لَا يَعْقِلُ، وَقَدْ يُسْتفهَمُ بِهَا عن الأجْنَاسِ والأنْوَاعِ مِمَّنْ يَعْقِلُ كَقَوْله

стр. 831

[تَعَالى] (١): ﴿ما طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ وَهَذِهِ العِبَارَةُ مُسَامَحَةٌ مِنَّا عَلَى نَحْو مَا يَسْتَعْمِلُهُ النَّحْويوْنَ، وأَمَّا في الحَقِيقَةِ فَلَيسَ بِنَوعٍ وَلَا جنسٍ، وَقَدْ يُسْتفهَمُ بِهَا أَيضًا عَنِ الصِّفَاتِ نَحْوَ قَوْلِ القَائِلِ. مَا زَيدٌ؟ فَيُقَالُ: ظَرِيفٌ؛ عَلَى مَا قَل، فَيُسْتَفْهَمُ بِهَا أَيضًا عَنْ مَاهِيَّةِ كُلِّ شَيء وَهِيَ حَقِيقَتُهُ وَلَا مَدْخَلَ لِهَذَا في صِنَاعَةِ النحْو. - ذَكَرَ حَدِيثَ "جَهْجَاه" (٢). فَقَال: أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ أَنّهُ إِنَّمَا ضَرَبَ هَذَا مَثَلاٌ للزَّهَادَةِ في الدُّنْيَا والحِرْصِ عَلَيهَا، فَجَعَلَ المُؤمِنُ لقَنَاعَتِهِ باليَسِير مِنْهَا كَالآكِلِ مِنْ مِعى وَاحِد، والكافر لِشِدَّة حِرْصِهِ عَلَيهَا كَالآكِلِ في سَبْعَةِ أَمْعَاء. - وَذَكَرَ حَدِيثَ أبِي ذَر: "تخضِمُون ويقْضِم والمَوْعِدُ الله". فَقَال: الخَضْمُ: الأكْلُ بالفَمِ كُلهِ. والقَضْمُ: الأكْلُ بأَطْرَافِ الأسْنَانِ. وَقِيلَ: الخَضْمُ أَكْلُ الرَّطْبِ، والقَضْمُ: أَكْلُ اليَابِسِ. وخَصَّ السَّبع دُوْنَ سَائِرِ العَدَدِ لِشُربِهِ حِلابَ سَبع شِيَاه. والحِلابُ: اللَّبَنُ، وَقَدْ يَكُوْنُ الإنَاءُ الَّذي يُحْلَبُ فيه، قَال (٣):

стр. 832

صَاحِ (١) هَلْ رَيتَ أَوْ سَمِعْتَ بِرَاعٍ ... رَدَّ في الضَّرْعِ مَا قَرَى في الحِلابِ أَرَادَ: رَأَيتَ، وَهِيَ لُغَةٌ شَاذَّة. [النَّهْيُ عَنِ الشَّرَابِ في آنيةِ الفِضَّةِ والنَّفْخِ في الشَّرَاب] في بَعْص النُّسَخِ: "النَّهْي عَن الشُّرب .. " وهو الوَجْهُ؛ لأنَّه فعْلُ الشَّارب وأَمَّا الشَّرَاب فَهُوَ اسمُ المَشْرُوْب، فكَأنَّهُ عَلَى هَذَا وَضَعَ اسمَ [المَصدَرِ] مَوْضعِ المَصْدَرِ كَقوْلهِ تَعَالى (٢): ﴿مَتَاعًا حَسَنًا﴾ أَي: تَمْتِيعًا، والمَتَاعُ إِنَّمَا هُوَ اسم لِمَا

