.. مع أن احتمال دخول المعاملات فى الحديث كأحد الاحتمالات مستبعد أصالة وابتداء (١) ؛ لأن المعاملات كما يفهم من معناها علاقة الأفراد والجماعات بعضهم ببعض فيما يتعلق بمعاشهم، وهذه العلاقة تحكمها دائماً قواعد وأصول وضوابط، لئلا يحيف بعض الأطراف على بعض، والأمم غير الإسلامية وضعت لذلك قوانين، والإسلام وضع لها أرقى أنواع التشريع وليس من المعقول أن الله الذى أنزل أطول آياته فى القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا
стр. 562
إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١) وحدد فيها كتابة الدين، ومواصفات الكاتب وواجباته، وحق المدين فى الإملاء، وإملاء وليه فى حالة عدم صلاحيته، وصفات الشهود، وشروطهم، وواجباتهم، وقال تعالى: "ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ". ليس من المعقول أن الله الذى اهتم بالدَّين هذا الاهتمام يترك البيع والشراء وتفصيل الربا، والرهن، والشركة وغيرها من المعاملات دون تشريع.
... هل يعقل أن يترك البشرية هَمَلاً يأكل بعضهم مال بعض ظلماً وعدواناً تحت عنوان "أنتم أعلم بشئون دنياكم"؟
... هل يعقل مسلم أن يترك الله تعالى هذه القوانين لمحمد ﷺ دون رقابة أو تصحيح؟ فيخطئ، فتعمل الأمة مجتمعة بالخطأ أربعة عشر قرناً حتى يبعث الله لها من يرعى مصالحها، ويخالف حكم محمد ﷺ ؟ أظن أن العقل المسلم يستبعد ذلك كل الاستبعاد.
... يقول فضيلة الأستاذ الدكتور موسى شاهين: "بقى فى نفسى تساؤل بخصوص حديث تأبير النخل ربما يثور فى نفوس البعض، هو: لماذا ألهم الله رسوله ﷺ أن يشير عليهم بهذه الإشارة مع أنها لم تكن فى مصلحتهم؟
ولماذا جعلهم الله يستسلمون لمجرد الإشارة، وهم المعروفون بالمراجعة والنقاش وكثرة السؤال؟
... ولماذا لم يتدارك الله هذه المشورة بالتصحيح قبل أن تنتج شيصاً للمسلمين يسخر منه اليهود، وأعداء الإسلام حين يصح نخلهم ويسوء نخل المسلمين بسبب مشورة نبيهم ﷺ ؟؟.
... وسنحاول تلمس حكمة لهذه الحادثة، فإن حصلت بها قناعة واطمئنان فالحمد لله، وإلاَّ فنحن مؤمنون أرسخ الإيمان بأن لله فى ذلك حكمة، وهو الحكيم الخبير. ولعل الحكمة فى ذلك تدور حول ثلاث أمور:
стр. 563
أولاً: صرف بلاء الأعداء عن المؤمنين الذين لم تقوا شوكتهم بعد. ألم يكن من الجائز أن يطمع الكافرون فى المدينة وتمرها، فيهاجموها من أجل نزول محمد ﷺ فيها؟ فخروج التمر شيصاً جعلها غير مطمع، وصرف الله بذلك هجوم الكافرين حتى يستعد المؤمنون؟ احتمال.
ثانياً: تعليمهم الأخذ بأسباب الحياة بهذا الدرس العملى الذى كان قاسياً عليهم فتنافسوا بعده فى أسباب الحياة.
ثالثاً: اختبارهم فى صدق إيمانهم، فهذه الحادثة حتى اليوم فى هذا البحث ابتلاء واختبار، وقد نجح الصحابة رضوان الله عليهم فى هذا الاختبار القاسى - وهم فى أول الإيمان، نجاحاً باهراً، فقد استمروا فى طاعة أوامره ﷺ ، ولم يرد إلينا ردة أحد بسببها، بل لم يرد عتاب أحد منهم لرسول الله ﷺ عليها رغم خسارتها، مما يشهد لهم بالإيمان الصادق المتين (١) . ولعل تلك الحكمة الأخيرة هى أوجه الحكم فى هذه الحادثة. والله أعلم بحكمته.
... وبعد: إذا كانت عصمة النبى ﷺ دليل على حجية الكتاب، والسنة معاً، فلننتقل إلى الدليل الثانى من أدلة حجية السنة، وهو القرآن الكريم.
стр. 564
المطلب الثانى: من أدلة حجية السنة المطهرة القرآن الكريم
يقول فضيلة الأستاذ الدكتور مروان شاهين: لقد اشتدت عناية القرآن الكريم بتلك المسألة فوَّجه إليها آيات كثيرة تنوعت بين آيات تأمر فى وضوح بوجوب الإيمان به ﷺ ، وبين آيات أخرى تأمر بوجوب طاعته، طاعة مطلقة، فيما يأمر به، وينهى عنه، وبين آيات أخرى تنهى عن مخالفته وتحذِّر من ذلك وتبين جزاء المنافقين المرجفين فى دين الله العاملين على هدم كيان السنة النبوية، والذين حصروا معنى الآيات الواردة فى طاعة الرسول ﷺ ، فى طاعته فى القرآن الكريم فقط (١) .
... ونحن لن نستطيع ذكر هذه الآيات كلها - وإلا طال المقام بنا جداً، ولكننا سننبه إلى بعض هذه الآيات فقط، ودلالتها على حجية السنة النبوية الشريفة ووجوب التمسك بها (٢) .
стр. 565
١- من هذه الآيات قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ (١) .
٢- وقوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٢) فمقتضى ذلك أن نؤمن بالله وبرسوله، والإيمان معناه هنا التصديق والإذعان برسالتهصلى الله عليه وسلموبجميع ما جاء به من عند اللهعز وجلمن كتاب وسنة، بمقتضى عصمته التى توجب التصديق بكل ما يخبر به عن رب العزة.كقوله ﷺ فى حق القرآن:"هذا كلام الله ، وقوله فى الأحاديث القدسية:"قال رب العزة كذا"أو نحو هذه العبارة وقوله ﷺ :"ألا إنى أوتيت القرآن ومثله معه"وقد سبق تفصيل ذلك قريباً فى مبحث العصمة (٣) فالإيمان بالرسول ﷺ جزء من الإيمان بالله تعالى، والشك والارتياب فى ذلك الإيمان، شك وارتياب فى الإيمان بالله ورسوله معاً، وحينئذ لا يكون هناك إيمان أبداً.
