← Общие книги

Общие книги · id 1820

كتابات أعداء الإسلام ومناقشتها

عماد السيد محمد إسماعيل الشربينى

Полный текст (1 177 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

فبطل قول من يحمل الرؤية على العلم، ولهذا أجاب ﷺ : "سترونه كما يرى القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب وكما ترى الشمس ليس دونها سحاب" (١) يعنى لا تشكون فى رؤيته كما لا يشك من رأى القمر والشمس فيها، فشبه الرؤية بالرؤية فى نفى الشك عن الرائى، ولم يشبه المرئى بالمرئى. فاعلم ذلك" (٢) أ. هـ. د- آثار السلف: ... وأما الآثار التى وردت عن سلفنا الصالح – رضوان الله عليهم – فى إثبات رؤية الله فى الآخرة للمؤمنين، فهى أكثر من أن تذكر سبق منها قول الإمام الشافعى. ويقول فى ذلك الإمام أحمد – ﵀: "من كذب بالرؤية فهو زنديق" وقال: "نؤمن بها أى الرؤية وأحاديثها، ونعلم أنها حق، فنؤمن بأن الله يرى، نرى ربنا يوم القيامة، لا نشك فيه ولا نرتاب".

стр. 947

.. وقال أيضاً: "من زعم أن الله لا يرى فى الآخرة فقد كفر بالله، وكذب بالقرآن ورد على الله أمره، يستتاب، فإن تاب وإلا قتل" (١) . ... وسئل الإمام على بن المدينى (٢) الإمام عبد الله بن المبارك عن رؤية الله تعالى فقال: ما حجب الله أحداً إلا عذبه، ثم قرأ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ (٣) قال: الرؤية. فقلت له يا أبا عبد الله: إن عندنا قوماً من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث: "إن الله ينزل إلى سماء الدنيا، وأهل الجنة يرون ربهم، فحدثنى بنحو عشرة أحاديث فى هذا، وقال: أما نحن فقد أخذنا ديننا هذا عن التابعين، والتابعون أخذوه عن أصحاب رسول الله ﷺ فهم عمن أخذوه؟! (٤) أ. هـ. ... أما ما تعلق به المعتزلة من قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ (٥) وزعمهم بتعارض الآية مع الحديث (٦) .

стр. 948

.. قال الإمام الباقلانى: "الآية لا حجة لهم فيها وهى حجة عليهم. لأنه قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ ولم يقل لا تراه الأبصار، والإدراك بمعنى يزيد على الرؤية، لأن الإدراك: الإحاطة بالشئ من جميع الجهات، والله تعالى لا يوصف بالجهات، ولا أنه فى جهة، فجاز أن يرى وإن لم يدرك (١) . وجواب آخر: أن معنى الآية لا تدركه الأبصار فىالدنيا، وإن جاز أن تدركه فىالآخرة، ليجمع بين قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ (٢) وبين قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ . وجواب آخر على دعوى التناقض: "لا تدركه الأبصار" يعنى أبصار الكفار دون المؤمنين، ليجمع بين قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٣) وبين قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٤) . وهذا صحيح، لأن الحجاب لما كان للكفار دون المؤمنين، كذلك الرؤية للمؤمنين دون الكفار" (٥) أ. هـ.

стр. 949

.. أما ما احتجوا به من خبر عائشة – رضى الله عنها – لما قال لها ابن الزبير – وهو ابن أختها – يا أماه: هل رأى محمد ربه؟ فقالت: يا ابن أختى لقد وقف شعر بدنى، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (١) . وفى رواية قالت: "من زعم أن محمداً ﷺ ، رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية ... قال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٢) . ... قالوا: فموضع الدليل من الخبر أنها أكبرت ذلك ونفت الرؤية عن الله تعالى، فدل أن ذلك مستحيل فى حقه ، كما قالوا بتعارض الخبرين (٣) . قال القاضى الباقلانى والجواب على ذلك من أوجه: أولهما: أن ابن عباس ﵁ وغيره من الصحابة قد صرحوا بأن محمداً ﷺ ، رأى ربه ليلة أسرى به بعينى رأسه، ولو كان ذلك مستحيلاً لم يقع الخلاف فيه بين الصحابة، كما لم يقع بينهم الخلاف فى ما هو مستحيل على الله تعالى من الولد والزوجة، والشريك، ونحو ذلك. فلما وقع بينهم الخلاف فى ذلك وانقرض عصرهم على ذلك، دل على أن الرؤية جائزة غير مستحيلة. فبطل ما ذكر.

стр. 950

ثانيهما: أن عائشة - رضى الله عنها - إنما أنكرت رؤية البارى بأبصار العيون فى دار الدنيا، لا على الإطلاق، ولهذا روى عن أبيها وعنها -رضى الله عنهما- وعن جميع الصحابة أنهم فسروا قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (١) قالوا: الزيادة النظر إلى الله تعالى فى الجنة (٢) ، وقد روى هذا مرفوعاً عن الرسول ﷺ كما سبق فى الأدلة القرآنية على الرؤية (٣) . فصح مذهب أهل السنة والجماعة بحمد الله تعالى، وبطلت شبه المخالف واندحض مكره. ولله المنة والحجة البالغة" (٤) أ. هـ. ونسأله أن يمتعنا بالنظر إلى وجهه الكريم المبحث الثالث: موقف أهل البدع قديماً وحديثاً من أحاديث القدر والرد عليهم ... الأحاديث التى تثبت ركناً من أركان الإيمان وهو: الإيمان بقدر الله خيره، وشره، حلوه ومره، طعن فيها المعتزلة؛ لأنها تتعارض مع أصل من أصولهم الخمسة وهو العدل الذى يعد مع أصلهم، الأول "التوحيد" أهم أصولهم لذا فهم يسمون أنفسهم أهل العدل وأهل التوحيد، وتمدحوا بهذه التسمية. وقد عرفوا العدل: بأنه تعالى لا يفعل القبيح ولا يختاره، ولا يخل بما هو واجب عليه، وأن أفعاله كلها حسنة (٥) . وبنوا على هذا الأصل "العدل" أموراً عدة منها:

