← Общие книги

Общие книги · id 1820

كتابات أعداء الإسلام ومناقشتها

عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى

Полный текст (1 177 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

.. وهذا من أسباب ترك التحديث عن الرسولصلى الله عليه وسلمكما قال ابن عباس-رضى الله عنهما- "إنا كنا نحدث عن رسول الله ﷺ إذ لم يكن يكذب عليه. فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه وهذا أيضاً ما جعل الصحابة ﵃ يأخذون من أحاديث النبى ﷺ إلا ما كان معروفاً زمن أبى بكر وعمر -رضى الله عنهما- كما جاء من قول عثمان ومعاوية -رضى الله عنهما- حيث كان التثبت والاحتياط وعدم الكذب فى زمانهما، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم يأخذ من الناس عن رسول الله ﷺ إلا ما يعرف، كما قال ابن عباس -رضى الله عنهما-:"إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا. وأصغينا إليه بآذاننا فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف" (١) . وعلى الدرب الصحابة صار من بعدهم: فعن الشعبى ﵀ قال: "كره الصالحون الأولون الإكثار من الحديث، ولو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما حدثت إلا بما أجمع عليه أهل الحديث (٢) . فقوم يحتاطون لسنة نبيهم ﷺ كما أمرهم، أتكون تلك الحيطة دليل على عظم شأن السنة فى نفوسهم، وحجيتها، أم دليل على عدم حجيتها، واتخاذها ديناً عاماً دائماً كالقرآن؟

стр. 352

ثانياً: من الوجوه والأسباب التى كان الصحابة من أجلها يمتنعون أو ينهون عن الإكثار من التحديث، إذا كان المخاطبون بالأحاديث قوم حديثى عهد بالإسلام ولم يكونوا قد أحصوا القرآن واتقنوه فيخافون عليهم الاشتغال عنه بالأحاديث قبل اتقانه هو أولاً إذ هو الأصل لكل علم (١) . ... ويشير إلى هذا السبب صراحة قول عمر ﵁: "إنكم تأتون أهل قرية لهم دوى بالقرآن كدوى النحل فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جودوا القرآن" أى جودوا الأصل الأول، وهو القرآن، وابدؤا به أولاً، ولا تبدؤا بالأحاديث؛ فتشغلوهم عن إتقان القرآن. ويدل على ذلك صراحة رواية الحاكم: "فلا تبدءونهم بالأحاديث فيشغلونكم جردوا القرآن وأقلوا الرواية". ... وعلى هذا المنهاج صار السلف الصالح من أئمة الحديث فكان كثير منهم لا يقبلون الطلاب فى حلقاتهم إلا إذا وثقوا من دراستهم للقرآن الكريم، وحفظ بعضه على الأقل، وفى هذا يقول حفص بن غياث (٢) : أتيت الأعمش فقلت: حدثنى، قال أتحفظ القرآن؟ قلت. لا. قال اذهب فاحفظ القرآن، ثم هلم أحدثك. قال فذهبت فحفظت القرآن، ثم جئته، فاستقرأنى، فقرأته، فحدثنى" (٣) .

стр. 353

.. أو يكون النهى متعلقاً بالأحاديث عن سيرة رسول الله ﷺ ، وليس أحاديث السنن والفرائض كما قال الحافظ الدارمى معناه عندى: "الحديث عن أيام رسول الله ﷺ ، ليس السنن والفرائض" (١) . ... ويؤكد هذا قول عمر ﵁: "أقلوا الرواية عن رسول الله ﷺ إلا فيما يعمل به" (٢) أى أقلوا الرواية إلا فيما يترتب عليه عمل شرعى، فيدخل فى ذلك جميع الأحكام والآداب وغيرها، ولا يخرج إلا القصص ونحوه، فاستحب ﵁ الإقلال من القصص ونحوه، ولم يمنع من الإكثار فيما فيه عمل. أما تعليق محمود أبو رية على هذا الأثر وقوله: "فيما يعمل به" أى أى السنة العملية" (٣) . فإن أراد السنة العملية المتواترة، فلا يخفى بطلانه، لأن هذا اصطلاح محدث (٤) . ويؤيد ما سبق، ما روى عن أبى موسى أنه قال حين قدم البصرة: "بعثنى إليكم عمر بن الخطاب أعلمكم كتاب ربكم، وسنتكم، وأنظف طرقكم" (٥) . ثالثاً: من الأسباب التى كان الصحابة يمتنعون أو ينهون من أجلها عن الإكثار من التحديث، خوفهم الاشتغال بكثرة الحديث عن تدبره وتفهمه، لأن المكثر لا تكاد تراه إلا غير متدبر ولا متفقه (٦) .

стр. 354

وهذا ما وقع فيه أهل البدع والأهواء المنكرين لحجية السنة قديماً، وحديثاً، أخذوا بظاهر تلك الآثار بدون تفقه، وتدبر للمعانى المرادة منها، وهو ما بينه أئمة الحديث فى عناوين الأبواب التى ذكروا فيها هذه الآثار، تلك العناوين التى لم يذكرها أعداء السنة المطهرة، إما عن جهل، وإما عن علم، وتدليس منهم على القارئ. ولا يخفى أيضاً أن الإكثار، يجعل المكثر، يسرد الحديث سرداً سريعاً يلتبس على المستمع، وهذا ما أنكرته أم المؤمنين عائشة –رضى الله عنها- على أبى هريرة ﵁ فى الحديث الذى رواه الشيخان، عن عروة بن الزبير ﵁ أن عائشة –رضى الله عنها- قالت: "ألا يعجبك أبو هريرة! جاء فجلس إلى جنب حجرتى، يحدث عن النبى ﷺ يسمعنى ذلك. وكنت أسبح. فقام قبل أن أقضى سبحتى. ولو أدركته لرددت عليه: إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم (١) .