стр. 833

يَقَعُ التَّمَتعٌّ بِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ (١): * وَبَعْدَ عطَائِكَ المَائَةَ الرِّتَاعَا * أَرَادَ: إِعْطَائِكَ (٢). أَجْمَعَ العُلَمَاءُ أَنّهُ لا يَجُوْزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَشْرَبَ في إِنَاءٍ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا في اتِّخَاذِهَا لِغَيرِ الشُرْبِ، وَفِي القِدْحِ المُفَضَّضِ والمَشْدُوْدِ بالفِضَّةِ. -[قَوْلُهُ: "يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ"] [١١]. يَجُوْزُ: "نَارَ جَهَنَّمَ" بالنَّصْبِ، عَلَى أَنْ تكوْنَ "مَا" صِلَة لـ"إِنَّ" وَهِيَ الَّتِي تَكُفُّ "إِنَّ" عَنِ العَمَلِ، وتَنصِبُ النَّارَ عَلَى المَفْعُوْلِ بِيُجَرْجِرُ. ويَجُوْزُ: "نَارُ [جَهَنَّم] " بالرَّفعِ عَلَى أَنْ يَكُوْنَ خَبَرَ ["إنَّ"] وَ"مَا" بَمَعْنَى "الَّذِي" كَأَنَّهُ قَال: إِنَّ الَّذي يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَارُ جَهَنَّم، وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالى (٣): ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيدُ سَاحِرٍ﴾ بالرَّفْعِ وبالنَّصْبِ قُرِئَ بِهِمَا، ويَجِبُ إِذَا جَعَلْتَهُ بِمَعْنَى "الَّذِي" أَنْ تتَبَ مُنْفَصِلَةً مِنْ "إِنَّ".

стр. 834

والجَرِيرَةُ: صَوْتُ المَاءِ في حَلْقِ الشَّارِبِ، وفي الإنَاءِ عِنْدَ خُرُوُجِهِ إِلَى فَمِهِ، ويُقَالُ: جَرْجَرَ الجَمَلُ جَرْجَرَةً: إِذَا رَدَّ هَدِيرَتَهُ في حَلْقِهِ: قَال الرَّاجِزُ (١): وَهْوَ إِذَا جَرْجَرَ بَعْدَ الهَبِّ جَرْجَرَ في حَنْجَرَةٍ كَالحُبِّ وَهَامَةٍ كَالمِرْجَلِ المُنكبِّ و"الهَبّ" و"الهَابُ": النِّيَاحُ، و"الحُبُّ" -بِحَاء مُهْمَلَةٍ-: الخَابِئَةُ. و"الآنِيَةُ": جَمْعُ إِنَاءٍ مِثْل إِزَارٍ وآزِرَة، وَحِمَارٍ وأَحْمِرَة. [مَا جَاءَ في شُرْبِ الرَّجُلِ وَهْوَ قَائِم] قَال ابنُ قُتيبَةَ (٢). مَعْنَى "قَائِمَا": سَاعِيًا ومَاشِيًا، والعَرَبُ تَقُوْلُ: قُمْ في

стр. 835

حَاجَتِنَا لَا يُرِيدُوْنَ أَنْ يَقُوْمَ حَسْبُ، إِنَّمَا يُرِيدُوْنَ: امْشِ فِي حَاجَتِنَا وَاسْعَ (١) في حَاجَتِنَا، وَأَنْشَدَ قَوْلَ الأعْشَى (٢): * يَقُوْمُ عَلَى الوَغْمِ في قَوْمِهِ * أَي: يَطْلُبُ بالذَّحْلِ (٣) وَيَسْعَى فِيهِ، وَمِنْهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (٤): ﴿إلا مَا دُمْتَ عَلَيهِ قَائِمًا﴾ أَي: مُوَاظِبًا عَلَيهِ بالاخْتِلافِ والمُطَالبَةِ والاقْتِضَاءِ. وَمَعْنَى القَائِمِ في حَدِيثِ الإبَاحَةِ أَي: عيرَ مَاشٍ فَهُوَ عَلَى طُمَأْنِينَةٍ بِمَنْزِلَةِ القَاعِدِ. وَذَهَب (ش) (٥) إِلَى أَنَّ النَّهْي عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا خصُوْصٌ. [السُّنة فِي الشُّرْبِ وَمَناوَلَتِهِ عَنِ اليَمِين] - وَ [قَوْلُهُ]: "الأَيمَنَ فالأَيمَنَ"] [١٧]. مَنْصُوْبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ كَأَنَّهُ قَال: اعطُوا الأيمَنَ فَالأيمَنَ. [جَامِعُ مَا جَاءَ في الطَّعَامِ والشَّرابِ] -[قَوْلُهُ: "فآدَمْتُهُ"] [١٩]. يُقَالُ: أَدَمْتُهُ بالقَصْرِ، وآدَمْتُهُ بالمَدِّ، وهُمَا لُغَتَانِ، ويُقَالُ لِمَا يُوْتَدَمُ بِهِ: إِدَامٌ وأُدْمٌ، وَقَدْ يَكُوْن الأُدْمُ جَمْعَ إِدَامٍ، ويَكوْنُ

