← Общие книги

Общие книги · id 1820

كتابات أعداء الإسلام ومناقشتها

عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى

Полный текст (1 177 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

يقول توفيق صدقى: "إن ربع العشر فى الزكاة إذا قام بإصلاح حال الفقراء، والمساكين، وأبناء السبيل، والغارمين، وبالنفقة منه على العاملين على الزكاة، والمؤلفة قلوبهم، وفى سبيل الله، وفى تحرير الرقاب، إذا قام بكل هذه الشئون فى زمن أو بلد فليس ضرورياً أن يكون كافياً كذلك فى زمن آخر، أو فى بلدة أخرى. ومن ذلك تعلم حكمة الله فى عدم تعيين شئ من ذلك فى كتابه تعالى، فما بينته السنة للعرب فى ذلك لا يصلح لجميع الأمم فى الأوقات المختلفة" (١) . وممن قال بذلك محمود محمد طه (٢) ، وتابعه عبد الله أحمد النعيم (٣) ، وجمال البنا الذى يصرح بأن الحكمة فى عدم ذكر القرآن الكريم تفاصيل الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج،

стр. 597

والشورى ... إلخ؛ أن بيان الرسول ﷺ ليس تشريعاً دائماً ولازماً؛ فتركنا الإسلام لما يستجد فى كل زمان ومكان. ولو فصل القرآن لأوقع الحرج على الأجيال الآتية، ولا مانع من تأبد السنة إذا كانت فى أخلاق النبى ﷺ وسياسته، وصدقه، وكرمه أو موقفه كقائد ورجل دولة. ولكن عندما يكون الأمر أمر "الأحكام" فلا تأبد للسنة، فهذا ما يتفاعل مع الزمان والمكان ويتأثر بالأوضاع (١) . ... ويقول محمد شحرور: "علينا اعتبار كل الأحاديث المتعلقة بالحلال والحرام والحدود التى لم يرد نص فيها فى الكتاب على أنها أحاديث مرحلية قيلت حسب الظروف السائدة" (٢) وينكر مصطفى المهدوى الحدود فى الإسلام زاعماً أنها ما هى إلا الأحكام الشرعية مثل أحكام الصيام، وأحكام الطلاق، وأحكام المواريث (٣) . وعند ذكره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٤) . ... قال: "إن الله يرخص لأولى الأمر اختيار الجزاء المناسب دون تحديد؛ كالحبس، والغرامة، والتوبيخ، والحرمان من بعض الحقوق المدنية والسياسية" (٥) أ. هـ.

стр. 598

.. ويتجرأ الدكتور أحمد زكى أبو شادى من مصر: على جواز تبدل الأحكام وفق الظروف والأسباب ليس فى السنة النبوية فقط، بل فى القرآن الكريم أيضاً فيقول: "القرآن الكريم، والأحاديث النبوية مبادئ خلقية وسلوكية مسببة، بحيث أن أحكامها عرضة للتبدل بتبدل الأحوال والأسباب، ففيه شواهد هادئة على ضوئها وأسبابها وظروفها، لا أحكام متزمتة لا تقبل التعديل وفقاً لتبدل الأسباب والظروف" (١) . ... ولا يقف الأمر عند هؤلاء النابتة الضالة عند هذا الحد، وإنما نجدهم ينكرون من الأمور المتواترة والبديهية ما لا ينكره إلا جاهل مغرور حيث تجد بعضهم ينكر زواج سيدنا إبراهيم ﵇ بهاجر، ويزعم أن إسماعيل ﵇ ليس ابن إبراهيم يقول مصطفى المهدوى: "إننا لا نعرف لإبراهيم ﵇ إلا زوجاً واحدة، هى التى بشرها الله بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، أما إسماعيل ﵇ فلم يقل أحد أنه ابن إبراهيم من زوج أخرى إلا اليهود فى أسفارهم، ومن شايعهم فى ذلك من المسلمين فيما جاؤوا به من الأساطير" (٢) ، ثم يذهب المهدوى إلى أن هبة إسماعيل لإبراهيم فى قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (٣) هذه الهبة هبة عون وتوفيق، كما قال فى حق سيدنا موسى ﵇: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ (٤) ولكن ماذا هو قائل فى قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (٥) هل الهبة هنا هبة عون وتوفيق؟

стр. 599

.. ويؤكد المهدوى ما يهذى به قائلاً: "وليس فى القرآن بينةٌ ظاهرة على أن إسماعيل كان ابناً لإبراهيم، ولا نعلم له زوجاً غير التى جاءتها البشرى ولا نعلم أن له ابناً غير إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب" (١) وهكذا أعمى الله بصيرته عن البينة الظاهرة فى كتابه بأن إسماعيل كان ابناً لإبراهيم من زوجته هاجر فى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ (٣) فالذبيح فى الآية الكريمة: إنما هو ابنه إسماعيل –﵇ – باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، وما حملهم على تحريف الذبيح بأنه إسحاق إلا لأنه أبوهم، وإسماعيل أبو العرب الذين يسكنون الحجاز والذين منهم رسول الله ﷺ فحسدوهم. على أمر الله فى إسماعيل – ﵇ – والفضل الذى ذكره الله منه لصبره لما أمر به فأرادوا أن يجروا هذا الشرف إليهم، فحرفوا كلام الله وزادوا فيه، وهم قوم بهت، ولم يقروا بأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.

стр. 600

ومن أحسن ما استدل به محمد بن كعب القرظى (١) ، على أن الذبيح إسماعيل، وليس إسحاق من قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ (٢) . قال فكيف تقع البشارة بإسحاق، وأنه سيولد له يعقوب، ثم يؤمر بذبح إسحاق وهو صغير قبل أن يولد له؟ " (٣) أ. هـ. ... ومن العجيب أن المهدوى ذكر قصة ابتلاء سيدنا إبراهيم ﵇ بابنه الذبيح ولم يصرح لنا بمن هو الذبيح؟!! (٤) فإن قال هو إسحاق فهذا مما جاء فى أسفار اليهود التى ينكرها وينكر ما جاء فيها أيضاً من زواج سيدنا إبراهيم ﵇ بهاجر وأن له منها ابنه إسماعيل ﵇!! وإن قال الذبيح هو إسماعيل وهو الحق فذلك من السنة المطهرة التى يجحدها، والتى تصرح، بأن إسماعيل بن إبراهيم ﵉ من زوجته هاجر!! فياترى من يكون الذبيح عنده؟!! ... ويذهب مصطفى المهدوى إلى إنكار زواج النبى ﷺ بأكثر من أربع فيقول: "ولا نعلم عدد أزواجه ﷺ ، ولكننا نعلم بيقين: أنه لم يكن ليجمع بين أكثر من أربع زوجات فى وقت واحد" (٥) !!

стр. 601

.. ويفرق بين الاحتلام، والجنابة فى وجوب الغسل فيقول: "إنه ليس من المنطق فى شئ أن نقيس الاحتلام بالجنابة، كما يقول البعض، فيفرض الاغتسال من الاحتلام كما فرض الاغتسال من الجناية" (١) أ. هـ. ... وليس هذا فقط، بل نجد من شواذ استنباط أعداء السنة من القرآن الكريم تصريح بعضهم بأن لحم الكلب والحمار حلال؛ لاقتصار المحرمات فى القرآن الكريم على قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (٢) . بل ويحللون الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها فى وقت واحد:

стр. 602

يقول جمال البنا: "هناك أحاديث جاءت بما لم يأت به القرآن، نحن نحكم عليها فى ضوء القرآن فما لا يخالف القرآن يقبل، وما يخالفه يستبعد، فتحريم زواج المرأة على عمتها وخالتها، وتحريم لحم الحمر الأهلية أمور لا نرى مانعاً فيها، ونجد فيها قياساً سليماً (١) .

