← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18194

التعليق على الموطأ في تفسير لغاته وغوامض إعرابه ومعانيه

هشام بن أحمد الوقشي

Полный текст (937 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وَالأشْبَهُ أَنْ يَكُوْنَ باللُّغَتينِ؛ لأنَّ المَشْهُوْرُ في التُّرَابِ رَغَامٌ بِفتْحِ الرَّاءِ. -[قَوْلُهُ: "لَيُوْشِكُ أنْ يَأَتِيَ عَلَى الناسِ"] يُوْشِكُ، يَقْرُبُ، أَمْرٌ وَشِيك أَي: قَرِيبٌ. - وَ [قَوْلُهُ: "تكوْنُ الثَّلَّةُ"]. الثَّلةُ: الغَنَمُ، وَلَا يُقَالُ للمَعزِ -إِذَا انْفَردَتْ: ثَلَّةٌ، إِنَّمَا يُقَالُ لَهَا: حِيلَةٌ، فَإِذَا خَالطَتْهَا الغَنَمُ قيلَ لَهَا: ثَلَّةٌ (١). والثلَّةُ -بِضَمِّ الثَّاءِ-: الجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ. - وَ [قَوْلُهُ: "وَأطِبْ مُرَاحَهَا"]. المُرَاحُ -بِضَمِّ المِيمِ- المَكَانُ الَّذِي تَرُوْحُ إِلَيهِ الغَنَمُ والإبِلُ مِنَ المَرْعَى. -[قَوْلُهُ: "إِنْ كنْتَ تَبْغِي ضَالَّةَ إِبِلِهِ"] [٣٣]. تَبْغِي: تَطْلُبُ. - وَ [قَوْلُهُ: "وتهْنأُ جَرْبهَا"]. هَنَأْتُ البَعِيرَ أَهْنَأُ: إِذَا طَلَيتُهُ بالقَطِرَانِ، وَهُوَ الهُنَاءُ، قَال زُهَيرٌ (٢): * وَقَدْ يَشْفِي مِنَ الجَرَبِ الهُنَاءُ * - وَ [قَوْلُهُ: "وَلَا نَاهِكٍ فِي الحَلْبِ"]. النَّاهِكُ: المُفْرِطُ، يُقَال: نَهَكْتُهُ عُقُوْبَةً: إِذَا بَالغْتَ في ذلِكَ، ونَهَكْتُهُ ضَرْبًا. ويُقَالُ: حَلَبْتُ النَّاقَةَ وغَيرَهَا حَلْبًا وَحَلَبًا، فَإِذَا أَرَدْتَ اللَّبَنَ المَحْلُوْبَ قُلْتَ: حَلَبٌ بفَتْحِ اللَّامِ لَا غَيرُ. - وَذَكَرَ قَوْلَ مَالِكٍ في آخرِ البابِ وأَنْشَدَ:

стр. 842

لَا تَأَمَنَنَّ عَلَى النساءِ أخًا ... مَا فِي الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ أمِينُ - وَذَكَرَ حَدِيثِ: "التُّوَلَةُ شِرْكٌ". فَقَال: التُّوَلَةُ (١): التَّهَيُّجُ. وَرَأَيتُ بِخَطِّ يَدِه: قِلادَةٌ مِنْ وَبَر بِفَتْحِ البَاءِ. وَ"دَاخِلَةُ الإزَارِ": كِنَايَةٌ عَنِ المَذَاكِرُ. وَقَال بَعْضُهُم: أَرَادَ: الأفْخَاذَ وَالوَرْكَ وَقَال أَبُو عُبَيد: دَاخِلَةُ الإزَارِ: طَرَفُ الإزَارِ الَّذِي يَلِي جَسَدَهُ مِنْ جَانِبِهِ الأيمَنِ، لأنَّ المُؤتَزِرَ إِنَّمَا يَبْدَأُ الاتّزارَ (٢) بِجَانِبِهِ الأيمَنِ فَذلِكَ الطَّرَفُ الَّذِي يُبَاشِرُ جَسَدَهُ هُوَ الَّذِي يُغْسَلُ. وَقَال الطَّحَاويُّ: دَاخِلَةُ الإِزَارِ الَّتِي تَحْتَ الإِزَارِ مِمَّا يَلِي الجَسَدَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ (٣).

стр. 843

[كتَاب العَين] (١) [الوضُوء مِنَ العَينِ] - و [قَوْلُهُ: "اغْتَسَلَ أبِي -سَهْلُ بنُ حُنيفٍ (٢) - بالخَرَّارِ" [[١] الخَرَّارُ: نَهْرٌ بِخَيبَرَ (٣)، وخَرِيرُ المَاءِ وَأَلِيلُهُ وقَسِيبُهُ: صَوْتُ جَرَيَانِهِ. - و [قَوْلُهُ: "فَلُبِطَ سَهْلٌ"] [٢]. لُبِطَ الرَّجُلُ ولُبِجَ: إِذَا صُرِعَ فَضَرَبَ بِنَفْسِهِ الأرْضَ. ويُقَالُ: عِنْتُ الرَّجُلَ بِعَينِي أَعِينُهُ فَأَنَا عَايِنٌ وَهُوَ مَعْيُوْنٌ ومَعِينٌ. وَجَاءَ في حَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ عَائشَةَ: "إِنَّهُمْ كَانُوا يَأمُرُوْنَ المَعِينَ أنْ يَتَوَضَّأ فَيَغْتَسِلَ مِنْهُ المُعَانُ" وَهَذَا عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ خَطَأٌ مِنَ الرَّاوي إِنَّمَا هو العَائِنُ فَيَتَوضَّأَ فَيَغْتَسِلَ مِنْهُ المَعِينُ، قَال الشَّاعِرُ (٤):

стр. 844

قَدْ كَانَ قَوْمُكَ يَحْسَبُونَكَ سَيِّدًا ... وَأَخَالُ أَنكَ سَيِّد مَعْيُونُ - وَقَوْلُهُ: "مَا رَأيتُ كالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخَبأةٍ" كَلام وَقَعَ فيه حَذْفٌ واخْتِصَار، وَتَقْدِيرُهُ: مَا رَأَيتُ أيَوْمًا، كَاليَوْمِ جِلْدَ رَجُلٍ وَلَا جِلْد مُخَبَّأةٍ، فَحَذَفَ المَوْصُوْفَ الَّذِي هُوَ اليَوْمُ المُشَبَّهُ باليَوْمِ، وَحَذَفَ المَعْطُوْفَ عَلَيهِ لَمَّا فُهِمَ المَعْنَى، وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِير كَأَنَّهُ قَال: مَا رَأَيتُ جِلْدَ رَجُلٍ وَلاجِلْدَ مُخَبَّأةٍ يَوْمًا كاليَوْمِ، والعَرَبُ يَحْذِفُوْنَ المَعْطُوْفَ عَلَيهِ كَمَا يَحْذِفُوْنَ المَوْصُوْفَ، يَقُوْلُ القَائِلُ: جَاءَ زَيدٌ؟ فَيَقُوْلُ المُجِيبُ: نَعَمْ وَعَمْرٌو. أَي: نَعَمْ جَاءَ زَيدو وعَمْرٌو. ويَقُوْلُ الرَّجُل لِلرَّجُلِ: مَرْحَبًا، فَيَرُدُّ عليه زَيدٌ: وَأَهْلَّا. مَعْنَاهُ: وَبِكَ مَرْحَبَّا وأَهْلًا. [مَا جَاءَ في أجْرِ المَرِيضِ] -[قَوْلُهُ: "وَيحَكَ وَمَا يُدْرِيكَ"] [٨]. وَيحَكَ: كَلِمَةٌ كَانَتْ جَارِيَةٌ على لِسَانِ العَرَبِ (١) يَقُوْلُوْنَهَا عِنْدَ اسْتِحْثاثِ الرَّجُلِ وعِنْدَ الإنكارِ عَلَيهِ، وَهُمْ

стр. 845

لَا يُرِيدُوْنَ وُقُوع المَكْرُوْهِ بِهِ. وَقِيلَ: هُوَ دُعَاءٌ على وَجهِهِ بِوُقُوع الوَيحِ، غَيرَ أَنه قَدْ تَقَدَّمَ قَبلَ ذلِكَ فَيقالُ: "اللَّهُمَّ إِنَّمَا أنا بشرٌ فمن دَعَوْتُ عَلَيهِ بدَعْوَةٍ فاجْعَلْ دَعوتي عَلَيهِ رَحْمَة له". والقَوْلُ الأوَّلُ أَشْبَهُ بِكَلامِ العَرَبِ. [التَّعَوُّذُ والرُّقْية فِي المَرَضِ] -[قَوْلُهُ: "بِالمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفثُ"] [١٠]. النَّفثُ: النَّفْخُ بِلا بُصَاقٍ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ بُصَاقٌ فَهُوَ تَفْلٌ (١). [الغُسْلُ بالمَاءِ مِنَ الحُمَّى] -[قَوْلُهُ: "إِنَّ الحُمَّى مِنْ فَيحِ جهَنَّمَ"] [١٦] الفَيحُ: سُطُوع الحَرِّ، ويُقَالُ: فوحٌ أَيضًا، وَقَدْ فَاحَ يفِيحُ ويَفُوْحُ ويُرْوَى "فَابْرِدُوْهَا" و"فَأبْرِدُوْهَا" لُغَتَانِ، يُقَالُ: بَرَدْتُهُ بالمَاءِ وأَبْرَدْتُهُ. الرَشُّ [ ... ] (٢) وَاحِد وهُوَ صَبَّ المَاءُ مُتَفَرِّقًا. والسَنُّ: صَبُّهُ عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ. وَلِزَمْزَمَ أَسْمَاءٌ كَثيرَةٌ (٣): زَمْزَم، وزَمَّمٌ، وزُمْزِمٌ، والمَضْنُوْنَة، وَرَكْضَةُ

