← Общие книги

Общие книги · id 1820

كتابات أعداء الإسلام ومناقشتها

عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى

Полный текст (1 177 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

الفصل الخامس: حديث "عذاب القبر ونعيمه " ... وتحته مبحثان: المبحث الأول: شبهة الطاعنين فى أحاديث الأمور الغيبية "الأخروية " من أحوال البرزخ، وأحوال يوم القيامة، والرد عليها. المبحث الثانى: شبهات المنكرين لعذاب القبر ونعيمه والرد عليها. المبحث الأول: شبهة الطاعنين فى أحاديث الأمور الغيبية "الأخروية" من أحوال البرزخ وأحوال يوم القيامة والرد عليها ... أحاديث الأمور الغيبية السمعية (الأخروية) من عذاب القبر ونعيمه، والحوض والميزان، والصراط ... إلخ، طعن فيها المبتدعة من الخوارج، والجهمية، وبعض المعتزلة وتأولوها على حسب أصولهم. وتغالى أذيال المبتدعة من دعاة اللادينية فى عصرنا الذى نحيا فيه. وزادوا على أسلافهم بالطعن فى الأحاديث التى تتحدث عن الحشر، والنشر، والنفخ فى الصور، وأوصاف نعيم الجنة، وأوصاف عذاب جهنم، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة التى تتحدث عن أحوال يوم القيامة. وقد سبق قول جمال البنا فى ذلك، ومن قال بقوله (١) . كما سبق الرد على شبهتهم فى ذلك، وهى أن النبى ﷺ لا يعلم الغيب" (٢) . ونزيد هنا فى الإجابة على شبهة الطاعنين فى أحاديث السمعيات: أنه لا حجة للمبتدعة قديماً وحديثاً فى إنكارهم للأمور السمعية؛ سوى عبادتهم لهوى عقولهم، وقياسهم عالم ما وراء الطبيعة على العالم المحسوس. يقول الإمام الشاطبى فى كتابه الاعتصام باب بيان معنى الصراط المستقيم، الذى انحرفت عنه سبل أهل الابتداع فضلت عن الهدى بعد البيان قال: "لأنهم قوم استعملوا قياسهم وآراءهم فى رد الأحاديث مع تواترها، فقالوا: لا يجوز أن يرى الله فى الآخرة لأنه تعالى يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٣) .

стр. 1017

.. فردوا قوله ﷺ : "إنكم ترون ربكم يوم القيامة" (١) . وتأولوا قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٢) وقالوا: لا يجوز أن يسأل الميت فى قبره لقول الله تعالى: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (٣) فردوا الأحاديث المتواترة فى عذاب القبر وفتنته (٤) ، وردوا الأحاديث فى الشفاعة على تواترها (٥) ، وقالوا: لن يخرج من النار من أدخل فيها، وقالوا: لا نعرف حوضاً (٦) ولا ميزاناً (٧) ، ولا نعقل ما هذا، وردوا السنن فى ذلك كله برأيهم، وقياسهم، مع تواتر الأحاديث فى ذلك – إلى أشياء يطول ذكرها من كلامهم فى صفة البارى" (٨) وسبق تفصيل ذلك والرد عليه (٩) . ... والحقيقة: أن تحكيم الرأى أمر يسير لا عناء فيه ولا ينبغى لأهل الابتداع والإلحاد قديماً وحديثاً أن يفخروا، وإنما الفخر بإتباع الوحى وإن خفيت علينا حكمته، ولم نستطع إدراك حقيقته لا سيما فى الغيبيات؛ لأن العقل يقف عاجزاً عن إدراك عالم ما وراء الطبيعة. وتحكيم العقل فى هذا العالم تجاوز لحدود العقل، وسفه من صاحبه، وتطاول على خالقه–والعياذ بالله–

стр. 1018

ونقتصر هنا فى الرد إجمالاً (١) على من يحكمون عقولهم فى أحاديث أحوال يوم القيامة بكلمة جامعة للإمام ابن خلدون فى تقويم البحث فى المغيبات وتسفيه العقل فى ذلك. قال: "ولا تثقن بما يزعم لك الفكر من أنه مقتدر على الإحاطة بالكائنات وأسبابها والوقوف على تفصيل الوجود كله وسفه رأيه فى ذلك، واعلم أن الوجود عند كل مدرك فى بادئ رأيه منحصر فى مداركه ولا يعدوها، والأمر فى نفسه بخلاف ذلك والحق من ورائه، ألا ترى الأصم كيف ينحصر الوجود عنده فى المحسوسات الأربع والمعقولات ويسقط من الوجود عنده صنف المسموعات، وكذلك الأعمى أيضاً يسقط عنده صنف المرئيات، ولولا ما يردهم إلى ذلك تقليد الآباء والمشيخة من أهل عصرهم والكافة لما أقروا به، لكنهم يتبعون الكافة فى إثبات هذه الأصناف، لا بمقتضى فطرتهم وطبيعة إدراكهم، ولو سئل الحيوان الأعجم ونطق لوجدناه منكراً للمعقولات وساقطة لديه بالكلية، فإذا علمت هذا فلعل هناك ضرباً من الإدراك غير مدركاتنا، لأن إدراكاتنا مخلوقة محدثة، وخلق الله أكبر من خلق الناس، والحصر مجهول، والوجود أوسع نطاقاً من ذلك والله من ورائهم محيط، فاتهم إدراكك ومدركاتك فى الحصر، واتبع ما أمرك الشارع به من اعتقادك وعملك، فهو أحرص على سعادتك، وأعلم بما ينفعك لأنه من طور فوق إدراكك، ومن نطاق أوسع من نطاق عقلك. وليس بقادح فى العقل ومداركه، بل العقل ميزان صحيح، فأحكامه يقينية، لا كذب فيها، غير أنك لا تطمع أن تزن أمور التوحيد، والآخرة، وحقيقة النبوة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع فى محال.

стр. 1019

.. ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذى يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا يدرك على أن الميزان فى أحكامه غير صادق، لكن العقل قد يقف عنده ولا يتعدى طوره حتى يمكن له أن يحيط بالله وبصفاته، فإنه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه، وتفطن فى هذا الغلط، ومن يقدم العقل على السمع فى أمثال هذه القضايا؛ فمن قصور فهمه، واضمحلال رأيه، وقد تبين لك الحق من ذلك" (١) . ... وعلى هذا سلم أهل السنة بما جاء فى الأمور الغيبية، ولم يحكموا عقولهم. قال الإمام الأشعرى فى الإبانة: "نؤمن بعذاب القبر، ومنكر ونكير، وبالحوض، وأن الميزان حق، والصراط حق، والبعث بعد الموت حق، وأن الله يوقف العباد فى الموقف، ويحاسب المؤمنين، وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول الله ﷺ التى رواه الثقات عدل عن عدل حتى تنتهى إلى رسول الله ﷺ (٢) . المبحث الثانى: شبهات المنكرين لعذاب القبر ونعيمه والرد عليها ... أحاديث عذاب القبر ونعيمه لمن كان أهلاً لذلك، وسؤال الملكين، نص جماعة من العلماء على تواترها تواتراً معنوياً منهم الحافظ السيوطى (٣) ، والكتانى (٤) ، وابن قيم الجوزية (٥) ، وابن أبى العز (٦) وغيرهم (٧) . وسوف نورد طرفاً من هذه الأحاديث عند الحديث عن كشف شبهات المعتزلة، ومن قال بقولهم من أهل الكلام والرافضة قديماً وحديثاً. ... ويمكن أن نعرض شبهات المعتزلة حول عذاب القبر فيما يأتى:

стр. 1020

لقد زعم المعتزلة أن الأخبار الدالة على عذاب القبر مجملة: ... ولذلك انقسموا حوله إلى ثلاث فرق: أنكره ضرار بن عمرو (١) ، والخوارج، ومعظم المعتزلة، وبعض المرجئة، والرافضة (٢) . قطع به بعضهم فى الجملة (٣) . جوزه آخرون (٤) . وبالقول الأول قال دعاة اللادينية فى عصرنا (٥) . وتدور شبه المنكرين لعذاب القبر وما فيه من سؤال، وضمة، وعذاب، بأنه معارض للقرآن، وللسنة، وللعقل.

