← Общие книги

Общие книги · id 1820

كتابات أعداء الإسلام ومناقشتها

عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى

Полный текст (1 177 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

والشفاعة إنما تطلب من الله تعالى؛ لأنه هو المالك لها سبحانه كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ (١) . وأما الشفاعة المثبتة فهى لا تثبت عند السلف إلا بشروط وهى: الإذن للشافع بالشفاعة كما قال : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ (٣) . الرضا عن المشفوع فيه. كما قال سبحانه: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ (٤) وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (٥) وعن ابن عباس – رضى الله عنهما - قال فى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ قال:"الذين ارتضاهم بشهادة أن لا إله إلا الله" (٦) . وأما زعمهم دعوى تعارض أحاديث الشفاعة بحديث: "لا يدخل الجنة نمام ... الحديث" وبحديث "من قتل نفسه بحديدة ..." الحديث. فقد سبق الجواب، بما يرفع التعارض، ويوفق بين النصوص (٧) . ... وأما حملهم للحديث على أن المراد به شفاعة النبى ﷺ ، لأهل الكبائر إذا تابوا (٨) ؛ فلا دليل لهم على ذلك. وهو مع أنه تأويل مناهض للنصوص الثابتة، ولا يدل عليه لفظ الحديث، فهو أيضاً معنى فاسد؛ لأن الذى يتوب من الذنب لا يوصف به بعد ذلك، بل يبدل الله

стр. 982

سيئاته حسنات فضلاً منه وكرماً قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١) . فصاحب الكبيرة إذا تاب عن كبيرته وصحت توبته زال عنه هذا الاسم (٢) . قال الصحابى الجليل جابر بن عبد الله ﵁: "من لم يكن من أهل الكبائر فما له وللشفاعة" (٣) . ... وما ذهب إليه بعضهم من حصر شفاعته ﷺ ، على زيادة الثواب، ورفع الدرجات لأهل الثواب (٤) . مردود عليهم بما صرحت به الأحاديث الصحيحة من شفاعات أخرى له ﷺ من ذلك:

стр. 983

الشفاعة العظمى، الخاصة بنبينا ﷺ ، دون سائر خلق الله والواردة فى قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١) وفى ذلك يقول ﷺ : "أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون مم ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين فى صعيد واحد ... إلى أن يقول: فيأتون محمد ﷺ فيقولون: يا محمد أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه، فأنطلق فآتى تحت العرش فأقع ساجداً لربى ثم يفتح الله على من محامده، وحسن الثناء عليه، شيئاً لم يفتحه على أحد قبلى، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه، واشفْع تُشفع ..." الحديث (٢) . شفاعته صلى الله عليه وسلملأمته فى دخول الجنة: كما جاء فى حديث الشفاعة العظمى السابق، وفيه قال ﷺ : فأقول أمتى يا رب، أمتى يا رب، فقال: يا محمد ادخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب (٣) .

стр. 984

ج- شفاعته ﷺ للمؤمنين من أهل الكبائر: وقد سبقت بعض النصوص التى تدل عليها. وهى لا تختص به ﷺ وإنما يشاركه فيها الملائكة، والنبيون، والمؤمنون، كما روى مسلم فى صحيحه بسنده عن أبى سعيد الخدرى أن ناساً فى زمن رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : نعم قال: "هل تُضَارُّونَ فى رُؤية الشمس بالظهيرة صَحْواً ليس معها سَحَابُ؟ " فذكر الحديث وفيه: "فيقول الله : شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون. ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضه من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط ..." الحديث (١) . ... وله ﷺ شفاعات أخرى، منها ما يشاركه فيها غيره، ومنها ما يختص به (٢) أ. هـ. اللهم إنى اسألك شفاعات نبيك ﷺ وأبرأ إليك من جهل الجاهلين وإلحاد الملحدين المنكرين لشفاعة سيد المرسلين ﷺ

стр. 985

الفصل الرابع: أحاديث ظهور "المهدى" وخروج "الدجال " و"نزول المسيح ﵇" ... وتحته مبحثان: المبحث الأول: شبهة الطاعنين فى أحاديث الأمور الغيبية "المستقبلية" و"الأخروية " والرد عليها. المبحث الثانى: شبهات المنكرين لظهور "المهدى" و "خروج الدجال" و "نزول المسيح ﵇" والرد عليها. المبحث الأول: شبهة الطاعنين فى أحاديث الأمور الغيبية "المستقبلية" و"الأخروية" والرد عليها ... أحاديث الأمور الغيبية التى أخبر بها المعصوم ﷺ ، والتى تعد من الأدلة على صدق نبوته ﷺ ، طعن فيها أعداء الإسلام بحجة أنه ﷺ ، لا يعلم الغيب، فطعنوا فى أحاديث الفتن وأشراط الساعة، والأمور السمعية، من عذاب القبر ونعيمه، وما فى يوم القيامة من حوض وميزان، وصراط ...، بل وطعنوا فى الأحاديث الصحيحة التى تصف نعيم الجنة، وعذاب النار ... إلخ. يقول جمال البنا: "عرض الأحاديث على القرآن، سيؤدى إلى التوقف أمام الأحاديث التى جاءت عن المغيبات بدءً من الموت حتى يوم القيامة، والجنة والنار، فهذه هى ما استأثر الله تعالى بعلمها ... ويدخل فى الغيب التنبؤ بما سيحدث قبيل الساعة، مما يسمونه "الفتن" ويدخل فيها المهدى، والدجال، وما إلى هذا كله. ... والأحاديث التى تتحدث عن الفتن، والمهدى، والدجال، ثم الموت، وعذاب القبر، فالحشر، والنشر، والجنة والنار، تجاوزت المئات إلى الألوف، ونحن نطويها دون حساسية أو أسى" (١) أ. هـ.

стр. 986

و الجواب على شبهتهم فيما يلى: ... دعوى أعداء السنة بأن أحاديث الأمور الغيبية تتعارض مع القرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١) . ... هذا الزعم بالتعارض مردود عليهم بأن الغيب المنفى فى الآية السابقة، ونحوها من الآيات كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ (٣) . هذا الغيب المنفى هو المذكور فى آية لقمان، والوارد فى قوله ﷺ : "مفاتح الغيب خمس ثم تلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٤) .

