، فسأله عن شىء، فأملاه عليه، ثم سأله عن رأيه؛ فأجابه فكتب الرجل فقال رجل من جلساء سعيد: أيكتب يا أبا محمد رأيك؟ فقال سعيد للرجل: ناولينها فناوله الصحيفة فخرقها" (١) .
... وكان مجاهد يقول لأصحابه: "لا تكتبوا عنى كل ما أفتيت به، وإنما يكتب الحديث. ولعل كل شىء أفتيتكم به اليوم أرجع عنه غداً" (٢) .
... ومن هنا ندرك صحة علة النهى عن كتابة شىء -فى أول الأمر- سوى القرآن الكريم صيانة لهذا الكتاب المعجز ممن كانوا حديثى عهد بالإسلام ولم يعتادوا على أسلوبه وأكثرهم من الأعراب الذين لم يكونوا فقهوا فى الدين.
... وفى نفس الوقت تعليم للصحابة وللأمة من بعدهم المنهج الأمثل فى المحافظة على هذا الكتاب الخالد.
مع العلم بأن النهى فى أول الأمر كان يشمل وقت نزول القرآن أو بعده، ممن يمكن أن تقع فى يده هذه الصحيفة وهو من غير أهل العلم حتى إذا تعلموا الدرس، جاء الإذن بكتابة السنة لمن اعتادوا أسلوب القرآن وتمييزه كعبد الله بن عمرو وغيره ممن أذن لهم النبى ﷺ ، مع استمرار النهى عن كتابة السنة مع القرآن فى صحيفة واحدة حتى وإن كان مميزاً بينهما.
стр. 282
أما رفض دعاة اللادينية وغلاة الشيعة لهذه العلة بحجة أن تلك العلة تعنى جعل الأحاديث من جنس القرآن فى الأسلوب والبلاغة، وفى ذلك إبطال لإعجاز القرآن الكريم (١) .
... فأقول: ليس فى ذلك إبطال لإعجاز القرآن، بل حفاظاً لهذا الإعجاز بمنهج نبوى طبقة النبى ﷺ قولاً وعملاً، واستوعبه الخلفاء وطبقوه كما فهموه من النبى ﷺ ، لأنه إذا كان هناك من كبار الصحابة من يدرك ويميز بين الأسلوب القرآنى وإعجازه وبين الأسلوب النبوى، فهناك من عامة الصحابة من لا يدرك ذلك، وهذا هو حال جميع الناس فى جميع العصور والأمصار وهذا أمر بديهى لا يجادل فيه منصف.
... فكان من المنهج الربانى فى المحافظة على كتابه العزيز النهى عن كتابة ما سواه فى أول الأمر؛ لأنه متعبد بلفظه فى الصلاة وغيرها، ولا يجوز إبدال حرف منه بآخر؛ فكان لابد من المحافظة على هذا الإعجاز ممن لا يدركه فى زمن النبوة المباركة، وجميع العرب فيما بعد ذلك، وجميع الأعاجم والمستعربين فى جميع العصور. ممن لا يؤمن أن يلحقوا ما يجدون فى الصحف بالقرآن، ويعتقدوا أن ما اشتملت عليه كلام رب العباد.
стр. 283
.. أما سؤال بعضهم: لماذا لم يأمر النبىصلى الله عليه وسلم بكتابة السنة فى صحف على حدتها، ويكتب عليها ما يفيد أنها أقوال النبى ﷺ فتتميز السنة على القرآن فلا يؤمن اختلاطهما (١) .
فنقول: أذن النبى ﷺ بكتابة سنته المطهرة فى صحف على حدتها، وميزها من أذن له النبى ﷺ بذلك كعبد الله بن عمرو، وجابر بن عبد الله، وأبى هريرة وغيرهم ممن عددهم الدكتور الأعظمى فى كتابه "دراسات فى الحديث النبوى" (٢) كما أملى النبى ﷺ كثير من سنته المطهرة فى حياته المباركة، وهذا ما استوعبه الدكتور امتياز أحمد فى كتابه "دلائل التوثيق المبكر للسنة" (٣) .
فالنبىصلى الله عليه وسلم نهى عن الكتابة فى أول الأمر، ثم أذن بعد ذلك، وكان النهى دائر مع الخوف، والإذن دائر مع الأمن وجوداً وعدماً، وكان خلال الإذن كتابات ولكن لم تدون تلك الكتابات فى مكان واحد، كيف والقرآن نفسه كتب فى عهده ﷺ ، ولم يدون فى مكان واحد بين دفتيه إلا فى عهد الصديق ﵁.
стр. 284
.. ومع وجود كتابات فى زمن النبوة فى وقت الإذن إلا أنهصلى الله عليه وسلم لم يأمر بكتابة سنته كلها للفرق الشاسع بين حجم القرآن، وحجم السنة التى من وظيفتها الشرح والبيان له، وعادة الشرح أن يكون أكبر حجماً من المشروح، ولو فرض كتابة السنة كلها زمن النبوة كما كتب القرآن الكريم، وأُمن من التمييز بينهما لم يؤمن انشغال الناس بها دون القرآن.
وهذه هى العلة الثانية الواردة فى الأحاديث التى تنهى عن كتابة السنة: خشية الانشغال عن القرآن الكريم ومضاهاته بغيره من الكتب حتى ولو كانت السنة.
... والمراد بالانشغال بالسنة عن القرآن الكريم تقديمها فى الاهتمام بها قبل الاهتمام أولاً بكتاب الله مما يؤدى إلى ترك كتاب الله وإهماله وهذا ما صرح به الفاروق عمر ﵁ بعد عدوله عن تدوين السنة وموافقة الصحابة "وإنى والله لا ألبس كتاب الله بشىء أبداً" (١) وإعلان سيدنا عمر ﵁ هذا على ملأ من الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- وإقرارهم بذلك يدل على استقرار أمر هذه العلة فى نفوسهم (٢) .
... وأكثر صراحة من ذلك فى تأكيد المراد بالانشغال بالمعنى السابق قول الضحاك-﵀ "يأتى على الناس زمان تكثر فيه الأحاديث حتى يبق المص-حف بغبارة لا ينظر فيه".
