وقس على ذلك سائر دعاة الفتنة وأدعياء العلم من المستشرقين ودعاة اللادينية عندما يستشهدون فى هجومهم على السنة المطهرة بمصادر معتمدة، فالأمر لا يخرج عن إيهام القارئ وتضليله بأن أصحاب تلك المصادر الموثوقة ينتهون إلى ما انتهوا إليه.
... أما إذا ذكروا من تلك المصادر المعتبرة حقائق مسلماً بها عند أهل العلم فلا يخرج حالهم فى هذه الحالة عن ثلاثة أمور:
أولهما: الاستشهاد بتلك الحقائق المسلم بها فى غير موضعها إيهاماً للقارئ بأن أصحاب تلك المصادر المعتبرة التى ذكرت تلك الحقائق يلتقون معهم فى فكرتهم ومقصدهم، ومن ذلك ما سبق فى شبهة الوضع، وكثرة الوضاعين، واستشهادهم بكلام الأئمة فى أسباب الوضع وأصناف الوضاعين بأن ذلك أضعف الثقة بالسنة وبحجيتها (١) هذا فى حين ذكر علماء المسلمين أسباب الوضع وأصناف الوضاعين فى مصادرهم لبيان جهود المحدثين فى كشف الكذابين، وأنه لم يخف أمرهم على حفاظ السنة، وأنها خرجت سليمة معافاة من فتنة الوضاعين فذكروا كل هذا كميزة وفضيلة (٢) .
إلا أن أعداء السنة نقلوا من مصادر علماء المسلمين تلك الميزة واستشهدوا بها فى غير موضعها ونشروها على أنها نقيصة.
فتأمل كيف ينشرون مميزات السنة على أنها عيوب.
ومن ذلك أيضاً ما سبق فى مسألة (استقلال السنة المطهرة بتشريع الأحكام) واتخاذ أعداء السنة كلام الإمام الشاطبى فى تلك المسألة ستاراً للتشكيك والطعن فى حجية السنة ومكانتها التشريعية (٣) .
ثانيهما: الاستشهاد من المصادر المعتبرة بحقائق مسلم بها لكنها "مبتورة" فيكتفون بذكر ما يشهد لدعواهم، ويغضون الطرف عما يفحمهم.
стр. 877
ومن ذلك مما سبق فى "شبهة النهى عن كتابة السنة" حيث نقلوا من المصادر المعتبرة المؤرخة لذلك، الباب الذى يؤيدهم فى دعواهم كـ "باب الآثار والأخبار الواردة عن كراهة كتاب العلم"، وغضوا الطرف عن بقية الأبواب الواردة فى نفس المصادر المعتبرة التى استشهدوا بها، والتى ترد على شبهتهم، كـ "باب وصف العلة فى كراهية كتابة الحديث"، و"باب الآثار والأخبار الواردة عن إباحة كتابة العلم" (١) .
... ثالثهما: الاستشهاد من المصادر المعتبرة بتحريف النصوص عن مواضعها وهذا من مأخذ أهل البدع بالاستدلال (تحريف الأدلة عن مواضعها) كما قال الشاطبى (٢) .
... ومن ذلك ما سبق فى "شبهة الاكتفاء بالقرآن، وعدم الحاجة إلى السنة المطهرة"، وتحريف أحمد صبحى منصور، وجمال البنا لكلام الحافظ ابن حجر فى شرحه للمراد من حديث عبد الله بن أبى أوفى فى وصية النبى ﷺ بالاقتصار على الكتاب. قال الحافظ ابن حجر ﵀:"الاقتصار على الوصية بالكتاب لكونه أعظم وأهم، ولأن فيه تبيان كل شئ إما بطريق النص، وإما بطريق الاستنباط، فإذا اتبع الناس ما فى الكتاب عملوا بكل ما أمرهم النبى ﷺ به لقوله تعالى: ﴿وَمَاءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣) .
أما أحمد صبحى منصور فاستشهد بكلام الحافظ ونقل كلامه هذا مبتوراً محرفاً بحذفه لفظه (النبى ﷺ فصارت العبارة: "فإذا اتبع الناس ما فى الكتاب عملوا بكل ما أمرهم به".
стр. 878
وكذلك صنع جمال البنا استشهد بكلام الحافظ مبتوراً محرفاً فقال: "أى التمسك به "يعنى القرآن" والعمل بمقتضاه إشارة إلى قوله: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله" (١) وترك بقية كلام الحافظ ابن حجر أن عمل الناس بالكتاب يقتضى العمل بكل ما أمرهم النبى ﷺ به لقوله تعالى: ﴿وَمَاءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) .
أما النوع الثالث من مصادر أعداء السنة فمصادر معتبرة غير حديثية ، يستشهدون بما فيها من أحاديث ضعيفة أو موضوعة تشهد لدعواهم.
ومن ذلك استشهادهم بحديث عرض السنة على القرآن: "إذا روى لكم عن حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه، وإلا فردوه" (٣) واعتمادهم صحة الحديث لمجرد وروده فى بعض كتب الفقه أو الأصول كالمحصول فى أصول الفقه (٤) ، وأصول السرخسى (٥) ، والمعتمد فى أصول الفقه (٦) .
وقد نقل غير واحد من أهل الزيغ والهوى هذا الحديث من مصادر معتبرة غير حديثية موهماً أن أصحاب تلك المصادر يقولون بعرض السنة على القرآن، بمفهومهم القائم على رد الحديث بمجرد التعارض الظاهرى حتى مع إمكان الجمع والتأويل.
... وممن فعل ذلك أحمد حجازى السقا فى كتابه "دفع الشبهات عن الشيخ الغزالى" عزا حديث "عرض السنة على القرآن" إلى المحصول للرازى، موهماً أن الرازى، والفقهاء يقولون بالحديث (٧) ، فى حين أن الرازى يحكى مخالفة عيسى بن أبان لجمهور علماء المسلمين بإيجابه عرض خبر الآحاد على القرآن الكريم (٨) .
стр. 879
ويجاب عن استشهادهم بأحاديث مكذوبة وردت فى مصادر معتبرة غير حديثية بما هو مقرر عند أهل الحديث وهو:
أنه لا يكتفى بعزو الحديث إلى من ليس من أهله دون بيان: وإن جل كعظماء المفسرين، والفقهاء، والمتصوفة، والمؤرخين، وغيرهم، بل لابد من معرفة تعقبات المحدثين على ما أوردوه فى كتبهم وذكره عند العزو إليها، ما لم يكونوا من أئمته، أو دراسة أسانيدها ومتونها - إذا كانت خالية من تعقبات المحدثين ولم يكونوا من أئمته دراسة دقيقة فاحصة لمتبحر فى الحديث وعلومه، للوصول من وراء ذلك إلى الحكم بصحة الحديث أو ضعفه أو الحكم عليه بالوضع (١) كما فى حديث عرض السنة على القرآن.
стр. 880
.. وفى ذلك يقول الإمام عبد الرءوف المناوى (١) : "فلا أعزوا إلى شئ منها "أى المصادر" ولا أكتفى بعزوه إلى من ليس من أهله وإن جل كعظماء المفسرين ... فكتب التفسير مشحونة بالأحاديث الموضوعة، وكأكابر الفقهاء "أى غير الأئمة الأربعة" فإن الصدر الأول من أتباع المجتهدين لم يعتنوا بضبط التخريج وتمييز الصحيح من غيره، فوقعوا فى الجزم بنسبة أحاديث كثيرة إلى النبى ﷺ وفرعوا عليها كثيراً من الأحكام مع ضعفها، بل ربما دخل عليهم الموضوع "نسياناً أو غلطاً دون عمد" (٢) .