стр. 846

جِبْرِيلَ، وحُفَيرُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَطَعَامُ طُعْمٍ وشُفاءُ سُقْمٍ، وسُمِّيَتْ زَمْزَمُ لِزمْزَمَةِ مَائِهَا عِنْدَ ظُهُوْرِهِ، وَلِزمْزَمَة الفُرْسِ حَوْلَهَا. وَهِيَ أَصْوَاتٌ لَهُمْ لَا تُفْهَمُ لِخُرُوْجِهَا مِنْ أنوْفهِمْ وَلَا يُحَرِّكُوْنَ بِهَا أَلْسِنَتَهُمْ، وأَكْثَرُ مَا يَسْتَعْمِلُوْنَ ذلِكَ عِنْدَ الأكْلِ. [عِيَادَةُ المَرِيضِ والطِّيَرَة] ويُقَالُ: مَرِضَ الرَّجُلُ: إِذَا كَانَ المَرَضُ في جِسْمِهِ، وَصَحَّ: إِذَا كَانَتْ الصِّحَّةُ في جِسْمهِ، فَإِنْ كَانَتْ في إِبلِهِ [قِيلَ: ] أَمْرَضَ وأَصَحَّ. - قَوْلُهُ: "وَلَا هَامَ وَلَا صَفَرَ". الصَّفَرُ (١): حَيَّة تكوْنُ في البَطْنِ تُصِيبُ المَاشِيَةَ والنَّاسَ، وَهِيَ أَعْدَى مِنَ الجَرَبِ عِنْدَ العَرَبِ. وَقِيلَ: إنَّهَا تَشْتَدُّ على الإنْسَانِ إِذَا جَاعَ فَتُؤذِيهِ. وَقِيلَ: هُوَ تَأخِيرُهُم المُحَرَّمَ إلى صَفَرٍ في تَحْرِيمِهِ، وَهَكَذَا حَكَى ابنُ القَاسِمِ عَن مَالِكٍ. والهَامَةُ: طَائِر يَخْرُجُ مِنْ رَأْسِ المَقْتُوْلِ إِذَا لَمْ يُؤخَذْ بِثأرِهِ فَيَصِيحُ على

стр. 847

قَبْرِهِ: اسْقُوني اسْقُوني (١) فَإِذَا قُتِلَ قَاتِلُهُ كَفَّ عَنِ الصِّيِّاحِ. وَزَادَ بَعْضُهم: "وَلَا غُوْلَ" وَهِيَ سَاحِرَةُ الجِنِّ كَانَتْ تَتَمَثَّلُ لَهُم في الفَلَوَاتِ، ويُسَمُّونَهَا السَّعْلاتَ، قَال [كَعْبُ بنُ] زُهَيرٍ (٢): فَمَا تَدُوْمُ عَلَى وَصْلٍ لِوَاصِلَهَا ... كَمَا تَلَوَّنُ في أَثْوَابِهَا الغُوْلُ

стр. 848

[كِتَابُ الشَّعْرِ] (١) [السُّنةُ في الشَّعْرِ] -[قَوْلُهُ: "أمَرَ بِإحفَاءِ الشَّوَارِبِ"] [١] الإحْفَاءُ في اللّغَةِ: الإفْرَاطُ في الشَّيءِ؛ يُقَالُ: سَأَلَ فَأَحْفَى، وفُلانٌ حَفِيٌّ بِفُلانٍ (٢): إِذَا كَانَ يُكْثِرُ مِنْ بِرِّهِ، وَلِذلِكَ رَأَىْ أَهْلُ العِرَاقِ اسْتِئْصَال الشَّارِب بالحَدِّ. وَذَهَبَ مَالِكٌ إلى الأخْذِ مِنْهُ حَتَّى يَبْدُوَ الإطَارُ، وَهُوَ طَرَفُ الشِّفَةِ، وكَذَلِكَ إِطَارُ الظُّفْرِ: اللَّحْمُ المُحِيطُ بِهِ، وإِطَارُ الغِرْبَالِ: جَدَارُهُ المُحْدِقُ بِهِ، فَيُحْتَمَلُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُوْنَ الإحْفَاءُ مِنْ قَوْلهِم: حَفِيَتِ الدَّابَّةُ وأَحْفَيتَهَا، وحَفَى السِّكِّينُ: إِذَا لَمْ يَقْطَعْ (٣)، وأَحْفَيتَهُ، فَكَانَ المُرَادُ بِإِحْفَاءِ الشَّارِبِ: أَنْ يُقْطَعَ أَطْرَافُ شَعْرِهِ الَّتِي تَقْرُبُ مِنَ الفَمِ؛ لأنَّهَا تَنْخَسُ المَرْأَةَ وتُؤذِيهَا عِنْدَ اللَّثْمِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الشَّيءِ الحَدِيدِ التِي تزالُ حِدَّتُهُ بِأَنْ يُحَفَى، وَمَعَ ذلِكَ فَإِنَّ الشَّارِبَ في الحِقْيقَةِ إِنَّمَا هُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ الَّتِي يُشْرَبُ بِهَا المَاءُ، ولِذلِكَ سُمِّيَ شَارِبًا. وَقَال الخَلِيلُ (٤): الشَّارِبَانِ: مَا طَال من نَاحِيَتَي السَّبَلَةِ، فَإِنْ سُمِّيَتِ الشَّفَةُ كُلُّهَا فَذلِكَ مَجَازٌ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ جُمْلَةِ الشَيءِ بِبَعْضِهِ

стр. 849

كَقَوْلهِمْ لِلَّذِي يَتَسَمَّعُ الأخْبَارَ: أُذُنٌ، وللَّذِي يَتَطَلَّعُ لِلقَوْمِ: عَينٌ. - و [قَوْلُهُ "وَإِعْفَاءِ اللِّحَى"]. الإعْفَاءُ: لَفْظٌ يُرَادُ بهِ التَّكْثيرُ والتقلِيلُ (١)، يُقَالُ: عَفَا وَبَرُ النَّاقَةِ وَلَحْمُهَا: إِذا كَثُرَ، وَعَفَا القَوْمُ: إِذَا كَثروا [وَقَوْلُهُ تَعَالى]: (٢) ﴿حَتَّى عَفَوا﴾ أَي: كَثُرُوا، ويُقَالُ: عَفَا المَنْزِلُ: إِذَا دَرَسَ وَذَهَبَتْ آثَارُهُ. - قَوْلُهُ: ["سَدَلَ رَسُوْلُ اللهِ .. "] [٤] السَّدْلُ: إِرْسَالُ الشَّيءِ، والمُنْسَدِلُ مِنَ الشَّيءِ: الطَّويلُ، ويُقَالُ لَهُ: المُنْسَدِرُ. كَانَ شَعْرُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فَوْقَ الوَفْرَةُ (٣) وَدُوْنَ الجُمَّةِ. الوَفْرَةُ: الشَّعْرَةُ الَّتي إلى شَحْمَةِ الأذُنَين، فَإِذَا زَادَتْ شَيئًا فَهِيَ جُمَّة، فَإِذَا ألمَّتْ بالمَنكبِ فَهِيَ لِمَّةٌ (٤). وَقَدْ قِيلَ: اللِّمَّةُ والجُمَّةُ سَوَاء. فَإِذَا بَلَغَ الكفلَ (٥) فَهو [واردٌ] (٦). -[قَوْلُهُ: "كانَ يَكْرَهُ الإخْصَاءَ" [[٤] الإخْصَاءُ [كَذَا] وَقَعَ في الرِّوَايَةِ، وَهُوَ خَطَأ من الرَّاوي، وَصَوَابُهُ: الخَصَا، وفِعْلُهُ: خَصَيتُ. - وَقَوْلُهُ: "فيه تَمَامُ الخَلْقِ". عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، ومثله [قَوْلُهُ

стр. 850

تَعَالى] (١): ﴿رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ أَي: عَلَى لِسَانِ رَجُلٍ [مِنَ] العَرَبِ. [إِصْلاح الشَّعْرِ] العَرَبُ تُسَمِّي الشَّعْرَ الذِي عَلَى الرَّأسِ رَأْسًا، لكُوْنه عَلَى الرَّأْسِ، كَمَا تُسَمَّى الأهْدَابَ أَشْفَارًا؛ لِنبَاتِهِ على الشّفرِ، وسَائِرِ الرَّأْسِ: قَائِمُ الشَّعْرِ. -[قَوْلُهُ: "ثَائِرَ الرَّأسِ كأنَّهُ شَيطَان"] [٧]. الشَّيطَانُ -وإِنْ كَانَ رُوْحَانِيًّا وَلَيسَ بِذِي جِسْمٍ- فَقَدْ صَحَّ في نُفُوْسِ الناسِ أَنّه في غَايَةِ القُبْحِ "فَلِذلِكَ صَحَّ التَّشبِيهُ بهِ (٢)، وأَيضا فَإِنَّه يتصَوَّرُ وَيَتَمَثَّلُ كَمَا تَمَثَلَ إِبْلِيسُ في صُوْرَةِ سُرَاقَةِ بنِ جُعْثُم (٣)، وَكَانَ مِنْ أقْبَحِ النَّاسِ. والمَلائِكَةُ رُوْحَانِيُّوْنَ وَلكِنَّهُمْ يَتَمَثَّلُوْنَ في صُوْرَةِ الحِسَانِ من بني آدَمَ كَدِحْيَةِ الكَلْبِيِّ (٤). وأَنْشَدَ قَوْلَ الحُسَينِ (٥): يَسْوَدُّ أَعْلاهَا وتَأْبَى أُصُوْلُهَا ... فَيَا ليتَ مَا يَسْوَدُّ مِنْهَا هُوَ الأصْلُ

стр. 851

- ويُقَالُ: نَصَلَ الخِضَابُ يَنْصُلُ نُصُولًا: إِذا زال. [مَا جَاءَ في المُتحابين في الله] -[قَوْلهُ: "أينَ المُتَحَابُّونَ لِجَلالِي"] [١٣] العَرَبُ تَقُوْلُ: فَعَلْتُ ذلِكَ لِجَلالِكَ، ولِجَلَلِكَ، ومِنْ جَلالِكَ، ومِنْ جَلاكَ، أَي: من أَجْلِكَ وَبِسَبَبِكَ، فالمُتَحَابُّوْنَ لِجَلالِي أَي: مِنْ أَجْلِي. ويُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ هُنَا العَظَمَةَ. -[قَوْلُهُ: "ثمَّ يُوْضَعُ لَهُ القَبُوْلُ في الأرْضِ"] [١٥] القَبُوْلُ: التَّقبُّلُ، وهو مَفْتُوْحُ القَافِ لَا غَيرُ. -[قَوْلُهُ: "إِنَّهُ كَانَ يَقُوْلُ القَصْدُ وَالتُّؤَدَةُ"] [١٧]. والقَصْدُ: العَدْلُ في الأمْرِ والتَّوَسُّطُ فيه (١) يُقَالُ: قَصَدَ يَقْصِدُ، واقْتَصَدَ يَقْتَصِدُ، قَال تَعَالى (٢): ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ قَال عَبْدُ الرَّحْمنِ بنِ حَسَّان (٣): عَلَى الحَكَمِ المَأتيِّ يَومًا إِذَا قَضَى ... قَضِيَّتَهُ أَنْ لَا يَجُوْرَ ويَقْصِدُ والتُّؤَدَةُ: الرِّفْقُ، اتّأدَ: رَفَقَ. -[قَوْلُهُ: "وَحُسْنُ السَّمْتِ"، السَّمْتُ: الهَيئَةُ.

