وأما ابن مسعود ﵁ فرويت عنه روايات كثيرة منها ما ليس بثابت عند أهل النقل، وما ثبت منها مخالفاً لما قلناه، فهو محمول على أنه كان يكتب فى مصحفه بعض الأحكام والتفاسير مما يعتقد أنه ليس من القرآن، وكان لا يعتقد تحريم ذلك، وكان يراه، كصحيفة يثبت فيها ما يشاء، وكان رأى عثمان والجماعة، منع ذلك لئلا يتطاول الزمان ويظن ذلك قرآناً.
قال المازرى: فعاد الخلاف إلى مسألة فقهية، وهى أنه هل يجوز إلحاق بعض التفاسير فى أثناء الصحف؟ قال: ويحتمل ما روى من إسقاط المعوذتين من مصحف ابن مسعود أنه اعتقد أنه لا يلزمه كتب كل القرآن، وكتب ما سواهما وتركهما لشهرتهما عنده وعند الناس" (١) أ. هـ.
... يقول ابن حزم: "ومن العجب أن جمهرة من المعارضين لنا، وهم المالكيون، قد صح عن صاحبهم مالك بن أنس أنه قال: اقرأ عبد الله بن مسعود رجلاً: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ (٢) فجعل الرجل يقول: طعام اليتيم، فقال له ابن مسعود طعام الفاجر. قال ابن وهب قلت لمالك: أترى أن يقرأ كذلك؟ قال نعم أرى ذلك واسعاً، فقيل لمالك: أفترى أن يقرأ بمثل ما قرأ عمر بن الخطاب فامضوا إلى ذكر الله؟ قال مالك: ذلك جائز ... إلخ.
стр. 912
.. قال ابن حزم: "فكيف يقولون مثل هذا؟ أيجيزون القراءة هكذا! فلعمرى لقد هلكوا وأهلكوا، وأطلقوا كل بائقة فى القرآن، أو يمنعون من هذا، فيخالفون صاحبهم فى أعظم الأشياء، وهذا إسناد عنه فى غاية الصحة وهو مما أخطأ فيه مالك مما لم يتدبره، لكن قاصداً إلى الخير، ولو أن امرأً ثبت على هذا وجازه بعد التنبيه له على ما فيه، وقيام حجة الله تعالى عليه فى ورود القرآن بخلاف هذا لكان كافراً، ونعوذ بالله من الضلال (١) أ. هـ.
... وهاك برهانٌ آخر ذكره صاحب التبيان فى آداب حملة القرآن–على فساد مزاعم أعداء الإسلام من المستشرقين وأذيالهم من جواز "قراءة القرآن بالمعنى".
يقول الإمام النووى: "إن النبى ﷺ علم البراء بن عازب دعاء فيه هذه الكلمة "ونبيك الذى أرسلت" فلما أراد البراء أن يعرض ذلك الدعاء على رسول الله ﷺ قال: "ورسولك الذى أرسلت" فلم يوافقه النبى ﷺ على ذلك، بل قال له: "لا. ونبيك الذى أرسلت" (٢) . وهكذا نهاه ﵊ أن يضع لفظة "رسول"، موضع لفظة "نبى" مع أن كليهما حق لا يحيل معنى، إذ هو ﷺ رسولٌ ونبى معاً.
ثم قال: فكيف يسوغ للجهال المغفلين أن يقولوا: إنه ﷺ كان يجيز أن يوضع فى القرآن الكريم مكان عزيز حكيم، غفور رحيم، أو سميع عليم. وهو يمنع من ذلك فى دعاء ليس قرآناً، والله يقول مخبراً عن نبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ (٣) ، ولا تبديل أكثر من وضع كلمة، مكان أخرى" (٤) أ. هـ.
стр. 913
.. ويقول فضيلة الأستاذ الدكتور زقزوق رداً على مزاعم المستشرقين فى ترويجهم لفكرة "قراءة القرآن بالمعنى": "إن الواقع الذى عليه المسلمون منذ أربعة عشر قرناً هو تمسكهم الشديد بالمحافظة على الوحى القرآنى لفظاً ومعنى، ولا يوجد مسلم يستبيح لنفسه أن يقرأ القرآن بأى لفظ شاء ما دام يحافظ على المعنى.
وليبحث المستشرقون اليوم فى أى مكان فى العالم عن مسلم يستبيح لنفسه مثل ذلك وسيعيهم البحث.
فلماذا إذن هذا التشكيك فى صحة النص القرآنى وهم يعلمون مدى حرص المسلمين فى السابق واللاحق على تقديس نص القرآن الكريم لفظاً ومعنى؟
... إنهم يبحثون دائماً - كما سبق أن أشرنا - عن الآراء المرجوحة والأسانيد الضعيفة ليبنوا عليها نظريات لا أساس لها من التاريخ الصحيح، ولا من الواقع.
فنحن المسلمون قد تلقينا القرآن الكريم عن الرسول ﷺ ، وهو بدوره تلقاه وحياً من الله ولم يحدث أن أصاب هذا القرآن أى تغيير أو تبديل على مدى تاريخه الطويل، وهذه ميزة فريدة انفرد بها القرآن وحده من بين الكتب السماوية كافة، الأمر الذى يحمل فى طياته صحة هذه الشريعة التى ختم بها الله دينه الذى بعث به جميع أنبيائه، ورسله من لدن آدم إلى خاتمهم ﷺ .
وفى هذا الصدد نورد ما ذكره "رودى بارت" فى مقدمة ترجمته الألمانية للقرآن - وكأنه يرد على زملائه الذين راحوا يشككون فى صحة النص القرآنى.
يقول "بارت": "ليس لدينا أى سبب يحملنا على الاعتقاد بأن هناك آية فى القرآن كله لم ترد عن محمد ﷺ (١) أ. هـ.
المبحث الثالث: الأحرف السبعة أعم من القراءات السبع
... إن الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن الكريم، لا تعنى القراءات السبع المنقولة عن الأئمة السبعة (٢)
стр. 914
، ومن زعم ذلك أخطأ من وجهين:
أحدهما: أن الأحرف التى نزل بها القرآن، أعم من تلك القراءات المنسوبة إلى الأئمة السبعة القراء عموماً، وأن هذه القراءات أخص من تلك الأحرف السبعة النازلة خصوصاً مطلقاً، ذلك لأن الوجوه التى أنزل الله عليها كتابه، تنتظم كل وجه قرأ به النبى ﷺ ، وأقرأه أصحابه، وذلك ينتظم القراءات السبع المنسوبة إلى هؤلاء الأئمة السبعة القراء، كما ينتظم ما فوقها إلى العشرة، وما بعد العشرة، وما كان قرآناً، ثم نسخ، ولم يصل إلى هؤلاء القراء جميعاً، ولهذا نصوا فى المذهب المختار على أنه يشمل كل وجوه القراءات: صحيحها وشاذها ومنكرها (١) .