стр. 355

رابعاً: إنهم كانوا ينهون أو يمتنعون عن التحديث والإكثار منه، إذا كانت الأحاديث من المتشابهات التى يعسر على العامة، وضعاف العقول فهمها، فيحملونها على خلاف المراد منها، ويستدلون بظاهرها، ويكون الحكم بخلاف ما فهموا، وقد تؤدى تلك المتشابهات إلى تكذيب الله ورسوله (١) . ... وفى ذلك يقول ابن مسعود ﵁: "ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة" (٢) ويقول على ﵁ "حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله" (٣) . ... يقول الإمام الذهبى:"فقد زجر الإمام على ﵁، عن رواية المنكر، وحث على التحديث بالمشهور، وهذا أصل كبير فى الكف عن بث الأشياء الواهية والمنكرة من الأحاديث فى الفضائل والعقائد والرقائق، ولا سبيل إلى معرفة هذا من هذا إلا بالإمعان فى معرفة الرجال" (٤)

стр. 356

.. ويقول الإمام ابن حجر: والمراد بقوله "بما يعرفون" أى يفهمون. وقوله: "ودعوا ما ينكرون" أى يشتبه عليهم فهمه. وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغى أن يذكر عند العامة. وممن كره التحديث ببعض دون بعض، الإمام أحمد فى الأحاديث التى ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك فى أحاديث الصفات، وأبو يوسف فى الغرائب، ومن قبلهم أبى هريرة ﵁ حيث يروى عنه البخارى أنه قال: "حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين: فأما أحدهما فبثثته. وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم" (١) . ... قال ابن حجر: وحمل العلماء الوعاء الذى لم يبثه على ما يتعلق بالفتن، واشراط الساعة وتغير الأحوال والملاحم فى آخر الزمان، فينكر ذلك من لم يألفه ويعترض عليه من لا شعور له به" (٢) . ويؤيد ذلك قول أبى هريرة: "لو حدثتكم بكل ما فى جوفى لرميتمونى بالبعر" قال الحسن: راوى الحديث عن أبى هريرة: صدق والله ... لو أخبرنا أن بيت الله يهدم أو يحرق ما صدقه الناس" (٣) .

стр. 357

ويؤيد أن الأحاديث المكتومة لو كانت من الأحكام الشرعية ما وسعه كتمانها قوله ﵁: "إن الناس يقولون: أكثر أبو هريرة. ولولا آيتان فى كتاب الله ما حدثت حديثاً ثم يتلو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١) . ... وأبو هريرة فى كل هذا، بل والصحابة أجمع، لا يكتمون علماً ينتفع به حتى ولو كان هذا العلم ليس فيه حكم شرعى. كيف! وهو ﵁ الراوى لقوله ﷺ : "ما من رجل يحفظ علماً فيكتمه، إلا أتى به يوم القيامة مُلْجَماً بلجامٍ من النار" (٢) .

стр. 358

وهذا أبو ذر ﵁ يقول: "لَوْ وَضَعْتُم الصَّمْصَامَة (١) على هَذِهِ (وأَشارَ إلى قَفَاهُ) ثُمَّ ظَنَنْتُ أَنىِّ أُنفِذُ كَلَمةً سَمِعْتُها مِنَ النبىِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ تُجيزوا علىَّ لأَنْفَذْتُها" (٢) . فالمراد بمنع التحديث هنا كما قال الحافظ ابن حجر فى ضابطه: "أن يكون ظاهر الحديث يقوى البدعة، وظاهره فى الأصل غير مراد، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب (٣) . وهذا يعنى أن من لا يخشى عليه ذلك يبلغونه خروجاً من إثم كتمان العلم. ويقول صاحب توجيه النظر: "إن المحدث يجب عليه أن يراعى حال من يحدثهم، فإذا كان فيما ثبت عنده ما لا تصل إليه أفهامهم وجب عليه ترك تحديثهم به دفعاً للضرر، فليس كل حديث يجب نشره لجميع الناس" (٤) .

стр. 359

.. وعلى هذا يحمل مرسل ابن أبى مليكه عن أبى بكر الصديق ﵁، فلو كان له أصل فكونه عقب الوفاة النبوية -كما جاء فى الرواية- يشعر بأنه يتعلق بأمر الخلافة، كأن الناس عقب البيعة بقوا يختلفون، يقول أحدهم: أبو بكر أَهْلُهَا؛ لأن النبى ﷺ قال كيت وكيت، فيقول آخر: وفلان، قد قال له النبى ﷺ كيت وكيت، فَأَحَبَ أبو بكر صرفهم عن الخوض فى ذلك، وتوجيهم إلى القرآن وفيه قوله تعالى ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (١) . ... وما فعله الفاروق عمر ﵁ وصار فيه على نهجه الصحابة ﵃ من المنع من التحديث والإكثار منه كان اتباعاً لمنهاج النبى ﷺ القائل: "كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع"، وعلى الدرب صار أئمة المسلمين من التابعين فمن بعدهم. فعن ابن وهب قال: قال لى مالك: اعلم أنه ليس يسلم رجل حدث بكل ما سمع. ولا يكون إماماً أبداً، وهو يحدث بكل ما سمع" ونحوه روى عن عبد الرحمن بن مهدى (٢) ، وغيره. بقى الكلام على حبس عمر ﵁ لبعض الصحابة؛ وهل يكفى لحبسهم أنهم أكثروا من الرواية؟! وهل كان هذا من عمر طعناً منه فى الصحابة، وتكذيباً لهم كما زعم بعض غلاة الشيعة (٣) ؟! الجواب:

стр. 360

أولاً: أما حبس عمر ﵁ لبعض الصحابة فعلى فرض صحة الأثر، فليس المراد بالحبس أنه زج بهم فى السجن (وحاشاه من ذلك) ، وإنما المراد أنه ﵁ استبقائهم فى المدينة حتى يتثبت من لفظهم ويشهد لذلك رواية الخطيب السابقة (لفظهم سواء) (١) أى أنه استبقاهم فى المدينة ليتثبت من لفظهم، ويؤيد ذلك أنهم لما قالوا له تنهانا؟ قال لا، أقيموا عندى، لا والله لا تفارقونى ما عشت، فنحن أعلم، نأخذ منكم، ونرد عليكم، فما فارقوه حتى مات" فمع إنكاره عليهم الإكثار لم يمنعهم منه، عندما قالوا له تنهانا؟ فأجاب لا، أقيموا عندى أى استبقاهم فى المدينة لماذا؟ ليس لمنعهم من الإكثار، وإنما كما قال "نأخذ منكم، ونرد عليكم" فالأمر إذن تثبت فى الحديث فكانوا كما جاء فى الأثر (لفظهم سواء) .

