.. قوم هذا حالهم فى تعظيمهم وتوقيرهم لسنة نبيهم ﷺ وتحكيمها فى كل شأن من شئون حياتهم، وزجرهم وهجرهم -ولو كان قريباً لهم- من لم يتأدب معها إذا دعى إلى التحاكم إليها، كيف يقال أنهم يريدوا أن يتخذوا الأحاديث ديناً عاماً دائماً كالقرآن (١) ؟!!!
... اللهم إن هذا إنكار لإجماع الأمة منذ عهد نبيها ﷺ إلى يومنا هذا! وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها - بحجية السنة المطهرة واتخاذها ديناً عاماً دائماً ملازماً لكتاب الله وهذا الإجماع قائم على الحقائق الثابتة فى كتاب ربنا ، وسنة نبينا ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين والصحابة أجمع ﵃ أجمعين وعلى هذا الإجماع أئمة المسلمين من التابعين فمن بعدهم إلى يومنا هذا.
стр. 317
وما أصدق ما قاله عمر بن عبد العزيز فى إحدى خطبه قال: "يا أيها الناس، إن الله لم يبعث بعد نبيكم نبياً، ولم ينزل بعد هذا الكتاب الذى أنزله عليه كتاباً، فما أحل الله على لسان نبيه ﷺ ؛ فهو حلال إلى يوم القيامة، وما حرم على لسان نبيه ﷺ ؛ فهو حرام إلى يوم القيامة، ألا إنى لست بقاض ولكنى منفذ، ولست بمبتدع ولكنى متبع، ولست بخير منكم غير أنى أثقلكم حملاً، ألا وأنه ليس لأحد من خلق الله أن يطاع فى معصية الله، ألا هل أسمعت" (١) .
... وقال أيضاً ﵀ "سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر من بعده سنناً، الأخذ بها اتباع لكتاب الله ، واستكمال لطاعة الله ، وقوة على دين الله ، ليس لأحد من الخلق تغييرها ولا تبديلها ولا النظر فى شئ خالفها، من اهتدى بها فهو المهتد، ومن انتصر بها فهو منصور، ومن تركها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله تعالى ما تولاه، وأصلاه جهنم وساءت مصيراً" (٢) .
وقال الحافظ ابن عبد البر: "ليس لأحد من علماء الأمة يثبت حديثاً عن النبى ﷺ ثم يرده دون ادعاء نسخ عليه بأثر مثله، أو إجماع، أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه، أو طعن فى سنده، ولو فعل ذلك أحد سقطت عدالته، فضلاً عن أن يتخذ إماماً ولزمه إثم الفسق (٣) أ. هـ.
والله أعلم
стр. 318
استعراض شبهة أن النهى عن الإكثار من التحديث دليل على أن الصحابة ﵃ كانوا يجتهدون فى مقابل السنة الشريفة، ولا يأخذون بها والرد عليها
ذهب بعض غلاة الشيعة إلى تقسيم الصحابة إلى مدرستين (١) ، أو إلى طائفتين (٢) ، باعتبار تعاملهم مع النصوص الصادرة عن الرسول ﷺ :
المدرسة أو الطائفة الأولى: "طائفة التعبد المحض" وهى التى انتهجت منهاج الطاعة والامتثال المطلق للأحكام الصادرة عن الله ورسوله ﷺ ويعنون بهم أنفسهم.
المدرسة أو الطائفة الثانية: "طائفة الاجتهاد والرأى" وهى التى انتهجت منهاج الاجتهاد فى مقابل النص وخرجوا عليه وتأولوه -ويعنون بهم أهل السنة من السلف وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون- ﵃ (٣) .
... ويستدلون على هذا التقسيم الباطل، بمواقف اجتهادية وقعت من الصحابة زمن النبوة وبعدها.
стр. 319
والجواب: يبطل التقسيم السابق الذى ذهب إليه بعض غلاة الشيعة ما هو مقرر عند الأصوليين من اتفاقهم على جواز الاجتهاد (١) بعد الرسول ﷺ (٢) أما فى عصره ﷺ فقد اختلفوا فيه، فذهب أكثر أهل الأصول على جوازه فى حضرته وغيبته ﷺ والتعبد به (٣) ومنع من ذلك الجبائى (٤)
стр. 320
وأبى هاشم (١) ، وهو قول ضعيف كما قال الزركشى: لأنه لا يؤدى إلى مستحيل فإن أرادوا منع الشرع توقف على الدليل وهو مفقود (٢) .
... ويدل على ما سبق، من وقوع الاجتهاد من الصحابة -بما فيهم الإمام علىَّ كرم الله وجهه- زمن النبوة بحضرته وغيبته ﷺ ، والتعبد بذلك الاجتهاد.
стр. 321
.. حديث معاذ بن جبل ﵁ (١) ، أن رسول الله ﷺ لما بعثه إلى اليمن قال: "كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضى بما فى كتاب الله، قال فإن لم يكن فى كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله ﷺ قال: فإن لم يكن فى سنة رسول الله ﷺ ؟ قال: اجتهد رأيى، قال معاذ فضرب رسول الله ﷺ صدرى، ثم قال: الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله ﷺ لما يرضى رسول الله ﷺ (٢) ".