... وقال مكى بن أبى طالب (٢) : "هذه القراءات التى يقرأ بها اليوم، وصحت رواياتها عن الأئمة، جزء من الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن "... قال ومن ظن أن قراءة هؤلاء القراء كنافع، وعاصم، هى الأحرف السبعة التى فى الحديث فقد غلط غلطاً عظيماً، قال: ويلزم من هذا أن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الأئمة وغيرهم، ووافق خط المصحف أن لا يكون قرآناً" (٣) .
стр. 915
وفى هذا رد على طه حسين ومن قال بقوله: "إن القراءات ليست من الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن" (١) أ. هـ.
ثانيهما: أن السبعة لم يكونوا قد خلقوا، ولا وجدوا حين نطق الرسول ﷺ ، بهذا الحديث الشريف. ومحال أن يفرض الرسول على نفسه، وعلى أصحابه، ألا يقرأوا بهذه الأحرف السبعة النازلة إلا إذا علموا أن هؤلاء القراء السبعة قد اختاروا القراءة بها، على حين أن بين العهدين بضعة قرون (٢) ، وعلى حين أن هؤلاء القراء وسواهم إنما أخذوا عن النبى ﷺ ، من طريق أصحابه، ومن أخذ عنهم، إلى أن وصلوا إليهم.
ثم إن القول بأن الأحرف السبعة التى نزل بها القرآن ما هى إلا تلك القراءات السبع المعروفة الآن، يستلزم أن يبقى قول الرسول ﷺ : "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف" عارياً عن الفائدة، غير نافذ الأثر، حتى يولد القراء السبعة المعروفون وتؤخذ القراءة عنهم. وذلك باطل أيضاً يكذبه الواقع من قراءة النبى ﷺ ، وقراءة أصحابه وتابعيه بالأحرف السبعة من قبل أن يولد القراء السبعة المعروفون.
стр. 916
.. قال المحقق ابن الجزرى: "فلو كان الحديث منصرفاً إلى قراءات السبعة المشهورين أو سبعة غيرهم من القراء الذين ولدوا بعد التابعين، لأدى ذلك إلى أن يكون الخبر عارياً عن الفائدة إلى أن يولد هؤلاء السبعة، فتؤخذ عنهم القراءة، وأدى أيضاً إلى أنه لا يجوز لأحد من الصحابة أن يقرأ إلا بما يعلم أن هؤلاء السبعة من القراء إذا ولدوا وتعلموا اختاروا القراءة به، وهذا باطل، إذ طريق أخذ القراءة أن تؤخذ عن إمام ثقة، لفظاً عن لفظ، إماماً عن إمام، إلى أن يتصل بالنبى ﷺ (١) .
... وقال أبو شامة (٢) : "ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هى التى أريدت فى الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل" (٣) أ. هـ.
المبحث الرابع: بقاء الأحرف السبعة فى المصاحف
... يقول الإمام ابن حزم رداً على من زعم أن سيدنا عثمان ﵁ أسقط ستة أحرف من جملة الأحرف السبعة المنزل بها القرآن من عند الله .
قال: تلك "عظيمة من عظائم الإفك والكذب، ويعيذ الله تعالى عثمان ﵁ من الردة بعد الإسلام.
стр. 917
ولقد أنكر أهل التعسف على عثمان ﵁ أقل من هذا، مما لا نكره فيه أصلاً، فكيف لو ظفروا له بمثل هذه العظيمة. ومعاذ الله من ذلك، وسواء عند كل ذى عقل، إسقاط قراءة أنزلها الله تعالى، أو إسقاط آية أنزلها الله تعالى، ولا فرق، وتالله إن من أجاز هذا غافلاً، ثم وقف عليه، وعلى برهان المنع من ذلك وأصر، فإنه خروج عن الإسلام لا شك فيه، لأنه تكذيب لله تعالى فى قوله الصادق لنا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) وفى قوله الصادق: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (٢) فالكل مأمورون باتباع قرآنه الذى أنزله الله تعالى عليه. فمن أجاز خلاف ذلك فقد أجاز خلاف الله تعالى وهذه ردة صحيحة لا مرية فيها، وما رامت غلاة الروافض وأهل الإلحاد الكائدون للإسلام (٣) إلا بعض هذا (٤) أ. هـ.
... يقول الشيخ الزرقانى: "ونحن إذا رجعنا بهذه الأوجه السبعة إلى المصاحف العثمانية وما هو مخطوط بها فى الواقع ونفس الأمر، نخرج بهذه الحقيقة التى لا تقبل النقض، ونصل إلى فصل الخطاب فى هذا الباب، وهو أن المصاحف العثمانية قد اشتملت على الأحرف السبعة كلها. ولكن على معنى أن كل واحد من هذه المصاحف اشتمل على ما يوافق رسمه من هذه الأحرف كلاً أو بعضاً، بحيث لم تخل المصاحف فى مجموعها عن حرف منها رأساً" (٥) .
стр. 918
.. ويدل على ذلك خطة سيدنا عثمان ﵁ فى جمعه للقرآن الكريم وقوله للرهط القريشيين الثلاثة: عبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام: "إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فى شئ من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم" ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف فى المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصه، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن فى كل صحيفة أو مصحفٍ أن يحرق" (١) فدل ذلك على ما هو مجمع عليه، أن سيدنا عثمان ﵁ كتب مصاحف متعددة متفاوتة فى إثبات، وحذف، وبدل وغيرها، لأنه ﵁ قصد اشتمالها على الأحرف السبعة، وجعلوها خالية من النقط والشكل، تحقيقاً لهذا الاحتمال أيضاً، فكانت بعض الكلمات يقرأ رسمها بأكثر من وجه عند تجردها من النقط والشكل نحو ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ من قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٢) فإنها تصلح أن تقرأ "فتثبتوا" عند خلوها من النقط، والشكل، وهى قراءة أخرى، أما الكلمات التى لا تدل على أكثر من قراءة عند خلوها من النقط والشكل مع أنها واردة بقراءة أخرى أيضاً، فإنهم كانوا يرسمونها فى بعض المصاحف برسم يدل على قراءة، وفى بعض آخر برسم آخر يدل على القراءة الثانية كقراءة "وصى" بالتضعيف و "أوصى" بالهمز، وهما قراءتان فى قوله سبحانه ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ (٣) أ. هـ.
стр. 919
.. إن الأحرف السبعة باقية كما كانت إلى يوم القيامة، مثبوتة فى القراءات المشهورة من المشرق إلى المغرب، ومن الجنوب إلى الشمال، فما بين ذلك، لأنها من الذكر المنزل الذى تكفل الله تعالى بحفظه، وضمان الله تعالى لا يخيس أصلاً، وكفالته تعالى لا يمكن أن تضيع.