стр. 1021

أما القرآن ففى قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (١) قالوا فلو كان يحيا فى قبره للزم أن يحيا ثلاث مرات، ويموت ثلاثاً، وهو خلاف النص (٢) . أما السنة فقالوا: الأخبار فيها متعارضة، وقد ردت عائشة -رضى الله عنها- حديث ابن عمر مرفوعاً (إن الميت يعذب فى قبره ببكاء أهله عليه) فقالت:وَهِلَ إنما قال رسول الله ﷺ : "إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن" وذاك مثل قوله: إن رسول الله ﷺ قام على القليب يوم بدر. وبه قتلى بدر من المشركين فقال لهم ما قال: "إنهم ليسمعون ما أقول" وقد وَهِلَ٠ إنما قال: "إنهم ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق" ثم قرأت قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ (٣) ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٤) . يقول: حين تبوءوا مقاعدهم من النار، وفى رواية قالت (رضى الله عنها) يغفر الله لأبى عبد الرحمن. أما إنه لم يكذب ولكنه نسى أو أخطأ، إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية يبكى عليها. فقال: "إنهم ليبكون عليها. وإنها لتعذب فى قبرها" (٥) .

стр. 1022

قالوا فدل ذلك على أن الموتى لا يسمعون، وما يروى من سماعهم خفق النعال لا يصح أيضاً. وأن عذاب القبر خاص بالكفار من اليهود. وقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (١) . ... قالوا: هذه فى آل فرعون خاصة، فلا يقاس عليهم غيرهم. وما صح من أحاديث فى عذاب القبر؛ فهو آحاد يفيد الظن، لا يحتج به هنا فى باب العقائد (٢) . وهو يصح لبعض الناس دون بعض ممن فقدت أجسادهم، أو تعذر وصول الحياة إليها (٣) . ... أما دليلهم العقلى فقالوا: لو كان لعذاب القبر أصل؛ لكان يجب فى النباش أن يرى العقوبة أو المثوبة للمعاقب والمثاب، فكان يشاهد عليه أثر الضرب وغيره، وفى علمنا العقلى بخلافه، دليل على أن ذلك مما لا أصل له، ولا مدخل للسمع فيه (٤) . ويجاب على هذه الشبه بما يلى: إن زعمهم أن الأخبار مجملة فى إثبات عذاب القبر، ثم انقسامهم حوله إلى ما ذكرنا، يتبين منه: أن المعتزلة، وإن زعم بعضهم بأنه يقطع بوقوعه لدلالة الأخبار عليه، إلا إنهم لم يسلموا للنصوص فى ذلك تسليماً كاملاً، ولم يسلم هذا الأمر من إقحام عقولهم فى جزئيات منه. نعم: إن من أثبته منهم أثبته فى الجملة، ولكنهم خاضوا فى ثبوته لعصاة المؤمنين، وفى كيفيته، ووقته مما دفعهم إلى رد بعض النصوص، وتأويل بعضها (٥) . ... فما زعموه من تعارض عذاب القبر ونعيمه بقوله تعالى: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (٦) فلا حياة ثالثة.

стр. 1023

فالجواب: أنه لا تعارض، إنما التعارض نشأ من عدم إدراكهم المراد بالحياة فى القبر فهى ليست الحياة المستقرة المعهودة فى الدنيا، التى تقوم فيها الروح بالبدن وتدبيره وتصرفه، وتحتاج إلى ما يحتاج إليه الأحياء، بل هى مجرد إعادة لفائدة الامتحان الذى وردت به الأحاديث الصحيحة، فهى إعادة عارضة، كما حى خلق، لكثير من الأنبياء، لمسألتهم لهم عن أشياء، ثم عادوا موتى (١) . ... فحياة القبور، وما فيها من نعيم أو عذاب؛ تختلف عن حياة الدنيا، وحياة الآخرة؛ فهى حياة برزخية لا طاقة للعقل فى إدراكها، ولا يمكنه أن يصل إلى كيفيتها، وإنما يتوقف الإيمان بهذه الحياة على النصوص الواردة قال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٢) ... أما دعواهم تعارض الأحاديث: فيجاب عن ذلك بأنه لا تعارض مع إمكان الجمع وهو ممكن. وما ورد من رد أم المؤمنين عائشة –رضى الله عنها– لخبر ابن عمر ﵁ فى تعذيب الميت ببكاء أهله عليه. فلا حجة لهم فيه على نفى عذاب القبر لأن عائشة –رضى الله عنها– إنما أنكرت عذاب الميت بما لم تكسبه يداه، يدل على ذلك احتجاجها بقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣) ومع ذلك فإنكارها ذلك وحكمها على الراوى بالتخطئة أو النسيان أو على أنه سمع بعضاً ولم يسمع بعضاً بعيد؛ لأن الرواة لما أنكرته من رواية عمر وابنه – رضى الله عنهما – رواه من الصحابة كثيرون وهم جازمون. فلا وجه للنفى منها مع إمكان حمله على محمل صحيح (٤) .

стр. 1024

والمحامل كثيرة جمع بينها الحافظ ابن حجر فقال: "من كانت طريقته النوح فمشى أهله على طريقته أو بالغ فأوصاهم بذلك عذب بصنعه، ومن كان ظالماً فندب بأفعاله الجائرة عذب بما ندب به، ومن كان يعرف من أهله النياحة فأهمل نهيهم عنها، فإن كان راضياً بذلك التحق بالأول، وإن كان غير راض عذب بالتوبيخ، كيف أهمل النهى، ومن سلم من ذلك كله واحتاط فنهى أهله من المعصية ثم خالفوه وفعلوا ذلك، كان تعذيبه تألمه بما يراه منهم من مخالفة أمره، وإقدامهم على معصية ربهم. وحكى الكرمانى تفصيلاً آخر، وحسنه، وهو التفرقة بين حال البرزخ، وحال يوم القيامة، فيحمل قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١) على يوم القيامة، وهذا الحديث وما أشبهه على البرزج. ويؤيد ذلك أن مثل ذلك يقع فى الدنيا، والإشارة إليه بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (٢) . فإنها دالة على جواز وقوع التعذيب على الإنسان بما ليس له فيه تسبب، فكذلك يمكن أن يكون الحال فى البرزخ بخلاف يوم القيامة والله أعلم (٣) أ. هـ. ... أما ردها – رضى الله عنها – لخبر ابن عمر – رضى الله عنهما – فى سماع الموتى لكلام النبى ﷺ ومعارضتها ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ (٤) ونحوها من الآيات فالجمهور فى ذلك على خلافها فيما اجتهدت فيه، وقبلوا حديث ابن عمر لموافقة من رواة غيره عليه.