стр. 951

أ- وجوب الصلاح والأصلح على الله (١) . عصمنا الله وإياكم من إساءة الأدب مع الله. ب- الحسن والقبح العقليان، فالحسن ما حسنه العقل والقبيح ما قبحه العقل، والشرع فى تحسينه وتقبيحه للأشياء مخبر عنها لا مثبت لها، والعقل مدرك لها لا منشئ (٢) . ج- إن الله لم يخلق أفعال العباد، وإنما الإنسان هو الخالق لأفعاله كلها خيرها وشرها (٣) . وقد أفضى بهم هذا إلى إنكار القدر. قال القاضى عبد الجبار "والذين يثبتون القدر هم المجبرة (٤) ، فأما نحن فإنا ننفيه وننزه الله تعالى. عن أن تكون الأفعال بقضائه وقدره (٥) . وحجة المعتزلة فى نفى القدر أو نفى خلق الله لأفعال العباد طاعات كانت أم معاصى؛ أن الله لا يفعل القبيح، وأفعال العباد وإن كانت طاعة، فقد يصح وجودها على وجه فتقبح، وعلى وجه آخر فتحسن" (٦) . وبناءً على أصلهم هذا "العدل" تأولوا الآيات القرآنية التى تثبت قدر الله وخلقه لأفعال عباده خيرها وشرها. وطعنوا فى الأحاديث التى تثبت القدر وعدوها ضرباً من الخطأ، وأن من رواها قد ارتكب عظيماً.

стр. 952

قال القاضى عبد الجبار: "وما ورد من أخبار الآحاد دالاً على ذلك، ضرب من ضروب الخطأ الذى يعلم بروايته أنه ارتكب عظيماً" (١) . ... ولم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما كفروا من خالفهم فى هذا الأصل "العدل". قال عبد الجبار: "وأما من خالف فى العدل، وأضاف إلى الله تعالى القبائح كلها من الظلم، والكذب، وإظهار المعجزات على الكذابين، وتعذيب أطفال المشركين بذنوب آبائهم والإخلال بالواجب فإنه يكفر أيضاً" (٢) . وقد تأثر بموقف المعتزلة بالطعن فى أحاديث القدر، دعاة اللادينية (٣) ، كما تأثر بعض رواد المدرسة العقلية الحديثة وقد فصل ذلك الدكتور فهد الرومى فى رسالته للدكتوراه "منهج المدرسة العقلية الحديثة فى التفسير" (٤) .

стр. 953

وجوب الإيمان بقدر الله تعالى والجواب عن شبه المعتزلة ومن قال بقولهم أو تأثر بهم ... الإيمان بقدر الله واجب، وهو أحد أركان الإيمان الستة؛ التى لا يتصف المؤمن بالإيمان إلا بتحقيقها، كما قال ﷺ : "الإيمان أن تؤمن بالله، ملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره" (١) . ولقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة والعقل على إثبات قدر الله تعالى، وهى تؤيد ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة من ذلك: قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (٤) . ... وسئل ابن عمر – رضى الله عنهما – عن أناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم (أى يبحثون عن غامضه وخفاياه) وأنهم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف (أى مستأنف لم يسبق به قدر، ولا علم من الله تعالى، وإنما يعلم بعد وقوعه) ؟ فيجيب ابن عمر–رضى الله عنهما – فيقول للسائل: "فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أنى برئ منم وأنهم براء منى، والذى يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه، ما قُبل الله منه حتى يؤمن بالقدر (٥) ، ثم ساق حديث عمر ﵁ السابق.

стр. 954

وعن طاووس قال: "أدركت ثلثمائة من أصحاب رسول الله ﷺ ، يقولون: كل شئ بقدر، وسمعت عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "كل شئ بقدر حتى العجز والكيس" (١) ، والأحاديث فى إثبات القدر كثيرة جداً فى الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة (٢) والإيمان بالقدر لا يتم إلا بأربعة أمور: الأول: الإيمان بأن الله عالم بكل ما يكون جملة وتفصيلاً بعلم سابق لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٣) . الثانى: إن الله كتب فى اللوح المحفوظ مقادير كل شئ لقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٤) ولقوله ﷺ : "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة قال: وعرشه على الماء" (٥) .

стр. 955

الثالث: إنه لا يكون شئ فى السماوات والأرض إلا بإرادة الله ومشيئته، الدائرة بين الرحمة والحكمة، يهدى من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته، وسلطانه، وهم يسألون، وما وقع من ذلك فهو مطابق لعلم الله السابق ولما كتبه فى اللوح المحفوظ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ (٢) " فأثبت ﷻ وقوع الهداية والضلال بإرادته. الرابع: إن كل شئ فى السماوات والأرض مخلوق لله تعالى لا خالق غيره، ولا رب سواه، لقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (٣) وقال على لسان سيدنا إبراهيم ﵇: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٤) . ... ويدل على صحة مذهب أهل السنة والجماعة من أدلة العقل: أن الملك إذا جرى فى ملكه ما لا يريد، دل ذلك على نقصه أو ضعفه أو عجزه، والله تعالى موصوف بصفات الكمال، لا يجوز عليه فى ملكه نقص، ولا ضعف، ولا عجز، فكيف يكون فى ملكه ما لا يريده، ويريده أضعف خلقه فيكون.كلا أن يأمر بالفحشاء أو يكون فى ملكه إلا ما يشاء ونقول: إن مذهب أهل السنة والجماعة الذى ندين لله تعالى به أنه لا يتحرك متحرك، ولا يسكن ساكن ولا يطيع طائع، ولا يعصى عاص، من أعلى العلى إلى ما تحت الثرى؛ إلا بإرادة الله تعالى، وقضائه ومشيئته. وقد دل على صحة ذلك الكتاب، والسنة، والعقل، وإجماع الأمة (٥) .

