رابعاً: حكم العمل بالحديث المتواتر:
... الخبر المتواتر عن النبى ﷺ قولاً كان أو فعلاً أو تقريراً يفيد علم اليقين والقطع (١) ، ويجب العمل به بلا خلاف؛ لأنه يفيد القطع بثبوت نسبة الحديث إلى النبى ﷺ من غير حاجة إلى البحث عن أحوال الرواة ...، ولذلك لم يذكره من المحدثين، فى أبحاث علم الحديث دراية إلا القليل كالحاكم، والخطيب فى أوائل الكفاية (٢) ،وابن عبر البر (٣) ، وابن حزم (٤) .
وقال ابن الصلاح: إن أهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص، وإن كان الخطيب قد ذكره ففى كلامه ما يشعر بأنه اتبع فيه غير أهل الحديث، ولعل ذلك كونه لا تشمله صناعتهم (٥) .
...
стр. 667
يقول فضيلة الدكتور مصطفى التازى: "ووجهتهم فى ذلك أن هذا العلم إنما يبحث عن أحوال الراوى والمروى ليعرف المقبول من الحديث فيعمل به، والمردود منه فلا يعمل به، والحديث المتواتر مقبول قطعاً مفيد للعلم يجب الأخذ به بدون توقف (١) ، وأجاب من ذكره فى أبحاث علم الحديث دراية بأنه ليس مقصوداً بالذات، وإنما ذكر لبيان الحكم عليه بالقبول، ووجوب العمل به (٢) ، ولا شك أن من أهداف هذا العلم الحكم على الحديث بالقبول أو الرد، ولأن معرفة الحديث الآحاد إنما تكمل بذكر ما يقابله من الحديث المتواتر؛ فيتميز كل منهما عن الآخر، ويعرف حكمه.
خامساً: حكم منكر المتواتر:
واعلم أن من أنكر حديثاً متواتراً انعقد الإجماع على تواتره يخرج عن جماعة المسلمين (٣) ،وإن لم ينعقد الإجماع على تواتره بل وقع الخلاف فيه يكون منكره من الفاسقين" (٤) .
стр. 668
.. يقول الحافظ ابن عبد البر: "وأما أصول العلم فالكتاب، والسنة، وتنقسم السنة قسمين: أحدهما: إجماع تنقله الكافة عن الكافة فهذا من الحجج القاطعة للأعذار إذا لم يوجد هناك خلاف، ومن رد إجماعهم فقد رد نصاً من نصوص الله، يجب استتابته عليه، وإراقة دمه إن لم يتب، لخروجه عما أجمع عليه المسلمون، وسلوكه غير سبيل جميعهم (١) أ. هـ.
المبحث الثانى التعريف بالآحاد وبيان درجة ما يفيده من العلم ، وحجيته ووجوب العمل به
أولاً: التعريف بالآحاد لغة واصطلاحاً:
... الآحاد لغة: جمع أحد بمعنى الواحد (٢) ، وينطبق المعنى اللغوى لخبر الواحد على حقيقة اسمه فهو ما رواه فرد واحد.
... واصطلاحاً: هو ما لم يجمع شروط المتواتر (٣) ، أو هو ما كان من الأخبار غير منته إلى حد التواتر (٤) . والتعريفان بمعنى واحد، ومثلهما أيضاً تعريف فضيلة الدكتور مصطفى التازى قال: "هو ما رواه واحد أو أكثر، ولم يصل فى الكثرة إلى حد التواتر، أو وصل ولكن فقد شرطاً من شروطه" (٥) .
... وينقسم الحديث الآحاد باعتبار عدد الرواة فى كل طبقة من طبقات إسناده إلى ثلاثة أقسام: (١) مشهور (٢) عزيز (٣) غريب (٦) .
стр. 669
.. وعلى هذا التقسيم الجمهور من المحدثين والفقهاء والأصوليين، إلا الحنفية فقد جعلوا المشهور قسيماً للآحاد (١) وليس قسماً منه كما يرى الجمهور.
... وعليه فالسنة عند الأحناف من حيث السند تنقسم إلى ثلاثة أقسام: (١) متواتر (٢) مشهور (٢)(٣) آحاد (٣) .
... والمشهور عند الأحناف يفيد علم الطمأنينة لا علم اليقين (٤) ، وهذه المرتبة دون المتواتر (٥) ، وفوق الآحاد.
وهو عندهم فى درجة المتواتر من حيث صلاحيته لبيان القرآن الكريم بكل أنواع البيان السابقة، بما فى ذلك الزيادة على القرآن فهى مقبولة عندهم بالاتفاق، ولكن الأحناف يعتبرون الزيادة نسخاً للنص القرآنى (٦) وهم لا يرفعون الآحاد إلى هذه الدرجة فى علاقته بالقرآن الكريم.
стр. 670
ما يفيده خبر الآحاد من العلم عند الجمهور
... عرفنا فيما سبق أن الخبر المتواتر يفيد اليقين والقطع، فهو مقطوع بصحة نسبته إلى رسول الله ﷺ ، وهو فى نفس الوقت يوجد فى النفس العلم الضرورى بمضمون الخبر، فلا يحتاج بعد ذلك إلى نظر واستدلال.
... وهذا الرأى هو ما اتفق عليه العلماء جميعاً إلا من لا يعتد بخلافه. ولكن الخلاف جرى بين العلماء فى الحديث المقبول من الآحاد بأقسامه الثلاثة المشهور، والعزيز، والغريب، ومحل الخلاف بين العلماء هو: هل حديث الآحاد يفيد العلم أو الظن؟ وإذا كان يفيد العلم، فما هى الدرجة التى يفيدها؟ هل يفيد العلم القطعى أو النظرى؟
... للعلماء فى ذلك مذاهب شتى، نوجزها فيما يلى:
ذهب أكثر أهل العلم، وجمهور الفقهاء من الحنفية، والشافعية، والمالكية، والمعتزلة، والخوارج إلى أنه لا يفيد العلم مطلقاً أى سواء بقرينة، أو بغير قرينة (١) واختاره الإمام النووى حيث قال معقباً على ما قاله ابن الصلاح، ومن شايعه، بأنه يفيد العلم إذا احتفت به قرينة قال: "وخالفه المحققون والأكثرون" فقالوا: يفيد الظن (٢) مالم يتواتر (٣) .
ويتعقب الحافظ ابن حجر الإمام النووى، فيما ذهب إليه، فيقول: "ما ذكره النووى، مسلم من جهة الأكثرين، أما المحققون فلا، فقد وافق ابن الصلاح أيضاً محققون (٤) ، وهم من أصحاب القول الثالث.