стр. 285
.. وعن أبى خالد الأحمر (١) قال: "يأتى على الناس زمان تعطل فيه المصاحف، لا يقرأ فيها، يطلبون الحديث والرأى، ثم قال: أياكم وذلك؛ فإنه يصفق الوجه، ويكثر الكلام، ويشغل القلب" كما كان الخوف من التشبه بالقرآن الكريم فى شكله، وفى ذلك يقول أبى سعيد الخدرى ﵁: "أتريدون أن تجعلوها مصاحف" ويقول الضحاك: "لا تتخذوا للحديث كراريس ككراريس المصاحف" وروى عن إبراهيم النخعى: أنه كان يكره أن يكتب الحديث فى الكراريس ويقول: "يشبه بالمصاحف" (٢) .
كذا كان هناك خوف من التشبه بالقرآن فى روايته باللفظ وعدم إجازة رواية السنة بالمعنى، وذلك واضح فى رواية أبى سعيد الخدرى لما قال له أبو نضرة: إنك تحدثنا عن رسول الله ﷺ حديثاً عجيباً، وإنا نخاف أن نزيد فيه أو ننقص" فكانت إجابة أبى سعيد: "أردتم أن تجعلوه قرآناً لا، لا، ولكن خذوا عنا كما أخذنا عن رسول الله ﷺ (٣) ، وفى رواية ابن المبارك فى مسنده "لن أكتبكموه، ولن أجعله قرأناً".
وكان يشتد الخوف والغضب إذا كان التشاغل والمضاهاة بكتب أهل الكتاب.
стр. 286
.. كما جاء فى رواية جابر بن عبد الله، أن عمر بن الخطاب أتى رسول الله بنسخة من التوراة، فقال يا رسول الله، هذه نسخة من التوراة فسكت فجعل يقرأ ووجه رسول الله ﷺ يتغير فقال: أبو بكر: ثكلتك الثواكل، ما ترى بوجه رسول الله ﷺ : فنظر عمر إلى وجه رسول الله ﷺ فقال: أعوذ بالله، من غضب الله ومن غضب رسوله، رضينا بالله رباً، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبياً، فقال رسول الله ﷺ : "والذى نفس محمد بيده، لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتمونى لضللتم عن سواء السبيل، ولو كان حياً وأدرك نبوتى لاتبعنى (١) ، وفى بعض
стр. 287
الروايات: " ... ثم جعل أى النبى ﷺ يتبعه رسماً رسماً فيمحوه بريقة وهو يقول: "لا تتبعوا هؤلاء؛ فإنهم قد هوكوا وتهوكوا" حتى محا آخره حرفاً حرفاً (١) .
وعلى هذا الدرب صار الصحابة كما روى عن عمر بن الخطاب؛ أنه أتى برجل من عبد القيس مسكنه بالسوس (٢) فقال له عمر: أنت فلان ابن فلان العبدى قال: نعم، فضربه بعصا معه فقال الرجل: مالى يا أمير المؤمنين، فقال له عمر: اجلس فجلس فقرأ عليه ﴿الر تِلْكَءَايَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (٣) .
... فقرأها عليه ثلاثاً وضربه ثلاثاً، فقال الرجل: مالى يا أمير المؤمنين فقال: أنت الذى نسخت كتب دانيال (٤) ، قال: مرنى بأمرك اتبعه قال: انطلق فامحه بالحميم (٥) والصوف الأبيض، ثم لا تقرأه أنت، ولا تقرئه أحداً من الناس، فلئن بلغنى عنك أنك قرأته أو أقرأته أحداً
стр. 288
من الناس؛ لأنهكتك عقوبة، ثم قال له: اجلس فجلس بين يديه قال: انطلقت أنا فانتسخت كتاباً من أهل الكتاب، ثم جئت به فى أديم (١) فقال رسول الله ﷺ ما هذا الذى فى يدك يا عمر؟ فقلت: يا رسول الله: كتاب نسخته لنزداد علماً إلى علمنا فغضب رسول الله ﷺ حتى أحمرت وجنتاه (٢) ... ونقل قصته بنحو رواية جابر بن عبد الله السابقة.
ومثل هذه القصة وقعت مع الإمام أبى حنيفة لما دخل شخص الكوفة بكتاب دانيال فكاد أبو حنيفة أن يقتله، وقال له أكتاب ثَمَّ غير القرآن والحديث (٣) ؟
стр. 289
.. وكذلك صنع ابن مسعود ﵁ فى الصحيفة التى قُدِمَ بها عليه من الشام محاها ثم تلا نفس الآية التى تلاها عمر ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (١) .
... وقال: "القلوب أوعية فاشغولها بالقرآن ولا تشغلوها ما سواه، إنما هلك من كان قبلكم باتباعهم الكتب وتركهم كتاب ربهم".
وهو يعنى بالكتب هنا كتب أهل الكتاب أو ما أخذت عنها كما قال أبو عبيد أحد رواة هذا الحديث فى رواية ابن عبد البر: "يرى أن هذه الصحيفة أخذت من أهل الكتاب فلهذا كره عبد الله النظر فيها".
... ويؤكد مرة الهمدانى الراوى عن ابن مسعود كما فى رواية الدارمى أن الصحيفة ليست من السنة، وإنما كانت من كتب أهل الكتاب بقوله: "أما أنه لو كان من القرآن أو السنة لم يمحه، ولكن كان من كتب أهل الكتاب".
وفيما سبق رد على ما ذهب إليه بعض غلاة الشيعة، أن محو السنة فى زمن الخلفاء، لأجل ما فى الأحاديث من فضائل لأهل البيت وحجتهم رواية ابن مسعود عند الخطيب (٢) .
стр. 290
.. ولو فُرِضَ صحة رواية الخطيب، أن الصحيفة التى محاها ابن مسعود كانت فيها أحاديث فى فضائل أهل البيت، فذلك المحو محمول على أنها كانت أحاديث مكذوبة فى فضائل أهل البيت، وإلا لو كانت صحيحة لكانت من السنة وما محاها ﵁ كما قال مرة الهمدانى "أما إنه لو كانت من القرآن أو السنة لم يمحه، ولكن كان من كتب أهل الكتاب (١) .
وكتب أهل الكتاب هذه هى التى قال فيها أيضاً ابن عون: "إنى أرى هذه الكتب يا أبا إسماعيل ستضل الناس.
وهذه الكتب أو ما أخذ منها هو ما جعل السلف الصالح يكرهون الكتابة خشية الاشتغال بها عن القرآن الكريم والسنة النبوية معاً.