... ومن البرهان على كذب أهل الجهل وأهل الإفك على عثمان ﵁ فى هذا ما رواه البخارى فى صحيحه بسنده عن ابن الزبير قال: قلت لعثمان: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١) . قال: قد نسختها الآية الأخرى، فلم تَكْتُبها أو تَدَعها؟ قال: يا ابن أخى: لا أُغيِّرُ شيئاً منه من مكانه" (٢) .
وبعد
... إن القراءات كلها على اختلافها كلام الله، لا مدخل لبشر فيها، بل كلها نازلة من عنده تعالى، مأخوذة بالتلقى عن رسول الله ﷺ وحفظها سيدنا عثمان ﵁ فى جمعه لكتاب الله، ومعاذ الله أن يسقط منها شيئاً، وهى مثبوتة فى القراءات المشهورة فى مشارق الأرض ومغاربها.
стр. 920
.. لا يجوز أن نجعل اختلاف القراءات معركة جدال ونزاع وشقاق، ولا مثار تردد وتشكيك وتكذيب، ولا سلاح عصبية وتنطع وجمود. على حين أن نزول القرآن على سبعة أحرف إنما كانت حكمته من الله التيسير، والتخفيف، والرحمة، والتهوين على الأمة، فما يكون لنا أن نجعل من هذا اليسر عسراً، ومن هذه الرحمة نقمة! ٠ يرشد إلى ذلك قوله ﷺ : "الجدال فى القرآن كفر" (١) وكذلك تغير وجهه الشريف عند اختلافهم وقوله لهم: "إنما أهلك من قبلكم الاختلاف" (٢) . وضربه فى صدر أُبَى بن كعب ﵁، حين جال بخاطره حديث السوء فى هذا الموضوع الجليل. الذى زلت فيه بعض الأقدام، وكثر فيه القيل والقال، إلى حدٍ كاد يطمس أنوار الحقيقة" (٣)
أ. هـ.
والله ﵎
أعلى وأعلم
стр. 921
الفصل الثالث: أحاديث (رؤية الله و (محاجة آدم موسى ﵉ و (الشفاعة)
... وتحته ستة مباحث:
المبحث الأول: موقف أهل البدع قديماً وحديثاً من أحاديث الصفات والرد عليهم.
المبحث الثانى: شبه الطاعنين فى حديث الرؤية والرد عليهم.
المبحث الثالث: موقف أهل البدع قديماً وحديثاً من أحاديث القدر والرد عليهم.
المبحث الرابع: شبه الطاعنين فى حديث محاجة آدم موسى ﵉، والرد عليها.
المبحث الخامس: موقف المبتدعة قديماً وحديثاً من أحاديث المغفرة لمرتكب الكبيرة والرد عليهم.
المبحث السادس: شبه الطاعنين فى حديث الشفاعة والرد عليها.
стр. 922
المبحث الأول: موقف أهل البدع قديماً وحديثاً من أحاديث الصفات
... أحاديث العقائد مثل أحاديث التوحيد، وصفات الله ، وأحاديث عقيدة القدر طعن فيها المبتدعة من المعتزلة، والجهمية، وغيرهم من أهل الكلام.
وكان أول من يذكر عنه أنه تكلم فى صفات الله تعالى فى الإسلام، وابتدع القول بنفيها وتعطيلها هو " الجعد بن درهم" (١) ، ثم أخذ عنه ذلك تلميذه الجهم بن صفوان الترمذى (٢) ، وتولى كبر نشر تلك المقالة فكثر أتباعه. فلما ظهرت المعتزلة أخذت عن جهم بن صفوان قوله فى نفى الصفات، وجعلوها عقيدة يتدينون لله بها" (٣) .
стр. 923
.. وقد أجمع المعتزلة على نفى صفات الله تعالى الأزلية، سواء منها ما كان من صفات الذات (١) ، أو صفات الأفعال (٢) .
... وزعموا بأنه ليس له سبحانه علم، ولا قدرة، ولا حياة، ولا سمع، ولا بصر، ولا غير ذلك من الصفات (٣) . واتفقوا على أن صفاته سبحانه هى إثبات لذاته (٤) كما اتفق جمهورهم على أن الله تعالى عالم، قادر، حى، بذاته، لا بعلم، وقدرة، وحياة، فهى صفات ومعانى قائمة به (٥) .
... والذى دفعهم إلى نفى صفات الله تعالى، الخوض فى ذلك بعقولهم والاعتماد عليها فى معرفة الله سبحانه وصفاته (٦) . وذهبوا إلى أن الاستدلال بالسمع على ذلك غير ممكن (٧) . ومن هنا أولوا آيات القرآن الكريم التى تثبت صفات الله تعالى فهى آيات متشابهة كما يزعمون، فيجب أن تؤول لموافقة الأدلة القاطعة وهى أدلة العقول، لأنها موهمة للتشبيه، ولأنها محتملة الدلالة، وأما العقل فلا احتمال فى دلالته. وما وقع التشبيه فى الأمة إلا بسبب التعلق بالآيات المتشابهة، وترك تأولها على ما يوافق دليل العقل، والآيات المحكمة (٨) .
стр. 924
موقف المعتزلة من آيات الصفات:
... قال القاضى عبد الجبار: "إذا ورد فى القرآن آيات تقتضى بظاهرها التشبيه، وجب تأويلها؛ لأن الألفاظ معرضة للاحتمال، ودليل العقل بعيد عن الاحتمال" (١) .
... ويورد أبو الحسين عدداً من آيات الصفات ثم يقول: "فكل هذه الآيات وما أشبهها من الآيات، فإنما يريد ذاته، لا أن ثم نفساً ووجهاً ويداً، وعيناً ويميناً سواء" (٢) .
موقف المعتزلة من أحاديث الصفات:
إذا كان هذا موقفهم من آيات الصفات الواردة فى القرآن الكريم تأويلها بما يوافق العقل.
فقد ذهبوا إلى عدم الاحتجاج بالأحاديث الواردة فى الصفات مهما كانت درجة صحته، ما دام يعارض عقولهم فى إثبات صفة لله تعالى.
وقعد عبد الجبار فى ذلك قاعدة عامة، تكشف عن موقف المعتزلة من أحاديث الصفات فقال: "ومما يتعلقون به أخبار مروية عن النبى ﷺ وأكثرها يتضمن الجبر، والتشبيه، فيجب القطع على أنه ﷺ لم يقله، وإن قال؛ فإنه قاله حكاية عن قوم، والراوى حذف الحكاية، ونقل الخبر" (٣) .
... وتارة يردون الأحاديث فى هذا الباب، بحجة أنها آحاد تفيد الظن، ولا يصلح فى هذا الباب إلا الدليل اليقينى (٤) ، وهو العقل فارس هذا الميدان فلا منافس له ألبتة، ولا مشارك له. ويشهد لذلك تأويلهم لآيات القرآن، وردهم لأحاديث متواترة فى هذا الباب كحديث "رؤية رب العزة فى الآخرة" وسيأتى الدفاع عنه.
