← Общие книги

Общие книги · id 1820

كتابات أعداء الإسلام ومناقشتها

عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى

Полный текст (1 177 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

.. وقد سبق الدكتور عبد الغنى فى قوله هذا الإمام الشافعى فى الرسالة (١) ، وابن حزم فى الإحكام (٢) ، وحديثاً الدكتور السباعى (٣) . بيان أن الخلاف فى المسألة لفظى ... الحق: أن قول الإمام الشاطبى بتأخر رتبة السنة عن الكتاب فى الاعتبار راجعة إلى المدارك التى ذكرها الدكتور عبد الغنى عبد الخالق كظنية الطريق فى خبر الواحد، وقطعية القرآن، وهو ما عبر عنه الإمام الشاطبى فى أول حججه على تأخر رتبة السنة عن الكتاب قال: "أن الكتاب مقطوع به، والسنة مظنونة" (٤) . ولو تأملنا فى بقية حججه لرأينا أنه ليس فيها ما يدل على التفضيل بين الكتاب والسنة من حيث الحجية، ووجوب العمل بهما، بحيث إذا وقع تعارض ظاهرى بينهما يعمل بالكتاب دون السنة، بدون نظر فى أدلة الجمع والترجيح والنسخ. فهذا لا يصح بحال أن يذهب ذاهب إليه، ولا يصح نسبة ذلك إلى الإمام الشاطبى. وما قد يفهم من قوله فى السنة الزائدة: "إن لم تكن بياناً فلا يعتبر بها إلا بعد أن لا يوجد فى الكتاب" (٥) فهذا الكلام لا يفهم منه رد الإمام الشاطى للسنة الزائدة الصحيحة عن النبى ﷺ (وحاشاه من ذلك) كل ما فى الأمر أنه يذهب إلى أن السنة كلها، بيانية كانت أو زائدة، داخلة فى البيان النبوى للقرآن الكريم - كما سنفصله بعد قليل -. يدل على ذلك ما ذكره فى مسألة "أصول السنة فى القرآن الكريم" (٦) ومسألة: "السنة التشريعية لا يلزم أن يكون لها أصل فى الكتاب" (٧) .

стр. 632

فكل سنة زائدة عما فى القرآن الكريم عند من يرى استقلال السنة بالتشريع هى عنده لها أصل فى القرآن الكريم، ويدخلها فى السنة البيانية، ولم ينازع فى حجيتها، ووجوب العمل بها خلافاً لمن تأول كلامه فى هذه المسألة، ومسألة (استقلال السنة بالتشريع) ونازع فى الحجية. ... وهنا نرى أنه ليس فى حقيقة الأمر خلاف! وإنما هو إن صح التعبير، صورة خلاف اعتبارية لمدارك بعيدة كل البعد عن منزلة السنة التشريعية، وحجيتها، ووجوب العمل بها. وتتلخص هذه المدارك فيما كان عليه السلف الصالح إذا عرض عليهم قضاء، يبحثون أولاً فى كتاب الله ، فإذا لم يجدوا فى كتاب الله، انتقلوا إلى السنة المطهرة (١) . وهل فى ذلك ما يخدش فى أصل مسألتنا وهى: أن القرآن والسنة فى مرتبة واحدة، فى الاحتجاج ووجوب العمل بهما؟ ... وإلى ذلك ذهب الأستاذ محمد سعيد منصور ثم قال: "وجملة القول: أن السنة إذا صحت تكون منزلتها ومنزلة الكتاب، سواء بسواء فى الاعتبار، والاحتجاج عند المجتهدين عامة" (٢) أ. هـ. ... ويقول المستشار الدكتور على جريشة رداً على من وهن من رتبة السنة المطهرة فجعلها فى مستوى المذكرة التفسيرية بالنسبة للقانون، قال: "السنة ليست مذكرة تفسيرية، لأن المذكرة التفسيرية لا يمكن أن ترتفع إلى نفس مرتبة التشريع، بل وتحوى أى إلزام، والسنة غير ذلك ... ترتفع مع الكتاب إلى أن تكون المصدر الرئيسى للشرعية.

стр. 633

وربما كان مرجع الشبهة أن السنة فى جزء كبير منها مبينة للكتاب ...، لكن بيان السنة منه التخصيص، والتقييد، والتأكيد، ثم التفصيل والتفسير ...، إلى جواز السنة الزائدة التى تأتى بأحكام مستقلة ... وفى الجزء المفسر، والمفصل يتوافر الإلزام كما يتوافر للقرآن...، ولا تهبط السنة إلى مستوى عدم الإلزام، كما تهبط المذكرة التفسيرية للقانون (١) ". ومما يؤسف له أن بعض علماء المسلمين قد أساؤا فهم الإمام الشاطبى فى مسألتنا هذه، ومسألة استقلال السنة بالتشريع، فأنكروا السنة الزائدة، كما اتخذ أعداء السنة المطهرة من كلام الشاطبى فى المسألتين ستاراً، للتشكيك فى حجية السنة النبوية واستقلالها بتشريع الأحكام أ. هـ. استقلال السنة بتشريع الأحكام ... لا يقتصر دور السنة على بيان ما فى القرآن الكريم فقط، فتؤكده تارة، أو تفصل مجمله، وتقيد مطلقه، وتخصص عامه، وتوضح مشكله، تارة أخرى. ... نقول: لا يقتصر دور السنة على ذلك فقط - رغم أهمية هذا وخطورته، بل لها مهمة أخرى جليلة وعظيمة. وهى أنها تؤسس أحكاماً على جهة الاستقلال وهذا ما عنيناه بالمهمة الثالثة للسنة فى تقسيمنا السابق (٢) . إذ أن فى السنة أحكاماً كثيرة جديدة لم ترد فى القرآن لا نصاً ولا صراحة، ويتفق العلماء أجمع على وجود تلك الأحكام، ولكنهم يختلفون خلافاً لفظياً حول تسمية تلك الأحكام التى استقلت السنة المطهرة بتأسيسها. ... فالجمهور من العلماء يقولون: إن هذا هو الاستقلال فى التشريع بعينه؛ لأنه إثبات لأحكام لم ترد فى الكتاب.

стр. 634

.. أما الإمام الشاطبى ومن نحا نحوه: فإنهم مع إقرارهم بوجودها، إلا أنهم يقولون: إنها ليست زيادة على شئ ليس فى القرآن، وإنما هى زيادة الشرح، المستنبط من المشروح بإلهام إلهى، ووحى ربانى، وتأييد سماوى (١) . وبعبارة أخرى هى داخلة تحت أى نوع من أنواع السنة البيانية، أو داخلة تحت قاعدة من قواعد القرآن الكريم. يقول الدكتور السباعى: "وأنت ترى هنا أن الخلاف لفظى، وأن كلا منهما يعترف بوجود أحكام فى السنة لم تثبت فى القرآن الكريم، ولكن أحدهما لا يسمى ذلك استقلالاً، والآخر يسميه. والنتيجة واحدة (٢) ، وهى حجية تلك الأحكام الزائدة ووجوب العمل بها. بيان أن الخلاف لفظى مع فريق وحقيقى مع آخر: ... لقد ذكر الإمام الشاطبى ستة مآخذ للمخالفين فى بيان أن كل ما ورد فى السنة مبين فى الكتاب، الخمسة الأولى منها أيدها الإمام الشاطبى، وكان الخلاف فيها بين الفريقين خلافاً لفظياً لا ينبنى عليه عمل (٣) . ... أما الذين أثاروا خلافاً حقيقياً حول هذه المسألة؛ فهم أصحاب المأخذ السادس، إذ يقولون فيه: "ومنها - يعنى أن جميع السنة بيان للكتاب - النظر إلى تفاصيل الأحاديث، فى تفاصيل القرآن، وإن كان فى السنة بيان زائد، ولكن صاحب هذا المأخذ يتطلب أن يجد كل معنى فى السنة مشاراً إليه - من حيث وضع اللغة لا من جهة أخرى - أو منصوصاً عليه فى القرآن (٤) .