стр. 1025

وأما استدلالها بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ فقالوا معناها لا تسمعهم سماعاً ينفعهم، أو لا تسمعهم إلا أن يشاء الله ... والآية كقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١) أى أن الله هو الذى يسمع ويهدى (٢) . ... وصحت الأحاديث بسماع الموتى حتى قرع النعال خلافاً لمن رد ذلك من المعتزلة عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن العبد إذا وضع فى قبره وتولى عنه أصحابُه، وإنه ليسمع قرعَ نعالهم ..." الحديث (٣) . ... وعن ابن عمر –رضى الله عنهما– قال: "اطلع النبى ﷺ على أهل القليب فقال: وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فقيل له: تدعوا أمواتاً؟ فقال: ما أنتم بأسمع منهم، ولكن لا يجيبون" (٤) . ولا دليل على خصوصية ذلك بأهل بدر، كما يزعم بعض المعتزلة (٥) . ... قال القاضى عياض – ﵀: "يحتمل سماعهم، على ما يحتمل عليه سماع الموتى، فى أحاديث عذاب القبر، وفتنته، التى لا مدفع لها. وذلك بإحيائهم أو إحياء جزء منهم يعقلون به ويسمعون فىالوقت الذى يريد الله تعالى".

стр. 1026

وقال الإمام النووى – ﵀ – بعد نقله لكلام القاضى عياض السابق: "وهو الظاهر المختار الذى تقتضيه أحاديث السلام على القبور" (١) . ... أما ما زعموه من تعارض الأحاديث المثبتة لعذاب القبر والنافية له. فيجاب عن ذلك بأنه لا تعارض. ففى الأحاديث التى زعموا أنها تنفى عذاب القبر فى عجزها ما يثبته، وهو ما تعمدوا بتره، فلا تعارض بين أول الحديث وآخره كما جاء فى رواية مسلم عن عائشة –رضى الله عنهما– قالت: دخل علىَّ رسول الله ﷺ وعندى امرأة من اليهود. وهى تقول هل شعرت أنكم تفتنون فى القبور؟ قالت: فَارْتَاعَ رسول الله ﷺ وقال: "إنما تُفتنُ يهودُ" قالت عائشة: فلبثنا ليالى. ثم قال رسول الله ﷺ : "هل شعرت أنه أوحى إلى أنكم تفتنون فى القبور؟ " قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ ، بَعْدُ، يستعيذُ من عذاب القبر" (٢) . قال الحافظ ابن حجر: وحاصل الحديث أنه ﷺ لم يكن أوحى إليه أن المؤمنين يفتنون فى القبور فقال:"إنما يفتن يهود" فجرى على ما كان عنده من علم ذلك، ثم لما علم بأن ذلك يقع لغير اليهود استعاذ منه، وعلمه، وأمر بإيقاعه فى الصلاة، ليكون أنجح فى الإجابة" (٣) .

стр. 1027

وفى رواية أخرى عنها –رضى الله عنها– قالت: دخلت عَلَىَّ عَجُوزانِ من عُجُز يهود المدينة. فقالتا: إن أهل القبور يعذبون فى قبورهم. قالت: فكذبتُهُما. ولم أنعم أن أَصَدِّقَهُمَا. فَخَرَجَتَا. ودخل علىَّ رسول الله ﷺ ، فقلت له: يا رسول الله! إن عَجُوَزَيْنِ من عُجُزِ يهود المدينة دخلتا على فزعمتا أنَّ أهل القبور يُعذبون فى قبورهم. فقال: "صدقتا. إنهم يعذبون عذاباً تسمعه البهائم" قالت: فما رأيته، بعد، فى صلاة، إلا يتعوذ من عذاب القبر" (١) . ... قال الحافظ ابن حجر: "وبين هاتين الروايتين مخالفة، لأن فى هذه أنه ﷺ ، أنكر على اليهودية، وفى الأول أنه أقرها.

стр. 1028

قال النووى تبعاً للطحاوى وغيره: هما قصتان، فأنكر النبى ﷺ ، قول اليهودية فى القصة الأولى، ثم أعلم النبى ﷺ بذلك، ولم يعلم عائشة، فجاءت اليهودية مرة أخرى، فذكرت لها ذلك، فأنكرت عليها مستندة إلى الإنكار الأول، فأعلمها النبى ﷺ بأن الوحى نزل بإثباته، ويدل على ذلك صراحة، ما رواه أحمد فى مسنده بإسناد على شرط البخارى عن عائشة –رضى الله عنها-: "أن يهودية كانت تخدمها فلا تصنع عائشة إليها شيئاً من المعروف إلا قالت لها اليهودية: وقاك الله عذاب القبر قالت: فقلت: يا رسول الله هل للقبر عذاب؟ قال: كذبت يهود، لا عذاب دون يوم القيامة. ثم مكث بعد ذلك ما شاء أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار، وهو ينادى بأعلى صوته: "أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر؛ فإن عذاب القبر حق" (١) .

стр. 1029

.. وفى هذا كله أنه ﷺ ، إنما علم بحكم عذاب القبر، إذ هو بالمدينة فى آخر الأمر، وهذا لا يستشكل مع ما نزل بمكة من قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (٢) . لأن الآيتين بظاهر منطوقهما فى حق الكفار. والذى أنكره النبى ﷺ ، إنما هو وقوع عذاب القبر على الموحدين، ثم اعلم ﷺ ، أن ذلك قد يقع على من يشاء منهم، فجزم به، وحذر منه، وبالغ فى الاستعاذة منه تعليماً لأمته وإرشاداً، فانتفى التعارض بحمد الله تعالى (٣) أ. هـ.

стр. 1030

.. أما دعوى القاضى عبد الجبار ومن قال بقوله: إن قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (١) فى آل فرعون خاصة (٢) . فيجاب علىذلك: بأن دعوى الخصوصية ممتنعة، ولا دليل عليها، ومما يؤيد ذلك ما يلى: أولاً: لقد احتج أهل العلم بهذه الآية على عذاب القبر، وما زالوا يستشهدون بها على إثباته (٣) ، حتى قال الإمام ابن كثير – ﵀: "وهذه الآية أصل كبير فى استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ فى القبور" (٤) . ثانياً: لقد فهم الصحابة والتابعون ﵃ عدم الخصوصية فى الآية، ولذلك جعلوها مستنداً لهم فى إثبات عذاب القبر (٥) .

стр. 1031

ثالثاً: روى البخارى بسنده إلى ابن عمر أن رسول الله ﷺ ، قال: "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشى، إن كان من أهل الجنة؛ فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار؛ فمن أهل النار يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة" (١) وهذا فى معنى الآية (٢) . ... أما زعمهم بأن أحاديث عذاب القبر آحاد لا يحتج بها هنا فى العقائد، فقد سبق أن جماعة من الأئمة نصوا على أن الأحاديث الواردة فى عذاب القبر، وسؤاله، ونعيمه، متواترة بمجموعها تواتراً معنوياً، وإن لم يبلغ آحادها حد التواتر. وحتى لو كانت أحاداً لوجب علينا التسليم لها، والإيمان بمضمونها، متى ثبتت صحتها عن رسول الله ﷺ ، وإن دلت على عقيدة خلافاً لمن أبى ذلك. فخبر الآحاد حجة فى العقائد كما سبق تفصيله فى غير موضع من البحث (٣) . وأما دليلهم العقلى فيجاب عنه بالآتى: أولاً: هذا إقحام منهم للعقل فى أمر لا طاقة له به، ولا مدخل له فيه؛ لأن عذاب القبر ونعيمه أمر غيبى لا عهد للعقول به فى هذه الدار، ولا يمكنها أن تصل إلى كيفيته، وإنما يتوقف الإيمان فيه على النصوص الواردة، وإن كان العقل لا يمنع وقوعه، والشرع لا يأتى بما تحيله العقول، ولكنه يأتى بما تحار فيه العقول (٤) .