стр. 956

.. وقد تناول العلماء من أهل السنة شبه المعتزلة فى موضوع القدر، وأفعال العباد ففندوها وأوضحوا بطلانها؛ لأنها لم تبن على نصوص الشرع، وإنما بنيت على العقول القاصرة العاجزة، فجاءت مخالفة للنصوص مناهضة لها. ... وصفوة القول فى الرد على المعتزلة: "إن المعتزلة لما خاضوا بعقولهم فى شرع الله تعالى بعيداً عن هدى النصوص، قذفت لهم تلك العقول بما يسمى بالتحسين والتقبيح العقلى، ووجوب الأصلح على الله؛ الذى كان علته وسببه قياسهم لأفعال الله سبحانه على أفعال العباد، فحسنوا منه ما يحسن منهم، وقبحوا منه ما يقبح منهم، وأوجبوا عليه ما يجب عليهم، وحرموا عليه ما يحرم عليهم، وسموا ذلك عدلاً، وما ذلك إلا تشبيه لله بخلقه فى أفعاله فهم فى الحقيقة مشبهة الأفعال. والله سبحانه لا يقاس بنا فى أفعاله، فليس ما وجب أو حرم علينا، يجب ويحرم عليه، وليس ما حسن أو قبح منا يحسن أو يقبح منه (١) . ... فهو سبحانه منزه عن فعل القبائح، لا يفعل السوء والسيئات، مع أنه سبحانه خالق كل شئ، أفعال العباد وغيرها.

стр. 957

والعبد إذا فعل القبيح المنهى عنه كان قد فعل سوءاً، وظلماً، وقبيحاً وشراً، والرب قد جعله فاعلاً لذلك، وذلك منه سبحانه عدل، وحكمة، وصواب، ووضع للأشياء فى مواضعها، فخلقه سبحانه لما فيه نقص أو عيب للحكمة التى خلقه لها هو محمود عليه، وهو منه عدل، وحكمة، وصواب، وإن كان فى المخلوق عيباً، ومثل ذلك فى المخلوقين، فإن الصانع إذا أخذ الخشبة المعوجة، والحجر الردئ، واللبنة الناقصة، فوضعها فى موضع يليق بها ويناسبها كان ذلك منه عدلاً، واستقامة وصواباً وهو محمود، وإن كان فى تلك عوج وعيب هى به مذمومة، ومن أخذ الخبائث فوضعها فى المحل الذى يليق بها كان ذلك حكمة وعدلاً، وإنما السفه والظلم أن يضعها فى غير موضعها، فهو سبحانه لا يضع شيئاً إلا فى موضعه، فلا يكون إلا عدلاً، ولا يفعل إلا خيراً، فلا يكون إلا محسناً جواداً رحيماً، وهو سبحانه له الخلق والأمر (١) . ... والله يختص بحكمة لا يشاركه فيها غيره، ولهذا يحسن منه ما يقبح من المخلوقين لانتفاء تلك الحكمة فى حقهم، مثال لذلك يحسن منه مدح نفسه والثناء عليها، ويقبح من أكثر خلقه ذلك. كما يحسن منه إماتة خلقه وابتلاؤهم وامتحانهم بأنواع المحن، ويقبح ذلك من الخلق، فليس بين الله وخلقه جامع يوجب أن يحسن منه، ما يحسن منهم، ويقبح منه ما قبح منهم (٢) .

стр. 958

.. وكون الله سبحانه خالقاً لأفعال العباد، لا ينفى ذلك أن يكونوا فاعلين لها حقيقة، فقد أخبر سبحانه أن العباد يفعلون ويعملون ويؤمنون ويكفرون ويصدقون ويكذبون فى مواضع جمة. فأفعالهم مستندة إليهم، وهم الفاعلون لها حقيقة، وأنها تنسب إليهم وتضاف لهم وهى مفعولة لله حقيقة ومخلوقة له، وليست فعلاً له، ولا يتصف بأنه فاعلها؛ لأن هنالك فرقاً بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق، فهى فعل العباد ومفعوله له سبحانه (١) . وإلى هذا أشار الإمام الطحاوى (٢) – ﵀ – بقوله: "وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد" (٣) .

стр. 959

.. وأما إيجاب شئ على الله أو تحريمه عليه، فإن جمهور العلماء ذهبوا إلى أنه سبحانه إنما أمر عباده بما فيه صلاحهم، ونهاهم وحذرهم عما فيه فسادهم، وأرسل لهم الرسل للمصلحة العامة، وإن كان فى إرسالهم ضرر على بعض الناس، ففيه حكم، وإن كان فى بعض ما يخلقه ضرر كالذنوب، فلابد من وجود الحكمة فى ذلك، والمصلحة التى لأجلها خلقه سبحانه (١) ، والله سبحانه قد يوجب على نفسه ويحرم بعض الأمور كقوله سبحانه: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (٢) وفى الحديث:"يا عبادى إنى حرمت الظلم على نفسى" (٣) وهو لا يخل بما أوجبه أو حرمه على نفسه. أما أن يوجب أو يحرم عليه الخلق بعقولهم فلا (٤) . إن قول المعتزلة يجب على الله فعل الصلاح والأصلح لعباده يلزم منه لوازم فاسدة مثل: عدم خلق إبليس وجنوده، فعدم خلقه وجنوده أصلح للخلق وانفع، وقد خلقه البارى! والأمثلة على ذلك كثيرة (٥) .

стр. 960

إذا عرفت صحة مذهب أهل السنة فى عقيدة الإيمان بالقدر، وعرفت فساد مذهب المعتزلة، عرفت أن طعون المعتزلة ومن قال بقولهم من المستشرقين، ودعاة الإلحاد (١) فى الأحاديث الصحيحة المثبتة للقدر، طعون واهية لا حجة لهم فيها، وهاك مثالاً على ذلك، حديث محاجة آدم موسى ﵉، نذكر شبه الطاعنين فيه والدفاع عنه فى المبحث التالى فإلى بيان ذلك. المبحث الرابع: شبه الطاعنين فى حديث محاجة آدم موسى ﵉ والرد عليها ... عن أبى هريرة ﵁ عن النبى ﷺ ، قال: "احتج آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا، خيَّبتَنَا وأخرجتنا من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى. اصطفاك الله بكلامه، وخطَّ لك بيدِهِ، أَتَلْوُمِنِىِ على أمر قَدَّره الله علىَّ قبل أن يخلقنى بأربعين سنةً؟ فقال النبى ﷺ : "فحج آدم موسى ثلاثاً" (٢) . قال الحافظ ابن حجر-﵀:قد أنكر القدرية هذا الحديث لأنه صريح فى إثبات القدر السابق، وتقرير النبى ﷺ لآدم على الاحتجاج به، وشهادته بأنه غلب موسى فقالوا:

стр. 961

أولاً: لا يصح لأن موسى لا يلوم على أمر قد تاب منه صاحبه، وقد قتل هو نفساً لم يؤمر بقتلها، ثم قال رب اغفر لى، فغفر له، فكيف يلوم آدم على أمر قد غفر له؟ ثانياً: لو ساغ اللوم على الذنب بالقدر الذى فرغ من كتابته على العبد، لكان من عوتب على معصية قد ارتكبها، يحتج بالقدر السابق، ولو ساغ ذلك لانسد باب القصاص، والحدود، ولاحتج به كل أحد على ما يرتكبه من الفواحش، وهذا يفضى إلى لوازم قطعية، فدل ذلك على أن هذا الحديث لا أصل له (١) أ. هـ. وبنحو ذلك طعن السيد صالح أبو بكر (٢) ، ونيازى عز الدين (٣) ،وغيرهما فى الحديث. ويجاب عليهم بالآتى: أولاً: هذا الحديث صحيح ثابت فى كتب السنة بالاتفاق. رواه عن النبى ﷺ أبو هريرة وغيره، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أنه من طريق أبى هريرة رواه عشرة من التابعين ثم ذكرهم، وذكر من خرج لهم من الأئمة (٤) . ثانياً: قد ذكر فى احتجاج آدم بالقدر عدة أقوال، المتجه منها قولان:

стр. 962

الأول: إنما لام موسى ﵇ آدم ﵇ على المصيبة التى أخرجته لا على المعصية، لأن العبد مأمور أن يحتج بالقدر عند المصائب كما قال ﷺ "وإن أصابك شئ فلا تقل: لو أنى فعلت كان كذا وكذا. ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل. فإن لو تفتح عمل الشيطان" (١) . وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٢) واستحسن هذا القول الإمام الطحاوى (٣) . الثانى: إن الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع فى موضع، ويضر فى موضع، فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه، وترك معاودته كما فعل آدم، ويضر الاحتجاج به فى الحال والمستقبل، بأن يرتكب فعلاً محرماً، أو يترك واجباً فيلومه عليه لائم، فيحتج بالقدر عليه ويصر، فيبطل الاحتجاج به حقاً، ويرتكب باطلاً، كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم لغير الله، فقالوا كما حكى رب العزة عنهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَاءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ (٤) . ... وخلاصة ذلك أن اللوم إذا ارتفع، صح الاحتجاج بالقدر، وإذا كان اللوم واقعاً فالاحتجاج بالقدر باطل (٥) .

стр. 963

وقال القرطبى: "إنما غلبه بالحجة؛ لأنه علم من التوراة أن الله تاب عليه (١) ، فكان لومه على ذلك، نوع جفاء، كما يقال ذكر الجفاء بعد حصول الصفاء جفاء، ولأن أثر المخالفة بعد الصفح ينمحى حتى كأنه لم يكن، فلا يصادف اللوم من اللائم حينئذ محلاً". قال الحافظ ابن حجر: "وهو محصل ما أجاب به المازرى، وغيره من المحققين، وهو المعتمد" (٢) . ثالثاً: ليس فى الحديث احتجاج بالقدر على المعاصى كما يزعم المعتزلة. وآدم ﵇ لم يحتج بالقدر؛ لأن أنبياء الله – ﵈ – من أعلم الناس بالله وبأمره ونهيه، فلا يسوغ لأحدهم أن يعصى الله بالقدر، ثم يحتج على ذلك (٣) أ. هـ. وبعد فالحديث كما قال الحافظ ابن عبد البر: "هذا الحديث أصل جسيم لأهل الحق فى إثبات القدر، وأن الله تعالى قضى أعمال العباد فكل أحد يصير لما قدر له بما سبق فى علم الله" (٤) .

стр. 964

وعن النهى عن المجادلة فى القدر روى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه وهم يختصمون فى القدر. فكأنما فقئ فى وجهه حب الرمان من الغضب. فقال: "بهذا أمرتم أو لهذا خلقتم؟ تضربون القرآن بعضه ببعض. بهذا هلكت الأمم قبلكم" (١) أ. هـ. والله ﵎ أعلى وأعلم

стр. 965

المبحث الخامس: موقف المبتدعة قديماً وحديثاً من أحاديث المغفرة لمرتكب الكبيرة والرد عليهم ... طعن المبتدعة من المعتزلة وغيرهم فى أحاديث المغفرة لأهل الكبائر يوم القيامة، لتعارضه مع أصلهم السابق "العدل"، وقولهم بوجوب الصلاح والأصلح على الله، ولتعارضه مع أحد أصولهم الخمسة وهو"الوعد والوعيد" ومرادهم به: أنه يجب على الله إثابة الطائع الذى وعده بالثواب، وعقاب العاصى الذى أوعده بالعقاب، ولا يخلف الله وعيده؛ لأنه ذم وقبح (١) . ولتعارضه أيضاً مع قولهم فى مرتكب الكبيرة بأنه فى منزلة بين المنزلتين، وهو أيضاً أحد أصولهم الخمسة، ومرادهم به أن مرتكب الكبيرة منزلته "الفسق" بين المنزلتين "الإيمان، والكفر" وهو بهذه المنزلة خالد مخلد فى النار إذا لم يتب من كبيرته، وحاله فى العقاب دون الكافر، فعقابه أخف ولكنه مع ذلك مؤبد فيها" (٢) . ... ومن أصولهم السابقة طعنوا فى أحاديث الشفاعة، كما طعنوا فى الأحاديث التى تصف مرتكب الكبيرة - وإن لم يتب - بأنه تحت المشيئة "إن شاء غفر الله له، وإن شاء عذبه" لتعارضها مع قولهم: "وجوب تنفيذ الله وعيده على العاصى. وقولهم: إن مرتكب الكبيرة خالد مخلد فى النار إن لم يتب من كبيرته. ... واعتبروا مثل هذه الأحاديث فيها خلف للوعيد من الله عز وجلوهو عندهم ذم وقبح. قال القاضى عبد الجبار: "من زعم أن خلف الوعيد كرم، وأن الله يمكن أن يخلف فى وعيده، كفر، لأنه أضاف القبيح إلى الله تعالى" (٣) أ. هـ. والجواب:

стр. 966

.. إن إنفاذ الوعيد، والوجوب على الله، الذى دندن به المعتزلة، وقال به أعداء السنة (١) ، وخلدوا به صاحب الكبيرة فى النار، إنما هو أمر عقلى محض لا سند له من النصوص، ولا من العقول السليمة. فمن أين للعقول أن توجب وتحرم عليه سبحانه، وكيف علمت أنه يجب عليه أن يمدح ويذم، ويثيب ويعاقب على الفعل، وأنه رضى عن فاعل، وسخط على فاعل؟ وهل ذلك إلا غيب عنا، وإقحام للعقل فيما لا علم له، وتجنى على نصوص الشرع، وقياس لله بخلقه فى أفعاله. وهل كل ما حسن من الخلق حسن منه، وما قبح منهم قبح منه؟ أم هو القياس الفاسد أيضاً؟ (٢)

стр. 967

ولا شك أن الله وعد الطائعين بالثواب، وأوعد العاصين بالعقاب، وما وعد به عباده الطائعين لابد من تحققه، كرماً منه سبحانه وفضلاً، لأنه لا يخلف الميعاد كما قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٢) وليس معنى ذلك أن العباد يستحقون دخول الجنة على ربهم بأعمالهم كما يزعم أهل الاعتزال، بل إنما يدخلهم الجنة برحمته وفضله، كما قال ﷺ : "لن يدخل أحداً عمله الجنة"، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال:"ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله بفضل ورحمة...فسددوا وقاربوا" الحديث (٣) ، وذلك بخلاف الوعيد، فإن خلفه مدح لا ذم، ويجوز عليه سبحانه أن يخلف وعيده، لأنه حقه، فإخلافه له عفو وكرم، وجود، وإحسان، ولهذا مدح به كعب بن زهير رسول الله ﷺ ، حيث قال: "نبئت أن رسول الله أوعدنى ... *** ... والعفو عند رسول الله مأمول (٤) . ... والعرب لا تعد عاراً ولا خُلْفاً، أن تَعِد شراً ثم لا تفعل، ترى ذلك كرماً وفضلاً، إنما الخلف أن تعد خيراً ثم لا تفعل، ومن ذلك قول القائل: لا يرهب ابن العم منى صولة *** ... ولا أختتى (٥) من صولة المتهدد وإنى أن أوعدته أو وعدته ... *** لأخلف إ يعادى وأنجز موعدي (١)

стр. 968

.. وفى الحديث عن زيد بن ثابت مرفوعاً: "لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم. ولو رحمهم لكانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم" (٢) . ... أما ما ذهب إليه المعتزلة والخوارج من أن الكبيرة الواحدة تسقط جميع ما لصاحب الكبيرة من ثواب، لأنه لا ثواب البته يستحقه الإنسان مع وجود الكبيرة (٣) ، ويستلزم على هذا حبط إيمانه حيث حكموا عليه بالخلود فى النار، وإن لم يحكم عليه المعتزلة بالكفر فى الدنيا فقد صرح بذلك الخوارج فأصبح الخلاف بينهم لفظى (٤) . هذا الذى ذهبوا إليه نوع من الظلم الذى نزه الله نفسه عنه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٥) .

стр. 969

وهو مخالف لكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، فى أن مرتكب الكبيرة مسلم عاصى، غير خالد مخلد فى النار، وهو تحت المشيئة "إن شاء غفر الله له وإن شاء عذبه" يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١) فالآية صريحة فى أن الغفران المعلق بالمشيئة شامل لجميع الذنوب، كبائر كانت أو صغائر، ولم يستثن المولى سوى كبيرة الشرك به تعالى (٢) . وفى هذا رد على قولهم المراد بالمغفرة صغائر المعاصى (٣) . ... وقال ﷺ :"ما من عبد قال لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة"قال أبو ذر ﵁، قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال "وإن زنى وإن سرق" -ثلاثاً- ثم قال فى الرابعة على رغم أنف أبى ذر" قال فخرج أبو ذر وهو يقول: "وإن رغم أنف أبى ذر" (٤) .

стр. 970

.. وفى حديث عبادة بن الصامت ﵁: أنه ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: "بايعونى على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا فى معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب فى الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً، ثم ستره الله؛ فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه". فبايعناه على ذلك (١) . ... والأدلة على أن صاحب الكبيرة "مسلم عاصى" وتحت المشيئة وغير خالد مخلد فى النار كثيرة جداً. والأحاديث فى ذلك متواترة (٢) . وأقوال أهل العلم فى ذلك كثيرة نقتصر على قول جامع للإمام النووى – ﵀ – إذ يقول: "واعلم أن مذهب أهل السنة، وما عليه أهل الحق من السلف والخلف، أن من مات موحداً، دخل الجنة قطعاً على كل حال، فإن كان سالماً من المعاصى، كالصغير، والمجنون، والذى اتصل جنونه بالبلوغ، والتائب توبة صحيحة من الشرك أو غيره من المعاصى إذا لم يحدث معصية بعد توبته، والموفق الذى لم يبتل بمعصيةٍ أصلاً، فكل هذا الصنف يدخلون الجنة، ولا يدخلون النار أصلاً ... وأما من كانت له معصية كبيرة، ومات من غير توبة، فهو فى مشيئة الله تعالى، فإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة أولاً، وجعله كالقسم الأول، وإن شاء عذبه القدر الذى يريده ، ثم يدخله الجنة، فلا يخلد فى النار أحد مات على التوحيد، ولو عمل من المعاصى ما عمل، كما أنه لا يدخل الجنة أحد مات على الكفر، ولو عمل من أعمال البر ما عمل.