стр. 635

.. فهذا هو المأخذ الذى لو تم، لكان مبطلاً لما اتفق عليه الجميع، من وجود سُّنة جاءت بما لم ينص عليه الكتاب نصاً، ويمكن للمجتهد أن يأخذ به بحسب أوضاع اللغة، ومعانيها الحقيقية والمجازية، ولكنه لن يتم ولا يمكن تطبيقه على جميع ما ورد فى السنة، ومحاولة تطبيقه محاولة فاشلة (١) . ... وقد اعترف الإمام الشاطبى نفسه بذلك بعد أن غاص فى عمق أدلة هذا المأخذ، وكانت الغاية التى انتهى إليها الاعتراف ببطلان هذا المأخذ وانحراف أصحابه، إذ يقول تعليقاً على هذا المأخذ: "ولكن القرآن لا يفى بهذا المقصود على النص والإشارة العربية التى تستعملها العرب أو نحوها، وأول شاهد فى هذا الصلاة، والحج، والزكاة، والحيض، والنفاس، واللقطة، والقراض، والمساقاة، والديات، والقسامات، وأشباه ذلك من أمور لا تحصى. ... فالملتزم لهذا (أى المأخذ السادس) لا يفى بما ادعاه، إلا أن يتكلف فى ذلك مآخذ لا يقبلها كلام العرب، ولا يوافق على مثلها السلف الصالح، ولا العلماء الراسخون فى العلم، ولقد رام بعض الناس فتح هذا الباب (٢) الذى شرع فى التنبيه عليه فلم يوف به إلا على التكلف المذكور، والرجوع إلى المأخذ الأول فى مواضع كثيرة لم يتأت له فيها نص ولا إشارة إلى خصوصات ما ورد فى السنة، فكان ذلك نازلاً بقصده الذى قصد (٣) . إذاً فهو قول غير صحيح، وبعيد كل البعد عن الحقيقة أ. هـ.

стр. 636

الإمام الشاطبى ومن أساء فهمه من علماء المسلمين ومن اتخذ كلامه من أعداء السنة ستاراً للتشكيك فى حجية السنة، واستقلالها بتشريع الأحكام ... عرفنا فيما سبق أن الإمام الشاطبى عندما قال بتأخر مرتبة السنة عن الكتاب، كان ذلك لمدارك بعيدة كل البعد عن منزلة السنة التشريعية، وحجيتها ووجوب العمل بها. فكان الخلاف ببينه وبين جمهور العلماء خلافاً لفظياً - كما سبق -. ... وعرفنا أيضاً: أنه فى مسألة استقلال السنة بالتشريع، أقر بوجود الأحكام التى استقلت بها السُّنة، إلا أنه لم يسم ذلك (استقلالاً) وإنما سماه (بياناً) فهو يرى أن وظيفة السنة البيان بأنواعه، من تفصيل مجمل، وتقييد مطلق، وتخصيص عام، وتوضيح مشكل، وما جاء زائداً فى السُّنة هو فى نظره نوع من أنواع البيان، وداخل تحت قاعدة من قواعد القرآن الكريم. ... وفى كل الأحوال هذا البيان حجة ويجب العمل به. ومن هنا كان الخلاف بينه وبين جمهور العلماء فى تلك المسألة أيضاً خلافاً لفظياً لا يترتب عليه عمل. اللهم إلا أصحاب المأخذ السادس الذين أنكروا ورود السنة بما لم ينص عليه الكتاب.فكان الخلاف بينهم وبين الجمهور خلافاً حقيقياً، وقد علمت أن الإمام الشاطبى لم يتابعهم على ذلك. إلا أن بعض علماء المسلمين أساء فهم الإمام الشاطبى فى المسألتين (تأخر مرتبة السنة فى الاعتبار عن القرآن) و (استقلال السنة بالتشريع) التى عنون لها بـ (أصول السنة فى القرآن الكريم) (١) . والتى فصلها فى عنوان (كيفية رجوع السنة إلى الكتاب) (٢) ، حيث فهموا أن الإمام الشاطبى لا يؤمن إلا بالسنة البيانية المفسرة، أما المستقلة فلا، حيث زعموا أنه يرى أن السنة لا تستقل بتشريع أحكام زائدة، فمهمة الرسول البلاغ والبيان فقط. ... وممن فهم ذلك الشيخ محمد عبد العزيز الخولى ﵀ فى كتابه (مفتاح السنة) بعد أن استشهد بكلام الشاطبى فى أن السنة راجعة فى معناها إلى الكتاب، تفصل مجمله، وتبين مشكله، وتبسط مختصره، وذكر بيان الشاطبى فى كيفية رجوع السنة إلى الكتاب.

стр. 637

قال الأستاذ عبد العزيز الخولى: "وأما ما ورد فى السنة من الأحكام، فإن كان مخالفاً لظاهر القرآن فالقرآن مقدم عليه، ويعتبر ذلك طعناً فى الحديث من جهة متنه ولفظه، وإن صح سنده، فإن الحديث لا يكون حجة إلا إذا سلم سنده ومتنه من الطعن، ولذلك أجاز بعض المسلمين نكاح المرأة على عمتها أو خالتها (١) . ... وهنا يظهر واضحاً جلياً كيف أساء الشيخ فهم كلام الإمام الشاطبى حتى اتخذ الخولى لنفسه مذهباً فى العمل بظاهر القرآن فقط، والذهاب إلى عدم حجية السنة المبينة أيضاً. بدليل أنه بعد أن ذكر نماذج من الأحكام التى استقلت بها السنة، مثل: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، وتحريم الحمر الأهلية، وكل ذى ناب من السباع، ورجم المحصن- الذى زعم أن الأدلة فيه مضطربة، ويصح أن تشمله آية ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٢) . ... بعد أن ذكر ذلك قال: "وإن كان ما فى السنة لا يخالف ظاهر القرآن، فهو اجتهاد من الرسول ﷺ يرجع إلى أصل قرآنى عرفه الرسول، وجهلناه نحن أو عرفناه (٣) . فتأمل قوله فى البيان النبوى: (وجهلناه نحن أو عرفناه) إذ العبرة عنده فى أول الأمر وآخره، هى: ظاهر القرآن سواء عرف السنة البيانية، أم جهلها، فهى فى حالة معرفته بها لم تضف جديداً، وفى هذه الحالة العبرة بالقرآن، وفى حالة استقلالها بتشريع أحكام جديدة، تكون السنة مخالفة لظاهر القرآن؛ فلا حجة فيها هكذا يزعم!