стр. 1032

ثانياً: إن الحياة التى يحياها الميت فى قبره والتى دل عليها حديث النبى ﷺ ، فى قوله: "فتعاد روحه إلى جسده" (١) حياة أخرى غير هذه الحياة المعهودة فى الدنيا التى تقوم فيها الروح بالبدن، وتصرفه، وتحتاج إلى ما يحتاج إليه الأحياء، وهذا أمر لا يكذبه العقل ولا ينفيه (٢) . يقول ابن قيم الجوزية – ﵀ – "إن الروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق متغايرة الأحكام: أحدها: تعلقها به فى بطن الأم جنيناً. الثانى: تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض. الثالث: تعلقها به فى حال النوم فلها به تعلق من وجه، ومفارقة من وجه. الرابع: تعلقها به فى البرزخ (٣) ؛ فإنها وإن فارقته وتجردت عنه، فإنها لم تفارقه فراقاً كلياً بحيث لا يبقى لها التفات إليه البته. الخامس: تعلقها به يوم بعث الأجساد، وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن، ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه، إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتاً، ولا نوماً، ولا فساداً. ... وإذا كان النائم روحه فى جسده وهو حى، وحياته غير حياة المستيقظ، فإن النوم شقيق الموت، فهكذا الميت إذا أعيدت روحه إلى جسده، كانت له حال متوسطة بين الحى وبين الميت الذى لم ترد روحه إلى بدنه، كحال النائم المتوسطة بين الحى والميت، فتأمل هذا يزيح عنك إشكالات كثيرة" (٤) .

стр. 1033

.. واعلم: أن الرسل "صلوات الله وسلامه عليهم" لا يخبرون بما تحيله العقول وتنافيه، ولكن إخبارهم إما أن يشهد به العقل والفطرة، وإما أن لا يدركه العقل لعجزه عن الوصول إلى حقيقته وكنهه، ولا يكون الخبر بذلك محالاً فى العقل، وبالتالى كل خبر يظن أن العقل يحيله فإما أن يكون كذباً أو يكون ذلك العقل فاسداً (١) . وبعد فإن عذاب القبر أو نعيمه حق ثابت بظاهر القرآن، وصريح السنة المطهرة وعلى ذلك إجماع أهل السنة (٢) . فإن الميت إذا مات يكون فى نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحياناً ويحصل له معها النعيم أو العذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى، أعيدت الأرواح إلى الأجساد، وقاموا من قبورهم لرب العالمين (٣) . أدلة عذاب القبر ونعيمه: ... الذى يلقى نظرة فى القرآن الكريم، والسنة المطهرة يجد أن عذاب من يستحق العذاب، ونعيم من يستحق النعيم يبدأ منذ قدوم الملائكة لأخذ روحه عند الموت قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْءَايَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٤) .

стр. 1034

.. فقوله تعالى: "وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ" أى بالضرب حتى تخرج أنفسهم من أجسادهم، وهو كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (١) وفى حق أهل النعيم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢) مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٣) . وغير ذلك من الآيات. ... وهذا وإن كان قبل الدفن، فهو من جملة العذاب أو النعيم الواقع قبل يوم القيامة. وإنما أضيف العذاب أو النعيم إلى القبر لكون معظمة يقع فيه، ولكون الغالب على الموتى أن يقبروا، وإلا فالكافر ومن شاء الله تعذيبه من العصاة يعذب بعد موته، ولو لم يدفن، ولكن ذلك محجوب عن الخلق إلا ما شاء الله" (٤) . وهذا خلافاً لمن أنكر ذلك من المعتزلة، وقال بعذاب القبر لمن قبر فقط (٥) . ... كما دلت الأدلة على وقوع النعيم أو العذاب عقب الدفن، وبعد سؤال الملكين، وامتحانهما له.

стр. 1035

فقد جاء فى حديث البراء بن عازب فى شأن المؤمن: "فينادى مناد من السماء أن صدق عبدى، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، فيأتيه من ريحها، وطيبها ويفسح له فى قبره" وقال فى الكافر: "فينادى مناد من السماء أن كذب عبدى فأفرشوه من النار، وافتحوا له باباً من النار، فيأتيه من حرها، وسمومها، ويضيق عليه قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه ..." الحديث (١) . ... فهذا نص صريح على وقوع النعيم أو العذاب بعد الدفن. وفى الحديث عن زيد بن ثابت مرفوعاً: "إن هذه الأمة تبتلى فى قبورها. فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذى أسمع ...، الحديث (٢) . ... فقد دلت هذه الأحاديث وغيرها فى الصحيح كثير، على وقوع عذاب القبر بعد الدفن. وهل يدوم ذلك إلى يوم القيامة أم ينقطع؟ الظاهر من النصوص، أن منه ما هو دائم إلى يوم القيامة، وهو عذاب الكفار، كما قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ (٤) . قال الحافظ ابن حجر قال الطبرى: "الأغلب أن إحدى المرتين عذاب القبر، والأخرى تحتمل الجوع أو السبى أو القتل أو الإذلال أو غير ذلك" (٥) .

стр. 1036

وفى حديث أبى هريرة فى شأن المنافقين "فيقال للأرض: التئمى عليه، فتلتئم عليه فتختلف فيها أضلاعه، فلا يزال فيها معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك" (١) . ... ومنه الذى يدوم مدة ثم ينقطع وهو عذاب بعض العصاة، فإنهم يعذبون على قدر جرائمهم، ثم يخفف عنهم (٢) . ... وبالتالى زعم القاضىّ عبد الجبار ومن قال بقوله: إن العذاب يؤخر إلى ما بين النفختين (٣) ؛ زعم لا حقيقة له؛ لأن الأدلة السابقة تخالفه، والآية التى استدلوا بها دليل عليهم لا لهم، لأن المراد بالبرزخ هو الحاجز الذى بين الدنيا والآخرة، وهى فترة بقاء الناس فى قبورهم (٤) . ... إن الله جعل أمر الآخرة وما يتصل بها من حياة البرزخ أمراً غيبياً محجوباً عن المكلفين فى هذه الدار، لكمال حكمته ، وليتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم (٥) . ... ولو أطلع الله العباد على عذاب القبر؛ لزالت حكمة التكليف، والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس، كما ثبت فى صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال: "فلولا أن لا تدافنوا؛ لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذى أسمع منه (٦) . ... ولما كانت هذه الحكمة منفية فى البهائم، سمعت ذلك وأدركته كما سبق فى الحديث (٧) . إن الله حجب بنى آدم، من رؤية كثير مما يحدث فى هذه الدنيا، فجبريل

стр. 1037

-﵇ كان ينزل بالوحى على النبى ﷺ ويخاطبه على كثب من الصحابة ﵃ وهم لا يرونه، والجن يعيشون بيننا، ويتكلمون فيما بينهم، ونحن لا نراهم، ولا نسمع كلامهم، والنائم يجد ألماً ولذة فى نومه، ولا يحس بذلك جليسه، بل اليقظان يحس بالألم، ويشعر باللذة ولا يجد ذلك من يجالسه (١) . والمحتضر يشعر بالألم عند احتضاره، وتضربه الملائكة، والحاضرون لا يرون ذلك. كذلك عذاب القبر، ونعيمه، يقع على الميت، حتى لو دفن رجلان أحدهما إلى جنب الآخر، وكان أحدهما منعماً، والآخر معذباً، فإن نعيم الأول لا يصل إلى الثانى، وكذا عذاب الثانى لا يصل إلى الأول. وقدرة رب العزة أعجب، وأوسع من ذلك (٢) . فقياس أحوال الآخرة، وحياة البرزخ بأحوال الدنيا، قياس للغائب، على الشاهد، وهو محض الضلال، والجهل، وتكذيب الرسل صلوات الله وسلامه عليهم (٣) أ. هـ. اللهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، اللهم إنى اسألك حسن الخاتمة