стр. 603

وهكذا يفترون على الشريعة بما فهموا ويدينون به ويخالفون الراسخين فى العلم وإنما دخلوا فى ذلك من جهة تحسين الظن بأنفسهم، واعتقادهم أنهم من أهل الاجتهاد والاستنباط (١) . وليت شعرى إذا كان إهمال السنة يؤدى إلى كل هذا الهراء واللغط فى القرآن الكريم، ألا يكون حفظه وفهمه متوقفاً على حفظها ومستلزماً له؟! نعم الكتاب أحوج إلى السنة، من السنة إلى الكتاب. كلمة أخيرة فى بدائل السنة عند أعدائها يقول فضيلة الأستاذ الدكتور طه حبيشى بعد أن تعرض للبديل عن السنة النبوية المطهرة فى نظر أعدائها قال: "والقوم قد أرادوا أن يملأوا هذه الساحة بواحدة من ثلاث: أرادوا أن يملأوها بالإبراهيمية. وأرادوا أن يملأوها بما تعارف عليه الناس.

стр. 604

وأرادوا أن يملأوها بإعادة صياغة المنظومة الإسلامية على ما يريدون، فانتهوا بعد هذا العناء كله إلى نتيجة محددة وهى أنهم قد ملأوا الفراغ بالفراغ، وقبضوا فى أيديهم على الماء والهواء، وشددوا القبضة ظانين أن الهواء لا يتفلت، وأن الماء لا يتسرب، وسوف يفتحون أيديهم يوماً فيجدونها صفراً، وسوف يقدمون على الله يوماً فلا يجدون إلا تحقيق هذا النص الكريم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (١) . قال الحافظ ابن عبد البر: "أهل البدع أجمع أضربوا عن السنن وتأولوا الكتاب على غير ما بينت السنة، فضلوا وأضلوا، وأخرج بسنده عن ابن مسعود ﵁ قال: "ستجدون أقواماً يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع، وإياكم والتنطع، وعليكم بالعتيق (٢) أ. هـ.

стр. 605

.. ويقول الأستاذ محمد أسد مؤكداً ما سبق أن ذكرناه أن غياب السنة يزيد الخلاف بين الناس فى فهم تعاليم القرآن الكريم قال: "وفى الحقيقة يجب علينا أن نعتبر أن السنة إنما هى التفسير الوحيد لتعاليم القرآن الكريم والوسيلة الوحيدة لاجتناب الخلاف فى تأويل التعاليم وتطبيقها فى الحياة العملية" (١) أ. هـ. ... وفى موضع آخر يقول: "من أجل هذا كله نرانا مضطرين إلى أن نعمل بسنة بنينا ﷺ قلباً وقالباً إذا أردنا أن نخلص وجهنا للإسلام (٢) أ. هـ. يا أهل الكتاب، ويا أهل الهوى، تعالوا لننظر ماذا يوجد فى الحديث ، وأى مقدار منه يصلح أن يكون مجالاً للبحث والمناقشة ... وأقول للمنكرين لسنة النبى ﷺ المتمسحين كذباً بإيمانهم بكتاب الله تعالوا لننظر ماذا يوجد فى الحديث، وأى مقدار منه يصلح أن يكون مجالاً للبحث والمناقشة: ١- لا يخفى أن القسم الأعظم من الحديث تاريخى، أعنى أنه يشتمل على أخبار الرسول ﷺ ، وأصحابه الكرام، ووقائعهم، وبيان جليل أعمالهم، وهذا القسم غير قابل للبحث والمناقشة عند كل ذى عقل سليم، لأنه عبارة عن جزء من تاريخ العالم، مثل سائر تواريخ الأمم، إلا أنه يمتاز عنها بصحة المأخذ وضبط الرواية، وتسلسل الأسانيد، ومطابقتها لأصول النقد. بحيث أن هذا الوصف لا يشاركه فيه تاريخ أمة من الأمم، لا الرومان، ولا الفرس، ولا اليونان، ولا الهند، ولا مصر ... إلخ. ٢- والقسم الثانى: أخلاقى تهذيبى، يحتوى على الحكم والآداب والنصائح، مثل مدح الصدق، والعدل، والإحسان، والاتحاد، والتعاون، وسائر الفضائل والحث عليها وذم الكذب، والظلم، والفسق، والفساد، وسائر الرذائل والصد عنها. فهذه الأمور تؤيدها الفطرة الإنسانية، وأصولها موجودة فى القرآن فهل فيها شئ يستحق الرد؟!!

стр. 606

٣- العقائد: أصول العقائد مذكورة فى القرآن (١) ، مثل التوحيد، والصفات الإلهية، والرسالة، والبعث، وجزاء الأعمال. ولا يوجد فى الحديث الصحيح إلا ما يؤيد هذه الأصول ويوضحها ويقررهها، أو يكون من جزئياتها ونظائرها، ولا يوجد فيها ما يكون مخالفاً لعقائد القرآن، أو زائداً عليها بحيث لا يكون له أصل فى القرآن. وكل ما يستشكل من الأحاديث الصحيحة فى العقائد تجد مثله فى القرآن، ويجرى فيه ما يجرى فى القرآن من التفويض أو التأويل، حسب اختلاف مدارك الأفهام والطبائع الإنسانية، فمنها ما يقبل التسليم والتفويض، ومنها ما لا يقنعه إلا التأويل الموافق لعقله والذى يطمئن به قلبه. وأما الأحاديث التى فيها مخالفة للقرآن أو العقل السليم فلا تجدها إلا من الموضوعات والواهيات. ومثلها لا يجوز ذكرها إلا مع بيان وضعها - فضلاً عن التمسك بها. وهذا بإجماع المسلمين. ٤- الأحكام: هذا القسم أكثره ثابت بالأحاديث المستفيضة المشهورة، وهى قد رويت بطرق كثيرة صحيحة، ولكنها لم تبلغ حد التواتر وبعضها من الآحاد ولكنها صحاح. وأما الأحاديث الضعيفة فهى عند الجمهور من المحدثين والفقهاء لا تقبل فى الأحكام، والمحققون لا يقبلونها فى غير الأحكام أيضاً (٢) . ... فأما الاحتجاج بالخبر المستفيض المشهور فلا يتصور وجود عاقل ينكر ثبوت الحكم بمثل هذا الخبر، ولزوم العمل به لمن يبلغه، وإلا بطل نظام العالم، فهذه قوانين الحكومات إذا نشرت فى عدة جرائد معتبرة، أو فى الجريدة الرسمية للحكومة يلزم العمل بتلك القوانين لكل أحد من رعايا تلك الحكومة، ولا يسعه الاعتذار بأنها لم تبلغه بالتواتر.

