← Гариб и словари

Гариб и словари · id 18197

إصلاح غلط أبي عبيد في غريب الحديث

ابن قتيبة

Полный текст (150 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

خرجِ في أسفله نخلٌ صِعْار، وهي الصَّنابير، فأضْعَفَه وأَذْهَبَ قوَّتَهُ وقلَّ سَعَفه لذلك. * * * ١٣ - وقال أبو عبيد (١) في حديث النَّبي ﷺ ، "الثَّيْبْ يُعْرِبُ عنها لِسانُها". قال أبو عبيد (٢)، هو يُعرِّب بالتّشديد، يقال: عَرَّبْتُ عن القوم إذا تكلّمت عنهم، قال. وكذلك الحديث في الرجُل الذي قَتَل رجُلًا يقول. لا إله إلَّا الله، إنَّما كان يُعرِّب عمّا في قَلْبه لِسانُهُ، بالتَّشديد. هذا قول أبي عبيد. قال أبو محمد: اللفظُ على ماجاء في الحديث، يُعْرِب عنها لِسانُها. يقال: اللِّسانُ يُعْرِب عن الضَّمير (٣)، أي: يُبّين عنه، والإِعْرابُ في الكلام من هذا، إنَّما هو الِإفْصاحُ والإِبانَة (٤). ولم أسمع أحدًا يقول: التَّعْرِيبُ. وقال الكميت (٥) لبني هاشم: وَجَدْنَا لكم في آل حميم (٦) آيةً ... تأوَّلها منّا تقىٌّ ومُعْرِبُ

стр. 72

أي: تأوّلها منّا رجلٌ يتّقي على نَفْسه، فهو لا يتكلّم ولا يُبْدِي ذلك التَّأْوِيلُ خَوْفًا على نَفْسه من بني أُميَّة، وآخر يُعْرب، أي: يُبين ويُفصح بذلك التأويل ولا يُباليهم. وقال آخر: (١) فإنِّي لأكْنو عن قَدور بغيرها ... وأعْرِبُ أحيانًا بها فأصارحُ * * * ١٤ - وقال أبو عبيد (٢) في حديث النّبي ﷺ ، "مَنْ تَعلَّم القرآن ثم نَسِيَه لقيَ الله (٣) وهو أَجْذَم". قال أبو عبيد: الأجذم، المَقْطوع اليد. يقال: جذمت يده، تجذم جذمًا، وجذمتها أنا. واحتجَّ بقول الشاعر: (٤) وهل كنت إلَّا مثل قاطع كفّه ... بكفّ له أخرى فأصبح أَجْذَما هذا قول أبي عبيد. قال أبو محمد: وقد تدبّرت هذا التفسير فرأيته أتى فيه من قِبَل البيت الذي استشهده. وليس كلّ أجْذَم أقْطَع اليد، وإذا نحن حملنا الحديث على ما ذهب اليه، رأينا عُقوبة الذَّنْب لا تُشَاكل الذئب، لأنَّ اليد لا سبَبَ لها في نِسْيان القرآن. والعقوبات من الله تكون

стр. 73

بحَسب الذّنوب كقوله: "الذين يأكلون الرِّبا لا يقومون إلَّا كما يقوم الذي يتخبّطَه الشّيطان من المَسّ" (١). يريد: ان الرّبا الذي أكلوه رَبَا في بطونهم فأثْقلهم، فهم يقومون ويسقطون كما يصيب مَنْ يتخبَّطه الشَّيطان (٢). وكقول رسول الله ﷺ : (٣) "رأيْتُ ليلة أُسْرِيَ بي قومًا تُقْرَضُ شِفاهُهم، كلّما قُرِضَت وَفَتْ (٤)، فقال لي جبريل: هؤلاء خُطَباء أُمّتك الذين يقولون ما لا يفعلون. لأنَّهم قالوا بأَفْواههم فعُوقِبُوا فيها". ومثْل هذا كثير. والأجْذَمُ (٥) ههنا، المجذوم. يقال: رجُلٌ أجذم، وقوم جَذْمى، مثل أحمق وحمقى، وأنْوَك وَنَوْكى، إلَّا أنْ يكون رُوِيَ في حديث آخر، "إنَّه يُحْشَر أقْطَع اليد". أو ما يُدلّ على ذلك. فيقع التَّسليم منا، وإنَّما سُمّيَ مَنْ به هذا الدّاء، أجْذَم. لأنَّه يقطع أصابع يده وشقص خلْقَه. والجَذْمُ: (٦) القَطْع. وكلُّ شيء قطعْتَه فقد جَذَمْته، وجذَذْتَه. ولهذا قيل لمقطوع اليد أَجْذَم، كما قيل له أَقْطَع. وهذا أشْبَه بالعقوبة. لأنَّ القرآن كان يدفع عن جِسْمه كلّه العَاهة، ويحفظُ صِحّتَهُ وزينته، فلمّا نَسِيَه فارَقَه ذلك، فنالَتْه الآفة في جميعه، ولا داء أشْمَل للبدن من الجذام ولا أَفْسَد للخِلْقَة. * * *

стр. 74

١٥ - وقال أبو عبيد (١) في حديث النَّبي ﷺ : "ليس في الجَبْهَة ولافي النَّخَّة ولا في الكُسْعَة صَدقة". قال أبو عبيد: [: وحكى] (٢) عن أبي عبيدة: النَّخَّة: الرَّقيق. وعن الكسائي، أنَّها: النُّخَّة، بضم النون، وهي البَقَر العوامل (٣). قال، وقال الفَرَّاء: (٤) النُّخَّة أنْ يأخذ المصدّق دينارًا بعد فراغه من الصَّدَقة. وأنشد: (٥) عمي الذي منع الدّينار ضاحيةً ... دينار نَخّة كلْب وهو مَشْهُودُ هذا قول أبي عبيد. قال أبو محمَّد: رأيْتُ أصحابَ اللغة يذكرون أنَّ النَّخَّة، الإِبل العوامل وسُمّيت النَّخة، نَخَّة (٦) بالسَّوْق بالرَّجز وما أشبهه. والسَّوْقُ: النَّخُّ. وأَنشدني بعضهم: (٧) لا تَضْرِبا ضَرْبًا ونُخا نخّا ... ما تَرَكَ (٨) النَّخُّ لهنَّ مُخَّا

стр. 75

وأمّا قول الفرَّاء: إنَّ النَّخّة أنْ يأخذ المصدّق دينارًا بعد فراغه من الصَّدقة، فكيف يجوز أن يُحْمَل عليه حديث رسول الله ﷺ ، وهو يقول: "ليس في النَّخّة صَدَقة" (١). فأيَّة (٢) صَدَقة تكون في دينار أخذه المصدّق بعد فراغه من الصَّدَقة ظُلْمًا؟ ولو أراد هذا لقال: لا نَخَّة، ولقيل: نَهَى رسول الله ﷺ عن النَّخّة. والبيت الذي استشهده لهذا القول، هو حجّتنا لما تأوّلناه لأنَّه قال: عمّي الذي مَنَعَ الدّينار ضاحيةً ... دينار نَخّة كلْب وهو مَشْهُودُ فذلك بإضافته الدّينار الى النَّخة، على أنَّه غيرها، وإنَّما أراد أنَّه كان يأخذ دينارًا عن نخَّتهم، وهي إبلهم العَوامل، فَمَنَعَه ذلك. * * * ١٦ - وقال أبو عبيد (٣) في حديث النَّبي ﷺ حين ذكر أهل الجنَّة فقال: "لا يَبُولون ولا يتَغَوَّطون، إنَّما هو عَرَقٌ يجري من أَعْراضهم كالمِسْك (٤) ". قال أبو عبيد: الأعْراض، مَغابِنُ الجَسَد التي تَعْرق. واحدها، عِرْض، قال: وليمس العرض في النَّسب من هذا في شيء. هذا قول أبي عبيد (٥).