стр. 671
٢- ذهب قوم من أهل الحديث إلى أنه يفيد العلم النظرى بنفسه سواء بقرينة، أو بغير قرينة، متى توافرت فيه شروط الصحة والقبول - من اتصال السند، وعدالة الراوى، وضبطه، وعدم الشذوذ، وعدم العلة، وحكى هذا الرأى ابن الصباغ عن قوم من أهل الحديث (١) ، وبه قال الإمام ابن حزم فى الإحكام وقال: "وهو قول الحارث بن أسد المحاسبى، والحسين بن على الكرابيسى، وأبو الوليد سليمان بن خلف المالكى المعروف بالباجى. وعزاه لأحمد بن حنبل فى إحدى الروايتين عنه (٢) ، وذكره ابن خويز منداد عن مالك بن أنس (٣) ، وإن نازعه فيه المازرى بعدم وجود نص له فيه، وحكاه ابن حزم عن داود الظاهرى (٤) ، وحكاه ابن قيم الجوزية فى مختصر الصواعق المرسلة عن الإمام الشافعى ﵀ (٥) .
٣- وذهب بعض أهل الحديث، ومعهم بعض أهل الأصول والفقه، إلى أن خبر الآحاد إذا احتفت به قرينة خارجية تدل على مزيد من صحة ثبوت الخبر إلى من أخبر به، يفيد العلم النظرى اليقينى (٦) .
стр. 672
.. وبهذا الرأى قال ابن الصلاح ودافع عنه دفاعاً شديداً فى مقدمته، وبه قال جماعات من أئمة الأصول والفقه، منهم الآمدى (١) ، والسبكى (٢) ، وابن الحاجب (٣) ، واختاره المحققون من أهل الحديث منهم ابن حجر (٤) ، وابن قيم الجوزية (٥) ، وابن كثير وقال: "وأنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه وأرشد إليه، والله أعلم، ثم وقفت بعد هذا على كلام لشيخنا العلامة ابن تيمية، مضمونة: أنه نقل القطع بالحديث الذى تلقته الأمة بالقبول عن جماعات من الأئمة: منهم القاضى عبد الوهاب المالكى، والشيخ أبو حامد الإسفرائينى، والقاضى أبو الطيب الطبرى، والشيخ أبو إسحاق الشيرازى من الشافعية، وابن حامد، وأبو يعلى بن الفراء، وأبو الخطاب، وابن الزاغونى، وأمثالهم من الحنابلة، وشمس الأئمة السرخسى من الحنفية: قال:"وهو قول أكثر أهل الكلام من الأشعرية وغيرهم: كأبى إسحاق الإسفرائينى، وابن فورك.
стр. 673
قال وهو مذهب أهل الحديث قاطبة ومذهب السلف عامة" (١) وهو معنى ما ذكره ابن الصلاح استنباطاً. فوافق فيه هؤلاء الأئمة" (٢) .
... وانتصر لابن الصلاح أيضاً البلقينى فقال: "ما قاله النووى وابن عبد السلام، ومن تبعهما ممنوع، فقد نقل بعض الحفاظ المتأخرين مثل قول ابن الصلاح" (٣) ثم ذكر ما نقله ابن كثير عن شيخه ابن تيمية.
... ويمكن الجمع بين تلك المذاهب الثلاثة بما قاله الحافظ ابن حجر فى نزهة النظر قال: "والخلاف فى التحقيق لفظى، لأن من جوز إطلاق العلم قيده بكونه نظرياً، وهو الحاصل على الاستدلال بواسطة القرائن، ومن أبى الإطلاق خص لفظ العلم بالمتواتر، وما عداه عنده كله ظنى بمعنى العلم أيضاً، كما فى قوله تعالى ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ (٤) .أى ظننتموهن، فالعلم قد يطلق ويراد به الظن (٥) وهم لا ينفون أن ما احتفت به القرائن أرجح مما خلا عنها" (٦) .
وإليك بعض هذه القرائن التى تجعل خبر الآحاد مفيداً للعلم النظرى عند من يقول به:
стр. 674
١- إخراج الشيخين البخارى ومسلم للحديث فى صحيحهما، أو إخراج أحدهما له مما قام الإجماع على تسليم صحته بأن لم يعترض عليه أحد من الحفاظ. وذلك لجلالة قدر الشيخين، وثبوت أقدامهما فى هذا الشأن، وتقدمهما على غيرهما فى معرفة الخبر الصحيح وتمييزه عن غيره.
... ولتلقى الأمة لكتابيهما بالقبول اعتقاداً وعملاً، وهذا التلقى وحده أقوى فى إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، وممن صرح بأن هذه القرينة تجعل خبر الآحاد مفيداً للعلم النظرى، من سبق ذكرهم من الأئمة الأعلام الذين ذكرهم ابن كثير نقلاً عن شيخه ابن تيمية (١) ، وبهذه القرينة قال أيضاً الحافظ ابن حجر فى نزهة النظر (٢) ، وزاد من القرائن على ما ذهب إليه ابن الصلاح ومن نقل عنهم.
٢- شهرة الحديث عند علماء الحديث لمجيئه من طرق متعددة متباينة مع سلامتها من ضعف الرواة وخلوها من العلل القادحة، وممن صرح بأن هذه القرينة تجعل خبر الآحاد يفيد العلم النظرى أبو بكر بن فورك، وأبو منصور البغدادى وغيرهما.
٣- تسلسل الخبر بالأئمة المتقنين، والحفاظ الضابطين، كالحديث الذى يرويه الإمام أحمد وغيره عن الإمام الشافعى، ويرويه الإمام الشافعى، وغيره عن الإمام مالك ... إلخ.
стр. 675
.. فإن هذه القرينة تجعل خبر الآحاد مفيداً للعلم النظرى عند سامعه، وذلك لجلالة قدر هؤلاء الرواة للحديث من الأئمة الأعلام، والفقهاء العظام، إذ فى كل واحد منهم من الصفات اللائقة الموجبة لقبول خبره ما لا يوجد فى غيره، مما تجعل الواحد منهم أمة وحده، يقوم مقام العدد الكثير والجم الغفير (١) .
... والذى أرجحه من ذلك كله هو ما ذهب إليه ابن حزم، وابن الصلاح، وابن حجر، وغيرهم - من أن ما رواه الشيخان أو أحدهما أو ما احتفت به قرائن أخرى - كما ذكر ابن حجر أو ما استوفى شروط الصحة الخمسة، المتفق عليها بين علماء الأمة، مقطوع بصحته، ويفيد العلم النظرى.
وإلى ذلك ذهب الشيخ أحمد محمد شاكر-رحمه الله تعالى –: حيث يقول بعد أن استعرض آراء العلماء فى ذلك: "والحق الذى ترجحه الأدلة الصحيحة، ما ذهب إليه ابن حزم، ومن قال بقوله من أن الحديث الصحيح، مقطوع بصحته، ويفيد العلم اليقينى النظرى، سواء كان فى أحد الصحيحين أم فى غيرهما، وهذا العلم اليقينى نظرى برهانى، لا يحصل إلا للعالم المتبحر فى الحديث، العارف بأحوال الرواة والعلل (٢) ، المميز بين صحيحه وسقيمه، وغثه وثمينة، وأصيله ودخيله، أما من ليس من أهل هذا الشأن، فإن هذه القرائن ولو كثرت، لا تفيدهم علماً، فمثلهم لا يعتد به فى هذا المقام، ولا تبنى عليه هنا الأحكام (٣) .