стр. 925
.. ويُعدّ نفى الصفات، هو الأصل الأول من أصولهم الخمسة، وهو التوحيد الذى يعد من أهم أصولهم، فمن ثم نسب إليهم وسموا أنفسهم بـ "أهل التوحيد" وعنوا بالتوحيد ما اعتقدوه من نفى الصفات الإلهية لاعتقادهم أن إثباتها يستلزم التشبيه، ومن شبه الله بخلقه أشرك (١) . ويبنى المعتزلة على هذا الأصل عدة أمور منها:
أ- تعطيل الصفات ... ب- القول بخلق القرآن ... ج- إنكار الرؤية
... فرأس النفاة المعتزلة والجهمية ...، ورأس المثبتة مقاتل بن سليمان (٢) ، ومن تبعه من الرافضة والكرامية. فإنهم بالغوا فى ذلك حتى شبهوا الله تعالى بخلقه. تعالى عما يقولون علواً كبيراً (٣) .
حكم المعتزلة على من خالفهم فى أصلهم التوحيد:
المعتزلة يكفرون من خالفهم فى هذا الأصل اعنى "التوحيد".
قال القاضى عبد الجبار: "أما من خالف فى التوحيد، ونفى عن الله ما يجب إثباته، وأثبت ما يجب نفيه عنه، فإنه يكون كافراً" (٤) .
стр. 926
هذا فضلاً عن طعنهم فى أهل السنة لإثباتهم صفات الله فقالوا: إنهم مشبهة غير موحدين لله، ولا يعرفون ربهم؛ لأنهم وصفوه بالأعضاء، والزوال، والاستواء، ويلزم من ذلك أن يكون جسماً (١) .
... وعلى درب المعتزلة صار أسلافهم، من دعاة اللادينية، ردوا أحاديث الصفات تارة بحجة مخالفتها للعقل لما فى ظاهرها من التشبيه والتجسيم، وتارة بحجة مخالفتها لكتاب الله ، وتارة ثالثة. بحجة أنها آحاد تفيد الظن، والعقائد بابها اليقين والقطع الحاصل بالتواتر.
... ومدح أعداء الإسلام من المستشرقين، طريقة المعتزلة فى تأويلهم القرآن، وردهم للأحاديث الواردة فى باب الصفات، وذموا أهل السنة؛ لعدم سلوكهم مسلكهم (٢) أ. هـ.
стр. 927
موقف السلف الصالح من أحاديث الصفات والرد على أهل البدع قديماً وحديثاً:
... الكلام عن صفات الله له أهمية عظيمة بالنسبة للفرد المسلم، وذلك لأن الإيمان بالله الذى هو الركن الأول من أركان الإيمان، لا يتحقق إلا إذا وصف الله سبحانه بما يستحقه من صفات الكمال اللائقة به، ونزهه عن صفات النقص التى نفاها عن نفسه ﷻ ، بل لا يكون العبد موحداً لله إلا إذا أقر بأسماء الله وصفاته تحقيقاً لأحد أقسام التوحيد الثلاثة (١) ، التى لا ينفك بعضها عن بعض، ولوضوح هذا التوحيد - توحيد الأسماء والصفات – لم يقع خلاف بين صحابة رسول الله ﷺ فيه، ولم يتنازع اثنان منهم فى أمر واحد منه، بل الجميع كانوا على اتفاق تام بالإقرار به، والتسليم بما جاء فى القرآن والحديث منه (٢) .
... وقد ظلت القرون الخيرية تنهج نهج صحابة رسول الله ﷺ ، فى إثبات صفات الله والإقرار بها، إلى أن نجم التهجم فى الأمة، وابتدع القول بنفى صفات الله، فاحتضن أهل الاعتزال تلك المقالة، وجعلوها عقيدة يدينون لله بها" (٣) .
... وأما أهل السنة والجماعة من سلف هذه الأمة فإنهم أثبتوا لله تعالى ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ ، من أسمائه الحسنى، وصفاته العليا، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل. كما نفوا عنه ما لا يليق به من صفات النقص التى نفاها عن نفسه سبحانه، ونفاها عنه رسوله ﷺ ، مستندين فى كل ذلك إلى كتاب ربهم، وسنة نبيهم ﷺ .
стр. 928
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (١) وقال بعد أن ذكر منها عدة أسماء فى آخر سورة الحشر: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٢) والأسماء المذكورة فيها بلغة العرب صفات، ففى إثبات أسمائه إثبات صفاته لأنه إذا ثبت أنه حى مثلاً فقد وصف بصفة زائدة على الذات، وهى صفة الحياة، ولولا ذلك لوجب الاقتصار على ما ينبئ عن وجود الذات فقط، وقد قال : ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٣) فنزه نفسه عما يصفونه به من صفة النقص، ومفهومه أن وصفه بصفة الكمال مشروع.
وقد قسم البيهقى وجماعة من أئمة السنة جميع الأسماء المذكورة فى القرآن وفى الأحاديث الصحيحة إلى قسمين:
أحدهما صفات ذاته: وهى ما استحقه فيما لم يزل ولا يزال.
وثانيهما صفات فعله: وهى ما استحقه فيما لا يزال دون الأزل، قال ولا يجوز وصفه إلا بما دل عليه الكتاب، والسنة الصحيحة الثابتة أو أجمع عليه. ثم منه ما اقترنت به دلالة العقل كالحياة، والقدرة، والعلم، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام من صفات ذاته، ومنه ما ثبت بنص الكتاب والسنة كالوجه، واليد، والعين، من صفات ذاته، وكالاستواء، والنزول، والمجئ، من صفات فعله، فيجوز إثبات هذه الصفات له لثبوت الخبر بها على وجه ينفى عنه التشبيه، فصفة ذاته لم تزل موجودة بذاته ولا تزال، وصفة فعله ثابتة عنه ولا يحتاج فى الفعل إلى مباشرة ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤) . ولولا إخبار الله ورسوله ما تجاسر عقل أن يحوم حول ذلك الحمى (٥) .
стр. 929
وعلى هذا اتفاق الفقهاء فى مشارق الأرض ومغاربها قال محمد بن الحسن الشيبانى: "اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن، وبالأحاديث التى جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ ، فى صفة الرب من غير تشبيه ولا تفسير، فمن فسر شيئاً منها وقال بقول جهم فقد خرج عما كان عليه النبى ﷺ ، وأصحابه وفارق الجماعة، لأنه وصف الرب بصفة لا شئ.
... وقال ابن عبد البر: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بهذه الصفات الواردة فى الكتاب والسنة ولم يكيفوا شيئاً منها" (١) .