يقول الإمام الشافعى فى رسالته: "فجعل كمال ابتداء الإيمان، الذى ما سواه تبع له الإيمان بالله ثم برسوله، فلو آمن عبد به، ولم يؤمن برسوله ﷺ : لم يقع عليه اسم كمال الإيمان أبداً، حتى يؤمن برسوله معه (٤) ، ومن هنا وجبت طاعة الرسول ﷺ بمقتضى هذا الإيمان - فى كل ما يبلِّغه عن ربه، سواء ورد ذكره فى القرآن أم لا.
стр. 566
.. يقول الإمام الشافعى: "وما سنَّ رسول الله فيما ليس لله فيه حكم: فبحكم الله سنَّه، وكذلك أخبرنا الله فى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١) ، وقد سن رسول الله مع كتاب الله، وسن فيما ليس فيه بعينه نص كتاب. وكل ما سن فقد ألزمنا الله اتباعه، وجعل فى اتباعه طاعته، وفى العدول عن اتباعها معصيته التى لم يعذر بها خلقاً، ولم يجعل له من اتباع سنن رسول الله مخرجاً" (٢) .
٣- ومن أهم الآيات دلالة على حجية السنة، ووجوب التمسك بها قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣) يقول ابن قيم الجوزية: "أقسم سبحانه بنفسه، وأكده بالنفى قبله على نفى الإيمان عن العباد، حتى يحكِّموا رسوله فى كل ما شجر بينهم، من الدقيق والجليل، ولم يكتف فى إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده، حتى ينتفى عن صدورهم الحرج والضيق عن قضائه وحكمه، ولم يكتف منهم أيضاً بذلك حتى يسلموا تسليما، وينقادوا انقيادا (٤) .
... ويقول أيضاً فى مختصر الصواعق المرسلة: "فقد أقسم الله سبحانه بنفسه على نفى الإيمان عن هؤلاء الذين يقدمون العقل على ما جاء به الرسول ﷺ ، وقد شهدوا هم على أنفسهم بأنهم غير مؤمنين بمعناه، وإن آمنوا بلفظه" (٥) .
... ويقول فى موضع آخر: "وفرض تحكيمه، لم يسقط بموته، بل ثابت بعد موته، كما كان ثابتاً فى حياته، وليس تحكيمه مختصاً بالعمليات دون العلميات كما يقوله أهل الزيغ والإلحاد (٦) .
стр. 567
٤- ويقول رب العزة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١) ودلالة الآية على حجية السنة من عدة وجوه:
أولاً: النداء بوصف الإيمان فى مستهل الآية: "يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا " ومعنى ذلك أن المؤمنين لا يستحقون أن ينادوا بصفة الإيمان إلا إذا نفذوا ما بعد النداء وهو طاعة الله تعالى، وطاعة رسول الله ﷺ ، وأولى الأمر (٢) .
ثانياً: تكرار الفعل "أَطِيعُوا " مع الله ، ومع رسوله ﷺ ، وتكرار ذلك فى آيات كثيرة وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا (٣) وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٤) .
... يقول الإمام الشاطبى: "تكراره الفعل "وَأَطِيعُوا" يدل على عموم الطاعة بما أتى به مما فى الكتاب، ومما ليس فيه مما هو من سنته" (٥) .
стр. 568
.. وقال العلامة الألوسى: "... وأعاد الفعل: "وَأَطِيعُوا" وإن كان طاعة الرسول مقرونة بطاعة الله ، اعتناءً بشأنه ﷺ وقطعاً لتوهم أنه لا يجب امتثال ما ليس فى القرآن، وإيذاناً بأن له ﷺ استقلالاً بالطاعة لم يثبت لغيره، ومن ثم لم يعد فى قوله: "وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ " إيذاناً بأنهم لا استقلال لهم فيها استقلال الرسول ﷺ (١) ، بل طاعتنا لهم مرتبطة بطاعتهم هم لله ورسوله، فإن هم أطاعوا الله ورسوله فلهم علينا حق السمع والطاعة وإلا فلا، لأنه لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق (٢) .
... ومما هو جدير بالذكر هنا أن فرض الله طاعة رسوله ليست له وحده بل هى حق الأنبياء جميعاً قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٣) . فرب العزة ﷻ يقرر هنا قاعدة:"أن كل رسول جاء من عنده ﷻ يجب أن يطاع"
... ولماذا لا يطاع هذا الرسول الذى جاء بالمنهج الحق الذى يصلح الخلل فى تلك البيئة التى أرسل إليها؟ إن عدم الطاعة حينئذ – هو نوع من العناد والجحود والتكبر. كما أن فى عدم الطاعة اتهاماً للرسالة بالقصور، واتهاماً للرسول فى عصمته من الكذب فى كل ما يبلغ به عن ربه من كتاب أخبرنا عنه بقوله "هذا كتاب الله"، ومن سنة مطهرة أخبرنا عنها بقوله: "أوتيت القرآن ومثله معه" (٤) وقوله: "وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله" (٥) .
стр. 569
٣- ثالث الوجوه دلالةً على حجية السنة من آية النساء قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ؛ فالرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إليه نفسه فى حياته، وإلى سنته بعد وفاته (١) . وعلى هذا المعنى إجماع الناس كما قال ابن قيم الجوزية (٢) .
... وتعليق الرد إلى الكتاب والسنة على الإيمان كما فى قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ يعنى أن الذين يردون التنازع فى مسائل دينهم وحياتهم، دقها وجلها، جليها وخفيها – إلى كتاب الله، وإلى سنة رسول الله ﷺ ، هم فقط المؤمنون حقاً كما وصفتهم بذلك الآية الكريمة، أما غيرهم فلا ينطبق هذا الوصف عليهم.