стр. 76

قال أبو محمَّد: ما أكثر من تغلَّط في هذا. ويظنُّ أنَّ شَتْم العِرْض إنَّما (١) هو شَمْ السَّلَف من الآباء والأمّهات، وليس كذلك، إنَّما عِرْض الرجُل نفْسُه وبدَنُه. ومنه قولُ النَّبي ﷺ : "إنَّما هو عَرَقٌ يجري من أعْراضِهم". أي. من أبدانهم. ومنه قول أبي الدَّرْدَاء: (٢) "أقْرِض من عِرْضك ليوم فَقرك". أرأد مَنْ شَتَمَك فلا تَشْتِمْه، وَمَن ذكرَك فلا تذكوه. ودَعْ ذلك قَرضًا لك عليه ليوم الجَزَاء والقِصاص (٣). يوضح هذا القول ابن عُيَيْنة: (٤) "لو أن رجُلًا أصابَ من عِرْض رجُل شيئًا، ثم تورَّع فجاء الى وَرَثَتِه وإلى جميع أهل الأرض، ما كان في حِلٍّ" (٥). ولو أصابَ من ماله ثم دَفَعه إلى ورَثَتِهِ لكنّا نرى ذلك كفّارة له فعِرْضُ المؤمن أشدّ من مالِه. فهذا يدُلّ على أنَّ عِرْض الرجُل بَدَنُه ونفسُه.

стр. 77

وقال حسَّان (١) بن ثابت: (٢) هَجَوْتُ محمَّدًا فأجَبْتُ عنه ... وعند الله في ذاك الجَزَاءُ فإنَّ أبي ووالِدَهُ وعِرْضِي ... لِعِرْض محمَّد منكم وِقاءُ أراد: فإنَّ أبي وجدّي ونَفْسي، وقاء لنفْس محمَّد ﷺ . * * * ١٧ - وقال أبو عبيد في حديث (٣) النَّبي ﷺ ، إنَّه كتب في كتاب صُلْح الحُدَيْبية: "لا إغْلال ولا إسْلال، وإنَّ بيْنَنَا عَيْبة مكفوفة". ذكره (٤) وفسَّر أبو عبيد، الإِغْلال والإِسْلال (٥)، وأغْفَلَ قوله: "وإنَّ بيننا عَيْبة مكفوفة". فلم يفسِّرْه. قال أبو محمد: بَلَغَنِي عن ابن الأعرابي أنَّه قال: هذا مَثَلٌ، والعَيْبَة: (٦) التي يُجْعَل فيها الثياب. والمكفوفة: المُشْرَجة (٧) المشدودة. قال: فأراد أنَّ صلحنا محكم مُسْتَوْثَق منه، كأنَّه عَيْبة مُشْرَجة.

стр. 78

وقال غير ابن الأعرابي (١): بل أراد إنَّ بَيْنَنَا صَدْرًا نقيًّا من الغِلِّ والغَدْرِ، مَطْوِّيًا على الوفاء، والصُدورُ يقال لها، العِياب (٢). لأنَّها تشتمل على الوُدِّ والبُغْضِ، كما تَشْتمل العِيابُ على الثّياب، وقال الكُمَيْت: (٣) وكادَتْ عِيابُ الوُدِّ منّا ومنهم ... -وإن قيل أبناءُ العُمومة- تَصْفِرُ يعني، بعياب الودّ: الصّدور. وتصفر: تخلو من المحبّة. والمكفوفة والمشرجة، واحد (٤). ويقال: أُشْرِجَ صدرُه على هذا، قال الشَّمّاخ: (٥) وكادت (٦) غداةَ البَيْن ينطِقُ طرْفُها ... بما تحت مكنون من الصَّدْرِ مُشْرَج أي: مشرج على شرّ (٧) يكتمه. وهذا مذهب من الاسْتِخْراج حَسَنٌ. غير أنَّ تفسير ابن الأعرابي أعْجَبُ إليَّ. لأنّي وجدْتُ في حديث آخر، أنَّه كان في الكِتابِ: والأمر فيما بيننا كشرْج العَيْبة. * * * ١٨ - وقال أبو عبيد (٨) في حديث النَّبي ﷺ : "أنه ذكر فِتْنةً تكون في أقْطار الأرض، كأنَّها صَياصي بَقَر".

стр. 79

قال أبو عبيد: (١) الصَياصي: القرون (٢). ولم يذكر لِمَ شبَّهها بقرون البَقَر. هذا هو الذي يُراد من الحديث. قال أبو محمد: إنَّما شبَّهها بقرون البَقَر لما يُشْرَع فيها من الرّماح وأشباهها من السّلاح، فشبّه ذلك بقرون بَقَر مجتمعة. وكانت العرب تشبه الكتيبة بالشَّجَر، لما يُشرع فيها من الرّماح. وكانوا ربَّما جعلوا القُرون مكان الأسِنَّة. قال المفضّل (٣) العبدي: يُهَزْهِزُ صَعْدَةً جَرْداء فيها ... نقيعُ السمّ أو قَرنٌ محيقُ والمَحِيق: هو الذي امَّحَق مما دُلِكَ. وهو (فَعيل) بمعنى (مفعول)، ويُسَمُّون الثّور رامِحًا. يريدون: أنَّ له رمحًا من قَرْنه. قال ذو الرّمّة: (٤) وكائن دعرنا من مهاةٍ ورامحٍ ... بلادُ الوَرَى ليست له ببلادِ وقال لبيد (٥)، يشبّه القِسِيّ بالقرون: وأصدرتُهُم شتّى كأنَّ قِسِيَّهم ... قرونُ صِوارٍ (٦) ساقِطٍ مُتَلَغّب * * *