ومثل هذه الأخطاء الحديثية لهؤلاء العلماء الأجلاء وهم غير متخصصين فى الحديث وعلومه - لا تقدح فى منزلتهم العلمية، ولا فى مؤلفاتهم ولا فى سلامة الأغراض التى من أجلها ألفوا كتبهم" (٣) .
стр. 881
.. قال الإمام المناوى: "وهذا لا يقدح فى جلالتهم، بل ولا فى اجتهاد المجتهدين إذ ليس من شرط المجتهد الإحاطة بحال كل حديث فى الدنيا" (١) أ. هـ.
... قال العلامة اللكنوى: فإن قال قائل: فما بالهم أوردوا فى تصانيفهم الأحاديث الموضوعة – مع جلالتهم ونباهتهم – ولِمَ لم ينقدوا الأسانيد مع سعة علمهم؟
قلت: لم يُوردوا ما أوردوا: مع العلم بكونه موضوعاً، بل ظنَّوه مروياً وأحالوا نقد الأسانيد على نُقَّادِ الحديث، لكونهم أغنوهم عن الكشف الحثيث، إذ ليس من وظيفتهم البحث عن كيفية رواية الأخبار، إنما هو من وظيفة حملة الآثار، فلكل مقام مقال، ولكل فن رجال" (٢) أ. هـ.
وبعد
... فإن وسائل أعداء السنة فى الكيد لها لا تقف عند حد، وصدق الإمام الشاطبى –﵀: "ومن نظر إلى طريق أهل البدع فى الاستدلالات عرف أنها لا تنضبط، لأنها سيالة لا تقف عند حد" (٣) .
... وبحسب كل مسلم أن يتنبه إلى القواعد الكلية التى ينطلقون منها للكيد للسنة المطهرة، ويعرف بطلان تلك القواعد، وأنه لا أساس لها فهى كمثل بيت العنكبوت.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٤) وهذا ما حرصت على تفصيله فى الفصول السابقة.
... ونأكده فى الباب الثالث بذكر نماذج من الأحاديث الصحيحة التى طعن فيها أهل الزيغ والهوى، والجواب عنه. فإن بيان ذلك.
стр. 882
الباب الثالث: نماذج من الأحاديث الصحيحة المطعون فيها
والجواب عنها
وتحته تمهيد وعشرة فصول:
التمهيد ويتضمن بيان:
أ- طبيعة نقد الأحاديث الصحيحة عند أعدائها.
ب- طبيعة الأحاديث الصحيحة المطعون فيها.
الفصل الأول: حديث "إنما الأعمال بالنيات".
الفصل الثانى: حديث "أنزل القرآن على سبعة أحرف".
الفصل الثالث: أحاديث "رؤية الله " و"محاجة آدم موسى ﵉" و"الشفاعة".
الفصل الرابع:أحاديث ظهور"المهدى"وخروج"الدجال"و"نزول المسيح ﵇"
الفصل الخامس: حديث "عذاب القبر ونعيمه".
الفصل السادس: أحاديث "خلوة النبى ﷺ بامرأة من الأنصار" و"نوم النبى ﷺ عند أم سليم أم حرام" وحديث "سحر النبى ﷺ ".
الفصل السابع: حديث "رضاعة الكبير".
الفصل الثامن: حديث "وقوع الذباب فى الإناء".
الفصل التاسع: ثمرات ونتائج الحديث الصحيح.
الفصل العاشر: مضار رد الأحاديث النبوية الصحيحة.
التمهيد
ويتضمن بيان
أ- طبيعة نقد الأحاديث الصحيحة عند أعدائها.
ب- طبيعة الأحاديث الصحيحة المطعون فيها.
... يحرص أعداء السنة - أعداء الإسلام - فى عصرنا على تناول الأحاديث الصحيحة، وخاصة صحيحى البخارى ومسلم بالنقد والتجريح، المزور الباطل، وذلك كى يصلوا فى النهاية إلى التشكيك فى السنة جميعها وصرف المسلمين عنها، ويركزون على الصحيحين لأنه بسقوط الرأس يسقط الجسد كله. وقد عرفنا منذ قليل أن الصحيحين وهما أصح الكتب بعد كتاب الله ليسا جهد أفراد، وإنما هما جهد أمة، من جهابذة المحدثين، تناولوا الكتابين بالنقد والدراسة، وأسفرت تلك الدراسة عن صحة الكتابين صحة لا يشوبها أدنى شك، سوى أحرف يسيرة لا يصل الحال بها أبداً إلى درجة الوضع، بل ولا حتى إلى درجة الضعف الذى لا يحتمل، وإنما غاية هذه الأحرف قصور شروط الصحة فيها عما التزمه الشيخان من إخراج أصح الصحيح.
стр. 883
.. وقد عرفنا أيضاً أن المحدثين لم يقصروا فى نقد المتن، كما يزعم من عميت بصيرتهم، وكيف يقصرون! وهل قام علم الحديث دراية بجميع أنواعه إلا لخدمة علم الحديث رواية؟ وكيف يقصرون وما وضعوه من شروط لصحة الحديث من اتصال السند، وعدالة الراوى، وضبطه، وعدم الشذوذ، وعدم العلة - إلا لضمان سلامة المتن، والتأكد من صحة نسبته إلى النبى ﷺ .
وعرفنا كيف أن ما يبدوا ظاهراً من الشروط الخمسة من اختصاصه بالسند هو فى الحقيقة متعلق بالمتن ظاهراً وباطناً.
أ- طبيعة نقد الأحاديث الصحيحة عند أعدائها:
... إن هؤلاء النابتة من أعداء ديننا وأمتنا، اتخذوا من تحكيم عقولهم الزائغة القاصرة، المقياس الأول والأخير فى نقدهم للأحاديث والحكم عليها، ويتخذون من ذلك ذريعة إلى إنكار الأحاديث، وتخطئة علماء السنة، وتخطئة الجمهرة من المسلمين الذين اهتدوا بهديهم وعلمهم، وساروا على دربهم، يدفعهم إلى ذلك عمى بصيرة، وحقد دفين على سنة رسول الله ﷺ كما يهدفون إلى أن يبتعد الناس عن نور النبوة المباركة وهديها المستقيم، وهم يطوون حقدهم وأهدافهم وراء تناول بعض الأحاديث التى تحتاج إلى فهم خاص، يتلاءم مع مبادئ الإسلام، والفهم الصحيح لتعاليمه وقيمه (١) ، مثل حديث (رضاعة الكبير) وسيأتى ذكره والجواب عنه بإذن الله تعالى.
стр. 884
ب- طبيعة الأحاديث الصحيحة المطعون فيها:
... طبيعة الأحاديث التى اتخذها دعاة الفتنة وأدعياء العلم وسيلة للنيل من سنة رسول الله ﷺ والنيل من رواتها الثقات الأعلام من صحابة رسول الله ﷺ والتابعين فمن بعدهم من أئمة المسلمين أصحاب المصنفات الحديثية - شملت أبواب السنة كلها من العقائد، والعبادات، والمعاملات، والفتن، والرقائق، والطب، والسيرة ... إلخ. وهم يحرصون دائماً وهم يطعنون فى الأحاديث الصحيحة، أن تكون تلك الأحاديث من الأصول، والعقائد لزعزعة قلوب المؤمنين بعقائدهم حتى يصلوا إلى غايتهم قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ (١) .