стр. 570
.. ثم يحدثنا الله تعالى بعد هذه الآية مباشرة، عن أناس يزعمون أنهم يؤمنون بالله ورسوله. ومقتضى هذا الإيمان أن يحكموا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فى كل شئون حياتهم - ولكنهم - لا يفعلون ذلك وإنما يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت مع أنهم قد أمروا أن يكفرو به قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ (١) . ففى نهاية الأمر حكم الله تعالى على من يعرض عن حكم الله تعالى ورسوله ويتحاكم إلى الطواغيت بأنهم منافقون (٢) ، وصدق رب العزة: ﴿وَيَقُولُونَءَامَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٣) .
стр. 571
.. ويتأكد هذا المعنى جلياً فى قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (١) "فأخبر سبحانه أنه ليس لمؤمن أن يختار يعد قضائه ﷻ وقضاء ورسوله ﷺ ، ومن تخير بعد ذلك فقد ضل ضلالاً مبيناً" (٢) .
стр. 572
.. ونختم المطاف مع الآيات الدالة على وجوب طاعة الرسول ﷺ طاعة مطلقة فيما يأمر به، وينهى عنه، بقوله تعالى: ﴿وَمَاءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) وهناك آيات كثيرة لم نتعرض لذكرها خشية الإطالة. فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى الآيات التى تحذر من معصية الرسول ﷺ وتنهى عن مخالفته نجدها كثيرة ونشير أيضاً إلى بعضها قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (٣) .
стр. 573
.. وفى سورة التوبة قال تعالى ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ (١) وفى سورة النور قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) .
أين أمر رسول الله ﷺ فى القرآن، لمن زعموا أن آيات طاعة الرسول فى القرآن مراد بها طاعته فى القرآن فقط؟ ٠
وفى سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ (٣) .
... وفى سورة محمد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٤) .
стр. 574
.. وفى سورة المجادلة قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَاءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (١) . وفى سورة المجادلة أيضاً قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ (٢) إن الآيات السابقة تصرح بأن مخالفة منهج الله ورسوله، يدخل النار، ويورث الذل، والخزى، والفتنة، والكبت، ويحبط العمل. فليختر المسلم لنفسه ما يشاء (٣) أ. هـ.
المطلب الثالث: من أدلة حجية السنة، السنة النبوية نفسها
... الأحاديث الدالة على حجية السنة كثيرة منها قوله ﷺ : "ألا إنى أُوتيتُ القُرآن ومِثْلَهُ مَعَهُ ألا يُوشكُ رجُلُ شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وَجَدْتُمْ فيه من حَلاَلٍ فأحلُّوهُ، وما وجدتم فيه من حرام فَحرِّمُوهُ، ألا لا يَحلُّ لكم الحمار الأَهْلِى، ولا كُلُّ ذى ناب من السِّبَاع، ولا لُقَطَةُ مُعَاهِد، إلا أن يستغنى عنها صاحبها".
... وهذا الحديث صحيح ثابت لا مطعن فيه، لا من جهة النقل والرواية، ولا من جهة العقل والدراية (٤) .
أما النقل والرواية فالحديث صحيح رواه الأئمة أبو داود، والترمذى، وابن ماجة، والدارمى فى سننهم (٥) .
стр. 575
.. وأما العقل والدراية: فإن بناء الفعل للمجهول "أوتيت" يدل على أن الله تعالى أعطى لرسوله ﷺ القرآن ومثله معه. فما هو المماثل للقرآن الذى تلقاه الرسول ﷺ عن ربه؟ لا يمكن أن يكون هذا المماثل شيئاً غير السنة الشريفة؛ لأن الرسول ﷺ جاءنا بهذين الأصلين معاً القرآن والسنة – ولم يأتنا بشئ غيرهما – علماً بأن الحديث القدسى مندرج فى السنة الشريفة (١) . وقد دل على هذا الفهم القرآن الكريم، مما سبق ذكره من الآيات الكريمات الدالة على حجية السنة.ودل على ذلك الفهم أيضاً الأحاديث المتكاثرة التى تؤيد هذا المعنى.
نقول هذا رداً على المرجفين فى دين الله العاملين على هدم كيان السنة المطهرة، الطاعنين فى صحة الحديث، وفى معناه (٢) .
أما الأحاديث التى تؤيد المعنى السابق، وتؤكد حجية السنة المطهرة، قوله ﷺ : "نضر الله امرءاً منا شيئاً، فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع (٣) . ووجه دلالة الحديث على حجية السنة كما يراها كبار العلماء: "أن رسول الله ﷺ ندب إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها ... فدل على أنه لا يأمر أن يؤدى عنه، إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه؛ لأنه إنما يؤدى عنه حلال يؤتى، وحرام يجتنب، وحد يقام، ومال يؤخذ ويعطى، ونصيحة فى دين ودنيا" (٤) .
стр. 576
.. وقال الإمام البيهقى: "لولا ثبوت الحجة بالسنة لما قال ﷺ فى خطبته، بعد تعليم من شهده أمر دينهم: "ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع" (١) .
وعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :"ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم" (٢) وهذا يؤكد قوله تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ (٣) وقال ﷺ : "كل أمتى يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: "من أطاعنى؛ دخل الجنة، ومن عصانى؛ فقد أبى" (٤) .
... وهذا يؤكد ما سبق ذكره من الآيات الدالة على أن طاعة رسول الله ﷺ طاعة مستقلة. والأحاديث غير ذلك كثيرة (٥) ، مرت الإشارة إلى بعضها. كحديث "عليكم بسنتى" (٦) وغيره (٧) أ. هـ. والله تعالى أعلى وأعلم.
стр. 577
المطلب الرابع: من أدلة حجية السنة النبوية الشريفة الإجماع
... أجمعت أمة الإسلام من الصحابة - رضى الله عنهم أجمعين -، والتابعين، والأئمة المجتهدين، وسائر علماء المسلمين من بعدهم إلى يومنا الحاضر، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ على حجية السنة النبوية، ووجوب التمسك بها، والعض عليها بالنواجذ، والتحاكم إليها، وضرورة تطبيقها، والسير على هديها فى كل جوانب حياة المسلمين، ولم يمار فى هذه الحقيقة الساطعة إلا نفر ممن لا يعتد بخروجهم على إجماع الأمة من الخوارج، والروافض، ومن أحيا مذاهبهم من دعاة الإلحاد فى عصرنا. قال الإمام الشوكانى – ﵀: "إن ثبوت حجية السنة المطهرة، واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف فى ذلك إلا من لاحظَّ له فى دين الإسلام" (١) .