стр. 607

.. وأما الآحاد الصحاح فكذلك العمل بها جار فى سائر أنحاء العالم، مثلاً إذا أتانا رجل معتبر، وبلغنا أن فلاناً يطلبك، فحالاً نلبى طلبه، ولا نسأله أن يأتينا بالشهود على صحة قوله، إلا إذا وجدت هناك قرينة مانعة عن قبول خبرة فحينئذ نتثبت قبل الذهاب. ... وهكذا الأمر فى الأحاديث الآحادية الصحيحة: تقبل فى الأحكام ويعمل بها ما لم يوجد أمر مانع من قبولها، مثل كونها مخالفة للقرآن أو السنة المتواترة أو المشهورة، أو كونها متروكة العمل فى زمن الخلفاء الراشدين والصحابة، ففى هذه الحالة يحق لكل عالم أن يتوقف - وأقول يتوقف ولا يرد ويجحد - العمل بها، وأن يبحث عنها إلى أن يزول الإشكال، ويطمئن إليه الخاطر. وأما ترك العمل بالآحاد الصحاح مطلقاً من غير وجود علة مانعة من قبولها فغير معقول، ومخالف لما هو جار فى سائر المعاملات الدنيوية" (١) أ. هـ. ... أما زعمكم بأن أحاديث الأحكام من العبادات (صلاة، وصيام، زكاة، وحج) ومن معاملات وحدود ... إلخ أحاديث غير صالحة لكل زمان ومكان، والأمر فيها متروك لأولى الأمر كل يختار ما يناسب زمانه ومكانه، حتى لو اقتضى الأمر تركها بالكلية والأخذ بما يخالفها من تشريعات وضعية. ... فهذا ما لا يقوله مسلم يؤمن بالله رباً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً، وبالإسلام عقيدة وشريعة صالحة لكل زمان ومكان. ... لأن أحاديث الأحكام التى توجد فى الأحاديث الصحيحة هى مأخوذة ومستنبطة من القرآن الكريم، استنبطها النبى ﷺ من القرآن بتأييد إلهى، ووحى ربانى وهذا الاستنباط يسمى فى اصطلاح القرآن تارة "تبيناً" وتارة "إراءة" قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ

стр. 608

لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) وقال جل جلالة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٢) . وأصبح لهذا البيان صفة المبين من حيث وجوب قبوله ووجوب العمل به وصالحيته لكل زمان ومكان، ولا يقول بخلاف هذا مسلم. ... ويقول الأستاذ محمد أسد رداً على من يفرقون فى الالتزام بين أوامر الرسول فى العبادات وبين غيرها من الأوامر التى تنظم حياة المجتمعات: "وإنه لمن الجهل بالإسلام أن يحاول أحدنا أن يفرق بين أوامر للرسول تتعلق بأمور تعبدية روحية خالصة، وبين غيرها من التى تتصل بقضايا المجتمع وقضايا حياتنا اليومية، وإن القول بأننا مجبرون على اتباع الأوامر المتعلقة بالنوع الأول، ولكننا لسنا مجبرين على أن نتبع الأوامر المتعلقة بالنوع الثانى، إنما هو نظر سطحى، وهو فوق ذلك مناهض فى روحه للإسلام، مثل الفكرة القائلة بأن بعض أوامر القرآن الكريم قد قصد بها العرب الذين عاصروا نزول الوحى، لا النخبة من الأكياس (الجنتلمان) الذين يعيشون فى القرن العشرين. إن هذا بخس شديد لقدر النور النبوى الذى قام به المصطفى ﷺ (٣) أ. هـ.

стр. 609

كلمة أخيرة للمنكرين للسنة النبوية ، والقاصرين مهمة الرسول ﷺ على بلاغ القرآن الكريم فقط ... ونقول لمن ينكرون هذا البيان النبوى قاصرين مهمة النبى ﷺ على بلاغ القرآن الكريم فقط متبجحين فى قولهم: "محمد ممنوع من التفوه بأى تعاليم دينية سوى القرآن" (١) ، وقولهم:"أمر محمد بتبليغ القرآن فقط بدون أى تغيير، وألا يختلق أى شئ آخر" (٢) وقولهم:"إن مهمة الرسول الوحيدة: هى تبليغ القرآن بدون أى تغيير، أو إضافة، أو اختزال، أو شرح" (٣) . ... نقول لكم والله ما نبغى بالقرآن بدلاً ولكن أخبرونا كيف نفهم القرآن؟ أو بعبارة أعم من هذه: كيف نفهم مراد القائل من كلامه؟ ... ولا يخفى أن علم أصول الفقه جل مباحثه تدور حول هذه المسألة، أعنى طريقة فهم معنى الكلام والاستنباط منه؛ فمثلاً إذا وردت فى القرآن الكريم كلمة لها معان متعددة عند العرب، أو كلمة لها معنى حقيقى ومعنى مجازى، فكيف نعين المراد بتلك الكلمة؟ أو إذا ورد لفظ عام فكيف نعلم أن المقصود منه جميع أفراده أو بعضها، أو إذا ورد حكم مطلق فكيف نعرف هل هو باق على إطلاقه أم قيد منه شئ؟ إلى غير ذلك من المسائل. ... وهناك أمر آخر، وهو أن المعانى المفهومة من الكلام على أنواع: فمنها ما يفهم من ألفاظه صراحة، ومنها ما يفهم منه بطريق الإشارة والكناية، ومنها ما يفهم من سياق الكلام، فلا يقال لشئ منها أن هذا الكلام لا يشمله.

стр. 610

.. فكذلك الأمر فى القرآن، أعنى إذا كان الشئ غير مذكور فيه صراحة ولكنه يفهم من سياقه أو إشاراته، فلا يقال إنه ليس فى القرآن مطلقاً. وإذا كان النبى ﷺ مأموراً بتبين القرآن والحكم بين الناس بما أراه الله كما سبق فى آيتى النحل، والنساء، ونزلت مثلاً آيات الصيام، ولم يذكر فيها حكم الأكل والشرب بالنسيان فى الصوم، فجاء رجل إلى النبى ﷺ وقال: يا رسول الله أكلت ناسياً فى الصوم. فأفتاه النبى ﷺ بأن صومه صحيح (١) لأن الخطأ والنسيان معفو عنهما، مستنبطاً من قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٢) . ... فهل يقال: إن هذا الحديث مخالف للقرآن؛ لأنه ليس فيه أن الصوم لا يفسده الأكل بالنسيان؟ أو يقال: إنه لم يكن للنبى ﷺ أن يستنبط هذا الحكم من الآية الأخرى التى لا تتعلق بالصوم؟!! ... وهنا نريد أن نسأل هؤلاء المنكرين لسنة النبى ﷺ : إذا كان يجوز لكم أن تستنبطوا من القرآن كل ما تريدون، وتفسروه كما تفهمون، مع بعدكم عن العصر والمحيط اللذين نزل فيهما القرآن، ومع كونكم أعجاماً من غير أهل اللسان أفما كان يحق هذا لمن نزل عليه القرآن، وأمر بتبيينه على الوجوب (٣) ، وكان أفصح أهل اللسان، بل أحق الناس بالبيان، والاستنباط من القرآن؟!

стр. 611

تفاوت الأفهام: ... ثم لا يخفى على أحد أن كل الناس ليسوا سوء فى الاستعداد والفهم وصفاء الذهن، ولهذا السبب يقرأ القرآن الكريم كل أحد ولكنهم يختلفون فى فهم معانيه، فالعالم يفهم منه ما لا يفهمه الجاهل، وقد سبق بيان نماذج من المسائل الشاذة التى استنبطها الشواذ بعقولهم من القرآن الكريم، وتناقضوا تناقضاً فاضحاً فيما بينهم. فإذا كان العالم يفهم ما لا يفهمه الجاهل، والعلماء أيضاً متفاوتون فى الفهم والعلم كما قال رب العزة: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (١) فأى فهم أولى بالقبول، وبتوحيد كلمة المسلمين، أفهم رسول الله ﷺ أم فهم المنكرين لسنته؟!! ... قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٢) وقال تعالى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٣) . وقديماً دخل رجل من أهل الكوفة على الإمام أبى حنيفة، والحديث يقرأ عنده، فقال الرجل: دعونا من هذه الأحاديث! فزجره الإمام أشد الزجر، وقال له: لولا السنة ما فهم أحد من القرآن. ثم قال للرجل: ما نقول فى لحم القرد؟ وأين دليله من القرآن؟ فأفحم الرجل، فقال للإمام: فما تقول أنت فيه؟ فقال: ليس هو من بهيمة الأنعام (٤) أ. هـ.