... وسوف نذكر نماذج من تلك الأحاديث الصحيحة التى طعنوا فيها فى ثمانية فصول.
الفصل الأول: حديث "إنما الأعمال بالنيات "
وتحته مبحثان:
المبحث الأول: شبه الطاعنين فى حديث "إنما الأعمال بالنيات" والرد عليها.
المبحث الثانى: مكانة حديث "إنما الأعمال بالنيات".
стр. 885
المبحث الأول: شبه الطاعنين فى حديث "إنما الأعمال بالنيات" والرد عليها
... أخرج الإمام البخارى فى صحيحه بسنده عن علقمة بن وقاص الليثى (١) قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى: فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه".
... هذا الحديث الذى يمثل أصلاً من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعده طعن فيه الصنم الأكبر للمستشرقين – جولدتسيهر – وضربه مثلاً على ما ذهب إليه من أن الحديث نتيجة للتطور الدينى خلال القرون الأولى، وقال: "وقد ارتفع شأن هذا الحديث إلى أن صار فكرة تسيطر على كل الأعمال الدينية يقول الله تعالى: "لاقونى بنياتكم ولا تلاقونى بأعمالكم" وهو حديث متأخر ظهر كصدى لاقتناع المؤمنين بذلك، وعلامة على قيمة أعمالهم الدينية" (٢) .
وتابع طعناً فى صحة الحديث دعاة اللادينية، يقول نيازى عز الدين: "إن هذا الحديث أحد ثلاثة أحاديث خطيرة افتراها جنود السلطان لقلب دين الله الذى فى القرآن؛ إلى دين السلطان الموجود فى أحاديث جنوده (٣) .
стр. 886
وبهذا الحديث استحل فى نظره – أئمة المسلمين ورواة السنة الثقات – جنود السلطان عنده – استحلوا بهذا الحديث التحايل فى دين الله، وحجته فى ذلك افتتاح الإمام البخارى به كتاب الحيل من صحيحه قال: حديث "إنما الأعمال" أول حديث يفتتح به البخارى فى صحيحه كتاب الحيل لأنه حجر الزاوية بالنسبة لكل تلك الأحاديث المفتراه على الله والرسول، فوضعها لنا فى أول جملة من كتابه، حتى يدل من كان يريد أن يعرف أن ذلك الحديث، كان المفتاح الذهبى لكل أبواب الاحتيال فى دين السلطان، التى فتحت كل تلك الأبواب على مصراعيها لجنود السلطان من أجل، تأليف فقه دين السلطان"] (١) أ. هـ.
... ويجاب على ما سبق بما يلى:
أولاً: حديث "إنما الأعمال بالنيات" صحيح متفق على صحته (٢) . قال الحافظ ابن حجر: "إن هذا الحديث متفق على صحته، أخرجه الأئمة المشهورون إلا الموطأ" (٣) .
стр. 887
ثانياً: هنالك كثير من نصوص القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة التى جاءت فى معنى هذا الحديث، تحث على الإخلاص وتذم الرياء مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (١) والآية تخاطب أهل الكتابين، وفى ذلك اشتراط النية فى صحة الأعمال للأمم السابقة (٢) وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (٤) ومن الأحاديث: حديث عائشة –رضى الله عنها – مرفوعاً: "يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا بِبَيداءَ من الأرض يُخسفُ بأولهم وآخرهم. قالت. قلت: يا رسول الله كيف يُخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أَسْوَاقُهُم ومن ليس منهم؟ قال: يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم" (٥) وفى الحديث أيضاً عن أبى موسى الأشعرى ﵁ مرفوعاً: "من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا فهو فى سبيل الله" (٦)
стр. 888
والأدلة من القرآن الكريم والسنة المطهرة كثيرة جداً فى تأييد معنى الحديث.
ولكن جولدتسيهر ومن قال بقوله لم يطعن فى هذا الحديث من فراغ، فقد كان يعلم قدره وعظمته ومكانته فى الإسلام، وبذلك صرح فى كتابه دراسات محمدية قائلاً: "ويعد كلام النبى هذا واحداً من أعظم مبادئ الإسلام، ويعد واحداً من أربعة مبادئ أساسية عليها مدار الإسلام" (١) .
وهنا يظهر تناقض جولدتسيهر حيث يذهب بأن الحديث من وضع الفقهاء، ونتيجة للتطور الدينى للإسلام، كما زعم فى كتابه العقيدة والشريعة، وهنا فى كتابه دراسات محمدية، يقر بأن الحديث من كلام النبى ﷺ ، وروى فى عهود مبكرة فى المدينة، ولم يقل وضعه الفقهاء وإنما قال: "وقد طبق الفقهاء هذه العبارة لكونها مبدأ أسمى فى معالجة المسائل الدينية والشرعية" (٢) .
... وعلى كل حال فدعواه بأن الحديث متأخر، قد ظهر لك بطلانها من نص الحديث حيث خطب به الفاروق عمر ﵁ وأسنده إلى الرسول، وصدق عليه من سمعه، وهم جمهور كبير من صحابة رسول الله ﷺ وذكر الإمام العينى أيضاً أن الرسول ﷺ خطب به لما قدم المدينة (٣) .
стр. 889
أما قول جولدتسيهر: "لاقونى بنياتكم ولا تلاقونى بأعمالكم" فهذا خلاف ما دل عليه الحديث، فإن الحديث لم ينف الأعمال، بل شرط لصحتها النية، إذ العمل مطلوب شرعاً كما قال سبحانه: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١) وقرنه بالإيمان فى أكثر من آية: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٢) . وقال ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (٣) أ. هـ.
... أما ما زعمه بعض النكرات أن أئمة المسلمين وضعوا حديث "إنما الأعمال"، واستحلوا به التحايل فى دين الله بحجة افتتاح الإمام البخارى للحديث فى كتاب الحيل من صحيحه فهذا من تضليله وجهله.
أما تضليله فهو عدم ذكره اسم الباب الذى ذكر الإمام البخارى الحديث تحته وهو باب بعنوان "فى ترك الحيل وأن لكل إمرئ ما نوى فى الأيمان وغيرها".
وواضح من عنوان الباب إبطال زعم النكرة أن الحديث دليل على استحلال الحيل.
أما جهله فهو قلة عقله فى استيعاب فقه الإمام البخارى فى تراجمه فى أبوابه، وأنى له إدراك ذلك، وتلك "التراجم حيرت الأفكار، وأدهشت العقول والأبصار، ولقد أجاد القائل: أعى فحول العلماء حل رموز ما أبداه فى الأبواب من أسرار" (٤) .
стр. 890
.. فالإمام البخارى رحمه الله تعالى افتتح كتابه الحيل بحديث "إنما الأعمال بالنيات" وعنون للباب قبل ذكر الحديث بباب فى ترك الحيل ..." (١) فأدخل كلمة "الترك" لئلا يتوهم أحد من أدعياء العلم من ترجمة الكتاب "كتاب الحيل" إجازة الحيل.
قال الحافظ ابن حجر فى شرحه لعنوان الباب قال: قوله: "باب ترك الحيل" قال ابن المنير: أدخل البخارى الترك فى الترجمة، لئلا يتوهم أى من ترجمة الكتاب "كتاب الحيل" إجازة الحيل عموماً، فإن القول بجوازها عموماً إبطال حقوق وجبت، وإثبات حقوق لا تجب، فتحرى فيها لذلك.