стр. 836

أَصْلُهُ: أُدُم بضمِّ الدَّالِ، ثُمَّ يُسَكَّن تَخْفِيفًا كَمَا يُقَال في عُنق عُنْق (١)، وَيَدُل عَلَى أَنَّ الأُدْمَ يَكُوْن وَاحِدًا قَوْلُ النَّبِي ﷺ : ["إنَّ سَيِّد أُدْمِ الدُّنيَا والآخرَةِ اللَّحْمُ" وَقَال: "نِعْمَ الأدمُ الخَلُّ" وحَدِيثُ عُمَرَ: "أنَّه نَهَى عَنْ جَمْع أُدمَينِ في أُدْمٍ". واشْتِقَاقُهُ مِنْ أَدَمْتُ الشَّيءَ] بالشَّيءِ: إِذَا قَرَنْتُهُ بِهِ وَخَلَطْتُهُ، وأَدَمَ اللهُ بَينَ الرَّجُلينِ وآدَمَ: إِذَا حُبِّبَ بَعْضُهُمَا إلى بَعْض، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ ، لِلْمُغِيرَةِ: "لَوْ نَظَرتَ إليهَا ... " الحَدِيثِ" أَي: يُوَفَّقُ، وَقَال الرَّاجِزُ (٢): * وَالبِيضُ لَا يُؤدِمْنَ إِلَّا مُؤدَمَا" أَي: لَا يُحْبِبْنَ إِلَّا مُحَبَّبًا. - وَقَوْلُ أنسٍ: "قُمْتُ عَلَيهِمْ". لَيسَ مِنَ القِيَامِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ المَشْيِ (٣)، يُقَالُ: قَامَ الرَّجُلُ: إِذَا وَقَفَ وَلَمْ يَنْهَضْ، وَقَامَتْ الدَّابَّةُ: إِذَا وَقَفْتَ من الإعْيَاءِ، وقَامَتِ الشَّمْسُ نِصْفَ النَّهَارِ: إِذَا خُيِّلَ إِلَيكَ أَنّهَا سَكَنَتْ، [وَقَوْلُهُ تَعَالى] (٤): ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيهِمْ قَامُوا﴾ أي: وَقَفُوا على فَمِهِ. -[قَوْلُهُ: "واكْفِؤُوا الإنَاءَ"] [٢١]. يُقالُ: كَفَأت الإنَاءَ وأَكْفَأتهُ. -[قَوْلُهُ: "وخَمِّرُوا الإنَاءَ". أَي: غَطُوا واستُرُوا.

стр. 837

- وَ [قَوْلُهُ: "لَا يفْتَحُ غَلَقًا"] الغَلَقُ: مَا يُغْلَقُ بِهِ البَابُ. - وَ [قَوْلُهُ: "وإِنَّ الفُوَيسِقَةَ"] الفُوَيسِقَةُ: الفَأْرَةُ. - وَذَكَرَ قَوْلُهُ: "كَفِّتُوْا صِبيانَكُمْ". أَي: ضُمُّوا، يُقَالُ: كَفَتُّ الثَّوْبَ: إِذَا شَمَّرْتُه (١)، وسُمِّيَتُ الأرْضُ كِفَاتًا لأنَّها تَضُمُّ النَّاسَ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، ويُقَالُ لِمَوْضِعِ التَّدَافُقِ: مَكْفَتَةٌ، أَرَادَ أَنَّ الشَّيَاطِينَ لَيسَ لَهَا أَجْسَامٌ فَتَفْعَلُ مِنْهُ الأفْعَال، إِنَّمَا هِيَ أَرْوَاحٌ لَطِيفَةٌ. رَوَى جَابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَال: "غَطُّوا الإنَاءَ وأوْكوا السِّقَاءَ فَإنَّ في السَّنَة لَيلَةً يَنزلُ فِيهَا وَباءٌ لَا يَمُرُّ بِإنَاءٍ لَيسَ عَلَيهِ غطَاءٌ، أوْ سِقَاءٍ لَيسَ عَلَيهِ وكاءٌ إلا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذلِكَ الوَباء". والأعَاجِمُ يَذْكُرُوْنَ أَن هَذَا يَكُوْنُ في كَانُون الأوَّل. -[قَوْلُهُ: "جَائزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيلَةٌ"] [٢٢]. الجَائِزَةُ بمعنى العَطِيّة عِنْدَ العَرَبِ. - وَ [قَوْلُهُ: "وَضِيَافَته ثَلاثَةُ ايَّامٍ"]. الضِّيَافَةُ عندَ مَالِك على أَهْلِ الوَبَرِ، وَلَيسَتْ على أَهْلِ المَدَرِ، رَوَاهُ ابنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ [ ﷺ ] وَهُوَ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ، وَضَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بنُ عَبْدِ الله بنِ هَمَّام، ابنُ أَخِي عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وهو مُتَّهم في حَدِيثِهِ (٢). - وَ [قَوْلُهُ: "وَلَا يَحِلُّ لَهِ أنْ يَثْويَ عَنْدَهُ"] الثِّوَاءُ: الإقَامَةُ، يُقَالُ: ثَوَى يثوي ثَوَاءً فَهُوَ ثَاوٍ، وأَثْوَى يُثْوِي فَهوَ مُثْوٍ، قَال الحَارِثُ بنُ حِلِّزَةِ: -في

стр. 838

ثَوَى- (١): آذَنَتنا بِبَينهَا أَسْمَاءُ ... رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّوَاءُ وَقَال الأعْشَى -في أَثْوَى-: (٢) أَثْوَى وَقَصَّرَ لَيلَهُ لِيُزَوِّدَا ... وَمَضَى وَأَخْلَفَ مِنْ قُتَيلَةَ مَوْعِدَا - وَ [قَوْلُهُ: "حَتَّى يُحْرِجَهُ"] مَعْنَى "يُحْرِجُه" يُغِيضُهُ ويُضَيِّقُ صَدْرُهُ. - وَ [قَوْلُهُ: "فإذَا حُوْتٌ مِثل الظَّرِب"] [٢٤] المَشْهُوْرُ في الظَّرِبِ أنَّه الحَجَرُ النَّاتِئُ المُحَدَّدُ (٣). وَقَدْ يُخَفَّفُ فيُقَالُ: ظِرْبٌ، تُلْقَى كَسْرَةُ الرَّاءِ عَلَى الظَّاءِ فَتبقَى الرَّاءُ سَاكِنَةً فَيُقَالُ: ظِرْبٌ، وَجَمْعُهُ ظِرَابٌ. - وَذَكَرَ عَامَ الرَّمَادَةِ وَقَال: الرَّمَدُ: الهَلاكُ، يُقَالُ: رَمَدَ القَوْمُ رَمَدًا. - وَ [قَوْلُهُ: "يَا نِسَاءُ المُؤْمناتِ"] [٢٥]. الوَجْهُ: يَا نِسَاءُ المُؤمِنَاتُ بالرَّفْعِ، علَى أَنْ يَكُوْنَ نِسَاءُ نِدَاءً مُفْرَدًا، و"المُؤمناتُ" صِفَة لَهُن عَلَى اللَّفْظِ. ويَجُوْزُ نَصْبُ "المُؤمِنَاتِ" عَلَى أَن يَكُونَ صِفَةً للنِّسَاءِ علَى المَوْضِعِ، وَهَذَا

стр. 839

كَقَوْلهِم: يَا زَيدُ العَاقِلُ مَرْفُوعًا ومَنْصُوْبًا، وَعَلَى ذلِكَ قَوْلُ جَرِيرٍ (١): * ... يَا عُمَرُ الجَوَادَا * والرِّوَايَة: يَا نِسَاءُ المُؤمِنَاتِ مِنْ (٢) بَابِ قَوْلهِمْ: "مَسْجِدُ الجَامِعِ" وَ"صلاةُ الأوْلَى". وَقَدْ مَضَى الكَلامُ عَلَيهِ في كِتَابِ "الجَامِعِ"، وَهَذَا كَمَا تَقُوْلُ: يَا رِجَالُ الرِّجَالِ كَذلِكَ تَقُوْلُ: يَا نِسَاءُ المُؤمِنَاتِ. -[قَوْلُهُ: "حَتَّى يَحْيَى النَّاسُ"] [٢٩]. يُقَالُ: أَحْيَا النَّاسُ يُحْيُوْنَ: إِذَا حَيِيَت أَمْوَالُهُمْ وأَخْصَبُوا، كَمَا يُقَالُ: أَهْزَلَ النَّاسُ فَهُمْ مُهْزِلُوْنَ: إِذَا أَجْدَبُوا فَهَزُلَتْ أَمْوَالُهُمْ. والفُقَهَاءُ يَرْوُوْنَهُ يَحْيَى النَّاسُ من أَوَّلِ مَا يَحْيَوْنَ بفَتْحِ اليَاءَين والوَجْهُ مَا ذَكَرَنَا. - وَ [قَوْلُهُ: "كآَنَّكَ مُقْفِرٌ"] المُقْفِرُ: الَّذِي لَا أُدْمَ لَهُ، كَذَا يُقَالُ: أَقْفَرَ الرَّجُلُ، وَطَعَامٌ قِفَارٌ، وعِفَارٌ، وَخَتٍّ، وسَحِيتٌ: إِذَا لَمْ يَكُنْ فيه أُدْمٌ. -[قَوْلُهُ: "أنَّ عِنْدِي قَفْعَةً"] [٣٠] القَفْعَةُ: شِبْهُ القُفَّةِ (٣).