стр. 638

.. يقول الدكتور عبد الغنى عبد الخالق: "وليت شعرى إذا لم تكن السنة مبينة، ولا مستقلة فماذا بقى فى السنة، مما يكون حجة – إلا المؤكد؟ وكيف يمكن الجمع بين قوله هذا، وبين قوله (١) : "وإن الرسول ﷺ وظيفته البيان، وتبليغ ما أنزل إليه من ربه" (٢) . فلا أدرى علام إذن يستشهد بكلام الإمام الشاطبى الذى يقول: بأن السنة بيان للقرآن الكريم، وحتى ما استقلت به السنة داخل فى هذا البيان الواجب العمل به!! ... وإذا كان حقاً فهم مراد الشاطبى من كلامه، فلم لم يؤمن بما آمن به الشاطبى من أن الأحكام الزائدة فى السنة داخلة فى القرآن الكريم فى بيانه أو قواعده (٣) ؟! تلك الأحكام التى انكرها الشيخ مع إيمان الإمام الشاطبى بها كما سبق وسنفصله بالأمثلة بعد قليل. وأعجب من هذا كله زعمه بأن الذى أجاز نكاح المرأة على عمتها أو خالتها بعض المسلمين - وهم فى نظره الخوارج والشيعة، والروافض (٤) . فهل هؤلاء مسلمون؟!! ... وممن أساء فهم الإمام الشاطبى أيضاً، وأساء فى النقل عنه فضيلة الشيخ عبد الله المشَّد ﵀ فى فتواه المشهورة التى سئل فيها عن حكم من أنكر استقلال السنة بإثبات الإيجاب والتحريم يعد كافراً أم لا؟ (٥) .

стр. 639

.. إذ يقول الشيخ مستشهداً بالإمام الشاطبى: "إن السنة لا تستقل بإثبات الواجب والمحرم، لأن وظيفتها فقط تخصيص عام القرآن، وتقييد مطلقه، وتفسير مجمله، "ويجب أن يكون ذلك بالأحاديث المتواترة لا الآحادية. وقال أيضاً: "وأجاب الشاطبى عما أورده الجمهور عليه من قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١) بأن المراد من وجوب طاعة الرسول، إنما هو فى تخصيصه للعام، وتقييده للمطلق، وتفسيره للمجمل، وذلك بالحديث المتواتر" (٢) . وليت شعرى من يجرؤ على القول بأن بيان السنة للقرآن أو استقلالها بإثبات الواجب والمحرم، يجب أن يكون بالسنة المتواترة؟ فإذا كان هذا الكلام من زيادات الشيخ على كلام الإمام الشاطبى فأين دليله على ما زعمه؟!! ... وإذا كان هذا من كلام الإمام الشاطبى كما يوهمه كلام الشيخ، فغير صحيح، لأن الشاطبى فى كلامه عن بيان السنة للقرآن الكريم فى أكثر من موضع فى كتابه "الموافقات" لم يشترط هذا الشرط لا صراحة ولا إشارة (٣) . ويشهد لصحة ما أقول أن الإمام الشاطبى ﵀ فى كل مواضع كلامه عن بيان السنة للقرآن استشهد بأحاديث كثيرة كلها آحاد. بما فى ذلك الموضع الذى تكلم فيه عن استقلال السنة بتشريع أحكام زائدة عما فى القرآن، من تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة، وخالتها، وتحريم كل ذى ناب من السباع، والحمر الأهلية، ونكاح المتعة، وإيجابه حد الردة، والرجم، وحد شرب الخمر، وغير ذلك الكثير مما ثبت بالسنة إيجاباً وتحريماً، وكانت السنة فى كل ذلك آحاداً (٤) ، ولم يشترط التواتر، ولا حتى نسب هذا الشرط إلى أحد ممن يعتد به، فلا أدرى من أين جاء الشيخ المشد بها الشرط؟!!

стр. 640

كيف والإمام الشاطبى هو القائل: "وأخبار الآحاد هى عمدة الشريعة، وهى أكثر الأدلة" (١) . ... وفى كتابه الاعتصام يقول رداً على من طعن فى أخبار الآحاد، لأنها تفيد الظن قال: "فعلى كل تقدير: خبر الواحد صح سنده، فلابد من استناده إلى أصل فى الشريعة قطعى، فيجب قبوله، ومن هنا قبلناه مطلقاً" (٢) . ويقول فى كتابه الموافقات: "الظنى الراجع إلى أصل قطعى إعماله أيضاً ظاهر، وعليه عامة أخبار الآحاد، فإنها بيان للكتاب" (٣) أ. هـ. ... ولو لم يكن إلا هذا لكفى فى الرد على ما نسبه الشيخ المشد إلى الإمام الشاطبى، أو اشترطه هو بغير بينة. ولكن كيف: والإمام الشاطبى فى كل مواضع كلامه عن بيان السنة للقرآن، يحتج بأحاديث آحاد على إثباتها للواجب والمحرم، ويكفى أن تنظر لصحة ما أقول: المسائل الآتية فى كتابه الموافقات: "من مقاصد الشرع، عدم التسوية بين المندوب، والواجب"، و"البيان والإجمال فى المباح والمكروه والمندوب"، و"البيان والإجمال فى المكروه والحرام" (٤) . ... وأعجب مما سبق تضعيف الشيخ المشد لحديث المقدام بن معد يكرب ﵁، ونسبته هذا التضعيف إلى الإمام الشاطبى وهو من هذا التضعيف برئ.

стр. 641

.. يقول الشيخ المشد: "وقد رد الشاطبى (١) على ما استدل به الجمهور مما روى عن النبى ﷺ قوله: "يوشك الرجل متكئاً على أريكته يحدث بحديث من حديثى فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله ، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، إلا وإن ما حرم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله" بأن من بين رواة هذا الحديث "زيد بن الحُباب" وهو كثير الخطأ، ولذلك لم يرو عنه الشيخان حديثاً واحدا" (٢) . وسبقه إلى القول بهذا الشيخ محمد عبد العزيز الخولى فى كتابه (مفتاح السنة) (٣) أ. هـ. ... والحق أن الحديث صحيح لا مطعن فيه، فقد أخرجه الأئمة أبو داود، والترمذى وقال فيه حسن صحيح، وأخرجه ابن حبان فى صحيحه، وحكم بصحته ابن حزم، وغيره من العلماء (٤) والحديث فى كل الطرق السابقة ليس فيه"زيد بن الحُباب"إنما هو فى رواية ابن ماجة. ومع ذلك فقد قال الحافظ ابن حجر فى التقريب "زيد بن الحُباب" صدوق يخطئ فى حديث الثورى" (٥) ورواية زيد هنا فى حديثنا إنما هى من حديث معاوية بن صالح، وليست من حديث سفيان الثورى (٦) . ... وفى نفس الوقت لم ينفرد (زيد بن الحُباب) بالرواية عن معاوية بن صالح، فقد أخرجه الحاكم فى المستدرك من طريقين عن عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح، ومن طريق أحمد (٧) فى المسند عن عبد الرحمن بن مهدى، عن معاوية بن صالح (٨) .