قال ابن حجر قلت: وإنما أطلق أولاً "كتاب الحيل" للإشارة إلى أن من الحيل ما يشرع فلا يترك مطلقاً. فضابطها إن كانت للفرار من الحرام، والتباعد من الإثم فحسن، وإن كانت لإبطال حق مسلم فلا بل هى إثم وعدوان" (٢) .
وقال ابن قيم الجوزية: "الحيل نوعان: نوع يتوصل به إلى فعل ما أمر الله تعالى به، وترك ما نهى عنه والتخلص من الحرام، وتخليص الحق من الظالم المانع له، وتخليص المظلوم من يد الظالم الباغى، فهذا النوع محمود يثاب فاعله. ونوع يتضمن إسقاط الواجبات، وتحليل المحرمات، وقلب المظلوم ظالماً، والظالم مظلوماً والحق باطلاً والباطل حقاً، فهذا النوع الذى اتفق السلف على ذمه، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض" (٣) .
فإذا كان من النوع الباطل إسقاط الواجبات، وتحليل المحرمات، وقلب الحق باطلاً، والباطل حقاً. فهل هناك مسلم يجرؤ على القول بأن أئمة المسلمين ورواة السنة الثقات استحلوا أكبر الكبائر بالكذب على رسول الله ﷺ ينسبه شئ لم يقله، وجعله شرعاً إلى يوم الدين؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
стр. 891
يقول ابن قيم الجوزية: "إن هذه الحيل المحرمة لا تجوز أن تنسب إلى إمام، فإن ذلك قدح فى إمامته، وذلك يتضمن القدح فى الأمة حيث إئتمت بمن لا يصلح للإمامة، وهذا غير جائز، ولو فرض أنه حكى عن واحد من الأئمة بعض هذه الحيل المجمع على تحريمها فإما أن تكون الحكاية باطلة، أو يكون الحاكى لم يضبط لفظه ...، ولو فرض وقوعه منه فى وقت ما فلابد أن يكون قد رجع عن ذلك، وإن لم يحمل الأمر على ذلك لزم القدح فى الإمام، وفى جماعة المسلمين المؤتمين به، وكلاهما غير جائز، ولا خلاف بين الأمة؛ أنه لا يجوز الإذن فى التكلم بكلمة الكفر لغرض من الأغراض، إلا المكره إذا اطمأن قلبه بالإيمان، ثم إن هذا على مذهب أبى حنيفة وأصحابه أشد (١) ، فإنهم لا يأذنون فى كلمات وأفعال دون ذلك بكثير، ويقولون: إنها كفر، حتى قالوا: لو قال الكافر لرجل: "إنى أريد أن أسلم" فقال له: "اصبر ساعة" فقد كفر، فكيف بالأمر بإنشاء الكفر؟ وقالوا: لو قال "مسيجد" أو صغر لفظ المصحف كفر.فعلمت أن الأئمة أعلم بالله ورسوله، ودينه، وأتقى له من أن يجيزوا، فضلاً عن أن يستحلوا–الحيل التى هى كفر أو حرام" (٢) ، ولا ينسب ذلك إليهم إلا مارق ضال محتال.
стр. 892
.. قال الحافظ ابن حجر: وقول البخارى: "وإن لكل امرئ ما نوى فى الأيمان وغيرها" من تفقه المصنف لا من الحديث قال ابن المنير: اتسع البخارى فى الاستنباط، والمشهور عند النظار حمل الحديث على العبادات فحمله البخارى عليها، وعلى المعاملات، وتتبع مالكاً فى القول بسد الذرائع، واعتبار المقاصد، فلو فسد اللفظ، وصح القصد ألغى اللفظ، وأعمل القصد، تصحيحاً وإبطالاً، قال: والاستدلال بهذا الحديث على سد الذرائع، وإبطال التحيل، من أقوى الأدلة" (١) .
واستدل بذلك أيضاً ابن قيم الجوزية على تحريم الحيل. فقال حديث: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" الحديث أصل فى إبطال الحيل ويكفى وحده فى إبطال الحيل، ولهذا صدر به حافظ الأمة محمد بن إسماعيل البخارى كتاب الحيل من صحيحه (٢) أ. هـ.
... فأين من كل هذا ما استدل به بعض النكرات أن افتتاح الإمام البخارى بهذا الحديث فى كتاب الحيل، دليل على استحلالها، واستحلال الكذب على رسول الله ﷺ .
стр. 893
المبحث الثانى: مكانة حديث "إنما الأعمال بالنيات "
... قال الحافظ ابن حجر ﵀: "قد تواتر النقل عن الأئمة فى تعظيم قدر هذا الحديث" (١) . قال الحافظ العراقى: "هو قاعدة من قواعد الإسلام (٢) . وقال الإمام أحمد "أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث عمر: "الأعمال بالنيات"، وحديث عائشة: "من أحدث فى أمرنا ما ليس منه، فهو رد" (٣) وحديث النعمان بن بشير (٤) :"الحلال بين، والحرام بين" (٥) .
... قال الإمام ابن تيمية: "هو أصل عظيم من أصول الدين، بل هو أصل كل عمل، ولهذا قالوا: مدار الإسلام على ثلاثة أحاديث، فذكروه منها، وذكر قول الإمام أحمد الذى سبق، وقال: والذى أمر الله به نوعان:
أحدهما: العمل الظاهر، وهو ما كان واجباً أو مستحباً.
стр. 894
والثانى: العمل الباطن، وهو إخلاص الدين لله؛ فقوله ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد": ينفى التقرب إلى الله بغير ما أمر الله به، أمر إيجاب أو أمر استحباب. وقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" إلى آخره يبين العمل الباطن، وأن التقرب إلى الله إنما يكون بالإخلاص فى الدين لله، كما قال الفضيل فى قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (١) . قال: أخلصه وأصوبه (٢) .
قال ابن تيمية: فإن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة النبوية، وعلى هذا دل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٣) وإن هذين الأصلين الإخلاص وصواب العمل؛ هما دين الإسلام الذى ارتضاه الله" (٤) .
... ويقول أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدى: "لو صنفت كتاباً بدأت فى أول كل باب منه بحديث "إنما الأعمال"، وأوصى بذلك فقال: من أراد أن يصنف كتاباً فليبدأ بهذا الحديث" (٥) .
стр. 895
وحسبنا من هذه الأقوال بياناً لمكانة هذا الحديث، وإذا عرفت هذه المكانة، فهمت أن أعداء الإسلام لم يطعنوا فى هذا الحديث من فراغ، فقد علموا قدره وعظمته ومكانته فى الإسلام، فإذا سهل لهم أن يقدحوا فيه فغيره أولى بالقدح. ولكن الأمر على خلاف ما يظنون ويأملون.
стр. 896
الفصل الثانى: حديث "أنزل القرآن على سبعة أحرف "
وتحته أربعة مباحث:
المبحث الأول: شبه الطاعنين فى حديث أنزل القرآن على سبعة أحرف والرد عليها
المبحث الثانى: معنى نزول القرآن على سبعة أحرف.
المبحث الثالث: الأحرف السبعة أعم من القراءات السبع.
المبحث الرابع: بقاء الأحرف السبعة فى المصاحف.
المبحث الأول: شبه الطاعنين فى حديث أنزل القرآن على سبعة أحرف والرد عليها
... حديث نزول القرآن الكريم على سبعة أحرف طعن فيه الرافضة قديماً، وزعموا بأنه يثبت كفر الصحابة بوقوع التحريف اللفظى فى القرآن الكريم، وهم كفار بذلك مشركون عند جميع أهل الإسلام (١) .