стр. 987

.. وما عدا ذلك الغيب أطلع عليه من شاء من أنبيائه ورسله كما قال : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ (١) أى لا يظهر على غيبه إلا من ارتضى أى اصطفى للنبوة، فإنه يطلعه على ما يشاء من غيبه ليكون ذلك دالاً على نبوته (٢) . وينص على ذلك رب العزة فى حق سيدنا عيسى ﵇ – قال تعالى: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ (٣) وفى حق سيدنا يوسف–﵇ –قال تعالى: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ (٤) .

стр. 988

.. وفى حق سيدنا رسول الله ﷺ ، قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (١) . وفى الحديث عن ابن مسعود ﵁ مرفوعاً: "أعطى نبيكم ﷺ مفاتيح الغيب إلا الخمس ثم تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٢) . ... ومن هنا فإن الأحاديث التى تدل على الغيب من أقوى الأدلة على نبوة رسول الله ﷺ ، وأنه نبى من عند الله يوحى إليه. ومن هنا ندرك هدف أعداء الإسلام من المستشرقين وذيولهم من دعاة اللاديينة – فى طعنهم فى ذلك النوع من الأحاديث، وزعمهم أنها مكذوبة، لأنه يلزم من صحتها صدق النبوة (٣) .

стр. 989

.. إن الساعة جعل الله لها أشراطاً وعلامات لا تتعارض مع إتيان الساعة بغتة قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُءَايَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُءَايَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْءَامَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ (٤) . وأكدت السنة المطهرة ما جاء فى القرآن الكريم من أن للساعة أشراطاً.

стр. 990

من ذلك قوله ﷺ لجبريل –﵇– لما سأله عن الساعة فقال ﷺ ما المسئول عنها بأعلم من السائل قال – أى جبريل – ﵇ – فأخبرنى عن أماراتها قال أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة، رعاء الشاةِ يتطاولون فى البنيان ... الحديث" (١) . وقد ورد عنه ﷺ ، أحاديث كثيرة فى الإخبار عن علامات وأشراط الساعة لهذا اليوم، وهى من أنباء الغيب المنقولة عن النبى ﷺ ، بالأسانيد الصحيحة الثابتة، وهى كثيرة تفوق درجة التواتر فى جملتها، ويبلغ عدد كثير منها التواتر بمفرده، كالأحاديث الواردة فى ظهور المهدى، والمسيح الدجال، وفى نزول المسيح عيسى بن مريم – ﵇ – مما لا يسع أحداً إنكاره إلا أن ينكر عقله وحسه (٢) .

стр. 991

وسوف نتناول الجواب عن شبهات ثلاث آيات غيبية أنكروها وهى ظهور المهدى، وخروج الدجال، ونزول المسيح (١) عيسى ﵇. ... فإلى بيان ذلك فى المبحث التالى. المبحث الثانى: شبهات المنكرين "لظهور المهدى" و "خروج الدجال " و"نزول المسيح ﵇" والرد عليها أولاً: "ظهور المهدى ": ... بلغت الأخبار فى ظهور المهدى حد التواتر المعنوى، وحكى هذا التواتر غير واحد من أئمة الحديث. قال ابن قيم الجوزية: "وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله ﷺ ، بذكر المهدى وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلاً، وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة، ويصلى عيسى خلفه" (٢) .

стр. 992

وقال الإمام الشوكانى: "والأحاديث الواردة فى المهدى التى أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثاً فيها الصحيح، والحسن، والضعيف، المنجبر، وهى متواترة بلا شك ولا شبهة (١) أ. هـ. ومن الأحاديث الصحيحة الواردة فى "المهدى": حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبى ﷺ ، قال: "لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً منى – أو من أهل بيتى – يواطئ اسمه اسمى، واسم أبيه اسم أبى، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً" (٢) .

стр. 993

.. وعن أبى سعيد الخدرى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المهدى منى أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً، ويملك سبع سنين" (١) . وفى هذه الأحاديث الصحيحة بيان أن المهدى اسمه "محمد بن عبد الله"، وينتهى نسبه إلى الحسن (٢) لا إلى الحسين –رضى الله عنهما–٠

стр. 994

وفى هذا رد على الشيعة الجعفرية فى زعمهم أن أمامهم "الإثنى عشر" هو المهدى الذى بشر به النبى ﷺ ؛ لأن إمامهم المزعوم يسمى "محمد بن الحسن العسكرى" من ولد الحسين بن على، لا من ولد الحسن. والذى أخبر به النبى ﷺ اسمه محمد بن عبد الله، وينتهى نسبه إلى الحسن لا إلى الحسين –رضى الله عنهما- (١) .

стр. 995

وفى صحة الروايات السابقة، وما نص عليه غير واحد من علماء المسلمين بتواتر أحاديث المهدى تواتراً معنوياً ردً على الأستاذ محمد رشيد رضا – ﵀ – فى تضعيفه للحديث، ووصفه بالاضطراب (١) . واتهامه لكعب الأحبار بوضعه حيث قال: "ولأجل ذلك كثر الاختلاف فى اسم المهدى، ونسبه، وصفاته، وأعماله، وكان لكعب الأحبار جولة واسعة فى تلفيق تلك الأخبار" (٢) . وقال فى موضع آخر: "وإذا تذكرت مع هذا أن أحاديث الفتن والساعة عامة، وأحاديث المهدى خاصة، وأنها كانت مهب رياح الأهواء والبدع وميدان فرسان الأحزاب، والشيع، تبين لك أين تضع هذه الرواية منها" (٣) . ويقول أيضاً: "وقد كانت أى روايات المهدى – أكبر مثارات الفساد والفتن فى الشعوب الإسلامية إذ تصدى كثير من محبى الملك والسلطان، ومن أدعياء الولاية، وأولياء الشيطان لدعوى المهدوية فى الشرق والغرب أو تأييد دعواهم بالقتال والحرب والبدع، والإفساد فى الأرض، حتى خرج ألوف الألوف عن هداية السنة النبوية، ومرق بعضهم من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية (٤) أ. هـ. ... ويجاب على ما سبق بالآتى:

стр. 996

أولاً: اتهام الأستاذ "محمد رشيد رضا" لكعب الأحبار بأنه هو، ووهبُ ابن مُنَبِّه "بطلى الإسرائيليات وينبوعى الخرافات" (١) ، واتهامه للصحابة، وللتابعين، وللأئمة المسلمين بالغفلة عن حقيقة أمرهم؛ إذ يقول فى تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ (٢) : "وأما تلك الروايات الكثيرة فى جوهرها ومقدارها ... كلها من الإسرائيليات الباطلة التى بثها فى المسلمين أمثال "كعب الأحبار"، "ووهب بن منبه" فاغتربها بعض الصحابة، والتابعين إن صحت الرواية عنهم" (٣) . وقال: "ثم ليعلم أن شر رواة هذه الإسرائيليات أو أشدهم تلبيساً وخداعاً للمسلمين هذان الرجلان: كعب الأحبار، ووهب بن منبه" (٤) ، وقال: "لو فطن الحافظ ابن حجر لدسائسهما، وخطأ من عدلهما من رجال الجرح والتعديل؛ لخفاء تلبيسهم عليهم، لكان تحقيقه لهذا البحث أتم وأكمل" (٥) .

стр. 997

.. إن طعن الأستاذ رشيد رضا (١) – غفر الله له – فى كعب الأحبار، ووهب بن مُنَبِّه مردود عليه بما ذكره هو نفسه من أن الجمهور عدلوهما ووثقوهما، واعترافه أيضاً بأن أبا هريرة، وابن عباس (٢) وغيرهما من أعلام الصحابة؛ كعبد الله بن عمر، وعبد الله ابن الزبير روى عنه، ولم يكن هؤلاء، ولا كل من روى عنه سذجاً، ولا مخدوعين فيه، وإنما أيقنوا أنه ثقة فيما يروى فرووا عنه. وإلا فكيف يعقل أن صحابياً يأخذ علمه عن كذاب وضاع، بعدما عرف عن الصحابة من التحرى والتثبت فى تحمل الأخبار؟ (٣) . ثم إن الإمام مسلم قد أخرج له فى صحيحه، وكذا أخرج له أبو داود، والترمذى، والنسائى، فهذا دليل على أن كعباً كان ثقة غير متهم عند هؤلاء جميعاً، وتلك شهادة كافية، لرد كل تهمة تلصق بهذا الحبر الجليل (٤) .

стр. 998

والجمهور على توثيق كعب لذا لا تجد له ذكراً فى كتب الضعفاء والمتروكين، وقد اتفقت كلمة نقاد الحديث على توثيقه (١) . أما "وَهْبُ بنُ مُنَبِّه" فقد روى له البخارى، ومسلم، وأبو داود، والترمذى، والنسائى. قال الذهبى فى الميزان: كان ثقة، صادقاً، كثير النقل من كتب الإسرائيليات. قال العجلى: ثقة تابعى، كان على قضاء صنعاء، وقد ضعفه الفلاس وحده، ووثقه جماعة (٢) . ... وقال أبو زرعة، والنسائى: ثقة، وذكره ابن حبان فى الثقات (٣) ، والبخارى نفسه يعتمد عليه ويوثقه (٤) . وبعد: هذا بعض ما قاله علماء الحديث فى توثيق هذين الرجلين، فهل يحق لأحد أن يخالف هؤلاء الأعلام فى نقد الرجال، وأن يشكك فى سلامة أسلوبهم فى ذلك، أو أن يتهمهم بالغفلة، والاغترار، وهم أهل هذا الفن الذى لا يصلح له إلا القليل من الناس (٥) ؟ ... ليس معنى هذا أن كل ما رواه هذان العالمان الفاضلان حق لا كذب فيه، بل إن فيه من الكذب ما يخالف شرعنا ولا يقره العقل ولكن لا يعنى هذا أن ننسب الكذب إليهما، فقد يكون الكذب من غيرهما، أو أنهما نقلاه على أنه مما فى كتبهم، وهما يعتقدان صحته، ولم يعلما كذبه لخفاء الثابت والمحرف فى كتب أهل الكتاب.

стр. 999

قال ابن الجوزى - رحمه الله تعالى -: "إن بعض الذى يخبر به كعب عن أهل الكتاب يكون كذباً لا أنه يتعمد الكذب، وإلا فقد كان كعب من أخيار الأخيار" (١) . قلت: ومثل هذا يقال فى وهب بن منبه (٢) أ. هـ. ... "أما قول رشيد رضا: إن روايات المهدى كانت أكبر مثارات الفساد والفتن فى الشعوب الإسلامية باستغلال أعداء الإسلام لها. فيقول رداً على ذلك الدكتور فهد الرومى: "وإنا لنكتفى هنا بسؤال السيد رشيد، ومن نحا نحوه متى كان استغلال أعداء الإسلام لعقيدة من عقائد المسلمين مبرراً لطمسها أو التشكيك فى ثبوتها؟ ... إن أعداء الإسلام لم يستغلوا المهدوية فحسب، بل استغلوا ما هو أكبر وأعظم وأوضح عند المسلمين - أعنى عقيدة النبوة - استغلوا هذا وخرج أدعياء النبوة، ولا زلنا فى هذا العصر نعانى من أولئك كالبهائية، والبابية، والقاديانية، وغيرهم مع أن المسلمين كلهم يؤمنون بختم النبوة، ولم يكن هذا مانعاً لهم من استغلالها، ولن يكون هذا ولا ذاك مانعاً لنا نحن المسلمين من الإيمان بعقيدة النبوية وختمها، والإيمان بمجئ المهدى. ولو شككنا فى كل عقيدة للمسلين يستغلها أعداء الإسلام لخشينا أن لا يبقى لنا من الإسلام شئ حتى اسمه؟ (٣) . ثانياً: خروج الدجال: ... بلغت الأخبار عن مجئ الدجال حد التواتر المعنوى، وحكى هذا التواتر غير واحد من أئمة الحديث (٤) .