стр. 612

علاقة القرآن الكريم بالسنة الشريفة: ... تبين فيما سبق أن الله قد أوكل إلى رسوله ﷺ مهمة بيان ما فى القرآن الكريم وذلك فى قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٢) . ... ومن هنا نستطيع القول أن علاقة القرآن الكريم بالسنة المطهرة هى علاقة البيان، وهذا البيان له أنواع متعددة، يمكن حصرها فى ثلاثة أقسام رئيسية (٣) : أولاً: أن تأتى السنة مؤكدة لما جاء فى القرآن الكريم ومثبتة له. ثانياً: أن تأتى السنة مبينة لما فى القرآن الكريم ويأتى هذا البيان على أربعة أنواع: ١- تفصيل المجمل ... ... ... ٢- تقييد المطلق ... ٣- تخصيص العام ... ... ... ٤- توضيح المشكل ثالثاً: أن تستقل السنة بتأسيس الأحكام من غير أن يسبق لها ذكر فى القرآن الكريم: والأصل فى ذلك ما ورد فى القرآن الكريم من آيات توجب على المؤمنين طاعة الرسول ﷺ طاعة مطلقة فيما يأمر به، وينهى عنه، وتحذر من مخالفة أمره، وسبق تفصيل ذلك فى مبحث الأدلة القرآنية على حجية السنة (٤) .

стр. 613

أولاً: تأكيد السنة للقرآن الكريم: ... بمعنى أن يأتى ذكر الشئ فى القرآن الكريم، ونفس الشئ أيضاً تذكره السنة المطهرة والعلاقة الجامعة بينهما - حينئذ - هو تأكيد السنة لما ورد فى القرآن الكريم فمن ذلك مثلاً قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (١) ونجد نفس المعنى تقريباً فيما روى عن أبى موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يملى للظالم. فإذا أخذه لم يفلته" ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (٢) ومن ذلك أيضاً قوله تعالى فى حق سيدنا إبراهيم ﵇ ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (٣) ونجد نفس المعنى فى قول النبى ﷺ : "لم يكذب إبراهيم النبى ﵇ قط، إلا ثلاث كذبات. ثنتين فى ذات الله قوله: "إِنِّي سَقِيمٌ". وقوله تعالى: "بل فعله كبيرهم هذا". وواحدة فى شأن سارة ... الحديث" (٤) .

стр. 614

.. والأمثلة على تأكيد السنة الشريفة للقرآن الكريم كثيرة جداً فيما يتعلق بالعبادات من صلاة، وصيام، وزكاة، وحج، ووسائل ومقدمات تلك العبادات من الطهارة، وكذا تأكيد السنة للقرآن الكريم فيما يتعلق بالمعاملات من البيع، والربا، والقرض، والرهن، والشركة، والوكالة ... إلخ، وكذا تأكيد السنة للقرآن فيما بتعلق بالجنايات، والحدود فى الإسلام، وكذا التأكيد فيما يتعلق بالأحوال الشخصية من زواج، وطلاق، وميراث...إلخ وقد استوعب تفصيل ذلك بالأمثلة الأستاذ محمد سعيد منصور فى كتابه (منزلة السنة من الكتاب وأثرها فى الفروع الفقهية) (١) : وبالجملة فهذا النوع من البيان النبوى وهو التأكيد، يشمل كل جوانب التشريع القرآنى. ثانياً: بيان السنة لما جاء فى القرآن الكريم ولهذا البيان أنواع (٢) منها: ١ - تفصيل المجمل (٣) : بمعنى أن يأتى الشئ فى القرآن الكريم مجملاً وموجزاً لا نستطيع أن نفهم المراد منه إلا بعد تفصيله، فتتولى السنة ذلك التفصيل (٤) .

стр. 615

.. من ذلك مثلاً ما ورد فى القرآن الكريم عن الصلاة وهى ركن الإسلام الأول بعد الشهادتين، وبها يتحدد الفرق بين المؤمنين وغيرهم، فماذا جاء عن الصلاة فى القرآن الكريم؟ لقد جاء الحديث عنها موجزاً ومختصراً، فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (١) . وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٢) . وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٣) إن هذه الآيات توضح: أن الله تعالى قد أوجب الصلاة على المؤمنين من غير أن يبين لنا أوقاتها، والفرائض الواجبة علينا، وعدد ركعات كل فرض - وأركان الصلاة وشروطها - وغير ذلك مما يتعلق بالصلاة. ... فجاءت السنة الشريفة، وفصلت ذلك المجمل، وعلمت الناس الصلاة، وكل ما يتعلق بتفصيلاتها فى قوله ﷺ :"صلوا كما رأيتمونى أصلى" (٤) ولولا السنة لما عرفنا كيف نصلى! ... ومثل ما قلناه عن الصلاة نقوله عن سائر العبادات من زكاة، وصيام، وحج؛ فقد جاء ذكر كل ذلك مجملاً فى القرآن الكريم، وتولت السنة المطهرة تفصيله وبيان المراد منه

стр. 616

روى الخطيب البغدادى فى كتابه (الكفاية فى علم الرواية) (١) : "أن عمران بن حصين ﵁ كان جالساً ومعه أصحابه، فقال رجل من القوم: لا تحدثونا إلا بالقرآن. فقال له: أدنه - أى قرب منى - فدنا، فقال: أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن، أكنت تجد فيه صلاة الظهر أربعاً، وصلاة العصر أربعاً، والمغرب ثلاثاً، تقرأ فى اثنتين؟!! أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن، أكنت تجد الطواف بالبيت سبعاً، والطواف بالصفا والمروة؟ ثم قال: أى قوم – أى: يا قوم-، خذوا عنا فإنكم – والله إن لا تفعلوا لتضلن" وفى رواية من طريق آخر: "أن رجلاً قال لعمران بن حصين: ما هذه الأحاديث التى تحدثوناها؟ وتركتم القرآن! قال عمران: أرأيت لو أبيت أنت وأصحابك إلا القرآن، من أين كنت تعلم أن صلاة الظهر عدتها كذا وكذا، وصلاة العصر عدتها كذا، وحين وقتها كذا، وصلاة المغرب كذا، والموقف بعرفه، ورمى الجمار كذا، واليد من أين تقطع؟ أمن هاهنا أم هاهنا أم من هاهنا؟ ووضع يده على مفصل الكف، ووضع عند المرفق، ووضع يده عند المنكب. اتبعوا حديثنا ما حدثناكم وإلا والله ضللتم" (٢) أ. هـ. ... هاهى أركان الإسلام الأساسية – التى بنى عليها الإسلام – يتوقف القيام بها على السنة المطهرة. ونستطيع أن نقول: لولا السنة ما تمكن المسلمون من إقامة بنيان الإسلام، ولم يقتصر الأمر على العبادات فقط – بل مقدماتها ووسائلها، من أحكام الطهارة وما يتعلق بها، وكذا المعاملات، والجنايات، والأحوال الشخصية، وغير ذلك (٣) .