стр. 971

هذا مختصر جامع لمذهب أهل الحق فى هذه المسألة، وقد تظاهرت أدلة الكتاب، والسنة، وإجماع من يعتد به من الأمة على هذه القاعدة، وتواترت بذلك نصوص تحصل العلم القطعى (١) أ. هـ. ... أما ما استدل به المعتزلة وغيرهم من الكتاب والسنة على تخليد صاحب الكبيرة فى النار كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (٢) وقوله ﷺ : "لا يدخل الجنة مدمن خمر، ولا نمام، ولا عاق" (٣) . وقوله ﷺ : "من قتل نفسه بحديده، فحديدته فى يده يَتَوَجَّأُ بها بطنه فى نار جهنم خالداً أبداً" (٤) أ. هـ. إلى غير ذلك من الأخبار المروية فى هذا الباب، واستدلوا بها على تخليد صاحب الكبيرة (٥) . هذه الأخبار التى استدلوا بها على تخليد مرتكب الكبيرة فى النار؛ لا حجة لهم فيها فهى من نصوص الوعيد التى وجهها السلف توجيهاً يتفق ونصوص الوعد الأخرى التى غض عنها المعتزلة الطرف، وهذا من شأن أهل البدع فإنهم يأخذون من النصوص ما يظنون أنه يوافق بدعهم، ويتركون غيرها مما يخالف تلك البدع.وهكذا فعل أهل الاعتزال فى هذا المقام.

стр. 972

وقد ذكر العلماء توجيهات عديدة فى هذه النصوص وأمثالها والمختار منها قولان: أحدهما: أنها محمولة على من يستحل الكبيرة مع علمه بالتحريم، فهذا كافر مخلد فى النار ولا يدخل الجنة أصلاً. والثانى: أنها محمولة على أن مرتكب الكبيرة جزاؤه أن لا يدخل الجنة وقت دخول الفائزين إذا فتحت أبوابها لهم بل يؤخر، ثم قد يجازى وقد يعفى عنه فيدخلها أولاً (١) . والمراد بالخلود إذا عوقب، طول المدة والإقامة المتطاولة، لا حقيقة الدوام، كما فى قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ (٢) والعرب تقول: لأخلدن فلاناً فى السجن، والسجن ينقطع ويزول، وكذلك من سجن، ومثله قولهم فى الدعاء: خلد الله ملكه، وأبد أيامه (٣) .

стр. 973

.. وهناك قول ثالث: وهو أن نصوص الوعيد الواردة فى الآيات، والأخبار فى حق مرتكب الكبيرة، هذا الوعيد جزاؤه، ولكن تكرم فأخبر أنه لا يخلد فى النار من مات مسلماً" (١) ، وقد دلت الأحاديث على ذلك منها قوله ﷺ : "إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار يقول الله: من كان فى قلبه مثال حبة من خردل من إيمان فأخرجوه، فيخرجون قد امتحشوا (٢) ،وعادوا حمماً (٣) ، فيلقون فى نهر الحياة، فينبتون كما تُنْبُتُ الحبةُ فى حَميل السَّيل، أو قال: حَمِيَّةِ السَّيل" وقال النبى ﷺ : "ألم تَروا أنها تَنبتُ صفراء مُلتوية؟ " (٤) .

стр. 974

وقد دلت الأحاديث أيضاً أن قاتل نفسه لا يخلد فى النار، روى الإمام مسلم فى صحيحه عن جابر أن الطفيل بن عمرو الدوسى أتى النبى ﷺ فقال: يا رسول الله هل لك فى حصن حصين ومنعة؟ (قال: حصن كان لدوس فى الجاهلية) فأبى ذلك النبى ﷺ للذى ذخر الله للأنصار، فلما هاجر النبى ﷺ إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو، وهاجر معه رجل من قومه. فاجْتَوَوا المدينة. فَمَرِضَ، فَجَزِع، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ (١) له فقطع بها بَرَاجَمه فَشَخَبَتْ (٢) يداهُ حتى مَاتَ، فَرَآهُ الطفيل بنَ عمرو فى منامه. فرآه وهيئته حسنة، ورآهُ مغطِّياً يَدَيْهِ، فَقَالَ له: ما صنع بك رُّبكَ؟ فقال: غفر لى بهجرتى إلى نبيه ﷺ ، فقال: مالى أَرَاك مُغَطِّياً يديك؟ قال: قيل لى لن نُصْلِحَ منك ما أفسدتَ، فقصها الطفيل على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "اللهم وَلِيديهِ فاغفر" (٣) .

стр. 975

.. قال الإمام النووى ﵀: "ففيه حجة لقاعدة عظيمة لأهل السنة، أن من قتل نفسه أو ارتكب معصية غيرها، ومات من غير توبة فليس بكافر، ولا يقطع له بالنار، بل هو فى حكم المشيئة، وقد تقدم بيان القاعدة وتقريرها، وهذا الحديث شرح للأحاديث التى قبله، الموهم ظاهرها تخليد قاتل النفس، وغيره من أصحاب الكبائر فى النار، وفيه إثبات عقوبة بعض أصحاب المعاصى، فإن هذا عوقب فى يديه، ففيه رد على المرجئة (١) ، القائلين بأن المعاصى لا تضر مع الإيمان، كما لا ينفع مع الكفر طاعة" (٢) أ. هـ. ... وإذا تقرر أن مرتكب الكبيرة، مسلم عاصى، تحت مشيئة ربه إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، فلا وجه لإنكار أعداء السنة لشفاعة النبى ﷺ ، لأهل الكبائر من أمته. فإلى بيان شبههم حول الحديث والرد عليها فى المبحث التالى. المبحث السادس: شبه الطاعنين فى حديث الشفاعة والرد عليهم ... إن تشبث المعتزلة بأصلهم الوعد والوعيد، ووجوب تحقيق الوعيد فى حق مرتكب الكبيرة بتخليده فى النار، أدى بهم إلى نفى الشفاعة لأهل الكبائر يوم القيامة.