стр. 1000

ومن الأحاديث الصحيحة الواردة فى خروج الدجال حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من نبى إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور. وإن ربكم ليس بأعور. ومكتوب بين عينيه كفر" (١) أ. هـ. وقد رد أئمة المسلمين قديماً على طعون المبتدعة من الخوارج، والجهمية، وبعض المعتزلة – فى إنكارهم للدجال – وطعون المبتدعة قديماً رددها – أهل الزيغ والإلحاد فى عصرنا (٢) – كما تأثر بذلك بعض علماء المسلمين (٣) . ... فدعوى رد أحاديث الدجال بحجة تعارضها مع القرآن الكريم بعدم وروده فيه، قال رداً على ذلك الحافظ ابن حجر: أجيب بأجوبة: أحدها: أنه ذكر فى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُءَايَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ (٤) فقد أخرج الترمذى وصححه عن أبى هريرة مرفوعاً: "ثلاثة إذا خرجن لم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيراً، الدجال، والدابة وطلوع الشمس من مغربها" (٥) .

стр. 1001

الثانى: قد وقعت الإشارة فى القرآن إلى نزول عيسى بن مريم فى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ (١) وصح أنه الذى يقتل الدجال فاكتفى بذكر أحد الضدين عن الآخر، ولكونه يلقب المسيح كعيسى، لكن الدجال مسيح الضلالة، وعيسى مسيح الهدى. الثالث: أنه ترك ذكره احتقاراً، وتعقب بذكر يأجوج ومأجوج، وليست الفتنة بهم دون الفتنة بالدجال والذى قبله ... وقد وقع فى تفسير البغوى: أن الدجال مذكور فى قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ (٢) وأن المراد بالناس هنا الدجال من إطلاق الكل على البعض.وهذا إن ثبت أحسن الأجوبة فيكون من جملة ما تكفل النبى ﷺ ببيانه (٣) . ... وقال الإمام النووى – ﵀ – فى بيان مذهب أهل السنة فى ذلك:"قال القاضى هذه الأحاديث التى ذكرها مسلم، وغيره فى قصة الدجال، حجة لمذهب أهل الحق فى صحة وجوده، وأنه شخص بعينه، ابتلى الله به عباده، وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى من إحياء الميت الذى يقتله، ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب معه، وجنته وناره ونهريه، واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته، ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك فلا يقدر على قتل ذلك الرجل، ولا غيره، ويبطل أمره، ويقتله عيسى ﷺ ويثبت الله الذين آمنوا.

стр. 1002

هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدثين، والفقهاء، والنظار خلافاً لمن أنكره، وأبطل أمره من الخوارج، والجهمية، وبعض المعتزلة، وخلافاً للبخارى المعتزلى، وموافقيه من الجهمية، وغيرهم فى أنه صحيح الوجود، ولكن الذى يدعى مخاريق وخيالات لا حقائق لها، وزعموا أنه لو كان حقاً لم يوثق بمعجزات الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم -٠ وهذا غلط من جميعهم؛ لأنه لم يدع النبوة فيكون ما معه كالتصديق له، وإنما يدعى الإلهية، وهو فى نفس دعواه مكذب لها بصورة حاله ووجود دلائل الحدوث فيه، ونقص صورته، وعجزه عن إزالة العور الذى فى عينيه، وعن إزالة الشاهد بكفره المكتوب بين عينيه (١) أ. هـ. وبعد فإن صحة الأحاديث فى مجئ الدجال، وتواترها تواتراً معنوياً ردٌ على من ضعف الحديث وزعم اضطرابه، أو أنه آحاد لا يحتج به فى العقائد (٢) فدخل فى ميدان ليس من أهله، كما أن تقرير أئمة المسلمين بأن الدجال شخص بعينه. ردٌ على من تأول فزعم بأنه "رمز للخرافات، والدجل، والقبائح، وظهور الشر والفساد" (٣) ،أو غير ذلك من التأويلات الباطلة. ... كما أن فى إدعاء الدجال للألوهية وصورة حاله من العور، والعجز، والشاهد المكتوب بين عينيه "كفر" يبطل زعم الزاعمين قديماً وحديثاً أن ما يظهر على يديه من الخوارق يعد شبهة فى نبوته (٤) . وهو غلط من جميعهم كما قال الإمام النووى رداً على ذلك (٥) أ. هـ.

стр. 1003

ثالثاً: نزول المسيح عيسى ﵇ -: ... أما أحاديث نزول عيسى بن مريم – ﵇ – آخر الزمان فقد نص العلماء على تواترها. قال الحافظ ابن كثير – ﵀ – بعد ذكره الأحاديث الدالة على نزوله قال: "فهذه أحاديث متواترة عن رسول الله ﷺ من رواية أبى هريرة، وابن مسعود، وعثمان ابن أبى العاص، وأبى أمامة، والنواس بن سمعان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومجمع ابن حارثة، وأبى شريحة، وحذيفة بن أسيد ﵃ وفيها دلالة على صفة نزوله ومكانه، من أنه بالشام بل بدمشق عند المنارة الشرقية، وأن ذلك يكون عند إقامة صلاة الصبح (١) أ. هـ. ... وقال الأستاذ عبد الله الغمارى بعد أن استوعب كل ما ورد من أحاديث وآثار، وذكرها بطرقها وأسانيدها: "فهذه ستون حديثاً يرويها عن النبى ﷺ ثمانية وعشرون صحابياً، وثلاثة تابعين بألفاظ مختلفة، وأسانيد متعددة كلها تصرح بنزول عيسى بن مريم –﵇ – تصريحاً لا يحتمل تأويلاً ولا روغاناً" (٢) .