стр. 361

ومما يؤكد لنا أنه لم يزج بأحد فى السجن، ما جاء فى رواية الرَامَهُرْمُزِى من قول شيخه أبى عبد لله البرى قال: "يعنى منعهم الحديث، ولم يكن لعمر حبس" (١) وهذا على فرض صحة الأثر، وإلا فهو منقطع، لأنه من طريق إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، ولم يسمع من عمر كما رجحه الهيثمى وأحمد محمد شاكر، وابن حزم وقال: "ثم هو فى نفسه ظاهر الكذب والتوليد، لأنه لا يخلوا عمر من أن يكون اتهم الصحابة، وفى هذا ما فيه، أو يكون نهى عن نفس الحديث وعن تبليغ سنن رسول الله ﷺ إلى المسلمين، وألزمهم كتمانها وجحدها وألاَّ يذكروها لأحد، فهذا خروج عن الإسلام، وقد أعاذ الله أمير المؤمنين من كل هذا، ولئن كان سائر الصحابة متهمين فى الكذب على النبى ﷺ فما عمر إلا واحد منهم، وهذا قول لا يقوله مسلم أصلاً، ولئن كان حبسهم، وغيرهم متهمين لقد ظلمهم! فليختر المحتج لمذهبه الفاسد بمثل هذه الروايات الملعونة أى الطريقتين الخبيثتين شاء، ولابد له من أحدهما. وإنما معنى نهى عمر ﵁ من الحديث عن رسول الله ﷺ لو صح، فهو بَيْنٌ فى الحديث الذى أوردناه من طريق قرظة، وهو إنما نهى عن الحديث بالأخبار عمن سلف من الأمم، وعما أشبه. ... وأما نهى عن الحديث بالسنن عن النبى ﷺ فهذا ما لا يحل لمسلم أن يظنه بمن دون عمر من عامة المسلمين، فكيف بعمر ﵁.

стр. 362

ودليل ما قلنا أن عمر قد حدث بحديث كثير عن النبى ﷺ . فإن كان الحديث عنه ﵇ مكروهاً، فقد أخذ عمر من ذلك بأوفر نصيب، ولا يحل لمسلم أن يظن بعمر ﵁ أنه نهى عن شىء وفعله، لأنه قد روى عنه ﵁ خمسمائة حديث ونيف، على قرب موته من موت النبى ﷺ فصح أنه كثير الرواية، والحديث عن النبى ﷺ ، وما فى الصحابة أكثر رواية عن النبىصلى الله عليه وسلممن عمر بن الخطاب إلا بضعة عشر منهم فقط.فصح أنه قد أكثر الرواية عن النبى ﷺ ، فصح بذلك التأويل الذى ذكرناه لكلامه ﵁ " (١) أ. هـ.

стр. 363

.. قلت: وكيف يظن بعمر بنهيه عن الإكثار من الرواية ليتثبت فيها كما سبق، أنه يأمر بكتمان ما أنزل الله على لسان نبيه ﷺ وهو المعظم الموقر لسنة النبى ﷺ الحاكم بها فى كل شأن من شئون حياته، وشئون رعيته (١) ، وهو القائل ﵁: "تعلموا الفرائض، واللحن والسنن، كما تعلمون القران" (٢) ، وهو القائل أيضاً: "سيأتى ناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله" (٣) وهو القائل: "إياكم وأصحاب الرأى فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأى فضلوا وأضلوا" (٤) . ... فصح بكل هذا أن عمر ﵁ أَمَرَ بتعليم السنن، وبين أن أصحابها أعلم الناس بكتاب الله ، وفى المقابل أعداء السنن، وأجهل الناس بكتاب الله هم أهل الرأى المذموم. فهل يصح بعد هذا القول بأن نهى عمر عن الإكثار من الرواية كتماناً للسنة أو أنه أراد ألا تكون السنة ديناً عاماً دائماً كالقرآن؟!! "سبحانك هذا بهتان عظيم. أو أنه ﵁ كان يتهم الصحابة جميعاً بالكذب على رسول الله ﷺ فيكون بهذا متهماً لنفسه بأنه من أصحاب الرأى، ومتهماً لنفسه أيضاً بالكذب فما هو إلا واحد من الصحابة؛ وهذا قول لا يقوله مسلم أصلاً كما سبق من قول بن حزم.

стр. 364

كما أنه لا يقول بواحد من الأمرين السابقين إلا الرافضة أمثال (مرتضى العسكرى (١) ومروان خليفات (٢) ، وزكريا عباس (٣) ، وعلى الشهرستانى، الذى مال إلى الأمرين معاً: أولهما: "إن الخليفة عمر قد أمر بكتمان ما أنزل الله على لسان نبيه ﷺ فمنع من التحديث لكتمان ما ورد فى فضائل أهل البيت وما يدل على إمامتهم" (٤) . ثانيهماً: أن الخليفة عمر بن الخطاب وكذا أبو بكر (٥) ؛ كانا يتهما الصحابة جميعاً بالكذب على رسول الله ﷺ ، وعاب على الإمام ابن حزم، ومن تبعه من الأعلام قديماً وحديثاً أنهم لم يرتضوا بهذين الأمرين وقال: "لذلك اضطروا إلى حمل نهى عمر على النهى عن التحديث بأخبار الأمم السالفة، وهذا حمل تبرعى لم يدل عليه دليل من روايات منعه" (٦) . ... وصدق الإمام الذهبى: "فوالله ما يغض من عمر إلا جاهل ... أو رافضى فاجر، وأين مثل أبى حفص، فما دار الفلك على مثل شكل عمر، وهو الذى سن للمحدثين التثبت فى النقل" (٧) ، إن دعوى أن نهى عمر عن الإكثار من الرواية أنه يتهم الصحابة جميعاً بالكذب على رسول الله ﷺ دعوى لا برهان لها، إلا فى كتب الروافض من غلاة الشيعة، ومن قال بقولهم من المستشرقين، ودعاة اللادينية الملحدة. الجواب عن شبهة: "النهى عن الإكثار من التحديث اتهام من أبى بكر وعمر -رضى الله عنهما-، للصحابة بالكذب:

стр. 365

إن الصحابة جميعاً وعلى رأسهم عمر، كانوا أبعد الناس فى أن يشك بعضهم فى صدق بعض، والأدلة على هذا متوافرة جداً، فقد كان الصحابى إذا سمع من صحابى آخر حديثاً صدق به، ولم يخالجه الشك فى صدقه، وأسنده إلى الرسول ﷺ كما لو كان سمعه بنفسه، وعلى هذا اعتماد أئمة الحديث فى مرسل الصحابى (١) . ... يدل على ذلك ما روى عن عمر ﵁ قال: "كنت أنا وجار لى من الأنصار فى بنى أمية بن زيد، وهى من عوالى المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله ﷺ ينزل يوماً، وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحى وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك..." (٢) ، ولو لم يكن سوى هذا الحديث لكفى فى رد هذه الشبهة، ولكن كما قلنا الأدلة على هذا متوافرة جداً. فعن البراء بن عازب ﵁ قال: "ليس كلنا سمع حديث رسول الله ﷺ ، كانت لنا ضيعة وأشغال، ولكن الناس كانوا لا يكذبون يومئذ فيحدث الشاهد الغائب (٣) ، وأخرج الطبرانى عن حميد قال كنا مع أنس بن مالك ﵁ فقال: والله ما كل ما نحدثكم عن رسول الله ﷺ سمعناه منه، ولكن لم يكن يكذب بعضنا بعضاً" (٤) .