стр. 976

قال عبد الجبار: "الشفاعة للفساق الذين ماتوا على فسوقهم، ولم يتوبوا لا تجوز، بل مثالها مثال الشفاعة لمن قتل ولد الغير، وظل يتربص للآخر حتى يقتله، فكما أن هذا قبيح فهى قبيحة أيضاً ... والنبى ﷺ ، لا يشفع لصاحب كبيرة، ولا يجوز له ذلك لأن إثابة من لا يستحق الثواب قبيحة ... والفاسق إنما يستحق العقوبة على الدوام، فكيف يخرج من النار بشفاعته ﷺ (١) . ... وقد رد المعتزلة أحاديث الشفاعة لأهل الكبائر بدعوى تعارضها مع القرآن الكريم والسنة المطهرة، وبدعوى أنها خبر آحاد، ومسألة الشفاعة طريقها العلم، فلا يصح الاحتجاج به (٢) . وما صح من أحاديث الشفاعة أطلق عليها عبد الجبار حكماً عاماً وهو أن أكثرها مضطرب" (٣) . ومما استدلوا به فى إنكار الشفاعة قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (٥) .ونحو ذلك من الآيات، واستدلوا على دعوى التعارض مع السنة المطهرة بما سبق من حديث "لا يدخل الجنة نمام ...الحديث" وحديث "من قتل نفسه بحديدة ... الحديث" (٦) .

стр. 977

وبشبهات المعتزلة استدل دعاة اللادينية فى عصرنا (١) . ويجاب عن شبههم بما يلى: أولاً: الأحاديث فى إثبات الشفاعة لأهل الكبائر ثابتة صحيحة فى الصحيحين، والسنن، والمسانيد وغيرها. وقد نص جماعة من العلماء على أنها تبلغ حد التواتر المعنوى (٢) فزعمهم بأن الأحاديث أكثرها مضطرب. حجة واهية، وزعم عار عن الصحة، لا يتفوه به إلا من جهل حديث النبى ﷺ ، أو أغمض عينيه عنه (٣) .

стр. 978

.. ومن الأحاديث الصحيحة الواردة فى الشفاعة قوله ﷺ : "شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى" (١) ، وزعمهم أن هذا الحديث لم تثبت صحته (٢) ، زعم مردود، لأن الحديث قد ثبتت صحته، وأيدته الأحاديث الثابتة كقوله ﷺ : "لكل نبى دعوة مستجابة، فتعجل كل نبى دعوته، وإننى اختبأت دعوتى شفاعة لأمتى يوم القيامة. فهى نائلة إن شاء الله من مات من أمتى لا يشرك بالله شيئاً" (٣) وقوله ﷺ : "أسعد الناس بشفاعتى يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه أو نفسه" (٤) .

стр. 979

.. تقول الدكتورة عائشة يوسف المناعى: "اضطر المعتزلة إلى اللجوء إلى نقد الأخبار المعارضة التى تثبت الشفاعة لأهل الكبائر من المؤمنين مثل قوله ﷺ : "شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى" فبرغم أن هذا الحديث ينص صراحة على أن الشفاعة لأهل الكبائر، وبرغم صحته فإن المعتزلة لا يتورعون أن يقفوا موقف التكذيب من هذا الخبر ويقولون: "إن هذا الخبر لم تثبت صحته أولاً، ولو صح فإنه منقول بطريق الآحاد عن النبى، ومسألتنا طريقها العلم فلا يصح الاحتجاج به" (١) . ولسنا فى حاجة إلى أن نقول إن إجابة المعتزلة هذه تنبنى على التحكم البحت، وفيها من عدم الدقة شئ كثير، فهم يفترضون مرة أن هذا الحديث غير صحيح، ويفترضون مرة أخرى أنه صحيح ولكنه آحاد وأن رأيهم فى هذه المسألة مبنى على العلم، مع أن قولهم فى هذه المسألة قول لا برهان عليه، بل إن الأقرب إلى العقل أن الشفاعة إذا لم تكن لأهل الكبائر بحيث تخرجهم من النار فإنها لا معنى لها ولا فائدة منها، والمكلف التائب مغفور له، وليس فى حاجة إلى الشفاعة، والنصوص صريحة فى أن التائب يبدل الله سيئاته حسنات، فكيف يحتاج إلى شفيع بعد ذلك؟ وإذا كانت معتزلة البصرة قد اعترفوا بجواز إسقاط العقاب ابتداء من الله تعالى؛ لأنه حقه، وهو يشبه الدين، فله أن يسقطه، وله أن يستوفيه، فالأولى أن يقال بإسقاط العقوبة ابتداء. فكيف يقرر المعتزلة بعد ذلك أن أصلهم فى الشفاعة مسألة علم لا يصح أن تعارضها أخبار الآحاد؟ ومن غريب تفسيرات المعتزلة أنهم يقولون أن التائب من الكبيرة تسقط عنه العقوبة بالتوبة، لكن الكبيرة قد أحبطت ما تحصل عنده من الثواب من قبل، فالشفاعة هنا تنفعه فى إعادة هذا الثواب (٢) .

стр. 980

ولا شك أن كل هذه التأويلات إنما هى فى المقام الأول هروب من مواجهة النصوص الصريحة فى أن الشفاعة، إنما تكون لأهل الكبائر من المؤمنين، وتؤكد أن القضية مع المعتزلة وسائر أهل البدع ليست قضية متواتر وآحاد، وإنما قضية أصولهم التى طوعوا النصوص قرأناً وسنة لأجلها. ومن الغريب أيضاً:"أن يقول أبو الهذيل:"إن الشافعة إنما تثبت لأصحاب الصغائر" (١) . ... والمعتزلة أنفسهم قد سخروا من هذا القول؛ لأنهم قرروا من قبل أن الصغائر تكفرها الطاعات، فلا وجه للشفاعة فى هذا القول" (٢) . أما ما زعم المعتزلة ومن قال بقولهم أن أحاديث الشفاعة متعارضة مع القرآن الكريم. فدعوى مرفوضة؛ لأن ما استدلوا به على نفى الشفاعة، من الآيات القرآنية محمول على الشفاعة للمشركين، والكفار، وهؤلاء لا تنفعهم الشفاعة أصلاً كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (٣) . ... والمراد بذلك الشفاعة التى يثبتها أهل الشرك وأهل البدع، الذين يعتقدون أن الخلق يشفعون عند الله بغير إذن، كما يشفع بعضهم لبعض فى الدنيا (٤) .