стр. 642

.. وما نسبه الشيخ المشد من نسبة تضعيف الحديث إلى الإمام الشاطبى يبطله قول الإمام الشاطبى: قوله ﷺ : "يوشك الرجل منكم متكئاً على أريكته" إلى آخره لا يتبادل ما نحن فيه (أى مسألة استقلال السنة بتشريع الأحكام) فإن الحديث إنما جاء فيمن يطرح السنة معتمداً علىرأيه فى فهم القرآن، وهذا لم ندعه فى مسألتنا هذه، بل هو رأى أولئك الخارجين عن الطريقة المثلى.وقوله ﷺ :"ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله" (١) صحيح أ. هـ. ... أليس فى هذا حكم من الإمام الشاطبى باعتماده صحة الحديث، وأخذه بما حرم رسول الله ﷺ مما هو زائد من الأحكام التى ليست فى كتاب الله وله حكم ما حرم رب العزة فى كتابه العزيز من الحجية، ووجوب العمل به، إلا أنه لا يسمى هذا الزائد استقلالاً، وإنما يسميه بياناً، وهو مما لم يستوعبه الشيخ المشَّد–﵀–حتى ختم فتواه بقوله: "إن الإيجاب والتحريم لا يثبتان إلا بالدليل اليقينى القطعى الثبوت والدلالة، وهذا بالنسبة للسنة لا يتحقق إلا بالأحاديث المتواترة، وحيث أنها تكاد تكون غير معلومة لعدم اتفاق العلماء عليها فإن السنة لا تستقل بإثبات الإيجاب والتحريم–إلا أن تكون فعلية أو تنضاف إلى القرآن الكريم وعلى هذا فمن أنكر استقلال السنة بإثبات الإيجاب والتحريم، فهو منكر لشئ اختلف فيه الأئمة، ولا يعد مما علم بالضرورة، فلا يعد كافراً" (٢) .

стр. 643

.. وهذه الفتوى تمسح بها دعاة الفتنة وأدعياء العلم، وهم يشككون فى حجية السنة المطهرة، مثل أحمد صبحى منصور استشهد بها فى كتابيه "حد الردة" (١) ، "ولماذا القرآن" (٢) وسعيد العشماوى فى كتابيه "الربا والفائدة فى الإسلام" (٣) ، "وحقيقة الحجاب" (٤) ، وجمال البنا فى كتابه (كلا لفقهاء التقليد ثم كلا لأدعياء التنوير) (٥) . ... وممن تغالى فى إساءة فهم كلام الإمام الشاطبى واتخذه ستاراً لمذهبه، وهو يشكك فى حجية السنة، أحمد حجازى السقا إذ يقول: "اتفقت كلمة علماء المسلمين على أن القرآن مصدر الشريعة، وما عدا القرآن من أقوال النبى ﷺ ، وأفعاله، وتقريراته، لم يتفقوا على قبوله كله مصدراً للشريعة كما اتفقوا على قبول القرآن كله. فما كان من أقواله وأفعاله وتقريراته مفسراً ومبيناً وشارحاً وصح سنده. فقد اتفقوا على قبوله مع القرآن. وما كان غير مفسر، ومبين وشارح لم يتفقوا عليه كلهم" (٦) . ولم يبين لنا حقيقة هذا الاختلاف، وقد علمت أنه خلاف لفظى لا ينبنى عليه عمل. ورغم ذلك يضلل أحمد حجازى بقوله عن الأحكام التى استقلت السنة بتأسيسها: "وهذا القسم هو محل النزاع بين العلماء. فمن قائل: إن الأحاديث التى تشرع تشريعات لا ذكر لها فى القرآن ترفض، ومن قائل: إنها تقبل" (٧) . وعلى عادته لم يسم لنا مَنْ مِنَ العلماء المعتد بهم الذى قال أن التشريعات التى لا ذكر لها فى القرآن ترفض.

стр. 644

ثم يفترى كذباً بنسبة ذلك الرفض، والخلاف إلى الفقهاء بقوله: "إن الأحاديث المستقلة بتشريع عن القرآن هى محل نظر، وبحث، وأخذ، ورد، بين الفقهاء، وهى التى ميزت المذاهب الفقهية عن بعضها، ووسعت دائرة الخلاف بين المسلمين، ويجب على علماء المسلمين أن يقبلوا من السنة: (أ) النوع المفسر، (ب) النوع الموافق. وذلك لتقيل الخلافات بين المسلمين (١) . ولم يسم لنا من هم المسلمون الذين اختلفوا؟ ونفس هذا الكذب ردده فى كتابه (دفع الشبهات عن الشيخ الغزالى) إذ يقول: "إذا كانت الآية القرآنية تدل على حكم. ووجد فى الأحاديث: أ- حديث موافق للآية. ب- وحديث غير موافق. ... ففى هذه الحالة يجب على الفقيه أن يأخذ بالحديث الموافق للآية، ويترك الحديث غير الموافق للآية، وإن كان صحيح السند من رواية مسلم بن الحجاج" (٢) . ... وهو فى كل هذا الذى يزعمه كذباً يتمسح بكلام الإمام الشاطبى فى الموافقات، موهماً بأن الإمام الشاطبى يقول بكذبه (٣) .

стр. 645

تمسح دعاة الفتنة وأدعياء العلم بإيمانهم بالسنة البيانية وبيان مرادهم وهدفهم من ذلك ... التمسح بالإيمان بالسنة البيانية بالمفهوم الذى قال به أحمد حجازى السقا ردده (دعاة على أبواب جهنم) ممن هم من جلدتنا، ويتكلمون بلغتنا، وينتسبون إلى أمتنا الإسلامية. مثل إسماعيل منصور إذ يقول: "إن السنة الحقة هى سنة واحدة، سنة الله ، وليست هناك سنة أخرى غيرها، وإنما للرسول ﷺ ، بيان نبوى للقرآن الكريم "نرفعه على العين والرأس متى ثبت تحقيقاً، لا يخالف - بأى حال - أحكام ومدلولات القرآن الكريم (١) فنقبله كبيان فحسب وليس تشريعاً مستقلاً" (٢) . ... ثم يصف قيمة السنة البيانية بقوله: "إنها للاستئناس لا للاستدلال، وللبيان لا للإثبات، الأمر الذى يجعل الآخذين بها والرافضين لها -أمام الشرع-على حدٍ سواء. فلا إلزام لأى طرف منهما على قبول رأى الآخر، فالآخذ بها فعله مقبول، والرافض لها فعله مقبول كذلك" (٣) ... ويقول الرافضى صالح الوردانى: "القرآن هو المصدر الوحيد الذى نمسك به بين أيدينا وليس محل خلاف، وما دونه من المصادر هى محل خلاف بين المسلمين، وعلى رأسها مصدر السنة أو الأحاديث، وحيث إن السنة هى تبيين للقرآن فإن هذا التبيين إنما يكون فى حدود القرآن ولا يتجاوزه، وإذا ما تبين لنا أن مهمة الرسول ﷺ هى تبليغ ما يوحى إليه من ربه فلا يجوز للرسول أن يضيف أحكاماً فوق أحكام القرآن، فمهمته تنحصر فى تبليغ القرآن، وتبيينه للناس، وتنتهى هذه المهمة بوفاته" (٤) .