стр. 80

١٩ - وقال أبو عبيد (١) في حديث النَّبي ﷺ : "من اطَّلع من صِير باب، فقد دَمَر" (٢). قال أبو عبيد: الصِّير: الشِّق، قال: وقد جاءت حووف تفسيرها في الحديث لا يُعْرَف (٣). منها: الصِّير. أنَّه الصَّحناة، ومنها: الثُّفّاء، إنَّه الحُرْفُ، لم نسْمَعه (٤) في كلامهم. و [لا (٥)] أشعارهم. هذا قولُ أبي عبيد. قال أبو محمَّد: الصِّيرُ: معروفٌ مشهور. قال جوير في آل المهلّب: (٦) كانوا إذا جعلوا في صِيرهم بَصَلًا ... ثم اشْتَوَؤا كنْعَدًا من مالحٍ جَدَفُوا يريد: أنَّهم ملاّحُون، وصيرُ الباب: حَرْفه. قال زهير (٧). على صِير أَمْرٍ ما يمرُّ وما يَحْلو أي: جَنْبُ أمر كأنَّه يعني أوَّله (٨). كذلك: الثُّفّاء (٩)، معروفٌ عند

стр. 81

أهل مكة (١) وأهل الحجاز والأعراب. وكنت يومًا بمكة عند رجُل من الباعة، فوقَفَ عليه أعرابي فقال له: أعْطِنِي ثُفّاء (٢)، فأخْرَجَ له حُرْفًا (٣) من غير أنْ يسأله عمّا طَلَب. * * * ٢٠ - وقال أبو عبيد (٤) في حديث النَّبي ﷺ : "أتَيْنَا على جُدْجُد مُتَدمّن". وقال أبو عبيد: الجُدْجُد لا يُعْرَف. إنَّما المعروف. الجُدّ، وهي البئر الجيّدة المَوْضع من الكَلاء. هذا قول أبي عبيد (٥). قال أبو محمَّد: بَلَغَنِي عن اليَزيدي (٦)، أنَّه قال: الجُدْجُد (٧): البئر الكثيرة الماء. * * *

стр. 82

٢١ - وقال أبو عبيد في حديث النَّبي ﷺ ، في كِتابه لأكيْدر: (١) "لا (٢) تُعَدّ فارِدتُكم" (٣). قال أبو عبيد: يُريد الشاة الزّائدة على الفريضة حتى تبلغ الفريضة الأخرى، إنَّها لا تُعَدّ عليكم. هذا قول أبي عبيد (٤). قال أبو محمَّد: [و] (٥) قد تَدبّرتُ هذا التفسير فلم أرَ له وجْهًا؛ لأنَّ الواجِبَ في الصَّدَقَةِ أنْ يُؤْخَذ من أربعين [شاة (٦)] واحدة. ولا يُؤْخذ منها شيء حتى تبلغ مائة وعشرين. فكيف يجوز أنْ يُسَمَّى ما بين أربعين إلى مائة وعشرين فاردة؟ وأحسِبُهُ أراد الشّاة الواحدة أو الشَّاة المنفردة، تكون للرجل في منزله يحتلِبُهَا فلا تُعدّ عليه ولا تُضمّ إلى ما في المَرْعَى من غَنَمِه. * * *

стр. 83

٢٢ - وقال أبو عبيد (١) في حديث النَّبي ﷺ : "إنَّه لَعَن العاضِهَة والمسْتَعْضِهة". قال أبو عبيد، العَضْه: النَّميمة، واحتجَّ بقول الشَّاعر: (٢) أعوذُ بربّي مِنَ النَّافِثا ... تِ في عُقَد العاضِه المُعْضِه هذا قول أبي عبيد: قال أبو محمَّد: قال عِكْرِمة: العَضْهُ، بلِسان قريش: السِّحْر. والعاضِهة: (٣) السَّاحرة. والمُسْتعضهة: التي تسألها أنْ تسحر لها. وفى البيت الذي اسْتشْهَده أبو عبيد ما دلَّ على أنَّه السِّحْر. لأنَّ النَّافِثات في العُقَد هُنَّ السَّواحر. والعَضَه، (٤) في غير هذا الحديث [و (٥)] في غير هذا البيت، قد تكون الغِيبة، وقد تكون النَّميمة عضهًا، لأنَّ الغِيبة تدخلها كثيرًا. * * *

стр. 84

٢٣ - وقال أبو عبيد (١) في حديث النَّبي ﷺ : "إنَّه نَهَى عن لِبْس القَسِيّ". فسَّره أبو عبيد وذكر ضُرُوبًا من اللّباس، منها: (٢) القَهْز و [قال (٣)]: هي ثيابٌ بيض يُخَالِطُها حرير. قال: وقال ذو الرّمّة (٤) يذكر البُزاة والصُّقُور: من الزُّرْق أو صُقْعٍ كأنَّ رؤوسَها ... من القَهْز والقُوهِيّ (٥) بيضُ المَقَانِع قال (٦) أبو محمد (٦): والصُّقعُ في هذا البيت، العِقبان لا الصُّقور. يقال للعقاب صَقْعًا (٧). وإنَّما وُصِفت بذلك لبياض رؤوسها. ومنه قيل:

стр. 85

صَقَع فلان فلانًا، إذا شجَّه أو ضرَبَ رَأْسَه. وقيل: صقاع الدّابة [للبرقع (١)]، فأمّا الصّقور فلا نعلم (٢) منها أصْقَع. * * * ٢٤ - وقال أبو عبيد (٣) في حديث النَّبي: "إنَّ مسجده كان مِرْبَدًا لِيَتِيمَيْن] ". قال أبو عبيد: (٤) المِرْبَد كلُّ شيء حُبِسَتْ به الإِبل. واحْتَجَّ بيت الشاعر: (٥) عَواصِيَ إلَّا ما جعلْتُ وراءها ... عصا مِرْبد تغْشَى نُحورًا وأذْرُعا وقال: يعني بالمِرْبَد، عصًا جَعَلَها مُعْتَرِضَة تمنع الإِبل من الخروج. هذا قول أبي عبيد. قال أبو محمد: لم يجعل الشاعر العصا مِرْبدًا، وإنَّما أراد عصًا في المِرْبَد، تردّ الإِبل إذا أرادت الخروج. فأضاف العصا إلى المربد،

стр. 86

ولو انفردت العصا لم يكن وراءها مَحْبَس للإِبل لم تُسَمَّ. وإنْ مَنَعَت الإِبل، مِرْبَدًا (١). * * * ٢٥ - وقال أبوعبيد في حديث النَّبي ﷺ : "ذكر (٢) فيه أبو عبيد (٢) إيجاز العرب واختصارها، وحَذْفَها من الكلام لِيَعْلَمَ المخاطَب بما يريدون (٣). وأنشد في ذلك للأخطل: (٤) لما رأوْنا والصَّليبَ واقعا ... ومارَ سرجيس وموْتًا ناقِعَا خلّوا لنا راذان والمزارعا ... كأنَّما [كان] غُرابًا واقِعا قال: أراد، كأنَّما كانوا غرابًا واقعًا فطار، فحذَفَ فطار. هذا قولُ أبي عبيد. قال أبو محمد: لم يحذف الشاعر شيئًا، ولكنَّ أبا عبيد لم يبلُغْه البيت [الذي (٥)] بعد هذا، وهو قوله (٦):