стр. 366

وعن عائشة –رضى الله عنها- قالت: "ما كان خلق أبغض إلى أصحاب رسول الله ﷺ ، من الكذب (١) وعن الأعمش –﵀ قال: "لقد أدركت قوماً، لو لم يتركوا الكذب إلا حياءً لتركوه" (٢) . ... وأخيراً: يقول عمر لأبى موسى الأشعرى لما حدثه بحديث (الاستئذان ثلاثاً) ، وطلب منه البينة على ذلك (٣) . قال: "أما إنى لم أتهمك، ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله ﷺ (٤) . وفى رواية: "فقال عمر لأبى موسى والله إن كنت لأميناً على حديث رسول الله ﷺ ، ولكن أحببت أن أستثبت، ونحوه فى رواية أبى بردة حين قال أبى بن كعب لعمر: "يا بن الخطاب فلا تكونن عذاباً على أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: سبحان الله إنما سمعت شيئاً فأحببت أن أتثبت" (٥) .

стр. 367

قال ابن عبد البر: يحتمل أن يكون حضر عنده من قرب عهده بالإسلام فخشى أن يختلق الحديث عن رسول الله ﷺ عند الرغبة، والرهبة، طلباً للمخرج مما يدخل فيه، فأراد أن يعلمهم أن من فعل شيئاً من ذلك ينكر عليه حتى يأتى بالمخرج (١) ، وزاد غيره فأراد عمر سد هذا الباب وردع غير أبى موسى لا شكاً فى روايته، فإن من دونه إذا بلغته قصته، وكان فى قلبه مرض أو أراد وضع حديث خاف من مثل قضية أبى موسى، فالمراد غيره (٢) . وفى ذلك يقول الخطيب البغدادى: "وفى تشديد عمر على الصحابة فى رواياتهم حفظ لحديث رسول الله ﷺ ، وترهيب لمن لم يكن من الصحابة أن يدخل فى السنن ما ليس منها، لأنه إذا رأى الصحابى المقبول القول، المشهود بصحبة النبى ﷺ ، قد شدد عليه فى روايته، كان هو أجدر أن يكون للرواية أهيب، ولما يلقى الشيطان فى النفس من تحسين الكذب أرهب" (٣) . ... وفى القصة دليل على ما كان الصحابة عليه من القوة فى دين الله وقول الحق والرجوع إليه وقبوله، فإن أبياً ﵁ أنكر على عمر تهديد أبى موسى، وخاطبه مع أنه الخليفة (بيا ابن الخطاب) أو يا عمر؛ لأن المقام مقام إنكار" (٤) . وفى ذلك رد على الرافضة الطاعنين فى الصحابة ووصفهم بالجبن والتقية خوفاً من درة عمر أو مهابة له، وأنهم وافقوه فى النهى عن كتابة السنة والإكثار منها تقية منهم وجبناً" (٥) .

стр. 368

.. وهكذا كانت ثقة الصحابة جميعاً وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون، ثقة لا يشوبها شك، ولا ريبة، لما يؤمنون به من تدينهم بالصدق، وأنه عندهم رأس الفضائل، وبه قام الإسلام، وساد أولئك الصفوة المختارة من أهله الأولين" (١) . ... وبالجملة: ما فعله كبار الصحابة وتبعهم فيه الصحابة أجمع، ومن بعدهم من النهى أو الامتناع عن الإكثار من التحديث، كان لوجوه وأسباب وردت صراحة فى الآثار الواردة عنهم، وكانوا فى كل سبب من تلك الأسباب مقتدين بسنة النبى ﷺ ، وهو ما حرصنا على تأكيده فيما سبق. فما فعلوه كان احتياطاً للدين كتاباً وسنة ورعاية لمصلحة المسلمين لا زهداً فى الحديث النبوى، ولا تعطيلاً له. ولا إخفاءً لأحاديث فضائل أهل البيت، وما يدل على إمامتهم كما تزعم الرافضة، فأحاديث فضائل أهل البيت، وما يدل على إمامتهم، وعظيم منزلتهم، مدونة فى سائر كتب السنة (فى كتب المناقب، وفضائل الصحابة) . فلا يجوز أن يفهم أو يتوهم من منهاج الصحابة، القائم على المنهاج النبوى ومن تشدد عمر خاصة هجر الصحابة للسنة أو زهدهم فيها لعدم حجيتها، أو أنهم أرادوا ألا يجعلوها ديناً عاماً دائماً كالقرآن، معاذ الله أن يقول بهذا أحد منهم. فلا يقول بهذا إلا جاهل مغرور، أو رافضى فاجر، لا علم له بقليل من السنة، ولم تخالط قلبه روح الصحابة، ولا أنار سبيله، قبس من هداهم.

стр. 369

.. فقد ثبت عن الصحابة جميعاً تمسكهم بالحديث النبوى، وتعظيمهم، وتوقيرهم له، وتحكيمهم له فى كل شأن من شئون حياتهم، وزجرهم وهجرهم كل من لم يعظم قوله ﷺ ، وقد حرصوا على المحافظة على الحديث النبوى بكل وسيلة تفضى إلى ذلك، فكان لهم جميعاً الفضل الأول فى المحافظة على كتاب الله ، وسنة نبيه ﷺ ، وتميز منهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عن عمر، وعن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعين، وعمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أ. هـ. والله ﵎ أعلى وأعلم

стр. 370

ثانياً: شبهة التأخر فى تدوين السنة النبوية والرد عليها استعراض الشبهة وأصحابها: ... روى الإمام البخارى ﵀ فى صحيحه تعليقاً، قال: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبى بكر بن حزم (١) ، "انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه، فإنى خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث رسول الله ﷺ ،، ولتفشو العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سراً" (٢) .

стр. 371

.. بهذه الرواية تعلق أعداء الإسلام من الرافضة، والمستشرقين، ودعاة اللادينية المتفرنجة، فقالوا: إن السنة لم تدون إلا فى مطلع القرن الثانى الهجرى، لأن أول من أمر بتدوينها هو الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ﵁، وهو قد تولى الخلافة سنة ٩٩هـ وتوفى سنة ١٠١هـ (١)

стр. 372

.. وهذه المدة الطويلة تكفى لأن يحصل فيها من التلاعب والفساد ما قد حصل (١) . ولذا حصل فى السنة التبديل والزيادة ككتب أهل الكتاب، لعدم كتابتها فى عهده ﷺ ، وعدم حصر الصحابة لها فى كتاب معين، وعدم تبليغها للناس بالتواتر، وعدم حفظهم لها جيداً فى صدروهم، حتى أباحوا نقلها بالمعنى، واختلفت الرواية عنهم لفظاً ومعنى (٢) ، ولا يمكن بغير الكتابة أن يحصر ما قاله النبى ﷺ أو فعله فى ثلاثة وعشرين عاماً مما سهل على قوم أن يستبيحوا لأنفسهم وضع الحديث ونسبته كذباً إلى رسول الله ﷺ (٣) .