قال الإمام الشافعى – ﵀ –: "لله أسماء وصفات لا يسع أحداً ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل، ولا الرؤية والفكر، فنثبت هذه الصفات وننفى عنه التشبيه كما نفى عن نفسه، فقال تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٢) .
... وقال أبو حنيفة – ﵀: "لا يشبه بشئ من خلقه، ولا يشبهه شئ من خلقه... وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين، يعلم لا كعلمنا، ويقدر لا كقدرتنا، ويرى لا كرؤيتنا" (٣) .
стр. 930
.. والذى نرتضيه رأياً وندين لله به عقيدة ما قاله الحافظ ابن حجر: "اتباع سلف الأمة للدليل القاطع على أن إجماع الأمة حجة فى إثبات أسماء الله وصفاته وعدم تأويلها، ولو كان تأويلها حتماً لأوشك أن يكون اهتمامهم به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل، كان ذلك هو الوجه المتبع، وقد تقدم النقل عن أهل العصر الثالث، وهم فقهاء الأمصار، كالثورى، والأوزاعى، ومالك، والليث، ومن عاصرهم، وكذا من أخذ عنهم من الأئمة، فكيف لا يوثق بما اتفق عليه أهل القرون الثلاثة، وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة ﷺ (١) أ. هـ.
... أما رد أهل البدع قديماً وحديثاً لأحاديث العقائد من أسماء الله، وصفاته، بحجة أنها آحاد.
فهذا من تضليلهم لأن القضية ليست قضية متواتر وآحاد كما يزعمون، وإنما قضية عقل قدسوه وعبدوه من دون الله، وطوعوا النصوص من الكتاب والسنة لهذا الإله "إله الهوى": ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ (٢) .
وجعلوا من عقولهم أصلهم الأول "المقدس" وهو التوحيد القائم على نفى الصفات، وطبقوا هذا الأصل على المتواتر نفسه، وهو القرآن الكريم، فأولوا ما فيه من إثبات أسماء وصفات الله كما سبق من قول عبد الجبار وغيره. هذا من جهة.
стр. 931
ومن جهة ثانية فإن ما جاءت به السنة الصحيحة – حتى ولو كانت آحاداً – من أحاديث فى أسماء الله، وصفاته لم تكن السنة فى ذلك بدعاً، وإنما جاءت بمثل ما جاء به القرآن الكريم، ولا يوجد فى أحاديث العقائد ما يكون مخالفاً لعقائد القرآن، او زائداً عليها بحيث لا يكون له أصل فى القرآن. وكل ما يستشكل من الأحاديث الصحيحة فى العقائد تجد مثله فى القرآن، ويجرى فيها ما يجرى فى القرآن من إثباته بلا تعطيل ولا تشبيه.
... وقد حرص الإمام الجليل أبو عبد الله إسماعيل البخارى على بيان ذلك فى تراجم أبواب كتاب التوحيد من جامعه الصحيح، قبل أن يذكر أحاديث الباب وما فيها من دلالة على صفات لله ، يعنون للباب بالآيات القرآنية التى جاءت بمثل ما جاءت به أحاديث الباب وهو بذلك يؤكد ما سبق، من أن ما جاءت به السنة المطهرة من أحاديث فى الصفات لم تكن فى ذلك بدعاً وإنما جاءت مؤيدة ومقررة، وموضحة لما جاء فى القرآن الكريم.
وهاك نماذج من صنيعه:
стр. 932
"باب قول الله تعالى" ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (١) وقوله جل ذكره ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (٢) . وتحت هذا الباب ذكر من الأحاديث ما يوافقه مثل قوله ﷺ : "لما خلق الله الخلق كتب فى كتابه – وهو يكتب على نفسه ... الحديث" (٣) وقوله ﷺ ، يقول الله تعالى: "أنا عند ظن عبدى بى وأنا معه إذا ذكرنى، فإن ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى" الحديث (٤) ، وباب قول الله : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٥) . وتحته حديث جابر مرفوعاً: "أعوذ بوجهك" لما نزل عليه: "قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم ... الحديث" (٦) وباب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٧) وتحته أحاديث منها قوله ﷺ : "يد الله ملأى لا يغيضها سَحَّاء الليلَ والنهارَ، قال أرأيتم ما انفق منذ خلق الله السماوات والأرض فإنه لم يغض ما فى يده. وقال عرشه على الماء، وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع" (٨) . وقوله - صلى
стр. 933
الله عليه وسلم -: "إن الله يقبض يوم القيامة الأرض وتكون السماوات بيمينه ثم يقول أنا الملك" (١) وحديث يقر فيه ﷺ الحبر اليهودى فى قوله: "يا أبا القاسم إن الله يمسك السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر والثرى على أصبع، والخلائق على أصبع، ثم يقول أنا الملك أنا الملك.
يقول ابن عمر "فرأيت النبى ﷺ " ضحك حتى بدت نواجذه. ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢) .
فكل هذه الأحاديث، وما فى معناها، والمثبتة لله الصفات من النفس، والوجه، واليد، ونحو ذلك من العين، أو الاستواء، والنزول، والمجئ، والضحك، والغضب ... إلخ.
... أصول هذه الصفات مذكورة فى القرآن الكريم، ولا يوجد فى الحديث الصحيح الآحاد إلا ما يؤيد هذه الأصول ويوضحها ويقررها، أو يكون من جزئياتها ونظائرها. فردها بحجة أنها آحاد هو رد للقرآن نفسه.
стр. 934
وعدل القول فى هذه الأخبار ما قاله الإمام ابن قتيبة قال: "أن نؤمن بما صح منها بنقل الثقات لها، فنؤمن: بالرؤية والتجلى، وأنه يعجب، وينزل إلى السماء، وأنه على العرش استوى، وبالنفس، واليدين، من غير أن نقول فى ذلك بكيفية أو بحدٍ أو أن نقيس على ما جاء ما لم يأت. فنرجو: أن نكون فى ذلك القول والعقد، على سبيل النجاة غداً، إن شاء الله تعالى.
ويقول أيضاً: "فنحن نقول كما قال الله، وكما قال رسوله، ولا نتجاهل، ولا يحملنا ما نحن فيه: من نفى التشبيه، على أن ننكر ما وصف به نفسه، ولكنا لا نقول: كيف البيان؟ وإن سئلنا: نقتصر على جملة ما قال، ونمسك عما لم يقل" (١) .
وما يستشكل من الأحاديث الصحيحة فى هذا الباب تجد مثله فى القرآن الكريم، وقد صنف غير واحد من الأئمة فى توضيح هذا المشكل.
منهم الإمام ابن قتيبة فى كتابيه "تأويل مشكل القرآن" و "تأويل مختلف الحديث" والإمام الطحاوى فى كتابه "مشكل الحديث وبيانه" على تكلف منه، هو والإمام ابن قتيبة فى تأويل مشكل الضعيف، والموضوع فى أحاديث الصفات، ولو استعمل كل منهما الصنعة الحديثية لكانا فى غنى عن هذا التكلف. وغيرهم من الأئمة (٢) أ. هـ.