стр. 87

فطارَ لمَّا أبْصَر الصَّواقِعَا * * * ٢٦ - وقال أبو عبيد (١) في حديث النَّبي ﷺ : "اللَّهم إنَّا نَعُوذُ بك من الَألْس والألْق (٢) والسَّخيمة". قال أبو عبيد: الألْس، اختلاط العَقْل. يقال: قد ألِسَ فهو مألوس. والألْق؛ أحْسِبُه أراد الوَلق. [و] (٣) وُيرْوَى عن عائشة ﵂، أنَّها كانت تقرأ: (٤) "إذْ تَلِقُونَه بألْسِنتكم" (٥). يقال: [وَلَقت (٦)] ألِقُ وَلْقًا. هذا قول أبي عبيد. قال أبو محمد: لا أرى الألْس في هذا الموضع إلَّا الخيانة (٧) والغِشّ. ومنه يقول الناس: فلانٌ لا يُدالِس ولا يُوالِس. فالمُدَالَسَة: من الدَّلَس. وهو الظُّلْمَة، يُريد (٨) أنَّه لا يُعمّي عليك

стр. 88

الشيء، يُخفيه (١) ويستر ما فيه من عَيْب. فكأنَّه دفعه إليك (٢) في دَلَس. ومنه يقال أيضًا: دَلَسَ علىَّ كذا وكذا (٣). والمُؤَالَسة: الخيانة. قال الشاعر: (٤) هم السَّمْن بالسَّنُّوت لا أَلْسَ فيهم ... وهم يمنعون جارَهم أنْ يُقَرَّدا يصفهم بالسُّهولة في المعاملة، وبأنَّه لا خيانة فيهم، وهم مع ذلك يمنعون الجار من أنْ يستذلّ كما يُسْتَدْلّ البعير، إذا نُزِعَ قِرْدانه (٥). والألْقُ: الكذِبُ (٦)، وأصله: الوَلْق، فهُمِزَت الواو. والعربُ قد تهمز الواو إذا كانت أولًا. وكانت (٧) مضمومة أو مكسورة. وربَّما همزَتْها وهي مفتوحة، كما قيل في الحديث: (٨) "أي مال أُدِّيَتْ زكاتُهُ، فقد ذهَبَتْ أبَلَتُه". أي: مضرَّتُه. وأصلها: وَبَلة. لأنَّها من قولك: استوْبَلتُ الشيء،

стр. 89

إذا أضرَّكَ ولم يُوافِقْكَ. كما قالوا: وكّدْتُ، وأكّدْتُ، ووقّتُّ وأقَّتُّ من الوقت. * * * ٢٧ - وقال أبو عبيد (١) في حديث النَّبي ﷺ , حديث قَيْلَة "لا تخبرها فَتَتْبَع أخا بكر بن وائل بين سَمْع الأرض وبَصَرِها". قال أبو عبيد: قال بعضهم: بين طُولها وعَرْضها. ولا أدري ما الطول والعَرْض من السمع والبَصَر، ولكنَّ وجهه عندي: أنَّها أرادت أنَّ الرجُل يخلو بها ليس أحد يسمع كلامها ولا يبصرها إلَّا الأرض القَفْر. فصارت الأرض خاصَّة كأنَّها هي التي تسمعها وتبصرها. وهذا مثلٌ ليس على أنَّ الأرض تسمع وتبصر. وهو كقول النَّبي ﷺ في أُحُد: (٢) "هذا جَبَلٌ يُحبّنا ونحبُّه". وكقول الله : (٣) ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ (٤). وكان الكسائي يحكي عن العرب، أنَّهم يقولون: منزلي

стр. 90

ينظر إلى منزل فلان، ودورُنا تناظَر، وإذا أخذت في طريق كذا، فَنَظَر إليك الجَبَل، فَخُذْ يمينًا عنه. هذا كلّه قول أبي عبيد. قال أبو محمد: والذي عندي في سَمْع الأرض وبَصَرِها، أنَّها أرادت: فتتبع بين أسماع الناس وأبصارهم. كأنَّها لا تباليهم إذا سمعوا باتباعها إيّاه وأبصروا ذلك. وجعلت السمع والبَصَر للأرض، تُريد ساكنِها، كما قال الله عزَ (١) وجلّ: ﴿واسْألِ القَرْيةَ﴾ (٢). أي: أهلها. والشاهدُ الذي استشهده أبو عبيد من قول رسول الله ﷺ في أُحُد: "جَبَلٌ يحبّنا ونحبّه". هو شاهدُ (٣) هذا التأويل. لأنَّه أراد: هذا جَبَلٌ يحبّنا أهلُهُ، وهم الأنصار، ونُحِبُّه، أي: نُحِبُّهم. وذكر أصحاب (٤) الأخبار، أنَّ حَبَابة (٥) قيْنة يزيد غَنَّتْه: لعمرك إنِي لا أحبُّ سَلْعا (٦) وسَلْع (٧)، جَبَلٌ. [وَتَنَفَّسَت (٨)]، فقال: [لها (٩)]: أتُحبِّينَ أنْ أنقله

стр. 91

إليك حَجَرًا حجرًا؟ فقالت: إنِّي لم أُرِدْه وإنَّما أردْتُ أهله. * * * ٢٨ - وقال أبو عبيد (١) في حديث النَّبي ﷺ ، وذكر مكة فقال: "لا يُخْتَلى خَلَاها، ولَا تَحِلُّ لُقَطَتُها إلَّا لمُنْشِد". قال أبو عبيد: المُنْشِد: المُعَرِّف. ويقال: أَنْشَدْتُ الضَّالّة إذا (٢) عرّفْتُها، وَنَشَدْتُها طَلَبْتُها. قال: وقال عبد الرحمن بن مهدي: (٣) إنَّما معناه: لا تَحِلُّ لُقَطَتُها. كأنَّه يُريد البَتَّة. فقيل له إلَّا لمنْشِد. فقال: إلَّا لمنْشِد. وهو يريد المعنى الأول. قال: ومَذْهَبُهُ في هذا التفسير كالرجُل يقول: والله لا فعلْتُ كدا. ثم يقول: إنْ شاء الله، وهو لا يُريد الرجوع عن يمينه. ولكن (٤) لقن شيئًا فلقِنَه. فمعناه: إنَّه ليس (٥) يحِلّ لملتقط منها إلَّا إنشادُها: فأمّا الانتفاع، فإنَّه لا يحِلّ.