стр. 322
.. يقول الإمام ابن قيم الجوزية: "وقد اجتهد الصحابة فى زمن النبى ﷺ فى كثير من الأحكام ولم يعنفهم كما أمرهم يوم الأحزاب أن يصلوا العصر فى بنى قريظة (١) ، فاجتهد بعضهم وصلاها فى الطريق، وقال لم يرد منا التأخير، وإنما أراد سرعة النهوض، فنظروا إلى المعنى، واجتهد آخرون وأخروها إلى بنى قريظة فصلوها ليلاً، نظروا إلى اللفظ، وما عنف واحداً من الفريقين، وهؤلاء سلف أهل الظاهر، وهؤلاء سلف أصحاب المعانى والقياس (٢) .
واجتهد سعد بن معاذ (٣) فى بنى قريظة وحكم فيهم باجتهاده، فصوبه النبى ﷺ وقال: "لقد حكمت فيهم بحكم الله " (٤) .
стр. 323
.. وعن زيد بن أرقم (١) ﵁ قال: كان على ﵁ باليمن فأتى بإمرأة وطئها ثلاثة نفر فى طهر واحد فسأل اثنين أتقران لهذا بالولد فلم يقرا، ثم سأل اثنين أتقران لهذا بالولد فلم يقرا، ثم سأل اثنين، حتى فرغ، يسأل اثنين اثنين عن واحد فلم يقروا، ثم أقرع بينهم فألزم الولد الذى خرجت عليه القرعة، وجعل عليه ثلثى الدية، فرفع ذلك للنبى ﷺ "فضحك حتى بدت نواجذه". وفى رواية فقال: "لا أعلم إلا ما قال على ﵁ (٢) ".
стр. 324
.. وعن البراء بن عازب (١) ﵁ قال: لما صالح رسول الله ﷺ أهل الحديبية كتب على ابن أبى طالب ﵁ بينهم كتاباً، فكتب "محمد رسول الله" فقال: المشركون لا تكتب محمد رسول الله، لو كنت رسولاً لم نقاتلك فقال لعلى: امحُهُ فقال على: ما أنا بالذى أَمْحاهُ، فَمَحَاهُ رسول الله ﷺ بِيَدِه ... الحديث" (٢) .
стр. 325
.. ففى امتناعه ﵁ من محو اسمه الشريف من الصحيفة أبلغ رد على ما يذهب إليه غلاة الشيعة من تقسيم الصحابة إلى مدرستين أو طائفتين، زاعمين أن الإمام على ﵁ لم يجتهد زمن النبوة وأنه ﵁ وشيعته من طائفة التعبد المحض وباقى الصحابة وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون وسائر أهل السنة من طائفة الاجتهاد والرأى فى مقابل النص. ولا يخفى أن امتناعه ﵁ بعد طلب النبى ﷺ محو ما كتب اجتهاد منه فى مقابل النص النبوى. وإذا كان هذا موقف اجتهادى منه فى صلح الحديبية، فموقف الفاروق عمر الاجتهادى فى نفس الصلح، طعن به، على الشهرستانى، فى عقيدة عمر ﵁، وهو قول عمر للنبى ﷺ "ألست نبى الله حقاً؟ قال بلى. قلت فلم نعطى الدَّنِيَّةَ فى ديننا إذاً؟ ...إلخ الحديث" (١) استدل بذلك على أنه ﵁ شك فى صحة قول الرسول وعدم الاطمئنان بكلامه ﷺ ، وأن هذا النص يوضح أنه ﵁ لم يكن من أتباع مسلك التعبد المحض (٢) .
стр. 326
والحقيقة أنه لو لم يرد عن سيدنا عمر ﵁ سوى حديث تقبيله الحجر الأسود وقوله ﵁: "إنى أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت النبى ﷺ يقبلك ما قبلتك" (١) لكفى فى بيان أنه من أهل التعبد المحض بالسنة المطهرة، وهو القائل: "إنه سيأتى ناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله" (٢) .
... والحق أن فى نفس القصة ما يدحض افتراء الشهرستانى ومن قال بقوله، فموقف عمر لم يكن شكاً بل طلباً لكشف ما خفى عليه، وحثاً على إذلال الكفار، لما عرف من قوته فى نصرة الدين.
فإن أراد على الشهرستانى الشك فى الدين فمردود بما وقع فى رواية ابن إسحاق (٣) " أن أبا بكر لما قاله له: الزم غَرْزه (٤) فإنه رسول الله، قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله" (٥) .
... وإن أراد على الشهرستانى الشك فى المصلحة وعدمها، فمردود أيضاً.
стр. 327
قال الحافظ ابن حجر: "والذى يظهر أنه توقف منه ليقف على الحكمة فى القصة وتنكشف عنه الشبهة، ونظيره قصته فى الصلاة على رأس المنافقين عبد الله بن أبى ابن سلول. فعن ابن عمر -رضى الله عنهما- أنه قال "لما توفى عبد الله بن أبى جاء ابنه عبد الله (١) بن عبد الله، إلى رسول الله ﷺ فأعطاه قميصه، وأمره أن يكفنه فيه، ثم قام يصلى عليه، فأخذ عمر بن الخطاب بثوبه فقال: تصلى عليه وهو منافق، وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟ قال: إنما خيرنى الله أو أخبرنى الله - فقال "استغفر لهم أو لا تستغفر لهم، إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم" (٢) فقال: سأزيده على سبعين. قال فصلى عليه رسول الله ﷺ وصلينا معه، ثم أنزل الله عليه ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (٣) .