стр. 1004

ومن ذلك ما جاء فى الصحيحين عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "والذى نفسى بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم ﵇ حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد" (١) أ. هـ. ... ويمكن أن نجمل ما أثاره المحدثون (٢) من شبه حول نزوله ﵇ والتى قال بها أعداء السنة واتخذوا منها ستاراً للطعن فى السنة المطهرة ورواتها (٣) فى النقاط التالية: ليس فى القرآن نص صريح فى رفعه إلى السماء بروحه وجسده ليحيا حياة دنيوية يحتاج معها إلى غذاء. ليس فيه نص صريح على نزوله، وإنما تلك عقيدة النصارى. أحاديث لم تبلغ درجة التواتر حتى يؤخذ منها عقيدة بنزوله، بل هى أحاديث آحاد مضطربة فى متونها، منكرة فى معانيها، فى معظمها يشتد ضعف الرواة، وليست بمحكمة الدلالة، ولذا أولها العلماء قديماً وحديثاً. لا يجب على المسلم أن يعتقد أنه حى بروحه وجسده ومن خالف لا يعد كافراً. نزول عيسى بن مريم ﵇ يتناقض مع حديث "لا نبى بعدى" (٤) أ. هـ.

стр. 1005

ويجاب على الشبهات السابقة بما يلى: لقد جاءت آيات فى كتاب الله تدل على رفع عيسى ﵇ – إلى السماء، وقد بين العلماء أنه رفع بروحه وجسده. قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ (١) . وقد لخص الدكتور محمد خليل هراس آراء المفسرين فى بيان معنى هذه الآية فقال: ١- رأى الجمهور: الذى اختاره ابن كثير، ورواه عن الحسن، وهو الرأى الذى يفسر التوفى بالإنامة. رأى قتادة: وهو أن فى الكلام تقديماً وتأخيراً والتقدير "إنى رافعك ومتوفيك أى بعد النزول". رأى ابن جرير: فى أن المراد بالتوفى هو نفس الرفع، والمعنى أنى قابضك من الأرض ومستوفيك ببدنك وروحك (٢) . وينسب هذا التفسير إلى ابن زيد (٣) . وهو الذى حكاه ابن كثير عن مطر الوراق (٤) . وهذه الأقوال الثلاثة متفقة على أنه رفع حياً، وإن كان بعضها أصح، وأولى بالقبول من بعض، فأصحها الأول وهو قول الجمهور، ويليه قول قتادة، ويليه قول ابن جرير (٥) .

стр. 1006

وكلمة "الوفاة" كما تطلق على الموت تطلق على النوم أيضاً، لأن معناها فى اللغة من استيفاء الحق وافياً أى كاملاً لا نقص فيه. ولذا قال صاحب القاموس: "أوفى فلاناً حقه: أعطاه وافياً، كوفاه ووافاه فاستوفاه وتوفاه" (١) . ... وقد جاءت فى القرآن الكريم بمعنى النوم فى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ (٢) كما جاءت على المعنيين فى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣) . ... فالمراد بالوفاة فى الآية الواردة فى حق سيدنا عيسى – ﵇ – النوم وليس الموت قال ابن كثير – ﵀: "فأخبر تعالى أنه رفعه – أى عيسى ﵇ – بعدما توفاه بالنوم على الصحيح المقطوع به، وخلصه ممن كان أراد أذيته من اليهود الذين وشوا به إلى بعض الملوك الكفرة فى ذلك الزمان" (٤) . ... وقال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٥) .

стр. 1007

.. قال الدكتور محمد هراس: "فالآية صريحة فى أنه رفعه حياً؛ لأنه ذكر الرفع وأثبته مكان الذى نفاه من القتل والصلب. ولو كان عيسى – ﵇ – قد مات فى الأرض ودفن، وأن المراد بالرفع رفع روحه أو منزلته كما يزعم المنكرون لما حسن ذكر الرفع فى مقابل نفى القتل والصلب، لأن الذى يناسب نفى القتل والصلب عنه هو رفعه حياً لا موته، وإلاَّ لقال وما قتلوه وما صلبوه بل الله هو الذى قتله. وكيف يتوهم متوهم أن المراد بقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (١) هو رفع روحه، وهو إنما ذكر لإبطال ما زعموه من قتله وصلبه، ورفع الروح، لا يبطل القتل والصلب بل يجامعهما، فإنهم لو قتلوه فرضاً لرفعت روحه إلى الله، على أن فى إخباره بأنه رفعه إليه، ما يشعر باختصاصه بذلك، والذى يمكن أن يختص به عيسى هو رفعه حياً بجسده وروحه؛ لأن أرواح جميع الأنبياء، بل المؤمنين ترفع إلى الله بعد الموت لا فرق بين عيسى وغيره فلا تظهر فيه الخصوصية (٢) . وحياته ﵇ ليست كحياة من على الأرض يحتاج إلى الطعام والشراب ويخضع للسنن والنواميس الكونية، كسائر الأحياء، وإنما حياته حياة خاصة عند الله لا يشعر بالضرورات الجسدية من طعام أو شراب أو نحوهما (٣) . ... وقد جاءت آيات أيضاً تدل على نزوله إلى الأرض فى آخر الزمان من ذلك:

стр. 1008

قوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (١) نقل الشيخ الهراس عن ابن جرير: أن عيسى – ﵇ – كلم الناس فى المهد، وسيكلمهم إذا قتل الدجال وهو يومئذ كهل (٢) . ثم قال: "وهذا الذى نقلناه عن ابن جرير هو قول عامة أهل التفسير كلهم يفسرون الآية به ويجعلونها دليلاً على نزول عيسى – ﵇ – وهذا هو الحق الذى لا مرية فيه، فإن قوله سبحانه "وكهلاً" معطوف على متعلق الظرف قبله، داخل معه فى حكمه، والتقدير: ويكلم الناس طفلاً فى المهد ويكلمهم كهلاً، فإذا كان كلامه فى حال الطفولة عقب الولادة مباشرة آية فلابد أن المعطوف عليه وهو كلامه فى حال الكهولة كذلك، وإلا لم يحتج إلى التنصيص عليه؛ لأن الكلام من الكهل أمر مألوف معتاد؛ فلا يحسن الإخبار به لا سيما فى مقام البشارة بل لابد أن يكون المراد بهذا الخبر أن كلامه كهلاً سيكون آية ككلامه طفلاً بمعنى أنه سيرفع إلى السماء قبل أن يكتهل، ثم ينزل فيبقى فى الأرض إلى أن يكتهل، ويكلم الناس كهلاً.