... فالكتب الإسلامية المعتمدة كلها، تزخر بشتى الأدلة التى تشهد، بأن علماء الأمة الأجلاَّء متفقون اتفاقاً يقينياً منذ عصر الرسول ﷺ حتى يومنا هذا، على وجوب الاحتكام إلى السنة المطهرة، إن تعذَّر العثورُ على الدليل فى القرآن الكريم، وعدم تجاوزها أبداً إلى غيرها من الأدلة الأخرى التى أشار إليها القرآن إن وجد الدليل فيها، بل كان الواحد منهم يرجع عن اجتهاده فوراً وبدون أدنى تردد، حينما يجد حديثاً صحيحاً عن رسول الله ﷺ يخالف ما أفتى به (٢) . وقد دللنا فيما سبق على ذلك، ولا داعى لإعادة الأدلة وهنا أو سرد أكثر مما ذكرنا فى هذا المقام سابقاً (٣) .
стр. 578
.. وعلى ذلك أيضاً تشهد كتب علم الكلام، وعلم الأصول: يقول الدكتور عبد الغنى عبد الخالق ﵀: "لا نجد فى كتب الغزالى، والآمدى، وفخر الدين الرازى، والجوينى، وأبى الحسين المعتزلى، والسرخسى، وجميع من اتبع طرقهم فى التأليف،: من الأصوليين تصريحاً ولا تلويحاً: بأن فى هذه المسألة خلافاً. وهم الذين استقصوا كتب السابقين ومذاهبهم، وتتبعوا الاختلافات حتى الشاذة منهم، واعتنوا بالرد عليها أشد الاعتناء. بل نجدهم - فى هذه المسألة - لا يهتمون بإقامة دليل عليها، وكأنهم قصدوا بعدم التصريح بإقامة دليل عليها: إكبارها وإجلالها، وإعظام شأنها عن أن ينازع فيها منازع، أو يتوقف فيها متوقف (١) .
فصاحب المُسلم وشارحه يقولان: "إن حجية الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، من علم الكلام، لكن تعرض الأصولى لحجية الإجماع، والقياس؛ لأنهما كثر فيهما الشغب من الحمقى؛ من الخوارج، والروافض: خذلهم الله تعالى.
وأما حجية الكتاب والسنة: فمتفق عليها عند الأمة: ممن يدعى التدين كافة فلا حاجة إلى الذكر (٢) .
стр. 579
يقول الدكتور عبد الغنى عبد الخالق وليت شعرى، كيف يتصور: أن يكون نزاع فى هذه المسألة بين المسلمين، وأن يأتى رجل: فى رأسه عقل، ويقول: أنا مسلم، ثم ينازع فى حجية السنة بجملتها؟ مع أن ذلك مما يترتب عليه عدم اعترافه بالدين الإسلامى كله من أولة إلى آخره. فإن أساس هذا الدين هو الكتاب، ولا يمكن القول بأنه كلام الله مع إنكار حجية السنة جملة، فإن كونه كلام الله، لم يثبت إلا بقول الرسول الذى ثبت صدقه بالمعجزة: "إن (هذا كلام الله وكتابه) " وقول الرسول (هذا من السنة) التى يزعم: أنها ليست بحجة. فهل هذا إلا إلحاد وزندقة، وإنكار للضرورى من الدين: يقصد به تقويض الدين من أساسه؟
... وهل إنكار حجية شئ من أقواله، أو أفعاله، أو تقريراته ﷺ بعد الاعتراف بعصمته التى ذكرناها: إلا القول: بوجود الليل، مع الاعتراف بطلوع الشمس (١) ؟!
стр. 580
أعداء الإسلام وطعنهم فى حجية الإجماع الدال على حجية السنة والرد عليهم
... ومما هو جدير بالذكر هنا، أن ذيول الحمقى من الخوارج، والروافض فى عصرنا الحاضر، أكثروا من الشغب فى حجية الإجماع، وهم يشككون فى حجية السنة، ويطعنون فى الشريعة الإسلامية (١) .
دليل حجية الإجماع:
стр. 581
وحجية الإجماع وعدمه، مسألة قتلها علماء الأصول والكلام بحثاً وخلاصة القول كما فى فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت: "أن الإجماع حجة قطعاً، ويفيد العلم الجازم عند الجميع من أهل القبلة، ولا يعتد بشرذمة من الحمقى الخوارج، والشيعة، والنظام من المعتزلة، لأنهم حادثون بعد الاتفاق يشككون فى ضروريات الدين؛ مثل السوفسطائية فى الضروريات العقلية" (١) .
يقول الآمدى: "وقد احتج أهل الحق فى ذلك بالكتاب والسنة والمعقول" (٢) .أما من الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٣) .
стр. 582
.. وهذه الآية هى أقوى الأدلة وبها تمسك الإمام الشافعى –﵀ ووجه الاحتجاج بها، جمع الله تعالى بين مشاقة الرسول، واتباع غير سبيل المؤمنين فى الوعيد، فلو كان اتباع غير سبيل المؤمنين مباحاً لما جمع بينه وبين المحرم من مشاقة الرسول ﷺ ، فى التوعد كما لا يحسن التوعد على الجمع بين الكفر وأكل الخبز المباح؛ فثبت أن متابعة غير سبيل المؤمنين محظورة، ومتابعة غير سبيل المؤمنين: عبارة عن متابعة قول أو فتوى غير قولهم، وفتواهم. وإذا كانت تلك محظورة، وجب أن تكون متابعة قولهم وفتواهم واجبة (١) .
стр. 583
.. ومن السنة قوله ﷺ : "إن الله لا يجمع أمتى أو قال أمة محمد ﷺ على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار" (١) وقال ﷺ : "...عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة؛ فليلزم الجماعة، من سرته حسنته وساءته سيئته؛ فذلك المؤمن" (٢) .