стр. 328
.. يقول الحافظ ابن حجر: "وإن كان فى الأولى (أى فى قصة الحديبية) لم يطابق اجتهاده الحكم بخلاف الثانية طابق اجتهاده الحكم، ونزل القرآن الكريم مؤيداً لهذا الاجتهاد، بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (١) .
... إلا أنه ﵁ بالرغم من اجتهاده فى هذا الموقف ترك رأى نفسه، واجتهاده، وتابع النبى ﷺ وصلى معه كما جاء فى الحديث: "فصلى عليه رسول الله ﷺ وصلينا معه" وإلا فقد جاء اجتهاده ﵁ موافقاً لحكم الله .
... أما موقفه الاجتهادى فى صلح الحديبية، فقد عمل أعمالاً صالحة ليكفر عنه هذا التوقف فى الامتثال للأمر النبوى ابتداءً، وورد ذلك صريحاً فى رواية ابن إسحاق: "وكان
стр. 329
٥عمر يقول مازلت اتصدق، وأصوم، وأصلى، وأعتق من الذى صنعت يومئذٍ مخافة كلامى الذى تكلمت به حتى رجوت أن يكون خيراً" (١) .
... وعند الواقدى (٢) من حديث ابن عباس -رضى الله عنهما- "قال عمر لقد اعتقت بسبب ذلك رقاباً وصمت دهراً" (٣) ويقول ﵁ مبيناً ندمه على عدم رضائه عن الصلح ابتداءً، ثم امتثاله لأمر النبى ﷺ قال: "يا أيها الناس: اتهموا الرأى على الدين، فلقد رأيتنى أرد أمر رسول الله ﷺ برأيى اجتهاداً، فوالله ما آلوا عن الحق، وذلك يوم أبى جندل (٤) والكتاب بين يدى رسول الله ﷺ وأهل مكة، فقال: اكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم" فقالوا: ترانا قد صدقناك بما تقول؟ ولكنك تكتب كما كنت تكتب -: باسمك اللهم. فرضى رسول الله وأبيت عليهم، حتى قال لى رسول الله ﷺ : "ترانى أرضى، وتأبى أنت"؟ فرضيت" (٥)
стр. 330
.. يقول الحافظ ابن حجر: "وإلا فجميع ما صدر منه كان معذوراً فيه بل هو مأجور لأنه مجتهد فيه" وقد غفر الله له، ولمن شهدوا بيعه الرضوان يوم الحديبية قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (١) .
... وشهد لهم رسول الله ﷺ بالخيرية: فعن جابر ﵁ قال: كنا يوم الحديبية ألفاً وأربعمائة فقال لنا النبى ﷺ : "أنتم اليوم خير أهل الأرض" (٢) .
... وشهد لهم بالجنة فقال ﷺ : "لا يدخل النار، إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحدٌ الذين بايعوا تحتها" قالت (حفصة) (٣) بلى يا رسول الله! فانتهرها. فقالت حفصة: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٤) فقال النبى ﷺ قد قال : ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (٥) .
стр. 331
.. ففى الأحاديث السابقة وغيرها مما ذكرها أهل الأصول دليل على وقوع الاجتهاد من الصحابة ﵃ بما فيهم الإمام على بن أبى طالب ﵁ زمن النبوة بحضرته وغيبته ﷺ فى المصالح الدنيوية والعبادات أيضاً (١) .
... ومن المعلوم أن اجتهادهم ﵃ بحضرته وغيبته ﷺ يصير حجة وشرعاً ويتعبد به بإقراره ﷺ لا بمجرد اجتهادهم (٢) .
... وإن لم يقره ﷺ أو لم يبلغه اجتهادهم كان اجتهادهم فيه الخلاف المعروف فى قول الصحابى (٣) . اللهم إلا إذا قال أحدهم قولاً لا يقال من قبل الرأى، ولا مجال للاجتهاد فيه فحكمه الرفع، على ما هو مقرر عند الأصوليين والمحدثين (٤) .
стр. 332
.. وكذا إذا اجتهدوا فى شىء، وأجمعوا عليه، فيصير حجة بلا خلاف حتى يكفر جاحده (١) . وهذا الاجتهاد من الصحابة زمن النبوة وإقرار النبى ﷺ لهم، قد أقرهم رب العزة عليه، ولم يبين أنهم قد اخطأوا فيه، مع أن الزمان كان زمان وحى. فلو كانوا فى عملهم هذا مخطئين: لما أقرهم الله تعالى عليه، لأن تقريره تعالى فى زمان الوحى حجة بمثابة الوحى المنزل (٢) .