стр. 373

أما غلاة الشيعة: فيزعمون أنهم حفظة السنة وأساس تدوينها، والسبق إلى التدوين فضيلة لهم، فهم أساس بناء مدرسة التعبد المحض (١) . أما أهل السنة وفى مقدمتهم أبى بكر وعمر –رضى الله عنهما- فهم أساس مدرسة الاجتهاد والرأى، وهم الذين منعوا تدوين الأحاديث، وأضاعوا سنة نبيهم ﷺ (٢) ، التى قاموا بتدوينها على رأس المائتين بعد انقراض دولة بنى أمية، وتحول الدولة إلى بنى العباس (٣) . أما المستشرقون: فيتلخص موقفهم من السنة النبوية وتدوينها، فى موقف المستشرق اليهودى (جولدتسيهر) الذى ذهب إلى: "أن القسم الأكبر من الحديث ليس إلا نتيجة للتطور الدينى، والسياسى، والاجتماعى فى القرنين الأول، والثانى، وأنه ليس صحيحاً ما يقال من أنه وثيقة للإسلام فى عهده الأول، عهد الطفولة، ولكنه أثر من آثار جهود الإسلام فى عصر النضوج" (٤) .

стр. 374

.. وهذا الذى زعمه جولدتسيهر؛ اتخذه المستشرقون وذيولهم "إنجيلاً مقدساً"، ورددوه فى بحوثهم ودوائر معارفهم (١) . ... وكان هذا الزعم لدى (شاخت) (٢) حجر الأساس له، ولكل باحث يريد التشكيك فى السنة النبوية المطهرة، فأكد ما قاله سلفه جولد تسهير وتجاوزه بزعمه: "أنه لا صحة لأى حديث منسوب للنبى ﷺ ، وأن المجموعة الأولى المعول عليها من الأحاديث النبوية التى تعرف بأحاديث الأحكام، قد نشأت فى منتصف القرن الثانى الهجرى تقريباً، وهو التاريخ الذى يحدد حسب رأيه، بداية فترة تدوين الأحاديث (٣) .

стр. 375

.. وكانت نزعة الشك عند شاخت أكثر شدة منها عند جولدتسيهر، ويتضح هذا من "القاعدة المنهجية" التى تترتب، حسب رأيه، على استنتاجات جولدتسهير. وهى "قاعدة السكوت عن الحديث فى موطن الاحتجاج دليل على عدم وجوده" استخدم شاخت هذه القاعدة كثيراً ليثبت عدم وجود كثير من الأحاديث إبان فترة الإسلام الأولى. ويعبر عن ذلك بقوله: "إن أحسن طريق لإثبات عدم وجود حديث فى عهد معين، هو أن نظهر أن ذلك الحديث لم يستعمل كدليل فقهى فى نقاش يستوجب الاستدلال بذلك الحديث لو كان بالفعل موجوداً ..." (١) . ... وهذا الذى زعمه شاخت فى كتابه (أصول الفقه المحمدى) أصبح "إنجيلاً ثانياً" لعالم الاستشراق حيث غير من نظرة سلفه جولدتسيهر التشكيكية فى صحة الأحاديث إلى نظرة متيقنة فى عدم صحتها بقوله: "إن المجموعة الأولى المعول عليها من الأحاديث النبوية التى تعرف بأحاديث الأحكام، قد نشأت فى منتصف القرن الثانى الهجرى تقريباً لمواجهة أقوال الصحابة وغيرهم" (٢) . ويقول: "يكاد يكون من المستحيل توثيق أى من هذه الأحاديث فيما يتعلق بأمور التشريع الدينى" (٣) .

стр. 376

.. ولقد ترك كتابه هذا أثراً عميقاً فى تفكير دارسى الحضارة الإسلامية، حتى تنبأ البرفسور جب قائلاً: "أنه - يعنى كتاب شاخت سيكون فى المستقبل أساساً لكافة الدراسات عن الحضارة الإسلامية والتشريع، وعلى الأقل فى الغرب" (١) . ... وعن خطورة هذا الكتاب ومكانته عند المستشرقين يقول الأستاذ الصديق بشير: "وليس من قبيل المبالغة إذا قلت إن كل من كتب بعده من المستشرقين فى هذا الحقل المعرفى هم عيال عليه، وحسبك أنه لا تكاد توجد جامعة من جامعات الغرب لها اعتناء بالدراسات الإسلامية إلا ونجد هذا الكتاب مقرراً على طلابها" (٢) أ. هـ. الجواب عن شبهة التأخر فى تدوين السنة النبوية: ... بادئ ذى بدء - نحن نجزم بصحة هذه الرواية التى صدرنا بها البحث، وهى التى تفيد أن عمر بن عبد العزيز؛ هو أول من أمر بتدوين السنة، نجزم بصحتها لأنها وردت فى أوثق مصادرنا، وأصحها بعد كتابه تعالى، ألا وهو صحيح البخارى، ولكننا نهدف من وراء هذا البحث إلى إثبات حقائق هامة وهى: ١- الحقيقة الأولى: أن الكثيرين خلطوا بين النهى عن كتابة السنة، وبين تدوينها حيث فهموا خطاً أن التدوين هو الكتابة، وعليه فإن السنة النبوية - ظلت محفوظة فى الصدور لم تكتب إلا فى نهاية القرن الأول الهجرى فى عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز-﵀