стр. 584
.. أما دليل العقل: فيقول إمام الحرمين الجوينى: "والدليل على كونه حجة أنا وجدنا العصور الماضية، والأمم المنقرضة متفقة على تبكيت من يخالف إجماع العلماء، علماء الدهر، فلم يزالوا ينسبون المخالف إلى المروق، والمحادة، والعقوق، ولا يعدون ذلك أمر هيناً بل يرون الاجتراء على مخالفة العلماء ضلالاً مبيناً (١) ، ويستحيل أن يكون ذلك إلا لدلالة أو أمارة وإلا استحال اتفاقهم على المنع من مخالفته (٢) . أ. هـ. والله أعلم.
стр. 585
المطلب الخامس: من أدلة حجية السنة المطهرة العقل والنظر
لقد دلّ الاستقراء على أن الكتاب العزيز فرض على الناس فرائضَ مجملة تحتاج إلى تفسير، وشرح وبيان، كأداء الصلاة، وإيتاء الزكاة، والقيام بمناسك الحج. لذلك، فقد ذهب العلماء، والمحققون (دون اعتبار لقول من شذ من المرجفين فى دين الله تعالى، العاملين على هدم كيان السنة النبوية) (١) إلى أنه يتحتم شرعاً وعقلاً الرجوع إلى السنة لتفصيل مجمله وبيان كيفية أدائه لوضع الصور التطبيقية لتوجيهاته.
ومما يستعان به فى تأييد ذلك:
١- ما روى أن رجلاً قال لعمران بن حصين ﵁: لا تحدثونا إلا بالقرآن، فقال له عمران: "إنك امرؤ أحمق: أتجد فى كتاب الله الظهر أربعاً لا تجهر فيها بالقراءة؟ ثم عدد عليه الصلاة والزكاة، ونحو هذا، ثم قال: "أتجد هذا فى كتاب الله مفسَّراً؟ إن كتاب الله أبهم هذا، وإن السنَّة تفسِّر ذلك (٢) .
стр. 586
٢- وروى أن رجلاً قال لمطرف بن عبد الله بن الشخير (١) : لا تحدثونا إلا بالقرآن، فقال له مطرف: "والله ما نريد بالقرآن بدلاً، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا".
٣- وفى هذا المعنى قال الأوزاعى: "الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب". قال ابن عبد البر: "يريد أنها تقضى عليه - أى تفصل فيه - وتبين المراد منه" (٢) .
٤- وقال يحيى بن أبى كثير: "السنة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب قاضياً على السنة" (٣) .
ويوضح الإمام الشاطبى ما يقصد العلماء بقولهم إن السنة قاضية على الكتاب فيقول: "الجواب أن قضاء السنة على الكتاب ليس بمعنى تقدمها عليه، واطراح الكتاب، بل إن ذلك المعبر فى السنة هو المراد فى الكتاب، فكأن السنة بمنزلة التفسير، والشرح لمعانى أحكام الكتاب (٤) .
وهذا ما صرح به الإمام أحمد-﵀-وتحاشا أدباً لفظ (قاضية على الكتاب) عندما سئل عن الأثر السابق فقال:"ما أجسر على هذا أن أقوله، ولكن السنة تفسر الكتاب وتبيِّنهُ" (٥) .
стр. 587
ماذا لو اكتفينا بالإستناد إلى القرآن وحده، ولم نعبأ بالسنة المطهرة
... ثم لو سلمنا جدلاً أنه يكفى الاستناد إلى القرآن وحده، ولم نعبأ بالسنة أبداً، وتركنا القرآن يخطئ فيه المخطئون، ويتعمد فيه الكذب الكاذبون، ويتلاعب فيه الملحدون الذين طمس الله على قلوبهم وأعمى بصيرتهم، ويخوض فيه المنافقون بما يمليه عليهم رؤساؤهم وشياطينهم، ويعبث فيه أهل الأهواء والبدع والضلال، بما تسوله لهم نفوسهم.
هل يزول الخلاف بين الناس أم يزيد؟ مما لا ريب فيه أنه يزيد (١) لأن هؤلاء الذين يزعمون أنهم قادرون على استنباط كل شئ من القرآن الشريف بدون رجوع إلى بيان صاحب الرسالة ﷺ . نراهم يكثرون من المسائل العجيبة التى استنبطوها بزعمهم من القرآن، ومن الغرائب أن كثيراً من الأحكام التى يردونها لثبوتها بالسنة نجد أصلها موجوداً فىالقرآن الكريم عند
إمعان النظر، وأغرب من ذلك تناقضهم واختلافهم فى ما يستنبطون من القرآن، فكل واحد منهم مستقل بنفسه مخالف للآخر (٢) . بحيث تراهم فى سذاجتهم وتدليسهم يعبثون بعقول الناس غاية العبث، يدخلون على الشريعة أموراً ليست منها، ويخرجون منها أموراً هى من أساساتها. ودونك الأمثلة:
стр. 588
نماذج من المسائل العجيبة التى استنبطها أعداء السنة من القرآن الكريم بدون
رجوعهم إلى بيان النبى ﷺ ، واستعراض بدائهم عن السنة المطهرة
... الذين يقولون: إن القرآن قد احتوى على كل شئ وفصله تفصيلاً، ولا داعى للسنة، لو أنك واجهتهم بالصلاة، وكيفية أدائها، لرأيت بعضهم يقول: "إن القرآن يفرض على المسلم أن يصلى فى كل وقت من أوقات الصلاة أكثر من ركعة، ولم يحدد له عدداً مخصوصاً وتركه يتصرف كما يشاء" وبعبارة أخرى: إن الإنسان يجب عليه أن يصلى ركعتين على الأقل، وله أن يزيد على ذلك ما شاء أن يزيد بحيث لا يخرج عن الاعتدال والقصد ... وبعد ذلك فللمسلم الاختيار فيما يفعل على حسب ما يجده من نفسه ومن قوته، أما الصلاة المعروفة اليوم بمواقيتها وهيئاتها، فما كان يعرفها الرسول نفسه ولا أصحابه، وهى غير واجبة على الأمة الإسلامية فى جميع الأزمنة والأمكنة، أو فهى لا تدل على وجوب ما فوق الركعتين" (١) .