... فكان اجتهادهم حجة وسنة يعمل بها ويرجع إليها (٣) ، ولِمَ لا وقد قرن ﷺ سنتهم بسنته فى وجوب الاتباع فى قوله ﷺ : "عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى" (٤) وقال: "اقتدوا باللذين من بعدى أبى بكر وعمر" (٥) وعلى ذلك سلف الأمة من الصحابة (٦) والتابعين فمن بعدهم من أئمة المسلمين (٧) .
стр. 333
.. وبالجملة فما سنه الخلفاء الراشدون أو أحدهم للأمة فهو حجة لا يجوز العدول عنها، فأين هذا من قول غلاة الشيعة أن الخلفاء الراشدين وأتباعهم من بقية الصحابة باستثناء -الإمام على وشيعته- يجتهدون ويقدمون رأيهم على سنة رسول الله ﷺ (١) ، كيف وقد تقدم عنهم جميعاً تعظيمهم لحديث رسول الله ﷺ وتحكيمه فى كل شأن من شئون حياتهم، وزجرهم، وهجرهم من لم يعظم قوله ﷺ وقد تواتر من شيمهم أنهم كانوا يطلبون حكم الواقعة من كتاب الله ، فإن لم يصادفوه فتشوا فى سنن رسول الله ﷺ ، فإن لم يجدوها تشاوروا، ورجعوا إلى الرأى عند الاضطرار حيث لا يوجد منه بد، ولم يلزموا أحداً العمل به، ولم يحرموا مخالفته، ولا جعلوا مخالفه مخالفاً للدين، بل غايته أنهم خيروا بين قبوله ورده.
فعن عمر ﵁ أنه لقى رجلاً فقال: ما صنعت؟ قال قضى علىٌّ وزيد بكذا، قال: لو كنت أنا لقضيت بكذا، قال، فما منعنك والأمر إليك؟ قال: لو كنت أردك إلى كتاب الله أو إلى سنة نبيه ﷺ لفعلت، ولكنى أردك إلى رأى، والرأى مشترك، فلم ينقض ما قال على وزيد" (٢) .
стр. 334
.. وإذا ظهر لهم النص مع اجتهادهم رجعوا إليه وتركوا رأيهم، يدل على ذلك: ما روى أن عمر ﵁ كان يقول: "الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها" حتى أخبره الضحاك بن سفيان (١) ، أن رسول الله ﷺ كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابى من ديته، فرجع إليه عمر" (٢) . وروى عنه أنه جاء إليه رجل من ثقيف فسأله عن امرأة حاضت وقد كانت زارت البيت يوم النحر، ألها أن تنفر؟ فقال عمر لا، فقال له الثقفى: إن رسول الله ﷺ أفتانى فى مثل هذه المرأة بغير ما أفتيت به، فقام إليه عمر يضربه بالدرة، ويقول له: لم تستفتنى فى شئ قد أفتى فيه رسول الله ﷺ (٣) ؟ وغير ذلك من الأحاديث الواردة عن عمر وغيره من الصحابة (٤) .
стр. 335
.. وعلى ذلك إجماع الأمة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من أئمة المسلمين، قال عمر ابن عبد العزيز: "لا رأى لأحد مع سنة سنها رسول الله ﷺ " (١) .
وقال الشافعى: أجمع الناس على أن من استبانت له سنة عن رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس" (٢) .
... وبعد: فقد تحقق لك جواز الاجتهاد من الصحابة ﵃ فى عصر النبوة المباركة، وبعده واتفاق الأمة منذ زمن الصحابة ﵃ -إلى يومنا هذا- ولم ينكر أصل الاجتهاد واحد من الصحابة بما فيهم الإمام على بن أبى طالب ﵁، وإنما كانوا يتناظرون فى الذب عن وجوه الاجتهاد والدعاء إلى غيرها من الاجتهاد (٣) .
... وإذا كانت الوقائع التى جرت فيها فتاوى علماء الصحابة، وأقضيتهم لا يحصرها عد، ولا يحويها حد حيث كانوا قايسين فى قريب من مائة سنة (٤) .
إذا تقرر كل ذلك بطل ما يذهب إليه غلاة الشيعة من الطعن فى الصحابة باجتهادهم زمن النبوة المباركة وبعده، وبطل ما يزعمونه من أن الصحابة طائفتان فى تعاملهم مع السنة المطهرة. طائفة التعبد المحض -ويعنون بهم الإمام على وشيعته، وطائفة الاجتهاد، والأخذ بالرأى وترك السنة- ويعنون بهم أهل السنة وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون.
فهذا التقسيم محض كذب، من رافضة امتلأت قلوبهم حقداً وبغضاً على سلف هذه الأمة من صحابة رسول الله ﷺ وعلى من صار على دربهم من أهل السنة ﵃.
стр. 336
وبالجملة "من طعن فى السلف من نفاة القياس لاحتجاجهم بالرأى فى الأحكام فكلامه كما قال الله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (١) .
الصحابة ﵃ والنهى عن كثرة التحديث:
... بقى من شبهه (النهى عن كتابة السنة) ما زعمه بعض دعاة الفتنة (٢) -ومن تأثر بهم من المسلمين (٣) من أن امتناع بعض الصحابة عن التحديث ونهى كبار الصحابة عن الإكثار من التحديث دليل على عدم حجية السنة.