стр. 676
.. يقول الشيخ أحمد محمد شاكر: "وأكاد أوقن أنه هو مذهب من نقل عنهم البلقينى ممن سبق ذكرهم من الأئمة الأعلام، وأنهم لم يريدوا بقولهم ما أراد ابن الصلاح من تخصيص أحاديث الصحيحين بذلك، وإلا فالأمة قد تلقت غيرهما من كتب السنة من السنن، والمسانيد والمصنفات، بالقبول، مع تصريح كل من الإمامين البخارى ومسلم بأنهما لم يستوعبا كل الصحيح فى صحيحهما.
... وهذا العلم اليقينى النظرى يبدو ظاهراً لكل من تبحر فى علم من العلوم وتيقنت نفسه بنظريته، واطمئن قلبه إليها، ودع عنك تفريق المتكلمين فى اصطلاحاتهم بين العلم والظن، فإنما يريدون بهما معنى غير ما نريد" (١) .
وبعد
إن الكلمة الفصل والأخيرة، فى كل مسألة علمية على أهلها، إذ لا ينبئك مثل خبير. وفى المثل: الخيل أعلم بفرسانها.
فالقول الفصل لأهل اللغة إذا كان المتعلق لغوياً، وللفقهاء إذا كانت المسألة فقهية، وللمحدثين إذا كان الكلام يتعلق بصحة الحديث، وهذه مسلمات لا يختلف فيها اثنان.
لهذا فإن معرفة كون الدليل قطعياً أو ظنياً من أحكام أهل الحديث، لمعرفتهم طرقه وتشعبها، ولا تعويل على غيرهم من المتكلمين والأصوليين، كما قال ابن قيم الجوزية فى مختصر الصواعق المرسلة (٢) والله أعلم.
стр. 677
ثانياً: حجية خبر الواحد ووجوب العمل به:
... اهتم علماء الإسلام فى القديم والحديث بالبحث فى مسألة وجوب العمل بخبر الواحد وصحة الاحتجاج به، فأطالوا فى شأنها، واعتنوا بتحقيقها، وما قيل فيها، وكل ما يتعلق بها - وما مر وما سيأتى -إلا نذر يسير من ذلك، فقد ألف فى هذه المسألة كثير من أهل الحديث، وأئمة الفقه، وأصحاب الأصول، فكتبوا فيها أبواباً مطولة، وفصولاً مطنبة، وكان أقدم من ألف فى ذلك فيما بلغنا أمامنا الشافعى - رحمه الله تعالى - حيث وضع باباً طويلاً فى كتابيه الأم (١) والرسالة (٢) أجاد القول فيه وأحسن الرد على سائل يسأله الدليل على طلب العمل بخبر الواحد، كما كتب فى هذه المسألة أيضاً الإمام النووى فى شرحه على صحيح مسلم (٣) ، والحافظ ابن حجر العسقلانى فى شرحه فتح البارى على صحيح البخارى (٤) كما كتب غيرهما لا سيما أهل الأصول (٥) فى كتبهم.
стр. 678
.. وسر كل هذا الاهتمام بهذه المسألة وحكمته، أن هذه المسألة من أهم قواعد الدين وأشدها عند علماء المسلمين إذ ينبنى عليها معظم أحكام الشرع، ويتوقف على إثباتها كثير من معرفة الحلال والحرام، كما يترتب على إثباتها طلب العمل بالأوامر والنواهى النبوية التى لم يثبت أغلبها إلا عن طريق خبر الواحد" (١) .
... وإذا كان هناك خلاف بين العلماء فى الدرجة التى يفيدها خبر الواحد من علم أو ظن، فإن هذا الخلاف لم يوجد بين من يعتد بهم - فى حجية خبر الواحد، ووجوب العمل به، حتى من قال منهم بأن درجة خبر الآحاد الظن.
... فالذى عليه السلف الصالح من الصحابة، والتابعين، وأصحاب الحديث، والفقه والأصول، أن خبر الواحد حجة من حجج الشرع يحتج به، ويلزم من بلغه العمل به، ولو لم يحتف بقرائن خارجية، تدل على تأكيد طلب العمل به، إذا كان هذا الخبر عند أهل الحديث مقبولاً، بأن تحققت فيه الشروط الخمسة المتفق عليها لصحة الحديث،من اتصال السند، وعدالة الراوى، وضبطه، وعدم الشذوذ، وعدم العلة (٢) .
... وهاك بعض أقوال أهل العلم فى حجية خبر الواحد، ووجوب العمل به، متى صح.
قال شمس الأئمة السرخسى: "خبر الواحد حجة باعتبار أنه كلام رسول الله ﷺ ، وقوله حجة موجبة للعمل، ولكن امتنع بثبوت العلم به لشبهة فى النقل" (٣) .
وقال أيضاً: "قال فقهاء الأمصار ﵏، خبر الواحد حجة للعمل به فى أمر الدين، ولا يثبت به علم اليقين، وقال بعض من لا يعتد بقوله: خبر الواحد لا يكون حجة فى الدين أصلاً (٤) .
стр. 679
.. وقل ابن حزم: "القسم الثانى من الأخبار ما نقله الواحد عن الواحد، فهذا إذا اتصل برواية العدول إلى رسول الله ﷺ وجب العمل به، ووجب العلم بصحته أيضاً (١) .
... وقال أبو الحسين محمد بن على الطيب المعتزلى: "ذهب جل القائلين بأخبار الآحاد إلى قبول الخبر، وإن رواه واحد" (٢) .
... وقال الإمام النووى: "الذى عليه جماهير المسلمين، من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم من المحدثين والفقهاء، وأصحاب الأصول: أن خبر الواحد الثقة حجة من حجج الشرع، يلزم العمل بها، ويفيد الظن، ولا يفيد العلم، وأن وجوب العمل به، عرفناه بالشرع لا بالعقل" (٣) .
... وقال الإمام ابن دحية (٤) : "وعلى قبول خبر الواحد الصحابة والتابعون وفقهاء المسلمين، وجماعة أهل السنة يؤمنون بخبر الواحد، ويدينون به فى الاعتقادات" (٥) أ. هـ.
стр. 680
.. وقال الحافظ ابن عبد البر: "والضرب الثانى من السنة خبر الآحاد الثقات الأثبات المتصل الإسناد؛ فهذا يوجب العمل عند جماعة علماء الأمة الذين هم الحجة والقدوة، ومنهم من يقول: إنه يوجب العلم والعمل جميعاً" (١) .
... ويقول الشيخ محمد الخضرى (٢) :"إنه تواتر عن الصحابة فى وقائع لا تحصى، العمل بخبر الواحد، ومجموع هذه الوقائع تفيد إجماعهم على إيجاب العمل بأخبار الآحاد، وكثيراً ما كانوا يتركون آراءهم التى ظنوها باجتهادهم، إذا روى لهم خبر عن رسول الله ﷺ " (٣) .