стр. 981

والشفاعة إنما تطلب من الله تعالى؛ لأنه هو المالك لها سبحانه كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ (١) . وأما الشفاعة المثبتة فهى لا تثبت عند السلف إلا بشروط وهى: الإذن للشافع بالشفاعة كما قال : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ (٣) . الرضا عن المشفوع فيه. كما قال سبحانه: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ (٤) وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (٥) وعن ابن عباس – رضى الله عنهما - قال فى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ قال:"الذين ارتضاهم بشهادة أن لا إله إلا الله" (٦) . وأما زعمهم دعوى تعارض أحاديث الشفاعة بحديث: "لا يدخل الجنة نمام ... الحديث" وبحديث "من قتل نفسه بحديدة ..." الحديث. فقد سبق الجواب، بما يرفع التعارض، ويوفق بين النصوص (٧) . ... وأما حملهم للحديث على أن المراد به شفاعة النبى ﷺ ، لأهل الكبائر إذا تابوا (٨) ؛ فلا دليل لهم على ذلك. وهو مع أنه تأويل مناهض للنصوص الثابتة، ولا يدل عليه لفظ الحديث، فهو أيضاً معنى فاسد؛ لأن الذى يتوب من الذنب لا يوصف به بعد ذلك، بل يبدل الله

стр. 982

سيئاته حسنات فضلاً منه وكرماً قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١) . فصاحب الكبيرة إذا تاب عن كبيرته وصحت توبته زال عنه هذا الاسم (٢) . قال الصحابى الجليل جابر بن عبد الله ﵁: "من لم يكن من أهل الكبائر فما له وللشفاعة" (٣) . ... وما ذهب إليه بعضهم من حصر شفاعته ﷺ ، على زيادة الثواب، ورفع الدرجات لأهل الثواب (٤) . مردود عليهم بما صرحت به الأحاديث الصحيحة من شفاعات أخرى له ﷺ من ذلك:

стр. 983

الشفاعة العظمى، الخاصة بنبينا ﷺ ، دون سائر خلق الله والواردة فى قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١) وفى ذلك يقول ﷺ : "أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون مم ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين فى صعيد واحد ... إلى أن يقول: فيأتون محمد ﷺ فيقولون: يا محمد أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه، فأنطلق فآتى تحت العرش فأقع ساجداً لربى ثم يفتح الله على من محامده، وحسن الثناء عليه، شيئاً لم يفتحه على أحد قبلى، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه، واشفْع تُشفع ..." الحديث (٢) . شفاعته صلى الله عليه وسلملأمته فى دخول الجنة: كما جاء فى حديث الشفاعة العظمى السابق، وفيه قال ﷺ : فأقول أمتى يا رب، أمتى يا رب، فقال: يا محمد ادخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب (٣) .

стр. 984

ج- شفاعته ﷺ للمؤمنين من أهل الكبائر: وقد سبقت بعض النصوص التى تدل عليها. وهى لا تختص به ﷺ وإنما يشاركه فيها الملائكة، والنبيون، والمؤمنون، كما روى مسلم فى صحيحه بسنده عن أبى سعيد الخدرى أن ناساً فى زمن رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : نعم قال: "هل تُضَارُّونَ فى رُؤية الشمس بالظهيرة صَحْواً ليس معها سَحَابُ؟ " فذكر الحديث وفيه: "فيقول الله : شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون. ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضه من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط ..." الحديث (١) . ... وله ﷺ شفاعات أخرى، منها ما يشاركه فيها غيره، ومنها ما يختص به (٢) أ. هـ. اللهم إنى اسألك شفاعات نبيك ﷺ وأبرأ إليك من جهل الجاهلين وإلحاد الملحدين المنكرين لشفاعة سيد المرسلين ﷺ

стр. 985

الفصل الرابع: أحاديث ظهور "المهدى" وخروج "الدجال " و"نزول المسيح ﵇" ... وتحته مبحثان: المبحث الأول: شبهة الطاعنين فى أحاديث الأمور الغيبية "المستقبلية" و"الأخروية " والرد عليها. المبحث الثانى: شبهات المنكرين لظهور "المهدى" و "خروج الدجال" و "نزول المسيح ﵇" والرد عليها. المبحث الأول: شبهة الطاعنين فى أحاديث الأمور الغيبية "المستقبلية" و"الأخروية" والرد عليها ... أحاديث الأمور الغيبية التى أخبر بها المعصوم ﷺ ، والتى تعد من الأدلة على صدق نبوته ﷺ ، طعن فيها أعداء الإسلام بحجة أنه ﷺ ، لا يعلم الغيب، فطعنوا فى أحاديث الفتن وأشراط الساعة، والأمور السمعية، من عذاب القبر ونعيمه، وما فى يوم القيامة من حوض وميزان، وصراط ...، بل وطعنوا فى الأحاديث الصحيحة التى تصف نعيم الجنة، وعذاب النار ... إلخ. يقول جمال البنا: "عرض الأحاديث على القرآن، سيؤدى إلى التوقف أمام الأحاديث التى جاءت عن المغيبات بدءً من الموت حتى يوم القيامة، والجنة والنار، فهذه هى ما استأثر الله تعالى بعلمها ... ويدخل فى الغيب التنبؤ بما سيحدث قبيل الساعة، مما يسمونه "الفتن" ويدخل فيها المهدى، والدجال، وما إلى هذا كله. ... والأحاديث التى تتحدث عن الفتن، والمهدى، والدجال، ثم الموت، وعذاب القبر، فالحشر، والنشر، والجنة والنار، تجاوزت المئات إلى الألوف، ونحن نطويها دون حساسية أو أسى" (١) أ. هـ.
следующие страницы →