стр. 852

[كِتَابُ الرُّؤيَا] (١) [مَا جَاءَ في الرُّؤيَا] -[قَوْلُهُ: "جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبوَّةِ"] [١] اختَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في تَجْزِئَةِ الرُّؤْيَا مِنَ النُّبُوَّةِ فَرُويَ منْ سِتَّةٍ وأَرْبَعِينَ، وَمِنْ سِتَّةٍ وعِشْرِينَ، ومِنْ أَرْبَعِينَ، وَمِنْ خَمْسَةٍ وأَرْبَعِينَ، وَمِنْ أَرْبَعَة وأَرْبَعِينَ، وَمِنْ سَبْعِين (٢). جَمَعَ الطَّحَاويُّ بَينَ هَذه الرِّوَايَاتِ، فَقَال: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ بُشْرَى لِلْمُؤمِنِينَ، والبُشْرَى نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ عَلَى عَبْدهِ وَفَضْلٌ، فَيَكُوْنُ اللهُ تَفَضَّلَ عَلَى عَبْدِهِ أَوَّلًا بَأَنْ جَعَلَ رُؤْيَاهُ جُزْءًا مِنْ سبْعِينَ، ثَمَّ زَادَ إِنْعَامًا وفَضْلًا بِأَنْ جَعَلَهَا جُزْءًا مِنْ خَمْسِينَ، وَهكَذَا إِلَى أَقَلِّ العَدَدِ، وَهِيَ أَرْفَعُ المَنَازِلِ، فَكَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الحَسَنَاتِ الَّتِي يُضْعِفُهَا اللهُ للعَبْدِ (٣) مِنْ عَشْير إلَى سَبْعِمَائَةَ. وَقَال (ش) (٤): لَمَّا كَانَ المُؤمِنُوْنَ يَتَفَاضَلُوْنَ في إِيمَانِهِمْ تَفَاضَلَتْ رُؤاهُمْ فَأقْوَاهُمْ إِيمَانًا تكوْنُ رُؤْيَاهُ جُزْءًا مِنْ سِتَّةٍ وعِشْرِينَ، ثُمَّ مَنْ هُوَ دُوْنَهُ تكوْنُ رُؤْيَاهُ جُزْءًا من أَرْبِعِينَ، ثُمَّ مَنْ دُوْنَهُ تكوْنُ رُؤْيَاهُ جُزْءًا مِنْ خَمْسَةٍ وأَرْبَعِينَ، ثُمَّ هكَذَا إِلَى

стр. 853

سَبْعِينَ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخرُ: لَوْلَا اخْتِلافِ التَّجْزئَةِ فإِنَّمَا يَأْتِيَ عَلَى رِوَايَةِ السِّتةِ والأرْبَعِينَ. [مَا جَاءَ في النِّرْدِ] -[قَوْلُهُ: "مَنْ لَعِبَ بالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللهُ ورَسُوْلَهُ"] [٦] النَّرْدُ (١) بالفَارِسِيَّة أَصْلُهُ: نَرْدَشِير، فَحُذِفَ بَعْضُهُ لِطُوْلهِ، كَمَا أَنَّ البَيْذَقَ أَصْلُهُ: شَهْبَيذَقُ، فَكَذلِكَ النَّأْيُ [الَّذِي يُزْمَرُ بِهِ] إِنَّمَا هُوَ نَرْمَناي، ويُقَالُ للنَّرْدِ أَيضًا: الأرنُ، والكُوْبةُ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّه الطَّبْلُ، وَذَكَرَ بَعْضُهُم أَنّه يُقَالُ لَهُ: الطُّبَنُ، وذلِكَ غَلَط، إِنَّمَا الطُّبَنُ: القِرْقُ لَا النَّرْدُ، وهي القِرْقَةُ والسُّدَّرُ. والطُّبَنُ: اللِّعْبُ بالطُبَنِ (٢). - وَذَكرَ حَدِيثَ: "إِنَّ اللهَ يَغفِرُ لِكُلِّ مذْنبٍ إلَّا لِصَاحِبِ كوْبةٍ أوْ عَرْطَبةٍ". - فَقَال: العَرْطَبَةُ: عُوْدُ الغِنَاءِ (٣). ويُقَالُ لَهُ أَيضا: الكِنَّارَةُ (٤)، والكِرَّانُ، والمِزْهَرُ (٥). وقِيلَ: إِنَّ الكِنَّارات: الدُّفُوْفُ.

стр. 854

[كتَابُ السَّلام] (١) [العَمَلُ في السَّلام] [قَوْلُهُ: "إِنَّمَا يقُوْلُ: السَّامُ عَلَيكُمْ"] [٣]: السَّامُ: المَوْتُ، أَي: سُلِّطَ عَلَيكُمُ المَوْتُ والهَلاكُ، فَأُمِرَ المَرْء أَنْ يَرُدَّ عَلَيهِمْ فَيقالُ: عَلَيكُمْ، وَلِذلِكَ كَانَ الوَجْهُ إِسْقَاطُ الوَاو؛ لأنَّ الوَاوَ تُوْجِبُ الاشْتِرَاكِ، ويَجِبُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنّهَا زَائِدَةٌ في رِوَايَةِ مَنْ زَادَهَا، وإِنَّمَا ذُكِرَتْ لتُسْتَعْمَلَ مِنَ الألْغَازِ في رَدِّ السَّلامِ عَلَيهِمْ مِثْلُ مَا يَسْتَعْمِلُوْنَهُ في ابتِدَائِهِ، وَكَانَ بَعْضُ العُلَمَاءِ يَرَى أَنْ يُقَال لَهُمْ: السِّلامُ عَلَيكُم بِكَسْرِ السِّينِ أَي: الحِجَارَةُ (٢). والأحْسَنُ اتِّبَاعُ الحَدِيثِ، وإِلَّا فَثَمَّ مِنَ الألْفَاظِ المُشْتَرَكَةِ مَا هُوَ أَقْوَى إِلْغَازًا مِنْ ذلِكَ، مِثْلُ السَّلامُ -بِفَتْحِ السين- وَهِيَ لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ بِمَعْنَى التَّحِيَّةِ، وَبِمَعْنَى البَرَاءَةُ مِنَ الشَّيءِ، وَمِنْهُ [قَوْلُهُ تَعَالى] (٣): ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ .. ﴾ الآية (٤). والسَّلامُ -أَيضًا- ضَرْبٌ مِنَ الشَّجَرِ (٥) وَاحِدُهَا سَلامَةٌ. ويَمْكِنُ أَنْ يُرَدَّ عَلَيهِمْ بِصَلَّمَكَ الله -بالصَّادِ- أَي: قَطَعَ أُذُنَيكَ.

стр. 855

[كتاب الاسْتئْذَانِ] (١) [الاسْتِئْذَانُ] - قَوْلُهُ: "عَنْ أبِي مُوْسَى ... " [٢]. يُرِيدُ: عَنْ قِصَّةِ أَبِي مُوْسَى. وَهَذَا مِثْلُ مَا وَقَعَ في (كِتَابِ الحَجِّ): عن النَّهْرَبِيِّ في الحِمَارِ الوَحْشِيِّ، وإنَّمَا رَوَاهُ هُنَاكَ: عُمَيرٌ عَن النَّبِيِّ، لاعَنَ النَّهْرَبِيِّ، ففيه مَجَازَانِ؛ حَذْفُ مُضَافٍ وَهِيَ القِصةُ وَالأمرُ، وَجَعْلُ "عَنْ" مَكَانَ "فِي" كَأَنَّهُ قَال: في قِصةِ أَبِي مُوْسَى، كَمَا تَقُوْلُ العَرَبُ: كَلَّمْتُ الأمِيرَ عَنْ فُلانٍ، أَي: فِي قِصَّتِهِ وَأَمْرِهِ. و"الاسْتِئْاسُ": الاسْتِئْذَانُ في لُغَةِ أَهْلِ اليَمَنِ، حَكَاهُ الفَرَّاءُ (٢)، قَال ابنُ عَبَّاس: إِنَّمَا هُوَ يَسْتَأْذِنُوا فَأَخْطَأَ الكَاتِبُ. [التَّشْمِيتُ في العُطَاسِ] - وَذَكَرَ عَنِ العِرَاقِيِّينَ أَنّهُ إِنَّمَا يَقُوْلُ: يَغْفِرُ الله لنَا وَلَكَ، وَلَا يُقَال: يَهْدِيكُمُ اللهُ

стр. 856

ويُصْلحْ بَالكُمْ؛ لأنَّه مِنْ دُعَاءِ الخَوَارِجِ؛ لأنهم لَا يَرَوْنَ الاستِعفَارَ لنا؛ لأنَّنَا عِنْدَهُمْ كُفَّارٌ، وجَوَّزَ مَالك ﵀ أَنْ يُقَالا (١) معًا. - و [قَوْلُهُ "إنْ عَطَسَ فَشَمِّتْهُ"] [٤]. يُقَال: شَمَّتُّ العَاطِسَ، وسَمَّتُّهُ - بالسِّين - (٢) يَكُوْنُ مُشْتَقًّا مِنَ السَّمْتِ، وَهُوَ الوَقَارُ وَالجَلالةُ؛ لأنَّه توْقِيرٌ للعَاطِسِ وإِكْرَام لَهُ، وَمَنْ قَال شَمَّتُّهُ فاشْتِقَاقُهُ مِن أَشْمَتَتِ الإبِلُ: إِذَا سَمِنَتْ وَحَسُنَتْ حَالُهَا، فَهُوَ رَاجِع أَيضًا إلى مَعْنَى الإجْلالِ والإعْظَامِ، وإِلَيهِ ذَهَبَ ابنُ الأعْرَابِيِّ. وَقِيلَ: مَعْنَى التشمِيتُ: إِبْعَادُ الشَّمَاتَةِ، قَالهُ ثَعْلَب، وَقِيلَ: هُمَا وَاحِد؛ لأنَّ العَرَبَ قَد تُبْدِلُ الشِّينَ من السِّينِ فَيقُوْلُوْنَ: رَجُل جَعْسُوْس وَجَعْشُوْشٌ للحَقِيرِ (٣). وَقَال الفَارِسِيُّ: السِّينُ هِيَ الأصْلُ، والشِّينُ بَدَلٌ مِنْهَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: إِنَّ العَاطِسَ إِذَا عَطَسَ انْتَفَشَ وتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، وَإِذَا دَعَا لَهُ فَكَأَنَّهُ أَعَادَهُ إِلَى سَمْتِهِ وَهَدْيِهِ. وقَال ابنُ جِنِّي (٤): لَوْ جَعَلَ فَاعِلُ الشِّين أَصْلًا وَأَخَذَهُ مِنَ الشَّوَامِتِ وَهِيَ القَوَائِمُ لَكَانَ وَجْهًا صَحِيحًا؛ وذلِكَ أَنَّ القَوَائِمَ هِيَ الَّتِي تَحْمِلُ الفَرسَ وَبِهَا عَظَمَتُهُ فَكَأَنَّهُ إِذَا دَعَا لَهُ فَقَدْ ثَبَّتَ أَمْرَهُ، وأَنْهَضَهُ وأَحْكَمَ دَعَائِمَهُ وأَنْشَدَ (٥):