وبعد
... فهذه بعض أقوال علماء المسلمين قديماً وحديثاً، وغيرها كثير، فى حجية خبر الواحد، ووجوب العمل به، أما الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة فهى متوافرة، وسنذكر بعضها بمشيئة الله تعالى، فى ردنا على شبهات من أنكروا حجية خبر الواحد.
... وإذا كان إجماع من يعتد به منعقد على كفر من رد حديثاً متواتراً انعقد الإجماع على تواتره، ولا يقولون بكفر من رد حديث آحاد لشك فى ثبوته، "فمما لا شك فيه أن من شك وطعن فى جميع أحاديث الآحاد ولم يأخذ بها يكون منكراً للسنة ويكفر" (٤) أ. هـ.
والله ﵎
أعلى وأعلم
стр. 681
المبحث الثالث: منكروا حجية خبر الواحد قديماً وحديثاً
استعراض شبههم والرد عليها
تمهيد:
... إذا كان علماء الأمة من المحدثين، والفقهاء، والأصوليين، اصطلحوا على تقسيم السنة باعتبار عدد الرواة فى كل طبقة إلى متواتر وآحاد، أو إلى متواتر ومشهور وآحاد كما قسم الأحناف، فإن هذه التقسيمات لم تكن فى عصر الصحابة أو التابعين، وإنما دعت الحاجة إلى هذا التقسيم بعد شيوع الفتن وبدء تمحيص السنة وتحديد مراتبها، وكان لهذا التقسيم آثاره بين جمهور الفقهاء فى تخصيصهم لعموم الكتاب، وتقييدهم لمطلقه، وتوضيحهم لمشكله بخبر الآحاد، خلافاً للأحناف الذين اشترطوا فى أنواع البيان السابقة، أن يكون الخبر فيها مشهوراً، على ما سبق تفصيله عند التعريف بالآحاد.
... وأهم أثر لتقسيم الأحاديث إلى متواتر وآحاد هو فى أمر من رد الحديث، فمن أخذ باصطلاح المتواتر والآحاد - وهم أغلبية الفقهاء - لا يقولون بكفر من رد الأحاديث؛ لأنها ظنية الثبوت بينما يرون كفر من رد الأحاديث المتواترة.
... ومن قال: "إن التواتر والآحاد قطعى الثبوت يقولون بكفر من رد شيئاً من الأحاديث سواء كانت بطريق التواتر أو الآحاد" (١) .
... وقبل أن يصطلح علماء الأمة على التقسيم السابق، كان جميع أهل الإسلام على قبول خبر الواحد الثقة عن النبى ﷺ ، يجرى على ذلك كل فرقة فى علمها، كأهل السنة، والخوارج والشيعة، والقدرية (٢) ، حتى بدأت فتنة التشكيك فى خبر الآحاد على أيدى متكلمى المعتزلة بعد القرن الثانى الهجرى، فعرفوا خبر الآحاد بأنه: ما لا يعلم كونه صدقاً ولا كذباً (٣)
стр. 682
واشترطوا العدد فى الرواية كما فى الشهادة، فخالفوا الإجماع فى ذلك.
"وكان قصدهم من ذلك رد الأخبار وتعطيل الأحكام، وتلقف ما قالوه بعضُ الفقهاء الذين لم يكن لهم فى العلم قدمٌ ثابتة، ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول" وبذلك صرح ابن قيم الجوزية فى مختصر الصواعق المرسلة (١) .
... ويدل على كل ما سبق ما قاله ابن حزم فى الإحكام، قال: "فإن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة عن النبى ﷺ ، ويجرى على ذلك كل فرقة فى علمها، كأهل السنة، والخوارج، والشيعة، والقدرية، حتى حدَّث متكلموا المعتزلة بعد المائة من التاريخ فخالفوا الإجماع فى ذلك، ولقد كان عمرو بن عبيد (ت سنة ١٤٤هـ) يتدين بما يروى عن الحسن ويفتى به، هذا أمر لا يجهله من له أقل علم (٢) .
... ويقول الحافظ أبو بكر الحازمى: "ولا أعلم أحداً من فرق الإسلام القائلين بقبول خبر الواحد اعتبر العدد سوى متأخرى المعتزلة، فإنهم قاسوا الرواية على الشهادة، واعتبروا فى الرواية ما اعتبروا فى الشهادة، وما مغزى هؤلاء إلا تعطيل الإحكام كما قال أبو حاتم ابن حبان" (٣) .
стр. 683
.. وطعن أيضاً فى خبر الواحد طوائف من الشيعة فذهبوا إلى أن خبر الواحد لا يكون حجة أصلاً فى الدين، فلا يوجب العلم ولا العمل، وينسب هذا الرأى إلى الشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ) من الشيعة، فهو يقول: "لابد فى الأحكام الشرعية من طريق يوصل إلى العلم ... ولذلك أبطلنا العمل بأخبار الآحاد، لأنها لا توجب علماً ولا عملاً، وأوجبنا أن يكون العمل تابعاً للعلم، لأن راوى خبر الواحد إذا كان عدلاً فغاية ما يقتضيه الظن بصدقه، ومن ظننت صدقه يجوز أن يكون كاذباً (١) .
стр. 684
وحكى هذا الرأى أيضاً الإمام الغزالى فى المستصفى عن جماهير القدرية، ومن تابعهم من أهل الظاهر كالقاسانى حيث ذهبوا إلى تحريم العمل بخبر الواحد سمعاً (١) ، وحكاه أيضاً الآمدى (٢) ، عن القاسانى (٣) والرافضة وابن داود (٤) .
وبالجملة من مآخذ أهل البدع بالاستدلال نفى أخبار الآحاد جملة. والاقتصار على ما استحسنته عقولهم فى فهم القرآن (٥) .
... وتابع هذه الفرق الضالة فى الطعن فى حجية خبر الآحاد من على شاكلتهم من أهل الزيغ والهوى فى عصرنا.
стр. 685
فوجدنا منهم من يقول: "وجوب عدم الاعتداد بحديث الآحاد بالكلية إذ الأصل فيها الكذب والاستثناء هو الصدق (١) .
... ووجدنا من يقول: "الضرب الثانى من أفعاله وأقواله ﷺ مما لم يصل إلى الناس بطريق التواتر المستفيض، فلا يستطيع عاقل أن يدخله فى دائرة الوحى الثابت ثبوتاً لا شك فيه، ومن ثم فهو ليس ضرورياً لقيام الدين (٢) .
... ووجدنا من يقول: "فما يؤمنكم أن خبر الواحد ليس من يهودى مثل ابن سبأ؟ ورواية الواحد أوجدت فى الدين أموراً سيئة منها:
أولاً: التعارض فى المعنى والتعارض يحير الناس فى معرفة الحق.