стр. 1038

الفصل السادس: أحاديث "خلوة النبى ﷺ بامرأة من الأنصار " و"نوم النبى ﷺ عند أم سليم وأم حرام" وحديث "سحر النبى ﷺ " ... وتحته أربعة مباحث: المبحث الأول: شبهة مخالفة سيرة النبى ﷺ فى السنة المطهرة، عن سيرته فى القرآن الكريم . والرد عليها. المبحث الثانى: شبه الطاعنين فى حديث "أنس بن مالك فى خلوة النبى ﷺ بامرأة من الأنصار" والرد عليها. المبحث الثالث: شبه الطاعنين فى حديثى نوم النبى ﷺ عند أم سليم وأم حرام والرد عليها. المبحث الرابع: شبه الطاعنين فى حديث سحر النبى ﷺ والرد عليها. المبحث الأول: شبهة مخالفة سيرة النبى ﷺ فى السنة المطهرة عن سيرته فى القرآن الكريم والرد عليها سيرة النبى ﷺ بين حقائق القرآن الكريم وروايات الإمام البخارى: ... حرص أعداء السنة الشريفة، وهم يطعنون فى صحيح الإمام البخارى، إ يهام الناس أجمعين بأن شخصية النبى ﷺ ، كما رسمها القرآن تختلف عن شخصية النبى ﷺ ، كما رسمها البخارى، وغيره من أصحاب كتب السنة المطهرة، والنتيجة كما يزعمون الإساءة المتعمدة لشخص النبى ﷺ ، من الإمام البخارى (١) وحاشاه من ذلك.

стр. 1039

.. وهم قد لبسوا لهذه النتيجة لباس العلماء لإيهام القارئ أنهم على صواب؛ فساروا خلف بعض الأحاديث انتزعوها انتزاعاً من بين سطور الإمام البخارى، وعمدوا إلى بتر هذه الأحاديث تارة، وإلى إعادة صيغتها بأسلوبهم، وتحميل ألفاظها مالا تحتمل من المعانى تارة ثانية، وعمدوا إلى الأمرين معاً تارة ثالثة. ... ومن هذه الأحاديث التى استدلوا بها على زعمهم فى مخالفة سيرة النبى ﷺ ، كما رسمها القرآن، عن السيرة التى رسمها الإمام البخارى فى صحيحه. أ- أحاديث جاء فيها لفظ (الخلوة) كحديث أنس بن مالك ﵁، أنه ﷺ ؛ خلا بإمرأة من الأنصار فى بعض طرق المدينة تستفيه فى أمر من أمور دينها، وحديثه عن أمه أم سليم، وخالته أم حرام –رضى الله عنهما- فى زيارته ﷺ ، لهما، ونومه عندهما فى وقت القيلولة. بهذه الروايات التى جاء فيها لفظ الخلوة، حملوها على الخلوة المحرمة، وساقوا روايات هذه الأحاديث بأسلوب يهيج الغرائز عند الشباب، ويطيح بكل تقدير للنبى ﷺ ، وللأسلاف والأجداد، مع بُعْدِ سياق هذه الروايات فى صحيح البخارى، عن أسلوب سياقهم لها

стр. 1040

وَبُعْدهَا أيضاً عن الهدف الذى يرمون إليه من الطعن فى عدالة الإمام البخارى (١) ، وصحيحه الجامع، وزعمهم برسمه صورة لسيرة النبى ﷺ ، مخالفة لصورته فى القرآن الكريم (٢) . ب- حديث سحر النبى ﷺ وزعمهم بأنه يحط من مقام النبوة، ويطعن فى عصمته ﷺ ، ويخالف القرآن الكريم، فى قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ (٣) . ... وسوف نذكر شبه الطاعنين فى الأحاديث السابقة، والرد عليها فى المباحث التالية. وذلك بعد الجواب عن زعمهم مخالفة سيرة النبى ﷺ فى السنة المطهرة، عن سيرته فى القرآن الكريم. الجواب:

стр. 1041

.. أقول كما قال فضيلة الأستاذ الدكتور طه حبيشى: "البخارى ليس له، ولا لغيره، أن يرسم شخصية النبى ﷺ ؛ لأن شخصية النبى ﷺ ، بكل بساطة ترجع إلى عناصر ومقومات قد وضعها الله فيه، فالأنبياء جميعاً قد اصطنعهم الله لنفسه، وهو قد صنعهم على عينه، فهو وحده الذى يستطيع أن يرسم لنا صورة فيما اصطنعه لنفسه، وصنعه على عينه، ثم يحدد لنا بعد رسم شخصيته، مستوى العلاقة التى ستكون بيننا وبينه ﷺ . ... هذا كله لله وحده، وليس لأحد أن يتدخل فى شئ منه. والله قد حدد لنا شخصية النبى ﷺ فى القرآن الكريم وحياً يوحى، وحددها لنا النبى ﷺ عن طريق أقواله وأفعاله، وصفاته، وجلها أمور محكومة بالوحى. ودور الإمام البخارى، وغيره من أصحاب المصنفات الحديثية، هو تسجيل تلك الأمور كلها وما فيها من وقائع تاريخية. والتأكد منها سهل ميسور، فنحن بإمكاننا أن نحلل الواقعة التاريخية التى يتحدث عنها البخارى أو غيره، وندرسها دراسة وافية على أساس من المنهج المنضبط، ثم نحن نستطيع أن ندرس هؤلاء النقلة الذين نقلوا هذه الواقعة فى جيل أو جيلين إلى أن وصلوا إلى البخارى، أو إلى غيرة من الرواة. ... وهذا ما قام به أئمة أعلام من سلفنا الصالح، وأسفرت نتيجة جهودهم فى النقد والتمحيص، إلى صحة الكتاب، سوى أحرف يسيرة، والقول فيها ما قاله البخارى، وبعض تلك الأحرف لا تصل إلى درجة الوضع، بل ولا حتى إلى درجة الضعف الذى لا يحتمل، وقد سبق تفصيل ذلك (١) . ... ومن هنا ينبغى أن نتفق من البداية؛ أنه ليس لأحد أن يرسم من خياله صورة لنبى مرسل، سواء كان هذا النبى هو النبى الخاتم ﷺ ، أو غيره من الأنبياء (٢) .

стр. 1042

.. وهنا نأتى للجواب عما استدلوا به من أحاديث تخالف فى زعمهم حقائق القرآن الكريم. فإلى بيان ذلك. المبحث الثانى: شبهة الطاعنين فى حديث أنس بن مالك فى خلوة النبى ﷺ بامرأة من الأنصار والرد عليها ... روى الإمام البخارى فى صحيحه بسنده عن أنس ﵁ قال: "جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله ﷺ ومعها صبى لها، فكلمها رسول الله ﷺ فقال: "والذى نفسى بيده، إنكم أحب الناس إلىَّ مرتين" (١) . ... بهذه الرواية طعن أعداء السنة فى صحيح الإمام البخارى، وأوهموا القارئ بأن الحديث يطعن فى شخص النبى ﷺ ، حيث جاء فى الرواية أنه ﷺ ، خلا بها، ثم قال "إنكم أحب الناس إلىَّ". يقول أحمد صبحى منصور: "والرواية تريد للقارئ أن يتخيل ما حدث فى تلك الخلوة التى انتهت بكلمات الحب تلك، وذلك ما يريده البخارى بالطبع" (٢) .

стр. 1043

و الجواب: ... نقول لهؤلاء النابتة الضالة التى تريد الطعن والتشكيك فى صحيح الإمام البخارى لتسقط مكانته كأصح كتاب بعد كتاب الله ، ولتسقط بسقوطه كل كتب السُّنة التى تليه، إذ هو بمثابة الرأس، لكتب السنة، وبسقوط الرأس يسقط كل الجسد. نقول لهم إن كنتم صادقين فى دعواكم تنزيه الرسول ﷺ ، مما يشكك فى سيرته العطرة، وأخلاقه العظيمة، وتزعمون أن البخارى بإخراجه لهذه الرواية فى صحيحه، قد افترى كذباً على الرسول ﷺ ، وشكك فى أخلاقه ﷺ ، وحاشا للإمام البخارى من ذلك. وإن كنتم حقاً أهل علم، وبحث عن الحقيقة، فلماذا تعمدتم عدم ذكر اسم عنوان الباب الذى ذكر تحته الإمام البخارى هذا الحديث؟ وهو باب "ما يجوز أن يخلوا الرجل بالمرأة عند الناس". ولماذا تجاهلتم ما قاله شُرَاح الحديث فى بيانهم للمراد من الخلوة، وكيف كانت تلك الخلوة، ولماذا اختلى بها النبى ﷺ ؟ ... نعم تعمدتم عدم ذكر ذلك تلبيساً منكم وتضليلاً للقارئ، ولأنكم تعلمون كما تعلم الدنيا بأسرها، أن فقه الإمام البخارى فى تراجم أبوابه، وتعلمون أنكم بذكركم عنوان الباب، ينكشف كذبكم وتضليلكم. كما أنكم تجاهلتم ما قاله شراح الحديث من أئمة المسلمين، والذين تحرصون على وصفهم بأنهم يقدسون البخارى، ويعبدونه من دون الله "وحاشاهم من ذلك". تجاهلتم ما فسروه وبينوه من معنى "خلوة الرجل بالمرأة عند الناس" وكيف كانت تلك الخلوة؟! والنتيجة من تجاهلكم كل ذلك أنكم سفهتم عقول أئمة المسلمين، واستخففتم بعقول القارئ لكم. ... وتعالوا بنا لنظهر للقارئ ما حرصتم على كتمانه، ولنترك له الحكم بعد ذلك، من الصادق، البخارى أم أنتم؟ ومن الطاعن والمشكك فى سيرة النبى ﷺ ، البخارى أم أنتم؟ ومن المحترم لعقل القارئ، البخارى أم أنتم؟

стр. 1044

.. يقول الحافظ "ابن حجر" – ﵀ – شارحاً المراد من عنوان الباب الذى ذكر الإمام البخارى تحته حديث أنس قال: قوله: "باب ما يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة عند الناس" أى لا يخلو بها بحيث تحتجب أشخاصهما عنهم، بحيث لا يسمعون كلامهما، إذا كان بما يخافت به، كالشئ الذى تستحى المرأة من ذكره بين الناس، وأخذ المصنف قوله فى الترجمة "عند الناس" من قوله فى بعض طرق الحديث "فخلا بها فى بعض الطرق أو فى بعض السكك" وهى الطرق المسلوكة التى لا تنفك عن مرور الناس غالباً. ... وقوله "فخلا بها رسول الله ﷺ " أى فى بعض الطرق، قال المهلب: لم يرد أنس أنه خلا بها، بحيث غاب عن أبصار من كان معه، وإنما خلا بها، بحيث لا يسمع من حضر شكواها، ولا ما دار بينهما من الكلام، ولهذا سمع أنس آخر الكلام فنقله، ولم ينقل ما دار بينهما؛ لأنه لم يسمعه. ... وفى رواية مسلم عن أنس "أن امرأة كان فى عقلها شئ فقالت: يا رسول الله! إن لى إليك حاجة، فقال: يا أم فلان! أى السكك شئت، حتى أقضى لك حاجتك، فخلا معها فى بعض الطرق، حتى فرغت من حاجتها" (١) . ... قال الإمام النووى قوله: "خلا معها فى بعض الطرق" أى وقف معها فى طريق مسلوك، ليقضى حاجتها ويفتيها فى الخلوة، ولم يكن ذلك من الخلوة بالأجنبية، فإن هذا كان فى ممر الناس، ومشاهدتهم إ ياه وإ ياها، لكن لا يسمعون كلامها، لأن مسألتها مما لا يظهره" (٢) .

стр. 1045

.. قال الحافظ ابن حجر: وفى هذه الرواية بيان "أن مفاوضة الأجنبية سراً لا يقدح فى الدين عند أمن الفتنة، ولكن الأمر كما قالت عائشة: "وأيكم يملك أربه كما كان ﷺ ، يملك أربه" (١) . ... أما قوله "والذى نفسى بيده"، إنكم أحب الناس إلىَّ –مرتين– وفى رواية ثلاث مرات، هو على طريق الإجمال، أى مجموعكم أحب إلى من مجموع غيركم". ... وفى هذه الجملة منقبة للأنصار حيث جعل المصطفى ﷺ ، حبهم من علامات الإيمان وبغضهم من علامات النفاق، فقال ﷺ : "الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق ومن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله" (٢) .

стр. 1046

.. وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبى ﷺ ، قال: "أية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار" (١) ومن هنا كرر الإمام البخارى، حديث أنس فى كتاب مناقب الأنصار. قال الحافظ ابن حجر: "وخصوا بهذه المنقبة العظمى لما فازوا به دون غيرهم من القبائل، من إيواء النبى ﷺ ، ومن معه، والقيام بأمرهم، ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وإيثارهم إياهم فى كثير من الأمور على أنفسهم، فكان صنيعهم لذلك موجباً لمعاداتهم جميع الفرق الموجودين من عرب وعجم، والعداوة تجر البغض، ثم كان ما اختصوا به مما ذكر موجباً للحسد، والحسد يجر البغض، فلهذا جاء التحذير من بغضهم والترغيب فى حبهم حتى جعل ذلك آية الإيمان والنفاق، تنويهاً بعظيم فضلهم، وتنبيهاً على كريم فعلهم، وإن كان من شاركهم فى معنى ذلك مشاركاً لهم فى الفضل المذكور كل بقسطه. وقد ثبت فى صحيح مسلم عن علىّ أن النبى ﷺ ، قال له "لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق" (٢) ، وهذا جار باطراد فى أعيان الصحابة، لتحقق مشترك الإكرام، لما لهم من حسن العناء فى الدين" (٣) . وبعد

стр. 1047

فقد ظهر واضحاً جلياً لكل ذى عقل، وقلب سليم، أن الحديث صحيح رواية ودراية، وأن ما زعمه أهل الزيغ من أن لفظ الخلوة فى الحديث - محمول على الخلوة المحرمة، مردود عليهم بما جاء فى بعض طرق الحديث "فخلا بها فى بعض الطرق أو بعض السكك، وهى الطرق التى لا يخلو منها المارة من الناس. كما اتضح جلياً أن تلك المرأة التى خلى بها النبى ﷺ ، كانت لها مسألة أرادت أن تستفتى فيها النبى ﷺ ، وتلك المسألة مما تستحى من ذكره النساء بحضرة الناس، وكانت إجابة النبى ﷺ ، لها أن تلتمس بعض الطرق أى تلتمس أى جانب من الأماكن العامة التى لا تخلو من مرور الناس غالباً حتى يسمع حاجتها، ويقضيها لها، ومن هنا جاء التعبير بلفظ الخلوة، وكل هذا صرحت به رواية الإمام مسلم. وما ختم به النبى ﷺ ، حديثه مع المرأة من قوله "والذى نفسى بيده إنكم أحب الناس إلى" هذا منه ﷺ ، تأكيداً لما قاله مراراً من جعله علامات الإيمان حب الأنصار، ومن علامات النفاق بغضهم، ثم إن هذه الكلمة قالها النبى ﷺ ، جهاراً على ملأ من الناس - لنساء وصبيان من الأنصار كانوا مقبلين من عرس. ... ففى رواية البخارى عن أنس بن مالك ﵁ قال: "أبصر النبى ﷺ ، نساءاً وصبياناً مقبلين من عرس فقام ممتناً فقال "أنتم من أحب الناس إلى" (١) . فهل بقى بعد كل هذا حجة فى الحديث لمن أرادوا أن يشوشوا به على سيرة النبى ﷺ ، وهم يوهمون البسطاء أنهم من المحبين للنبى ﷺ ، المدافعين عنه، فىالوقت الذى يجحدون فيه سنته العطرة، ويطعنون فى عدالة الإمام البخارى، وفى صحيحه الجامع، ويسفهون عقول المسلمين القائلين بقول سلفهم الصالح ﵃ ويستخفون بعقول القارئ لهم؟ أ. هـ. والله ﵎ أعلى وأعلم

стр. 1048

المبحث الثالث: شبهة الطاعنين فى حديثى نوم النبى ﷺ عند أم سليم، وأم حرام والرد عليها أولاً: حديث أم سليم - رضى الله عنها -: ... روى البخارى ومسلم – رحمهما الله – عن أنس بن مالك ﵁ قال: "إن أم سليم (١) كان تبسط للنبى ﷺ ، نَطْعاً فَيَقِيلُ عِنْدهَا على ذلك النطع، قال: فإذا نام ﷺ ، أخذت من عَرَقِه وشعره فجمعَتْهُ فى قارورة، ثم جمعَتْه فى سُكّ وهو نائم. قال: فلما حضرَ أنسَ ابن مالك الوفاةُ أوصى إلىَّ أن يُجعلَ فى حَنوطِه من ذلك السُّكّ، قال فجُعِل فى حَنوطه" (٢)

стр. 1049

ثانياً: حديث أم حرام -رضى الله عنها-: ... روى البخارى ومسلم - رحمهما الله - عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يدخل على أم حرام بنت ملحان (١) ، فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله ﷺ ، فأطعمْتهُ، وجعلت تَفْلِى رَأْسُهُ، فَنَامَ رسول الله ﷺ ، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت فقلت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتى عُرضوا على غُزَاةً فى سبيل الله، يركبون ثَبَجَ هذا البحر مُلُوكاً على الأَسِرَّةِ أو مِثلَ المُلُوك على الأَسِرَّة، شكَّ -إسحاقُ- قالت فقلتُ: يا رسولَ الله، ادعُ الله أن يجعلنى منهم، فدعا لها رسول الله ﷺ ، ثم وضع رأسَهُ، ثم استيقظ وهو يضحك. فقلتُ: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناسٌ من أُمتى عُرضوا على غُزاةً فى سبيل الله -كما قال فى الأول- قالتُ فقلتُ: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلنى منهم، قال: أنت من الأولينَ٠ فركبتِ البحرَ فى زمن معاويةَ بن أبى سفيان فُصِرعَتْ عن داَّبُتها حين خرجتْ من البَحِر فهَلَكْت" (٢)

стр. 1050

.. بالحديثان السابقان طعن أعداء السنة المطهرة، فى عدالة الإمام البخارى، وفى صحيحه الجامع، وزعموا أن الروايات السابقة يلزم منها أن تكون هناك علاقات خاصة مع النبى ﷺ ، وهو الذى أدبه ربه فأحسن تأديبه. يقول أحمد صبحى منصور: يريدنا البخارى أن نصدق أن بيوت النبى التى كانت مقصدا للضيوف، كانت لا تكفيه، وأنه كان يترك نساءه بعد الطواف عليهن ليذهب للقيلولة عند امرأة أخرى، وأثناء نومه كانت تقوم تلك المرأة بجمع عرقه وشعره، وكيف كان يحدث ذلك ... يريدنا البخارى أن نتخيل الإجابة ... ونعوذ بالله من هذا الإفك ثم يؤكد البخارى على هذا الزعم الباطل بحديث أم حرام القائل، كان رسول الله يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت فدخل عليها رسول الله فأطعمته، وجعلت تفلى رأسه، فنام رسول الله ثم استيقظ وهو يضحك، فقالت وما يضحكك يا رسول الله؟ إلخ. فالنبى على هذه الرواية المزعومة تعود الدخول على هذه المرأة المتزوجة، وليس فى مضمون الرواية وجود للزوج، أى تشير الرواية إلى أنه كان يدخل عليها فى غيبة زوجها، ويصور البخارى كيف زالت الكلفة والاحتشام بين النبى وتلك المرأة المزعومة، إذ كان ينام بين يديها وتفلى له رأسه وبالطبع لابد أن يتخيل القارئ موضع رأس النبى بينما تفليها له تلك المرأة فى هذه الرواية الخيالية، ثم بعد الأكل والنوم يستيقظ النبى من نومه، وهو يضحك ويدور حديث طويل بينه وبين تلك المرأة نعرف منه أن زوجها لم يكن موجوداً وإلا شارك فى الحديث. وصيغة الرواية تضمنت كثيراً من الإيحاءات والإشارات المقصودة، لتجعل القارئ يتشكك فى أخلاق النبى. فتقول الرواية "كان رسول الله يدخل على أم حرام فتطعمه..." والبخارى هنا ينزل بالنبى الى درك التشبيه بالحيوانات الأليفة التى تدخل البيوت، فيعطف عليها حريم البيت ويطعمونها. ولاحظ اختيار لفظ الدخول على المرأة، ولم يقل كان يزور، ثم

стр. 1051

يقول عن المرأة "وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت" فهنا تنبيه على أنها متزوجة، ولكن ليس لزوجها ذكر فى الرواية ليفهم القارئ أنه كان يدخل على تلك المرأة المتزوجة فى غيبة زوجها، ثم اختيار اسم المرأة "أم حرام" ليتبادر إلى ذهن القارئ أن ما يفعله النبى حرام وليس حلالاً. ثم يضع الراوى - بكل وقاحة- أفعالاً ينسبها للنبى ﵇ لا يمكن أن تصدر من أى إنسان على مستوى متوسط من الأخلاق الحميدة، فكيف بالذى كان على خلق عظيم ... ﵊، فيفترى الراوى كيف كانت تلك المرأة تطعمه، وتفلى له رأسه، وينام عندها، ثم يستيقظ ضاحكاً ويتحادثان ... نعوذ بالله من الافتراء على رسول الله ... ويتركنا البخارى بعد هذه الإيحاءات المكشوفة، نتخيل ما معنى أن يخلو رجل بامرأة متزوجة فى بيتها، وفى غيبة زوجها، وأنها تطعمه وتفلى له رأسه، أى أن الكلفة قد زالت بينهما تماماً، وأنها تعامله، كما تعامل زوجها ... ثم يقول "وجعلت تفلى له رأسه فنام رسول الله ثم استيقظ ..." ولابد أن القارئ سيسأل ببراءة ... وأين نام النبى، وكيف نام، وتلك المرأة تفلى له رأسه، وآلاف الأسئلة تدور حول هدف واحد هو ما قصده البخارى بالضبط (١) .

стр. 1052

و الجواب: يقول فضيلة الأستاذ الدكتور طه حبيشى رداً على أحمد صبحى منصور، وعلى من قال بقوله قال: "إن قصة أم سليم، وأم حرام، والتى لم يتورع أحمد صبحى منصور أن يتخذ منها تكأة للتشويش على شخصية النبى ﷺ ، وهو يوهم البسطاء أنه من المحبين له المدافعين عنه، وهو لا يعلم أن التفصيل فى نفى النقص عن الكاملين نقص، خصوصاً إذا دخل فى شئ من التفصيل الممل، أو لعل صاحبنا يعلم هذه الجزئية، ويستغلها فى تشويه صورة النبى ﷺ ، والتقليل من هيبته فى نفوس أتباعه، وهذا مطمع قد طمع فيه من هم أكثر من صاحبنا بصراً بالمناهج، ومن هم أكثر منه حيطة بأساليب البحث والدرس، ومن هم أشد منه قوة وأعز نفراً، فما استطاعوا أن يظهروا به وما استطاعوا أن ينالوا من جدار العز للنبى ﷺ نقباً. والشئ الذى لم يعرفه هؤلاء، أن الروايات مجمعة تقريباً على أن النبى كان يكثر من التردد، والأكل والشرب، عند أم سليم، وأم حرام. والباحث الحصيف يسأل هل هناك شئ من العلاقة بين هاتين المرأتين الجليلتين؟ ... والروايات تجيب أن أم سليم، وأم حرام أختان، يقال لأحدهما الرميضاء، وللأخرى الغميصاء، لا بعينها، فمنهم من يقول: إن الرميصاء بالراء هى أم حرام، والغميصاء بالغين هى أم سليم، ومنهم من يعكس (١) . ... والرميصاء، والغميصاء: لفظان يدلان على حالتين فى العين متشابهتين، وهما حالتان خلقيتان ليس بالعين معهما من بأس.

стр. 1053

.. وأم سليم هى أم أنس بن مالك ﵁، وأم حرام خالته، وأنس بن مالك كان فى صباه يخدم النبى عشر سنين وكان النبى يعامله معاملة تناسب أخلاق النبوة يقول أنس: خدمت النبى عشر سنين، فما قال لى لشئ فعلته لم فعلته، ولا لشئ تركته لما تركته (١) . ... هؤلاء ثلاثة ليسوا من المجاهيل فى الصحابة والصحابيات، وما الذى جعل علاقة النبى بهم على هذا المستوى من الاهتمام، وكثرة السؤال عنهم. إن هذا لا يكون إلا فى حالة واحدة، وهى أن تكون هناك درجة من القرابة تجعل المرأتين من محارم النبى ﷺ ، سواء أكان ذلك من جهة النسب كما قال بعض المؤرخين، أو كان من جهة الرضاعة كما قال البعض الآخر (٢) . وإلا فهل يمكن عقلاً للنبى ﷺ ، أن يخالف الناس إلى ما ينهاهم عنه؟ وهل يمكن عقلاً أو اتفاقاً أن تقوم علاقة غير مشروعة وحاشاه بينه وبين أختين فى وقت واحد؟ وهل يجيز المنطق أو العادة أن يسمح النبى لغير قريبه من الصبيان أن يخدمه فى بيته عشر سنوات كاملات؟ وهل يعقل أن يترك أهل الكفر والنفاق – زمن النبوة – مثل هذا الموقف دون استغلاله فى الطعن فى النبى ﷺ ، وفى نبوته؟ أمور كلها تعد من قبيل الشواهد التى لا تخطئ، والدلالات التى تورث اليقين بأن النبى ﷺ ، كان قريباً قرابة محرمة لأم سليم، وأختها أم حرام.

стр. 1054

وخصوصاً وأن بعض الروايات تقول كان النبى ﷺ ، يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها وليست فيه (١) ، ورواية تقول: "نام النبى ﷺ ، فاستيقظ وكانت تغسل رأسها، فاستيقظ وهو يضحك، فقالت: يا رسول الله أتضحك من رأسى قال لا" (٢) . وقد يقول قائل قريبات النبى ﷺ معروفات، وليس منهن أم سليم ولا أم حرام. والجواب أننا نتحدث عن مجتمع لم يكن يمسك سجلات للقرابات، وخاصة إذا كانت القرابة فى النساء، فهناك قريبات كثيرات أغفلهن التاريخ فى هذا المجتمع وأهملهن الرواة (٣) . قال الإمام النووى – ﵀ – قوله: "أن النبى ﷺ كان يدخل على أم حرام بنت ملحان، فتطعمه، وتفلى رأسه، وينام عندها". اتفق العلماء على أنها كانت محرماً له ﷺ ، واختلفوا فى كيفية ذلك. فقال ابن عبد البر وغيره: كانت إحدى خالاته من الرضاعة، وقال آخرون: بل كانت خالة لأبيه أو لجده، لأن عبد المطلب كانت أمه من بنى النجار. وقوله: "تَفْلِى" بفتح التاء وإسكان الفاء وكسر اللام أى تفتش ما فى الرأس، وتقتل القمل منه، ولا يعنى وجود ذلك فى رأس النبى ﷺ . وأخذ من ذلك الحديث جواز فلى الرأس، وقتل القمل منه، وجواز ملامسة المحرم فى الرأس وغيره مما ليس بعورة، وجواز الخلوة بالمحرم والنوم عندها، وهذا كله مجمع عليه (٤)

стр. 1055

.. يقول فضيلة الدكتور طه حبيشى: "بقى أن يتشدق صاحبنا فيقول: هب أن ذلك صحيح "وهو صحيح قطعاً" فكيف يدخل النبى بيتاً لمحرمة، وهى أم حرام من غير إذن زوجها عبادة بن الصامت؟ والجواب أن أم حرام كانت قد تزوجت مرتين، تزوجت مرة قبل عبادة بن الصامت وأنجبت، ثم قتل ابنها شهيداً فى إحدى معارك الإسلام، وبقيت بغير زواج لكبر سنها، ثم شاء الله أن تتزوج بعبادة بن الصامت، ويبقى معها بعد انتقال النبى ﷺ ، وقد وقع ذلك فى كلام أنس بن مالك نفسه، وهو يحدث عن خالته بالحديث الذى هو موضوع كلامنا الآن، ففى بعض روايات الحديث قال: ثم تزوجت بعد ذلك بعبادة بن الصامت. أما هذه الجملة التى وقع عليها صاحبنا وهى الواردة فى بعض روايات هذا الحديث وهى – كانت تحت عبادة بن الصامت – فقد أجمع العلماء أن هذه الجملة معترضة، وهى من كلام الراوى يشرح بها حال أم حرام حين ذهبت إلى بلاد الشام، أو إلى جزيرة قبرص، وماتت بها. قال الحافظ ابن حجر: والمراد بقوله هنا "وكانت تحت عبادة" الإخبار عما آل إليه الحال بعد ذلك، وهو الذى اعتمده النووى، وغيره تبعاً لعياض" (١) . ... أما ما زعمه أحمد صبحى، وحاول إ يهام القارئ به من أن روايات الحديث فيها أن النبى ﷺ ، كان يبادل أم حرام كلمات غير مقبولة، وحاشاه.
следующие страницы →