стр. 857

* طَوع الشَّوَامِتِ مِنْ خَوْفٍ وَمِن صُرَدِ * وهَذِه الأقْوَالُ قَرِيبٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، وأَوْضَحُهَا قَوْلُ مَنْ قَال: مَعْنَى شَمَّتَ: أَبْعَدَهُ عَنِ الشَّمَاتَةِ، وَذلِكَ أَنَّ العَرَبَ كَانُوا يتشاءَمُوْنَ بالعُطَاسِ وَيَسُبُّوْنَ العَاطِسَ إِذَا عَطَسَ، فَأُمِرَ النَّاسُ بِحُسْنِ الأدَبِ، وأَنْ يَجْعَلُوا مَكَانَ الدُّعَاءِ عَلَيهِ دُعَاءٌ لَهُ، وأُمِرَ العَاطِسُ بِأَنْ يَدْعُوَ بالمَغْفِرَة لِمَن يَسْمَعُهُ، كَمَا يَقُوْلُ الرَّجُلُ لِمَن أَشْمَتَهُ: غَفَوَ اللهُ لَكَ، ولأجْلِ هَذَا لَمْ يؤمَرْ بِتشمِيتِهِ بَعْدَ الثَّلاثِ؛ لأنَّ العَرَبَ إِنَّمَا كَانُوا يُرَاعُوْنَ العَطَسَاتِ الثَّلاثِ، وَلَا يَلْتَفِتُوْنَ إِلَى مَا فَوْقَهَا. أَمَّا أَمْرُ العَاطِسِ بالتَّحْمِيدِ فَلأنَّ جُهَّال العَرَبِ كَانُوا يَعتَقِدُوْن في العطَاسِ أَنّه دَاءٌ؛ وَلِذلِكَ صَاغُوْهُ صيغَةَ الأدْوَاءِ كَالبُوَالِ والدُّوارِ والنُّحَازِ (١)، وكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُم يَحْبِسُ نَفْسَهُ عَنِ العُطَاسِ لِئَلَّا يَأتِيَ بِمَا يتشاءمُ بِهِ فيُسَبُّ عَلَيهِ، فَأُعْلِمُوا أَنّه لَيسَ بِدَاء وَلَا شَيءٍ يُكْرهُ، وأَنّهُ نِعْمَةٌ مِنْ نعَمِ اللهِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الإنْسَانِ أَن يَحْمَدَهَا، وَلَوْ كَانَ ذلِكَ مَكْرُوْهًا لَم يَجِبْ تَرْكُ الحَمْدِ؛ لأنَّه يُحْمَدُ علَى المَكْرُوْهِ والمَحْبُوبِ، والعُلَمَاءُ قَدْ اعْتبَرُوا العُطَاسَ فَوَجَدُوْهُ دَوَاءً لَا دَاءَ فيهِ؛ لأنَّها رِيحٌ مُخْتَفِيَةٌ في الجِسْمِ (٢) تَخْرجُ، وَمِنْ خَاصَّتِهِ فتْحُ سَدَد الكَبِد. [مَا جَاءَ في الصُّوَرِ وَالتَّمَاثِيلِ] - و [قوْلهُ: "فَعَرَفت في وَجْهِهِ الكَرَاهِيةَ"] [٨]، . يُقَال: كَرَاهَةٌ وكَرَاهِيَةٌ. وَصُوَرٌ وَصِوَرٌ بِضَمِّهَا وكَسْرِهَا.

стр. 858

[مَا جَاءَ في أمْر الكِلاب] قَال عَلِيُّ بنُ أَبي طَالِبٍ: "الحِنُّ: الكِلابُ المَعيّنة، قَال القُتَبِيُّ: المعيّنةُ: هِيَ التِي يُرى فوق عَينَيهَا كالعُيُوْنِ، وأَكْثَرُ مَا يَكُوْنُ ذلِكَ في السُّوْدِ، وَقَال ابنُ عَبَّاسٍ: الجِنُّ السَّوْدُ مِنَ الكِلابِ. والحِنُّ -بِحَاءٍ مِهْمَلَة - البُقْعُ مِنْهَا. وقِيلَ: الحِنُّ: سَفَلَةُ الجِنِّ، ذَكَرَهُ المُطَرِّز (١). قَال الخَلِيلُ (٢): الحِنُّ: حَيٌّ مِنَ الجِنِّ، [يُقَالُ] مِنْهُم الكِلابُ [السُّوْدُ] البُهْمُ، يُقَالُ: كَلْبٌ حِنِّيٌّ. واعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مُتَمَرد مِنَ الإنْسِ أَو الجنِّ (٣)، أَوْ مَا يُرَى مِنْ أَصْنَافِ الحَيَوَانِ فَهُوَ شَيطَانٌ، وتَحْتَمِلُ تَسْمِيَةُ الكَلْبِ الأسْوَدِ شَيطَانًا وَجْهًا آخرَ وَهُوَ أَنَّ الشَّيَاطِينَ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُتَصَوَّرَ لِلنَّاسِ في صُوَرٍ شَتَّى فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُوْنَ أَكْثَرُ تَصَوُّرُهَا فِي صُوْرَةِ الكَلْبِ الأسْوَدِ. قَال أَبُو جَعْفَر المَنْصُوْرُ (٤) لِعَمْرِو بنِ عُبَيدٍ (٥):

стр. 859

مَا بَلَغَنَا في الكِلابِ [قَال: ] فَحَدَّثْتُهُ حَدِيثَ ابنِ عُمَرَ: "مَن اقْتَنَى كَلْبًا ... " الحَدِيثُ، فَقَال لَهُ المَنْصُوْرُ: لِمَ قَال هكِذَا الحَدِيثُ؟ قَال: خُذْهَا بِحَقِّهَا؛ إِنَّمَا ذلِكَ لأنَّه يَنْبَحُ الضَّيفَ، ويُرَوِّعُ السَّائِلَ. [مَا جَاءَ في أمْرِ الغَنمِ] -[قَوْلُهُ]: "رَأسُ الكُفْرِ نَحْوَ المَشْرِقِ" أَرَادَ: الفُرْسَ، وَمَنْ كَانَ فِي شِقِّهِمْ مِنَ العَجَمِ؛ لأنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ كِتَابٌ وَلَا شَرِيعَةٌ مِنْ قِبَلِ نَبِيٍّ، إِنَّمَا كَانَ صَاحِبُهُمْ زَرَادِشْتُ ادَّعَى فِيهِمُ النُّبُوَّةَ، وأَصَّلَ لَهُمْ أُصُوْلًا فَاسِدَةَ مِنْهَا القَوْلُ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءٍ قَدِيمَةِ لَمْ تزَلْ: "أَزدمن" يعني الله، و"أهدمن" يعني إبْلِيسَ، و"حام" وهو الزَّمَانُ، و"كام" وهو المَكَانُ، و"نوم" وهو الجَوْهَرُ. وَقَدْ قِيلَ إِنَّه كَانَ نَبِيًّا، وإنَّ أَتْبَاعَهُ غَيَّرُوا شَرِيعَتَهُ كَمَا غَيَّرَ (١) اليَهُوْدُ والنَّصَارَى شَرَائِعَ أَنْبِيَائِهِمْ. -[قَوْلُهُ: "والفَخرُ والخيَلاءُ"]. الخِيَلاءُ والخُيَلاءُ، بِكَسْرِ الخَاءِ وضَمهَا، والضَمّ أَفْصَحُ. -[قَوْلُهُ: "والفَدادِينَ أهْل الوَبَرِ"]. قَال الأصْمَعِيُّ (٢): الفَدَّادُوْنَ هُمُ

стр. 860

الذِينِ تَعْلُوا أَصْوَاتُهُم في حُرُوبهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ وأَمْلاكِهِمْ وَمَا يُعَالِجُوْنَ مِنْهَا، وَكَذلِكَ قَال الأحْمَر، يُقَالُ: فَدَّ الرَّجُلُ يَفُدَّ فَهُوَ فَدَّا [دٌ]، إِذَا اشتَدَّ صَوْتُهُ، وأَنْشَدَ: نُبِّئتُ أَخْوَالِي بَنِي يَزيدُ ... ظُلْمًا عَلَينَا لَهُمُ فَدِيدُ جَعَلَ "يَزِيدُ" في حُكْمِ الجُمْلَةِ، وأَضْمَرَ فيه فَاعِلًا فَحَكَاهُ كَمَا تُحْكَى الجُمَلُ. ويُرْوَي "تَزِيدُ" وَ"قَدِيدُ" وَقِيلَ الفَدَّادُوْنَ: المُكْثِرُوْنَ مِنَ الإبِلِ الَّذِينَ يَمْلِكُ أَحَدُهُمُ المِئِينَ مِنْهَا إِلَى الألْفِ يُقَالُ لَهُ: فَدَّاد إِذَا بَلَغَ ذلِكَ، وَمِنْهُ الحَدِيثُ: "أنَّ الأرْضَ إذَا دُفِنَ فِيهَا الإنْسَانُ قَالتْ لَهُ: رُبَّمَا مَشَيتَ عَلَيَّ فَدَّادًا، ذَا (١) مَالٍ كثير وَذَا خُيَلاء". وَكَانَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيبَانِيُّ يَرْويهِ: "إنَّ الجَفَاءَ والقَسْوَةَ في الفدَادِين"