ثانياً: أوجدت أحاديث الآحاد تفرقة واختلافاً فى صفوف المسلمين. إذ هى التى فرقتهم إلى سنيين، وشيعة، يضرب بعضهم رقاب بعض.وهى التىفرقتهم إلى السلف والخلف...فياأيها السلفيون: هذه نتائج أحاديث الآحاد فى المجتمعات الإسلامية وقد أمرنا الله تعالى بأن نحتاط للدين، وبأن نكون أمة واحدة، وبأن نسمع ونعقل.فابتعدوا عن أحاديث الآحاد" (٣) .
استعراض شبه منكرى حجية خبر الواحد قديماً وحديثاً والرد عليها
стр. 686
.. أقوى ما شغب به من أنكر قبول خبر الواحد أن نزغ بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (١) وقالوا العمل بخبر الواحد اقتفاء لما ليس لنا به علم، وشهادة وقول بما لا نعلم. لأن العمل به موقوف على الظن قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٢) .
... وقالوا قد ذم الله من اتبع الظن، وبين أنه لا غناء له فى الحق. فكان على عمومه (٣)
وبهذه الآيات وما فى معناها استدل أهل الزيغ والبدع قديماً (٤) ، وتابعهم حديثاً أهل الزيغ والإلحاد ممن أنكروا حجية السنة كلها، واتخذوا الطعن فى خبر الواحد، وسيلة من وسائلهم؛ للتشكيك فى حجية السنة النبوية المطهرة (٥) .
ومما استدل به المعتزلة فى رد خبر الواحد من الأحاديث والآثار:
стр. 687
قصة ذى اليدين (١) ، وتوقف النبى ﷺ فى خبره، حتى تابعه عليه غيره.
روى عن أبى هريرة ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتى العشيى. إما الظهر وإما العصر. فسلم فى ركعتين. ثم أتى جْذِعاً فى قِبْلَة المسجد فاستند إليه مُغْضَباً، وفى القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يتكلما، وخرج سَرَعَانُ النَّاسِ٠ قُصِرَتِ الصلاةُ، فَقَامَ ذُو اليَدَيْنِ فقال: يا رسول الله! أَقْصِرَتِ الصلاةُ أم نَسِيتَ؟ فنظر النبى ﷺ يميناً وشمالاً. فقال: "ما يقول ذُو اليَدَيْنِ؟ " قالوا: صدق لم تصل إلا ركعتين. فصلى ركعتين وسلم، ثم كبر ثم سجد، ثم كبر فرفع، ثم كبر وسجد، ثم كبر ورفع وسلم" (٢) .
٢- وقصة أبى بكر حين توقف فى خبر المغيرة بن شعبة، فى ميراث الجدة حتى تابعه محمد ابن سلمة.
стр. 688
روى عن قُبيصة بن ذؤيب (١) ﵁ قال: "جاءت الجدة إلى أبى بكر الصديق تسأله ميراثها، فقال: مالك فى كتاب الله من شئ، وما علمت لك فى سنة نبى الله ﷺ شيئاً فارجعى حتى اسأل الناس، فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله ﷺ أعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن سلمة (٢) فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة فأنفذه لها أبو بكر، ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر بن الخطاب ﵁ تسأله ميراثها، فقال: مالك فى كتاب الله تعالى شئ، وما كان القضاء الذى قضى به إلا لغيرك، وما أنا بزائد فى الفرائض، ولكن هو ذلك السدس، فإن اجتمعتما فيه فهو بينكما، وأيتكما خلت به فهو لها" (٣) .
٣- وقصة عمر ﵁ وتوقفه فى خبر أبى موسى الأشعرى ﵁ فى الاستئذان حتى تابعه أبو سعيد الخدرى ﵁:
стр. 689
روى عن أبى سعيد قال: كنا فى مجلس عند أبى بن كعب (١) ، فأتى أبو موسى الأشعرى مُغْضَباً حتى وَقَفَ. فقال: أَنْشُدُكُمُ الله هل سمع أَحدٌ منكم رسول الله ﷺ يقول: "الاستئذانُ ثلاثٌ. فإن أذن لك وإلا فارجع" قال أُبىُّ بن كعب. وما ذاك؟ قال: أستأذنت على عمر بن الخطاب أمس ثلاثَ مراتٍ. فلم يؤذن لى فرجعت. ثم جئْتُهُ اليوم فدخلت عليه، فأخبرته أنى جئت أمس فسلمت ثلاثاً ثم انصرفت، قال: قد سمعناك ونحن حينئذ على شُغْلٍ فَلَوْمَا استأذنتَ حتى يُؤْذَنَ لك؟ قال: استأذَنْتُ كما سمعتُ رسول الله ﷺ . قال: فوالله لأوجعنَّ ظهرَكَ وبطنَكَ أو لَتَأْتِينَّ بمن يشهد لك على هذا. فقال أُبى بن كعب: فوالله! لا يقوم معك إلا أحدثنا سناً. قم. يا أبا سعيد فقمتُ حتى أتيتُ عُمرَ فقلتُ: قد سمعت رسول الله ﷺ يقولُ هَذَا (٢) .
стр. 690
.. قالوا ففيما سبق بيان أن الصحابة كانوا لا يقبلون خبر الواحد، وكانوا يعتبرون لطمأنينة القلب عدد الشهادة كما كانوا يعتبرون لذلك صفة العدالة، ومن بالغ فى الاحتياط فقد اعتبر فى قبول الخبر أقصى عدد الشهادة أربع لأن ما دون ذلك محتمل للعلم (١) .
كما استشهد بعض خصوم السنة برد عمر خبر فاطمة بنت قيس فى المطلقة ثلاثاً، بأنه لا سكنى لها ولا نفقة لمخالفته لقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٢) .
... ورد عائشة - رضى الله عنها - لخبر عمر وابنه عبد الله - رضى الله عنهما - فى "تعذيب الميت ببعض بكاء أهله عليه" لمخالفته فى رأيها لقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣) . وغير ذلك مما استشهد به خصوم السنة، وسيأتى تخريجه والرد عليه فى الجواب عما اشترطوه لصحة قبول خبر الواحد.
الرد على شبه منكرى حجية خبر الآحاد
إن ما ذكره أهل الزيغ والابتداع قديماً من أدلة على عدم حجية خبر الواحد، وتبعهم فيها أهل الزيغ والهوى فى عصرنا، ما ذكروه من أدلة لا حجة لهم فيها، بل هو حجة لنا عليهم
стр. 691
.. فما زعموه من أن العمل بخبر الواحد اقتفاء ما ليس لنا به علم استناداً إلى قول رب العزة ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (١) .
فهذه الآية حجة لنا عليهم فى هذه المسألة، لأنا لم نقف ما ليس لنا به علم، بل قد صح لنا به العلم من انعقاد إجماع من يعتد به على حجية خبر الواحد ووجوب العمل به، والإجماع قاطع فاتباعه لا يكون اتباعاً لما ليس لنا به علم، ولا اتباعاً للظن (٢) .