стр. 377

.. ولو أن المعاصرين فهموا حقيقة الكتابة، وحقيقة التدوين، وأدركوا الفرق بينهما، لما تعارضت النصوص فى فهمهم، ولما صح تشكيك أعداء الإسلام فى السنة النبوية بدعوى تأخر تدوينها مدعين أنه دخلها الزيف، لأن العلم الذى يظل قرناً دون تسجيل لابد وأن يعتريه تغيير ويدخله التحريف، فإن الذهن يغفل والذاكرة تنسى، أما القلم فهو حصن آمان لما يدون به (١) . الكتابة، والتدوين، والتصنيف فى اللغة: ... وهذا تعريف موجز للكتابة والتدوين والتصنيف: يتضح منه الفرق بين الكتابة والتدوين: أ- الكتابة: قال فى اللسان:"كتب الشئ كتباً، وكتاباً، وكتابة، وكتبه خطه" فكتابة الشىء خطه (٢) . ب- التدوين: قال فى اللسان: "والديوان مجتمع الصحف" (٣) . وقال فى تاج العروس: "وقد دونه تدويناً جمعه. وعليه فالتدوين هو جمع الصحف المشتتة فى ديوان ليحفظها (٤) . ج- التصنيف: قال فى اللسان: والتصنيف: تمييز الأشياء بعضها من بعض، وصنف الشئ ميز بعضه من بعض. وتصنيف الشئ جعله أصنافاً. وعليه فالتصنيف تمييز الجزئيات، كأن يميز المصنف الصواب من الخطأ، أو الأهم من المهم" (٥) . ... ومن هذه التعاريف: يتضح لنا أن الكتابة غير التدوين، فالكتابة مطلق خط الشئ، دون مراعاة لجمع الصحف المكتوبة فى إطار يجمعها، أما التدوين فمرحلة تالية للكتابة ويكون بجمع الصحف المكتوبة فى ديوان يحفظها" (٦) .

стр. 378

أما التصنيف؛ فهو أدق من التدوين، فهو ترتيب ما دون فى فصول محدودة، وأبواب مميزة (١) . وعلى ذلك فقول الأئمة إن السنة دونت فى نهاية القرن الأول لا يفيد أنها لم تكتب طيلة هذا القرن، بل يفيد: أنها كانت مكتوبة لكنها لم تصل لدرجة التدوين وهو: جمع الصحف فى دفتر. وما فهمه المعاصرون، من أن التدوين هو الكتابة، فهو خطأ منشأه عدم التمييز بين الكتابة والتدوين (٢) . وبالتالى فالمقولة "أول من دون العلم ابن شهاب الزهرى" (٣) تم ترجمتها خطأ بمعنى: أول من كتب العلم (الحديث) كان ابن شهاب الزهرى، وانطلاقاً من هذا التفسير الخاطئ انبثقت نظرية أن كتابة الحديث بدأت متأخرة للغاية حتى عصر الزهرى فى نهاية القرن الأول، أو بداية القرن، الثانى الهجرى، ... ولهذا فالمقولة السابقة يجب تفسيرها على أساس أن أول من دون أو صنف المجموعات المكتوبة من الأحاديث كان ابن شهاب الزهرى" (٤) .

стр. 379

.. والمتتبع لكلام الأئمة السابقين يتضح له أنه كان معلوماً لديهم الفرق بين الكتابة والتدوين، وهم يؤرخون لتدوين السنة حيث كان مدار حديثهم على التدوين، وليس فى حديثهم شئ يتعلق بالكتابة، كقول الحافظ ابن حجر: "وأول من دون الحديث ابن شهاب الزهرى على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز، ثم كثر التدوين ثم التصنيف، وحصل بذلك خير كثير" (١) وقال أيضاً: "اعلم، علمنى الله وإياك أن آثار النبى ﷺ لم تكن فى عصر الصحابة، وكبار تابعيهم مدونة فى الجوامع ولا مرتبة (٢) أ. هـ. ٢- الحقيقة الثانية: أن عمر بن عبد العزيز – ﵀ – حينما أمر بتدوين السنة لم يبدأ ذلك من فراغ، ولكنه اعتمد على أصول مكتوبة كانت تملأ أرجاء العالم الإسلامى كله، من خلال روح علمية نشطة، أشعلها الإسلام فى أتباعه، فأصبحوا يتقربون إلى الله تعالى بأن يزدادوا فى كل يوم علما، وخير العلوم–قطعاً– ما كان متعلقاً بالقران والسنة. وحينما نثبت أن تدوين السنة قام على أساس المكتوب فى عصر النبى ﷺ ، وبإذن منه ﷺ شخصياً، فإننا لن نتعسف الأدلة أبداً وصولاً إلى تلك الغاية؛ لأننا لن نقول فى هذا الشأن قولاً إلا ونشفعه بالدليل القوى المستمد من أوثق المصادر وآكدها وأصحها.

стр. 380

كما نحب أن ننبه إلى أننا لسنا أبداً أول من قال بهذا القول، وإنما القول بأن السنة قد بدأت كتابتها منذ عصر النبى ﷺ إلى زمن تدوينها تدويناً رسمياً أصبح حقيقة علمية مؤكدة ثبتت بالبراهين القطعية، وتضافرت على إثبات هذه الحقيقة الساطعة أقوال جملة من الباحثين الثقات الأثبات (١) . كالدكتور محمد عجاج الخطيب فى كتابه "السنة قبل التدوين" والدكتور محمد مصطفى الأعظمى فى كتابة: "دراسات فى الحديث النبوى"، والدكتور امتياز أحمد فى كتابه: "دلائل التوثيق المبكر للسنة والحديث"، والدكتور رفعت فوزى عبد المطلب فى كتابه: "توثيق السنة فى القرن الثانى الهجرى أسسه واتجاهاته) وغيرهم. نماذج من أشهر ما كتب من السنة النبوية فى حياة النبى ﷺ وبعده إلى زمن التدوين الرسمى: ١- ما ورد عن أبى هريرة ﵁: أنه لما فتح الله على رسوله ﷺ مكة قام الرسول ﷺ وخطب فى الناس، فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاة فقال: يا رسول الله اكتبوا لى، فقال: اكتبوا له" (٢) .

стр. 381

٢- وأيضاً كتابه ﷺ فى الصدقات والديات والفرائض والسنن، الذى أرسله إلى عمرو بن حزم (١) ، حين بعثه إلى اليمن، أخرجه النسائى، وأبو عبيد القاسم فى الأموال (٢) . ٣- وَكَتَبَ أبو بكر الصديق ﵁ لأنس بن مالك ﵁ فرائض الصدقة، الذى سنه رسول الله ﷺ لما وجهه إلى البحرين" (٣) .