... ومما استدلوا به على ذلك الآثار الآتية:
стр. 337
ما روى من مراسيل ابن أبى مُلَيْكَةَ (١) قال: إن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم ﷺ فقال: إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها والناس بعدكم أشد اختلافاً، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله، وحرموا حرامه (٢) .
стр. 338
وما روى عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (١) قال: والله مامات عمر بن الخطاب حتى بعث إلى أصحاب رسول الله فجمعهم من الآفاق، عبد الله بن حذيفة (٢) ،وأبا الدرداء (٣) ، وأبا ذر (٤) ، وعقبة بن عامر (٥)
стр. 339
، فقال ما هذه الأحاديث التى أفشيتم عن رسول الله فى الآفاق؟ قالوا: تنهانا؟ قال لا، أقيموا عندى، لا والله لا تفارقوننى ما عشت، فنحن أعلم، نأخذ منكم، ونرد عليكم، فما فارقوه حتى مات (١) . وعنه من رواية أخرى: قال بعث عمر بن الخطاب إلى عبد الله بن مسعود، وأبى الدرداء وأبى مسعود الأنصارى (٢) فقال ما هذا الحديث الذى تكثرون عن رسول الله ﷺ فحبسهم بالمدينة حتى استشهد لفظهم سواء (٣)
стр. 340
وروى عن السائب بن يزيد (١) قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبى هريرة: لتتركن الحديث عن الأول، أو لألحقنك بأرض دوس، وقال لكعب الأحبار (٢) : لتتركن الحديث عن الأول أو لألحقنك بأرض القردة" (٣) ، وعنه من طريق آخر قال: أرسلنى عثمان بن عفان إلى أبى هريرة فقال: قل له يقول لك أمير المؤمنين: ما هذا الحديث عن رسول الله ﷺ ... بنحو الرواية السابقة (٤) .
стр. 341
وروى عن قرظة ابن كعب قال (١) : بعث عمر بن الخطاب رهطاً من الأنصار إلى الكوفة، فبعثنى معهم، فجعل يمشى معنا حتى أتى صرار (٢) -وصرار: ماء فى طريق المدينة- فجعل ينفض الغبار عن رجليه، ثم قال: إنكم تأتون الكوفة، فتأتون قوماً لهم أزيز (٣) بالقرآن، فيأتونكم فيقولون قدم أصحاب محمد ﷺ ، قدم أصحاب محمد ﷺ ، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث، فأعلموا أن أسبغ الوضوء ثلاث، وثنتان تجزيان، ثم قال: إنكم تأتون الكوفة، فتأتون قوماً لهم أزيز بالقرآن فيقولون: قدم أصحاب محمد ﷺ ، قدم أصحاب محمد ﷺ ، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث، فأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ وأنا شريككم فيه. قال قرظة: وإن كنت لأجلس فى القوم فيذكرون الحديث عن رسول الله ﷺ ، وإنى لمن أحفظهم له، فإذا ذكرت وصية عمر سكت. قال أبو محمد (الإمام الحافظ الدارمى) معناه عندى: الحديث عن أيام رسول الله ﷺ ليس السنن والفرائض" (٤)
стр. 342
.. وفى رواية: "إنكم تأتون أهل قرية لهم دوى بالقرآن كدوى النحل فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جودوا القرآن، وأقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ امضوا وأنا شريككم، فلما قدم قرظة، قالوا حدثنا قال: نهانا عمر بن الخطاب" (١) .
وروى عن عثمان بن عفان (٢) ﵁ قال: "لا يحل لأحد يروى حديثاً لم يسمع به فى عهد أبى بكر ولا فى عهد عمر، فإنه لا يمنعنى أن أحدث عن رسول الله أن لا أكون من أوعى أصحابى، إلا أنى سمعته يقول: من قال على فقد تبوأ مقعده من النار" (٣) ، وغير ذلك من الآثار الواردة عن بعض الصحابة فى التقليل من الرواية، وسيأتى بعضها فى الإجابة على هذه الشبهة.
الجواب عن شبهة نهى الصحابة عن الإكثار من الرواية ، وامتناع بعضهم عن كثرة التحديث دليل على عدم حجية السنة
... بالآثار السابقة، وغيرها، احتج قديماً كما قال الحافظ ابن عبد البر، بعض من لا علم له ولا معرفة من أهل البدع وغيرهم الطاعنين فى السنن، وجعلوا ذلك ذريعة إلى الزهد فى سنن رسول الله ﷺ التى لا يوصل إلى مراد كتاب الله إلا بها، والطعن على أهلها (٤) .
... وتابع على ذلك حديثاً ذيولهم من المستشرقين، وغلاة الشيعة، ودعاة اللادينية، وجعلوا ذلك ذريعة إلى عدم حجية السنة النبوية.
стр. 343
.. ولو صدق هؤلاء القوم فى ادعائهم المنهجية، والنزاهة فى البحث العلمى، لبينوا للقارئ عناوين الأبواب التى نقلوا منها الآثار السابقة فى مصادرها الحديثية، فلو فعلوا ذلك لتبين للقارئ لهم، بطلان دعواهم وما فهموه من هذه الآثار، حيث أن عناوين الأبواب الواردة فيها، مشتملة على علة، وفقه هذه الآثار، التى تفحمهم وتدحض دعواهم.