стр. 617

.. فكيف تكون حياة الناس مستقيمة لو لم يأت تفصيل كل ذلك فى السنة المطهرة؟! إن هذا النوع فقط من أنواع بيان السنة للقرآن الكريم – وهو تفصيل المجمل – يؤكد فى جلاء ووضوح أن القرآن الكريم محتاج إلى السنة الشريفة، كما يثبت فى يقين؛ أنه لولا السنة لضاع القرآن - بعدم فهمه - وهذا ما يهدف إليه أعداؤنا حينما يشككون فى السنة الشريفة. فما بالنا ببقية الأنواع التى سنوالى ذكرها؟!! ٠ ٢- تقييد المطلق (١) : وذلك بأن يأتى الشئ مطلقاً فى القرآن الكريم، وتقيده السنة مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢) . والآية الكريمة لم تقيد قطع اليد بموضع محدد، لأن اليد تطلق على الأصابع، والكف، والرسغ، والساعد، والمرفق، والعضد. ولكن السنة الشريفة بينت ذلك وقيدت القطع بمقدار الكف فقط من يد واحدة. وذلك حينما أتى بسارق إلى النبى ﷺ فقطع يده من مفصل الكف (٣) فلولا السنة لما استطعنا إقامة الحد على وجهه الصحيح.

стр. 618

٣- تخصيص العام (١) : وذلك بأن يأتى اللفظ عاماً ينطبق على كثيرين فتأتى السنة الشريفة وتبين أن هذا العموم ليس مراداً، بل المراد بعض أفراد ذلك العام فقط، وليس الجميع، ويكون ذلك تخصيصاً من السنة للجميع، ويكون ذلك تخصيصاً من السنة لما ورد عاماً فى القرآن الكريم مثل قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٢) .

стр. 619

.. وهذا عام يثبت فى كل أب وأم موروثين ويثبت أيضاً فى كل ابن وارث، فجاءت السنة فخصصت المورث بغير الأنبياء وذلك بقوله ﷺ ، "لا نورث ما تركناه صدقة" (١) ، وخصصت السنة الوارث أيضاً بغير القاتل وذلك بقوله ﷺ : "ليس لقاتل شئ" (٢) كما خصصت السنة الإثنين معاً بقوله ﷺ : "لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم" (٣) . فكأن معنى الآية بعد التخصيص هو أن كل مورث من أب وأم يرثه أبناؤه إلا أن يكون الموِّرث نبياً، فإن الأنبياء لا يورثون، وإلا أن يكون الوارث قاتلاً لأصله المورث فإنه - فى هذه الحالة - لا يرثه وإلا أن يختلف الدِّين بين المورث والوارث. فإنه لا توارث عند اختلاف الدِّين (٤) .

стр. 620

٤- توضيح المشكل (١) : وذلك بأن تكون هناك بعض الألفاظ فى القرآن الكريم لا نفهم معناها، فتوضحها لنا السنة الشريفة، مثل ما روى فى الصحيحين عن عائشة-رضى الله عنها - قالت: قال رسول الله ﷺ : "من حوسب يوم القيامة، عذب" قالت فقلت: أليس قد قال الله : ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ (٢) ؟ فقال: "ليس ذاك الحساب. إنما ذاك العرض من نوقش الحساب يوم القيامة عذب" (٣) . فالسيدة عائشة - رضى الله عنها - أشكل عليها الحساب فى قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ . لما سمعت النبى ﷺ يقول: "من حوسب يوم القيامة عذب" فبين لهى ﷺ بأن المراد بالحساب فى الآية الكريمة العرض، وأنه من نوقش الحساب يوم القيامة عذب. ... يقول فضيلة الأستاذ الدكتور مروان شاهين: ليس معنى أن السنة تفصل مجمل القرآن الكريم، أو تقيد مطلقه، أو تخصص عامه، أو توضح مشكلة أقول: ليس معنى ذلك أن كل عام فى القرآن يحتاج إلى تخصيص، وأن كل مطلق يحتاج إلى تقييد، وأن كل مجمل يحتاج إلى تفصيل؟ كلا ليس المراد ذلك. فإن كثيراً من عام القرآن باق على عمومه لأن عمومه مراد، وكثيراً من إطلاق القرآن باق على إطلاقه؛ لأن إطلاقه مراد، وهكذا فى المجمل.

стр. 621

وإنما المراد: أن ما يحتاج إلى شئ من ذلك - فقط - هو الذى يتولى الرسول ﷺ بيانه بواحد من أنواع البيان - كما ذكرناه سلفاً (١) أ. هـ. أنواع بيان السنة للقرآن الكريم تسمى نسخاً عند السلف الصالح ... مما هو جدير بالذكر هنا أن تفصيل المجمل، وتقييد المطلق، وتخصيص العام، وتوضيح المشكل، ونحو ذلك من أنواع بيان السنة - كان يعرف بالنسخ عند السلف الصالح، من الصحابة والتابعين، ومن جاء بعدهم حتى الإمام الشافعى. ويبين ذلك الإمام ابن قيم الجوزية ﵀ فيقول: مراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ، رفع الحكم بجملته تارة، وهو اصطلاح المتأخرين، ورفع دلالة العام، والمطلق، والظاهر وغيرها تارة، إما بتخصيص أو تقييد أو حمل مطلق على مقيد وتفسيره وتبيينه، حتى أنهم يسمون الاستثناء، والشرط، والصفة، نسخاً لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد (٢) . ... وأكد الإمام الشاطبى هذا المعنى فقال: "يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم فى الإطلاق أعم منه فى كلام الأصوليين، فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخاً، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخاً، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخاً، كما يطلقون على رفع الحكم الشرعى بدليل شرعى متأخر نسخاً" (٣) . ثم ساق الإمام الشاطبى أمثلة عديدة لما اعتقده السلف أنها قضايا نسخ، وهى فى حقيقة الأمر من باب تقييد المطلق أو تخصيص العام، أو بيان المجمل ونحو ذلك (٤) .

стр. 622

.. وإذا كانت أنواع بيان السنة للقرآن الكريم تسمى نسخاً عند المتقدمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن سبقوا الإمام الشافعى، رأيت أن الأمر يهون وتختفى معظم الإشكالات، والنزاعات المتشعبة بين العلماء فى النسخ بين القرآن والسنة؛ لأن من أنكر نسخ السنة (متواترة كانت أو آحاداً) للقرآن الكريم، جعل المسائل التى قيل فيها نسخ من السنة للقرآن نوع من أنواع بيان السنة للقرآن الكريم، وهذا البيان واجب العمل به. وهذا هو المطلوب فى مسألتنا هذه، حيث أن القضية لا تعدو الخلاف فى الاصطلاح. فمن سمى البيان نسخاً من المتقدمين، ومن جعل نسخ السنة للقرآن بياناً من المتأخرين كل منهما يعمل بالسنة المطهرة، ويحتج بها ويعرف مكانتها بالنسبة لكتاب الله بل وللإسلام كله. يقول الإمام الآمدى: "ثم إننا نرى أنه من الأهمية بمكان أن نقرر أنه لا خلاف بين العلماء المجيزين للنسخ فى جواز نسخ القرآن بالقرآن، ونسخ السنة المتواترة بالسنة المتواترة، ونسخ الآحاد بالآحاد، ونسخ الآحاد بالمتواتر من باب أولى (١) ، وأن ذلك كله ليس له فى الواقع كبير أثر، إلا فى المسألة التى نحن بصددها وهى أنواع بيان السنة للقرآن الكريم، أو نسخ الكتاب بالسنة أ. هـ.

стр. 623

إنكار أعداء الإسلام للنسخ لأنه بيان للسنة وهم يجحدونه ... إذا عرفنا أن أنواع بيان السنة للقرآن الكريم تسمى نسخاً عند السلف الصالح، أدركنا لماذا ينكر أعداء الإسلام من ملاحدة، ومبشرين، ومستشرقين، النسخ فى الشريعة الإسلامية (١) . وأمعنوا فى هذا النكران بشبهات ساقطة وتأويلات غير سائغة، طعنوا بها فى صدر الدين الحنيف، ونالوا من قدسية القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة (٢) . وخلاصة القول فى مسألة النسخ عند أهل الأصول ما قاله الإمام الشوكانى: "أن النسخ جائز عقلاً واقع سمعاً، بلا خلاف فى ذلك بين المسلمين، إلا ما يروى عن "أبى مسلم الأصبهانى" (٣) فإنه قال: إنه جائز عقلاً، غير واقع، وإذا صح هذا عنه فهو دليل على أنه جاهل بهذه الشريعة الإسلامية جهلاً فظيعاً، وأعجب من جهله بها حكاية من حكى عنه الخلاف فى كتب الشريعة، فإنه إنما يعتد بخلاف المجتهدين، لا بخلاف من

стр. 624

بلغ من الجهل إلى هذا الغاية. ... وأما الجواز: فلم يحك الخلاف فيه إلا عن بعض طوائف اليهود والنصارى (١) ، وليس بنا إلى نصب الخلاف بيننا وبينهم حاجة، ولا هذه بأول مسألة خالفوا فيها أحكام الإسلام، حتى يذكر خلافهم فى هذه المسألة، ولكن هذا من غرائب أهل الأصول. على أنا قد رأينا فى التوراة فى غير موضع أن الله سبحانه رفع عنهم أحكاماً لما تضرعوا إليه، وسألوا منه رفعها، وليس النسخ إلا هذا (٢) . ... والحاصل: أن النسخ جائز عقلاً، واقع شرعاً، من غير فرق بين كونه فى الكتاب أو السنة . وقد حكى جماعة من أهل الأصول اتفاق أهل الشرائع عليه فلم يبق فى المقام ما يقتضى تطويل المقال (٣) . ... وما حكى عن أبى مسلم الأصبهانى؛ فالنقل عنه مضطرب، فمن قائل: إنه يمنع وقوع النسخ سمعاً على الإطلاق. ومن قائل: إنه ينكر وقوعه فى شريعة واحدة ومن قائل: إنه ينكر وقوعه فى القرآن خاصة.

стр. 625

يقول الشيخ الزرقانى ﵀ ورجحت هذه الرواية الأخيرة بأنها أصح الروايات، وبأن التأويلات المنقولة عنه لم تخرج عن حدود ما نسخ من القرآن. وأبعد الروايات عن الرجل هى الرواية الأولى؛ لأنه لا يعقل أن مسلماً، فضلاً عن عالم كأبى مسلم، ينكر وقوع النسخ جملة، اللهم إلا إذا كانت المسألة ترجع إلى التسمية فقط، فإنها تهون حينئذ، على معنى أن ما نسميه نحن نسخاً، يسميه هو تخصيصاً بالزمان مثلاً. وإلى ذلك ذهب بعض المحققين. قال التاج السبكى (١) : "إن أبا مسلم لا ينكر وقوع المعنى الذى نسميه نحن نسخاً، ولكنه يتحاشى أن يسميه باسمه، ويسميه تخصيصاً" (٢) أ. هـ. أهمية علم الناسخ والمنسوخ فى الشريعة الإسلامية ... إن معرفة علم الناسخ والمنسوخ، والإحاطة به فى القرآن الكريم، والسنة المطهرة، من أولويات ما يجب أن يعرفه كل من يتصدر للقضاء أو الفتيا أو بيان الحلال والحرام. إذ لا يمكن استنباط الأحكام من أدلتها من غير معرفة الناسخ والمنسوخ، والذى بدونه يوجب الإنسان على نفسه، وعلى عباد الله أمراً لم يوجبه الله أو يضع عنهم فرضاً أوجبه الله.

стр. 626

وفى ذلك يقول: يحيى بن أكثم (١) : ليس من العلوم كلها علم هو واجب على العلماء، وعلى المتعلمين، وعلى كافة المسلمين، من علم ناسخ القرآن ومنسوخه، لأن الأخذ بناسخه واجب فرضاً، والعمل به واجب لازم ديانة، والمنسوخ لا يعمل به، ولا ينتهى إليه، فالواجب على كل عالم علم ذلك لئلا يوجب على نفسه، وعلى عباد الله أمراً لم يوجبه الله أو يضع عنهم فرضاً أوجبه الله" (٢) . ... وقد اهتم السلف الصالح بمعرفة الناسخ والمنسوخ، وأولوه عناية كبيرة منذ عصر الصحابة والتابعين فمن بعدهم من أئمة المسلمين إلى يومنا هذا. فعن عبد الله بن حبيب السلمى (٣) قال: "مر على بن أبى طالب ﵁ على قاصٍ فقال: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا. قال "هلكت وأهلكت" (٤) . وعن محمد بن سيرين، قال: سئل حذيفة عن شئ فقال: إنما يفتى أحد ثلاثة: من عرف الناسخ والمنسوخ، قالوا: ومن يعرف ذلك؟ قال عمر، أو رجل ولى سلطانً، فلا يجد من ذلك بدا أو متكلف" (٥) .

стр. 627

.. وعن الضحاك بن مزاحم قال: مر ابن عباس بقاص يقص فركضه برجله، فقال: تدرى ما الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا. قال هلكت، وأهلكت" (١) . ... وأقوال أئمة المسلمين فى هذا الباب تكثر جداً (٢) ، نختار منها قول الإمام القرطبى: قال: "معرفة هذا الباب - أى الناسخ والمنسوخ - أكيدة، وفائدته عظيمة، لا يستغنى عن معرفته العلماء ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء، لما يترتب عليه من النوازل فى الأحكام، ومعرفة الحلال من الحرام" (٣) أ. هـ.

стр. 628

بيان رتبة السنة النبوية من القرآن الكريم ... قبل أن نتحدث عن النوع الثالث من أنواع بيان السنة للقرآن الكريم وهو: "استقلالها بتشريع الأحكام دون أن يسبق لها ذكر فى القرآن الكريم" نبين هنا رتبة السنة الشريفة من القرآن الكريم لما فى ذلك من ارتباط بهذا النوع الثالث من أنواع بيان السنة لكتاب الله . ... يقول الأستاذ محمد سعيد منصور: "لا خلاف بين علماء المسلمين قديماً وحديثاً إلا من شذ من بعض الطوائف المغرضة المنحرفة-من غلاة الشيعة، والخوارج، والروافض، والمستشرقين، وبعض المتكلمين حديثاً ممن يتكلمون بلغتنا وينتسبون إلى أمتنا - فى أن كلاً من الكتاب والسنة وحى من عند الله تعالى، وحجة لمعرفة الحلال والحرام، ودليل يجب على المجتهد التمسك به والعمل بمقتضاه، وكذلك لا نزاع بينهم فى أن الكتاب الكريم، يمتاز عن السنة، ويفضل عنها، بأن لفظه من عند الله ، متعبد بتلاوته، معجز للبشر عن أن يأتوا بمثله بخلافها فهى دونه منزلة فى هذه النواحى" (١) . ... يقول العلامة الدكتور عبد الغنى عبد الخالق ﵀: ولكن ذلك لا يوجب التفضيل بينهما من حيث الحجية: بأن تكون مرتبتها التأخر عن الكتاب فى الاعتبار والاحتجاج، فتهدر ويعمل به وحده، لو حصل بينهما التعارض.