... وفى موضع آخر يقول: "وإذا فليس عندنا دليل قطعى على وجوب هذه الأعداد - من الصلوات والركعات - والله لا يتعبدنا بالظن، وحيث أن هذا الأمر لم يصل إلينا بالتواتر القولى دل ذلك على أن الله لا يريد منا المحافظة على هذه الأعداد والاستماتة عليها وهو المطلوب" (٢) .
... فإذا كان الدكتور توفيق صدقى لا يؤمن بالصلاة المعروفة اليوم؛ لأنها متواترة عملاً لا قولاً فى نظره، نجد آخر على مذهبه يؤمن بالصلاة المعروفة اليوم بمواقيتها وعددها وهيئتها ... إلخ ويكفيه نقلها بالتواتر العملى (٣) . وهو ما لم يكف توفيق صدقى!
стр. 589
وقائل آخر يذهب إلى أن كيفية أداء الصلاة لم تأت مفصلة فى الشريعة الإسلامية فى كتاب الله ، وإنما جاءت مفصلة فى شريعة أخرى، وهى شريعة سيدنا إبراهيم-﵇، فإذا سألت وكيف نقلت إلينا شريعة إبراهيم وأين هى؟! ومن أولئك الذين نقلوها؟ قالوا لك: لقد نقلت إلينا جيلاً بعد جيل، وتوارثها الذين نقولها أبو جهل، وأبو لهب، وغيرهم من مشركى قريش، كانوا يؤدون الصلوات الخمس مثلنا تماماً ويحجون مثلنا (١) .
وإذا كان توفيق صدقى يذهب إلى أن عدد الركعات فى كل صلاة لا يقل عن ركعتين، وإنما يزيد وأجاز تلك الزيادة على حسب ما يجده الإنسان من وقته. نرى آخر يرفض كل ما سبق، ويلزم بأن الصلوات كلها واحدة ركعتين ركعتين (٢) .
وإذا تأملنا فى الصلوات المفروضة عندهم لرأينا ما يضحك ويبكىمن التناقض البين فيما يستنبطون بفهمهم السقيم من كتاب الله فالصلوات المفروضة عند بعضهم أربع، وعند آخر ست.
... أما من قال هى أربع: فقال: هى طرفى النهار أى فى (أولة) وهى صلاة الصبح، وآخر النهار، وهى صلاة المغرب، وطرفى الليل أى فى أوله، وهى صلاة الفجر، وفى آخره وهى صلاة العشاء.
... أما صلاة الظهر فهى عنده من الفروض التى لا ذكر لها فى القرآن، وهى من الفروض التى زادها أعداء الإسلام (٣) ، هكذا يهزي محمد نجيب فى كتابه (الصلاة) (٤) .
... أما من يقول بأنها ست فيزيد على الصلوات الأربع السابقة صلاتى الظهر والليل، أما الظهر؛ فهى تبدأ عنده من ساعة توسط الشمس (كبد) السماء، وإلى أن يصير ظل كل شئ مثله!
стр. 590
.. أما صلاة الليل فهى عنده اثنتين صلاة الليل الأولى، وتبدأ من دلوك الشمس إلى (الغسق) باستمرار غير منقطع، والثانية وهى من غياب الشفق إلى منتصف الليل، هذا فضلاً عن صلاة قيام الليل وهى مندوبة عنده (١) .
... أما أحمد صبحى منصور فيذهب إلى: "أن فرائض الصلاة وركعاتها معروفة للعرب مثل معرفتهم لأيام الأسبوع، فإن القرآن يذكر بعض الفرائض مثل الفجر، والظهر، والعشاء فى سياق حديثه عن تشريع آخر قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ (٢) .
... فتأمل هنا كيف يقر أحمد صبحى، وكذا من سبقه مصطفى المهدوى، بأن الظهر من فرائض الصلاة، وهى عندهم لها دليل من القرآن الكريم، وهو ما ينكره محمد نجيب ويصف، من يقول بذلك بأنه من أعداء الإسلام؟
... وعن قبلة المسلمين الأولى، والتى لا ذكر لها فى القرآن الكريم تراهم يتناقضون فى تحديدها حسب استنباط كل منهم من القرآن الكريم.
стр. 591
.. فيذهب محمد نجيب إلى: أن القبلة الأولى هى بيت الرسول ﷺ ، لا بيت المقدس، ويعلل ذلك بأنه: "قد ورد فى القرآن الكريم أن الله أمر سيدنا موسى وسيدنا هارون باتخاذ بيوتهما قبلة لهما وللمؤمنين عندما يصلون متجهين إليها قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) فكان لابد للرسول وللمسلمين معه أن يقتدوا بسيدنا موسى، ويتخذوا من بيت النبى الذى اختاره ليكون قبلة كما اتخذ موسى بيته قبلة (٢) ، ويذهب إلى أن تلك القبلة لم تنسخ فيقول: "والأمر بالقبلة الأولى ليس أمراً قد انتهى أمره فلا لزوم له فى القرآن إذ أنه أمر موجود ليتبعه المسلمون إذا اقتضى الأمر ذلك (٣) أ. هـ.
... هذا فى حين نرى مصطفى المهدوى يذهب إلى أن القبلة الأولى منسوخة، ويصرح بأن تلك القبلة الأولى لا علم له بها فيقول: "وكان الله –﵎ قد شاء أن يستقبل رسوله فى صلاته قبلة أخرى، الله أعلم بها حيث جعلها من سنة نبيه ثم نسخها بقرآن" (٤) .
... أما أحمد صبحى؛ فيقر بتوجه النبى ﷺ ، ومن آمن معه نحو بيت المقدس فيقول: "فالعرب مسلمون ومشركون كانوا يتوجهون فى الصلاة إلى الكعبة، وامتحنهم الله بأن أمرهم بالتوجه نحو القدس، وأطاع النبى والمؤمنون معه، وصبروا على أقاويل السفهاء، وبعد أن نجح النبى، والمؤمنون فى الاختبار نزل الوحى يجيب برجاء رسول الله بالعودة إلى التوجه للبيت الحرام (٥) أ. هـ.
... ولم يبين لنا أحمد صبحى من أين دليله فى توجه النبى ﷺ ومن آمن معه نحو بيت المقدس؟!!