стр. 1009

وقد ذهب جمهور المحدثين والمؤرخين إلى أنه ﵇ رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وأنه سيمكث فى الأرض إذا نزل أربعين سنة كما جاء فى الحديث الصحيح (١) . عن أبى هريرة ﵁ أن النبى ﷺ قال: "ليس بينى وبينه نبىُّ يعنى –عيسى ﵇ وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، بين ممصرتين، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيقاتل الناس على الإسلام، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويهلك الله فى زمانه الملل كلها، إلا الإسلام، ويهلك المسيح الدجال، فيمكث فى الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى، فيصلى عليه المسلمون" (٢) . قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٣) الصحيح أن الضمير فى قوله: "إنه" يعود على عيسى – ﵇ – أى أن خروجه من أعلام الساعة وأماراتها لأنه ينزل قبيل قيامها (٤) . والذى يدل على ذلك أن سياق الآيات فى ذكره، وصرف الكلام عما هو فى سياقه إلى غيره بغير حجة غير جائز، ويؤيد هذا المعنى القراءة الأخرى "وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ" أى أمارة ودليل على وقوع الساعة (٥) .

стр. 1010

ج- قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (١) . قوله "قَبْلَ مَوْتِهِ" ذكر العلماء فيها وجهين فى عود الضمير: الأول: قبل موت عيسى – ﵇ – وهو قول أبى هريرة ﵁ (٢) . الثانى: قبل موت الكتابى. قال ابن جرير: "وأولى الأقوال بالصحة والصواب قول من قال: تأويل ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى (٣) . وهو قول ابن كثير قال: "ولا أشك أن هذا الذى قاله ابن جرير هو الصحيح" (٤) . قال الأستاذ عبد الله الغمارى: "إن احتمال عود الضمير فى "موته" على الكتابى ضعيف، واحتمال عوده فى "به" على غير عيسى باطل، والاحتمالات الضعيفة والباطلة لا تنهض للحجية، ولا تقوى للاستمساك، فتكون الآية الكريمة نصاً فى حياة عيسى ونزوله بمعونة ما ذكر. ... واللفظ يكون نصاً بنفسه تارةً، وبما ينضم إليه من القرائن تارة أخرى، وليس كل احتمال فى اللفظ يؤثر فى ناصيته، كما يتوهم كثير ممن لم يحكموا قواعد علم الأصول" (٥) . ... أما ما زعموه من أن الأحاديث فى نزول المسيح – ﵇ – لم تبلغ درجة التواتر حتى يؤخذ منها عقيدة بنزوله، بل هى أحاديث آحاد مضطربة فى متونها ... إلخ.

стр. 1011

.. فقد سبق ذكر من نص من علماء الحديث على تواترها تواتراً معنوياً. ويكفى تخريجها فى الصحيحين اللذين تلقتهما الأمة بالقبول، وأجمعت على إفادة أحاديثهما العلم اليقينى. وحتى لو كانت آحاداً لوجب علينا التسليم لها والإيمان بمضمونها متى ثبتت صحتها عن رسول الله ﷺ . وإن دلت على عقيدة خلافاً لمن أبى ذلك. وأما زعم الأستاذ رشيد رضا وفضيلة الشيخ شلتوت "بأنها أحاديث مضطربة فى متونها منكرة فى معانيها. أجاب عن ذلك الأستاذ عبد الله الغمارى فى رده على الشيخ شلتوت – ﵀ – فقال: "وهذا غير صحيح فإن تلك الأحاديث أو الروايات - على حد تعبيره – كلها متفقة على الإخبار بنزول عيسى وأنه يقتل الدجال والخنزير، ويكسر الصليب ... إلخ ما جاء فيها، غاية ما فى الأمر أن بعضاً منها يفصل، وآخر يجمل، وبعضاً يوجز، وآخر يطنب، وهذا كما يفعل القرآن العظيم إذ يورد القصة الواحدة فى سور متعددة بأساليب مختلفة، يزيد بعضها على بعض بحيث لا يمكن جمع أطراف القصة إلا بقراءة السور التى ذكرت فيها. فلعل صاحب الفتوى ظن مثل هذا التخالف الذى يقوى شأن الحديث، ويدل على تعدد مخارجه، تعارضاً فأخطأ، وأضعف خطأه حيث ادعى أنه لا مجال معه للجمع بينها. وذلك أنه على فرض وجود تعارض فالجمع ممكن لو أمعن فكره، وأمضى نظره، وأخلص فى بحثه، لكنه أرسل قوله بتعذر الجمع دعوى تتعثر فى أذيال الخجل" (١) . والزعم بأنها ليست محكمة الدلالة، ولذا أولها العلماء قديماً. زعم لا أساس له من الصحة. ودعوى باطلة ليس لها ما يسندها، كيف وقد نصت الأحاديث صراحة على نزوله ﵇، ولم يأت ما يعارض ذلك تصريحاً أو تلميحاً، وأجمعت الأمة على ما دلت عليه وتأويل من أولها إنما هو تحريف وتبديل، ورد للنصوص الثابتة الصريحة، ولا حجة فى قوله.

стр. 1012

يقول الشيخ أحمد محمد شاكر: "وقد لعب المجددون، أو المجردون فى عصرنا الذى نحيا فيه، بهذه الأحاديث الدالة صراحة على نزول عيسى بن مريم – ﵇ – فى آخر الزمان، قبل انقضاء الحياة الدنيا بالتأويل المنطوى على الإنكار تارة، وبالإنكار الصريح أخرى، ذلك أنهم – فى حقيقة أمرهم – لا يؤمنون بالغيب أو لا يكادون يؤمنون. وهى أحاديث متواترة المعنى فى مجموعها، يعلم مضمون ما فيها من الدين بالضرورة، فلا يجديهم الإنكار ولا التأويل (١) أ. هـ. لا شك أن النصوص من القرآن والسنة دلت على رفعه إلى السماء، وأنه حى بروحه وجسده، وأنه سينزل فى آخر الزمان، وانعقد الإجماع على ذلك فوجب على كل مسلم أن يؤمن بما دلت عليه تلك النصوص، وأن يجمع قلبه على اعتقاد ما جاء فيها، ومن المعلوم أن إنكار ما ثبت من الدين بالضرورة يعد كفراً.