стр. 92

وقال غيره: المنْشِد: (١) الطالب. يعني ربّها. أي: لا تَحِل إلَّا له. فهذا أحسن في المعنى. ولكنَّه لا يجوز أنْ يقال (٢) للطالب مُنْشِد. [و (٣)] إنَّما المُنْشِد المُعَرِّف. والنّاشِدُ: الطَّالب (٤). قال: وفيه قولٌ ثالث. أراد أنَّه إنْ لم ينشدها. أيّ: يُعرّفها لم يحلِّ له الانتفاع بها. فإذا أنشدها فلم يجئ الطالب لها حَلَّتْ له. قال أبو عبيد: ووجْه الحديث عندي، ما قاله ابن مهدي. هذا كلّه قولُ أبي عبيد. قال أبو محمد: ومعنى هذا الكلام سهْلٌ بيّن بحمد الله لا يحتاج فيه إلى تطَلُّب هذه الحِيَل البعيدة، إذا أنت جَعَلْتَ الْتِقَاط اللُّقَطَةِ أخْذَهَا من مكانها. ولم تجعلْة الانتفاع بها. كأنَّه أراد أنَّ لُقَطَة مكة لا تَحِلّ لِمُلْتَقِط. أي: لآخذ من موضعها، إلّا أنْ تكون نيّته إذا هو أخَذَها أنْ ينشدها أبدًا. وَفَرْقٌ في هذا القول، بين لُقَطَة (٥) مكة ولُقَطة غيرها من البلاد، فإنْ كان لا يريد إنشادها، فليس له أنْ يُزيلها عن مكانها، ولا يتعرّض لها. لأنَّ صاحبها ربَّما ذكرها وذكر الموضع الذي ذَهَبَتْ منه، فعادَ

стр. 93

فلم يجدها. فالواجِبُ (١) على مَنْ مرّ بلُقَطَة أنْ لا يَعْرِض لها، إلَّا أنْ يأخذها ليُعَرِّفَها. * * * ٢٩ - وقال أبو عبيد (٢) في حديث النَّبي ﷺ : "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غِمْر على أخيه، (٣) [بينه وبينه ذَحْل] (٤). ولا ظَنين في ولاء ولا القانع مع أهل البيت لهم". قال أبو عبيد: الظّنين في الولاء والقرابة: هو الذي يُتَّهَم بالدّعاوة (٥) إلى غير أبيه، أو المتولّي غير مَوَاليه. هذا قولُ أبي عبيد. قال أبو محمد: المنتسب إلى غير أبيه، والمتولّي غير مَواليه، ساقِط العدالة إذا تبيّن (٦) ذلك منه، وَعُلِم أنَّه يعْلَمه من نَفْسه وهو مقيم عليه. فإِما أنْ يُظَنّ به ذلك ويتّهم فيه (٧)، فلا (٨) أرى السِّتْر والعدالة يزولان عنه (٩) بالظنون بغير سَبَب مُوجِب. وليس الظّنين في

стр. 94

الولاء والقَرابة عندي إلَّا أنْ يكون الرجُل الشاهد قرابة للمشهود له، أو مَوْلى له، فيُظَن به المَيْل إليه بالقرابة أو بالولاء (١). لأنَّهما (٢) سَبَبان موجبان للمَيْل. ومما يشبه هذا قولُه: ولا القانع مع أهل البيت، وهو الرجُل يكون معهم وفي حاشيتهم، كالتّابع، والأجير. لأنَّ ذلك سَبَب يُوجِبُ المَيْل. * * * ٣٠ - قال في حديث (٣) النَّبي ﷺ : "عائِدُ المريض على مَخارِفِ الجنَّة". قال أبو عبيد: واحدُ المَخارِف: مَخْرَف وهي جَنْيُ النَّخْل. قال: وإنَّما سُمّي مَخْرفاً لأنَّه يُخْتَرَفُ منه، أي: يُجْتَنى (٤). قال: وأمّا قولُ عُمَر (٥): "تُركتم على مِثْل مَخْرفَة النَعَم". فليس من هذا في شيء. إنَّما أراد بالمَخْرفة، الطَّريق. هذا قول أبي عبيد. قال أبو محمَّد: وقد تدبّرْتُ هذا التفسير فرأيْتُ (٦) فيه غلَطاٍ بيّناً، لأنه ذكر أنَّ المَخْرَف، جَنْي النَّخْل. (٧) رطْبُه وثَمَرُه. وذلك مخروف الجنة.

стр. 95

فأما المَخْرَفُ، فإِنَّه النَّخْل بعيْنه. والدَّليلُ على ذلك: ما ذكره في غير (١) هذا الحديث من قول. أبي طلحة (٢) للنَبي ﷺ : " (٣) إنَّ لي مَخْرَفاً، وإنّي أُريد أن أجعله صَدَقة" فقال: "اجْعَله في فُقَراء قَوْمك". أراد: إنَّ لي نَخْلاً، وأراد النَبي ﷺ أنَّ عائِدَ المريض في بساتين الجنَّة. لأنَّه قد اسْتحقَّها بالعيادة، فهو صائِر (٤) إليها. ولو جُعلت المَخارِف هَا هُنا أيضًا من مَخْرفة النَّعم، وهو الطّريق، لكان وجْهاً حسَنًا. كأنَّه قال: عائِدُ المريض على طريق الجنَّة. لأنَّ عيادته تُؤذي إلى الجنَّة فهو طريقٌ إليها (٥).

стр. 96

وفي حديث عُمَر بن الخَطّاب ٣١ - وقال أبو عبيد (١) في حديث عمر، إنَّه قال: "إنَّ الأُسَيْفع أُسَيْفِع جُهَيْنَة (٢)، رضي من دينه وأمانته بأنْ يقال: سَبَق (٣) الحاج فادّان مُعْرِضاً، فأصبح قد رِينَ به". قال أبو عبيد: قال أبو زيد (٤): أراد اسْتدان معرضاً، وهو الذي يعترض الناس فيستدين من (٥) أمكنه. قال: وقال الأصمعي: كلّ شيء أمكنك من عرضه فهو مُعْرض لك. هذا قول أبي عبيد. قال أبو محمد: قد تدبّرت هذا التفسير وناظرت فيه، فلم أرَ أحدًا

стр. 97

يُجيز: أعْرضَ فلانُ الناس. إذا اعتَرضَتهم. إنَّما يقال: اعترض فلانُ الناس واستعرضهم (١). يقال اسْتَعْرضَ الخوارج الناس، أي: قتلوا كل من وَجَدُوا. وأمّا ما حكاه أبو عبيد (٢) عن الأصمعي من قوله: كل شيء أمكنك من عرضه، فهو مُعْرض لك. فليس يجوز أن يحمل اللفظ على هذا المعنى، فجَعلَ الأسَيْفع أمكن الناس من عرضه حين اسْتَدان. وليس يخلو هذا الحرف من أنْ يكون وقع فيه تغيير من بعض النَّقَلة. وكان فادّان (٣) معترضاً أو سَلِمَ من التغيير، فيكون معناه: استدان (٤) مُعْرِضاً عن القضاء وعن النَّظر في العاقبة. * * * ٣٢ - وقال أبو عبيد (٥) في حديث عُمَر ﵁، "أنَّه سأل المفقود الذي اسْتَهْوَته الجِنُّ، ما كان شرابُهم فقال: الجَدَف". قال أبو عبيد: الجَدَفُ، تفسيره في الحديث، إنَّه ما لا يُغَطّى. قال: ويقال: هو نباتُ يكون باليَمن لا يحتاج (٦) آكِلُه إلى شرب الماء عليه. هذا قول أبي عبيد.