стр. 592
ثم إن إقراره بذلك يتناقض مع عدم إيمانه بالنسخ فى الشريعة الإسلامية بمعنى الحذف والإلغاء (١) . حيث نسخ القرآن الكريم ما ورد فى السنة المطهرة من التوجه فى الصلاة أول الأمر إلى بيت المقدس.
... ومن طرائف أحمد صبحى منصور؛ أنه عندما زعم أن فرائض الصلاة وركعاتها كانت معروفة للعرب وعلينا اتباعها ذهب إلى أن: "تشريع الوضوء والطهارة والغسل والتيمم لم يكن معروفاً من قبل (أى فى الجاهلية) وجاء بيانه فى آيتين فى المدينة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا (٢) فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (٣) وهذا يعنى أن أهل الجاهلية وهم يعرفون الصلاة بركعاتها وهيئتها ... إلخ كانوا يصلون من غير طهارة؟!!
... ولأن الدليل الإسلامى على تشريع الوضوء والطهارة ... إلخ مدنى كما فى آية النساء، وكذا آية المائدة (٤) . فالمسلمون أيضاً طوال الفترة المكية كانوا يصلون من غير طهارة؟!!
стр. 593
ونقول لهؤلاء جميعاً ما زعمتموه عبثاً من أن الصلوات المفروضة على المسلمين فى اليوم والليلة، إنما هى مرتان أو أربع أو ست، وأن طريقة الصلاة كذا وكذا لا كما يصليها المسلمون.
فالواجب عليكم أن تثبتوا لنا أن النبى ﷺ ، وأصحابه، ما كانوا يصلون فى اليوم والليلة إلا مرتين، أو ست، وأنهم ما كانوا يصلون إلا بالطريقة التى تزعمونها، وأنه بعد تدوين كتب الحديث صار المسلمون يصلون خمس مرات، وزادوا فيه كذا وكذا من الأركان تبعاً للمحدثين، والفقهاء، فإن لم تستطيعوا إثبات ذلك - ولن تستطيعوه إلى يوم القيامة - يكون مآل دعواكم أن النبى ﷺ اخطأ فى فهم الوحى الذى أنزل عليه (حاشاه من ذلك) وأنتم (أيها الأعاجم الجهلة) وفقتم لإصلاح ذلك الخطأ وبيان الصواب.
... فهل يمكن لمسلم، بل لعاقل أن يتفوه بهذا الكلام الجنونى؟ أعاذنا الله من ذلك (١) . وعن بقية أركان الإسلام من شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ومن صيام، وزكاة، وحج، حدث ولا حرج عن شذوذ ما يستنبطون بما تمليه عليهم نفوسهم المريضة.
... فشهادة أن محمداً رسول الله، والتى هى جزء لا يتجزأ من شهادة أن لا إله إلا الله، هذه الشهادة تكرارها بجانب شهادة أن لا إله إلا الله؛ يعد شركاً أكبر (٢) .
стр. 594
.. ويقول المتنبئ الكذاب رشاد خليفة عن صيغة التشهد، وما فيها من حمد وتمجيد، لرسول الله ﷺ ، وآله: "لقد أمرنا الله ألا نذكر أى اسم فى الصلاة سوى اسمه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (١) إلا أن جماهير المسلمين اليوم ابتدعوا بدعة، حمد محمد، وإبراهيم وتمجيدها وهم يصلون لربهم ... لقد أغوى الشيطان المسلمين بترديد بدعة "التشهد"، حيث يمطرون محمداً وإبراهيم بالحمد والتمجيد. أليس هذا شركاً صارخاً؟ (٢)
... ويعلل محمد نجيب بأن حمد وتمجيد نبيين (محمد وإبراهيم) –عليهما الصلاة والسلام- دون غيرهما فيه تفريق بين رسل الله (٣) وبذلك حدثنى مصطفى منصور أحد أتباع أحمد صبحى عن أحمد صبحى أنه قال: "لا يجب تكرار شهادة أن محمداً رسول الله فى الآذان حتى لا يكون هناك تفرقة بين رسل الله ، ولأننا لو قلنا بهذه الشهادة لوجب علينا أن نشهد أيضاً بأن إبراهيم رسول الله، وموسى رسول الله، وعيسى رسول الله ... وهكذا وهو أمر يطول.
وتناسى هؤلاء أن الإيمان بمحمد ﷺ وإعلان تلك الشهادة هو إيمان بكل الأنبياء، لأنه ﷺ خاتمهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَاءَاتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٤) .
стр. 595
.. وما قيل فى الصلاة من تناقض، يقال مثله فى بقية أركان الإسلام من صيام، وزكاة، وحج، فتلك العبادات جاءت مفصلة فى شريعة سيدنا إبراهيم ﵇ يقول المتنبئ الكذاب رشاد خليفة: "جميع العبادات بتفاصيلها (عدد الصلوات وعدد الركعات، ومقدار الزكاة، وكيفية الصيام، وكيفية الحج) نزلت على إبراهيم-﵇-أما محمد-﵇-فكانت مهمته الوحيدة هى تبليغ القرآن (ما على الرسول إلا البلاغ) : ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (١) . وهكذا نتعلم من القرآن أن الصلاة بتفاصيلها، والزكاة بتفاصيلها، والصيام بتفاصيله، والحج بتفاصيله؛ قد تم تعليمهم لإبراهيم –﵇، ثم تواترت إلينا جيلاً بعد جيل" (٢) أ. هـ.
... وهذه الشعائر الإسلامية عدم ذكر تفاصيلها فى القرآن الكريم فى نظر بعض أعداء السنة؛ لأنها متروكة لأولى الأمر لاختيار المناسب منها كل حسب الزمان والمكان.