стр. 935
.. وصفوة القول فى موقف أهل السنة من آيات الصفات، وأخبارها، وواجب المسلم نحوها ما قاله فضيلة الأستاذ الدكتور طه حبيشى: "الواجب على المسلم السامع للآيات والأخبار المتعلقة بالصفات تقديسها باعتقاده فى كل آية أو خبر صح معنى يليق بجلال الله تعالى: وعليه الإيمان والتصديق بما قاله رب العزة ورسوله ﷺ ، على مراد الله، ومراد رسول الله، وعليه الاعتراف بالعجز عن إدراك مراد الله، ومراد رسوله ﷺ ، وعليه السكوت، والإمساك عن التصرف فى الألفاظ الواردة، وكف الباطن عن التفكير فى ذلك، واعتقاده أن ما خفى عنه لم يخف عن الرسول ﷺ ، ولا عن الصديق، ولا عن أكابر الصحابة ﵃ أجمعين (١) أ. هـ.
والله ﵎
أعلى وأعلم
ا لمبحث الثانى: شبه الطاعنين فى حديث رؤية الله تعالى
والرد عليها
... لقد أجمعت المعتزلة، وسائر الفرق المبتدعة من الجهمية، والخوارج، والروافض، وغيرهم على القول بنفى رؤية الله تعالى بالأبصار يوم القيامة، وقد نص المعتزلة أنفسهم على هذا الإجماع، كما أشارت كثير من كتب الفرق إليه (٢) .
... يقول القاضى عبد الجبار: "لا أحد يدعى أنه يرى الله سبحانه إلا من اعتقده جسماً مصوراً بصورة مخصوصة، أو يعتقد فيه أنه يحل فى الأجسام" (٣) .
... وليس هذا منتهى قولهم فى نفى الرؤية، بل زعموا أنه يستحيل أن يرى نفسه، لأنه يستحيل فى ذاته أن يرى، فذاته لا ترى (٤) .
стр. 936
وهل يرى غيره؟ فهذا موضع اختلاف بينهم، أجازه قوم، ومنعه آخرون (١) .
... كما اختلفوا فى رؤيته بالقلوب، فقال أبو الهذيل، وأكثر المعتزلة: نرى الله بقلوبنا بمعنى أنا نعلمه بقلوبنا، وأنكر بعضهم ذلك (٢) .
وقد صرحوا بأن إثبات الرؤية لا يمكن الاستدلال عليه بالسمع، أى بالقرآن والسنة، لأن الاستدلال بذلك ينبنى على أنه تعالى عدل حكيم لا يظهر المعجز على الكذابين، ومن لا يقول بذلك فلا يمكنه الاستدلال بالسمع على شئ أصلاً (٣) . بل "لا سمع ورد مصرحاً بأنه سبحانه يرى بالأبصار" (٤) ، "ولا فى كتاب الله ذكر الرؤية فكيف يصح أن يدعى أنه تعالى سمى نفسه بأنه يرى، أو ورد السمع به" (٥) .
... ولذا كان عمدة أدلتهم فى نفى الرؤية العقل، وإن كانوا قد أتبعوا ذلك بأدلة نقلية من الكتاب والسنة تأولوها على ما يوافق أصلهم الأول "التوحيد" القائم على نفى الصفات وزعموا تعارض حديث الرؤية مع القرآن والسنة.
قال القاضى عبد الجبار متأولاً لحديث الرؤية قال: "ثم نتناوله نحن على وجه يوافق دلالة العقل، فنقول: المراد به سترون ربكم يوم القيامة، أى ستعلمون ربكم يوم القيامة كما تعلمون القمر ليلة البدر. وعلى هذا قال: "لا تضامون فى رؤيته" أى لا تشكون فى رؤيته فعقبه بالشك، ولو كان بمعنى رؤية البصر لم يجز ذلك. والرؤية بمعنى العلم مما نطق به القرآن، وورد به الشعر" (٦) .
قال الزمخشرى: "سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر" بمعنى ستعرفونه معرفة جلية هى فى الجلاء كإبصاركم القمر إذا امتلأ واستوى" (٧) فحمل الرؤية على المعرفة، بينما حملها عبد الجبار على العلم.
стр. 937
ويقول عبد الجبار فى أحاديث الرؤية: "ومما يتعلقون به، أخبار مروية عن النبى ﷺ ، وأكثرها يتضمن الجبر والتشبيه، فيجب القطع على أنه ﷺ ، لم يقله وإن قال فإنه قاله حكاية عن قوم، والراوى حذف الحكاية ونقل الخبر" (١) .
... وبقول المعتزلة قال نابتة من المنحرفين بتعارض الحديث مع القرآن، والسنة، والعقل، وصرحوا بوضع الحديث" (٢) .
الجواب عن شبهات المعتزلة ومن قال بقولهم فى إنكار رؤية رب العزة ﷻ
أولاً: إن الأحاديث التى دلت على ثبوت الرؤية تبلغ حد التواتر أخرجها أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد واعتنى بجمعها أئمة من العلماء كالدارقطنى، وأبى نعيم الأصبهانى، وأبى بكر الأجرى وغيرهم الكثير (٣) .
وقد نص على تواتر أحاديث الرؤية جماعة من العلماء، منهم الحافظ ابن تيمية (٤) ، وابن قيم (٥) ، وابن كثير (٦) ، وابن أبى العز (٧) ، وعبد العزيز الغمارى (٨) وغيرهم.
стр. 938
.. قال الحافظ ابن حجر: "جمع الدارقطنى طرق الأحاديث الواردة فى رؤية الله تعالى فى الآخرة فزادت على العشرين، وتتبعها ابن قيم الجوزية فى حادى الأرواح فبلغت الثلاثين، وأكثرها جياد، وأسند الدارقطنى عن يحيى بن معين قال: "عندى سبعة عشر حديثاً فى الرؤية صحاح" (١) .
وفى تواتر حديث الرؤية رد على المعتزلة، ومن قال بقولهم من أعداء السنة "بوجوب القطع على أنه ﷺ لم يقل حديث الرؤيا وأنه مكذوب عليه" (٢) .
كما أن فى تواتر حديث الرؤيا بيان أن القضية مع أعداء السنة ليست قضية متواتر يؤخذ به فى العقائد، وآحاد لا يؤخذ به، كلا، القضية، قضية عقولهم وأصولهم الإلحادية التى قدموها على النصوص. كتاب وسنة، وإلا فلو صدقوا فى زعمهم بأن العقائد تؤخذ من الدليل اليقينى الحاصل بالتواتر، فلم لم يأخذوا بحديث الرؤية هنا مع تواتره (٣) ؟!!