стр. 1013

قال الشيخ الشنقيطى – ﵀: "يجب شرعاً اعتقاد أن عيسى ﵊ لا زال حياً إلى الآن وأنه لابد أن ينزل فى آخر الزمان حاكماً بشرع نبينا – ﵊ – ومجاهداً فى سبيل الله تعالى، كما تواتر عن الصادق المصدوق، وإنما وجب اعتقاد ذلك لأن الله تعالى أخبر فى كتابه العزيز: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (١) . وقد وردت الأحاديث المتواترة كما سبق ... ولم يصح حديث بموته، تمكن معارضته لما صح بالتواتر من نزوله فى آخر الزمان، وإذا أخبر القرآن أنه رفع، ولم يقتل، وبين النبى ﷺ لنا أنه سينزل فى آخر الزمان، وفصل لنا أحواله بعد نزوله تفصيلاً رافعاً لكل احتمال، وجب اعتقاد ذلك على كل مسلم، ومن شك فيه فيكون كافراً بإجماع الأمة؛ لأنه مما علم من الدين ضرورة بلا نزاع، وكل إيراد عليه من الملاحدة، والجهلة، باطل لا ينبغى لكل من اتصف بالعلم أن يلتفت إليه (٢) . أما ما زعمه بعض المعتزلة، والجهمية ومن قال بقولهم من أن نزول المسيح –﵇ – يتناقض مع ختم النبوة. فنقول: فى الحديث ما ينقض تلك الدعوى وهو قوله ﷺ : "حكماً مقسطاً" ولم يقل "نبياً مقسطاً" فعيسى ﵇ – ينزل حاكماً بهذه الشريعة لا ينزل نبياً برسالة مستقلة، وشريعة ناسخة، بل هو حاكم من حكام هذه الأمة" (٣) .

стр. 1014

ويؤيد ذلك ما جاء فى صحيح الإمام مسلم من صلاته خلف رجل من هذه الأمة. عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تزال طائفة من أمتى يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة. قال، فينزل عيسى بن مريم ﷺ فيقول أميرهم: تعال صل لنا فيقول. لا. إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة" (١) . ... قال الحافظ ابن حجر: "قال ابن الجوزى، لو تقدم عيسى إماماً لوقع فى النفس إشكال، ولقيل: أتراه تقدم نائباً أو مبتدئاً شرعاً، فصلى مأموماً لئلا يتدنس بغبار الشبهة فى قوله ﷺ : "لا نبى بعدى" (٢) أ. هـ. ... قال الأستاذ عبد الله الغمارى:"وبعد: فإنى أرى أن كل من يمارى فى هذا الأمر بعد هذا البيان، فإنه مبتدع ضال، إن لم يكن كافراً، والعياذ بالله، فالواجب أن يهجر ويجتنب، وليست المسألة مسألة خلاف يعذر فيها المخالف، بل هى مسألة إجماع، أجمعت عليه الأمة، وتواترت به النصوص، كما أنها من جنس الأخبار التى لا مجال فيها للرأى والاجتهاد" (٣) أ. هـ.

стр. 1015

.. ونختم هنا بما رواه الإمام أحمد فى مسنده بسند صحيح، عن أبى هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ : قال: "إنى لأرجو إن طال بى عمر أن ألقى عيسى بن مريم ﷺ ، فإن عجل بى موت، فمن لقيه منكم؛ فليقرئه منّى السلام" (١) . ... يقول فضيلة الدكتور سعيد صوابى: "وفى هذا إشارة إلى تمام الثقة بحدوث الأمر، وكمال التحقيق بنزول عيسى بن مريم فى هذه الأمة حكماً عدلاً بدين الإسلام ومبطلاً لسائر ما سواه من الأديان (٢) . ويقول أبو هريرة ﵁:"أى بنى أخى إن رأيتموه فقولوا: أبو هريرة يقرئك السلام (٣) . وفى هذا أعظم دليل على تجاوب الأمة مع نبيها فى إيمانها بنزول عيسى ابن مريم ﵇. ونحن نوصى من يأتون بعدنا إن أدركوا عيسى بن مريم أن يقرئوه منا السلام" (٤) . والله ﵎ أعلى وأعلم

стр. 1016

الفصل الخامس: حديث "عذاب القبر ونعيمه " ... وتحته مبحثان: المبحث الأول: شبهة الطاعنين فى أحاديث الأمور الغيبية "الأخروية " من أحوال البرزخ، وأحوال يوم القيامة، والرد عليها. المبحث الثانى: شبهات المنكرين لعذاب القبر ونعيمه والرد عليها. المبحث الأول: شبهة الطاعنين فى أحاديث الأمور الغيبية "الأخروية" من أحوال البرزخ وأحوال يوم القيامة والرد عليها ... أحاديث الأمور الغيبية السمعية (الأخروية) من عذاب القبر ونعيمه، والحوض والميزان، والصراط ... إلخ، طعن فيها المبتدعة من الخوارج، والجهمية، وبعض المعتزلة وتأولوها على حسب أصولهم. وتغالى أذيال المبتدعة من دعاة اللادينية فى عصرنا الذى نحيا فيه. وزادوا على أسلافهم بالطعن فى الأحاديث التى تتحدث عن الحشر، والنشر، والنفخ فى الصور، وأوصاف نعيم الجنة، وأوصاف عذاب جهنم، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة التى تتحدث عن أحوال يوم القيامة. وقد سبق قول جمال البنا فى ذلك، ومن قال بقوله (١) . كما سبق الرد على شبهتهم فى ذلك، وهى أن النبى ﷺ لا يعلم الغيب" (٢) . ونزيد هنا فى الإجابة على شبهة الطاعنين فى أحاديث السمعيات: أنه لا حجة للمبتدعة قديماً وحديثاً فى إنكارهم للأمور السمعية؛ سوى عبادتهم لهوى عقولهم، وقياسهم عالم ما وراء الطبيعة على العالم المحسوس. يقول الإمام الشاطبى فى كتابه الاعتصام باب بيان معنى الصراط المستقيم، الذى انحرفت عنه سبل أهل الابتداع فضلت عن الهدى بعد البيان قال: "لأنهم قوم استعملوا قياسهم وآراءهم فى رد الأحاديث مع تواترها، فقالوا: لا يجوز أن يرى الله فى الآخرة لأنه تعالى يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٣) .