فانظر: إلى الحافظ ابن عبد البر يذكر بعض هذه الآثار فى جامع بيان العلم فى باب عنوانه: "ذكر من ذم الإكثار من الحديث دون التفهم والتفقه فيه" (١) وتأمل "دون التفهم والتفقه فيه".
والحاكم فى المستدرك يذكر بعضها فى كتاب العلم فى باب عنوانه "أمر عمر ﵁ بتجريد القرآن وتقليل الرواية" (٢) ، وتأمل "تجريد القرآن" وهو فقه مستنبط من صريح قول عمر بن الخطاب ﵁.
والإمام ابن ماجة فى سننه يذكر بعضهافى باب "التوقى فى الحديث عن رسول الله ﷺ (٣) ، والدارمى فى باب "من هاب الفتيا مخافة السقط" (٤) ، وباب "اتقاء الحديث عن النبى ﷺ والتثبت فيه" (٥) .
والهيثمى فى مجمع الزوائد باب "الإمساك عن بعض الحديث" (٦) وباب "التثبت والإمساك عن بعض الحديث وبعض الفتيا" (٧) .
... ولو تأملنا فى عناوين الأبواب السابقة، الواردة فيها الآثار، التى استشهد بها المشاغبون على عدم حجية السنة، لوجدنا تلك العناوين، مطابقة تماماً، لحكمة النهى عن الإكثار من التحديث، وهذا ما سيظهر جلياً الآن بإذن الله تعالى.
стр. 344
.. وبالرغم من ضعف بعض الآثار السابقة كما سبق، إلا أنه مع ضعفها حجة لنا لا علينا، فلا حجة لأعداء السنة، فى الآثار التى استشهدوا بها، ولا دليل فيها على ما ذهبوا إليه، لأنها اشتملت على الوجوه والأسباب التى من أجلها، امتنع بعض الصحابة عن التحديث، ونهوا عن الإكثار منه، وتلك الوجوه والأسباب هى:
أولاً: خوف الخطأ أو الزيادة والنقصان فى حديث النبى ﷺ والدخول فى وعيد النبى ﷺ الوارد فى قوله ﷺ "من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" (١) وبذلك صرحت الآثار الواردة عمن امتنع عن التحديث أو لم يكثر منه.
... فعن أنس بن مالك ﵁ قال: "إنه ليمنعنى أن أحدثكم حديثاً كثيراً أن النبى ﷺ قال: "من تعمد على كذباً فليتبوأ مقعده من النار" (٢) .
... وفى رواية أخرى عنه قال: "لولا أنى أخشى أن أخطئ لحدثتكم بأشياء سمعتها من رسول الله ﷺ أو قالها رسول الله ﷺ وذاك أنى سمعته يقول: "من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" (٣) .
стр. 345
.. وعن عبد الله بن الزبير (١) قال: قلت للزبير (٢) : إنى لا أسمعك تحدث عن رسول الله ﷺ كما يحدث فلان وفلان. قال: أما إنى لم أفارقه، ولكن سمعته يقول: "من كذب على فليتبوأ مقعده من النار" (٣) .
стр. 346
.. وعن دُجَيْنُ أبى الغُصْن (١) قال: دخلت المدينة فلقيت أسلم (٢) -مولى عمر بن الخطاب- فقلت: "حدثنى عن عمر، فقال: لا استطيع أخاف أن أزيد أو أن أنقص، كنا إذا قلنا لعمر حدثنا عن رسول الله ﷺ قال: أخاف أن أزيد أو أن انقض؛ إن رسول الله ﷺ قال: من كذب علىّ، فهو فى النار" (٣) .
... وعلى هذا يحمل ما ورد عن ابن مسعود ﵁ من هيبة التحديث عن رسول الله ﷺ (٤) ، وهكذا أمسك بعض الصحابة عن كثرة التحديث خوفاً من الخطأ أو الزيادة والنقصان فى الرواية عن الرسول ﷺ .
стр. 347
.. وإذا كان الإكثار من التحديث مظنة الخطأ بخلاف الإقلال، فالضبط فيه أكثر، فإن هذا لا يمنع من وجود بعض المكثرين المتميزين بالاتقان والدقة مع إكثارهم كأبى هريرة ﵁ ولذلك أذن له عمر-وهو أشهر المتشددين-بالرواية لثقته بتثبته وأمانته يدل على ذلك قول أبى هريرة: بلغ عمر حديثى فأرسل إلىَّ فقال: "كنت معنا يوم كنا مع رسول الله ﷺ فى بيت فلان"؟ قال: قلت نعم، وقد علمت لِمَ تسألنى عن ذلك؟ قال: ولم سألتك؟ قلت إن رسول الله ﷺ قال يومئذ: "من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار، قال: أما إذا فاذهب فحدث" (١) .
... وما أنكر عليه عمر، إنما كان من حديثه عن "الأول" (٢) ، أى أهل الكتاب، أو الحديث عن بدء الخليقة، ونحوه مما لا يترتب عليه عمل (٣) . ولهذا الأمر نفسه كان نهى عمر لكعب الأحبار ﵀.