... ثم ألا يكفى ثبوت الرؤيا بكتاب الله المتواتر؟! ويصبح حديث الرؤيا على فرض أنه آحاد دليل ظنى راجع إلى دليل قطعى وهو القرآن، ومبين له، وبالتالى يجب العمل بالظن هنا كما سبق من قول الإمام الشاطبى (٤) ؟!
ثانياً: لقد تظاهرت أدلة الكتاب، والسنة، والعقل، وأجمع الصحابة، والذين من بعدهم من سلف هذه الأئمة وأئمتها من أهل السنة والجماعة على أن الله يرى فى الدار الآخرة، يراه المؤمنون رؤية حقيقية، تليق به ، من غير إحاطة، ولا كيفية (٥) .
стр. 939
كما اتفقوا على أنه لا يراه أحد بعينى رأسه فى الدنيا، وذلك لقوله تعالى لموسى ﵇: "لَنْ تَرَانِى" (١) ، ولقول النبى ﷺ : "تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت" (٢) وهى وإن كانت جائزة عقلاً وليست بمستحيلة، إلا أن البشر لا يطيقون رؤيته فى هذه الدار لعجز أبصارهم وضعفها.
ولذا من ادعى رؤية الله فى الدنيا بعينى رأسه فدعواه باطلة باتفاق أهل السنة والجماعة وهو ضال (٣) .
وإنما الخلاف فى رؤية نبينا ﷺ لربه بعينيه فى الدنيا، فأثبت ذلك قوم ونفاه آخرون. والجمهور أنه لم يره بعينيه لقوله فى حديث أبى ذر ﵁: "نور أنى أراه" وفى رواية: "رأيت نوراً" (٤) ومن قال رآه بعينى رأسه ليلة المعراج، قال رأه كما سيراه المؤمنون يوم الآخرة، رؤية حقيقية تليق به من غير إحاطة ولا كيفية (٥) .
... وهذه بعض النصوص التى تدل على إثباتها من القرآن، والسنة، والعقل، وأقوال سلفنا الصالح.
أ- القرآن الكريم:
стр. 940
١- قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) . وبيان الدلالة من هذه الآية من وجوه عديدة:
... الوجه الأول: إنه لا يظن بكليم الرحمن، ورسوله الكريم عليه، أن يسأل ربه ما لا يجوز عليه، بل هو من أبطل الباطل وأعظم المحال.
... الوجه الثانى: إن الله سبحانه لا ينكر عليه سؤاله، ولو كان محالاً لأنكره عليه. ولهذا لما سأل إبراهيم الخليل ربه ﵎ أن يريه كيف يحى الموتى لم ينكر عليه، ولما سأل عيسى بن مريم ربه إنزال المائدة من السماء لم ينكر سؤاله. ولما سأل نوح ربه نجاة ابنه أنكر عليه سؤاله وقال: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (٢) أ. هـ.
... الوجه الثالث: إنه إجابة بقوله: "لن ترانى" ولم يقل لا ترانى ولا إنى لست بمرئى، ولا تجوز رؤيتى، والفرق بين الجوابين ظاهر لمن تأمله. وهذا يدل على أنه يرى، ولكن موسى لا تحتمل قواه رؤيته فى هذه الدار لضعف قوة البشر فيها عن رؤيته تعالى.
... الوجه الرابع: قوله تعالى: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت لتجليه له فى هذه الدار، فكيف بالبشر الضعيف الذى خلق من ضعف.
стр. 941
.. الوجه الخامس: إن الله قادر على أن يجعل الجبل مستقراً مكانه وليس هذا بممتنع فى مقدوره، بل هو ممكن وقد علق به الرؤية، ولو كانت محالاً فى ذاتها لم يعلقها بالممكن فى ذاته. بل لو كانت محالاً لكان ذلك نظير أن يقول: إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام.
... الوجه السادس: قوله : ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ وهذا من أبين الأدلة على جواز رؤيته ﵎ فإنه إذا جاز أن يتجلى للجبل الذى هو جماد لا ثواب له ولا عقاب، فكيف يمتنع أن يتجلى لأنبيائه ورسله، وأوليائه فى دار كرامته ويريهم نفسه؟ فأعلم موسى أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته فى هذه الدار فالبشر أضعف.
... الوجه السابع: إن ربه قد كلمه، وخاطبه، وناجاه، وناداه، ومن جاز عليه التكلم والتكليم وأن يسمع مخاطبه كلامه معه بغير واسطة فرؤيته أولى بالجواز، ولهذا لا يتم إنكار الرؤية إلا بإنكار التكليم (١) .
٢- قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٢) استدل بهذه الآية ابن عباس – رضى الله عنهما – وجماعة من التابعين منهم الحسن البصرى، وعكرمة مولى ابن عباس على جواز الرؤية، وكذا استدل بها مالك والشافعى رحمهما الله (٣) وهو قول المفسرين من أهل السنة والجماعة (٤) .
стр. 942
٣- قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١) الحسنى: هى الجنة، والزيادة هى النظر إلى وجه الله الكريم، بذلك فسرها رسول الله ﷺ فى قوله ﷺ : "إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (٢) .
٤- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ (٣) قال الرازى: "فإن إحدى القراءات فى هذه الآية فى "َمُلْكًا" بفتح الميم وكسر اللام، وأجمع المسلمون على أن ذلك الملك ليس إلا الله تعالى، وعندى أن التمسك بهذه الآية أقوى من التمسك بغيرها (٤) .
٥- قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٥) ففى هذه الآية دليل على أن الله تعالى يرى فى القيامة، ولولا ذلك ما كان فى هذه الآية فائدة، ولا خصت منزلة الكفار بأنهم يحجبون.
стр. 943
قال الإمام الشافعى: "لما حجب قوماً بالسخط دل على أن قوماً يرونه بالرضا ثم قال: أما والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه فى المعاد لما عبده فى الدنيا" (١) وجمهور المفسرين ذهبوا إلى تفسير حجب الكفار عن ربهم، بالمنع من رؤيته يوم القيامة (٢) .
ب- أدلة السنة:
... أما الأحاديث الصحيحة التى تدل على رؤية الله فى الآخرة فهى كثيرة متوافرة بلغت حد التواتر، فى الصحاح، والسنن، والمسانيد، من تلك الأحاديث:
ما روى فى الصحيحين من حديث جرير (٣) قال: "كنا جلوساً عند النبى ﷺ إذ نظر إلى القمر ليلة البدر قال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون فى رؤيته (٤)
стр. 944
، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا (١) ، وفى رواية عنه ﵁ قال: قال النبى ﷺ ، "إنكم سترون ربكم عياناً" (٢) . وفى الصحيحين أيضاً من حديث أبى موسى الأشعرى مرفوعاً: "جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما. وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه فى جنة عدن" (٣) .