стр. 1017

.. فردوا قوله ﷺ : "إنكم ترون ربكم يوم القيامة" (١) . وتأولوا قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٢) وقالوا: لا يجوز أن يسأل الميت فى قبره لقول الله تعالى: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (٣) فردوا الأحاديث المتواترة فى عذاب القبر وفتنته (٤) ، وردوا الأحاديث فى الشفاعة على تواترها (٥) ، وقالوا: لن يخرج من النار من أدخل فيها، وقالوا: لا نعرف حوضاً (٦) ولا ميزاناً (٧) ، ولا نعقل ما هذا، وردوا السنن فى ذلك كله برأيهم، وقياسهم، مع تواتر الأحاديث فى ذلك – إلى أشياء يطول ذكرها من كلامهم فى صفة البارى" (٨) وسبق تفصيل ذلك والرد عليه (٩) . ... والحقيقة: أن تحكيم الرأى أمر يسير لا عناء فيه ولا ينبغى لأهل الابتداع والإلحاد قديماً وحديثاً أن يفخروا، وإنما الفخر بإتباع الوحى وإن خفيت علينا حكمته، ولم نستطع إدراك حقيقته لا سيما فى الغيبيات؛ لأن العقل يقف عاجزاً عن إدراك عالم ما وراء الطبيعة. وتحكيم العقل فى هذا العالم تجاوز لحدود العقل، وسفه من صاحبه، وتطاول على خالقه–والعياذ بالله–

стр. 1018

ونقتصر هنا فى الرد إجمالاً (١) على من يحكمون عقولهم فى أحاديث أحوال يوم القيامة بكلمة جامعة للإمام ابن خلدون فى تقويم البحث فى المغيبات وتسفيه العقل فى ذلك. قال: "ولا تثقن بما يزعم لك الفكر من أنه مقتدر على الإحاطة بالكائنات وأسبابها والوقوف على تفصيل الوجود كله وسفه رأيه فى ذلك، واعلم أن الوجود عند كل مدرك فى بادئ رأيه منحصر فى مداركه ولا يعدوها، والأمر فى نفسه بخلاف ذلك والحق من ورائه، ألا ترى الأصم كيف ينحصر الوجود عنده فى المحسوسات الأربع والمعقولات ويسقط من الوجود عنده صنف المسموعات، وكذلك الأعمى أيضاً يسقط عنده صنف المرئيات، ولولا ما يردهم إلى ذلك تقليد الآباء والمشيخة من أهل عصرهم والكافة لما أقروا به، لكنهم يتبعون الكافة فى إثبات هذه الأصناف، لا بمقتضى فطرتهم وطبيعة إدراكهم، ولو سئل الحيوان الأعجم ونطق لوجدناه منكراً للمعقولات وساقطة لديه بالكلية، فإذا علمت هذا فلعل هناك ضرباً من الإدراك غير مدركاتنا، لأن إدراكاتنا مخلوقة محدثة، وخلق الله أكبر من خلق الناس، والحصر مجهول، والوجود أوسع نطاقاً من ذلك والله من ورائهم محيط، فاتهم إدراكك ومدركاتك فى الحصر، واتبع ما أمرك الشارع به من اعتقادك وعملك، فهو أحرص على سعادتك، وأعلم بما ينفعك لأنه من طور فوق إدراكك، ومن نطاق أوسع من نطاق عقلك. وليس بقادح فى العقل ومداركه، بل العقل ميزان صحيح، فأحكامه يقينية، لا كذب فيها، غير أنك لا تطمع أن تزن أمور التوحيد، والآخرة، وحقيقة النبوة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع فى محال.

стр. 1019

.. ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذى يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا يدرك على أن الميزان فى أحكامه غير صادق، لكن العقل قد يقف عنده ولا يتعدى طوره حتى يمكن له أن يحيط بالله وبصفاته، فإنه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه، وتفطن فى هذا الغلط، ومن يقدم العقل على السمع فى أمثال هذه القضايا؛ فمن قصور فهمه، واضمحلال رأيه، وقد تبين لك الحق من ذلك" (١) . ... وعلى هذا سلم أهل السنة بما جاء فى الأمور الغيبية، ولم يحكموا عقولهم. قال الإمام الأشعرى فى الإبانة: "نؤمن بعذاب القبر، ومنكر ونكير، وبالحوض، وأن الميزان حق، والصراط حق، والبعث بعد الموت حق، وأن الله يوقف العباد فى الموقف، ويحاسب المؤمنين، وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول الله ﷺ التى رواه الثقات عدل عن عدل حتى تنتهى إلى رسول الله ﷺ (٢) . المبحث الثانى: شبهات المنكرين لعذاب القبر ونعيمه والرد عليها ... أحاديث عذاب القبر ونعيمه لمن كان أهلاً لذلك، وسؤال الملكين، نص جماعة من العلماء على تواترها تواتراً معنوياً منهم الحافظ السيوطى (٣) ، والكتانى (٤) ، وابن قيم الجوزية (٥) ، وابن أبى العز (٦) وغيرهم (٧) . وسوف نورد طرفاً من هذه الأحاديث عند الحديث عن كشف شبهات المعتزلة، ومن قال بقولهم من أهل الكلام والرافضة قديماً وحديثاً. ... ويمكن أن نعرض شبهات المعتزلة حول عذاب القبر فيما يأتى:

стр. 1020

لقد زعم المعتزلة أن الأخبار الدالة على عذاب القبر مجملة: ... ولذلك انقسموا حوله إلى ثلاث فرق: أنكره ضرار بن عمرو (١) ، والخوارج، ومعظم المعتزلة، وبعض المرجئة، والرافضة (٢) . قطع به بعضهم فى الجملة (٣) . جوزه آخرون (٤) . وبالقول الأول قال دعاة اللادينية فى عصرنا (٥) . وتدور شبه المنكرين لعذاب القبر وما فيه من سؤال، وضمة، وعذاب، بأنه معارض للقرآن، وللسنة، وللعقل.
следующие страницы →