стр. 98

قال أبو محمد: (١): لم أزل لتفسير هذا الحديث مُنكراً؛ لأنَّه سأله عن شرابهم، فأجابه بذكر نبات. والنَّبات لا يجوز أنْ يكون شرابًا. وإنْ كان صاحبه يسْتَغني مع أكله عن شرب الماء، إلَّا على وجه من المَجاز ضعيف. وهو أَنْ يكون صاحبه لا يشرب الماء، فيقال، إنَّ ذلك شرابُهُ. لأنَّه يقوم مقام شرابه، فيجوز أنْ يقال هذا. وإن كانت الجِنّ لا تشرب شراباً أصْلًا. وأمّا التفسير الذي جاء في الحديث (١)، فله مَخْرج نُخْيِر به إنْ شاء (٢) الله. وبلَغَني عن بعض أصحاب (٣) اللغة، أنَّه كان يقول: الجَدَفُ زَبَدُ الشّراب، وَرُغْوة اللَّبَن، وغيره. سُمّي جَدَفاً من موضعين. أحدهما: لأنَّه (٤) يُجْدِف عن الشَّراب. أي: يقطع ويُلْقَى إلى الأرض. والجَدْفُ (٥) والجَذْفُ، واحد. ومنع قيل: قميصُ مجذوف الكمّين. أي: مقطوعهما وقصيرهما. تقول: جَذفْت الشيء جَذْفاً، إذا قطعته. واسمُ ما انْقَطع منه: جَذَفٌ. كما تقول: نفضْتُ الشَّجَرة نَفْضًا. واسمُ ما سقَطَ من ثمرها إلى الأرض نَفَضٌ. وخبطْتُها خَبْطاً (٦). واسمُ ما سقطَ من ورقها إلى الأرض خَبَطٌ.

стр. 99

وقد (١) يجوز أنْ يقال لما لا يُغَطى من الشَراب جدف، على هذا المخرج. كانَ غطاءه جُدِف. أي: قُطِعَ (١). والموضع الآخر: لأنَّ الشَّراب يُجْدَفُ، أي: يحرّك (٢). فترتفع الرغوة. فما ارتفع منها جَذَفٌ. لأنَّه عن الجدف كان، كما مثّلْت لك. وكذلك جَدْحُ الشراب. ولو أردنا أنْ نبني منه اسماً لما ارتفع فوقه، لقلنا: جَدَح. غير أنّا لم نسمع به. فإِنَّما (٣) نتكلم فيما جاء. ومن الجَدْف، قيل: مِجْداف السفينة؛ لأنَّها تندفع به وتنبعث. ومنه قيل للسَّوْط: مِجْداف. قال العَبْدي، (٤) وذكر ناقة: تكادُ إنْ حُرِّك مِجْدافُها ... تنسَل من مَثْناتِها واليَدِ والمثناة (٥): الحَبْل، ومن عادة الناس أنْ يُلْقوا الزَّبَد عن اللَّبَن. وطُفاحة القِدْر. وهو ما على فوقها في الغَلَيان، وأن تَنْزع رُغْوة كلّ شراب. لأنَّها خَبَثُه ورداءئُه (٦). وهذا (٧) عندي معنى حسن، شبيه بما أريد إنْ شاء الله. لأنَّه رُوِيَ في الحديث (٨): "انَّ طَعام الجِنِّ الرّمَّة". وهو العظام.

стр. 100

فلأنْ يكون شرابُهم فضْلَ شرابنا، وما يُنْبذ منه. كما كان طعامهم فَضْل طعامنا. وما يُنْبذ (١) منه أشْبَه من أنْ يكون نباتاً باليَمن، يَنْتابُه جميع جِنّ الأرض. هذا مع موافقة ما قلناه للغة واطِّراده. * * * ٣٣ - وقال أبو عبيد في حديث عُمَر (٢) ﵁,: "كذب عليكم الحجّ". فسره أبو عبيد، واحتج بقول (٣) معقّر البارقي: وذُبْيانية وصَّتْ بَنيها ... بأنْ كذَبَ القَراطِفُ والقُروفُ وقال: القَراطِفُ، القُطُف. والقرُوف: أوْعِيَةُ الخَلّ وغيره (٤). هكذا حدّثنا أحمد بن سعيد (٥) وغيره. ورأيْتُ في بعض الكتب المسموعة (٦): القُروف: الأوعية، كان صاحب هذا (٧) الكتاب فَطِنَ لهذا فحذف الخَلّ. وليس كل وعاء قَرْفًا. وإنما القروف أوعية الخَلْع لا أوعية الخَلّ. وهي: أوعيةُ من جلود الإبل، يُجْعل فيها لحم، تُخلْع منه العظام

стр. 101

وتُرْفَع. فقالت لبنيها: عليكم بالقراطِف، وهي القُطُف. وعليكم بهذه الأوعية، فيها لحم، فاغْنَموها. ولا وَجْه لأوعيَة الخَلّ في الغنائم. * * * ٣٤ - وقال أبو عبيد (١) في حديث عُمَر ﵁: "إنَّه كان يَنْهَى عن المُكايَلة". قال أبو عبيد (٢): معناه، المُقَايَسة بالقول. وأصل ذلك أنْ تكيل له كما يكيل لك (٣). وتقول له كما يقول لك. وتكون في الفعل. وهو أنْ تكافئ بالسوء. هذا معنى قول أبي عبيد. قال أبو محمد: ليست المكافأة بالسوء أوْلَى بالمُكايَلة من المكافأة بالخير. وكل من وازنْته بشيء، كان منه، فقد كايلْتَه. وإنَّما أراد عمر أن لا يقايس في الدين ويكايل. أي: يوازن الشيء بالشيء (٤). ويترك العمل على الأثر. كذلك رأيت أهل النَّظَر يقولون في هذا الحديث (٥). * * *

стр. 102

وفي حديث عثمان، ﵁ - ٣٥ - وقال أبو عبيد في حديث (١) عثمان بن (٢) عفّان (٢): "لا شُفْعة في بئر ولا فَحْل نَخْل". (٣) [يرويه مالك عن محمد بن عمارة عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. قال أبو عبيد: قولُه، لا شُفْعة في بئر ولا فحل نَخْل]: تأويل البئر عندنا، أنْ تكون (٤) البئر بين نَفَر، وهم شركاء فيها, وليس بينهم في النخْل شِرْك. فقضى عثمان إنَّه باعَ رجُلٌ منهم حائطه لم يكن لشركائه في البئر شُفْعة في الحائط من أجل شِرْكه في البئر. وقال: الفَحْل من النَّخْل ومعناه: أنْ يكون لرجُل في حائط (٥) قوم لا شِرْك له إلَّا ذلك الفَحْل. فإنَّه إنْ (٦) باع القوم حائطهم فلا شُفْعة لربَ الفَحْل فيه من أجل فَحْله ذلك.