стр. 861

بتَخْفِيفِ الدَّالِ جَمْعُ فَدَّادٍ مُشَدَّدًا عَلَى التَّكْسِيرِ، وَهِيَ الثيرانُ التِي تَحُرثُ، يُقَالُ: أَصْحَابُهَا أَصْحَاب جَفَاءٍ. قَال أَبُو عُبَيدٍ (١): لَمْ تَعْرفِ العَرَبُ "الفَدَّادِين" وإنَّمَا كانَتْ لِلروْمِ وأَهْلِ الشَّامِ، وَإِنَّمَا افْتُتِحَتِ الشَّامُ بَعْدَ النَّبِي [ ﷺ ]. - وَ [قَوْلُهُ: "والسَّكِينة فِي أهْلِ الغَنمِ"]. السَّكِينَةُ: الوَقَارُ، مُشْتَقَّةٌ مِن السُّكُوْنِ. - و [قَوْلُهُ "يُوْشِكُ أنْ يَكُوْنَ خَيرَ مَالٍ"] [١٦] مَعْنَى يُوْشِكُ: يَقْرُبُ. - و [قَوْلُهُ "شُعَبِ الجِبالِ"]. شُعَبُ الجِبَالِ: جَمْعُ شُعْبَةٍ، وَهِيَ طَرَفُ الجَبَلِ، ويُرْوَى: "شَعَفُ" -بالفَاءِ (٢) - وَهِيَ رَءُوْسُ الجِبَالِ وأَعَالِيهَا، وَاحِدُهَا شَعَفَةٌ كَأكَمَةٍ وَأَكَمٍ، وَهَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ رُوَاةِ "المُوَطَّأ" ويُرْوَى: "شِعَافُ" وَهُوَ أَيضًا جَمْعُ شَعَفَةٍ كَأكَمَةٍ وَإكَامٍ (٣). - و [قَوْلُهُ "أنْ تُؤْتى مَشْرُبته"] [١٧] المَشْربَةُ والمَشْربَةُ -بِضَمِّ الرّاءِ وفَتْحِهَا-: الغُرْفَةُ. - و [قَوْلُهُ "فَينتَقِلَ طَعَامُهُ"]. كُلُّ مَأْكُوْلٍ أَوْ مَشْرُوْب فَاسْمُ الطَّعَامِ وَاقعٌ عَلَيهِ، وأَطْعَامٌ جَمْعُ أَطْعِمَةٍ، وأَطْعِمَةٌ جَمْعُ طَعَامٍ، كَمَا تَقُوْلُ: أُعْطِيَاتُ الجُنْدِ وأُجْهِزَاتُ الجُنْدِ. جَمعُ جَهَازٍ وَعَطَاءٍ.

стр. 862

[مَا يُكْرَهُ مِنَ الأَسمَاءِ] - و [قَوْلُهُ: ] "لِلَقَحَةٍ [تُحْلَبُ"] [٢٤]. هَذِهِ اللامُ هِيَ التِي تُسْتَعْمَلُ بِمعْنَى "مِنْ أَجْلِ" كَقَوْلكَ: فَعَلْتُ ذلِكَ لَكَ أَي: مِنْ أَجْلِكَ، وَلَيسَتْ كَاللامِ في قَوْلكَ: قُلْتُ لَهُ كَذَا. - و [قَوْلُهُ "مِنَ الحُرَقَةِ"] [٢٥]. الحُرَقَةُ: قَبِيلَةٌ مِنْ جُهَينَةَ (١). - وَقَوْلُه: "بِحَرَّة النارِ (٢) ". حَرّةُ النَارِ: مَوْضِعٌ بِنَاحِيَةِ حُنَينٍ. [مَا جَاءَ في الحِجَامَةَ وَأجْرَةِ الحَجَّامِ] -[قَوْلُهُ: "أعْلِفْهُ نُضَّاحَكَ يَعْنِي رَقِيقَكَ"]. النَّاضِحُ: الجَمَلُ الَّذِي يُسْتَقَى بِهِ وَجَمْعُهُ: نُضَّاحٌ وَنَوَاضِحٌ، والناضِحُ -أَيضًا-: الرَّجُلُ الَّذِي يَسْقِي النَّخْلَ، وَعَلَى هَذَا قَال في تَفْسِيرِهِ: "يَعني رَقِيقَكَ" وَقَدْ رَوَاهُ ابنُ بُكَيرٍ: "نُضَّاحَكَ وَرَقِيْقَكَ" فَيَجُوْزُ في هَذِهِ الرِّوَايَةُ فَتْحُ النُوْنِ فَيَكُوْنُ اسْمًا مُفْرَدًا بِمَعْنَى نَاضِحٍ، وَجَاءَ عَلَى وَزْنِ "فَعَّالٍ" للمُبَالغَةِ كَضَرَّابٍ وَقَتَّالٍ، وَلَا يَجُوْزُ في رِوَايَةِ يَحْيَى غيرُ ضَمِّ النُّوْنِ؛ لأنَّهُ جَمْعٌ. وَيُقَالُ: عَلَفَ يَعْلَفُ هَذَا هُوَ المَشْهُوْرُ، وَحَكَى الزَّجَّاجُ (٣): أَعْلَفْتُ الدَّابَةُ رُبَاعِيًّا. وَكَانَ الأصْمَعِيُّ لَا يُجِيزُ ذلِكَ.

стр. 863

[مَا جاءَ في المَشْرِقِ] -[قَوْلُهُ: "هَا إنَّ الفِتْنة هاهُنا" [٢٩]. لأنَّ البِدع إِنَّمَا ظَهَرَ أَكْثَرُهَا مِنْ نَاحِيَةِ المَشْرِقِ. وفِي الخَبَرِ: "إِنَّه سَيَخْرُجُ مِنْ نَاحِيَةِ المَشْرِقِ رَجُلٌ يَدَّعِي النبوَّةِ يَدْعو النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ الشَّمْسِ، والمُنَجِّمُوْنَ يَزْعُمُوْنَ أنهُ يَظْهَرُ مِن نَاحِيَةِ بَابل بَعْدَ خَمْسِمَائَةِ سَنَةٍ وثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةٍ شَمْسِيَّةٍ من الهِجْرَةِ (١). - و [قَوْلُهُ "مِن حَيثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيطَانِ"]. قَرْنُ الشَّيطَانِ: أُمَّةٌ تَعْبُدُ الشَّمْسِ مِنْ دُوْنِ اللهِ، وَكَذلِكَ قَوْلُهُ: "تَطْلُعُ بَينَ قَرْنَي شَيطَانٍ" إِنَّمَا أَرَادَ: أُمَّتينِ تَعْبُدَانِ الشَّمْسَ، وَمَنْ عَبَدَ غَيرَ اللهِ فَإِنمَا عَبَدَ الشَّيطَانَ. وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَرْنهِ حَزَبَهُ دُوْنَ مَنْ يَعْبُدُهُ؛ لأنَّ البَلاءَ يَأْتِي مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ وَفِيهِ تُبْعَثُ الشَّيَاطِينُ وتَنْتَشِرُ، وَلِذلِكَ قَال (٢) [تَعَالى]: (٣): ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾. - و [قَوْلُهُ "وَبِهَا فَسَقَةُ الجِنِّ"] [٣٠]. فَسَقَةُ الجِنِّ: مَرَدَتُهُمْ، ويُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ: دُهَاةَ الرِّجَالِ، وَرُؤِيَ الفِسْقُ والنَّكَارَةُ مِنْهُمُ. وَالعَرَبُ تُسَمِّيهِمْ جِنًّا وشَيَاطِينَ، وتُسَمِّي العَرَبُ أَيضا ذَا الأخْلاقِ الرَّدِيئَةِ جِنًّا وَشَيَاطِينَ، قَال الشَّاعِرُ (٤):

стр. 864

فَمَا نَفَرَتْ جِنِّي وَلَا فُلّ مِبْرَدِي ... وَلَا أَصْبَحَتْ طَيرِي مِنَ الخَوْفِ وَقعًا وتُسَمِّي المَلائِكَةَ جِنًّا وجِنَّةً. - و [قَوْلُهُ "وَبِهَا الدَّاءُ العُضَالُ"]. يُقَالُ دَاءٌ عُضَالٌ، وعُقَامٌ، وعَقَام، ونَاجِسٌ، ونَجِيسٌ: إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ دَوَاءٌ. [مَا جَاءَ في قَتْلِ الحَيَّاتِ ... ] -[قَوْلُهُ: "إلا ذَا الطُّفْيتينِ وَالأبْتَرُ"] [٣٢]. ذُو الطُّفْيَتينِ هُوَ الَّذِي في ظَهْرِهِ خَطَّانِ أَسْوَادَانِ. وأَصْلُ الطُّفْيَةِ: خُوْصَةُ المُقْلِ شُبِّهَ بِهَا الخَطُّ الَّذِي في ظَهْرِهِ. -[قَوْلُهُ: "قَتْل الجِنان "]. الجِنَانُ: حَيَّاتٌ رِقَاقٌ خِفَافٌ، وَاحِدُهَا جَانٌّ. - و [قَوْلُهُ: "فَإنَّمَا هوَ شَيطَانٌ"] [٣٣] أَي: إِنَّ الشَّيطَانَ يتصَوَّرُ بِصُوَرِ الحَيَّاتِ، والعَرَبُ تُسَمِّي الحَيّةَ الخَفِيفَةَ الجِسْمِ شَيطَانًا، وَبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ [تَعَالى] (١): ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾. - قِيلَ لِعَاصِمٍ (٢) في مَعْنَى الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْنِ فَقَال: ألمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُمْ: "حَارَ