وقديماً كان الإمام ابن حزم يرد على مزاعم وطعون قساوسة النصارى بأن القرآن فيه تحريف ونقص، وضاع كثير من أصوله وقراءاته باعتراف المسلمين من الشيعة الرافضة.
فيجيبهم ابن حزم بقوله: "إن دعوى الشيعة ليست حجة على القرآن ولا على المسلمين، لأن الشيعة غير مسلمين ... إنما هى فرق حدث أولها بعد موت النبى ﷺ بخمس وعشرين سنة، وكان مبدؤها إجابة من خذله الله تعالى لدعوة من كاد للإسلام، وهى طائفة تجرى مجرى اليهود والنصارى فى الكذب والكفر (٢) .
стр. 897
ومن طعون الرافضة، استدل إخوانهم من المستشرقين، وتكلموا كثيراً فى موضوع القراءات بالأحرف السبعة محاولين إثبات أن هذه القراءات ليست من الوحى أساساً، وإنما نجمت عن "القراءة بالمعنى"، فلم يكن نص القرآن بحروفه بالنسبة لبعض المؤمنين هو المهم، ولكن المهم هو روح النص، ودليلهم ما جاء فى بعض الروايات وفيها "كلها شاف كاف، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب، نحو قولك: تعال وأقبل، وهلم، واذهب، وأسرع، وعجل" (١) .
ولعل أول من ذهب إلى ذلك من المستشرقين جولدتسيهر، فى كتابه "مذاهب التفسير الإسلامى" حيث ذهب إلى أن اختلاف القراءات القرآنية راجع إلى خلو المصاحف العثمانية من النقط والشكل إذ يقول وهو يتحدث عن اختلاف القراءات القرآنية: "وإذاً فاختلاف تحلية هيكل الرسم بالنقط، واختلاف الحركات فى المحصول الموحد الغالب من الحروف الصامتة، كانا هما السبب الأول فى نشأة حركة اختلاف القراءات، فى نص لم يكن منقوطاً أصلاً، أو لم تتحر الدقة فى نقطه أو تحريكه" (٢) .
وردد هذا الرأى المستشرق الاسترالى الأصل "آرثرجفرى" وذكره فى مقدمة تحقيقه لكتاب "المصاحف" لابن أبى داود قال: "وكانت هذه المصاحف التى بعثها عثمان إلى الأمصار؛ كلها خالية من النقط والشكل، فكان على القارئ نفسه أن ينقط، ويشكل هذا النص على مقتضى معانى الآيات" (٣) .
стр. 898
.. ونتيجة ذلك كله هى القول بحدوث تغيير فى النص القرآنى (١) . وقد تابع هذين المستشرقين بعض العلماء العرب، من الجامعيين وغيرهم، وأذاعوه فى كتبهم.
يقول الدكتور طه حسين (٢) : "إن القرآن تلى بلغة واحدة، ولهجة واحدة هى لغة قريش ولهجتها، لم يكد يتناولها القراء من القبائل المختلفة حتى كثرت قراءاته، وتعددت اللهجات فيه، وتباينت تبايناً كثيراً ... إلى أن يقول: "والحق أن ليست هذه القراءات السبع من الوحى فى قليل ولا كثير، وليس منكرها كافراً ولا فاسقاً ولا مغتمزاً فى دينه، وإنما هى قراءات مصدرها اللهجات واختلافها، للناس أن يجادلوا فيها وأن ينكروا بعضها ويقبلوا بعضها" (٣)
стр. 899
ويقول الدكتور أحمد حجازى السقا بعد ذكره حديث عمر ﵁ فى نزول القرآن على سبعة أحرف قال: "هذه الرواية التى اتفق عليها البخارى والمحدثون، وشبهها كثير تثبت التحريف اللفظى فى القرآن، فإن هذه الرواية وشبهها يكونون من الروايات الكاذبة التى وضعها المحدثون عمداً فى كتبهم للطعن فى القرآن الكريم" (١) .
... ويجاب على ما سبق بالآتى:
أولاً: حديث "أنزل القرآن على سبعة أحرف" جاء متواتراً عن جمع من الصحابة ﵃ فأورده الحافظ السيوطى فى الأزهار المتناثرة من حديث عمر، وعثمان، وأبى بن كعب، وأنس، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن أرقم، وسمرة بن جندب، وسليمان بن صرد، وابن عباس، وابن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، وعمر بن أبى سلمة، وعمرو بن العاص، ومعاذ ابن جبل، وهشام بن حكيم، وأبى بكرة، وأبى جهم، وأبى سعيد الخدرى، وأبى طلحة، وأبى هريرة، وأم أيوب (٢) ، وزاد الكتانى حديث ابن عمر، وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن عمرو ابن العاص (٣) . فهؤلاء أربع وعشرون صحابياً، ما منهم إلا رواه وحكاه.
ونكتفى هنا بسرد بعض الروايات عن بعضهم.
стр. 900
روى البخارى ومسلم ففى الصحيحين عن ابن عباس – رضى الله عنهما –؛ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أقرأنى جبريل على حروف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدنى حتى انتهى إلى سبعة أحرف" (١) . زاد مسلم: "قال ابن شهاب: بلغنى أن تلك السبعة فى الأمر الذى يكون واحداً لا يختلف فى حلالٍ ولا حرام" (٢) .
стр. 901
وفى الصحيحين أيضاً أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: سمعت هشام بن حكيم (١) يقرأ سورة الفرقان فى حياة رسول الله ﷺ ، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة، لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ، فكدت أساوره فى الصلاة، فانتظرت حتى سلم، ثم لببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ . قلت له: كذبت فوالله إن رسول الله ﷺ أقرأنى هذه السورة التى سمعتك تقرؤها، فانطلقت أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إنى سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وأنت أقرأتنى سورة الفرقان. فقال رسول الله ﷺ : أرسله يا عمر: اقرأ يا هشام، فقرأ هذه القراءة التى سمعته يقرؤها. قال رسول الله ﷺ هكذا أنزلت. ثم قال رسول الله ﷺ : "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرأوا ما تيسر منه" (٢) .
стр. 902
.. وروى مسلم بسنده عن أبى بن كعب ﵁ قال: "كنت فى المسجد، فدخل رجل يصلى، فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر، فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة دخلنا جميعاً على رسول الله ﷺ ، فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبة. فأمرهما رسول الله ﷺ فقرأ، فحسن النبى ﷺ شأنهما، فسقط فى نفسى من التكذيب وَلاَ إِذْ كنتُ فى الجاهلية. فلما رأى رسول الله ﷺ ما قد غشينى ضرب فى صدرى، ففضت عرقاً، وكأنما انظر إلى الله فرقاً فقال لى: يا أُبى أُرسلَ إِلىَّ: أن اقرأ القرآن على حرف فرددت إليه: أن هون على أمتى، فرد إلى الثانية: اقرأه على حرفين فرددت إليه: أن هون على أمتى، فرد إلى الثالثة: اقرأه على سبعة أحرف، ولك بكل ردةٍ رددتها مسألة تسألينها. فقلت: "اللهم اغفر لأمتى، اللهم اغفر لأمتى، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى الخلق كلهم حتى إبراهيم ﷺ (١) أ. هـ.
... ومن هذه الروايات المتفق على صحتها يظهر إفك من زعم بأن روايات نزول القرآن على سبعة أحرف مكذوبة، كما يظهر إفك من زعم أن القرآن نزل بحرف واحد فقط.
وظهر فى الروايات السابقة: "أن اختلاف القراء إنما حدث فى حياة الرسول ﷺ " فيما تلاه عليهم وسمعوه منه مشافهة، ولم يأت هذا الخلاف نتيجة النظر فى المصحف المكتوب المقروء الخالى من النقط والشكل، كما زعم جولدتسيهر، وآرث جفرى ومن قال بقولهم.
стр. 903
ثانياً: لو كان خلو المصاحف من الشكل والإعجام سبباً فى تنوع القراءات واختلافها، لكان القارئ الذى يقرأ الكلمة وفق رسم معين، يلتزمه فى أمثاله ونظائره حيث وقع فى القرآن الكريم، ولم يحدث هذا، وإليك مثالاً واحداً.
قوله تعالى فى فاتحة الكتاب ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١) وقوله سبحانه ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ (٢) وقوله تعالى فى سورة الناس ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ (٣) . فلو تأملت المواضع الثلاثة فى المصحف لوجدت الكلمة فيها كلها هكذا "ملك" بالميم واللام والكاف فقط، ولكن حفصاً يقرأ عن عاصم، فى الفاتحة "مالك" بالألف بعد الميم، وكذلك يقرأ آية آل عمران، أما فى سورة الناس فيقرأ "ملك" من دون الألف كان حفص يقرأ وفق رسم المصحف لقرأ فى المواضع الثلاثة "ملك"، ولكنه يقرأ بالرواية المتواترة عن رسول الله ﷺ (٤) .
وكذلك قد تختلف القراءات أحياناً لغة ونحواً، وهكذا يبدو للناس فى ظاهر الأمر، ولكن الاختلاف فى الحقيقة راجع إلى التلقى والرواية، لا إلى القاعدة اللغوية أو النحوية. وهذا مثال واحد: قال الله تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ .جاءت هذه الآية فى موضعين (٥) ويقرأ القراء جميعاً "كلاً" بالنصب فى الآيتين، لكن ابن عامر يقرأ آية النساء بالنصب؛ كسائر القراء، أما آية الحديد فيقرأها وحده"وكل"بالرفع، وللنحويين فى توجيه الرفع والنصب كلام.
стр. 904
فلو كان ابن عامر يقرأ وفق القاعدة النحوية لقرأ الآيتين بالرفع، ولكنه قرأ بالرواية التى تلقاها هو بالتواتر عن سيدنا رسول الله ﷺ : مرة بالنصب، ومرة بالرفع، مع أن تركيب الآية واحد فى الموضعين.
ومثال ثان: الإمالة ظاهرة صوتية، وهى "ان تنحيى بالألف نحو الياء، فيلزم أن تنحى بالفتحة قبلها نحو الكسرة"، وهى لغة بعض القبائل العربية، وقد قرأ بها بعض القراء، والتزموها حيث وجدت دواعيها فى القرآن الكريم، لكن حفصاً الذى يقرأ بقراءته، كثير من المسلمين الآن بروايته عن عاصم، لم يقرأ بالإمالة إلا فى موضع واحد من الذكر الحكيم وهو قوله تعالى ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ (١) .
وهكذا يختلف القراء ويتفقون بحسب الرواية والتلقى، وليس بحسب رسم المصحف أو الوجه النحوى أو اللغوى، صحيح أن هذين فى الاعتبار، ولكن بعد ثبوت الرواية بالتواتر، والسند الصحيح إلى رسول الله ﷺ ، وموافقة الرسم العثمانى، وأن يكون للقراءة وجه صحيح من العربية.
فإذا سمعت قراءة مسندة لواحد من القراء السبعة أو العشرة؛ كأن يقال: قراءة نافع أو عاصم أو الكسائى، فلا تظن أنها من اختراعه أو ابتداعه، ولكنها اختياره الذى ارتضاه من طريق الرواية المسندة الصحيحة.
ولذلك أثر عن أبى عمرو بن العلاء وهو أحد القراء السبعة قوله "لولا أنه ليس لى أن أقرأ إلا بما قرئ به لقرأت كذا وكذا. وذكر حروفاً".
стр. 905
ويريد أبو عمرو أن القراءة سنة واتباع وأثر، ولا دخل فيها للسليقة أو الاستحسان اللغوى أو الترجيح النحوى أو رسم المصحف. ومن ثم يرى كثير من العلماء أن ترجيح قراءة متواترة على قراءة متواترة لا يجوز. يقول أبو العباس ثعلب "إذا اختلف الإعراب فى القرآن عن السبعة، لم أفضل إعراباً على إعراب فى القرآن، فإذا خرجت إلى الكلام، كلام الناس فضلت الأقوى" (١) .
قراءات ربانية:
يقول الدكتور محمود الطناحى: "فثبت إذن أن القراءات القرآنية كلها بوجوهها المختلفة من عند الله، ولا دخل لخط المصحف فيها، ولا للوجوه النحوية أو اللغوية فيها كذلك، وثبت أيضاً أن اختلاف القراءات القرآنية إنما هو اختلاف تنوع، لا اختلاف تضاد" (٢) أ. هـ.
... واعلم أن معنى قول "أبى بن كعب" ﵁ "فسقط فى نفسى من التكذيب إلخ" أن الشيطان ألقى إليه من وساوس التكذيب ما شوش عليه حاله، حين رأى النبى ﷺ ، قد حسن القراءتين وصوبهما على ما بينهما من اختلاف، وكانتا فى سورة واحدة هى سورة النحل على ما رواه الطبرى. وكأن الذى مر بخاطره وقتئذ أن هذا الاختلاف فى القراءة ينافى أنه من عند الله. لكنه كان خاطراً من الخواطر الرديئة التى لا تنال من نفس صاحبها منالاً، ولا تفتنها عن عقيدة، ولا يكون لها أثر باق، ولا عمل دائم.
... ومن رحمة الله بعباده؛ أنه لا يؤاخذهم بهواجس النفوس وخلجات الضمائر العابرة، ولكن يؤاخذهم بما كسبت قلوبهم، حين يفتح الإنسان للشبهة صدره، ويوجه إليها اختياره وكسبه، ثم يعقد عليها فؤاده وقلبه.
стр. 906
.. قال القرطبى: "فكان هذا الخاطر الذى سقط فى نفس أبى من قبيل ما قال فيه النبى ﷺ حين سألوه: إنا نجد فى أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به قال: أوقد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال ذلك صريح الإيمان" (١) أ. هـ.
... ومن هنا تعلم أن ما خطر لسيدنا أبى بن كعب ﵁، لا يمس مقامه، ولا يصادم إيمانه، ما دام قد دفعه بإرشاد رسول الله ﷺ سريعاً حتى قال أُبى نفسه: "ففضت عرقاً، وكأنى انظر إلى الله فرقاً" (٢) أ. هـ.
...
أضف إلى ما ذكرنا أن خصومة أبى بن كعب، وعمر وغيرهم من الصحابة فى أمر اختلاف القراءة على هذا النحو، إنما كانت قبل أن يعلموا أن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فهم وقتئذٍ كانوا معذورين، بدليل أنهم لما علموا بذلك، واطمأنت إليه نفوسهم، عمل كل منهم بما علم، وصاروا مراجع مهمة من مراجع القرآن الكريم على اختلاف رواياته.