стр. 646

ويقول أيضاً: "إن الرسول إنما كان يدعوا دائماً إلى التمسك بهدى القرآن وحكمه، لا بهديه وحكمه هو. فهو وظيفته التبيين والتبليغ فقط" (١) . ثم أخذ يجحد ما استقلت بتأسيسه السنة من أحكام. مثل تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، وحد الردة، ونكاح المتعة، وغير ذلك الكثير مما استقلت به السنة (٢) . وللمنكرين حجية السنة المطهرة، واستقلالها بتشريع الأحكام نقول لهم ما قاله العلامة الشوكانى: "إن ثبوت حجية السنة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف فى ذلك إلا من لاحظ له فى دين الإسلام" (٣) . نماذج من الأحاديث التى استقلت السنة النبوية بتشريعها ... أسهب الإمام ابن قيم الجوزية-﵀-فى أعلام الموقعين، فى ذكر الأحكام المستقلة الثبوت بالسنة (٤) ، وقال: "أحكام السنة التى ليست فى القرآن إن لم تكن أكثر منها، لم تنقص عنها، فلو ساغ لنا رد كل سنة زائدة كانت على نص القرآن لبطلت سنن رسول الله ﷺ كلها إلا سنة دل عليها القرآن، وهذا هو الذى أخبر النبى ﷺ بأنه سيقع ولابد من وقوع خبره" (٥) . ومن أمثلة ما استقلت السنة المطهرة بتشريعه، وأنكره أعداء الإسلام، والسنة المطهرة:

стр. 647

١- تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها (١) ، وتحريم الحمر الأهلية (٢) وكل ذى ناب من السباع، وكل ذى مخلب من الطير (٣) ، وأنه يحرم من الرضاعة

стр. 648

ما يحرم من النسب" (١) وأنه لا يقتل مسلم بكافر (٢) ، وحد شارب الخمر (٣) ، وحد الرجم (٤) ، وحد الردة (٥) ، والنهى عن زواج المتعة (٦)

стр. 649

وغير ذلك الكثير والكثير، مما استقلت السنة المطهرة بتشريعة، وجاء متواتراً (١) . ماذا قال الإمام الشاطبى فى الأحكامالتى استقلت السنة بتأسيسها ؟ ... أحب هنا أن نذكر كلام الإمام الشاطبى فى بعض الأحاديث السابقة، وكيف أقر بتأسيس السنة أحكاماً زائدة على ما فى القرآن الكريم، ولكنه لم يسم ذلك استقلالاً كما سماه الجمهور، وإنما سماه بياناً، وأدخله تحت قواعد القرآن الكريم وأقر بحجيته، ووجوب العمل به، وهو ما نازع فيه من استشهد بكلامه. مما يؤكد ما سبق أن ذكرناه أن بعض علمائنا الأجلاء أساء فهم كلام الإمام الشاطبى، كما اتخذ بعض أعداء السنة المطهرة كلامه ستاراً للتشكيك فى حجية السنة، ومكانتها التشريعية. ... يقول الإمام الشاطبى ﵀: "إن الله تعالى حرم الجمع بين الأم وابنتها فى النكاح، وبين الأختين، وجاء فى القرآن: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٢) فجاء نهيه ﷺ عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها من باب القياس، لأن المعنى الذى لأجله ذم الجمع بين أولئك موجود هنا: وقد روى فى هذا الحديث: "فإنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم" والتعليل بشعر بوجه القياس" (٣) . ...

стр. 650

.. ويقول أيضاً فى كتابه الاعتصام باب بيان معنى الصراط المستقيم الذى انحرفت عنه سبل أهل الابتداع فضلت عن الهدى بعد البيان. قولهم (١) : "إن الحديث جاء بأن المرأة لا تنكح على عمتها، ولا على خالتها، وأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، والله تعالى لما ذكر المحرمات لم يذكر من الرضاع إلا الأم والأخت، ومن الجمع إلا الجمع بين الأختين، وقال بعد ذلك: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٢) فاقتضى أن المرأة تنكح على عمتها وعلى خالتها، وإن كان رضاع سوى الأم والأخت حلالاً. ... وهذه الأشياء من باب تخصيص العموم لا تعارض فيه على كل حال" (٣) . فتأمل كيف سمى ذلك الحكم الزائد فى السنة تخصيصاً لعموم القرآن الكريم، ولم يسمه استقلالاً كما سماه جمهور العلماء؛ فكان الخلاف لفظياً.

стр. 651

.. وانظر كيف أخذ بهذا الحكم الزائد، ولم يأخذ به من استشهد بكلامه موهماً أنه لا يأخذ به، فأساء فى فهم كلام الإمام، وأساء فى النقل عنه كما مر. ... وعن الأحكام الزائد فى السنة المطهرة، مثل تحريم الحمر الأهلية، وكل ذى ناب من السباع، وكل ذى مخلب من الطير. قال عن الأحكام السابقة: "إن الله تعالى أحل الطيبات وحرم الخبائث، وبقى بين هذين الأصليين أشياء يمكن لحاقها بأحدهما، فبين (١) ﵊، فى ذلك ما اتضح به الأمر، فنهى عن أكل كل ذى ناب من السباع، وكل ذى مخلب من الطير، ونهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية، وقال إنها رجس (٢) : وسئل ابن عمر عن القنفد فتلا قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (٣) فقال له شيخ عنده سمعت أبا هريرة: يقول ذكر عند النبى ﷺ : فقال:"خبيثة من الخبائث" فقال ابن عمر: إن كان قال رسول الله ﷺ هذا فهو كما قال مَا لَمْ نَدْرِ" (٤) .

стр. 652

.. وعن حديث على بن أبى طالب مرفوعاً "لا يقتل مسلم بكافر" يقول الإمام الشاطبى: "وأما أن لا يقتل مسلم بكافر" فقد انتزعها العلماء من الكتاب، كقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (١) ... ويمكن أن يؤخذ حكم المسألة مأخذ القياس، لأن الله تعالى قال: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ (٢) فلم يقده من الحر للعبد، والعبوديةُ من آثار الكفر فأولى أن لا يُقاد من المسلم للكافر" (٣) . فانظر كيف أخذ بالسنة الزائدة على أنها بيانية على قاعدته ومصطلحه. ورغم ذلك وجد من يطعن فى الحديث (٤) بحجة مخالفته للقرآن: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٥) .

стр. 653

ويقول الإمام الشاطبى فى حد الرجم: "قولهم (١) : هذا مخالف لكتاب الله ، لأنه قضى بالرجم والتغريب، وليس للرجم ولا للتغريب فى كتاب الله ذكر، فإن كان الحديث باطلاً فهو ما أردنا، وإن كان حقاً فقد ناقض كتاب الله بزيادة الرجم والتغريب. يقول الإمام الشاطبى رداً على دعوى المخالفة: فهذا اتباع للمتشابه، لأن الكتاب فى كلام العرب، وفى الشرع يتصرف على وجوه منها الحكم، والفرض كقوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ (٤) ، فكان المعنى: لأقضين بينكما بكتاب الله، أى بحكم الله الذى شرع لنا، ولا يلزم أن يوجد هذا الحكم فى القرآن، كما أن الكتاب يطلق على القرآن، فتخصيصهم الكتاب بأحد المحامل، من غير دليل اتباع لما تشابه من الأدلة" (٥) .