стр. 865

بَعْدَمَا كَانَ"؟ أَي: كَانَ عَلَى حَالةٍ جَمِيلَةٍ فَحَارَ عَنْ ذلِكَ أَي: رَجَعَ. وَهَذَا تَصْحِيفٌ إِنَّمَا هُوَ الكَوْرُ بالرَّاءِ يُقَالُ: كَارَ الرَّجُلُ عِمَامَتَهُ: إِذَا أَدَارَهَا عَلَى رَأْسِهِ، وَحَارَ: إِذَا نَقَضَهَا، وَهَذَا الدُّعَاءُ يَتَصَرَّفُ في مَعَانٍ كَثيرةٍ؛ كَالضَّلالِ بَعْدَ الهُدَى، والشَرِّ بَعْدَ الخَيرِ، والفَقْرِ بَعْدَ الغِنَى، والنُّقْصَانِ بَعْدَ الزِّيَادَةِ، وَذَكَرَ يَعْقُوْبُ بنُ السِّكِّيتِ (١) أنّهُ بالرَّاءِ، فَقَال: نَعُوْذُ بالله مِنَ الحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ، يُرِيدُ مِنَ النُّقْصَانِ بَعْدَ الزِّيَادَةِ. وَقَال: ويُقَالُ: إِنَّ مَعْنَاهُ: القِلَّةُ بَعْدَ الكَثرةِ. [مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الكَلامَ فِي السَّفَرِ] - و [قَوْلُهُ "إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ في الغَرْزِ"] [٣٤] الغَرْزُ لِلنَّاقةِ مِثْلُ الرِّكَابِ لِلْفَرَسِ. والوَعْثَاءُ (٢): المَشَقَّةُ والصعُوْبَةُ، وأَصْلُهُ مِنْ وَعَثَ الرَّمْلِ، وَهُوَ الَّذِي تَسُوْخُ (٣) فِيهِ الأقْدَامِ لِلِينهِ فَيَتَعَذَّرَ عَلَى المَاشِي رُكُوْبُهُ. -[قَوْلُهُ: "وَكآبة المُنْقَلَبِ"]. أَنْ يَرْجِعَ مِنْ سَفَرِهِ كَئِيبًا لَمْ يَبْلُغْ مَا أَرَادَ (٤). والمُنْقَلَبُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الانْقَلابِ، كالمُنْطَلَقِ بِمَعْنَى الانْطِلاقِ. وَ"سُوْءُ

стр. 866

المَنْظَرِ" رُؤْيَةُ مَا لَا يَسُرُّ. -[قَوْلُهُ: "بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّاتِ"]. التَّامَّاتُ: صِفَةٌ يُرَادُ بِهَا المَدْحُ، وَلَا يُرَادُ بِهَا الفَرْقُ بَين مَوْصُوْفَينِ أَحَدُهُمَا تَامٌّ والآحرُ نَاقِصٌ؛ لأنَّ كَلِمَاتُ اللهُ لَا نَقْصَ في شَيءٍ مِنْهَا، وإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلهِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وَ [قَوْلُهُ تَعَالى] (١): ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ ونَحْوهَا مِنَ الصفَاتِ الَّتِي يُرَادُ بِهَا المَدْحُ أَو الذَّمُّ لَا الفَرْقَ، وَكَذلِكَ قَوْلُهُ [تَعَالى] (٢): ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ لأنَّهُ لَمْ يُفْرَضْ عَلَى الخَلْقِ صَوْمُ الشَّهْرِ الَّذِي أُنْزِلَ فيهِ القُرْآن دُوْنَ غَيره. [مَا جَاءَ في الوحْدَةِ في السَّفَرِ للرِّجَالِ والنِّسَاءِ] -[قَوْلُهُ: "الرَّاكِبُ شَيطَانٌ"] [٣٥]. وَلَمَّا كَانَتِ الوحْدَةُ مِنْ مَقَابِحِ الأخْلاقِ التِي تَدُلُّ عَلَى [ ... ] (٣) وبُغْضِ النَّاسِ والحَسَدِ، بِضِدِّ الألْفَةِ التِي هِيَ مِنْ مَحَاسِنِ الأخْلاقِ. وَكَانَتْ الصِّفَاتُ القَبِيحَةُ تُنْسَبُ إِلَى الشَّيَاطِينِ، وَمَنُ تَخَلَّقَ بِأخلاقِهِم كَانَ بِمَنْزِلَتِهِمْ، هَذَا وَجْهٌ. وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ العَربَ كَانَتْ تُسَمِّي كُل مَنْ ألفِ القِفَارَ واعْتزلَ النَّاسَ جِنِّيًّا وشَيطَانًا. - وَرَوَى حَدِيثَ أبِي هُرَيرَةَ [٣٧] "لَا يَحِلُّ لامْرَأةٍ تُؤمنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ أنْ تُسَافِرَ بَرِيدًا" وَرُويَ "يَوْمَينِ"] وَرُويَ "ثَلاثَةُ أيَّامٍ"] وَرُويَ: "ثَلاثَةُ أيَّامٍ

стр. 867

فَصَاعِدًا" وَرُويَ بِغَيرِ تَحْدِيدٍ. -[قَوْلُهُ: "مَا لَا يُعِينُ عَلى العُنْفِ"] [٣٨] العُنْفُ -بِضَمِّ العَين-: الجَفاءُ، وَهُوَ ضِدُّ الرِّفْقِ. - وَ [قَوْلُهُ: "وإيَّاكمْ والتَّعْرِيسَ عَلَى الطَّرِيقِ"]. التَّعْرِيسُ: أَنْ يَنْزِلَ المُسَافِرُ نَزْلَةً خَفِيفَةً آخرَ اللَّيلِ. - وَذَكَر قَوْلَهُ: "أعْطُوا الرُّكُبَ -بِضَمِّ الرَّاءِ والكَافِ- أسِنّتَهَا"، فالرُّكُبُ المَذْكُوْرِ: جَمْعُ رِكَابٍ كَكِتَابٍ وَكُتُب، وَهِيَ الإبِلُ الَّتِي تُرْكَبُ، وَأَصْلُهَا، رُكُبٌ ثُمَّ سُكِّنَت تَخْفِيفًا كَحُمُرٍ وحُمْرٍ، وعُنُقٍ وعُنْقٍ، وكَذلِكَ كُلُّ ضَمَّتينِ تَوَالتَا في كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّ حَذْفَ الضَّمَّةِ الثَّانِيَةِ جَائِزٌ. وَوَاحِدُ الرِّكَابِ: حَمُوْلَة مِنْ غَيرِ لَفْظِهَا. وَقِيلَ. رَكُوْبَةٌ. وَقَال أَبُو عُبَيدٍ (١): وَالأسنَّةُ جَمْعُ أَسنَانٍ، والأسْنَانُ جَمْعُ سِنٍّ، وَمَا قَالهُ غَيرُ صَحِيحٍ؛ لأنَّ الجَمْعَ إنَّمَا جُمِعَ لِيُكَثَّرَ، وأَفْعَلَةٌ جَمْعٌ لأقَلِّ العَدَدِ فَلَا يَجُوْزُ أَنْ يُكَثِّرَ بِهِ، ولأنَّ أَفْعَالًا لَا تُجْمَعُ عَلَى أَفْعِلَةٍ إِنَّمَا تُجْمَعُ إِذَا أُرِيدَ تكثيرُهَا عَلَى أَفَاعِيلَ (٢)

стр. 868

كَأَقْوَالٍ وأَقَاويلَ، وأَنْعَامٍ وأَنَاعِيمَ. وَقَال أَبُو سَعِيدٍ الضرِيرُ (١): الأسِنَّةُ جَمْعُ سِنَانٍ، والعَرَبُ تَقُوْلُ: "الحَمْضُ يَسِنُّ الإبِل عَلَى الخَلَّة"] أَي: يُقَوِّيهَا ويُشَهِّيهَا، والسِّنَانُ: الاسْمُ [مِنْ سَنَّ يَسِنُّ] (٢)، وَهُوَ القُوَّةِ. و"الحَمْضُ" مَا مَلُحَ مِنَ النَّبَاتِ. و"الخَلَّةُ" مَا خَلا مِنْهَا. و"النِّقْيُ": المُخُّ، أَنْقَى العَظْمَ: إِذَا صَارَ فِيهِ مُخٌ. والدَّوَابُّ: تَنْشَطُ لِسَيرِهَا باللَّيلِ أَكْثرُ مِنْ سَيرِهَا بالنَّهَارِ، وَكَذلِكَ أَصْحَابُهَا؛ وَذلِكَ لِبَرْدِ اللَّيلِ وحَرِّ النَّهَارِ، وَلِذلِكَ قَال: "فَإِنَّ الأرْضَ تُطْوَى بالليلِ ... " الحدِيثُ. [مَا جَاءَ في المَمْلُوْكِ وهِبتَهِ] -[قَوْلُهُ: "تَجُوْسُ النَّاسَ"] [٤٤] جَاسَ وحَاسَ لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَطِئُوْا، يُقَال: جَاسَتْهُمْ الخَيلُ، وَسَمِعَ أَبُو زَيدٍ أَبَا سِوَارٍ الغَنَويُّ [يَقْرَأُ]: ﴿فَحاسُوا خِلَال الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ (٣) فَأنكرَ عَلَيهِ فَقَال: هُمَا بِمَعْنى وَاحِدٍ: وَرَوَاهُ ابنُ كِنَانَةَ (٤) عَنْ مَالِكٍ:

стр. 869

"تَسُق النَّاسَ" مَكَانَ "تَجُوْسُ". وَمَعْنَى باءَ (١): احْتَمَلَ: [قَال تَعَالى] (٢): ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ﴾ أَي: تَحْتَمِلَ. "فَإنَّ الدَّهْرَ هُوَ الله" أَي: إِنَّ الدَّهْرَ لَا يَفْعَلُ شَيئًا، والفِعْلُ كُلُّه إِنَّمَا هُوَ للهِ فَمَنْ سَبَّ الدَّهْرَ فَإِنَّمَا يَسُبُّ اللهَ الَّذِي يُصَرِّفُهُ. وسَمِعَ زِيَادٌ (٣) رَجُلًا يَسُبُّ الزَّمَانَ فَقَال: لَوْ تَدْرِي مَا الزَّمَانُ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ، إِنَّمَا الزَّمَانُ هُوَ السُّلْطَانُ. وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يُرَادُ بِذَمِّ الدَّهْرِ ذَمُّ أَهْلِهِ كَمَا يُقَالُ: لَيل قَائِم ونَهَار صَائِمٌ، وَإِنَّمَا الصَّائِمُ القَائِمُ أَهْلُهُ.