стр. 629

.. وإنما كان الأمر كذلك: لأن حجية الكتاب إنما جاءت من ناحية أنه وحى من عند الله تعالى. ولا دخل للأمور المذكورة فيها. فلو لم يكن الكتاب معجزاً ولا متعبداً بتلاوته، وثبتت الرسالة بغيره من المعجزات؛ لوجب القول بحجيته؛ كما كان الأمر كذلك فى الكتب السابقة والسنة المطهرة مساوية للقرآن من هذه الناحية؛ فإنها وحى مثله. فيجب القول بعدم تأخرها عنه فى الاعتبار. ثم إن التحقيق عند علماء الكلام: أن الرسول لا يشترط فى رسالته نزول كتاب، بل الشرط: إنما هو نزول شريعة ليبلغها الأمة، وإظهار المعجزة على يده، كما هو بين فى شرح العقائد النسفية وحواشيه (١) . ... ويدل على ذلك أيضاً: أن الله تعالى أرسل موسى ﵇ إلى فرعون؛ ليأمره بالإيمان به، والاهتداء بهديه، وإرسال بنى إسرائيل معه. ولم يكن قد نزل عليه – فى ذلك الحين – التوراة: لأنها إنما نزلت بعد هلاك فرعون، وخروج بنى إسرائيل من مصر –كما هو معلوم – ومع ذلك قامت الحجة على فرعون بهذا الأمر: لما أقام له موسى –﵇ المعجزة، فلما خالفه اعتبر عاصياً ربه، مستحقاً اللعنة، والعذاب. فحجية الوحى الغير المتلو لا تتوقف على ورود المتلو بها: لأن كلا منهما من عند الله. وهذا تثبته المعجزة - قرآناً أو غيره - المثبتة لعصمة الرسول ﷺ فى تبليغ ما جاء به عن الله تعالى. ... ولو سلمنا استلزام الفرعية للتأخر مطلقاً، لقلنا: إن ما كان أقل من سورة لم تثبت قرآنيته إلا بقوله ﷺ : هذا كلام الله، كما تقدم بيانه فى مبحث العصمة (٢) . فعلى هذا يقال: إن الكتاب متأخر عنها فى الاعتبار؟ ... بل الحق: أن كلاً منهما معضد للآخر، ومساوٍ له: فى أنه وحى من عند الله، وفى قوة الاحتجاج به، وأنه لا يؤثر فى ذلك نزول لفظ الكتاب ولا إعجازه، ولا التعبد بتلاوته، ولا أنه قد ورد فيه ما يفيد حجيتها.

стр. 630

.. وحيث إنهما من عند الله: فلا يمكن الاختلاف بينهما فى الواقع، ويستحيل أن يوجد كتاب وسنة - كل منهما قطعى الدلالة والثبوت - بينهما تعارض مع الاتحاد فى الزمن وغيره، مما يشترط لتحقق التعارض فى الواقع. ... وأما أنهما قد يتعارضان فى الظاهر - إذا كانت دلالتها أو دلالة أحدهما ظنية، أو كانت دلالتها قطعية ولم يتحد الزمن: فهذا أمر جائز واقع كثيراً. وحينئذ يجب على المجتهد اعتبارهما كما لو كانا آيتين أو سنتين: حيث أنهما متساويان فينسخ المتأخر منهما المتقدم إذا ثبت له تأخره، ويرجح أحدهما على الآخر بما يصلح مرجحاً، ويجمع بينهما إن أمكن. وإلا توقف إلى أن يظهر الدليل فأما أن نقول بإهدار أحدهما مباشرة - بدون نظر فى أدلة الجمع والترجيح والنسخ: فهذا لا يصح بحال أن يذهب ذاهب إليه. ... ولذلك نجد علماء الأصول، والفقه، والحديث، يقولون: بتخصيص السنة لعام الكتاب، وتقييدها لمطلقه، ونسخها له، وأنها تؤوله وتوضح مجملة، وتبين أن المراد منه خلاف ظاهره. كما يحصل ذلك من الكتاب بالنسبة للسنة. ... نعم فى بعض هذه المسائل خلافات كثيرة، ولكن يجب أن يعلم أن مرجعها إلى مدارك أخرى وذلك كظنية الطريق فى خبر الواحد، وقطعية القرآن، وليس مرجعها إلى السنة من حيث ذاتها، ومن حيث أنها متأخرة عن الكتاب، بدليل أن من يمنع نسخ القرآن بخبر الواحد مثلاً، يمنع نسخ السنة المتواترة به أيضاً، ويجوز نسخ القرآن بالخبر المتواتر وبالعكس. ولو كان المدرك التأخر فى الاعتبار لما قال إلا بنسخ السنة بالقرآن. ... ومن ذلك كله: تعلم بطلان ما ذهب إليه الإمام الشاطبى فى الموافقات (١) : من أن رتبة السنة التأخر عن الكتاب فى الاعتبار" (٢) . ثم ذكر الدكتور عبد الغنى شبه الإمام الشاطبى وردها (٣) .

стр. 631

.. وقد سبق الدكتور عبد الغنى فى قوله هذا الإمام الشافعى فى الرسالة (١) ، وابن حزم فى الإحكام (٢) ، وحديثاً الدكتور السباعى (٣) . بيان أن الخلاف فى المسألة لفظى ... الحق: أن قول الإمام الشاطبى بتأخر رتبة السنة عن الكتاب فى الاعتبار راجعة إلى المدارك التى ذكرها الدكتور عبد الغنى عبد الخالق كظنية الطريق فى خبر الواحد، وقطعية القرآن، وهو ما عبر عنه الإمام الشاطبى فى أول حججه على تأخر رتبة السنة عن الكتاب قال: "أن الكتاب مقطوع به، والسنة مظنونة" (٤) . ولو تأملنا فى بقية حججه لرأينا أنه ليس فيها ما يدل على التفضيل بين الكتاب والسنة من حيث الحجية، ووجوب العمل بهما، بحيث إذا وقع تعارض ظاهرى بينهما يعمل بالكتاب دون السنة، بدون نظر فى أدلة الجمع والترجيح والنسخ. فهذا لا يصح بحال أن يذهب ذاهب إليه، ولا يصح نسبة ذلك إلى الإمام الشاطبى. وما قد يفهم من قوله فى السنة الزائدة: "إن لم تكن بياناً فلا يعتبر بها إلا بعد أن لا يوجد فى الكتاب" (٥) فهذا الكلام لا يفهم منه رد الإمام الشاطى للسنة الزائدة الصحيحة عن النبى ﷺ (وحاشاه من ذلك) كل ما فى الأمر أنه يذهب إلى أن السنة كلها، بيانية كانت أو زائدة، داخلة فى البيان النبوى للقرآن الكريم - كما سنفصله بعد قليل -. يدل على ذلك ما ذكره فى مسألة "أصول السنة فى القرآن الكريم" (٦) ومسألة: "السنة التشريعية لا يلزم أن يكون لها أصل فى الكتاب" (٧) .

стр. 632

فكل سنة زائدة عما فى القرآن الكريم عند من يرى استقلال السنة بالتشريع هى عنده لها أصل فى القرآن الكريم، ويدخلها فى السنة البيانية، ولم ينازع فى حجيتها، ووجوب العمل بها خلافاً لمن تأول كلامه فى هذه المسألة، ومسألة (استقلال السنة بالتشريع) ونازع فى الحجية. ... وهنا نرى أنه ليس فى حقيقة الأمر خلاف! وإنما هو إن صح التعبير، صورة خلاف اعتبارية لمدارك بعيدة كل البعد عن منزلة السنة التشريعية، وحجيتها، ووجوب العمل بها. وتتلخص هذه المدارك فيما كان عليه السلف الصالح إذا عرض عليهم قضاء، يبحثون أولاً فى كتاب الله ، فإذا لم يجدوا فى كتاب الله، انتقلوا إلى السنة المطهرة (١) . وهل فى ذلك ما يخدش فى أصل مسألتنا وهى: أن القرآن والسنة فى مرتبة واحدة، فى الاحتجاج ووجوب العمل بهما؟ ... وإلى ذلك ذهب الأستاذ محمد سعيد منصور ثم قال: "وجملة القول: أن السنة إذا صحت تكون منزلتها ومنزلة الكتاب، سواء بسواء فى الاعتبار، والاحتجاج عند المجتهدين عامة" (٢) أ. هـ. ... ويقول المستشار الدكتور على جريشة رداً على من وهن من رتبة السنة المطهرة فجعلها فى مستوى المذكرة التفسيرية بالنسبة للقانون، قال: "السنة ليست مذكرة تفسيرية، لأن المذكرة التفسيرية لا يمكن أن ترتفع إلى نفس مرتبة التشريع، بل وتحوى أى إلزام، والسنة غير ذلك ... ترتفع مع الكتاب إلى أن تكون المصدر الرئيسى للشرعية.

стр. 633

وربما كان مرجع الشبهة أن السنة فى جزء كبير منها مبينة للكتاب ...، لكن بيان السنة منه التخصيص، والتقييد، والتأكيد، ثم التفصيل والتفسير ...، إلى جواز السنة الزائدة التى تأتى بأحكام مستقلة ... وفى الجزء المفسر، والمفصل يتوافر الإلزام كما يتوافر للقرآن...، ولا تهبط السنة إلى مستوى عدم الإلزام، كما تهبط المذكرة التفسيرية للقانون (١) ". ومما يؤسف له أن بعض علماء المسلمين قد أساؤا فهم الإمام الشاطبى فى مسألتنا هذه، ومسألة استقلال السنة بالتشريع، فأنكروا السنة الزائدة، كما اتخذ أعداء السنة المطهرة من كلام الشاطبى فى المسألتين ستاراً، للتشكيك فى حجية السنة النبوية واستقلالها بتشريع الأحكام أ. هـ. استقلال السنة بتشريع الأحكام ... لا يقتصر دور السنة على بيان ما فى القرآن الكريم فقط، فتؤكده تارة، أو تفصل مجمله، وتقيد مطلقه، وتخصص عامه، وتوضح مشكله، تارة أخرى. ... نقول: لا يقتصر دور السنة على ذلك فقط - رغم أهمية هذا وخطورته، بل لها مهمة أخرى جليلة وعظيمة. وهى أنها تؤسس أحكاماً على جهة الاستقلال وهذا ما عنيناه بالمهمة الثالثة للسنة فى تقسيمنا السابق (٢) . إذ أن فى السنة أحكاماً كثيرة جديدة لم ترد فى القرآن لا نصاً ولا صراحة، ويتفق العلماء أجمع على وجود تلك الأحكام، ولكنهم يختلفون خلافاً لفظياً حول تسمية تلك الأحكام التى استقلت السنة المطهرة بتأسيسها. ... فالجمهور من العلماء يقولون: إن هذا هو الاستقلال فى التشريع بعينه؛ لأنه إثبات لأحكام لم ترد فى الكتاب.

стр. 634

.. أما الإمام الشاطبى ومن نحا نحوه: فإنهم مع إقرارهم بوجودها، إلا أنهم يقولون: إنها ليست زيادة على شئ ليس فى القرآن، وإنما هى زيادة الشرح، المستنبط من المشروح بإلهام إلهى، ووحى ربانى، وتأييد سماوى (١) . وبعبارة أخرى هى داخلة تحت أى نوع من أنواع السنة البيانية، أو داخلة تحت قاعدة من قواعد القرآن الكريم. يقول الدكتور السباعى: "وأنت ترى هنا أن الخلاف لفظى، وأن كلا منهما يعترف بوجود أحكام فى السنة لم تثبت فى القرآن الكريم، ولكن أحدهما لا يسمى ذلك استقلالاً، والآخر يسميه. والنتيجة واحدة (٢) ، وهى حجية تلك الأحكام الزائدة ووجوب العمل بها. بيان أن الخلاف لفظى مع فريق وحقيقى مع آخر: ... لقد ذكر الإمام الشاطبى ستة مآخذ للمخالفين فى بيان أن كل ما ورد فى السنة مبين فى الكتاب، الخمسة الأولى منها أيدها الإمام الشاطبى، وكان الخلاف فيها بين الفريقين خلافاً لفظياً لا ينبنى عليه عمل (٣) . ... أما الذين أثاروا خلافاً حقيقياً حول هذه المسألة؛ فهم أصحاب المأخذ السادس، إذ يقولون فيه: "ومنها - يعنى أن جميع السنة بيان للكتاب - النظر إلى تفاصيل الأحاديث، فى تفاصيل القرآن، وإن كان فى السنة بيان زائد، ولكن صاحب هذا المأخذ يتطلب أن يجد كل معنى فى السنة مشاراً إليه - من حيث وضع اللغة لا من جهة أخرى - أو منصوصاً عليه فى القرآن (٤) .

стр. 635

.. فهذا هو المأخذ الذى لو تم، لكان مبطلاً لما اتفق عليه الجميع، من وجود سُّنة جاءت بما لم ينص عليه الكتاب نصاً، ويمكن للمجتهد أن يأخذ به بحسب أوضاع اللغة، ومعانيها الحقيقية والمجازية، ولكنه لن يتم ولا يمكن تطبيقه على جميع ما ورد فى السنة، ومحاولة تطبيقه محاولة فاشلة (١) . ... وقد اعترف الإمام الشاطبى نفسه بذلك بعد أن غاص فى عمق أدلة هذا المأخذ، وكانت الغاية التى انتهى إليها الاعتراف ببطلان هذا المأخذ وانحراف أصحابه، إذ يقول تعليقاً على هذا المأخذ: "ولكن القرآن لا يفى بهذا المقصود على النص والإشارة العربية التى تستعملها العرب أو نحوها، وأول شاهد فى هذا الصلاة، والحج، والزكاة، والحيض، والنفاس، واللقطة، والقراض، والمساقاة، والديات، والقسامات، وأشباه ذلك من أمور لا تحصى. ... فالملتزم لهذا (أى المأخذ السادس) لا يفى بما ادعاه، إلا أن يتكلف فى ذلك مآخذ لا يقبلها كلام العرب، ولا يوافق على مثلها السلف الصالح، ولا العلماء الراسخون فى العلم، ولقد رام بعض الناس فتح هذا الباب (٢) الذى شرع فى التنبيه عليه فلم يوف به إلا على التكلف المذكور، والرجوع إلى المأخذ الأول فى مواضع كثيرة لم يتأت له فيها نص ولا إشارة إلى خصوصات ما ورد فى السنة، فكان ذلك نازلاً بقصده الذى قصد (٣) . إذاً فهو قول غير صحيح، وبعيد كل البعد عن الحقيقة أ. هـ.
следующие страницы →