يدل على ذلك ما روى عن أبى ابن كعب ﵁ قال: لقى رسول الله ﷺ جبريل فقال يا جبريل إنى بعثت إلى أمة أميين: منهم العجوز، والشيخ الكبير، والغلام، والجارية، والرجل، الذى لم يقرأ كتاباً قط، قال: يا محمد إن القرآن أنزل على سبعة أحرف" (٣) .
... أما ما زعمه دعاة اللادينية أن القراءات ليست من الوحى، ومصدرها لهجات القبائل المختلفة، فهذا كذب آخر.
стр. 907
يبطله أن المختلفين فى الخبر المذكور الذى أوردناه آنفاً كل منهما قرأ سورة الفرقان بحرفين مختلفين، كانا جميعاً بنى عم قرشيين، من قريش البطاح، من قبيلة واحدة، جاران ساكنان فى مدينة واحدة، وهى مكة، لغتهما واحدة، وهما عمر بن الخطاب بن نفيل ابن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قريط بن رزاح بن عدى بن كعب، وهشام بن حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن كلاب بن مرة بن كعب، ويجتمعان جميعاً فى كعب بن لؤى، بين كل واحد منهما، وبين كعب بن لؤى، ثمانية آباء فقط.
فظهر كذب من ادعى أن اختلاف الأحرف، إنما كان لاختلاف لغات قبائل العرب. وأبى ربك إلا أن يحق الحق، ويبطل الباطل، ويظهر كذب الكاذب، ونعوذ بالله العظيم من الضلال والعصبية للخطأ" (١) أ. هـ.
المبحث الثانى: معنى نزول القرآن على سبعة أحرف
... قوله ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف" أى على سبعة أوجه يجوز أن يقرأ بكل وجه منها.
وليس المراد أن كل كلمة أو جملة منه تقرأ على سبعة أوجه، بل المراد أن غاية ما انتهى إليه عدد القراءات فى الكلمة الواحدة إلى سبعة.
فإن قيل فإنا نجد بعض الكلمات يقرأ على سبعة أوجه.
فالجواب أن غالب ذلك إما لا يثبت الزيادة، وإما أن يكون من قبيل الاختلاف فى كيفية الأداء كما فى المد والإمالة ونحوهما (٢) .
... قال الشيخ الزرقانى ﵀: "وليس المراد أن كل كلمة من القرآن تقرأ على سبعة أوجه: إذاً لقال ﷺ "إن هذا القرآن أنزل سبعة أحرف" بحذف لفظ "على".
стр. 908
بل المراد ما علمت من أن هذا القرآن أنزل على هذا الشرط وهذه التوسعة، بحيث لا تتجاوز وجوه الاختلاف سبعة أوجه، مهما كثر ذلك التعدد والتنوع فى أداء اللفظ الواحد، ومهما تعددت القراءات، وطرقها فى الكلمة الواحدة. فكلمة ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١) التى ورد أنها تقرأ بطرق تبلغ السبعة أو العشرة، وكلمة ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ (٢) التى ورد أنها تقرأ باثنتين وعشرين قراءة، وكلمة ﴿أُفٍّ﴾ من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (٣) والتى أوصل الرمانى لغاتها إلى سبع وثلاثين لغة. وكل أولئك وأشباه أولئك، لا يخرج التغاير فيه على كثرته عن وجوه سبعة (٤) .
... وعلى هذا فالمراد بالأحرف فى الأحاديث السابقة وجوه فى الألفاظ وحدها لا محالة، بدليل أن الخلاف الذى صورته لنا الروايات المذكورة كان دائراً حول قراءة الألفاظ لا تفسير المعانى، مثل قول عمر: "إذ هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ ثم حكم الرسول أن يقرأ كل منهما، وقوله ﷺ : "هكذا أنزلت" وقوله: "أى ذلك قرأتم فقد أصبتم" ونحو ذلك، ولا ريب أن القراءة أداء الألفاظ، لا شرح المعانى (٥) .
стр. 909
.. إن القراءات كلها على اختلافها كلام الله، لا مدخل لبشر فيها، بل كلها نازلة من عنده تعالى، مأخوذة بالتلقى عن رسول الله ﷺ ، يدل على ذلك أن الأحاديث الماضية تفيد أن الصحابة ﵃ كانوا يرجعون فيما يقرأون إلى رسول الله ﷺ يأخذون عنه ويتلقون منه كل حرف يقرأون عليه، انظر قوله ﷺ فى قراءة كل من المختلفين "هكذا أنزلت" وقول المخالف لصاحبه: "أقرأنيها رسول الله ﷺ .
ثم أضف إلى ذلك أنه لو صح لأحد أن يغير ما شاء من القرآن بمرادفة أو غير مرادفة، لبطلت قرآنية القرآن، وأنه كلام الله، ولذهب الإعجاز، ولما تحقق قوله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) .
وهذا ما يهدف إليه دعاة اللادينية فى قولهم: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" أى أنه أنزل على سبع لغات مختلفة فى لفظها ومادتها. يفسر ذلك القول ابن مسعود: "إنما هو كقولك هلم وتعال وأقبل" (٢) .
ويجاب عن ذلك فضلاً عما سبق أن التبديل والتغيير مردود من أساسه بقوله : ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٣) .
стр. 910
.. أما ما جاء فى حديث أبى الدرداء، وقراءته على قراءة ابن مسعود مرفوعاً: "والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى" (١) .
فأجاب عن ذلك الإمام المازرى (٢) فقال: "يجب أن يعتقد فى هذا الخبر وما فى معناه أن ذلك كان قرآناً ثم نسخ، ولم يعلم من خالف النسخ فبقى على النسخ، ولعل هذا وقع من بعضهم قبل أن يبلغهم مصحف عثمان المجمع عليه، المحذوف منه كل منسوخ، وأما بعد ظهور مصحف عثمان فلا يظن بأحد منهم أنه خالف فيه (٣) .
قال ابن حزم مؤيداً ذلك: "لأن قراءة عاصم المشهورة" المأثورة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود عن النبى ﷺ ، وقراءة ابن عامر مسندة إلى أبى الدرداء عن رسول الله ﷺ فيهما جميعاً ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (٤) فهى زيادة لا يجوز تركها" (٥) أ. هـ.
стр. 911
وأما ابن مسعود ﵁ فرويت عنه روايات كثيرة منها ما ليس بثابت عند أهل النقل، وما ثبت منها مخالفاً لما قلناه، فهو محمول على أنه كان يكتب فى مصحفه بعض الأحكام والتفاسير مما يعتقد أنه ليس من القرآن، وكان لا يعتقد تحريم ذلك، وكان يراه، كصحيفة يثبت فيها ما يشاء، وكان رأى عثمان والجماعة، منع ذلك لئلا يتطاول الزمان ويظن ذلك قرآناً.
قال المازرى: فعاد الخلاف إلى مسألة فقهية، وهى أنه هل يجوز إلحاق بعض التفاسير فى أثناء الصحف؟ قال: ويحتمل ما روى من إسقاط المعوذتين من مصحف ابن مسعود أنه اعتقد أنه لا يلزمه كتب كل القرآن، وكتب ما سواهما وتركهما لشهرتهما عنده وعند الناس" (١) أ. هـ.