стр. 291
.. وفى ذلك يقول الخطيب (١) –رحمه الله تعالى–: "فقد ثبت أن كراهة من كره الكتاب من الصدر الأول إنما هى لئلا يضاهى بكتاب الله تعالى غيره، أو يشتغل عن القرآن بسواه، ونهى عن الكتب القديمة أن تتخذ؛ لأنه لا يعرف حقها من باطلها، وصحيحها من فاسدها. مع أن القرآن كفى منها، وصار مهيمناً عليها" (٢) .
... وفى نفس الوقت الذى كان فيه نهى عن الكتابة سواء فى عهد النبوة، أو الصحابة، أو التابعين؛ كان الأمر بالتحديث بالسنة وتبليغها.
وكان هذا التبليغ للسنة معتمداً بجوار الكتابة على ملكة الحفظ، والتى هى العمدة والأساس فى وصول القرآن والسنة إلينا سالمين من التصحيف والتحريف والتبديل.
وملكة الحفظ من مفاخر العرب وهى ملكة طبعوا عليها، والاعتماد على الكتابة يضعفها مع أهميتها، فكان التوجيه النبوى بالنهى عن الكتابة لتقوية تلك الملكة.
... كما قال ﷺ : "نضر الله أمرأ سمع منا حديثاً فحفظه". وقوله ﷺ "احفظوه وأخبروا به من وراءكم".
стр. 292
.. وصار الصحابة والتابعون على الدرب نهوا عن الكتابة خوف الإتكال عليها وترك الحفظ لا سيما والإسناد قريب والعهد غير بعيد وهذه هى العلة الثالثة المصرح بها فى الأخبار والآثار الواردة فى النهى عن الكتابة.
٣- خوف الاتكال على الكتابة وترك الحفظ، وفى ذلك يقول إبراهيم النخعى: "وقل ما كتب رجل كتاباً إلا اتكل عليه" ويقول سفيان: "بئس المستودع العلم القراطيس" ومن كتب كتب ليحفظه فإذا حفظه محاه كما فى قول مسروق: "إنما أريد أن احفظها ثم أحرقها" فأقره علقمة بقوله "فلا بأس" وروى مثل ذلك عن ابن شهاب ومالك، وعاصم بن ضمرة، وغيرهم (١) ومر قول أبى سعيد الخدرى "احفظوا عنا كما حفظنا" وقول سفيان الثورى: "وما كتبت عنه شيئاً كنا نحفظ" (٢) .
стр. 293
٤- والعلة الرابعة الواردة فى نفس أحاديث النهى عن الكتابة "خوف صيران الأحاديث إلى غير أهلها" فلا يعرف أحكامها، ويحمل جميع ما فيها على ظاهره وربما زاد فيها ونقص، فيكون ذلك منسوباً إلى كاتبها فى الأصل، وهذا كله وما أشبهه قد نقل عند المتقدمين الاحتراس منه" (١) ولعل الأصل فى ذلك ما صح من أنه ﷺ ، "كان ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. مخافة أن يناله العدو (٢) ".
... وعلى هذا يحمل ما ورد عن الصديق ﵁ فى إحراقه ما جمعه من أحاديث على فرض صحته (٣) ونحوه قول عَبِيْدة السلْمَانى: بعد محو كتبه عند موته: "أخشى أن يليها أحد بعدى، فيضعوها فى غير مواضعها".
ويقول أبو قلابة فى وصيته لأحد تلاميذه المقربين أيوب السختيانى: "ادفعوا كتبى إلى أيوب إن كان حياً، وإلا فأحرقوها (٤) .
... ويقول الأوزاعى: "كان هذا العلم شريفاً إذا كان من أفواه الرجال يتلاقونه ويتذاكرونه، فلما صار فى الكتب؛ ذهب نوره، وصار إلى غير أهله" (٥) .
... هذه هى علل النهى عن كتابة السنة تعلن عن نفسها بوضوح فى الأخبار والآثار التى استشهد بها أصحاب هذه الشبهة.
стр. 294
وقد يتساءل بعضهم (١) عن سبب العدول عن علل كراهة كتابة السنة وإباحة كتابتها فى عصر التدوين وما بعده إلى يومنا هذا.
... والإجابة على هذا؛ هى ما أجاب به الخطيب بقوله: "إنما اتسع الناس فى كتب العلم وعولوا على تدوينه فى الصحف بعد الكراهة لذلك، لأن الروايات انتشرت، والأسانيد طالت، وأسماء الرجال وكناهم وأنسابهم كثرت والعبارات بالألفاظ اختلفت، فعجزت القلوب عن حفظ ما ذكرنا ... مع رخصة رسول الله ﷺ ، لمن ضعف حفظه فى الكتاب، وعمل السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين بذلك" (٢) .
... وكما قال ابن الصلاح: "ولولا تدوينه فى الكتب لدرس فى الأعصر الآخرة" (٣) ، ولقد صدق رحمه الله تعالى.
وبعد
... فقد ظهر واضحاً جلياً أن النهى عن كتابة السنة ليس لذاته، بل لعلل نصت عليها الأحاديث ذاتها التى نهت عن كتابة السنة وتدوينها.
تلك العلل التى أغمض أعداء السنة أعينهم عنها بالرغم من وجودها صراحة فى نفس الأخبار والآثار التى احتجوا بها لشبهتهم، فإن سلموا بصحة تلك الأحاديث فعليهم التسليم بالعلل الواردة فيها، ولا يكونوا ممن قال فيهم رب العزة ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (٤) .
... وإن لم يسلموا بصحة ما استشهدوا به من الأخبار والآثار لم يبق لشبهتهم أساس فى أن النهى عن كتابة السنة زمن النبوة، والصحابة، والتابعين، دليل على عدم حجية السنة المطهرة، لأنه فى الوقت الذى كان فيه نهى عن الكتابة زمن النبوة، والصحابة، والتابعين، كان فى الوقت ذاته إذن بالكتابة.
стр. 295
ولا أقول هنا بنسخ أحدهما للآخر (١) ،لأن النسخ لا يصار إليه إلا عند تعذر الجمع وهو ممكن هنا. وهذا ما ذهب إليه الدكتور عبد الغنى-رحمه الله تعالى- فى الجمع بين
أحاديث النهى وأحاديث الإذن. قال: "وقد قال بالنسخ جمهور العلماء (٢) ، واختاره بعض المتأخرين (٣) .