стр. 654

.. ثم قال الإمام الشاطبى: "وقول من زعم (١) أن قوله تعالى فى الإماء: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٢) لا يعقل مع ما جاء فى الحديث أن النبى ﷺ رجم، ورجمت الأئمة بعده؛ لأنه يقتضى أن الرجم ينتصف، وهذا غير معقول، فكيف يكون نصفه على الإماء؟ هذا ذهاباً منهم إلى أن المحصنات هن ذوات الأزواج، وليس كذلك، بل المحصنات هنا المراد بهن الحرائر، بدليل قوله أول الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٣) وليس المراد هنا إلا الحرائر؛ لأن ذوات الأزواج لا تنكح" (٤) أ. هـ. وبعد

стр. 655

إن الأحكام التى انفردت بها السنة كثيرة. وكلها تعطى الدليل الأكيد على أن السنة لها صلاحية تأسيس الأحكام على سبيل الاستقلال - فهى فى ذلك مثل القرآن الكريم، وما شرعته السنة حجة يجب العمل به مثل القرآن الكريم تماماً، وعلى هذا انعقد إجماع من يعتد به من علماء الأمة قديماً وحديثاً. ... والذى يقبل عن رسول الله ﷺ فإنما يقبل أيضاً عن الله تعالى لأن الله تعالى؛ هو الذى أوجب طاعة رسوله ﷺ حيث قال سبحانه: ﴿وَمَاءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) . ... يقول الإمام الجليل محمد بن إدريس الشافعى -فى كتابه الرائع الرسالة بأسلوبه الفصيح البليغ: "وما سن رسول الله فيما ليس لله فيه حكم: فبحكم الله سنه.وكذلك أخبرنا الله فى قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ﴾ (٢) وقد سن رسول الله مع كتاب الله، وسن فيما ليس فيه بعينه نص كتاب، وكل ما سن فقد ألزمنا اتباعه" (٣) ،والانتهاء إلى حكمه. فمن قبل عن رسول الله فبفرض الله قبل" (٤) أ. هـ. مضار إنكار السنة النبوية ... إن الاعتداء على السنة النبوية بإنكارها والتشكيك فى حجيتها يفتح أبواب شر تقوض بنيان الإسلام وذلك لما يلى: أولاً: أن الأحكام الشرعية العلمية الأصولية "العقائد" يتوقف بنيانها وتفاصيلها على السنة النبوية بعد، ومع القرآن الكريم، فإنكار السنة النبوية يهدد العقائد بالبتر والإبهام، فيمس ما يتعلق بالإلهيات، والنبوات، والسمعيات، وما سوى ذلك من مسائل العقائد...، فهل يقام دين على عقائد مبتورة مبهمة؟

стр. 656

ثانياً: القضاء على أصول الأحكام الشرعية العملية "أصول الفقه الإسلامى" لأن هذا العلم يتصدى للأدلة التى تبنى عليها الأحكام، وقد أجمع الأصوليون على أن السنة النبوية المصدر الثانى للتشريع الإسلامى، وعلى هذا فإنكار السنة النبوية يجعل الفقه الإسلامى فى مهب الرياح لعدم ارتكازه على أدلة ولافتقاره إلى أسس. ثالثاً: تحطيم فقه الفروع (المذهبى والمقارن) ؛ لأن جل المسائل الفقهية والوقائع تستند إلى السنة النبوية إما بالبيان والإيضاح كمواقيت وأعداد وهيآت الصلوات المفروضة. وإما بالاستقلال مثل كفارة من أفسد صوم رمضان، وعقوبتى شارب المسكر والمرتد، وأسس الجهاد، والآداب والسلوكيات وفضائل الأعمال وغير ذلك مما سبق ذكره. رابعاً: تشويه علوم القرآن الكريم لاستنادها فى كثير من قضاياها على السنة النبوية، وتهديد علم التفسير لارتكازه فى جل ما يعرض له على السنة النبوية وهكذا: بإنكار السنة النبوية تمسى الأمة بغير تشريع واضح المعالم قوى الدلالة، فقد تعرض أصول التشريع، وفروعه للاهتراء وللاجتراء. ... إن إنكار السنة النبوية يمهد السبل للتشكيك فى القرآن نفسه، وتعطيل الآيات التى تحث وتحض على اتباع رسول الله ﷺ واتخاذه قدوة وتحكيمه والرضا بحكمه وإيثار طاعته على ما سواه" (١) . ... إن الطعن فى السنة النبوية هدم للإسلام فى عقائده، وعباداته، ونظمه، وأخلاقه، وهدم لوحدته وسبب فى تخلف المسلمين عن ركب الحضارة ".

стр. 657

يقول الأستاذ محمد أسد: "لقد كانت السنة مفتاحاً لفهم النهضة الإسلامية منذ أكثر من ثلاثة عشر قرناً، فلماذا لا تكون مفتاحاً لفهم انحلالنا الحاضر؟ إن العمل بسنة رسول الله ﷺ هو عمل على حفظ كيان الإسلام وعلى تقدمه، وإن ترك السنة هو انحلال الإسلام (١) ، وهذا ما يخطط له أعداء الإسلام سواء الظاهرون العداوة له المتظاهرون عليه أو اللابسون عباءته بهتاناً وزوراً! أ. هـ. حكم منكر السنة النبوية ... يقول الإمام محمد بن الحسين الآجرى (٢) فى كتابه الشريعة: "جميع فرائض الله التى فرضها الله جل وعلا فى كتابه، لا يعلم الحكم فيها، إلا بسنن رسول الله ﷺ هذا قول علماء المسلمين، من قال غير هذا خرج عن ملة الإسلام، ودخل فى ملة الملحدين" (٣) . ... وقال الإمام ابن حزم: "ولو أن امرءاً قال: لا نأخذ إلا ما وجدنا فى القرآن لكان كافراً بإجماع الأمة، ولكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل، وأخرى عند الفجر؛ لأن ذلك هو: أقل ما يقع عليه اسم صلاة، ولا حد للأكثر فى ذلك. وقائل هذا أو نحوه كافر مشرك، حلال الدم والمال، وإنما ذهب إلى هذا بعض غالية الرافضة ممن قد اجتمعت الأمة على كفرهم (٤) .

стр. 658

.. وقال الحافظ السيوطى: "فاعلموا رحمكم الله أن من ينكر كون حديث رسول الله ﷺ ، قولاً كان أو فعلاً بشرطه المعروف فى الأصول حجة، كفر وخرج عن دائرة الإسلام، وحشر مع اليهود والنصارى، أو مع من شاء من فرق الكفرة (١) أ. هـ. والله ﵎ أعلى وأعلم

стр. 659

الفصل الثانى: وسيلتهم فى التشكيك فى حجية خبر الآحاد وتحته تمهيد وأربعة مباحث: المبحث الأول: التعريف بالمتواتر، وبيان كثرة وجوده ودرجة ما يفيده من العلم، وحكم العمل به، وحكم جاحده. المبحث الثانى: التعريف بالآحاد، وبيان درجة ما يفيده من العلم، وحجيته، ووجوب العمل به. المبحث الثالث: منكروا حجية خبر الواحد قديماً وحديثاً استعراض شبههم والرد عليها. المبحث الرابع: شروط حجية خبر الواحد، ووجوب العمل به عند المحدثين والرد على شروط المعتزلة ومن قال بقولهم قديماً وحديثاً. تمهيد ... إذا كان الذين ينكرون حجية السنة عامة، قلة قليلة خالفت المسلمين أجمع، وأنكرت ما هو معلوم من الدين بالضرورة - فإن خطورتهم من أجل هذا لم تكن كبيرة، ولم تكن مثل خطورة من أنكروا أخبار الآحاد، فهم أكثر منهم عدداً، ولهم شبههم، التى اتخذوها وسيلة للطعن فى حجية السنة عامة، وشبههم فى هذه الوسيلة من الممكن أن تنطلى على كثير من الناس لو تركت وشأنها. وقبل أن نتعرض لتفنيد شبهاتهم. نذكر أولاً ما اصطلح عليه جمهور العلماء من تقسيم السنة من حيث السند، وعدد الرواة فى كل طبقة إلى متواتر (١) ، وآحاد (٢) معرفين بكل قسم لغة، واصطلاحاً، ودرجة ما يفيده من العلم، وحجيته، ووجوب العمل به. فإلى بيان ذلك فى المباحث التالية: المبحث الأول التعريف بالمتواتر وبيان كثرة وجوده، ودرجة ما يفيده من العلم، وحكم العمل به، وحكم جاحده أولاً: التعريف بالمتواتر لغة واصطلاحاً: المتواتر لغة: مجئ الواحد إثر الواحد بفترة بينهما، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ (٣) . أى متتابعين رسولاً بعد رسول بينهما فترة.