стр. 840

- و [قَوْلُهُ: "يَأكلُ حَشَفَهَا"]. الحَشَفُ: الرَّدِيءُ مِنَ التَّمْرِ. -[وقَوْلُهُ: "حُمَيدُ بنُ مَالِكِ بنِ خُثَيْمٍ (١) "] [٣١]. "خُثيمٍ" بِخَاءِ مُعْجَمَةِ، وَثَاءٍ مُثلَّثَة مُشَدَّدَةِ كَأنَّه جَمْعُ خَاثِمٍ، لَا يَجُوْزُ غَيرُهُ. - قَوْلُهُ: "فَلَمْ يُصِبِ القَوْمُ [مِنَ الطَّعَامِ] شَيئًا" يُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى ظَاهِرِهِ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ: إِنَّ القَوْمَ لَمْ يُصِيبُوا مِنْهُ شَيئًا كَثيرًا، بَلْ أَصَابُوا قَلِيلا مِنهُ، وَجَعَلَهُم لُغَةً مَا أَصَابُوا كَمَنْ لَمْ يُصِبْ شَيئًا، كَمَا تَقُوْلُ: مَا فَعَلْتُ شَيئًا، وَمَا قُلْتُ شَيئًا، أَي: شَيئًا يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ أَوْ يُقَال، وَهُوَ الألْيقُ بِحُسْنِ الأدَبِ. - وَ [قَوْلُهُ: "وَامْسَحِ الرُّغَامَ عَنْهَا"]. رَوَى يَحْيَى، وابنُ بُكَيرٍ، ومُطَرّفٌ، وابنُ نَافِعٍ "الرُّعَامُ" بِضَمِّ الرَّاءِ وعَينٍ مُهْمَلَةٍ. ورَوَى عيرُهُم: "الرُّغَامُ" بِغَينٍ مُعْجَمَةٍ، والرُّغَامُ: هُوَ المُخَاطُ. والرُّغَامُ -[بِغَينٍ] مُعْجَمَةٌ-: التُّرابُ،