стр. 596
يقول توفيق صدقى: "إن ربع العشر فى الزكاة إذا قام بإصلاح حال الفقراء، والمساكين، وأبناء السبيل، والغارمين، وبالنفقة منه على العاملين على الزكاة، والمؤلفة قلوبهم، وفى سبيل الله، وفى تحرير الرقاب، إذا قام بكل هذه الشئون فى زمن أو بلد فليس ضرورياً أن يكون كافياً كذلك فى زمن آخر، أو فى بلدة أخرى. ومن ذلك تعلم حكمة الله فى عدم تعيين شئ من ذلك فى كتابه تعالى، فما بينته السنة للعرب فى ذلك لا يصلح لجميع الأمم فى الأوقات المختلفة" (١) . وممن قال بذلك محمود محمد طه (٢) ، وتابعه عبد الله أحمد النعيم (٣) ، وجمال البنا الذى يصرح بأن الحكمة فى عدم ذكر القرآن الكريم تفاصيل الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج،
стр. 597
والشورى ... إلخ؛ أن بيان الرسول ﷺ ليس تشريعاً دائماً ولازماً؛ فتركنا الإسلام لما يستجد فى كل زمان ومكان. ولو فصل القرآن لأوقع الحرج على الأجيال الآتية، ولا مانع من تأبد السنة إذا كانت فى أخلاق النبى ﷺ وسياسته، وصدقه، وكرمه أو موقفه كقائد ورجل دولة. ولكن عندما يكون الأمر أمر "الأحكام" فلا تأبد للسنة، فهذا ما يتفاعل مع الزمان والمكان ويتأثر بالأوضاع (١) .
... ويقول محمد شحرور: "علينا اعتبار كل الأحاديث المتعلقة بالحلال والحرام والحدود التى لم يرد نص فيها فى الكتاب على أنها أحاديث مرحلية قيلت حسب الظروف السائدة" (٢) وينكر مصطفى المهدوى الحدود فى الإسلام زاعماً أنها ما هى إلا الأحكام الشرعية مثل أحكام الصيام، وأحكام الطلاق، وأحكام المواريث (٣) . وعند ذكره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٤) .
... قال: "إن الله يرخص لأولى الأمر اختيار الجزاء المناسب دون تحديد؛ كالحبس، والغرامة، والتوبيخ، والحرمان من بعض الحقوق المدنية والسياسية" (٥) أ. هـ.
стр. 598
.. ويتجرأ الدكتور أحمد زكى أبو شادى من مصر: على جواز تبدل الأحكام وفق الظروف والأسباب ليس فى السنة النبوية فقط، بل فى القرآن الكريم أيضاً فيقول: "القرآن الكريم، والأحاديث النبوية مبادئ خلقية وسلوكية مسببة، بحيث أن أحكامها عرضة للتبدل بتبدل الأحوال والأسباب، ففيه شواهد هادئة على ضوئها وأسبابها وظروفها، لا أحكام متزمتة لا تقبل التعديل وفقاً لتبدل الأسباب والظروف" (١) .
... ولا يقف الأمر عند هؤلاء النابتة الضالة عند هذا الحد، وإنما نجدهم ينكرون من الأمور المتواترة والبديهية ما لا ينكره إلا جاهل مغرور حيث تجد بعضهم ينكر زواج سيدنا إبراهيم ﵇ بهاجر، ويزعم أن إسماعيل ﵇ ليس ابن إبراهيم يقول مصطفى المهدوى: "إننا لا نعرف لإبراهيم ﵇ إلا زوجاً واحدة، هى التى بشرها الله بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، أما إسماعيل ﵇ فلم يقل أحد أنه ابن إبراهيم من زوج أخرى إلا اليهود فى أسفارهم، ومن شايعهم فى ذلك من المسلمين فيما جاؤوا به من الأساطير" (٢) ، ثم يذهب المهدوى إلى أن هبة إسماعيل لإبراهيم فى قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (٣) هذه الهبة هبة عون وتوفيق، كما قال فى حق سيدنا موسى ﵇: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ (٤) ولكن ماذا هو قائل فى قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (٥) هل الهبة هنا هبة عون وتوفيق؟
стр. 599
.. ويؤكد المهدوى ما يهذى به قائلاً: "وليس فى القرآن بينةٌ ظاهرة على أن إسماعيل كان ابناً لإبراهيم، ولا نعلم له زوجاً غير التى جاءتها البشرى ولا نعلم أن له ابناً غير إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب" (١) وهكذا أعمى الله بصيرته عن البينة الظاهرة فى كتابه بأن إسماعيل كان ابناً لإبراهيم من زوجته هاجر فى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ (٣) فالذبيح فى الآية الكريمة: إنما هو ابنه إسماعيل –﵇ – باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، وما حملهم على تحريف الذبيح بأنه إسحاق إلا لأنه أبوهم، وإسماعيل أبو العرب الذين يسكنون الحجاز والذين منهم رسول الله ﷺ فحسدوهم. على أمر الله فى إسماعيل – ﵇ – والفضل الذى ذكره الله منه لصبره لما أمر به فأرادوا أن يجروا هذا الشرف إليهم، فحرفوا كلام الله وزادوا فيه، وهم قوم بهت، ولم يقروا بأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
стр. 600
ومن أحسن ما استدل به محمد بن كعب القرظى (١) ، على أن الذبيح إسماعيل، وليس إسحاق من قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ (٢) . قال فكيف تقع البشارة بإسحاق، وأنه سيولد له يعقوب، ثم يؤمر بذبح إسحاق وهو صغير قبل أن يولد له؟ " (٣) أ. هـ.
... ومن العجيب أن المهدوى ذكر قصة ابتلاء سيدنا إبراهيم ﵇ بابنه الذبيح ولم يصرح لنا بمن هو الذبيح؟!! (٤) فإن قال هو إسحاق فهذا مما جاء فى أسفار اليهود التى ينكرها وينكر ما جاء فيها أيضاً من زواج سيدنا إبراهيم ﵇ بهاجر وأن له منها ابنه إسماعيل ﵇!! وإن قال الذبيح هو إسماعيل وهو الحق فذلك من السنة المطهرة التى يجحدها، والتى تصرح، بأن إسماعيل بن إبراهيم ﵉ من زوجته هاجر!! فياترى من يكون الذبيح عنده؟!!
... ويذهب مصطفى المهدوى إلى إنكار زواج النبى ﷺ بأكثر من أربع فيقول: "ولا نعلم عدد أزواجه ﷺ ، ولكننا نعلم بيقين: أنه لم يكن ليجمع بين أكثر من أربع زوجات فى وقت واحد" (٥) !!