стр. 660

.. فالمواترة المتابعة، ولا تكون بين الأشياء إلا إذا وقعت بينها فترة، وإلا فهى مداركة ومواصلة (١) .والخلاصة أن التواتر هو: التتابع مع التراخى، أو بدون التراخى، والأول أقوى. ... أما فى الاصطلاح: فقد عرفه العلماء قديماً وحديثاً تعريفات كثيرة، ولعل من أجمعها وأمنعها ما عرفه به فضيلة الأستاذ الدكتور مصطفى أمين التازى ﵀ بقوله: "هو ما رواه جمع كثير، يحيل العقل اتفاقهم على الكذب عادة أو صدوره منهم اتفاقاً، عن مثلهم، فى كل طبقة من طبقاته، وأن يكون مستند انتهائهم الحس، ويصحب خبرهم إفادة العلم بنفسه لسامعه (٢) . ثانياً: اختلاف العلماء فى وجود المتواتر: ... يقول فضيلة الأستاذ الدكتور (مصطفى التازى) ﵀: "لا خلاف فى أن الأخبار المتواترة تقع كثيراً فى حياة دنيا الناس اليومية، ففى كل يوم نسمع عن حادثة تقع فى ناحية من النواحى النائية، أو نسمع بتصريح يصدر عن مسئول فى بلد من البلاد فتطير به وكالات الأنباء وتذيعه جميع الإذاعات فى أنحاء العالم فينتشر الخبر بين الناس ويعلم به القريب والبعيد على سواء، ثم لا يكذب من أحد، فيحصل به العلم الجازم عند سامعيه، بصحة الخبر ونسبته إلى قائليه، ولا شك أن هذا من الأخبار المتواترة التى استوفت شروط التواتر، وإنما الخلاف بين العلماء فى وجود الخبر المتواتر فى السنة النبوية، وقد ذهبوا فى هذا الخلاف إلى ثلاثة مذاهب:

стр. 661

١- المذهب الأول: وعليه ابن حبان والحازمى وغيرهما أن الحديث المتواتر فى السنة المستوفى لشروط التواتر لا وجود له بالمرة، وإنما الموجود منه هو الحديث الآحاد الذى قد يبلغ درجة الاستفاضة والشهرة (١) . ٢- المذهب الثانى: أن الحديث المتواتر فى السنة نادر قليل يعز وجوده، وعليه الحافظ أبو عمرو المعروف بابن الصلاح حيث يقول فى مقدمته علوم الحديث: "ومن سئل عن إبراز مثال لذلك فيما يروى من الحديث أعياه تطلبه" (٢) . ٣- المذهب الثالث: وهو مذهب الجمهور أن الحديث المتواتر فى السنة له وجود كثير، وأيد ذلك بأنه يوجد بالفعل أحاديث متواترة كثيرة فى كتب الحديث المشهورة، مثل الكتب الستة والمسانيد، وغيرها، وهذه الكتب قد انتشرت واشتهرت بين أهل العلم وقطعوا بصحة نسبتها إلى أصحابها الذين صنفوها وألفوها، وكثيراً ما تجتمع هذه الكتب، وتتفق على إخراج أحاديث قد تعددت طرقها فىكل طبقات رواتها تعدداً يحيل العقل تواطؤهم على الكذب عادة أو صدوره منهم اتفاقاً، وقد انتهت إلى قول من أقوال الرسول، أو فعل من أفعاله، أو بيان حالة من حالاته. ... وقد أفادنا اجتماعها العلم بصحة نسبة هذه الأحاديث إلى قائلها، ولا شك أن ذلك هو الحديث المتواتر المستوفى لشروطه التى سبق ذكرها.

стр. 662

وقد نص على هذا الحافظ ابن حجر فقال فى شرحه على نخبة الفكر: "ومن أحسن ما يقرر به كون المتواتر موجوداً وجود كثرة فى الأحاديث أن الكتب المشهورة المتداولة بأيدى أهل العلم شرقاً وغرباً المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مصنفيها إذا اجتمعت على إخراج حديث، وقد تعددت طرقه تعدداً تحيل العادة تواطؤهم على الكذب إلى آخر الشروط أفاد العلم اليقينى بصحته إلى قائله، ومثل ذلك فى الكتب المشهورة كثير (١) أ. هـ. ... وقد رد الجمهور على أصحاب المذهبين الأولين القائلين بعدم وجود الحديث المتواتر، أو بعزة وجوده، بأن قولهما إنما نشأ من الآتى: عدم معرفة طرق الأحاديث وعدم الوقوف على أحوال رواتها وصفاتهم. وإما لعدم إطلاعهم عليها. وإما لعدم استيعابهم ذلك، وقصر باعهم عن الوقوف عليها. ولو عرفوا ذلك لعلموا أن هناك أحاديث كثيرة ينطبق عليها شروط التواتر (٢) . ... ويمكن الجمع بين هذه المذاهب الثلاثة بما يلى: أولاً: أن القائلين بعدم وجود الحديث المتواتر إنما أرادوا المبالغة فى بيان قلته وندرة وجوده، وبذلك عاد أصحاب المذهب الأول إلى المذهب الثانى.

стр. 663

ثانياً: يجمع بين المذهب الثانى القائل بعزة وجود الحديث المتواتر، ومذهب الجمهور القائل بكثرة وجوده، بأن القائلين بعزته إنما أرادوا الأحاديث المتواترة تواتراً لفظياً، وأن القائلين بكثرته إنما أرادوا الأحاديث المتواترة تواتراً معنوياً، وهذا حق؛ لأن المتواتر لفظاً قليل، وأهل الحديث لا يكادون يتفقون إلا على القليل منه، والمتواتر معنى كثير" (١) أ. هـ.

стр. 664

ثالثاً: ما يفيد المتواتر من العلم: ... قام الإجماع على أن الخبر المتواتر يفيد العلم، وهو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، لا لاعتقاد المعتقد، وشذ عن الإجماع بعض الفرق؛ مثل البراهمة (١) والسُمَنية (٢) ، والنظام من المعتزلة على ما حكاه عنه البغدادى فى أصول الدين (٣) . ... فزعموا أن الأخبار ليست طريقاً لإفادة العلم، وإنما العلم سبيله؛ إما الحس، وإما أن يكون من الضروريات، وهو زعم باطل، ورأى فاسد لا يعتد به، قام الدليل على خلافة. وقد تعرض للرد عليهم الإمام الآمدى فى كتابه "الإحكام فى أصول الأحكام" فقال: "اتفق الكل على أن الخبر المتواتر يفيد العلم خلافاً للسُمَينة والبراهمة، فى قولهم لا علم فى غير الضروريات إلا بالحواس دون الأخبار وغيرها. ودليل ذلك ما يجده كل عاقل من نفسه من العلم الضرورى بالبلاد النائية، والأمم السالفة، والقرون الخالية، والملوك، والأنبياء، والأئمة، والفضلاء المشهورين والوقائع الجارية بين السلف الماضين، بما يرد علينا من الأخبار حسب وجداننا كالعلم بالمحسوسات عند إدراكنا لها بالحواس. ومن أنكر ذلك فقد سقطت مكالمته وظهر جنونه أو مجاحدته" (٤) .