... فبطل بذلك ما ادعاه محمود أبو رية، وعبد الحسين شرف الدين، من مفتريات على أبى هريرة من أن عمر ﵁ ضربه بالدرة على إكثاره (٤) . وأن أبا هريرة لم يكن له شأن زمن النبوة ... ولم يستطع أن يفتح فاه بحديث عن النبى ﷺ إلا بعد موت عمر (٥) .
стр. 348
كما أنه لا معنى لما زعمه رشيد رضا وتابعه عليه أبو رية فى أنه لو طال عُمْرُ، عمر بن الخطاب حتى مات أبو هريرة لما وصلت إلينا تلك الأحاديث الكثيرة عنه، ومنها ٤٤٦ حديثاً فى البخارى ما عدا المكرر (١) .
... وما كان كبار الصحابة فى نهيهم عن الإكثار من الرواية بدعاً فى ذلك وإنما هم متبعون لأمر النبى ﷺ ولمنهجه فى الحفاظ على رسالة الإسلام قرآناً وسنة.
وفى ذلك يقول أبو عبد الله الحاكم: "انكار عمر أمير المؤمنين على الصحابة كثرة الرواية عن رسول الله ﷺ فيه سنة" (٢) والسنة هنا ما روى عن أبى قتادة ﵁؛ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: "يا أيها الناس إياكم وكثرة الحديث عنى، فمن قال علىَّ فلا يقل إلا حقاً أو إلا صدقاً ومن قال علىَّ ما لم أقل متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" (٣) .
стр. 349
.. وما روى عن عثمان بن عفان ﵁ أنه قال: "لا يحل لأحد يروى حديثاً لم يسمع به فى عهد أبى بكر ولا فى عهد عمر ... الحديث، ومثل ذلك النهى عن معاوية ﵁ قال: "أيها الناس إياكم وأحاديث رسول الله ﷺ إلا حديثاً كان يذكر على عهد عمر ﵁ فإن عمر كان يخيف الناس فى الله " (١) أى كان عمر ﵁ شديداً فى دين الله يأمر بالتثبت فى النقل، فلا يحدث بشىء عن النبى ﷺ إلا بما تيقن من نسبته إليه ﷺ خشية الوقوع فى الوعيد الوارد فى قوله ﷺ : "من حدث عنى حديثاً يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" (٢) .
فقوله (يُرى) بضم الياء أى يظن، ويجوز فتحها أى يعلم، وفى (الكاذبين) روايتان (إحداهما) بفتح الباء على إرادة التثنية (والأخرى) بكسرها على صيغة الجمع (٣) .
يقول الإمام النووى (٤) " ... فمن روى حديثاً علم أو ظن وضعه ولم يبين حال رواته ووضعه فهو داخل فى هذا الوعيد، مندرج فى جملة الكاذبين على رسول الله ﷺ " (٥) .
стр. 350
وكفى بهذه الجملة وعيداً شديداً فى حق من روى حديثاً، وهو يظن أنه كذب، فضلاً عن أن يتحقق ذلك، ولا يبينه؛ لأنه ﷺ جعل المحدث بذلك مشاركاً لكاذبة فى وضعه" (١) ، وهذا ما كان يخشاه الصحابة وعلى رأسهم عمر ﵁ فكان نهيه عن الإكثار من الرواية إتباعاً لسنة النبى ﷺ وخشية منه أن يتسع الناس فى الرواية فيقع الكذب والتدليس من المنافق، والفاجر، والأعرابى، فينسبون إلى النبى ﷺ ما لم يقله كما تنبأ بذلك ﷺ بقوله ﷺ : "سيكون فى آخر أمتى أناس يحدثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم" وقال ﷺ : "يكون فى آخر الزمان دجالون كذابون. يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم. فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم".
стр. 351
.. وهذا من أسباب ترك التحديث عن الرسولصلى الله عليه وسلمكما قال ابن عباس-رضى الله عنهما- "إنا كنا نحدث عن رسول الله ﷺ إذ لم يكن يكذب عليه. فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه وهذا أيضاً ما جعل الصحابة ﵃ يأخذون من أحاديث النبى ﷺ إلا ما كان معروفاً زمن أبى بكر وعمر -رضى الله عنهما- كما جاء من قول عثمان ومعاوية -رضى الله عنهما- حيث كان التثبت والاحتياط وعدم الكذب فى زمانهما، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم يأخذ من الناس عن رسول الله ﷺ إلا ما يعرف، كما قال ابن عباس -رضى الله عنهما-:"إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا. وأصغينا إليه بآذاننا فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف" (١) .
وعلى الدرب الصحابة صار من بعدهم:
فعن الشعبى ﵀ قال: "كره الصالحون الأولون الإكثار من الحديث، ولو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما حدثت إلا بما أجمع عليه أهل الحديث (٢) .
فقوم يحتاطون لسنة نبيهم ﷺ كما أمرهم، أتكون تلك الحيطة دليل على عظم شأن السنة فى نفوسهم، وحجيتها، أم دليل على عدم حجيتها، واتخاذها ديناً عاماً دائماً كالقرآن؟
стр. 352
ثانياً: من الوجوه والأسباب التى كان الصحابة من أجلها يمتنعون أو ينهون عن الإكثار من التحديث، إذا كان المخاطبون بالأحاديث قوم حديثى عهد بالإسلام ولم يكونوا قد أحصوا القرآن واتقنوه فيخافون عليهم الاشتغال عنه بالأحاديث قبل اتقانه هو أولاً إذ هو الأصل لكل علم (١) .