стр. 103

هذا قول أبي عبيد ... قال أبو محمد: (١) وقد تدبرتُ هذا فرأيتُ لَفْظ الحديث يدلّ أنه أراد لا شُفْعةَ في نفْس البئر والفَحْل. ولو أراد ما ذَهَبَ إليه [أَبو عبيد] (٢) لكان أوْلَى بالمعنى أنْ يقول: لا شُفْعة ببئر ولا فحْل. وما أنكر مع هذا أنَّ لفظ الحديث قد يحتمل ما تأوَّل على الحِيلة وطَلَب المخرج. وإنَّما يحتاج إلى ذلك في الموضع الذي يخالف ظاهر لفظ الحديث فيه مذاهب الفقهاء. وهذا الحديث مسْتغنٍ عن ذلك. وإنَّما أراد البئر تكون بين قوم. فإذا باع أحدهم حصّته منها لم يكن لشركائه فيما باع شفعةً، وكان لمن اشتراه. وكذلك الفَحْل من النَّخْل يكون بين قوم وإنَّما مَنَع الشفْعة في البئر والفَحْل. لأنَّهما لا يحتملان القسم. وكذلك كلّ شيء لا يحتمل القَسْم فلا شُفْعة فيه. مثل الثوب والعَبْد والحَبَّة من الجوهر. يدلّك على ذلك قول (٣) مالك: "لا شُفْعة عندنا في عبد ولا وليدة ولا شيء من الحيوان. ولا ثوب ولا بئر. وتقع فيه الحدود من الأرض والدُّور". فأمَّا ما لا تصلح (٤) فيه القِسْمة فلا شُفْعة فيه. والبئر التي لا بياض لها هي: المنفردة تكون لقوم وليس لهم إلى جانبها أرض. فإذا كانت كذلك لم تحتمل القَسْم. ولو كان لها أرض وهي بينهم، ثم باع أحدهم حصَّته منها ومن الأرض، كان لشركائه الشفْعة. لأنَّ الأرض تحتمل القسم فتتبعها (٥) البئر.

стр. 104

وفي حديث عليّ، ﵁ - ٣٦ - وقال أبو عبيد (١) في حديث عليّ (٢) رضوان الله عليه ومغفرته (٢). أنَّه قال: "مَنْ وَجَدَ رِزّاً في بَطْنِهِ فَلْيَنْصَرِفْ وَليَتَوَضَّأْ" قال أبو عبيد: (٣) الرِزُّ: الصَّوْتُ في البَطْنِ من القَرْقَرة ونحوها. فكل صوت ليس بالشَّديد فهو رزِّ. هذا قول أبي عبيد. قال أبو محمد: قد ذَهَبَ أبو عبيد في هذا الحديث مَذْهَب مَنْ عَمِلَ على ظاهره، ألْزم كلّ من وَجَدَ قَرْقَرَةً في الصَّلاة أنْ ينصرف ويتوضَّأْ. وهذا ما (٤) لا يُوجِبُهُ أحدٌ فيما أعلم. وإنَّما يجب الانْصرافُ عن الصَّلاة بريحٍ تخرج فيسمع صوْتُها أو تُشَمُّ ريحها (٥) أو برِزٍّ يَجِدُه الرجُل في بَطْنهِ، وهو غَمْزُ الحَدَث وحركته (٦) في البَطْنِ، حتى يحتاج صاحِبُهُ إلى دخول الخَلَاء بقَرْقرة كان

стр. 105

أو غير قَرْقرة، فيؤمر المُصَلِّي عند ذلك بأنْ يَقْطَع صَلاتها (١) ويقضي حاجته، ولا يصلّي على تلك الحال متجوّزاً متخففاً (٢). لنهي النَّبي ﷺ (٣): "أنْ يُصَلّي أَحَدٌ وهو يُدَافِعُ الحَدَث". وأصلُ الرزِّ، الوَجَع يجده الرجل في بَطْنِهِ. يقال: إنَّه ليَجَد رِزّاً في بطْنه. أي: وَجَعًا. وغَمْز الحدث في البَطْنِ وجعٌ أو كالوجع [و] (٤) قال أبو النجم (٥) يذكر إبلاً عطاشًا. لو جُرَّ شَنُّ وسْطَها لم تَحْفل ... من شَهْوة الماء ورِزٍّ مُعْضَلِ يقول: لو جُرت قِرْبةٌ يابسةٌ خلَقٌ وسطها لم تنفر من شِدّة عطشها وذبولها. وشبّه ما تجده في أجوافها من حرارة العطش وغلّته بالوجع. فسمّاه رزّاً، ويكون الرزّ أيضًا: الصوت (٦) في موضع آخر. * * * ٣٧ - وقال أبو عبيدة (٧) في حديث عليّ ﵁: "إن

стр. 106

المَرْءَ المسلم ما لم يَغْشَ دَنَاءةً يَخْشَعُ لها إذا ذُكِرَت، وتُغْرِي به لِئَام الناس كالياسر الفالج ينتظر فَوْزَةً من قِداحه، أو داعيَ الله فما عند الله خيرٌ للأبرار". قال أبو عبيد: (١) الياسِر من المَيْسر، وهو القِمار الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه. حتى نزل القرآن بالنهي عنه. وكان أمر الميسر أنَّهم يشترون جَزُوراً فينحرونها ثم يجزُّونها أجزاء (٢). وقد اختلفوا في عدد الأجزاء فقال أبو عمرو على عشرة أجزاء. وقال الأصمعي: على ثمانية وعشرين جزءًا، ثم يُسْهمون عليها بعشرة قداح لسبعة منها أنصباء، وهي: الفَذّ والتَّوْأَم، والرَّقيب، والحِلْس، والنَّاقِس، والمُسْبَل، والمعلّى. وثلاثة منها, ليست لها أنصباء وهي: المَنيح (٣)، والسفيح (٣)، والوَغْد، ثم يجعلونها على يَدَي عدْل عندهم (٤) يُجيلها لهم باسم رجل ثم يقتسمونها على قَدْر ما تخرج لهم السِّهام. فمن خَرَجَ سهمه من السَّبعة، أخذ من الأجزاء بحصّة ذلك. وإنْ خرج واحد من الثلاثة. فقد اختلف الناس في هذا الموضع. فقال بعضهم: من خرجت باسمه لم يأخذ شيئًا ولم يَغْرم، ولكن تُعاد الثانية ولا يكون له نصيب. ويكون لغْوًا وقال بعضهم: بل يصير ثمن هذه الجزور كله على أصحاب هؤلاء