стр. 382

٤- وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى عتبة بن فرقد (١) بأذربيجان كتاباً فيه أن رسول الله ﷺ نهى عن الحرير إلا هكذا، وأشار بأصبعيه اللتين تليان الإبهام" (٢) . ... ومع أن الفاروق عمر كان يوصف بأنه واحد من أشد المعارضين لكتابة الحديث، ومنع تدوينها كما يزعم غلاة الشيعة، إلا أننا على العكس نراه أول متثبت لكتابة الأحاديث بهمِّه بتدوين السنة المطهرة. فكان أول مقترح بتدوينها حفاظاً لها كما كان أول مقترح بتدوين القرآن الكريم تدويناً عاماً فى مكان واحد حفاظاً لكتاب الله زمن أبو بكر الصديق ﵁ ففى همِّه بكتابة السنة - ليس مجرد الكتابة -فهى كانت مكتوبة- وإنما المراد بالكتابة تدوينها تدويناً عاماً فى مكان واحد. وهذا الهمُّ بالتدوين فيه أبلغ حجة وأبلغ رد على غلاة الشيعة الزاعمين أن أهل السنة، وفى مقدمتهم أبى بكر وعمر-رضى الله عنهما-، كانوا من أنصار منع تدوين السنة. وهذا يكذبه الواقع، فعمر ﵁ عندما همَّ بتدوين السنة استشار فى ذلك أهل الحل والعقد فلم يتردد واحد منهم فى الموافقة كما جاء فى الأثر: "فأشاروا عليه بأن يكتبها" (٣) فإذا كان الأمر كما يزعمون فلماذا يَهِّمُ عمر ﵁ إذن بالتدوين؟ وعلام وافقوه كلهم على هذا؟ ألا يدل هذا الهمّ والموافقة على حجية السنة عندهم كما سبق (٤) .

стр. 383

ويدل على أنهم من أنصار تدوين السنة المطهرة، وحفظتها رغم أنف الرافضة! ولا يمكن أن نستنتج من همِّ عمر بالتدوين ثم عدوله عنه أنه لم يكن راغباً فى تدوين الأحاديث فى كتب أو أن التدوين منهى عنه، كلاَّ، إذ كيف يصح أن يهم بشئ منهى عنه ويوافقه عليه الصحابة أجمع؟ وكيف يرفض تدوين السنة فى حين أنه كتب إلى عُمَّاله كتاباً كما مر فى كتابه إلى عتبة بن فرقد ﵁؟ وهو القائل "قيدوا العلم بالكتاب" (١) ، وهو الجامع الوثائق الخاصة بالزكاة والخراج والمسائل المالية الأخرى (٢) ، وهو نفسه الذى أدخل نظام الدواوين فى الأعمال الرسمية (٣) . ... كل هذه الحقائق تدحض دعوى الرافضة - الذين امتلأت قلوبهم حقداً وبغضاً على الفاروق عمر ﵁، وزعمهم أنه تزعم دعوى منع تدوين السنة، وصار على دربه الصحابة فمن بعدهم من التابعين وسائر أئمة أهل السنة.

стр. 384

نعم إن السنة لم تدون فى عهد ابن الحطاب لأن التدوين منهى عنه، بل لعلة أساسية هى: إبعاد الأمة الإسلامية عن الخطأ الأثيم الذى ارتكبه أهل الكتاب من قبل بتبديل كتاب الله التوراة، والإنجيل بوصايا الرسل وجعلوها هى الكتب المنزَّلة (١) . كذلك حفاظاً على كتاب الله والتمكين له أولاً فى قلوب المؤمنين كما مر فى وصيته لقرظة بن كعب ﵁ وهو متوجه إلى الكوفة. ... لهذا خشى أن تدون السنة فينكب عليها المسلمون، ويتشاغلوا بها عن القرآن الكريم فيتشبهون بأهل الكتاب كما قال "ثم تذكرت فإذا أناس من أهل الكتاب من قبلكم قد كتبوا مع كتاب الله كتباً، فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإنى والله لا ألبس كتاب الله بشئ" (٢) . ... من أجل هذا فهو يمتنع عن التدوين بعد أن استشار، وظل يستخير ربه شهراً كاملاً. يقول فضيلة الأستاذ الدكتور طه حبيشى "وكان الصواب ما رأى عمر، فالعصر عصر صحابة للنبى ﷺ لا عصر تابعين، وهم أشبه ما يكون بحوارى عيسى ﵇، ولنا فى أهل الكتاب تجربة حين سجل أصحاب النبى عيسى ﵇ ما سمعوه وما رأوه، نسبت الأناجيل إليهم لا إلى عيسى ولا إلى الله، ... فكان الحذر والحيطة من عمر ﵁ بالعدول عن التدوين، إذ لو فعل لم يأمن أن تتعدد كتب السنة بتعدد قائليها، وتتنوع بتنوع أسماء كاتبيها، فتكون أناجيل فى الأمة، ويهمل الكتاب الأصلى الذى هو درة التاج وقلادة العقد لمن هذه البصيرة النافذة إن لم تكن لعمر بعد النبى ﷺ ؟ ولمن هذا القول الفصل إن لم يكن للفاروق بعد الرسول ﷺ ؟ ولمن هذا الحرص الشديد إن لم يكن لهذا الغيور على دينه؟

стр. 385

فياليت قومى يعلمون (١) أ. هـ. وعودة إلى أشهر ما كتب من السنة فى زمن النبوة وبعده إلى زمن التدوين الرسمى ٥- الصحيفة الصادقة التى كتبها جامعها عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عن رسول الله ﷺ ، وإن لم تصل هذه الصحيفة كما كتبها عبد الله بن عمرو بخطه فقد وصل إلينا محتواها، لأنها محفوظة فى مسند الإمام أحمد (٢) ، حتى ليصح أن نصفها بأنها أصدق وثيقة تاريخية تثبت كتابة الحديث على عهد رسول الله ﷺ ، ويزيدنا اطمئناناً إلى صحة هذه الوثيقة أنها كانت نتيجة طبيعة محتومة لفتوى النبى ﷺ لعبد الله بن عمرو، عندما أتى إلى النبى ﷺ وقال: "كنت أكتب كل شئ أسمعه منك أريد حفظه فنهتنى قريش وقالوا: أتكتب كل شئ تسمعه ورسول الله ﷺ بشر يتكلم فى الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتابة، (هنا يفتى النبى ﷺ فأومأ بأصبعه إلى فيه وقال: "اكتب، فوالذى نفسى بيده ما يخرج منه إلاَّ حق" (٣) . ... وآية اشتغال ابن عمرو بكتابة هذه الصحيفة وسواها من الصحف قول أبى هريرة ﵁: "ما من أصحاب رسول الله ﷺ أحد أكثر حديثاً عنه منى إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب" (٤) .

стр. 386

وهذا لا يعارضه ما روى أن أبى هريرة ﵁ كان يكتب، فعن الفضل بن الحسن بن عمرو بن أمية الضمرى (١) قال: "تحدثت عن أبى هريرة بحديث فأنكره فقلت إنى سمعته منك، فقال: إن كنت سمعته منى فهو مكتوب عندى، فأخذ بيدى إلى بيته فأرانا كتباً كثيرة من حديث رسول الله ﷺ ، فوجد ذلك الحديث، فقال: قد أخبرتك أنى إن كنت حدثتك به فهو مكتوب عندى" (٢) . ... ويمكن الجمع بين ذلك بأنه لم يكن يكتب فى العهد النبوى ثم كتب بعده. قال الحافظ ابن حجر: قلت: وأقوى من ذلك أنه لا يلزم من وجود الحديث مكتوباً عنده أن يكون بخطه، وقد ثبت أنه لم يكن يكتب، فتعينَّ أن المكتوب عنده بغير خطه" (٣) .