стр. 870

[كِتابُ الكلامِ] (١) [مَا يُكْرَهُ مِنَ الكَلامِ بِغَيرِ ذِكْرِ اللهِ] قَدِمَ الزِّبْرِقَانُ (٢) وعَمْرُو بنُ الأهْتَمِ (٣) عَلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ، فَقَال الزِّبْرِقَانُ: يَا رَسُوْلَ الله أَنَا سَيِّدُهُمُ، والمُطَاعُ فِيهِمْ، آخُذُ لَهُمْ بِحَقِّهِمْ، وأَمْنَعُهُمْ عَنْ الضِّيمِ، وَهَذَا يَعْلَمُ ذلِكَ -يَعْنِي: عَمْرًا-، فَقَال عَمْرٌو: أَجَلَ يَا رَسُوْل اللهِ، إِنَّهُ لَمَانَعٌ لِحَوْزتهِ، مُطَاعٌ في عَشِيرَتِهِ، شَدِيدُ العَارِضَةِ فِيهِمْ، فَقَال الزِّبْرَقَان: أَمَا إِنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ، وَلِكِنَّهُ حَسَدَنِي شَرَفِي. فَقَال عَمْرٌو: أَمَّا

стр. 871

لَئِنْ قَال مَا قَال: فَمَا عَلِمْتُهُ إلَّا ضَيِّقَ العَطَنِ، زَمْرَ المُرُوْءَة (١)، أَحْمَقَ الأبِ، لَئِيمَ الخَال، حَدِيث الغِنَى. فَرَأَى الكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِ رَسُوْل الله ﷺ ، فَقَال: يَا رَسُوْل ﷺ رَضِيتُ فَقُلْتُ أَحْسَنَ مَا عَلِمتُ، وَسَخِطْتُ فَقُلْتُ أَقْبَحَ مَا عَلِمْتُ، وَمَا كَذَبْتُ في الأوْلَى، وَلكِنْ صَدَقْتُ في الأُخْرَى. فَقَال رَسُوْل اللهِ ﷺ . "إنَّ مِنَ البيَانِ لَسِحْرًا، وإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً" (٢). وَكَانَ عَمْرٌو مِمَّنْ جُمِعَ لَهُ البَيَانُ نَثْرًا ونَظمًا، وَكَانَ يُقَال: كَأَنَّ كَلامَهُ وَشْيٌ مَحُوْكٌ، وَكَأنَّ شَعْرَهُ حُلَل مُنَشَّرَةٌ عِنْدَ المُلُوْكِ (٣)، وَهُوَ القَائِلُ (٤):

стр. 872

ذَرِيني فَإِنَّ البُخْلَ يَا أَمَّ مَالِكٍ ... لِصَالح أَخْلاقِ الرِّجَالِ سَرُوْقُ ذَرِيني وَحَظِّي في هَوَايَ فَإِنَّنِي ... عَلَى الحَسَبِ الزَّاكِي الرَّفِيع شَفِيقُ وَكُلُّ كَرِيم يتَّقي الذَّمَّ بالقِرَى ... وَلِلْخَيرِ بَينَ الصَّالِحِينَ طَرِيقُ لَعَمْرُكَ مَا ضَاقَتْ بِلادٌ بِأَهْلِهَا ... ولكِنَّ أَخْلاقَ الرِّجَالِ تَضِيقُ - وَقَوْلُهُ: "إِنَّ مِنَ البيَانِ لَسِحْرًا" [٧]. كَلامٌ خَرَجَ مَخْرَجَ المَدْحِ، أَرَادَ مِنَ البَيَانِ مَا يَسْتَمِيلُ القُلُوْبَ كَمَا يَفْعَلُ السِّحْرُ، ويَدُلُّ عَلَى أَنّه مَدْحٌ قَوْلُهُ: "وإنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً" وَهَذَا مَدْحٌ بِلا شَك، فَكَيفَ يَكُوْنَ نِصْفُهُ مَدْحًا ونصْفُهُ ذَمًّا؟ ! . وأَيضًا فَقَدْ رُويَ أَنَّ عُمَرَ بنَ عَبْدِ العَزِيزِ قَال لِلْغُلامِ حِينَ قَال لَهُ: "إِنَّمَا المَرْءُ بِأَصْغَرَيهِ لِسَانِهِ وقَلْبِهِ، فَإِذَا مَنَحَ اللهُ عَبْدَهُ لِسَانًا لافِظًا وقَلْبًا حَافِظًا فَقَدْ أَجَادَ لَهُ الاخْتِيَارَ، وَلَوْ كَانَتِ الأموْرُ بالسِّنِّ لَكَانَ هاهنَا مِنْ هُوَ أَحْقُّ بِمَجْلِسِكَ مِنْكَ". فَقَال عُمَرُ: "قُلْ يَا بُنَيَّ فَهَذَا السِّحْرُ الحَلالُ"، فَوَصْفُهُ إِيَّاهُ بالحَلالِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّه مَمْدُوْحٌ،

стр. 873

وإِنَّ مِنَ السِّحْرِ مَا هُوَ مُسْتَحْسَنٌ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مُسْتَقْبَحٌ. قَال ابنُ الرُّوْمِيِّ (١): وَحَدِيثها السَّحْرُ الحَلالُ لَوَنَّهُ ... لم يجِنْ قَتْلَ المُسْلِمِ المُتَحَرِّز إِنْ طَال لَمْ يُمْلَلْ وإِنْ هِيَ أَوْجَزَتْ ... وَدَّ المُحَدَّثُ أَنّهَا لَمْ تُوْجِزِ شَرَكُ العُقُوْلِ ونُزْهَةٌ مَا مِثْلُهَا ... لِلْمُطْمَئِنِّ وَعُقْلَةُ المُسْتَوفِزُ وَقَال أَبُو تَمَّامٍ (٢) -يُخَاطِبُ مُحَمَّدَ بنَ يُوْسِفَ الطَّائِيَّ وَكَانَ سَألَهُ حَاجَةً فَمَنَعَهُ-: إِذَا مَا الحَاجَةُ انْبَعَثَتْ [يَدَاهِا] ... جَعَلَتَ المَنع مِنْكَ لَهَا عِقَالا فَأَينَ قَصَائِدٌ لِي مِنْكَ تأْبَى ... وَتأَنَفُ أَنْ أُهَانَ وأَنْ أُدالا هِيَ السِّحْرُ الحَلالُ لِمُجْتَنِيهِ ... وَلَمْ أَرَ قَبْلَهَا سحرًا حَلالا وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أن النَّبِيَّ [ ﷺ ] إِنَّمَا قَال [هَذَا] في بابِ مَا يُكرَهُ مِنَ الكَلامِ. [مَا جَاءَ فِيمَا يُخَافُ مِنَ اللسَانِ] -[قوله: "فسكت رسول الله ﷺ [١١] وَجْهُ سُكوْتِ النَّبِيِّ ﷺ عَن إِجَابَةِ السَّائِلِ لِيُصْغِي الحَاضِرُوْنَ إِلَى جَوَابِهِ، ويَهَشُّوا لِمَعْرِفَةِ الاثْنَينِ؛ لأنَّ الشَّيءَ إِذَا أُبْهِمَ كَانَتِ النُّفُوْسُ أَحْرَصَ عَلَى مَعْرفتِهِ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ [ ﷺ ]: "أيُّ يَوْمٍ هَذَا، أيُّ شَهْرٍ هَذَا" وَرَوَاهُ يَحْيَى. "لَا تُخبِرْنَا" وتَبِعَهُ ابنُ القَاسِمِ. كَأنَّ السَّائِلَ

стр. 874

أَرَادَ أَنْ يَتْرُكَهُمْ يُفكِّرُوْنَ في الاثْنَيْنِ مَا هُمَا. والوَجْهُ في "تُخْبِرُ" أَنْ يَكُوْنَ: لاَ تُخْبِرُنَا بِرَفْعِ الرَّاءِ عَلَى مَعْنَى العَرْضِ كَمَا يُقَالُ فِي التَّقْدِيْرِ: أَمَا تَرَى، ورُبَّمَا حَذَفُوا الهَمْزَةَ فَقَالُوا: مَا تَرَى وَهِيَ لُغَةٌ ضَعِيْفَةٌ، والمَشْهُوْرُ بالهَمْزِ، أَو يَكُوْنَ مِنَ الأفْعَالِ الَّتِي تَرْفَعُ عَلَى مَعْنَى الإخْبَارِ، والمُرَادُ بِهَا الأمْرُ والرَّغْبَةُ، كَمَا تَقُوْلُ: يَرْحَمُ اللهُ زَيْدًا ويَغْفِرُ لَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ [تَعَالَى] (١): ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ وَمَنْ رَوَى "ألَا تُخْبِرُنَا" بِرَفْعِ الرَّاءِ فَهُوَ أَصَحُّ، وَيَكُوْنُ عَلَى مَعْنَى العَرْضِ والاسْتِدْعَاءِ كَقَوْلِكَ (٢): "أَلاَ تَفْعَلُ، أَلاَ تَقْعُدُ، أَلاَ تَنْزِلُ" وَرُوِيَ: "ألَّا تُخْبِرُنَا" بِتشدِيْدِ اللاَّمِ، وَمَعْنَاهَا كَمَعْنَى "هَلاَّ" والهَمْزَةُ بدَلٌ مِنَ الهَاءِ، وَمَعْنَاهَا التَّحْضِيْضُ. - وَ [قَوْلُهُ: "وَهُوَ يَجْبِذُ لِسَانَهُ"] [١٢]. يُقَالُ: جَبَذَ الشَّيْءَ وَجَذَبَهُ: إِذَا مَدَّهُ. وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٌ "يَدْلَعُ لِسَانَهُ" أَيْ: يُخْرِجُ لِسَانَهُ، يُقَالُ: دَلَعَ الرَّجُلُ لِسَانَهُ وأَدْلَعَ: إِذَا أَخْرَجَهُ، وَدَلَعَ اللِّسَانُ نَفْسُهُ. [مَا جَاءَ في الصِّدْقِ والكَذِبِ] [قَوْلُهُ: "لَا خَيْرَ فيِ الكَذِبِ"] [١٥]. المَمْنُوْعُ مِنَ الكَذِبِ مَا كَانَ كَذِبًا عَلَى اللهِ [تَعَالَى] أَوْ عَلَى رَسُوْلهِ [ ﷺ ]، أَوْ كَانَ فِيْهِ مَضَرَّةٌ عَلَى مُسْلِمٍ. أَذْكُرُ قِصَّةَ الحَجَّاجِ بنِ عِلاَطٍ (٣) وإِسْلاَمَهُ وَقَوْلَهُ لأهْلِ مَكَةَ: أُخِذَ