... يقول ابن حزم: "ومن العجب أن جمهرة من المعارضين لنا، وهم المالكيون، قد صح عن صاحبهم مالك بن أنس أنه قال: اقرأ عبد الله بن مسعود رجلاً: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ (٢) فجعل الرجل يقول: طعام اليتيم، فقال له ابن مسعود طعام الفاجر. قال ابن وهب قلت لمالك: أترى أن يقرأ كذلك؟ قال نعم أرى ذلك واسعاً، فقيل لمالك: أفترى أن يقرأ بمثل ما قرأ عمر بن الخطاب فامضوا إلى ذكر الله؟ قال مالك: ذلك جائز ... إلخ.
стр. 912
.. قال ابن حزم: "فكيف يقولون مثل هذا؟ أيجيزون القراءة هكذا! فلعمرى لقد هلكوا وأهلكوا، وأطلقوا كل بائقة فى القرآن، أو يمنعون من هذا، فيخالفون صاحبهم فى أعظم الأشياء، وهذا إسناد عنه فى غاية الصحة وهو مما أخطأ فيه مالك مما لم يتدبره، لكن قاصداً إلى الخير، ولو أن امرأً ثبت على هذا وجازه بعد التنبيه له على ما فيه، وقيام حجة الله تعالى عليه فى ورود القرآن بخلاف هذا لكان كافراً، ونعوذ بالله من الضلال (١) أ. هـ.
... وهاك برهانٌ آخر ذكره صاحب التبيان فى آداب حملة القرآن–على فساد مزاعم أعداء الإسلام من المستشرقين وأذيالهم من جواز "قراءة القرآن بالمعنى".
يقول الإمام النووى: "إن النبى ﷺ علم البراء بن عازب دعاء فيه هذه الكلمة "ونبيك الذى أرسلت" فلما أراد البراء أن يعرض ذلك الدعاء على رسول الله ﷺ قال: "ورسولك الذى أرسلت" فلم يوافقه النبى ﷺ على ذلك، بل قال له: "لا. ونبيك الذى أرسلت" (٢) . وهكذا نهاه ﵊ أن يضع لفظة "رسول"، موضع لفظة "نبى" مع أن كليهما حق لا يحيل معنى، إذ هو ﷺ رسولٌ ونبى معاً.
ثم قال: فكيف يسوغ للجهال المغفلين أن يقولوا: إنه ﷺ كان يجيز أن يوضع فى القرآن الكريم مكان عزيز حكيم، غفور رحيم، أو سميع عليم. وهو يمنع من ذلك فى دعاء ليس قرآناً، والله يقول مخبراً عن نبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ (٣) ، ولا تبديل أكثر من وضع كلمة، مكان أخرى" (٤) أ. هـ.
стр. 913
.. ويقول فضيلة الأستاذ الدكتور زقزوق رداً على مزاعم المستشرقين فى ترويجهم لفكرة "قراءة القرآن بالمعنى": "إن الواقع الذى عليه المسلمون منذ أربعة عشر قرناً هو تمسكهم الشديد بالمحافظة على الوحى القرآنى لفظاً ومعنى، ولا يوجد مسلم يستبيح لنفسه أن يقرأ القرآن بأى لفظ شاء ما دام يحافظ على المعنى.
وليبحث المستشرقون اليوم فى أى مكان فى العالم عن مسلم يستبيح لنفسه مثل ذلك وسيعيهم البحث.
فلماذا إذن هذا التشكيك فى صحة النص القرآنى وهم يعلمون مدى حرص المسلمين فى السابق واللاحق على تقديس نص القرآن الكريم لفظاً ومعنى؟
... إنهم يبحثون دائماً - كما سبق أن أشرنا - عن الآراء المرجوحة والأسانيد الضعيفة ليبنوا عليها نظريات لا أساس لها من التاريخ الصحيح، ولا من الواقع.
فنحن المسلمون قد تلقينا القرآن الكريم عن الرسول ﷺ ، وهو بدوره تلقاه وحياً من الله ولم يحدث أن أصاب هذا القرآن أى تغيير أو تبديل على مدى تاريخه الطويل، وهذه ميزة فريدة انفرد بها القرآن وحده من بين الكتب السماوية كافة، الأمر الذى يحمل فى طياته صحة هذه الشريعة التى ختم بها الله دينه الذى بعث به جميع أنبيائه، ورسله من لدن آدم إلى خاتمهم ﷺ .
وفى هذا الصدد نورد ما ذكره "رودى بارت" فى مقدمة ترجمته الألمانية للقرآن - وكأنه يرد على زملائه الذين راحوا يشككون فى صحة النص القرآنى.
يقول "بارت": "ليس لدينا أى سبب يحملنا على الاعتقاد بأن هناك آية فى القرآن كله لم ترد عن محمد ﷺ (١) أ. هـ.
المبحث الثالث: الأحرف السبعة أعم من القراءات السبع
... إن الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن الكريم، لا تعنى القراءات السبع المنقولة عن الأئمة السبعة (٢)
стр. 914
، ومن زعم ذلك أخطأ من وجهين:
أحدهما: أن الأحرف التى نزل بها القرآن، أعم من تلك القراءات المنسوبة إلى الأئمة السبعة القراء عموماً، وأن هذه القراءات أخص من تلك الأحرف السبعة النازلة خصوصاً مطلقاً، ذلك لأن الوجوه التى أنزل الله عليها كتابه، تنتظم كل وجه قرأ به النبى ﷺ ، وأقرأه أصحابه، وذلك ينتظم القراءات السبع المنسوبة إلى هؤلاء الأئمة السبعة القراء، كما ينتظم ما فوقها إلى العشرة، وما بعد العشرة، وما كان قرآناً، ثم نسخ، ولم يصل إلى هؤلاء القراء جميعاً، ولهذا نصوا فى المذهب المختار على أنه يشمل كل وجوه القراءات: صحيحها وشاذها ومنكرها (١) .
... وقال مكى بن أبى طالب (٢) : "هذه القراءات التى يقرأ بها اليوم، وصحت رواياتها عن الأئمة، جزء من الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن "... قال ومن ظن أن قراءة هؤلاء القراء كنافع، وعاصم، هى الأحرف السبعة التى فى الحديث فقد غلط غلطاً عظيماً، قال: ويلزم من هذا أن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الأئمة وغيرهم، ووافق خط المصحف أن لا يكون قرآناً" (٣) .
стр. 915
وفى هذا رد على طه حسين ومن قال بقوله: "إن القراءات ليست من الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن" (١) أ. هـ.
ثانيهما: أن السبعة لم يكونوا قد خلقوا، ولا وجدوا حين نطق الرسول ﷺ ، بهذا الحديث الشريف. ومحال أن يفرض الرسول على نفسه، وعلى أصحابه، ألا يقرأوا بهذه الأحرف السبعة النازلة إلا إذا علموا أن هؤلاء القراء السبعة قد اختاروا القراءة بها، على حين أن بين العهدين بضعة قرون (٢) ، وعلى حين أن هؤلاء القراء وسواهم إنما أخذوا عن النبى ﷺ ، من طريق أصحابه، ومن أخذ عنهم، إلى أن وصلوا إليهم.
ثم إن القول بأن الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن ما هى إلا تلك القراءات السبع المعروفة الآن، يستلزم أن يبقى قول الرسول ﷺ : "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف" عارياً عن الفائدة، غير نافذ الأثر، حتى يولد القراء السبعة المعروفون وتؤخذ القراءة عنهم. وذلك باطل أيضاً يكذبه الواقع من قراءة النبى ﷺ ، وقراءة أصحابه وتابعيه بالأحرف السبعة من قبل أن يولد القراء السبعة المعروفون.