стр. 665

ويقول الإمام الشوكانى: "واعلم أنه لم يخالف أحد من أهل الإسلام، ولا من العقلاء فى أن خبر التواتر يفيد العلم الضرورى، وما روى من الخلاف فى ذلك عن السُمَنية، والبراهمة فهو خلاف باطل، لا يستحق قائله الجواب عليه" (١) . وهذا ما نقوله لأهل الزيغ والإلحاد المنكرين للمتواتر القولى من السنة النبوية (٢) وجوداً، وحجية، قاصرين دعواهم كذباً ونفاقاً على الإيمان بالسنة العملية المتواترة (٣) . نقول لهم: سقطت مكالمتكم وظهر جنونكم ومجاحدتكم ولا تستحقون الجواب عليكم.

стр. 666

رابعاً: حكم العمل بالحديث المتواتر: ... الخبر المتواتر عن النبى ﷺ قولاً كان أو فعلاً أو تقريراً يفيد علم اليقين والقطع (١) ، ويجب العمل به بلا خلاف؛ لأنه يفيد القطع بثبوت نسبة الحديث إلى النبى ﷺ من غير حاجة إلى البحث عن أحوال الرواة ...، ولذلك لم يذكره من المحدثين، فى أبحاث علم الحديث دراية إلا القليل كالحاكم، والخطيب فى أوائل الكفاية (٢) ،وابن عبر البر (٣) ، وابن حزم (٤) . وقال ابن الصلاح: إن أهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص، وإن كان الخطيب قد ذكره ففى كلامه ما يشعر بأنه اتبع فيه غير أهل الحديث، ولعل ذلك كونه لا تشمله صناعتهم (٥) . ...

стр. 667

يقول فضيلة الدكتور مصطفى التازى: "ووجهتهم فى ذلك أن هذا العلم إنما يبحث عن أحوال الراوى والمروى ليعرف المقبول من الحديث فيعمل به، والمردود منه فلا يعمل به، والحديث المتواتر مقبول قطعاً مفيد للعلم يجب الأخذ به بدون توقف (١) ، وأجاب من ذكره فى أبحاث علم الحديث دراية بأنه ليس مقصوداً بالذات، وإنما ذكر لبيان الحكم عليه بالقبول، ووجوب العمل به (٢) ، ولا شك أن من أهداف هذا العلم الحكم على الحديث بالقبول أو الرد، ولأن معرفة الحديث الآحاد إنما تكمل بذكر ما يقابله من الحديث المتواتر؛ فيتميز كل منهما عن الآخر، ويعرف حكمه. خامساً: حكم منكر المتواتر: واعلم أن من أنكر حديثاً متواتراً انعقد الإجماع على تواتره يخرج عن جماعة المسلمين (٣) ،وإن لم ينعقد الإجماع على تواتره بل وقع الخلاف فيه يكون منكره من الفاسقين" (٤) .

стр. 668

.. يقول الحافظ ابن عبد البر: "وأما أصول العلم فالكتاب، والسنة، وتنقسم السنة قسمين: أحدهما: إجماع تنقله الكافة عن الكافة فهذا من الحجج القاطعة للأعذار إذا لم يوجد هناك خلاف، ومن رد إجماعهم فقد رد نصاً من نصوص الله، يجب استتابته عليه، وإراقة دمه إن لم يتب، لخروجه عما أجمع عليه المسلمون، وسلوكه غير سبيل جميعهم (١) أ. هـ. المبحث الثانى التعريف بالآحاد وبيان درجة ما يفيده من العلم ، وحجيته ووجوب العمل به أولاً: التعريف بالآحاد لغة واصطلاحاً: ... الآحاد لغة: جمع أحد بمعنى الواحد (٢) ، وينطبق المعنى اللغوى لخبر الواحد على حقيقة اسمه فهو ما رواه فرد واحد. ... واصطلاحاً: هو ما لم يجمع شروط المتواتر (٣) ، أو هو ما كان من الأخبار غير منته إلى حد التواتر (٤) . والتعريفان بمعنى واحد، ومثلهما أيضاً تعريف فضيلة الدكتور مصطفى التازى قال: "هو ما رواه واحد أو أكثر، ولم يصل فى الكثرة إلى حد التواتر، أو وصل ولكن فقد شرطاً من شروطه" (٥) . ... وينقسم الحديث الآحاد باعتبار عدد الرواة فى كل طبقة من طبقات إسناده إلى ثلاثة أقسام: (١) مشهور (٢) عزيز (٣) غريب (٦) .

стр. 669

.. وعلى هذا التقسيم الجمهور من المحدثين والفقهاء والأصوليين، إلا الحنفية فقد جعلوا المشهور قسيماً للآحاد (١) وليس قسماً منه كما يرى الجمهور. ... وعليه فالسنة عند الأحناف من حيث السند تنقسم إلى ثلاثة أقسام: (١) متواتر (٢) مشهور (٢) (٣) آحاد (٣) . ... والمشهور عند الأحناف يفيد علم الطمأنينة لا علم اليقين (٤) ، وهذه المرتبة دون المتواتر (٥) ، وفوق الآحاد. وهو عندهم فى درجة المتواتر من حيث صلاحيته لبيان القرآن الكريم بكل أنواع البيان السابقة، بما فى ذلك الزيادة على القرآن فهى مقبولة عندهم بالاتفاق، ولكن الأحناف يعتبرون الزيادة نسخاً للنص القرآنى (٦) وهم لا يرفعون الآحاد إلى هذه الدرجة فى علاقته بالقرآن الكريم.

стр. 670

ما يفيده خبر الآحاد من العلم عند الجمهور ... عرفنا فيما سبق أن الخبر المتواتر يفيد اليقين والقطع، فهو مقطوع بصحة نسبته إلى رسول الله ﷺ ، وهو فى نفس الوقت يوجد فى النفس العلم الضرورى بمضمون الخبر، فلا يحتاج بعد ذلك إلى نظر واستدلال. ... وهذا الرأى هو ما اتفق عليه العلماء جميعاً إلا من لا يعتد بخلافه. ولكن الخلاف جرى بين العلماء فى الحديث المقبول من الآحاد بأقسامه الثلاثة المشهور، والعزيز، والغريب، ومحل الخلاف بين العلماء هو: هل حديث الآحاد يفيد العلم أو الظن؟ وإذا كان يفيد العلم، فما هى الدرجة التى يفيدها؟ هل يفيد العلم القطعى أو النظرى؟ ... للعلماء فى ذلك مذاهب شتى، نوجزها فيما يلى: ذهب أكثر أهل العلم، وجمهور الفقهاء من الحنفية، والشافعية، والمالكية، والمعتزلة، والخوارج إلى أنه لا يفيد العلم مطلقاً أى سواء بقرينة، أو بغير قرينة (١) واختاره الإمام النووى حيث قال معقباً على ما قاله ابن الصلاح، ومن شايعه، بأنه يفيد العلم إذا احتفت به قرينة قال: "وخالفه المحققون والأكثرون" فقالوا: يفيد الظن (٢) مالم يتواتر (٣) . ويتعقب الحافظ ابن حجر الإمام النووى، فيما ذهب إليه، فيقول: "ما ذكره النووى، مسلم من جهة الأكثرين، أما المحققون فلا، فقد وافق ابن الصلاح أيضاً محققون (٤) ، وهم من أصحاب القول الثالث.
следующие страницы →