والحق أنه لا نسخ أصلاً، وأن النهى دائر مع الخوف -من العلل السابقة- والأذن دائر مع الأمن وجوداً وعدماً ... فإنه يجب أن لا نقول بالنسخ إلا عند عدم إمكان الجمع بغيره، وقد أمكننا الجمع بتخصيص النهى بحالة الخوف، والإذن بحالة الأمن، مع التحديث والتبليغ فى الحالتين، وهو جمع معقول المعنى. فما الذى يضطرنا إلى القول بالنسخ؟
ثم إنه لا داعى للتخصيصات بالصحف أو الأشخاص أو الأزمنة كما يذكر فى بعض أقوال الجمع، بل المدار فى النهى على حصول الاشتباه من كتابة السنة مع القرآن أو مستقلة ومن كاتب الوحى أو من غيره. وفى زمن نزول الوحى أو فى غيره. والمدار فى الإذن على الأمن من الاشتباه فى هذه الأحوال كلها (٤) أ. هـ.
... وهكذا شاءت إرادة الله ، أن يكون النهى عن كتابة السنة جزء من هذا المنهاج العظيم الذى حفظت به رسالة الإسلام القائمة على الكتاب والسنة معاً.
стр. 296
.. وفى ذلك يقول الدكتور همام عبد الرحيم: "ولولا ذلك لكثرت الشروح والتعليقات على آيات القرآن الكريم، ثم اختلط الأمر على الكاتبين أو من يأتى بعدهم، فلا يستطيعون تمييز النص المتعبد بتلاوته عن سائر النصوص -سنة كانت أو رأى فقيه- وهذا ما حدث لرسالات الأنبياء قبل رسول الله ﷺ ، فقد اختلطت الحقيقة بالخيال، والخطأ بالصواب، والوحى بالرؤى والأحلام. حتى ذهب الأصل واختفى تحت وطأة الزيادات والإضافات، فلم يعد للوحى تميزه وهيمنته، وأصبح الوحى عند اليهود والنصارى: حركة التاريخ بمعنى أن كل شىء يحدث فى التاريخ يضاف إلى الوحى، باعتباره إرادة الله وحركة ذلك فى الأحداث.
وما القراءات الشاذة -عندنا كما سبق. إلا إضافات تفسيرية كتبت إلى جانب الآيات (١) ، ثم ظن الكاتب أنها من القرآن الكريم، ولكن الكثرة الكاثرة من الصحابة الذين أفردوا النص ولم يكتبوا شيئاً إلى جانبه، بالإضافة إلى الذين حفظوه كل هؤلاء تواترت الرواية القرآنية عنهم، وحكموا على الزيادة بالشذوذ وعدم القبول (٢) أ. هـ.
علة النهى عن كتابة السنة عند أعدائها والرد على مزاعمهم الآتية
أولاً: أن النهى عن كتابة السنة يدل على أن النبى ﷺ وأصحابه ﵃ أرادوا ألا يكون مع كتاب الله كتاب آخر.
ثانياً: أن النهى يدل على أن النبى ﷺ وأصحابه أرادوا ألا تكون السنة ديناً عاماً دائماً كالقرآن الكريم.
ثالثاً: أن النهى عن الإكثار من التحديث دليل على أن الصحابة ﵃ كانوا يجتهدون فى مقابل السنة الشريفة ولا يأخذون بها.
رابعاً: أن النهى عن الإكثار من الرواية دليل على عدم حجية السنة النبوية، واتهام من أبى بكر وعمر -رضى الله عنهما- للصحابة بالكذب.
стр. 297
استعراض شبه النهى عن كتابة السنة عند أعدائها والرد عليها
... زعم أعداء السنة أن العلة الحقيقية فى نهى النبى ﷺ ، والصحابة، والتابعين عن كتابة السنة هو:
أولاً: أنهم لم يريدوا أن يكون مع كتاب الله كتاب آخر. وفى ذلك يقول جمال البنا: "والحق الذى لا مراء فيه أن الرسول نهى عن تدوين أحاديثه. حتى لا يكون مع كتاب الله كتب أخرى، وحديث أبى هريرة صريح فى هذا قال أبو هريرة خرج علينا لرسول الله ونحن نكتب أحاديثه ... وذكر الحديث ثم قال وهذا هو ما فعله أبو بكر عندما أحرق الأحاديث المدونة التى كانت عنده قبل أن يموت. كما أن عمر بعد أن استشار الصحابة فى كتابة السنن ... وذكر الحديث" (١) .
... وبنفس هذه العلة وأدلتها يصرح نيازى عز الدين فيقول بعد اعتراضه على علة الخوف من اختلاط السنة بالقرآن: "وذلك التخوف لم يكن موجوداً من الأساس، بدليل أحاديث الرسول ﷺ وأحاديث كبار الصحابة، بل كان الخوف كله من أمر آخر ذكره الرسول ﷺ وذكره الصحابة أجمعون، وقد قرأنا قبل قليل فى حديث أبى هريرة، وفى الحديث المروى عن عمر بن الخطاب ﵁، عندما أراد أن يكتب السنن وهو ألا يكون إلى جانب كتاب الله كتاب آخر، وانشغال الناس بالحديث عن كتاب الله وهذا التخوف ما زال موجوداً إلى اليوم ... ثم يقول فى موضع آخر، وهذا السبب وحده -يعنى ألا يكون إلى جانب كتاب الله كتاب آخر- ملزم بعدم كتابة الأحاديث إلى يوم يبعثون- ولا يمكن لهذا الأمر أن ينسخ أبداً" (٢) .
ثانياً: وتارة ثانية يزعم خصوم السنة أن العلة فى نهى النبى ﷺ ، والصحابة والتابعين، عن كتابة السنة المطهرة هو: أنهم لم يريدوا أن يجعلوها ديناً وشريعةً عامةً كالقرآن الكريم.
стр. 298
.. وفى ذلك يقول توفيق صدقى: "إن ما بينته السنة للعرب فى ذلك الزمن لا يصلح لجميع الأمم فى الأوقات المختلفة" (١) وفى موضع آخر يقول: "وكان بعض الصحابة ينهى عن التحديث ولو كانت السنة عامة لجميع البشر لبذلوا الوسع فى ضبطها ولتسابقوا فى نشرها بين العالمين ولما وجد بينهم متوان أو متكاسل أو مثبط لهم" (٢) .
... وبهذا القول تأثر الأستاذ محمد رشيد رضا (٣)
стр. 299
-﵀ إذ يقول: "هل الأحاديث ويسمونها بسنن الأقوال دين وشريعة عامة وإن لم تكن سنناً متبعة بالعمل بلا نزاع ولا خلاف لا سيما فى الصدر الأول (١) ؟ إن قلنا: نعم فأكبر شبهة ترد علينا؛ نهى النبى ﷺ عن كتابة شىء عنه غير القرآن (٢) ، وعدم كتابة الصحابة للحديث (٣) ، وعدم عناية علمائهم وأئمتهم كالخلفاء بالتحديث بل نقل عنهم الرغبة عنه (٤) ، ونفس هذا الكلام كرره فى موضع آخر قائلاً: "وإذا أضفت إلى هذا ما ورد فى عدم رغبة كبار الصحابة فى التحديث بل فى رغبتهم عنه بل فى نهيهم عنه قوى عندك ترجيح كونهم لم يريدوا أن يجعلوا الأحاديث ديناً عاماً دائماً، كالقرآن. ولو كانوا فهموا عن النبى ﷺ أنه يريد ذلك لكتبوا ولأمروا بالكتابة، ولجمع الراشدون ما كتب وضبطوا ما وثقوا به وأرسلوه إلى عمالهم ليبلغوه ويعملوا به ولم يكتفوا بالقرآن والسنة المتبعة المعروفة للجمهور بجريان العمل بها" (٥) .
стр. 300
.. وأيد الأستاذ رشيد رضا فى ذلك محمود أبو رية (١) ، وجمال البنا فى كتابه: "السنة ودورها فى الفقه الجديد" إذ يقول: "ولا جدال فى صحة ما ذهب إليه السيد رضا-﵀ من أن الصحابة "لم يريدوا أن يجعلوا الأحاديث ديناً دائماً كالقرآن" فالحق أبلج، ولا يقف فى سبيله تلك الدعاوى والتعلات" (٢) ، وفى موضع آخر يصرح بذلك من قوله قا ئلاً: "نهى الرسول عن كتابة حديثه ورفض الخلفاء والصحابة الكتابة، الدلالة الوحيدة التى تستخلص من هذه الوقائع: الرسول والخلفاء الراشدون والصحابة أرادوا عدم تأبيد ما جاءت به السنن من أحكام" (٣)
... وهكذا يذهب أعداء السنة إلى أن علة النهى عن كتابة السنة هى: أن الرسول ﷺ والصحابة أرادوا ألا يجعلوا مع كتاب الله كتاب آخر، وأنهم ما أرادوا أن تكون السنة ديناً عاماً دائماً كالقرآن الكريم، ويستدلون على ذلك بما مر من حديث أبى هريرة مرفوعاً وحديثى أبى بكر وعمر الموقوفان، ويزعمون أن تلك الأحاديث صريحة فى دعواهم.
الجواب عن شبهة أن النهى عن كتابة السنة يدل على أن النبى ﷺ وأصحابه أرادوا ألا يكون مع كتاب الله كتاب آخر.
стр. 301
إن ما استدل به أعداء السنة على زعمهم لا حجة لهم فيه، لأنه إذا جاء فى حديث أبى هريرة قوله ﷺ "أكتاب غير كتاب الله" ألم يقل ﷺ بعدها مباشرة (امحضوا كتاب الله أو خلصوه) وهو مما يشير إلى العلة الحقيقية فى النهى، وهى: صيانة كتاب الله مما اختلط به من السنة بلا تمييز؛ بدليل: رواية أبى بردة بن أبى موسى الأشعرى ﵁ وهى أصح سنداً من رواية أبى هريرة. ثم أليس فى حديث أبى هريرة ﵁ أمر النبى ﷺ بالتحديث والتبليغ وهو أبلغ فى حجية السنة كما مر ... وكذا حديث أبى بكر ﵁ على فرض صحته أليس فيه دليل على كتابة السنة فى عهده ﷺ ، وما حرقه ﵁ لما جمعه من أحاديث ليس شكاً منه فى حجية السنة، كيف! وقد علل ذلك بخشيته أن يكون الذى حدثه وَهِمَ فَكَرِهَ تقلد ذلك كما خشى أن يتوهم متوهم أن ما جمعه هو كل ما قاله رسول الله ﷺ فيقول هذا المتوهم، كما قال أبو بكر معللاً صنيعه: "لو كان قاله رسول الله ﷺ ما غاب على أبى بكر" ثم يصرح ﵁ بعد ذلك مباشرة بأنه حدث بحديث رسول الله ﷺ ولم يجمع فى الصحيفة التى حرقها كل أحاديث رسول الله ﷺ فيقول: "إنى حدثتكم الحديث ولا أدرى لعلى لم أتتبعه حرفاً حرفاً".
стр. 302
.. أما حديث عمر ﵁ ففيه أبلغ حجة على حجية السنة عند الصحابة أجمع ﵃ فعمر ﵁ عندما هم بكتابة السنة -ليس مجرد الكتابة. فهى كانت مكتوبة- وإنما المراد بالكتابة تدوينها تدويناً عاماً فى مكان واحد، كما كان ﵁ صاحب اقتراح تدوين القرآن الكريم تدويناً عاماً فى مكان واحد زمن أبو بكر الصديق ﵁ وتردد أبو بكر وزيد بن ثابت فى هذا التدوين فى أول الأمر -كان منهم تورعاً كما قالوا: "كيف نفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟!
فهل يستطيع مخلوق على وجه الأرض أن يقول أن تردد أبو بكر وزيد –رضى الله عنهما- دليل على عدم حجية كتاب الله عندهم (١) ؟؟
ألم يقل لهم الفاروق عمر "أنه والله خير"، فكان الأمر كما قال.
... وعندما هم بتدوين السنة تدويناً عاماً، كالقرآن، واستشار فى ذلك الصحابة هل تردد واحد منهم؟ كلا! كما جاء فى الحديث "فأشاروا عليه بأن يكتبها" ولكنه عدل عن هذا التدوين فى زمنه لعدم الأمن من انشغال الناس بها والاهتمام بها على حساب كتاب الله (٢) حتى لا يبقى المصحف بغبارة لا ينظر فيه كما قال الضحاك، وهذا هو معنى قوله "وإنى والله لا ألبس كتاب الله بشىء أبداً"، ولم يقل: "حسبنا كتاب الله".
ولو كان المراد بالانشغال عن السنة فى قول النبى ﷺ والصحابة ﵃ خشيتهم أن تكون السنة حجة وكتاباً آخر مع كتاب الله كما فهم أعداء الإسلام وزعمهم بأن هذا السبب "ملزم بعدم كتابة الأحاديث إلى يوم يبعثون، ولا يمكن لهذا الأمر أن ينسخ أبداً" كما مر من قول نيازى عز الدين.
لو كان هذا -الفهم الأعوج- هو المراد بالانشغال الذى كان من أجله النهى عن كتابة السنة:
стр. 303
أ- ما كان للنبى ﷺ أن يكتب.
ب- ولما كان له أن يأذن بالكتابة عنه.
ج- وما كان له أن يأمر بالتحديث عنه.
د-ولما كان للصحابة والتابعين أن يقتدوا بالنبىصلى الله عليه وسلم فيما سبق، من الكتابة والإذن بالتحديث
هـ- ولما كان هناك مَعْنَى [لَهِمِّ] عمر بالتدوين وإقرار الصحابة له على ذلك ثم عدوله عنه، إذ كيف يهم بتدوين شىء ليس بحجة، وكيف يجوز على الصحابة أجمع إقراره على هذا التدوين؟
و بل ولم يجز تدوين السنة تدويناً رسمياً فى عهد عمر بن عبد العزيز ﵁.
ز- ولما جاز إجماع الأمة بعد عصر الصحابة والتابعين إلى يومنا هذا على كتابتها وتدوينها
ح- بل ولما جاز منهم الإجماع على حجيتها واعتبارها المصدر التشريعى الثانى الملازم لكتاب الله لا ينفصل أحدهما عن الآخر.
ثانياً: الجواب عن شبهة أن النهى عن كتابة السنة يدل على أن النبى ﷺ وأصحابه ﵃ أرادوا ألا تكون السنة ديناً عاماً دائماً كالقرآن الكريم:
... إذا بطل هذا الفهم الأعوج من أعداء الإسلام لمعنى"خوف النبى ﷺ والصحابة ﵃ من الانشغال بالسنة عن كتاب الله، بألا يكون مع كتاب الله كتاب آخر، بطل أيضاً ما فهموه من أن النهى عن كتابة السنة من النبى ﷺ والصحابة والتابعين ﵃. دلالته عدم صلاحية السنة لكل زمان ومكان، وعدم تأبيد ما جاء به السنن من أحكام.
وهذا ما تأثر به رشيد رضا ﵀ وعبر عنه بأنهم:"لم يريدوا أن يجعلوا الأحاديث ديناً عاماً دائماً كالقرآن".
وكيف يصح القول بأن مراد النبى ﷺ من نهيه عن كتابة سنته ألا تكون ديناً عاماً دائماً كالقرآن.
стр. 304
١- فعلام إذن يقرنها مع كتاب الله مبيناً أن الاعتصام بهما عصمة من الضلال فى قوله: "إنى قد تركت فيكم ما إن اعتصتم به فلن تضلوا أبداً كتاب الله وسنة نبيه" (١) .
٢- وعلام يأمر بتبليغ سنته المطهرة فى قوله: "ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع (٢) .
٣- وعلام يوصى بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين والعض عليها بالنواجذ عند الاختلاف فى قوله ﷺ : "فإنه من يعش منكم: فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ (٣) .
٤- وعلام التحذير الشديد من الكذب ﷺ : "إن كذباً على ليس ككذب على أحد. فمن كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" (٤) .
٥- وعلام يحذر ممن يأتيه الأمر مما أمر به أو نهى عنه فيعترض ويقول: "بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرمناه، ثم يبين ﷺ أن ما يجرمه بوحى مثل ما حرمه الله فى كتابه قائلاً: "إلا وإن ما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله" (٥) وذلك التحريم دينٌ دائمٌ إلى يوم القيامة كما سيأتى من قول عمر ابن عبد العزيز: "فما أحل على لسان نبيه فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم على لسان نبيه فهو حرام إلى يوم القيامة".
стр. 305
٦- علام يصف الزائغ عن سنته المطهرة بأنه هَالِكٌ كما قال ﷺ : "قد تركتكم على البيضاء. ليلها كنهارها. لا يزيغ عنها بعدى إلا هالك" (١) .
стр. 306
.. فعلام يدل هذا إذا لم تكن السنة النبوية حجة وديناً عاماً دائماً كالقرآن الكريم!
إن كل ما نقلناه هنا من هذه الأحاديث ونحوها كثير بمثابة التصريح من رسول الله ﷺ بأن سنته المطهرة حجة ودينٌ عامٌ دائمٌ ملازمٌ للقرآن الكريم ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (١) وهذا ما فهمه الصحابة من رسول الله ﷺ فهم أول المخاطبين بما سبق من الأحاديث، وهم أول المخاطبين بكتاب الله وفيه الأمر بطاعته ﷺ والتحذير من مخالفة أمره قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) .
... فهل هذا الأمر الإلهى بإتباع أمر نبيه ﷺ الوارد فى سنته المطهرة أراد به رب العزة ألا يكون ديناً عاماً دائماً كالقرآن؟؟؟
стр. 307
إن القول بهذا طعن فى القرآن نفسه، وفى عالمية الدعوة الإسلامية؛ ثم إن رب العزة يقسم بذاته المقدسة على عدم إيمان من لم يحكم رسوله فى كل شأن من شئون حياته ومن المعلوم بالضرورة أننا نحكم الرسول ﷺ بذاته وهو حى، فإذا انتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى حكمنا سنته المطهرة، على أنه ليس فقط أن نحكم الرسول ﷺ وسنته، بل لابد وأن تمتلئ قلوبنا بالرضا والسعادة بهذا الحكم النبوى وأن نخضع له خضوعاً كاملاً مع التسليم التام قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١) وعلى ذلك يؤكد النبى ﷺ بقوله: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به" (٢) .