стр. 107

الثلاثة، فيكونون مقمورين. ويأخذ أصحاب السبعة أنصباءهم على ما خرج لهم (١). وقال أيضًا في معنى الحديث: يقول عليّ: هو بين خيرَتَيْن. إما صار إلى ما يُحبّ من [أمر (٢)] الدنيا، فهو بمنزلة المُعلّى وغيره من القِداحِ التي لها حظوظ. وإما مات فهو بمنزلة التي لا حظوظ لها فيُحرم ذلك في الدنيا. فما عند الله خيرٌ له. والفالج: (٣) القامِرُ. هذا كلُّه قول أبي عبيد. قال أبو محمد: وقد تدبّرت هذا التفسير فرأيت منه أشياء ذهبت على (٤) أبي عبيد، منها قوله: مَنْ خرج سهمُهُ من الثلاثة، فقد اختلف الناس في هذا الموضع. فقال بعضهم: لا يأخذ شيئًا ولا يَغْرم. ولكن تعاد الثانية، ولا يكون له نصيب، ويكون لغْوًا. والثلاثة التي لا أنْصِبَاء لها لا تكون سهمًا لأحد، إنَّما تدخلُ في الرِّبابة مع السَّبْعة ذوات الحظوظ، لِتُكَثَّر بها وليأْمَن القومُ الحيلة من الضارب. فكيف يكون لا أنصباء لها. ثم تصير سهمًا لرجُل منهم. ومنها قولُه: وقال بعضهم، بل يصير ثَمَنُ الجَزور كلّه على أصحاب هؤلاء الثلاثة. فيكونون مقمورين. ويأخذ أصحاب السبعة

стр. 108

أنصباءهم على ما خَرَج لهم. وهذا من الظُّلم لهؤلاء. فكيف صاروا يرضون بأنْ يأخذوا قداحًا يكونون بها أبدًا غارمين (١)؟ ! ولا يكونون في وقت من الأوقات غانمين، وليس الأمر كما ظنَّ هؤلاء. ولكنهم إذا ضربوا بالقداح فخرج واحد من الثلاثة التي لا حظوظ لها ألْغَوْا ذلك، واستأنفوا إفاضة ثانية. فإنَّما الغرْم على أصحاب السبعة ذوات الحظوظ. كما أن الغُنْم لهم. وذلك انَّهم يستهمون (٢) بسبعة قداح ذوات حظوظ مع ثلاثة أغْفال لا حظوظ لها. إنَّما تدخل للتكثير على عشرة أعشار، فإنْ خرج لأحدهم الفَذّ، وله نصيب واحد (٣)، أخذ نصيبه وخرج من جملتهم، ثم إنْ خَرَجَ بعده الرّقيب وله ثلاثة أنصباء، أخذ صاحبه أنصباءه وخرج من جملتهم. ثم إنْ خرج بعده المسبل وله ستّة أنصباء أخذ صاحبه أنصباءه وخرج من جملتهم، ونفدت أعشار الجزور، وصار ثمن (٤) الجزور على الأربعة الذين لم تخرج سهامهم، فكان هؤلاء الثلاثة غانمين، وصار الأربعة غارمين. ومنها قوله: أراد عليّ، هو بين خيرتين. إمَّا صار إلى ما يحب من الدّنيا، فهو بمنزلة المعلّى وغيره من القداح التي لها حظوظ. وإمَّا مات فهو بمنزلة التي لاحظوظ لها، فيُحْرم ذلك في الدنيا. وما عند الله خيرٌ له. ولم يَقلْ عليّ، إنَّه كالقَدْح الفالج، وإنَّما قال: كالياسر الفالج.

стр. 109

والياسر: هو صاحب القدح. والفالج، هو القامر. وإنَّما أراد عليّ، أنَّه إذا لم يغْشَ دَناءة وريبة، وكان ذا مروءة وديانة وصيانة لنفْسه، فإنَه ينتظر في حياته خير الدنيا، فهو بمنزلة الياسر القامر الذي قد اعتاد القَمْر. وجرى له بحدّه، فهو ينتظر فَوْزَهُ من قداحه. يريد أنْ يخرج بالفَوْز والقَمْر، فيأخذ نصيبه ثم رجع إلى الرجل فقال: أو ادعى (١) الله. يعني: ينتظر أنْ يأتيه الموت، ولم يَنَلْه ما أقلَّ في الدنيا من يسارها وخيرها فيبهون ماعند الله خيراً له مما فاته من الدنيا. ومنها: إنَّه احتج في آخر (٢) الحديث للمنيح، وإنَّه لاحظَّ له يقول الكميت: (٣) فمهلَاَ يا قُضاعُ ولا تكوني ... مَنيحاً في قِداح يَدَيْ مُجيلِ ولم يرد الشاعر في هذا البيت بالمنيح القِدْح الذي لا سَهْم له. وإنَّما أراد بالمنيح، القدح الممتنح، أي: المُسْتَعَار (٤). وكانوا يستعيرون القِدْح فيدخلونه في قداحهم لثقتهم بفوزه وتيمنهم به. وإياه أراد ابن قميئة (٥) بقوله: بأيديهم مقرومةٌ ومَغَالِقُ ... يعود بأرْزاق العِيال مَنِيحُها فقد خبرك أنَّ له حظّاً يعود على العِيال، وكانت قضاعة تركت نَسَبَها في نِزار، وانتقلت إلى اليمن، فَنُسِبَت إليها. فقال الكميت: (٦) لا تكوني غريبة

стр. 110

هناك كهذا القدح المُسْتَعَار بين هذه القداح، ولا يجوز أنْ يكون أراد المنيح الذي لا حظَّ له؛ لأنَّه قدح ثابت يُكَسَّر ويُعاد في كلّ رِبابة يُضرَب بها (١) لتُكَثَّر به وبصاحبَيْه. وقد ذكرتُ هذا في كتاب: (٢) "الميسر" بأكثر من هذا الشرح. ولم يحتمل هذا الكتاب أنْ يتجاوز فيه مقدارُ ما ذكرنا، فإذا آثرت أنْ تعرف أمر المَيْسِر وكيْفِيَّتَه، ويصح لك ما ذكرته في هذا الحديث أكثر من هذا الوضوح، نظرت في ذلك الكتاب إنْ شاء الله. * * * ٣٨ - وقال في حديث عليّ ﵁، إنَّه قال: (٣) "مَنْ أَحَبَّنَا أهلَ البَيْت، فليُعِد جِلْبَابًا وتِجْفَافاً (٤) "، قال أبو عبيد: تأوَّله بعضُ الناس على أنَّه من أحبَّنا افْتَقَر في الدنيا. وليس لهذا وجْهٌ. لأنَّا نرى من يُحبّهم فيهم مالي سائر الناس من الغِنى والفَقْر. قال أبو عبيد: ولكنَّه عندي [إنها أراد (٥)] فَقْر يوم القيامة وإنَّما هذا على وَجْه التّغليظ والنَّصيحة له. كقولك: من أحبُّ أنْ يصحبني ويكون معي، فعليه بتقوى الله واجتناب معاصيه. فإنَّه لا يكون لي صاحباً إلَّا من كانت هذه حاله. هذا كلّه قول أبي عبيد.
следующие страницы →