قال الشوكانى: "ولا نزاع فى أن خبر الواحد إذا وقع الإجماع على العمل بمقتضاه فإنه يفيد العلم، لأن الإجماع عليه قد صيره من المعلوم صدقه، وهكذا خبر الواحد إذ تلقته الأمة بالقبول ... ومن هذا القسم أحاديث صحيحى البخارى ومسلم - رحمهما الله تعالى (٣) - فسقط اعتراضهم بهذه الآية.
... أما ما ضلل به أهل الزيغ والهوى من ربط ظنية خبر الآحاد، بالظن الوارد فى قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (٥) وقوله ﷺ : "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" (٦) .
стр. 692
هذا الإطلاق والربط من أفرى، الفرى لأن الظن الوارد فى الآيات السابقة، والحديث الشريف وارد فى معرض ترك الحق الثابت باليقين، واتباع للهوى الذى لا دليل عليه، وليس كذلك الظن المنسوب إلى أحاديث الآحاد.
فإطلاق كلمة "الظن" على أحاديث الآحاد وهى فى حقيقتها أكثر السنة النبوية، وربطها بالمعنى الوارد فى الآيات السابقة، والحديث النبوى، وقول بعض الأئمة إن خبر الآحاد لا يفيد إلا الظن، ثم نتيجة هذا الربط بأن خبر الآحاد من أكذب الحديث ولا يغنى من الحق شيئاً هذا الربط ونتيجته ضلال مبين.
... يقول المستشار سالم البهنساوى: "وأعظم من ذلك تلقين أكثر مدرسى الفقه الإسلامى بالجامعات الإسلامية هذه الظنية فى نفوس الطلاب دون بيان حقيقة المراد بهذه الكلمة، مما يسر اقتناع الطلاب بالتيارات الإلحادية المنحرفة التى تشكك فى حجية السنة، أو ترد بعض الأحاديث الصحيحة فى العقائد أو المعاملات أو غير ذلك بحجة أن الحديث آحاد، والآحاد يفيد الظن، والظن لا يغنى من الحق شيئاً، ومن ثم تصبح هذه الأقوال جناية ضد السنة النبوية، لأنها خلت من بيان المقصود من هذه الظنية، وأنه لا أثر لها على حجية السنة، ووجوب العمل بها، فى العبادات والمعاملات والحدود ... إلخ (١) .
... إن الظن الوارد فى هذه الآيات غير الظن الذى يتحدث عنه أهل الكلام، غير الظن الذى وصف به خبر الآحاد على لسان أئمة المسلمين من الفقهاء، والمحدثين، والأصوليين. وبالتالى من الخطأ البين حصر معنى الظن فيما استدلوا به.
стр. 693
وإليك المراد بحقيقة هذه الكلمة عند علماء الأمة.
التعريف بالظن لغة واصطلاحاً:
... قال الفيروزابادى: "الظن التردد الراجح بين طرفى الاعتقاد غير الجازم (١) ، قال الأستاذ محمد رشيد رضا: وهو تعريف مأخوذ من اصطلاح علماء المعقول كالمناطقة والفلاسفة (٢) ، ومثله قول الجرجانى: الظن الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض، وقيل الظن أحد طرفى الشك بصفة الرجحان، ويستعمل فى اليقين والشك (٣) ، وعلى هذا صار أهل الأصول فى تعريفهم للظن (٤) .
... فمن استعمالاته فى اليقين قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ (٦) . ويطلق اليقين على الظن كما فى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ (٧) أى ظننتموهن.
"وليس معنى ذلك أن كل يقين ظن، وإنما المراد أن الظن على مراتب، منها ما يرادف اليقين، ومنها ما هو دونه فبينهما العموم والخصوص بإطلاق" (٨) .
... فخبر الآحاد وإن كان ظنياً "بمعنى احتمال الخطا والوهم والكذب على الراوى" فإن هذا الاحتمال بعد التثبت والتأكد من عدالة الراوى، ومقابلة روايته بروايات أقرانه من المحدثين، يصبح الاحتمال بخطأه ووهمه - ضعيفاً - فيفيد الخبر العلم اليقينى، ولا سيما إذا احتفت به قرينة من القرائن السابق تفصيلها.
وحتى مع القول بأن خبر الواحد يفيد الظن الراجح بصدق الخبر، فإن هذا الظن يستند إلى أصل قطعى وهو القرآن الكريم.
стр. 694
يقول الشاطبى: "وهذه هى الظنون المعمول بها فى الشريعة أينما وقعت، لأنها استندت إلى أصل معلوم، فهى من قبيل المعلوم جنسه ... فعلى كل تقدير: خبر واحد صح سنده فلابد من استناده إلى أصل فى الشريعة قطعى، فيجب قبوله، ومن هنا قبلناه مطلقاً، كما أن ظنون الكفار غير مستندة إلى شئ فلابد من ردها (١) .
... يقول الدكتور السباعى: ثم إن الشرع الحنيف قد جاء بتخصيص القطعى بظنى، كما فى الشهادة على القتل والمال باثنين، مع أن حرمة المال والدم مقطوع بهما، وقد قبلت فيهما شهادة الاثنين وهى ظنية (٢) .
أما قياسهم الرواية على الشهادة فى اعتبار العدد بحجة أن الرواية شرع عام والشهادة شرع خاص ولم يقبل فيها رواية الواحد، فلأن لا تقبل فى حق كل الأمة من باب أولى.
هذا الكلام منقوض بسائر الأمور التى هى معتبرة فى الشهادة لا فى الرواية كالحرية، والذكورية والبصر، وعدم القرابة" (٣) ، وقد حرر الحافظ السيوطى فى التدريب الفرق بين الرواية والشهادة فيما يقرب من إحدى وعشرين فرقاً، فانظرها؛ فإنها مهمة (٤) .
... ثم إن القول بظنية سنة الآحاد لا تنطبق على جميع السنة، بل على ما كان منها ضعيفاً أو الأحاديث التى حدث كلام فى صحتها، لاسيما وقد ذهب المحققون من أهل الحديث والأصول، والفقه، إلى إفادة الخبر العلم فيما تلقته الأمة بالقبول كأحاديث الصحيحين أو ما احتفت به قرينة من القرائن الخارجية السابق ذكرها.
стр. 695
.. وكذلك فإن الحكم على كون الدليل قطعياً أو ظنياً من الأمور النسبية: يقول ابن قيم الجوزية: "كون الدليل من الأمور الظنية أو القطعية أمر نسبى يختلف باختلاف المدرك المستدل، ليس هو صفة للدليل فى نفسه، فهذا أمر لا ينازعه فيه عاقل، فقد يكون قطعياً عند زيد، ما هو ظنى عند عمرو، فقولهم إن أخبار رسول الله ﷺ الصحيحة المتلقاة بين الأمة بالقبول لا تفيد العلم، بل هى ظنية هو إخبار عما عندهم، إذ لم يحصل لهم من الطرق التى استفاد بها العلم أهل السنة ما حصل لهم (١) . ولمعرفتهم بذلك فالكلمة الفصل والأخيرة فى المسألة لهم ولا تعويل على غيرهم كالمتكلمين.
ويقول الدكتور صالح أحمد رضا:"وأين الدليل على أن الله منعنا بالعمل بالظن، وأمرنا دائماً وأبداً باليقين؟
стр. 696
إن الله تعالى لم يطالبنا إلا بالظن الذى يغلب صدقه، أما الوصول إلى اليقين القاطع الذى ليس معه أى احتمال، فهذا لا يطلب من الإنسان المسلم، إذ ليس فى مقدوره أن يصل إلى اليقين، ولهذا عندما تكلم العلماء عن القرآن الكريم قالوا: إن بعضه قطعى الثبوت قطعى الدلالة، وبعضه قطعى الثبوت ظنى الدلالة، وقد قال تعالى فى محكم كتابه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُءَايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١) فالراسخون فى العلم هم الذين يعودون بالمتشابه إلى المحكم، ويفهمون بذلك الجميع، ومن يطلع على علم أصول الفقه يتبين الفروق بين العموم والخصوص، ودلالات الألفاظ على المعانى ودرجة تلك الدلالة مما جرى فيه اختلاف العلماء فى كل زمان، وفهمهم من كتاب الله تعالى، مما يدل على أننا لسنا متعبدين باليقين ....
فقد أوجب الله تعالى علينا قبول قول شاهدين والعمل بمقتضى شهادتها فى إثبات الحقوق، والدماء، ولا شك أن خبر الشاهدين هو خبر آحاد ومع ذلك فخبرهما معتبر شرعاً (٢) .
... أما ما استدلوا به من الأخبار والآثار المرفوعة والموقوفة على عدم حجية خبر الواحد فهو أيضاً حجة عليهم لا لهم.
لأن الأخبار والآثار السابقة قبلها من توقف فيها، بموافقة راوى آخر، ولم تبلغ بذلك رتبة التواتر، ولا خرجت عن رتبة الآحاد.
... فانضمام أبى بكر وعمر وغيرهما، مع خبر ذى اليدين عمل بخبر آحاد.
стр. 697
وكذلك الحال فى قصة أبى بكر وعمر، فانضمام محمد بن مسلمة إلى المغيرة بن شعبة لم يجعل حديث الجدة ينتقل من خبر آحاد إلى خبر متواتر.
وكذلك انضمام أبى سعيد الخدرى إلى أبى موسى الأشعرى ﵃ لم ينقل الحديث إلى رتبة التواتر.
... قال الإمام الآمدى: "فعلم من ذلك أن ما ردوه من الأخبار أو توقفوا فيه لم يكن لعدم حجية خبر الآحاد عندهم، وإنما كان لأمور اقتضت ذلك من وجود معارض، أو فوات شرط؛ لا لعدم الاحتجاج بها فى جنسها، مع كونهم متفقين على العمل بها، ولهذا أجمعنا على أن ظواهر الكتاب والسنة حجة، وإن جاز تركها والتوقف فيها لأمور خارجة عنها (١) .
١- فتوقف النبى ﷺ فى خبر ذى اليدين لتوهم غلطه لانفراده بذلك السؤال دون من صلى معه ﷺ ، مع كثرتهم، فاستبعد الرسول ﷺ حفظه دونهم، فحيث وافقه الباقون على ذلك، ارتفع توهم غلط ذى اليدين، وعمل بموجب خبره، فلم يلزم من ذلك رد خبر الواحد مطلقاً" (٢) .
... وهذه كتب الآثار طافحة بأمثلة عديدة تؤيد اعتبار الرسول ﷺ لخبر الواحد حجة فقد "بعث رسله واحداً واحداً إلى الملوك، ووفد عليه الآحاد من القبائل فأرسلهم إلى قبائلهم، وكانت الحجة قائمة بإخبارهم عنه ﷺ مع عدم اشتراط التعدد (٣) .
وهو القائل ﷺ : "نضر الله امرءاً سمع منا شيئاً فبلغه كما سمع فرب مبلغ أوعى من سامع" (٤) .
وقل مثل ذلك فى قصة أبى بكر وعمر - رضى الله عنهما - فتوقف أبى بكر فى خبر المغيرة بن شعبة فى ميراث الجدة. هذا ليس منه مطرداً، فهو يريد مزيداً من التثبت والتحوط لا اتهاماً للمغيرة باعتباره راوياً فرداً، ولا طعناً فى حجية خبر الواحد.
стр. 698
بدليل أنه قبل خبر عائشة وحدها فى أن النبى ﷺ مات يوم الاثنين وقبل أيضاً خبرها وحدها فى قدر كفن النبى ﷺ فعن عائشة - رضى الله عنها - قالت: "دخلت على أبى بكر ﵁ فقال: فى كم كفنتم النبى ﷺ ؟ قالت: فى ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص، ولا عمامة، وقال لها فى أى يوم توفى رسول الله ﷺ ؟ قالت يوم الاثنين. قال: فأى يوم هذا؟ قالت يوم الاثنين. قال: أرجوا فيما بينى وبين الليل ... الحديث" (١) .
٣- وأما قصة عمر ﵁ وتوقفه فى خبر أبى موسى فى الاستئذان، فإن أبا موسى أخبره بذلك الحديث عقب إنكاره عليه رجوعه بعد الثلاث، وتوعده، فأراد التثبت خشية أن يكون دافع بذلك عن نفسه (٢) . يدل على ذلك ما جاء فى إحدى طرق الحديث أن أبى ابن كعب قال لعمر:"سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك يا ابن الخطاب! فلا تكونن عذاباً على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلمقال سبحان الله! إنما سمعت شيئاً. فأحببت أن أتثبت" (٣) .
... وفى رواية:"والله إن كنت لأمينا على حديث رسول الله ﷺ ، ولكن أحببت أن أتثبت (٤) ،وفى رواية:"أما إنى لم أتهمك.ولكن خشيت أن يتقوَّل الناس على رسول الله ﷺ (٥)
وقد قبل عمر ﵁ أخبار آحاد كثيرة دون توقف.
стр. 699
فقد قبل خبر عبد الرحمن بن عوف وحده فى أخذ الجزية من المجوس. فيما روى عنه ﵁ أنه ذكر المجوس، فقال: ما أدرى كيف أصنع فى أمرهم. فقال: عبد الرحمن ابن عوف: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" (١) .
٢- ومر قبوله خبر الضحك بن سفيان فى توريث امرأة أشيم من دية زوجها (٢) .
ومر حديث تناوبه هو وجار له من الأنصار فى سماع الوحى (٣) . أ. هـ. والله أعلم.