... ولم يخالف فى ذلك أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا يقول بخلاف هذا إلا من جهل طريقتهم فى العمل بأحكام الدين وكيف كانوا يأخذونها.
стр. 308
.. فالصحابة أجمع وعلى رأسهم الخلفاء الراشدين كانوا يعظمون حديث رسول الله ﷺ ويحكمونه فى كل شأن من شئون حياتهم. فعن ميمون بن مهران (١) قال: كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه الخصم نظر فى كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضى بينهم قضى به، وإن لم يكن فى الكتاب، وعلم من رسول الله ﷺ فى ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين، وقال: أتانى كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى فى ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله ﷺ فيه قضاءاً فيقول أبو بكر: الحمد لله الذى جعل فينا من يحفظ على نبينا، فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله ﷺ جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به (٢) أ. هـ.
... وعن جابر بن زيد (٣) ، أن ابن عمر لقيه فى الطواف، فقال له: يا أبا الشعثاء، إنك من فقهاء البصرة، فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت (٤) .
стр. 309
.. وأخرج الدارمى عن شريح (١) : أن عمر بن الخطاب كتب إليه: "إن جاءك شىء فى كتاب الله فاقض به، ولا يلتفتك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس فى كتاب الله فانظر سنة رسول الله ﷺ ، فاقض بها، فإن جاءك ما ليس فى كتاب ولم يكن فيه سنة من رسول الله ﷺ فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به، فإن جاءك ما ليس فى كتاب الله ولم يكن فى سنة رسول الله ﷺ ولم يتكلم فيه أحد قبلك، فاختر أى الأمرين شئت: إن شئت أن تجتهد برأيك ثم تقدم فتقدم، وإن شئت أن فتأخر فتتأخر، ولا أرى التأخير إلا خيراً لك (٢) ، ونحو ذلك روى عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهم (٣) -رضى الله عنهم أجمعين-.
... وبذلك كانت مصادر الأحكام فى الصدر الأول أربعة:
القرآن الكريم: وهو المصدر الأول لهذا الدين وعمدة الملة، وكانوا يفهمونه واضحاً جلياً، لأنه بلسانهم نزل مع ما امتازوا به من معرفة أسباب نزوله.
السنة النبوية: وهى المصدر الثانى الملازم للمصدر الأول، وقد اتفقوا على اتباعها متى ظفروا بها.
القياس، أو الرأى المستند إلى كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ .
стр. 310
الإجماع المستند إلى نص من كتاب أو سنة أو قياس (١) .
... ولم يزل أئمة الإسلام من المحدثين والفقهاء من التابعين فمن بعدهم إلى يومنا هذا وإلى أن تقوم الساعة على تحكيم سنة رسول الله ﷺ يقول القاسمى: "كان عندهم أنه إذا وجد فى المسألة قرآن ناطق فلا يجوز التحول إلى غيره، وإذا كان القرآن محتملاً لوجوه فالسنة قاضية عليه، فإذا لم يجدوا فى كتاب الله أخذوا بسنة رسول الله ﷺ سواء كان مستفيضاً دائراً بين الفقهاء، أو كان مختصاً بأهل بلد، أو أهل بيت أو بطريق خاصة، وسواء عمل به الصحابة والفقهاء أو لم يعملوا به، ومتى كان فى المسألة حديث فلا يتبع فيها خلاف أثر من الآثار، ولا اجتهاد أحد من المجتهدين، وإذا فرغوا جهدهم فى تتبع الأحاديث، ولم يجدوا فى المسألة حديثاً، أخذوا بأقوال جماعة من الصحابة والتابعين، ولا يتقيدون بقوم دون قوم، ولا بلد دون بلد ... فإن اتفق جمهور الخلفاء والفقهاء على شئ فهو المقنع، وإن اختلفوا أخذوا بحديث أعلمهم علماً، وأورعهم ورعاً، أو أكثرهم ضبطاً، أو ما اشتهر عنهم، ... وكانت هذه الأصول مستخرجة عن صنيع الأوائل وتصريحاتهم (٢) كما مر فى الأحاديث الموقوفة.
стр. 311
فأين الاتفاق الذى زعمه محمد رشيد رضا -ومن قال بقوله من أعداء السنة- أن الصدر الأول من الصحابة ﵃ لم يعملوا بالأحاديث القولية ولم تكن عندهم سنناً متبعة بالعمل؟
بل أين نزاع صحابى واحد فى عدم العمل بالأحاديث القولية وعدم اعتبارها من السنة المطهرة؟!
... وكيف يصح هذا القول فى حق أناس أشربت قلوبهم بحب رسول الله ﷺ وسنته المطهرة وتعظيمها وتوقيرها وزجر من لم يعظمها وهجره.
стр. 312
.. يدل على ذلك ما روى عن عبد الله بن المغفل (١) ﵁ أنه رأى رجلاً يخذف (٢) فقال له لا تخذف فإن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف أو كان يكره الخذف-وقال: إنه لا يصاد به صيداً ولا ينكأ (٣) به عدو، ولكنها قد تكسر السن، وتفقأ العين.ثم رآه بعد ذلك يخذف فقال له أحدثك عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن الخذف -أو كره الخذف- وأنت تخذف؟ لا أكلمك كذا وكذا" (٤) ،وفى رواية للدارمى:"والله لا أشهد لك جنازة ولا أعودك فى مرض، ولا أكلمك أبداً" (٥)
стр. 313
.. وعن ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها. فقال فلان ابن عبد الله إذا والله أمنعها! فأقبل عليه ابن عمر، فشتمه شتمة لم أره شتمها أحداً قبله، ثم قال: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول: إذاً والله أمنعها؟!! (١) .
... وفى رواية لابن عبد البر: قال بلال بن عبد الله بن عمر (٢) فقلت أما أنا فسأمنع أهلى فمن شاء فليسرح أهله فالتفت إلى وقال: لعنك الله، لعنك الله، لعنك الله، تسمعنى أقول أن رسول الله ﷺ أمر أن لا يُمْنَعْنَ، وقام مغضباً" (٣) .
... وعن عبادة بن الصامت أن النبى ﷺ نهى عن درهمين بدرهم، فقال فلان: ما أرى بهذا بأساً يداً بيد، فقال عبادة أقول: قال النبى ﷺ وتقول: لا ارى به بأساً؟!! والله لا يظلنى وإياك سقفٌ أبداً" (٤) .