... ويشير إلى هذا السبب صراحة قول عمر ﵁: "إنكم تأتون أهل قرية لهم دوى بالقرآن كدوى النحل فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جودوا القرآن" أى جودوا الأصل الأول، وهو القرآن، وابدؤا به أولاً، ولا تبدؤا بالأحاديث؛ فتشغلوهم عن إتقان القرآن.
ويدل على ذلك صراحة رواية الحاكم: "فلا تبدءونهم بالأحاديث فيشغلونكم جردوا القرآن وأقلوا الرواية".
... وعلى هذا المنهاج صار السلف الصالح من أئمة الحديث فكان كثير منهم لا يقبلون الطلاب فى حلقاتهم إلا إذا وثقوا من دراستهم للقرآن الكريم، وحفظ بعضه على الأقل، وفى هذا يقول حفص بن غياث (٢) : أتيت الأعمش فقلت: حدثنى، قال أتحفظ القرآن؟ قلت. لا. قال اذهب فاحفظ القرآن، ثم هلم أحدثك. قال فذهبت فحفظت القرآن، ثم جئته، فاستقرأنى، فقرأته، فحدثنى" (٣) .
стр. 353
.. أو يكون النهى متعلقاً بالأحاديث عن سيرة رسول الله ﷺ ، وليس أحاديث السنن والفرائض كما قال الحافظ الدارمى معناه عندى: "الحديث عن أيام رسول الله ﷺ ، ليس السنن والفرائض" (١) .
... ويؤكد هذا قول عمر ﵁: "أقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ إلا فيما يعمل به" (٢) أى أقلوا الرواية إلا فيما يترتب عليه عمل شرعى، فيدخل فى ذلك جميع الأحكام والآداب وغيرها، ولا يخرج إلا القصص ونحوه، فاستحب ﵁ الإقلال من القصص ونحوه، ولم يمنع من الإكثار فيما فيه عمل. أما تعليق محمود أبو رية على هذا الأثر وقوله: "فيما يعمل به" أى أى السنة العملية" (٣) .
فإن أراد السنة العملية المتواترة، فلا يخفى بطلانه، لأن هذا اصطلاح محدث (٤) . ويؤيد ما سبق، ما روى عن أبى موسى أنه قال حين قدم البصرة: "بعثنى إليكم عمر بن الخطاب أعلمكم كتاب ربكم، وسنتكم، وأنظف طرقكم" (٥) .
ثالثاً: من الأسباب التى كان الصحابة يمتنعون أو ينهون من أجلها عن الإكثار من التحديث، خوفهم الاشتغال بكثرة الحديث عن تدبره وتفهمه، لأن المكثر لا تكاد تراه إلا غير متدبر ولا متفقه (٦) .
стр. 354
وهذا ما وقع فيه أهل البدع والأهواء المنكرين لحجية السنة قديماً، وحديثاً، أخذوا بظاهر تلك الآثار بدون تفقه، وتدبر للمعانى المرادة منها، وهو ما بينه أئمة الحديث فى عناوين الأبواب التى ذكروا فيها هذه الآثار، تلك العناوين التى لم يذكرها أعداء السنة المطهرة، إما عن جهل، وإما عن علم، وتدليس منهم على القارئ.
ولا يخفى أيضاً أن الإكثار، يجعل المكثر، يسرد الحديث سرداً سريعاً يلتبس على المستمع، وهذا ما أنكرته أم المؤمنين عائشة –رضى الله عنها- على أبى هريرة ﵁ فى الحديث الذى رواه الشيخان، عن عروة بن الزبير ﵁ أن عائشة –رضى الله عنها- قالت: "ألا يعجبك أبو هريرة! جاء فجلس إلى جنب حجرتى، يحدث عن النبى ﷺ يسمعنى ذلك. وكنت أسبح. فقام قبل أن أقضى سبحتى. ولو أدركته لرددت عليه: إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم (١) .
стр. 355
رابعاً: إنهم كانوا ينهون أو يمتنعون عن التحديث والإكثار منه، إذا كانت الأحاديث من المتشابهات التى يعسر على العامة، وضعاف العقول فهمها، فيحملونها على خلاف المراد منها، ويستدلون بظاهرها، ويكون الحكم بخلاف ما فهموا، وقد تؤدى تلك المتشابهات إلى تكذيب الله ورسوله (١) .
... وفى ذلك يقول ابن مسعود ﵁: "ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة" (٢) ويقول على ﵁ "حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله" (٣) .
... يقول الإمام الذهبى:"فقد زجر الإمام على ﵁، عن رواية المنكر، وحث على التحديث بالمشهور، وهذا أصل كبير فى الكف عن بث الأشياء الواهية والمنكرة من الأحاديث فى الفضائل والعقائد والرقائق، ولا سبيل إلى معرفة هذا من هذا إلا بالإمعان فى معرفة الرجال" (٤)