стр. 841

وَالأشْبَهُ أَنْ يَكُوْنَ باللُّغَتينِ؛ لأنَّ المَشْهُوْرُ في التُّرَابِ رَغَامٌ بِفتْحِ الرَّاءِ. -[قَوْلُهُ: "لَيُوْشِكُ أنْ يَأَتِيَ عَلَى الناسِ"] يُوْشِكُ، يَقْرُبُ، أَمْرٌ وَشِيك أَي: قَرِيبٌ. - وَ [قَوْلُهُ: "تكوْنُ الثَّلَّةُ"]. الثَّلةُ: الغَنَمُ، وَلَا يُقَالُ للمَعزِ -إِذَا انْفَردَتْ: ثَلَّةٌ، إِنَّمَا يُقَالُ لَهَا: حِيلَةٌ، فَإِذَا خَالطَتْهَا الغَنَمُ قيلَ لَهَا: ثَلَّةٌ (١). والثلَّةُ -بِضَمِّ الثَّاءِ-: الجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ. - وَ [قَوْلُهُ: "وَأطِبْ مُرَاحَهَا"]. المُرَاحُ -بِضَمِّ المِيمِ- المَكَانُ الَّذِي تَرُوْحُ إِلَيهِ الغَنَمُ والإبِلُ مِنَ المَرْعَى. -[قَوْلُهُ: "إِنْ كنْتَ تَبْغِي ضَالَّةَ إِبِلِهِ"] [٣٣]. تَبْغِي: تَطْلُبُ. - وَ [قَوْلُهُ: "وتهْنأُ جَرْبهَا"]. هَنَأْتُ البَعِيرَ أَهْنَأُ: إِذَا طَلَيتُهُ بالقَطِرَانِ، وَهُوَ الهُنَاءُ، قَال زُهَيرٌ (٢): * وَقَدْ يَشْفِي مِنَ الجَرَبِ الهُنَاءُ * - وَ [قَوْلُهُ: "وَلَا نَاهِكٍ فِي الحَلْبِ"]. النَّاهِكُ: المُفْرِطُ، يُقَال: نَهَكْتُهُ عُقُوْبَةً: إِذَا بَالغْتَ في ذلِكَ، ونَهَكْتُهُ ضَرْبًا. ويُقَالُ: حَلَبْتُ النَّاقَةَ وغَيرَهَا حَلْبًا وَحَلَبًا، فَإِذَا أَرَدْتَ اللَّبَنَ المَحْلُوْبَ قُلْتَ: حَلَبٌ بفَتْحِ اللَّامِ لَا غَيرُ. - وَذَكَرَ قَوْلَ مَالِكٍ في آخرِ البابِ وأَنْشَدَ:

стр. 842

لَا تَأَمَنَنَّ عَلَى النساءِ أخًا ... مَا فِي الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ أمِينُ - وَذَكَرَ حَدِيثِ: "التُّوَلَةُ شِرْكٌ". فَقَال: التُّوَلَةُ (١): التَّهَيُّجُ. وَرَأَيتُ بِخَطِّ يَدِه: قِلادَةٌ مِنْ وَبَر بِفَتْحِ البَاءِ. وَ"دَاخِلَةُ الإزَارِ": كِنَايَةٌ عَنِ المَذَاكِرُ. وَقَال بَعْضُهُم: أَرَادَ: الأفْخَاذَ وَالوَرْكَ وَقَال أَبُو عُبَيد: دَاخِلَةُ الإزَارِ: طَرَفُ الإزَارِ الَّذِي يَلِي جَسَدَهُ مِنْ جَانِبِهِ الأيمَنِ، لأنَّ المُؤتَزِرَ إِنَّمَا يَبْدَأُ الاتّزارَ (٢) بِجَانِبِهِ الأيمَنِ فَذلِكَ الطَّرَفُ الَّذِي يُبَاشِرُ جَسَدَهُ هُوَ الَّذِي يُغْسَلُ. وَقَال الطَّحَاويُّ: دَاخِلَةُ الإِزَارِ الَّتِي تَحْتَ الإِزَارِ مِمَّا يَلِي الجَسَدَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (٣).

стр. 843

[كتَاب العَين] (١) [الوضُوء مِنَ العَينِ] - و [قَوْلُهُ: "اغْتَسَلَ أبِي -سَهْلُ بنُ حُنيفٍ (٢) - بالخَرَّارِ" [[١] الخَرَّارُ: نَهْرٌ بِخَيبَرَ (٣)، وخَرِيرُ المَاءِ وَأَلِيلُهُ وقَسِيبُهُ: صَوْتُ جَرَيَانِهِ. - و [قَوْلُهُ: "فَلُبِطَ سَهْلٌ"] [٢]. لُبِطَ الرَّجُلُ ولُبِجَ: إِذَا صُرِعَ فَضَرَبَ بِنَفْسِهِ الأرْضَ. ويُقَالُ: عِنْتُ الرَّجُلَ بِعَينِي أَعِينُهُ فَأَنَا عَايِنٌ وَهُوَ مَعْيُوْنٌ ومَعِينٌ. وَجَاءَ في حَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ عَائشَةَ: "إِنَّهُمْ كَانُوا يَأمُرُوْنَ المَعِينَ أنْ يَتَوَضَّأ فَيَغْتَسِلَ مِنْهُ المُعَانُ" وَهَذَا عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ خَطَأٌ مِنَ الرَّاوي إِنَّمَا هو العَائِنُ فَيَتَوضَّأَ فَيَغْتَسِلَ مِنْهُ المَعِينُ، قَال الشَّاعِرُ (٤):