стр. 314
.. وعلى الدرب صار التابعون فمن بعدهم من أئمة المسلمين، فعن قتادة (١) ، قال: حدث ابن سيرين رجلاً بحديث عن النبى ﷺ فقال رجل: قال فلان كذا وكذا. فقال ابن سيرين: أحدثك عن النبى ﷺ وتقول: قال فلان وفلان كذا وكذا؟ !! لا أكلمك أبداً (٢) .
стр. 315
.. وقال الحميدى (١) : سأل رجل الشافعى عن مسألة، فأفتاه قائلاً: قال النبى ﷺ كذا وكذا، فقال الرجل: أتقول بهذا يا أبا عبد الله؟ فقال الشافعى: أرأيت فى وسطى زناراً؟ أترانى خرجت من الكنيسة؟ أقول: قال النبى ﷺ ، وتقول لى: أتقول بهذا؟ أروى عن النبى ﷺ ولا أقول به (٢) ؟
... ومن هنا حث السلف الصالح على التأدب مع السنة المطهرة فيمن دعى إلى التحاكم إليها يقول الإمام النووى ﵀: "وكذلك ينبغى إذا قال له صاحبه: هذا الذى فعلته خلاف حديث رسول الله ﷺ أو نحو ذلك أن لا يقول: لا التزم الحديث، أو لا أعمل بالحديث، أو نحو ذلك من العبارات المستبشعة، وإن كان الحديث متروك الظاهر لتخصيص أو تأويل أو نحو ذلك، بل يقول عند ذلك: هذا الحديث مخصوص أو متأول أو متروك الظاهر بالإجماع وشبه ذلك" (٣) .
стр. 316
.. قوم هذا حالهم فى تعظيمهم وتوقيرهم لسنة نبيهم ﷺ وتحكيمها فى كل شأن من شئون حياتهم، وزجرهم وهجرهم -ولو كان قريباً لهم- من لم يتأدب معها إذا دعى إلى التحاكم إليها، كيف يقال أنهم يريدوا أن يتخذوا الأحاديث ديناً عاماً دائماً كالقرآن (١) ؟!!!
... اللهم إن هذا إنكار لإجماع الأمة منذ عهد نبيها ﷺ إلى يومنا هذا! وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها - بحجية السنة المطهرة واتخاذها ديناً عاماً دائماً ملازماً لكتاب الله وهذا الإجماع قائم على الحقائق الثابتة فى كتاب ربنا ، وسنة نبينا ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين والصحابة أجمع ﵃ أجمعين وعلى هذا الإجماع أئمة المسلمين من التابعين فمن بعدهم إلى يومنا هذا.
стр. 317
وما أصدق ما قاله عمر بن عبد العزيز فى إحدى خطبه قال: "يا أيها الناس، إن الله لم يبعث بعد نبيكم نبياً، ولم ينزل بعد هذا الكتاب الذى أنزله عليه كتاباً، فما أحل الله على لسان نبيه ﷺ ؛ فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم على لسان نبيه ﷺ ؛ فهو حرام إلى يوم القيامة، ألا إنى لست بقاض ولكنى منفذ، ولست بمبتدع ولكنى متبع، ولست بخير منكم غير أنى أثقلكم حملاً، ألا وأنه ليس لأحد من خلق الله أن يطاع فى معصية الله، ألا هل أسمعت" (١) .
... وقال أيضاً ﵀ "سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سنناً، الأخذ بها اتباع لكتاب الله ، واستكمال لطاعة الله ، وقوة على دين الله ، ليس لأحد من الخلق تغييرها ولا تبديلها ولا النظر فى شئ خالفها، من اهتدى بها فهو المهتد، ومن انتصر بها فهو منصور، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله تعالى ما تولاه، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً" (٢) .
وقال الحافظ ابن عبد البر: "ليس لأحد من علماء الأمة يثبت حديثاً عن النبى ﷺ ثم يرده دون ادعاء نسخ عليه بأثر مثله، أو إجماع، أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه، أو طعن فى سنده، ولو فعل ذلك أحد سقطت عدالته، فضلاً عن أن يتخذ إماماً ولزمه إثم الفسق (٣) أ. هـ.
والله أعلم
стр. 318
استعراض شبهة أن النهى عن الإكثار من التحديث دليل على أن الصحابة ﵃ كانوا يجتهدون فى مقابل السنة الشريفة، ولا يأخذون بها والرد عليها
ذهب بعض غلاة الشيعة إلى تقسيم الصحابة إلى مدرستين (١) ، أو إلى طائفتين (٢) ، باعتبار تعاملهم مع النصوص الصادرة عن الرسول ﷺ :
المدرسة أو الطائفة الأولى: "طائفة التعبد المحض" وهى التى انتهجت منهاج الطاعة والامتثال المطلق للأحكام الصادرة عن الله ورسوله ﷺ ويعنون بهم أنفسهم.
المدرسة أو الطائفة الثانية: "طائفة الاجتهاد والرأى" وهى التى انتهجت منهاج الاجتهاد فى مقابل النص وخرجوا عليه وتأولوه -ويعنون بهم أهل السنة من السلف وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون- ﵃ (٣) .
... ويستدلون على هذا التقسيم الباطل، بمواقف اجتهادية وقعت من الصحابة زمن النبوة وبعدها.
стр. 319
والجواب: يبطل التقسيم السابق الذى ذهب إليه بعض غلاة الشيعة ما هو مقرر عند الأصوليين من اتفاقهم على جواز الاجتهاد (١) بعد الرسول ﷺ (٢) أما فى عصره ﷺ فقد اختلفوا فيه، فذهب أكثر أهل الأصول على جوازه فى حضرته وغيبته ﷺ والتعبد به (٣) ومنع من ذلك الجبائى (٤)
стр. 320
وأبى هاشم (١) ، وهو قول ضعيف كما قال الزركشى: لأنه لا يؤدى إلى مستحيل فإن أرادوا منع الشرع توقف على الدليل وهو مفقود (٢) .
... ويدل على ما سبق، من وقوع الاجتهاد من الصحابة -بما فيهم الإمام علىَّ كرم الله وجهه- زمن النبوة بحضرته وغيبته ﷺ ، والتعبد بذلك الاجتهاد.