стр. 875

مُحَمَّدٌ أَسِيرًا. [مَا جَاءَ في إِضَاعَةِ المَالِ] - وَ [قَوْلُهُ: "وأنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله"] [٢٠]. حَبْلُ اللهِ: القُرْآنُ، وَقِيلَ: الجَمَاعَةُ. - وَ [قَوْلُهُ: "قِيلَ وَقَال". قِيلَ: عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ قَوْلٍ لَمْ يُذْكَرْ صاحِبُهُ. وَقَال: عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ قَوْلٍ ذُكِرَ قَائِلُهُ، وَهُمَا فِعْلانِ مَاضِيَانِ مَحْكِيَّانِ، ومَنْ أَعْرَبَهُمَا جَعَلَهُمَا اسْمَينِ لِلْقَوْلِ، قَال (١): كَرِيمُ الفِعْلِ في بِدْءٍ وعَوْدٍ ... نَزِيهُ السَّمْعِ عَن قِيلٍ وَقَالِ - وَ [قَوْلُهُ: "إِضَاعَةِ المَالِ، وَكثرةِ السُّؤَالِ"]. في "إِضاعَةِ المَالِ" ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: تَرْكُ الإحْسَانِ إِلَى مَنْ تَمْلِكُهُ مِنَ الجِيرَانِ. والثَّانِي: تَرْكُ سِرِّ المَالِ والنَّظَرِ في إِصْلاحِهِ. والثَّالِثُ: إِنْفَاقُهُ عَنْ حَقِّهِ. وفِي "كَثرة السُّؤالِ" ثلاثةُ أَقْوَالٍ:

стр. 876

أَحَدُهَا: قَوْلُهُ [تَعَالى]: (١) ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ الآية. والثَّانِي: سُؤَالُ مَا في أَيدِي النَّاسِ. والثَّالثُ: النَّوَازِلُ والأغْلُوْطَاتُ. وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنّه قَال: أَمَّا "قِيلَ وَقَال" فَهِيَ الأخْبَارُ الَّتِي النَّاسُ فِيهَا. وَ"إِضَاعَةُ المَالِ" مَنْعُهُ مِنْ حَقِّه وَوَضْعُهُ في غَيرِ حَقِّهِ. وأَمَّا "كَثْرَةُ السُّؤَالِ" فَواللهِ مَا أَدْرِي مَا أَرَادَ إِنْ كَانَ سُؤال العَطَاءِ، أَوْ مَا أَنْتُم فِيه مِنْ كَثرةِ المَسَائِلِ. -[قَوْلُهُ: "إِذَا كَثرُ الخَبَثُ"]. قَال ابنُ وَهْبٍ: الخَبَثُ: أَوْلادُ الزّنَا. وَقَال ابنُ وَضَاحٍ (٢). قَال (من): وَلَيسَ هَذَا بِشَيءٍ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ فَسَّرَ قَوْلَهُ [تَعَالى] (٣): ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أَنّه المِشْطُ، وَقَوْلُهُ [تَعَالى] (٤): ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ الرُّغُفُ الّتي يَحْمِلُهَا الصِّبْيَانُ (٥) إِلَى المُعَلِّمِينَ، وَقَوْلُهُ تَعَالى (٦): ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ أنَّهُمُ الحَمَّالُوْنَ، ونَحْوَ ذلِكَ مِنَ التفسِيرِ الشَّاذِّ.

стр. 877

[مَا جَاءَ في التُّقَى] -[قَوْلُهُ: "بَخٍ بَخٍ"]. يُقَالُ: بَخْ بَخْ، وبَخٍ بَخٍ، وبَخٍ بَخْ؛ بِتَسْكِينَ الخَائَينِ وتَنْوينهِمَا أَيضًا، وتَسْكِينِ الثَّانِيةِ للوَقْفِ وكَسْرِ الأوْلَى مَعَ التنوينِ، فإِذَا وَصَلْتَ الثَّانِيَةِ بِكَلامِ تَقِفُ عَلَيهِ كَسَرْتَهَا أَيضًا، فَتَقُوْلُ: بَخْ بَخٍ يَا هَذَا. وتَنْويهِمَا عِنْدَ النَّحْويِّينَ عَلامةٌ لِتنكِيرِهَا، وتَسْكِينُهَا عَلامةٌ لِتَعْرِيفِهِمَا، ويُقَالُ بَهْ بَهْ في مَعْنَاهُمَا.

стр. 878

[كتابُ جَهَنَّمَ] (١) [مَا جَاءَ في صِفَةِ جَهَنَّمَ] -[قَوْلُهُ: "لَهِيَ أَسْوَدُ مِنَ القَارِ"] [٢]. أَجْمَعَ الرُّوَاةُ عَلَى قَوْلهِ: "أَسْوَدُ" وإِنَّمَا الوَجْهُ لَهِيَ أَشَدُّ سَوَادًا، ونَظِيرُهُ قَوْلُ عُمَرَ: "فَهْوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ" والقِيَاسُ: أَشَدُّ إِضَاعَةٌ، وأَكَثْرُ مَا يَأْتِي مِثْلُ هَذَا في الشِّعْرِ كَقَوْلهِ (٢): * أَبْيَضُ مِنْ أخْتِ بني أباضِ * وَقَال ذُو الرُّمَّةِ: وَمَا شَنَّتَا خَرْقَاءَ وَاهِيَةُ الكُلَى ... سَقَى بِهِمَا سَاقٍ وَلَمَّا تَبَلَّلا بِأضيَعَ مِنْ عَينَيكَ لِلْمَاءِ كُلَّمَا ... تَوَهَّمْتَ رَبْعًا أَوْ تَذَكَّرْتَ مَنْزِلًا -[قَوْلُهُ: "جَهَنَّمُ"]. النُّوْنُ زَائِدَةٌ، وَيَكُوْنُ وَزْنُهَا "فَعَيَّلًا" وَهَذَا بِنَاءٌ غَيرُ مَعْرُوْفٍ، والَّذِي عَلَيهِ الجُمْهُوْرُ إِنَّهُ اسمٌ أَعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ (٣).

стр. 879

[كِتَاب الصَّدقَة] (١) [الترْغِيبُ فِي الصَّدَقَةِ] -[قَوْلُهُ: "مَالٌ رَابِحٌ"] [٢]. رَابِحٌ يَعُوْد عليه من هَيئَةِ الرِّبحِ، وهَذِهِ اللَّفْظَةُ تَجْري مَجْرَى النَّسَب كَقَوْلهِ [تَعَالى] (٢): ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١)﴾، وإِلا فَكَان الوَجْهَ أَنْ يَقُوْلَ: مَرْبُوْحٌ. وَمَن رَوَى: "رَائِحٌ" أَرَادَ: يَرُوْحُ عَلَيكَ خَيرُهُ كَمَا تَرُوْحُ المَاشِيَةُ مِنَ المَرْعَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في قَوْلهِ: "يَا نِسَاءُ المُؤْمِنَاتِ". - وَ [قَوْلُهُ: "شَاةً وَكفَنها"] (٣) [٥]. كَانُوا يَسْلَخُوْنَ الشَّاةَ ويُلْبِسُوْنَهَا عَجِينًا ثُمَّ يُعَلِّقُوْنَهَا في التَّنُّوْرِ لئَلَّا يَسِيلَ مِنْ وَدَكِهَا شَيءٌ، وَكَانُوا رُبَّمَا عَلَّقُوا الشَّاةَ المَسْلُوْخَةَ في التَّنُّوْرِ دُوْنَ أَنْ يُلْبِسُوْهَا عَجِينًا وَوَضَعُوا ثَرِيدَةَ يَقْطُرُ فِيهَا شَحْمُهَا. [مَا جَاءَ في التَّعَفُّفِ عَنِ المَسْأَلَةِ] - وَقَوْلُهُ: "مَا يَكُوْنُ عِنْدِي مِنْ خَيرٍ"] [٧]. رُويَ: "مَا يَكُنْ" بالجَزْمِ عَلَى مَعْنَى الشَّرْطِ. وَرُويَ: "مَا يَكُوْنُ" بالرَّفْعِ عَلَى أَنْ تكوْنَ "مَا" بِمَعْنَى "الَّذِي" وكِلاهُمَا صَحِيحٌ، إِلَّا أَنَّ الشَّرْطَ أَحْسَنُ ها هنَا، لِمَجِيءِ الشُّرُوْطِ المَذْكُوْرَةِ بغَيرِ هَاءٍ

стр. 880

-[قوله]: "وَمَنْ يَسْتَعْفُّ يُعِفُّهُ اللهُ"] [٧] بِرَفْعِ الفَاءِ وبضمِّهَا. - قَوْلُهُ: "لِيَأخُذُ" [١٠]. أَرَادَ: لأنْ يَأْخُذَ، فَلَمَّا حَذَفَ النَّاصِبَ رَفَعَ الفِعْلَ، ورُبَّمَا فَعَلَتِ العَرَبُ ذلِكَ إلَّا أنَّه قَلِيل، وَمِنْه (١): "تَسْمَعُ بالمُعَيدِي خَيرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ" وَعَلَيهِ تُأُوِّلَ قَوْلُهُ [تَعَالى] (٢): ﴿تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ وَقَوْلُ طَرَفَةَ (٣): * ... أَخْضُرُ الوَغَى * ورُبَّمَا حَذَفُوا "أَنْ" وَتَرَكُوا الفِعْلَ مَنْصُوْبًا، وَلَا يُوْجَدُ ذلِكَ إِلَّا في الشِّعْرِ، وَعَلَى هَذَا رُويَ بَيتُ طَرَفَةَ: * ... أَخْضُرَ الوَغَى * بِنَصْبِ الرَّاءِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَامِرِ بنِ جُؤَينٍ الطَّائِيِّ (٤): فَلَمْ أَرَ مِثْلَهَا خَبَاسَةَ وَاحِدٍ ... وَنَهْنَهْتُ نَفْسِي بَعْدَ مَا كِدْتُ أَفْعَلَهْ فَنَصَب "أَفْعَلَه". - قَوْلُهُ: "مِنْ حَاجَتِهِمْ" [١١]. "مِنْ" ها هنَا زَائِدَةٌ، كَمَا تَقُوْلُ: مَا رَأَيتُ مِنْ رَجُلٍ، وَمَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ [تَعَالى] (٥): ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ فَتكوْنُ زِيَادَتُهَا لِتَأْكِيدِ النَّفْي، وَقَال الحَرْبِيُّ (٦): تزادُ لِلْجِنْسِ في قَوْلكَ: مَا
следующие страницы →