أدلة حجية خبر الآحاد
... سبق وأن ذكرنا أن علماء المسلمين من أهل الحديث، وأئمة الفقه، وأصحاب الأصول - فى القديم والحديث - اهتموا بهذه المسألة وكتبوا فيها أبواباً مطولة وفصولاً مطنبة، وفصلوا فيها الأدلة المستمدة من القرآن، والسنة، وعمل الصحابة، والتابعين، على حجية خبر الآحاد ووجوب العمل به.
وخلاصة القول فى هذه الأدلة مسلكين على ما اختاره القاضى البيضاوى وعصبته كإمام الحرمين، والغزالى، والسبكى وولده، وفخر الدين الرازى، وغيرهم.
стр. 700
١- المسلك الأول: يستند إلى أمر متواتر، لا يتمارى فيه إلا جاحد، ولا يدرؤه إلا معاند، وذلك أنا نعلم باضطرار من عقولنا أن الرسول ﷺ كان يرسل الرسل، ويحملهم تبليغ الأحكام، وتفاصيل الحلال والحرام، وربما كان يصحبهم الكتب، وكان نقلهم أوامر رسول الله ﷺ على سبيل الآحاد، ولم تكن العصمة لازمة لهم، فكان خبرهم فى مظنة الظنون، وجرى هذا مقطوعاً به، متواتراً لا اندفاع له، إلا بدفع التواتر، ولا يدفع المتواتر إلا مباهت (١) .
... إلا أن المعترضين على قبول خبر الواحد قد أثاروا شبهة حول هذا المسلك وذلك بقولهم: "إن إرسالهم "أى الرسل والمبعوثون" إنما كان لقبض الزكاة والفتيا ونحو ذلك" (٢) .
... وقد تولى الإجابة عن هذه الشبهة الحافظ ابن حجر فبين أن هذا الاعتراض "مكابرة" لأن العلم حاصل بأن إرسال الأمراء كان لأعم من قبض الزكاة، وإبلاغ الأحكام، وغير ذلك، ولو لم يشتهر من ذلك إلا تأمير معاذ بن جبل ﵁ وقوله له: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب. فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله فإذا عرفوا الله، فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات فىيومهم وليلتهم، فإذا فعلوا، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإذا أَطَاعُوا بها، فخذ منهم وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ (٣) . لو لم يكن إلا هذا الحديث لكان فيه الغناء.
стр. 701
مع العلم أن "الأخبار طافحة بأن أهل كل بلد منهم، كانوا يتحاكمون إلى الذى أمر عليهم، ويقبلون خبره، ويعتمدون عليه من غير التفات إلى قرينة" (١) .
... وقديماً استدل الإمام الشافعى بهذا المسلك فى الرسالة فقال: "بعث رسول الله ﷺ سراياه وعلى كل سرية واحد، وبعث رسله إلى الملوك إلى كل ملك واحداً، ولم تزل كتبه تنفذ إلى ولاته بالأمر والنهى فلم يكن أحد من ولاته يترك إنفاذ أمره، وكذا كان الخلفاء من بعده (٢) . وبهذا المسلك أيضاً استدل الإمام البخارى فى صحيحه فى كتاب إخبار الآحاد باب ما كان يبعث النبى ﷺ من الأمراء والرسل واحداً بعد واحد (٣) . وقال ابن عباس: بعث النبى ﷺ دحية الكلبى (٤) بكتابه إلى عظيم بصرى أن يدفعه إلى قيصر (٥) .
... والأمثلة على أمراء السرايا والبعوث، وأمراء البلاد، ورسله إلى الملوك، كتب السير والتاريخ، ودواوين السنة زاخرة بها (٦) .
стр. 702
٢- المسلك الثانى: إجماع الصحابة ﵃ على قبول خبر الواحد، وذلك فى وقائع شتى لا تنحصر، وآحادها إن لم تتواتر فالمجموع منها متواتر، ولو أردنا استيعابها لطالت الأنفاس وانتهى القرطاس، فلا وجه لتعدادها إذ نحن على قطع بالقدر المشترك منها وهو رجوع الصحابة إلى خبر الواحد إذا نزلت بهم المعضلات، واستكشافهم عن أخبار النبى ﷺ عند وقوع الحادثات، وإذا روى لهم تسرعوا إلى العمل به (١) ، فهذا ما لا سبيل إلى جحده ولا إلى حصر الأمر فيه (٢) .
... وعلى ما أجمع عليه الصحابة ﵃ "أجمع المسلمون قديماً وحديثاً على تثبيت حجية خبر الواحد، والانتهاء إليه فى وجوب العمل به" (٣) .
стр. 703
.. وفى كتاب الله ، أدلة لا حصر لها تدل على: صحة المسلكين السابقين. ففى القرآن الكريم قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ (١) . وقال: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ (٢) . وقال: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ (٣) . وقال تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿إنا إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ (٤) . وقال ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ (٥) . فلو كان خبر الواحد غير مقبول لتعذر إبلاغ الشريعة إلى الكل ضرورة، لتعذر خطاب جميع الناس شفاها، وكذا تعذر إرسال عدد التواتر إليهم، وهو مسلك جيد (٦) ، ينضم إلى المسلكين السابقين وبه قال الإمام الشافعى فى الرسالة (٧) .
وقال الإمام الشافعى بعد ذكره قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ (٨) . قال: فظاهر الحجج عليهم باثنين ثم ثالث، وكذا أقام الحجة على الأمم بواحد، وليس الزيادة فى التأكيد مانعة أن تقوم الحجة بالواحد إذ أعطاه الله ما يُباين به الخلق غير النبيين" (٩) .
стр. 704
وبالجملة فكل خبر واحد فى القرآن الكريم، وفى السنة المطهرة، يشهد بحجية خبر الواحد ووجوب العمل به (١) أ. هـ.
والله ﵎
أعلى وأعلم
стр. 705
المبحث الرابع شروط حجية خبر الواحد ووجوب العمل به عند المحدثين والرد على شروط المعتزلة ومن قال بقولهم قديماً وحديثاً
شروط حجية خبر الواحد عند المحدثين:
... اتفق أهل الحديث أجمع على: أنه يشترط لصحة الحديث، وحجيته، ووجوب العمل به خمسة شروط: (١) اتصال السند (٢) عدالة الراوى (٣) ضبط الراوى (٤) عدم الشذوذ (٥) عدم العلة.
... يقول ابن الصلاح: "أما الحديث الصحيح فهو الحديث المسند الذى يتصل اسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذاً ولا معللاً" (١) أهـ.
والشرطان الآخران (عدم الشذوذ، وعدم العلة) من الشروط المعتبرة فى صحة المتن عند المحدثين، ولم يصرح بهما أئمة الفقه والأصول، لأن أكثر العلل التى يعلل بها المحدثون لا تجرى على أصول الفقهاء، فنراهم يأخذون بالحديث. وإن كان فيه بعض كلام للمحدثين بناء على أصولهم التى أصلوها وقواعدهم التى ارتضوها (٢) .