стр. 844

قَدْ كَانَ قَوْمُكَ يَحْسَبُونَكَ سَيِّدًا ... وَأَخَالُ أَنكَ سَيِّد مَعْيُونُ - وَقَوْلُهُ: "مَا رَأيتُ كالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخَبأةٍ" كَلام وَقَعَ فيه حَذْفٌ واخْتِصَار، وَتَقْدِيرُهُ: مَا رَأَيتُ أيَوْمًا، كَاليَوْمِ جِلْدَ رَجُلٍ وَلَا جِلْد مُخَبَّأةٍ، فَحَذَفَ المَوْصُوْفَ الَّذِي هُوَ اليَوْمُ المُشَبَّهُ باليَوْمِ، وَحَذَفَ المَعْطُوْفَ عَلَيهِ لَمَّا فُهِمَ المَعْنَى، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِير كَأَنَّهُ قَال: مَا رَأَيتُ جِلْدَ رَجُلٍ وَلاجِلْدَ مُخَبَّأةٍ يَوْمًا كاليَوْمِ، والعَرَبُ يَحْذِفُوْنَ المَعْطُوْفَ عَلَيهِ كَمَا يَحْذِفُوْنَ المَوْصُوْفَ، يَقُوْلُ القَائِلُ: جَاءَ زَيدٌ؟ فَيَقُوْلُ المُجِيبُ: نَعَمْ وَعَمْرٌو. أَي: نَعَمْ جَاءَ زَيدو وعَمْرٌو. ويَقُوْلُ الرَّجُل لِلرَّجُلِ: مَرْحَبًا، فَيَرُدُّ عليه زَيدٌ: وَأَهْلَّا. مَعْنَاهُ: وَبِكَ مَرْحَبَّا وأَهْلًا. [مَا جَاءَ في أجْرِ المَرِيضِ] -[قَوْلُهُ: "وَيحَكَ وَمَا يُدْرِيكَ"] [٨]. وَيحَكَ: كَلِمَةٌ كَانَتْ جَارِيَةٌ على لِسَانِ العَرَبِ (١) يَقُوْلُوْنَهَا عِنْدَ اسْتِحْثاثِ الرَّجُلِ وعِنْدَ الإنكارِ عَلَيهِ، وَهُمْ

стр. 845

لَا يُرِيدُوْنَ وُقُوع المَكْرُوْهِ بِهِ. وَقِيلَ: هُوَ دُعَاءٌ على وَجهِهِ بِوُقُوع الوَيحِ، غَيرَ أَنه قَدْ تَقَدَّمَ قَبلَ ذلِكَ فَيقالُ: "اللَّهُمَّ إِنَّمَا أنا بشرٌ فمن دَعَوْتُ عَلَيهِ بدَعْوَةٍ فاجْعَلْ دَعوتي عَلَيهِ رَحْمَة له". والقَوْلُ الأوَّلُ أَشْبَهُ بِكَلامِ العَرَبِ. [التَّعَوُّذُ والرُّقْية فِي المَرَضِ] -[قَوْلُهُ: "بِالمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفثُ"] [١٠]. النَّفثُ: النَّفْخُ بِلا بُصَاقٍ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ بُصَاقٌ فَهُوَ تَفْلٌ (١). [الغُسْلُ بالمَاءِ مِنَ الحُمَّى] -[قَوْلُهُ: "إِنَّ الحُمَّى مِنْ فَيحِ جهَنَّمَ"] [١٦] الفَيحُ: سُطُوع الحَرِّ، ويُقَالُ: فوحٌ أَيضًا، وَقَدْ فَاحَ يفِيحُ ويَفُوْحُ ويُرْوَى "فَابْرِدُوْهَا" و"فَأبْرِدُوْهَا" لُغَتَانِ، يُقَالُ: بَرَدْتُهُ بالمَاءِ وأَبْرَدْتُهُ. الرَشُّ [ ... ] (٢) وَاحِد وهُوَ صَبَّ المَاءُ مُتَفَرِّقًا. والسَنُّ: صَبُّهُ عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ. وَلِزَمْزَمَ أَسْمَاءٌ كَثيرَةٌ (٣): زَمْزَم، وزَمَّمٌ، وزُمْزِمٌ، والمَضْنُوْنَة، وَرَكْضَةُ
следующие страницы →