стр. 387

٦- والصحيفة الصحيحة التى كتبها همام بن منبه (١) ، زوج ابنة أبى هريرة ﵁ كتبها أمام أبى هريرة، ولهذه الصحيفة مكانة خاصة فى تدوين الحديث، لأنها وصلت إلينا كاملة سالمة كما رواها ودونها همَّام بن منبه عن أبى هريرة، فكانت جديرة باسم "الصحيفة الصحيحة" (٢) على مثال "الصحيفة الصادقة" لعبد الله بن عمرو بن العاص وقد سبقت الإشارة إليها. ونحب أن ننبه أن مصطلح "صحيفة وكتاب وجزء ونسخة ... إلخ لا يعنى بالضرورة "مجموعات صغيرة أو مذكرة عن الحديث" كما كان يعتقد أحياناً وهذا ما أكد صحته الدكتور امتياز أحمد فى كتابه "دلائل التوثيق المبكر للسنة" (٣) . ... وهذه الكتابات السابقة وغيرها الكثير (٤) ؛ تقطع بكتابة السنة المطهرة فى عصر النبوة والصحابة والتابعين (٥) .

стр. 388

وتؤكد ما سبق وأن ذكرناه فى التوفيق بين النهى عن كتابة السنة والإذن بكتابتها، وهو أن النهى دائر مع الخوف من علة النهى التى سبق تفصيلها، والإذن دائر مع الأمن منها (١) ... وهذا يؤكده أيضاً أن كل من نُقل عنه (أى من الصحابة والتابعين) النهى عن كتابة السنة فقد نُقل عنه عكس ذلك أيضاً (٢) ، ما عدا شخصاً أو شخصين، وقد ثبتت كتابتهم أو الكتابة عنهم، وبذلك صرح الدكتور محمد مصطفى الأعظمى (٣) ، وأكده باستفاضة فى كتابه (دراسات فى الحديث النبوى) حيث عقد الفصل الأول من الباب الرابع لبيان كتابة الصحابة ومن كتب عنهم فى حياتهم (٤) ، والفصل الثانى فى "كتابة كبار التابعين، ومن كتب عنهم فى حياتهم (٥) حتى زمن التدوين الرسمى فى عهد عمر بن عبد العزيز ﵁، بل وبعد زمنه أيضاً (٦) ... كل ذلك يؤكد الحقائق التى سبق ذكرها من الفرق بين الكتابة، والتدوين وأن عمر بن عبد العزيز حينما أمر بالتدوين الرسمى للسنة لم يبدأ من فراغ ولكنه اعتمد على أصول الكتابات - التى سبق ذكر بعضها وكانت تملأ أرجاء العالم الإسلامى.

стр. 389

وفى ذلك رد على الصنم الأكبر للمستشرقين (جولدتسيهر) ومن تابعه من بنى جنسه، وغيرهم من المفتونين بهم من أدعياء العلم: "من أنه ليس صحيحاً ما يقال أن الحديث وثيقة للإسلام فى عهده الأول.. إلخ" (١) . نقد قاعدة شاخت: ... وأبلغ رد على "جوزيف شاخت" فى أنه لا صحة لأى حديث منسوب للنبى ﷺ فى أحاديث الأحكام، وأن المجموعة الأولى من أحاديث الأحكام، قد نشأت فى منتصف القرن الثانى الهجرى. أبلغ رد عليه فى ذلك ما سبق ذكره من كتاب النبى ﷺ إلى واليه (عمرو بن حزم ﵁ والكتاب فى الصدقات، والديات، والفرائض، والسنن، أليس هذا الكتاب فى الأحكام الفقهية التى يشكك فيها شاخت؟ ... وكذلك كتاب عمر إلى عامله عتبة بن فرقد بالنهى عن الحرير، وكتابه فى الزكاة، والخراج، والمسائل المالية الأخرى. وكتاب أبى بكر لعامله أنس بن مالك لما وجهه إلى البحرين. أليس ذلك وغيره مما ذكرناه، من أحاديث الأحكام الفقهية التى يزعم "شاخت" ومن صار على دربه أنها نشأت فى منتصف القرن الثانى الهجرى؟!

стр. 390

.. ويقول الدكتور ظفر إسحاق الأنصارى (١) فى نقد قاعدة شاخت: "إن قراءة عابرة لكتاب (أصول الفقه المحمدى) لجوزيف شاخت توضح أن قاعدته فى البحث واستدلالاته سطحيان للغاية فقاعدته (المنهجية المزعومة) القائمة على إنكار وجود خبر أو أثر بناء على سكوت المصادر عنه، وهو ما يقوم عليه موقف شاخت من إنكار توثيق الأحاديث بصفة عامة. فقوله: "إن حديثاً ما سيعد غير موجود فى وقت من الأوقات إذا لم يحتج بذلك الحديث فى مواطن الخلاف حيث يكون الاستدلال به أمراً لازماً" (٢) . ... إنَّ التجاء شاخت إلى هذه الحجة بدا كأنه يوحى بأن علماء المسلمين فى القرون الأولى كانوا فى حالة (نقاش وجدل) مستمر، وهو افتراض يرفضه العقل السليم بداهة ولا تسلم لشاخت قاعدته إلا إذا سلمنا بالافتراضات الآتية: ١- أنه كلما ذكرت الأحكام الشرعية فى القرون الأولى من الهجرة المباركة ذكرت معها أدلتها المؤيدة، ولا سيما الأحاديث. ٢- أن الأحاديث المعروفة لفقيه ما (أو محدث) ينبغى أن تعرض بالضرورة عند كل فقهاء عصره ومحدثيه فى زمنه. ٣- أن جميع الأحاديث التى (نشرت) فى عهد معين، قد دونت تدويناً كاملاً، وصارت مشهورة على نطاق واسع، وأصبحت محفوظة تماماً، بحيث أننا إذا لم نجد حديثاً فى كتاب من كتب أحد العلماء المعروفين فهذا يعنى بالضرورة، عدم وجود ذلك الحديث فى عهده، سواء فى منطقته أو فى سائر أنحاء العالم الإسلامى آنذاك. ... ولا يسلم واحد من هذه الافتراضات مع الشهادات التاريخية والحقائق المعروفة فى تلك القرون الأولى.
следующие страницы →