ج- أدلة العقل:
стр. 945
.. قال القاضى الباقلانى (١) : يدل على الرؤية من جهة العقل: أنه تعالى موجود، والموجود لا يستحيل رؤيته، وإنما يستحيل رؤية المعدوم. وأيضاً فإنه تعالى يرى جميع المرئيات، وقد قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ (٣) وكل راء يجوز أن يرى.
ولا يجوز أن تحمل الرؤية منه تعالى على العلم -كما تزعم المعتزلة لأنه تعالى فصل بين الأمرين، فلا حاجة بنا أن نحمل أحدهما على الآخر، ألا ترى أنه سمى نفسه عالماً، وسمى نفسه مريداً، ولا يجوز أن نحمل الإرادة على العلم، كذلك لا تحمل الرؤية على العلم. فاعلمه.
... وجواب آخر: وهو أن الصحابة سألوا الرسول ﷺ : هل نرى ربنا؟ فقال: "نعم" ولا يجوز أن يكون سؤالهم: هل نعلم ربنا أو يعلمنا ربنا.
стр. 946
فبطل قول من يحمل الرؤية على العلم، ولهذا أجاب ﷺ : "سترونه كما يرى القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب وكما ترى الشمس ليس دونها سحاب" (١) يعنى لا تشكون فى رؤيته كما لا يشك من رأى القمر والشمس فيها، فشبه الرؤية بالرؤية فى نفى الشك عن الرائى، ولم يشبه المرئى بالمرئى. فاعلم ذلك" (٢) أ. هـ.
د- آثار السلف:
... وأما الآثار التى وردت عن سلفنا الصالح – رضوان الله عليهم – فى إثبات رؤية الله فى الآخرة للمؤمنين، فهى أكثر من أن تذكر سبق منها قول الإمام الشافعى.
ويقول فى ذلك الإمام أحمد – ﵀: "من كذب بالرؤية فهو زنديق" وقال: "نؤمن بها أى الرؤية وأحاديثها، ونعلم أنها حق، فنؤمن بأن الله يرى، نرى ربنا يوم القيامة، لا نشك فيه ولا نرتاب".
стр. 947
.. وقال أيضاً: "من زعم أن الله لا يرى فى الآخرة فقد كفر بالله، وكذب بالقرآن ورد على الله أمره، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل" (١) .
... وسئل الإمام على بن المدينى (٢) الإمام عبد الله بن المبارك عن رؤية الله تعالى فقال: ما حجب الله أحداً إلا عذبه، ثم قرأ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ (٣) قال: الرؤية. فقلت له يا أبا عبد الله: إن عندنا قوماً من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث: "إن الله ينزل إلى سماء الدنيا، وأهل الجنة يرون ربهم، فحدثنى بنحو عشرة أحاديث فى هذا، وقال: أما نحن فقد أخذنا ديننا هذا عن التابعين، والتابعون أخذوه عن أصحاب رسول الله ﷺ فهم عمن أخذوه؟! (٤) أ. هـ.
... أما ما تعلق به المعتزلة من قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (٥) وزعمهم بتعارض الآية مع الحديث (٦) .
стр. 948
.. قال الإمام الباقلانى: "الآية لا حجة لهم فيها وهى حجة عليهم. لأنه قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ ولم يقل لا تراه الأبصار، والإدراك بمعنى يزيد على الرؤية، لأن الإدراك: الإحاطة بالشئ من جميع الجهات، والله تعالى لا يوصف بالجهات، ولا أنه فى جهة، فجاز أن يرى وإن لم يدرك (١) .
وجواب آخر: أن معنى الآية لا تدركه الأبصار فىالدنيا، وإن جاز أن تدركه فىالآخرة، ليجمع بين قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (٢) وبين قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ .
وجواب آخر على دعوى التناقض: "لا تدركه الأبصار" يعنى أبصار الكفار دون المؤمنين، ليجمع بين قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٣) وبين قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٤) . وهذا صحيح، لأن الحجاب لما كان للكفار دون المؤمنين، كذلك الرؤية للمؤمنين دون الكفار" (٥) أ. هـ.
стр. 949
.. أما ما احتجوا به من خبر عائشة – رضى الله عنها – لما قال لها ابن الزبير – وهو ابن أختها – يا أماه: هل رأى محمد ربه؟ فقالت: يا ابن أختى لقد وقف شعر بدنى، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (١) . وفى رواية قالت: "من زعم أن محمداً ﷺ ، رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ... قال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٢) .
... قالوا: فموضع الدليل من الخبر أنها أكبرت ذلك ونفت الرؤية عن الله تعالى، فدل أن ذلك مستحيل فى حقه ، كما قالوا بتعارض الخبرين (٣) .
قال القاضى الباقلانى والجواب على ذلك من أوجه:
أولهما: أن ابن عباس ﵁ وغيره من الصحابة قد صرحوا بأن محمداً ﷺ ، رأى ربه ليلة أسرى به بعينى رأسه، ولو كان ذلك مستحيلاً لم يقع الخلاف فيه بين الصحابة، كما لم يقع بينهم الخلاف فى ما هو مستحيل على الله تعالى من الولد والزوجة، والشريك، ونحو ذلك. فلما وقع بينهم الخلاف فى ذلك وانقرض عصرهم على ذلك، دل على أن الرؤية جائزة غير مستحيلة. فبطل ما ذكر.
стр. 950
ثانيهما: أن عائشة - رضى الله عنها - إنما أنكرت رؤية البارى بأبصار العيون فى دار الدنيا، لا على الإطلاق، ولهذا روى عن أبيها وعنها -رضى الله عنهما- وعن جميع الصحابة أنهم فسروا قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (١) قالوا: الزيادة النظر إلى الله تعالى فى الجنة (٢) ، وقد روى هذا مرفوعاً عن الرسول ﷺ كما سبق فى الأدلة القرآنية على الرؤية (٣) .
فصح مذهب أهل السنة والجماعة بحمد الله تعالى، وبطلت شبه المخالف واندحض مكره. ولله المنة والحجة البالغة" (٤) أ. هـ.
ونسأله أن يمتعنا بالنظر إلى وجهه الكريم
المبحث الثالث: موقف أهل البدع قديماً وحديثاً من أحاديث القدر
والرد عليهم
... الأحاديث التى تثبت ركناً من أركان الإيمان وهو: الإيمان بقدر الله خيره، وشره، حلوه ومره، طعن فيها المعتزلة؛ لأنها تتعارض مع أصل من أصولهم الخمسة وهو العدل الذى يعد مع أصلهم، الأول "التوحيد" أهم أصولهم لذا فهم يسمون أنفسهم أهل العدل وأهل التوحيد، وتمدحوا بهذه التسمية.
وقد عرفوا العدل: بأنه تعالى لا يفعل القبيح ولا يختاره، ولا يخل بما هو واجب عليه، وأن أفعاله كلها حسنة (٥) . وبنوا على هذا الأصل "العدل" أموراً عدة منها: